البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

لغة الدين، اتِّجاهات معاصرة في دائرة النقد

الباحث :  د محمد باقر سعيدي روشن
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  60
السنة :  العدد 60 السنة الخامسة عشر شتاء1432 هجـ 2011 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  401

لغة الدين، اتِّجاهات معاصرة في دائرة النقد

الدكتور محمد باقر سعيدي روشن (*)

إنَّ الهدف الذي ننشده من البحث في هذه الدّراسة هو بيان أنَّ ثقافة القرآن وتعاليمه وإن كانت تشترك في بعض المفاهيم مع ثقافة الغرب والتعاليم الدينيَّة فيه إلا أنَّها تفترق عنه في مجموعةٍ من النقاط الرئيسة؛ وانطلاقاً من هذه النقطة بالتحديد لا يُمكن الاتِّجاه نحو تطبيق النظريَّات الجديدة التي تظهر في الغرب حول لغة الدِّين والتي تتعلَّق بثقافة ونصوص الفكر الدينيّ اليهوديّ والمسيحيّ والتي تعود لأسباب خاصَّة بها على الثقافة الإسلاميّة والقرآنيّة. إنَّ أسباب ظهور هذه النظريَّات والاتِّجاهات الجديدة في الغرب متعدِّدة ومختلفة، ولكنَّنا في هذا القسم من الدراسة سوف نقوم بدراسة ثلاثة عناصر هي: تعميم منهج المعرفة التجريبيَّة، النظرة النقديَّة للماضي والهرمنوطيقيا الفلسفيّة، والبحث سوف يقع عن تأثيرها المباشر وغير المباشر على ظهور لغة دينيّة جديدة في الغرب.
العصر الجديد
إنَّ السعي لفهم وتحديد معنى النصوص الدينيَّة شكَّل سبباً طبيعيّاً للبحث في علوم اللغة في الدِّراسات التي تكفَّلت البحث عن تفسيرٍ للنصوص الدينيّة. وعلى أساس ذلك لاحظنا كيف تمَّ الاهتمام بمجموعةٍ من الفرضيَّات اللغويَّة التي ترتبط بالنصوص الدينيَّة في المنهج التفسيريِّ اليهوديّ المسيحيّ.
________________________________________
(*) باحث إسلامي متخصص في علوم القرآن، من إيران.

[الصفحة - 10]


وهنا لا بدَّ وأن نُضيف أمراً آخر وهو أنَّ انتقال الفكر الدينيّ الفلسفيّ الغربيّ من العصر المدرَسيّ الكلاسيكيّ، وسيره باتِّجاه العصر الجديد أو الحداثة (Modernity) كان قد شهد نقطة تحوُّل في كافَّة المجالات الفكريَّة ومن جملتها المعرفة الدينيّة واللغة والنصوص الدينيّة.
أُسس التفكير في القرون الوسطى
لقد شكَّل عنصر اليقين الأساس الذي قامت عليه طريقة التفكير في القرون الوسطى. وهذه الطريقة في التفكير تعود في الأساس إلى الإيمان الدينيّ، بل إن الوصول إلى الحقيقة يعود إلى الإيمان الدينيّ. وعلى أساس هذا اليقين كانت تتمُّ عمليَّة التقييم، ومنطلق هذا اليقين كان الوحي والتعاليم الكنسيَّة.
شكَّلت ثنائيَّة العقل والوحي الأساس الذي كان يَعتمد عليه اللاهوت في ذلك العصر، وكان نتاجاً لاتِّحاد عناصر ثلاثة هي الفلسفة، علم الكونيَّات (الأرسطيّ) وإيمان أهل الكتاب. ومنشأ الأخيرين هو النزعة الكنسيَّة، أيّ الاعتماد على الثقة بالكنيسة ومنهج التفسير الشفاهيّ (1). وهذه النزعة تقوم على أساس أنّ منطلق الدِّين هو الوحي السماويّ ورسالة الله للإنسان ليبني الإنسان حياته على أساس الإيمان. والنصوص الدينيّة تحتوي على مضامين واضحة وتحمل هدفاً واضحاً والإنسان هو الطرف المخاطَب في الخطاب الإلهيّ.
إنَّ أسلوب هذه النصوص، وإن اشتمل على المجاز، التمثيل والكناية، إلا أنَّ الأساس فيه هو بيان الحقيقة والواقع. ولغة هذه النصوص تقوم على ترجمة الواقعيَّات، عالم الوجود، بداية الكون ونهايته. فوجود الله (عزوجل)هو حقيقةٌ مستقلّة عن ذهن الإنسان إلا أنَّها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحقائق العينيّة. ومعرفة مفاد هذه النصوص ومعانيها وإن كان يتطلَّب أسلوباً خاصاً ومؤهّلات خاصّة، إلا أنَّه أمر يُمكن الوصول إليه، والإنسان ككيان كان أهلاً لأن يُخاطَب بالوحي السماويّ، ويملك القدرة على فهم مقاصد الشريعة والسير على أساسها.
________________________________________
(1) - باربور، أيان، علم ودين، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي، ص22.

[الصفحة - 11]


الاتجاه الناسوتيّ
أدَّى نشوء عصرٍ جديدٍ (النهضة)، والذي يُوصف بأنَّه الحامل لرؤية كونيَّة علميَّة تجريبيَّة ذات نزعة إنسانيّة (هيومانيزم ـ humanism) وأدوات عقلانيّة، والذي شكَّلت فلسفة ديكارت المختصرة بمقولة (أنا أفكر، إذاً أنا موجود) بدايته، إلى وضع الإنسان أمام نظرةٍ جديدةٍ إلى تمام عالم الوجود، والتي تختلف في تكوينها كمّاً وكيفاً بنحو لا يمكن مقايسته مع النظرة الوجوديّة السابقة عليه. لقد أراد الإنسان في هذا العصر أن يحرِّر نفسه من مرجعيَّة الدِّين والكنيسة والتعاليم التي كانت تلقّنها له، وأراد ان يتَّبع العقل في سبيل الوصول إلى منهجٍ جديد (Method) يُتيح له الوصول إلى اليقين. وقد اقترنت ولادة هذا الاتِّجاه بالكشوفات العلميّة الحديثة والثورة الصناعيّة من جهة والمناهج العلميّة الجديدة، والفلسفة الحديثة ونهضة الإصلاح الدينيّ من جهةٍ أُخرى. وهذا الأمر أدَّى إلى قيام تحوُّلات جديدة في القرون الثلاثة الأخيرة فيما يرتبط بهذا العالم والإنسان والدِّين والنصوص الدينيّة واللغة التي يُمكن من خلالها فهم الدِّين.
لقد أدَّت عوامل متعدِّدة - كالكشوفات العلميّة والآراء التي قدَّمها علماء أمثال تيكو براهه (1546 ـ1607م)، الفلكيّ البولنديّ كبلر (1571 ـ1630م)، الرياضيّ والفلكيّ الألمانيّ غاليله (1564 ـ1642 م)، الرياضيّ والفلكيّ الإيطاليّ نيوتون (1642 ـ1727م) وسائر علماء الرياضيّات والفيزياء البريطانيين و.... في مختلف المجالات - من علم الهيئة والنجوم، اختراع الطباعة الذي سهّل عمليّة طبع الكتب ونشرها، اختراع التلسكوب الذي أدَّى إلى استبدال النظريَّات السالفة بعلم الفلك الحديث والذي فتح عيون البشر إلى عالمٍ مختلفٍ من الكونيَّات ـ إلى هدم نظام المعرفة الكونيَّة الأرسطيّ الذي كان تلفيقاً من الفلسفة الكلاميّة الطومائيَّة ـ طوماس آكويناس ـ والتي كانت محترمةً بل ومقدَّسةً في المحافل الكاثوليكيّة الروميّة والتي كانت يُدافع عنها بحماس، كما أدَّت تلك العوامل إلى التشكيك في اعتبار مفهوم الكتاب المقدَّس (2).
________________________________________
(2) - العلم والدين، ص34.

[الصفحة - 12]


إنَّ الخصوصيّة الأساس للنهضة تمثَّلت في ذلك الانتشار الذي لا سابق له في تبنِّي رؤية كونيّة، وانتشار العلم الدنيويّ الذي كان مقتصراً في السابق على القساوسة، ولم يكن من المسموح له أن يتعدَّى المقرَّرات التي تعلنها الكنيسة.
لقد قام رجال النهضة بالبحث عن كلِّ ما يشغل الفكر الإنسانيّ من المثلَّثات العالقة إلى الشعبذة دون خوف من التلوُّث بالأمور الدنيويَّة. ولم يعتن هؤلاء بمقولات القديس بولس، وكانوا يفخرون علناً بالإنسان (3).
وبعبارةٍ أُخرى، تعدَّدت وتنوَّعت أسباب وعِلَل وموجبات ظهور النهضة وخصوصيَّاتها ولوازمها، ولكنَّنا نبحث هنا بشكلٍ أساس حول ما يرتبط ببحثنا.
بعض أسباب ظهور العصر الجديد
لقد سعى أرباب الكنيسة في القرون الوسطى لتحميل النصِّ الدينيّ كافَّة العلوم سواء الميتافيزيقيّة منها أو الفلسفة أو العلوم والفنون البشريَّة المتطوِّرة، لإضفاء صبغة لاهوتيّة (Tologism) عليه(4).
وبعبارة الشهيد المطهريّ: «لقد كان لدى الكنيسة بالإضافة إلى العقائد المذهبيَّة الخاصة، سلسلة من الأصول العلميَّة التي ترتبط بالكون والإنسان، والتي تعود في جذورها غالباً إلى الفلسفة اليونانيّة وغير اليونانيَّة وتلقَّاها علماء الديانة المسيحيَّة وبشكلٍ تدريجيّ بالقبول، وهي كانت رديفاً للأصول والعقائد الدينيّة، ولا تصحُّ مخالفة هذه (العلوم الرسميّة)، بل كان يواجه المخالفون لها بشدة» (5).
يُضاف إلى ذلك استبداد الكنيسة وحرصها على حفظ مصالحها طيلة عشرة قرون من التسلُّط بعنوان كونها مذهباً مفروضاً على الناس. والصورة التي تكوَّنت في عقل الأوروبيِّين عن الدّين هي صورة مليئة بالعنف والقهر والاستبداد، ومواجهة أيِّ فكرٍ بشريٍّ خلاق ومبدع بمحاكم التفتيش. وقد أدَّى ذلك إلى ردَّة فعل تمثَّلت بالنزوع عند أوَّل فرصةٍ للتخلي عن الدِّين واللجوء إلى العقل البشريّ. وكما ذكر
________________________________________
(3) - لويس، ويليام، هلزي، تاريخ فلسفة وعلم، ترجمة عبد الحسين، آذرنك، ص149 ـ155.
(4) - جيلسون، أتين، نقد تفكر فلسفي غرب، ترجمة أحمد أحمدي، ص 42.
(5) - مطهرى، مرتضى، علل كرايش به ماديكرى، ص 55 و67.

[الصفحة - 13]


بعض الباحثين فإنَّ الأنسنة (هيومانيزم) والعلمانيَّة هي من الميِّزات الرئيسة للعصر الجديد، والذي بدأ مع عصر النهضة وما زال قائماً إلى الآن في الغرب. فنظريَّة (أصالة الدنيا) أدَّت تدريجاً إلى فصل الفلسفة وابتعاد العلم عن الدِّين، وبعد ذلك خرجت كافَّة المؤسَّسات السياسيَّة والاجتماعيَّة عن مضمونها الدينيّ. وفي القرن التاسع عشر فقد علم الكلام معناه الدينيّ مع كونه ذا محتوى دينيّ، وحلَّت مكانه أيديولوجيَّات ذات نزعة لا أدريَّة وإلحاديَّة (6).
مكوِّنات الفكر الجديد وتَبِعَاتِه
1ـ تعميم منهج المعرفة التجريبيّة
شكَّل ظهور مارتين لوثر وتأسيس المذهب البروتستانتيّ (1517) مقابل المذهب الكاثوليكيّ، والحدّ من سلطة الجهاز البابويّ والذي أدَّى إلى قيام حريَّة فكريَّة وظهور مدارس فلسفيّة جديدة كالفلسفة التجريبيّة لفرانسيس بيكون (1561 ـ1624) وكتابه (الأورغانون الجديد) في المنطق، حيث قدّم فيه مدرسة جديدة مقابل مدرسة القدماء لا سيما أرسطو الذي كانت أفكاره هي التي تحكم عمل السلطة، شكَّل هذا كلّه فرصة للعلماء لنهضة الفكر الاستدلاليّ (7) عندهم ولتأسيس المنهج العلميّ الجديد الموسوم بالمنهج العلميّ ـ التجريبيّ، والذي كان له تأثيره على مختلف جوانب الحياة البشريّة.
وعلى هذا الأساس، ومنذ قيام الثورة الصناعيَّة والنجاحات البشريَّة في الكشوفات الجديدة والقوانين العلميّة وظهور منهجٍ علميّ جديد وولادة فلسفات جديدة، توافرت ظروف قيام مواجهة بين الفكر الدينيّ الغربيّ والفكر العلميّ الجديد. وتجليَّات هذه المواجهة ظهرت في زوايا وأبعاد متعدِّدة: كالتعارض بين الفرَضيَّات العلميَّة والفرَضيَّات الدينيَّة، التعارض بين الكشوفات العلميَّة وظواهر النصوص الدينيّة، التعارض بين التَّبِعَات الداخليّة والنفسيّة للكشوفات العلميّة واليقينيّات الدينيّة وغير ذلك.
________________________________________
(6) - نصر حسين، جوان مسلمان ودنياى متجدد، ص202.
(7) - دكارت، رينيه، تأملات در فلسفة أولى، ترجمة أحمد أحمدي، ص4.

[الصفحة - 14]


لقد سبَّب هذا الأمر منذ اليوم الذي قام فيه وإلى الآن والتَّبِعَات المترتِّبة عليه، صدىً متعدِّد الأبعاد تمثَّل في الفصل بين العلم والدِّين، التوجيه النفعيّ للعلم والدِّين، واختلاف لغة الاثنين، الفصل بين التجربة الدينيّة والتعبير البشريّ، كون المعرفة الدينية متغيِّرة وفصلها عن الدِّين، القول بعرفيَّة أو رمزيَّة اللغة الدينيّة، تأويل النصوص الدينيّة، وأمثال ذلك الكثير ممَّا يتَّصل بعلم اللغة أو يرتبط بها بنحوٍ م (8).
لقد أدَّى حصر مجال العلم والفكر بالنمط الفكريّ لأرباب الكنيسة من جهةٍ، وثورة العلوم التجريبيَّة من جهة أخرى، إلى تعميم المنهج التجريبيّ على العلوم كافَّة. وقد ترتَّب على هذا التحوُّل تَبِعَات مختلفة نشير إلى بعضها هنا.
التشكيك
ذكرنا فيما سبق أنَّ الأساس الفكريّ في القرون الوسطى كان يُبتني على معنى اليقين. وكانت نظرته إلى الكون تقوم على هذا البناء. وأمَّا العصر الجديد فإنّ أهمّ ما ميّزه كان ما يحمله من نظرةٍ جديدةٍ لعالم الوجود كلّه، تقوم على أساس التشكيك والترديد وعدم وجود أيِّ معرفةٍ يقينيَّة في هذا العالم. لقد عمَّم مونتني وهو أحد كتَّاب عصر النهضة في مقالاته (1580) مقولة التشكيك في كلِّ شيءٍ، ووضع علامات استفهام حول حقيقة الإدراك المعتبر، وذهب إلى أنَّ إدراك كلِّ شخصٍ منوطٌ بما يُحيط به من خصوصيَّات شخصيَّة، وبما يحمله من أحكام مسبَقة. وعلى هذا الأساس ذكر ديكارت (1596 ـ1650) مؤسِّس الفلسفة الحديثة بعد عصر نهضة الإصلاح الدينيّ أنَّ هذه النهضة هي من نتائج الشك وتعميمه (9). واعتبر أنَّ أساس فلسفته يقوم على البحث في المعرفة البشريّة، وأنَّ تأمُّلاته بدأت من تلك النقطة التي وقع فيها الشكَّاكون. لقد بدأ من الشكِّ المشروع، الشكِّ الذي يشكِّل نقطة بداية للوصول إلى معرفةٍ صحيحة لا للبقاء في الشك. ومنهجه وإن كان نافعاً للخروج من الشكِّ والوصول إلى اليقين، إلا أنَّه يرى بوضوح أنَّ اليقين والصدق أمران مختلفان. فاليقين حالةٌ من حالات الذهن، وأمَّا الصدق فهو صفةٌ للمقولات وهي ترتبط عادةً بما تكون
________________________________________
(8) - راجع: علم ودين، الفصل4، لغة الدين، ص44.
(9) - مغى، براين، فلاسفة بزرك، ص125.

[الصفحة - 15]


عليه الأشياء في الخارج، ولكن مع ذلك لم تقدِّم فلسفته تفسيراً واضحاً للمطابقة التي تضمن الصدق.
من جهةٍ أُخرى برزت في هذا العصر قوانين الحركة والجاذبيَّة عند نيوتن (1642 ـ 1727) والتي تقبل الانطباق على كلِّ شيءٍ من أصغر ذرَّة إلى أبعد المجرَّات. لقد جعلت هذه النظريَّة العالم على صورة آلةٍ معقَّدةٍ تسير وفق قوانين لا تتبدَّل ولا تتغيَّر بنحوٍ يُمكن التنبّؤ بكلِّ جزءٍ منها بدقَّة. لقد شكَّل هذا التحوّل العلميّ الأساس الميتافيزيقيّ للفلسفتين الجبريّة (determinism) والماديّة (materialism)، وإن كان ما يتبنَّاه نيوتن دينياً هو أنَّ هذه الآلة هي من صنع خالقٍ حكيم. وبتعبير (هوايتهد) هذه الواقعة هي (مغالطة ذات نزعة واقعيَّة في غير محلها) تجعل من بعض التحليلات العلميّة تحل محلَّ الواقعيَّات الخارجيَّة.
ولكن كان لقوانين نيوتن على أيِّ حال تأثير في الكثير من الأذهان لترى أنَّ الفعل الإلهي يقتصر على العلّة الأولى ونزعة الخير في عمليَّة الخلق الأولى، دون الأبويَّة المستمرّة، وإن سعى الكثير من أهل الذوق لإخراج المعجزات التي وردت في الكتاب المقدَّس والتي يشعرون بأنَّها جزء من التراث المسيحيّ الذي يملكونه عن أن تكون مشمولةً بقوانين الطبيعة (10).
انتشار النزعة التجريبيّة، أساس التشكيك
في تلك الأيَّام ظهرت جماعة من التجريبيِّين كجان لوك (1632 ـ 1704)، وباركلي (1685 ـ 1753) ودايفيد هيوم (1711 ـ 1776). وسعى كلُّ واحدٍ منهم لتعميم المنهج التجريبيّ لنيوتن على المجال الفلسفيّ. والنزعة التجريبيَّة هي في الواقع تقع على الطرف المقابل للنزعة العقليَّة، وترى أنَّ كافَّة الإدراكات البشريَّة هي من تصوُّرات وتصديقات ترجع إلى الحسّ. ومن الطبيعيّ أن يُنتج هذا النمط المفرط منها التشكيك في كافَّة المفاهيم الميتافيزيقيّة ومن جملتها المقولات الدينيّة.
________________________________________
(10) - العلم والدين، 43 ـ51.

[الصفحة - 16]


بدأ جان لوك (11) فلسفته من المعرفة الإنسانيّة وقوَّة الإدراك التي لديه. وذهب بعد نفيه للمعارف الفطريَّة إلى أنَّ التجربة الحسيَّة هي مبدأ العلوم كافَّة، وإن لم يلتزم بنفي المفاهيم الكليَّة ومفهوم العليَّة. وقد تمَّم بحثه في باب التصوُّرات بالبحث عن اللغة والألفاظ الموحِّدة للتصوّرات المختلفة. وضمن نفس هذا الإطار قدَّم نظريَّته حول معاني الألفاظ العامّة والكليّة وذلك جواباً عن السؤال الذي يتمحور في أنَّ جميع الموجودات إذا كانت جزئيَّة فمن أين جاءت تلك الطبائع العامَّة التي تدلُّ عليها الألفاظ العامَّة؟ وعلى أساس نظريَّته فإنَّ معنى الألفاظ العامَّة يتحقَّق من خلال التصوُّرات الكليَّة أو المجرَّدة المثيلة (12).
ذهب باركلي بعد لوك إلى الاعتقاد بأنَّ كافَّة مواد المعرفة تنشأ من الإدراك الحسيّ وأنكر المفاهيم الكليَّة (13).
واختار دايفيد هيوم هذا المنهج الذي يَعتمد على أصالة التجربة، وذهب إلى نفي كلِّ معرفة غير المعرفة التي تعتمد على الحسّ، وأسَّس من خلال تشكيكه في أصل العليّة وجعله مسبَّباً عن الأنس الذهنيّ والعادة الذهنيَّة التي تنشأ من تقارن وتعاقب بعض الظواهر (14)، ونفي وجود أيِّ نوع من الضرورة العليّة بين الظواهر لنوعٍ من النزعة اللاأدريَّة الدينيَّة (agnosticism) مقابل برهان الصُنع المتقَن (15). وعلى أساس هذا الاتِّجاه فإنَّ كلَّ ما يُطلق عليه أنَّه معرفة لا بدَّ وأن يخضع للتجربة، فإن لم يجتزها ولم ينتقل إلى الذهن بأدوات الحسِّ كان فاقداً لأيِّ اعتبار. والنتيجة الفلسفيَّة التي توصَّلت إليها هذه النظريَّة كانت طرد أيِّ نوعٍ من المفاهيم المعقولة الكليَّة والضروريَّة من ساحة المعرفة البشريَّة ما لم تكن قد عبرت طريق الحسّ وخضعت للتجربة الحسيَّة. ومن هذه المفاهيم كان مفهوم (الجوهر) سواء كان مادياً أو نفسياً لأنَّنا لا نحس بشيءٍ يُطلق عليه الجوهر على الإطلاق، فلا بدَّ من إنكاره، وكذلك مفهوم العليَّة وهو من المفاهيم الفلسفيَّة، فقد تمَّ حذفه من قاموس المعرفة البشريَّة.
________________________________________
(11) - لاك، جان، تحقيق در فهم بشر، تلخيص برينغل بتسيون، ترجمة رضا زادة شفق، ص1ـ7؛ بزركمهر، منوتشهر، فلاسفة تجربى انكلستان، ج1، ص18ـ19؛ كابلستون، فردريك، فيلسوفان انكليسى، ص84.
(12) - هاملين، دايفيد، و، تاريخ معرفت شناسى، من دائرة المعارف فلسفى، ص57.
(13) - المصدر نفسه.
(14) - فيلسوفيان انكليسى، ص151.
(15) - علم ودين، ص89

[الصفحة - 17]


فالعليَّة، وهي عبارة عن العلاقة الضروريَّة والدائميَّة بين العلَّة والمعلول، هي أمر لا مكان له في الحسِّ والتجربة الحسيَّة؛ لأنَّ الأمر المحسوس هو دائماً جزئي والحسُّ لا يصل إلى الكليَّة والضرورة.
لقد أوجب مذهب دايفيد هيوم القائم على أصالة التجربة نوعاً من النتائج المزلزلة. فإنَّ إنكار الجوهر لم يقتصر أثره على عدم تفسير الوجود المستقلِّ للأشياء والأجسام خارج الذهن بل إلى إنكار وجود النفس والروح من حيث كونها من الجواهر، ولم يبقَ للإنسان أيُّ أساسٍ يُثبت من خلاله هويَّته الشخصيَّة.
ومن خلال إنكار أصل العليَّة انقطع أساس ما في الذهن، ووصل الأمر إلى حدٍّ ادّعى فيه هيوم أنَّك إذا كنت أكلت شيئاً يُطلق عليه الخبز وتمكَّنت من الشبع من خلال أكلك إيَّاه، فإنَّك لا يُمكنك أن تعتقد أنَّك لو أكلته غداً سوف تشبع. وذلك حيث لا برهان حسيَّاً لديك على أنَّ للخبز خصوصيَّات موحَّدة وثابتة، كما لا يُمكنك إثبات أنَّ بين أكل الخبز والشبع علاقة ضروريَّة كليَّة ودائميَّة.
إنَّ إنكار أيِّ قيمةٍ لبعض المفاهيم كالجوهر والعليَّة، لم يقتصر أثره على نفي موضوع علمٍ يُطلق عليه ما بعد الطبيعة، بل كان له تأثيره على العلم التجريبيّ الذي اعتمد عليه التجريبيِّون في مبتنياتهم الفلسفيَّة ومنهجهم العلميّ، وجعله ممَّا لا مبرِّر له.
لقد شكَّلت المثاليَّة والتشكيك المولود العجيب للإنطباعيَّة أو المذهب التأثّري والتي ظهرت من خلال إنكار أصل العليَّة؛ لأنَّ المعطيات الحسيَّة التي هي انطباعات حسيَّة لا يُمكنها أن تُثبِت وجود شيءٍ خارج الذهن. وإثبات الخارج عن الذهن والاعتقاد بأنَّ المدركات الحسيَّة تحكي عن الأشياء الخارجيَّة مستلزمٌ للإيمان والقبول بأصل العليَّة وهذا ممَّا لا مكان له في فلسفة هيوم (16). ومن هنا أدَّى كتابه حوارات حول الدِّين الطبيعيّ (Concerning Natural Religion Dialogues) والذي كان في الواقع نفياً للدِّين، إلى حدوث أزمة جديَّة في مفادات الحقائق الدينيَّة.
________________________________________
(16) - حداد عادل، غلامعلى، مجلة فلسفة، (الدورة الجديدة) ، العدد1، ص64 و65.

[الصفحة - 18]


الفلسفة المتعالية لـ (كانت) وإخراج المتافيزيقيا من ساحة المعرفة
ضِمْنَ الاتِّجاه المتقدِّم ظهر في السنوات العشرة الأخيرة من القرن الثامن عشر عمانوئيل كانت (1724 ـ 1804)، وهو فيلسوف ألمانيّ، ومن خلال تحديده لحدود الإدراك البشريِّ في فهم ظواهر الأشياء (الفينومينات) وعدم إمكان إدراكه لذوات الأشياء ولنفس الأمر (النومينات) أسَّس لفلسفة ذهنيَّة كاملة أخرج من خلالها الميتافيزيقيا من دائرة المعرفة البشريَّة.
لقد بدأ من علم الذهن للوصول إلى معرفة العالم، ولكنَّه لم يصل إلى معرفة العالم إطلاقاً. وكما يقول (كانت) فإنَّه ومن خلال دراسته لفلسفة هيوم ونتائجها المزلزلة استفاق من حلم الجزم. ولذا شكّلت نظريَّات هيوم نقطة البداية لعمل (كانت) والتي كانت تنصُّ على أنَّ المعرفة بكافَّة أشكالها تبدأ من التجربة دون أيِّ شبهةٍ في ذلك، ولكنَّه لم يَشأ التسليم للنتائج المترتِّبة على فلسفة هيوم، ولذا اتَّجه إلى القول بأنَّ المعرفة وإن كانت تبدأ بالتجربة ولكن لا دليل على أنَّ كافَّة أنواع المعرفة لدينا تنشأ من التجربة.
وتوصَّل (كانت) إلى أنَّنا لو أردنا أن نتبنَّى مقولة هيوم بأنَّه لا معرفة لدينا إلا ممَّا يحصل من خلال المعطيات الحسيَّة، ففي هذا الفرض لن يكون العلم ممكناً؛ لأنَّ العلم يتوقَّف على مجموعة من القضايا (الكليَّة) و(الضروريَّة)، وإثبات صحَّة واعتبار هذه القضايا لا يمكن أن يتمّ من خلال الاعتماد على أصالة التجربة. ولذا اتَّجه (كانت) إلى الاعتقاد بأنَّه لا بدَّ لأجل إدخال عناصر أخرى في المعرفة من القول بأنَّ (الكليَّة) و (الضرورة) أمران لازمان في المعرفة العلميّة، يعتمدان على بناءٍ من الذهن نفسه. فالمعرفة هي حاصل مشاركة توأمين: أحدهما المدركات الحسيَّة الناشئة من تأثير عالم الخارج على عالم الذهن، وثانيهما العناصر الموجودة مسبقاً في الذهن. والتي يَستخدمها الذهن بعنوان كونها سابقة (apriori) في مرحلة الإحساس وفي مرحلة الفهم.
________________________________________

[الصفحة - 19]


ويُضيف الذهن في مرحلة الإحساس عنصرين هما (الزمان) و(المكان)، وهما عنصران يسبقان الإدراك الحسيّ. كما يدخل في مرحلة الفهم أيضاً اثنا عشر عنصراً متمحِّضاً في المفهوميَّة أو فقل غير تجريبيّ كالعليّة، الوحدة، الكثرة، الوجود، الوجوب و... وهي مقولات (مسبَقة في القوَّة المدرِكَة)، وهي من لوازم التكوين الذهنيّ، وهي التي تحفظ الذهن من الوقوع في ضرر الشكّ التأثّري عند هيوم.
وعلى هذا الأٍساس كان يعتقد بأنَّ المعرفة ليست هي صورة لم تُمسّ من قِبَل عالم الخارج والواقع، بل هي صورة مصنوعة من عمل مشترك بين (الذهن) و(العيان) وهي الظاهرة أو (الفينومينات) (phenomenon). وما يكون مستقلاً عن الذهن ولا مجال لتدخُّل العناصر المسبَقَة من الزمان والمكان والعناصر الاثني عشر الأخرى للقوّة المدرِكة فيه هو (الذات المعقولة) أو النومينات (nomenon) وهي من وجهة نظر (كانت) عبارة عن (الشيء في نفسه)، وما هو خارج عن الذهن لا يمكن معرفته إطلاقاً.
ولذا يرى (كانت) أنَّ الفلسفات السابقة لفلسفته هي فلسفات مرآتيَّة ترى في الذهن مرآةً تنعكس فيها واقعيَّات العالم، وأمَّا فلسفته فهي فلسفة منظاريَّة؛ لأنَّ الذهن عنده هو كالنظَّارات التي لها لون بنفسها وهي في الوقت نفسه ليست حمّالة، فالمعرفة هي نتاج مشترك بين الذهن والعيان. وبهذا يذهب (كانت) إلى قطع جميع قنوات اتِّصال الذهن بعالم الخارج وإلى الاعتقاد بأنَّنا لا يُمكننا أن نجعل أيّ حقيقةٍ أو واقع واسطة مدرِكة. فكلُّ مفهوم موجود في ذهننا لحساسيّتنا المسبَقة دور في تكوُّنه، والعناصر الذهنيّة المسبَقة لا سيَّما الزمان لها دور في صناعته وإضفاء صبغة الظاهرة عليه.
لقد أدَّى قطع (كانت) أيَّ نوعٍ من العلاقة بين (المعرفة) و(معرفة الوجود) إلى أنَّ تتَّجه فلسفته نحو المثاليَّة. ولذا يُمكننا اعتبار أقرب أنواع النزعات نحو (النسبيَّة) في المعرفة هو في نقد (كانت) للعقل النظريّ. لقد أدَّت نظريَّته التي تُبتنى على دور
________________________________________

[الصفحة - 20]


فعَّال للذهن في المعطيات الحسيَّة، وذلك من خلال إعمال المفاهيم أو المقولات لتحديد طريقة تجربتنا عن العالم، إلى التشكيك بنحو جديّ في نظريَّة الصدق، بمعنى المطابقة، وهي مركز الثقل في المعرفة. فالمعرفة هي خليطٌ من العيان ومقولات الذهن المفكِّر، ونتيجة ذلك أن تكون نسبيَّة ومتعدِّدة بتعدّد البشر. ولذا ذهب إلى أنَّ العقل النظريّ عاجزٌ عن إثبات المدعَيَات الدينيَّة مثل: وجود الله، وجود النفس وبقائها، الاختيار و...، وسعى للاستفادة من العقل العمليّ والتجربة الأخلاقيَّة للحفاظ على إثبات وجود الله والدِّفاع عن العنصر الدينيّ (17).
والآن يأتي دور السؤال التالي: إنّ إصرار كانت على أنَّ معارفنا تَعبِر عن طريق الصوَر السابقة على الحسِّ والمفاهيم المسبَقة للقوَّة المدرِكة؛ هل يشمل كافَّة أنواع المعرفة أو أنَّه مع فرض صحَّته لا يشمل سوى المعرفة الحصوليّة فلا يعمُّ المعرفة الحضوريَّة؟ ومع قطع النظر عن كون المعرفة الحصوليَّة هي بنفسها معرفة حضوريَّة هل يُمكن القول بوجود واسطة وفصل بين معرفة الإنسان بذاته ووجوده ومعرفته بالوجود؟ ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ نفس المعرفة والعلم الحاصلين لدى العالم هما نوع من الوجود (18).
إنَّ ما نصل إليه من خلال هذه النظرة العابرة، أنَّه ومنذ عصر النهضة والانتقال إلى العصر الجديد وإلى نهاية القرن الثامن عشر، شهدنا ظهور أسباب جديدة للبحث عن لغة الدِّين وتحليل هذه اللغة في الغرب، وذلك تَبَعاً للكشوفات العلميّة الجديدة، تعميم المنهج التجريبيّ إلى الميتافيزيقيا، نهضة الإصلاح الدّيني، النقد الأدبيّ والتاريخي للنصوص المقدَّسة، الفلسفة المثاليَّة لـ (كانت) وطَرْدِ أيِّ نوع من المعرفة الميتافيزيقيّة، ويدخل في ذلك أيضاً جملةٌ من المفاهيم والمقولات الدينيَّة الأساس التي لها نزعة ميتافيزيقيَّة، وقد أدَّى ذلك كلُّه إلى جعل علماء الدِّين الغربيين في موقفٍ صعبٍ.
وأمَّا في القرن العشرين، فمع قطع النظر عن التطوّر العلميّ والنموِّ غير العادي
________________________________________
(17) - راجع، كابلستون، فردريك، كانت، ترجمة، منوتشهر، بزركمهر؛ هارتناك، يوستوفس، نظرية معرفة در فلسفة كانت، ترجمة غلامعلى حداد عادل؛ كانت، تمهيدات، ترجمة غلامعلى حداد عادل؛ علم ودين، ص91؛ مردان أنديشه، ص356.
(18) - حداد عادل، غلامعلى، مجلة فلسفة، (دورة جديد) ، العدد1، ص 66 ـ 69.

[الصفحة - 21]


للصناعة الإلكترونيّة والعلوم المتعلِّقة به، وعلم الطب وغير ذلك، نجد أنَّه شَهِدَ ظهور ونموّ فلسفات متعدِّدة ومتهافتة في بلاد الغرب، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفهم الدِّين ولغة الدِّين. فاستمرار الدِّراسات التي تناولت نظريَّة المعرفة، والبحث في قضايا جديدة وجديَّة تتعلَّق بها، فلسفة العلم، الوضعيَّة المنطقيَّة، فلسفة التحليل اللغويّ، فلسفة اللغة، علم اللغة، والهرمنوطيقيا الفلسفية، أدَّى ذلك كله إلى فتح مجالٍ جديد في باب فهم الدِّين ولغة الدِّين.
من نظريَّة المعرفة التجريبيّة إلى فلسفة العلم النسبيّة
تشكِّل نظريَّة المعرفة، وكما هو معلوم، أساساً تقوم عليه كافَّة العلوم، والنظريَّات والمعتقدات؛ ولذا احتلَّ البحث في نظريَّة المعرفة مكاناً في الفلسفة المعاصرة. فمعرفة الوجود، ومعرفة محتوى ومضمون المقولات الدينيّة تُبتنى على إمكان المعرفة والوصول إلى الحقيقة، وكذلك الحال في مختلف النظريَّات الفلسفيَّة. وثمَّة مسائل عديدة وقعت محلاً للبحث نحو: إنَّ العلم من أيِّ المقولات هو؟ وما هي حقيقة المعرفة؟ متى يمكننا القول بأنَّنا نعلم بالشيء؟ ما هي شروط تحقُّق المعرفة؟ ويعرّف العلماء المهتمُّون بنظريَّة المعرفة اليوم المعرفة بأنَّها هي في الجملة (المقبولات الصادقة المستدلَّة) (19)؛ أي إنَّ من يدّعي مقولة ما لا بدّ وأن تكون مقولته هذه صادقة عنده، مقبولة ويقينيّة وأن يملك دليلاً مقنِعاً لإثبات مدّعاه. وإن وقع النقاش في كون هذا التعريف جامعاً؛ لإهماله العلم الحضوريّ والذي يشكِّل جزءاً مهمّاً من العلوم التي يُدرِكها الإنسان، وبهذا يُعلم أنَّ الخدشة في أيِّ عنصرٍ من هذه العناصر الثلاثة هي منشأ ظهور الشك والذي يقضي على جذر أيِّ أمرٍ اعتقاديّ.
وقد لاحظنا فيما سبق أنَّه وفي بداية الولوج إلى العصر الجديد قام فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) ببيان وتشييد منهجٍ جديدٍ أَطلَق عليه اسم المنهج العلميّ ـ التجريبيّ. وقام بعده ديكارت، مؤسِّس الفلسفة الحديثة، بتبديل الفلسفة إلى نظريَّة المعرفة ليدخل بذلك عصر النهضة إلى عهدٍ جديدٍ.
فقبل هذا العصر الجديد كانت
________________________________________
(19) - تاريخ معرفة شناسى، ترجمة شابور اعتمادى، ص4.

[الصفحة - 22]


المعرفة شيئاً في هذا الكون، ولكن بعد ذلك أصبح العالم شيئاً في المعرفة (20). وعندما ترد الفلسفة في البحث عن الجواب عن السؤال المفترَض عن حقيقة المعرفة وأنَّها ما هي؟ يأتي إلى الذهن سؤال آخر أكثر لصوقاً وهو عن كيفيَّة إدراك الذهن للعالم. والسؤال المطروح اليوم والذي يبحث عن : ما هو المعنى؟ يرتبط بالسؤال عن المعرفة (21).
لقد قام كلٌّ من لوك وهيوم بتعميم المنهج التجريبيّ الذي يرى انحصار العلوم التي يصل إليها الإنسان بالمؤثِّرات الحسيَّة. فيما توصَّل (كانت) إلى أنَّ المنهج التجريبيّ يهدم أساس المعرفة اليقينيّة؛ لأنَّ المعرفة إذا لم تكن سوى المعطيَات الحسيَّة فإنَّ العلم الذي يَعتمد أساساً على مجموعة من القضايا (الكليّة) و(الضروريّة) سوف يكون مستحيلاً. وقد سعى لإيجاد نقطةِ ثقلٍ للعلم، ولكنَّ الطريق الذي اختاره لذلك لم يَقتصر أمره على العجز عن الوصول به إلى هدفه ذلك بل شكَّل أقوى ضربة على جسم المعرفة. لقد أدَّت فلسفة (كانت) ومن خلال إيمانها بدور المقولات الذهنيَّة في مرحلة (الإحساس) و(الإدراك) وإعطائها دوراً أساساً للذهن في توجيه المعطيَات الحسيَّة إلى إيجاد فاصلٍ كبيرٍ بين الذهن والمعرفة الذهنيَّة من جهةٍ وبين العيان والوجود الخارجيّ من جهةٍ أُخرى، وأعلنَ (كانت) أنَّ وصول البشر إلى نفس الأمر (الفينومينات) في الأشياء هو أمر غير ممكن دائماً، وبهذا ظهرت أقوى صوَر النسبيَّة.
لقد كان لانطباعيَّة (impressions) هيوم والفلسفة المتعالية لـ (كانت) أثر واسع في الفلسفات الغربيَّة ولا سيما في فلسفات القرن العشرين. بنحو يمكن القول بأنَّهما كان لهما تأثيرهما وكلٌّ بحسبه على المثاليَّة، البراغماتية، الوضعيّة، فلسفة التحليل اللغويّ، الهرمنوطيقيا الفلسفيّة، والكثير من الاتِّجاهات الأخرى والنسبيَّة، ومذهب الشك، والفلسفات الإلحاديَّة. فمتى كانت يد الإنسان قاصرة ـ بناء على التحوّل الذي أوجدته الفلسفة التجريبيّة والمتعالية ـ عن الوصول إلى الواقع على ما هو عليه، كان عليه أن يكتفي بتبرير وإثبات رؤاه ومقبولاته المعرفيَّة. فإذا كان الصدق (Truth) في
________________________________________
(20) - مردان أنديشه، ص451.
(21) - فلسفة تحليلى، بقلم عبد الله نصري، القسم الأول، ص1 ـ3.

[الصفحة - 23]


مقولةٍ ما هو بمعنى مطابقتها للواقع، فإنَّه بعد فلسفة (هيوم) و(كانت) واليأس من الوصول إلى الحقيقة لا يعود الصدق سوى نوعٍ من الاتِّصال الباطنيّ بين المقولات والانسجام فيما بينها (Coherence theory) أو النفعيَّة والإرضاء وهو المنظور في الفكر المثاليّ والبراغماتيّ.
يتَّفق نويرات وهامبل وهما من الوضعيِّين المثاليِّين في القرن العشرين في فلسفة العلم على أنّ الواقع الأصيل لا يمكن أن يصل إليه نظر الفليسوف. وما يصل إليه من مبادئ وما يقوم بتحليله ليس هو سوى سلسلة من الأحكام الحسيَّة غير المطمأنِّ إليها تحصل عن طريق مجموعة منسجمة من التقييمات. وصدق مقولة من المقولات هو في تحليلها المنسجم، بمعنى أن تكون متلائمة مع النُّظم وبنَّاءة. وصِفَة الانسجام هي مقتضى العلاقة المتقابلة والاستلزام المنطقيّ بين المبادئ المشكّلة للمجموعة المنتظمة. فكلُّ مقولةٍ مندمجةٍ في مجموعةٍ منسجمةٍ لا يمكن أن تكون كاذبة، إذا كانت سائر المقولات صادقة وكذلك العكس. وعليه، فصدق وكذب أيِّ مقولة هو بملاحظة أنَّ هذه المقولة هي جزء من كلٍّ واحد.
وممَّن دافع عن نظريَّة الانسجام هذه كلٌّ من نويراث (Neurath)، هيمبل (Hompel)، برادلي، ريشر (reschr)، دائر، دمت (Dummett)، باتنم (Putnam) وكوآين.
ومن النتائج الغريبة المترتِّبة على هذه النزعة هي النسبيَّة والالتزام بوجود مراتب في الصدق. ففي نظريَّة الانسجام هذه تشكّل كلُّ واحدةٍ من المقولات عضواً في الكلِّ وترتبط درجة صدق كلِّ مقولةٍ بدرجة انسجام الكلّ بنحو تتغيَّر فيه بتغيّر ذلك. ولذا فعلى أساس هذه النزعة لا يُمكننا الوصول بأيِّ نحوٍ إلى الحقيقة المطلقة أو الصدق والكذب القطعيّين.
وهذه النزعة مضافاً إلى عدم ابتعادها عن إشكاليَّة إمكان طرح مجموعات منسجمة فيما بينها داخلياً وإن ناقضت بعضها بعضاً (راسل)، وإشكاليَّة دخول
________________________________________

[الصفحة - 24]


معلومات جديدة لا تتلاءم مع المجموعة التي تقتضي التقدّم العلميّ (رشر)، تصطدم بإشكاليَّة أنَّها لا تبتعد أيضاً عن النسبيّة ومذهب الشكّ. وذلك كما في نظريَّة أصالة النفع لجيمز وبيرس والتي تقع في إشكاليَّة النسبيَّة الزمانيّة والشخصانيّة، وإن لم تقم هذه النظريّة بنفي أن تكون مقولة ذات نفع بالنسبة إلى شخص ولا نفع منها لشخصٍ آخر، أو أن تكون ذات نفعٍ في زمانٍ دون زمانٍ آخر.
وعلى أيِّ حالٍ فقد قام مفكِّرو هذا القرن بتقديم هذه النزعة المهمَّة جداً والتي لها دور أساس كنظريَّة (كانت)، في كون المفاهيم الذهنية ذات تأثيرٍ على المعرفة وعرضَةً للتبدّل بمرور الزمان، كذلك يُمكن في هذا الاتِّجاه أن يقوم البشر أو المجتمع البشريِّ بمختلف أنماطه بالاستفادة من مجموعات مختلفة في سبيل الوصول إلى ما يرمون إليه من أهداف.
لقد أدَّت هذه الخطوات في النهاية إلى النظريَّة التي ترى بأنَّ ما هو موجود في الواقع هو مجموعة بديلة من المفاهيم (النُّظم المتصوّرة) (conceptual schemes )، وكلُّ واحدةٍ من هذه المجموعات تشكِّل منهجاً مختلفاً تماماً فيما تقترحه لتفسير التجربة، وإن كانت تتمتَّع جميعاً باعتبار موحَّد. وهذه النزعة بشكلها المعاصر تتَّجه إلى الاعتقاد بأنَّه وبدل الخضوع للطبيعة أو للثقافة التي نحملها نتمكَّن من استخدام أحد (النُّظم المتصوَّرة البديلة) ولنا أن نختار ما نشاء من بينها. وهذا الأمر يشكّل سلسلة من المشتركات بين أنماط تفكير فلاسفة يختلفون من جهاتٍ فكريَّة أُخرى، ونموذج ذلك كارناب الوضعيّ عندما يتحدَّث عن (الأطر اللغوية) (Linguistic From wotks) وسي. إي . لوييس نو كانتي عندما يتحدَّث عن (شبكة المقولات) (networks of categories) وفيتجنشتاين عن (طرق الحياة) (forms of life)، فإنَّ كلَّ واحد من هذه المقترحات هو عبارة عن هذه النُّظم المتصوّرة.
لقد مرَّ مذهب الشكّ أو النسبيَّة بمراحل زمنيَّة مختلفة، كمذهب الشك اليونانيّ ونظريَّة بروتاغروس، والذي كان يرى في الإنسان مقياساً لكلِّ شيء، وغرغياس الذي
________________________________________

[الصفحة - 25]


ذهب إلى أنّه لا وجود لشيء، ولو كان موجودا لما أمكن إدراكه، ولو كان موجوداً وأمكن إدراكه لما أمكن نقل ذلك إلى الغير (22) إلى مذهب الشك الحديث والذي تلبَّس بصوَرٍ مختلفة خاصّة كانت أو عامّة. ومن ناحيةٍ أُخرى تارةً يتَّجه مذهب الشك إلى الوجود ويجعل من الوجود محلَّ شكٍّ مع قطع النظر عن قضيّة معرفة الوجود (النسبيّة الوجوديَّة)، وأخرى يتَّجه إلى العلم بالوجود ليمنع من إمكان وصول أدوات الإدراك لديه إلى نيل الحقيقة الخالصة والنقيّة (نسبيَّة المعرفة) وثالثةً يتَّجه إلى القول بوجود أُطر نظريّة تكون سبباً لقيام صورة لسانيّة وتقوم ببلورة المعاني (نسبيَّة المعنى).
العلاقة بين اللغة والمعرفة
إنَّ ما هو المهم هنا هو أنَّ العلم والمعرفة، سواء كانا بمعنى فهم الحقائق العينيَّة (بعد التسليم بأصل الوجود والخروج عن السفسطة) أو الحقائق المخبوءة في المتن، يستلزم نوعين من المصونيَّة ترتبطان باللغة، أحدهما المصونيَّة من النُّظم المتصوّرة أو فقل المفاهيم البديلة والأطر المحدَّدة مسبقا، والآخر المصونيَّة في مرحلة التعبير والتفسير والبيان.
فنسبيَّة المعرفة (epistemological relativism) تشكِّل اتِّجاهاً يجعل من المعرفة في ظلِّه أمراً متغيِّراً ونسبيّاً نتيجة خضوعها للخصوصيَّات الشخصيّة لفاعل المعرفة، الزمان والعصر التاريخيّ، المكان والموقع الجغرافيّ، الثقافة الاجتماعيّة، وكافة الظروف المحيطة (23).
ونشاهد هنا نيتشه (1844 ـ 1900) الذي ذهب إلى أنَّ الحقيقة الموضوعيَّة أو المطلقة معلَّقة، وأنَّ التجارب الإنسانيَّة وما تبيِّنه ممَّا يرتبط بالرغبات الإنسانيَّة هو الذي يصنع الحقيقة.
وكان يعتقد ـ وهو الذي شكَّل طغياناً على كلِّ ما هو ضدّ عصر الحداثة ـ أنَّ على إنسان القرن التاسع عشر أن يقف على قدميه دون اعتمادٍ منه على عصا الإيمان
________________________________________
(22) - تاريخ فلسفة، ج1، ص117 و130.
(23) - siegel, H: Relativism Refuted A Critigue of cantemporary Epistemological Relativism (Dordrecht: Regidel ,1987) P,6.

[الصفحة - 26]


أو على أيِّ نوع من الأصول الجزميَّة. وكان يرى أنَّ كلَّ بناءٍ أُقِيمَ على أساس تعاليم المسيحيَّة لا أساس له وهو كاذب ويجب إزالته. ويرى أنَّنا عبيد للعرف وأنَّ علينا أن نبني حياتنا على أساس ما نواجهه، وأنَّ ما نفرضه بديهيّاً لو أخضعناه للبحث لرفضناه، ولذا يَقترح نيتشه إعادة النظر في القِيَم. ويذهب إلى أنَّ القِيَم عند كلِّ فردٍ هي عبارة عمَّا يراه هو ويصنعه بنفسه (24).
وفي هذا العصر الجديد نجد أنَّ العلاقة بين المعرفة واللغة هي بشكل واسع ذات نزعة نسبيّة. وضمن هذه النزعة يكون كلُّ ما نصل إليه من فهمٍ أو معرفة خاضعاً لما تُلقيه إلينا اللغة (25). ويَصل الأمر بـ (بيتر فينتش) في (نظريَّة علم الاجتماع وعلاقته بالفلسفة) إلى أنَّ : «نظرتنا حول ماهيَّة الأشياء التي تتعلَّق بالواقع، إنَّما تقوم على أساس ما نملكه من إيمان يَعتمد على الإطار الذي نستفيده من خلال اللغة».
ويقول في موضع آخر: «ليس الواقع شيئاً خارجاً عن اللغة، فليس الواقع هو الذي يُعطي اللغة معناها، بل ما هو موجود وما هو غير موجود إنَّما هو في المعاني التي تصنعها اللغة. وكذلك التمايز بين الواقع وغير الواقع، وكذلك مفهوم الانسجام مع الواقع هو وليد لغتنا نحن» (26).
ويدَّعي بنجامين ورف أنَّ الثقافات المتنوِّعة تقوم على أساس نُظُم مفهوميَّة مختلفة وهي تَعتمد في تمايزها على أساس النُّظُم اللغويّة المتمايزة وهذه الأنظمة لا يُمكن مقايستها بعضها ببعض.
وهذه النظريَّة تستلزم عدم إمكان مقايسة اللغات المختلفة من جهة المعاني؛ هذا الأمر الذي ذكره كوآين في كتابه (اللغة والموضوع) (word and objest) سنة 1960م حيث ادّعى أنَّه من غير الممكن الوصول إلى ترجمة دقيقة (تأويل) للمعنى من لغةٍ إلى أُخرى.
وقد تتمسَّك هذه النزعة بكلام تارسكي الذي قال فيه: «إنَّ الجملة الواحدة قد تكون صادقة في لغةٍ، وكاذبة في لغةٍ أُخرى، ولا معنى لها في لغةٍ ثالثة، ونتيجة ذلك أنَّ
________________________________________
(24) - فلاسفة بزرك، ص381.
(25) - احمدى، بابك، كتاب ترديد، ص18.
(26) - المصدر نفسه، ص76.

[الصفحة - 27]


الجملة المنظورة في الموارد الثلاثة ليس لها قيمة حقيقيّة؛ وكأنَّ تارسكي يرى ما يراه بوبر من أنّ (الإرجاع إلى الواقع) أو (وضع الواقع) هو ملاك الصدق والكذب» (27).
وبهذا يظهر أنَّ هناك جماعةً اتَّجهت إلى التخلِّي عن التسليم بأنَّ ملاك الحقيقة يقوم على أساس الأمر الواقع، دون الاهتمام بحدود اللغة ودون الاستعانة بالحدود العمليَّة للتفسير والتأويل (28).
إنَّ المشكلة الأساس التي تواجه مثل هذه النزعة تتمثَّل في ما تحمله من نظرة تتَّجه لإنكار أيِّ واقعٍ وراء اللغة. وترى اللغة سبباً في إيجاده، مع أنَّ هذه النظرة هي مخالفة للوجدان.
قد تملك اللغة المتعارفة تعابير متعدِّدة في حكايتها للواقع، وهذا من لوازم ما تملكه اللغة من قدرة، وهذا لا يعني أن يكون الواقع العينيّ تابعاً للغة. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أُخرى لعلَّ خلطاً وقع هنا بين اللغة المتعارفة واللغة التخيليَّة. فإذا كان هذا الأمر مقبولاً في اللغة التخيليّة وأنَّها هي التي تصنع واقعها، فإنه لا يكون مقبولاً في اللغة الواقعيَّة ولا مجال له فيها.
وبذلك يظهر أنَّ نزعة الهرمنوطيقيا عند غادامر والتي تتَّجه إلى أنَّ ما لدينا من صورة عن العالم هو وليد لغتنا، وليس من صنع هذا العالم، هو صدى لما تقدم من تلك النظرية في علم المعرفة عند كانت وما وضعه كانت من حدود للقوَّة المدرِكة.
ويحمل تومس نيجل (Thomus nagel)، وهو من المفكِّرين المعاصرين، بياناً آخر لهذا الاتِّجاه المعرفيّ الذهني ـ العيانيّ عند كانت، وهذا البيان يُبتنى على أساس فرضٍ ينصُّ على أنَّ (بناء الجهاز المعرفيّ عند البشر) هو الذي يتحكَّم في توجيه هويَّة المعرفة عندهم، وأنَّ أيَّ نوعٍ أو نمطٍ من التفكير وإن تعلَّق بماهيَّة العالم وطبيعته (Ojective) يرتبط ويخضع لتأثير الفعل البدنيّ ـ الروحيّ للشخص المدرِك (بالكسر) وخصائصه الفرديَّة (29).
________________________________________
(27) - المصدر نفسه، ص30.
(28) - المصدر نفسه، ص32.
(29) - ملكيان، مصطفى، (نكريستن أو نا كجا به هر كجا) ترجمة وتلخيص كتاب تومس نيجل ( The View formnowhere Coxford 1986) مجلة حوزة ودانشكاه، العدد7ـ ص62 ـ63.

[الصفحة - 28]


إنَّ جذور أهمِّ اتِّجاهات النسبيَّة المعاصرة نشاهدها في ملاحظات فينجشتاين حول استعمال اللغة، النُّظم المتصوّرة أو الأطر المفهوميَّة وأنماط الحياة (30)، نظريَّات علم المعرفة الاجتماعيّ (31)، البراغماتيَّة المعاصرة، في آثار ريتشارد رورتي (32)، غودمان، بوتنام (33)، ودراسات فلسفة العلم عند كوهن (أو كون) (34) وفيرابند (35).
كما دخلت المُثل العلميَّة (Scientific Paradigms) عند كوهن والتي هي نوع من النسبيَّة في مباحث فلسفة العلم، وإن كان قد أعلن رفضه لهذا المعنى.
ويرى كوهن أنَّ هذه الأنماط (الباراديغم) تقوم بدور توجيه العلوم العاديَّة. ومفهوم (الثورة العلميَّة) عنده يُراد منه عمليَّة تغيير هذه الأنماط (36). وهذه النزعة هي ذات طابع نقديّ لنظريَّة المعرفة الوضعيَّة، التي تذهب إلى أنَّ التطوَّر العلميّ يرتبط بالتأثيرات الداخليَّة للنِّظام العلميّ فقط وأمَّا التأثيرات العرفيَّة والاجتماعيَّة فهي لا دور لها.
ولكنَّ كوهن يرى أنَّ المعرفة لها (منشأ عرفيّ) يظهر على مستوى البيان اللغويّ، عندما يقوم العالم بالتحدُّث عن الإطار النظريِّ لعمله. وفي الواقع فإنَّ ما يُطلق عليه العمل العلميّ هو هذا المنشأ العرفيُّ. وعلى هذا الأساس فإنَّ إدراك أيِّ كشفٍ علميّ من وجهة نظر كوهن لا يمكن إلا من خلال وضعه في إطار كليّ أو أنماط فكريَّة أساس محيطة. ويرى أنَّ الثورات العلميَّة هي عبارة عن تغيّر في الرؤية حول هذا العالم. وتغيّر الرؤى هذه حول العالم إنَّما يرجع إلى تغيّر الأنماط. وعليه فالعالم هو الذي يَصنع لنا التأويلات أو الأنماط أو الأطر النظريَّة ونحن نفقد أيَّ معيارٍ عام وكليّ يُمكن من خلاله أن نحكم على كون نظريّةٍ ما أو أنماط معيَّنة هي أفضل من غيرها. وبهذا يظهر كيف أنَّه يتقدَّم بنحو أعمق نحو النزعة النسبيَّة.
وفي هامش كتابه (بُنية الثورات العلميّة) يطرح قضيَّة الحوار الذي يدور بين شخصين مع عدم تفاهمهما فيقول: «فالباحثان اللذان يُدرِكان موقفاً واحداً إدراكاً
________________________________________
(30) - Wilson B.R .ed. Rationality (condon Blackwell, 1970)
(31) - Hollisand Lakes Rationa Lity and Realtivism (Cambridge, 1982)
(32) - Rorty, R: Consequences of Pragmatism (1982)
(33) - Putnam, H: Reason Truth and History (Cambridge 1981)
(34) - راجع: كوهن، ساختار انقلابهاى علمى، ترجمة أحمد آرام.
(35) - فايرابند، باول، بر ضد روش، ترجمة مهدي قوام صفري.
(36) - ساختار انقلابهاى علمى، ص99. (كتاب بنية الثورات العلمية) لتوماس كون، مطبوع باللغة العربية ضمن سلسلة عالم المعرفة، رقم 168، ترجمة شوقي جلال)

[الصفحة - 29]


مختلفاً ولكنَّهما مع هذا يَستخدمان ذات المفردات اللغويَّة في حوارهما لا أنَّهما يستخدمان الكلمات استخداماً متبايناً، إنَّهما يتحدَّثان انطلاقاً ممَّا سميته وجهتيْ نظر لا قياسيتين حيث لا سبيل لأنَّ نقيس إحداهما على الأخرى، إذن كيف لهما أن يأملا في التفاهم معاً؟ ناهيك عن أن يكون الحديث مقنعاً؟»
ويُضيف قائلاً: « إنَّ ما يمكن أن يفعله متحاوران انقطع الاتِّصال بينهما هو الاعتراف بأنَّ كلاًّ منهما عضو في جماعةٍ لغتها مختلفة عن لغةِ الجماعة الأخرى، ومن ثمَّ يتحوَّلان إلى مترجمين».
وبرغم هذا الهامش كلِّه فإنَّه يُعطي لكتاب (بُنيَة الثورات العلميّة) ميزةَ أنَّ كوهن سوف يقوم بإزاحة المسائل ذات النزعة النسبيَّة لصالح الحقيقة، لأجل تحديد مفهوم الحقيقة وملاك معرفتها وتشخصيها.
ولكن شعلة النسبيَّة لم تخبُ إلى الآن، فهذا فيرابند يقوم في نظريَّة المعرفة التي يتبنَّاها والتي تقوم على الهرج والمرج بنفي أيّ قاعدة أو قانون في العلم. ويرى في نظريَّته هذه أنَّه لا سبيل لأيِّ منهجٍ متَّبع للوصول إلى حقيقة العلم. والفكرة التي ترى أنَّ العلم لا بدَّ وأن يسير بشكل قانونيّ وعلى أساس قواعدَ ثابتةٍ وعامّةٍ هو أمر خياليّ وفيه نوع من المخاطرة. وقدرة العلم النقديَّة تبدأ من التنوّع والوحدانيّة التي هي في الجهة المقابلة للتطوّر (37).
ولـ (كوآين) كلام يسوقنا أيضاً نحو هذه النزعة النسبيَّة حيث يقول: إنَّنا ولأجل إدراك معنى العناصر اللغويَّة لا بدَّ من معرفة نحو استخدامها. واستخدامها يرجع إلى العرف، التعاهد، الحياة والثقافة.
ويؤكِّد في كلامه هذا الذي ذكره في المقالة الأساس في كتاب (نسبيّة معرفة الوجود) وسائر مقالاته(38)، والذي يتحدَّث فيه عن أهميَّة الدلالات الضمنيَّة في إرجاع المفردات، على أنَّ هذا الأمر يصدق في الخبر، النصّ، والخطاب.
________________________________________
(37) - راجع المصدر نفسه، الفصل 16 إلى 20.
(38) - Quine, Ontological Relativity and Other Essuys, 1969.

[الصفحة - 30]


أثر نظريَّة المعرفة الغربيَّة الحديثة على علم الكلام (اللاهوت)
إنَّ لنظريَّة المعرفة تأثيراً مباشراً ورئيساً على سائر النظريَّات والمسلَّمات؛ وهكذا الحال فيما يرجع إلى المعرفة الدينيَّة والنصوص الدينيَّة. فإذا انسدَّ باب المعرفة أمام البشر، ولم يتمكَّن الإنسان من الخروج من عويصة الشك والنسبيّة فإنَّ مصير أيِّ سيرٍ يقينيّ أو سعيٍ لمعرفة طريق الحقّ أو لتقديم تفسيرٍ صحيحٍ للدِّين سوف يكون مُحاطاً بهالةٍ من الإبهام والغموض.
إنَّ تأثير نظريَّة المعرفة فيما يرجع إلى مجال المعرفة الدينيَّة وصل في مدى تأثيره إلى حدٍ شكَّل فيه عاملاً مبدئياً لظهور تحوُّلٍ جذريٍّ في المعرفة الدينيّة الغربيّة في القرنين الأخيرين. فعندما أبطل (كانت) أيَّ دورٍ للعقل النظريّ في المعرفة الميتافيزيقيّة، وجعل من أيِّ بحثٍ نظريّ في مجال المدعيَات الدينيّة غير ذي نفع، فلا مفرَّ من حصر جغرافيا التصوُّرات الدينيَّة في زاوية التجربة العمليّة والفوائد الأخلاقيّة.
ومن هذا القبيل، الاتِّجاه المتبنِّي لأصالة التجربة، حيث يرى المعيار في اعتبار أيِّ مقولةٍ إنَّما يرجع إلى التجربة الحسيَّة. وهذا التضييق النظريّ في نظريَّة المعرفة سوف يسدُّ الباب أمام أيِّ نوعٍ من العقل المنطقيّ والوحي السماويّ وسوف يرى في التجربة البشريَّة بديلاً يحتلّ مكان أيِّ أمر مطلق أو مقدّس. ولكن لم يتأخَّر الأمر حتَّى وصل بنظريَّة المعرفة هذه ومعرفة الوجود المعتَمِدة عليها إلى أن تفقد أساسها الذي تقوم عليه، وتقع في مرحلة الشكِّ والاهتزاز. فبملاحظة أفول بعض النظريَّات العلميَّة وقعت بعض المعطيَات العلميَّة في ورطة الشكّ وأصبح العلم أداة عمل (instrumentalism) ووظيفته إبطال النظريَّة المعلومة لا الكشف عن القوانين أو معرفة الواقع (39).
لقد بلغ تأثير هذه الاتِّجاه في الأمر الدينيّ إلى الحدِّ الذي أصبح فيه الدِّين ضعيفاً يُنظر إليه على أنَّه مجرد إحساس شخصيّ. والثمرة الرئيسة التي ترتَّبت عليه هي
________________________________________
(39) - العلم والدين، ص197.

[الصفحة - 31]


سلب البُعد المعرفيّ عن المقولات الدينيّة (40). ومن الواضح أنَّ حصر الدِّين في الإحساس القلبيّ سوف يسدُّ الباب أمام أيّ نوعٍ من المنطق الإنسانيّ المشترك، وبهذا نشأت التعدديّة الدينيّة التي ترى أنَّ كلَّ دينٍ وفكر له نصيب من الحقيقة، ولا مكان لحقٍّ محض أو باطلٍ محض، وهذا ليس سوى تلك النزعة النسبيَّة.
وعلى هذا الأساس انصبَّ الجهد المبذول في الغرب اليوم وبالاعتماد على مجموعةٍ من الشواهد التجريبيّة نحو توجيه المسلَّمات الدينيَّة، بيان علل حدوثها، وتقديمها بنحو عقلانيّ وكذلك بيان طريق حصول اليقين بها دون الاستدلال عليها أو إثبات صحَّة المقولات الدينيَّة أو تقديمها بيقينٍ منطقيّ. وهذه النزعة هي من نتائج نظريَّة المعرفة عند (هيوم) و (كانت) والتي تتبنَّى مقولة إنَّ الإنسان لا يمكنه الوصول إلى الواقع، وقد أثَّرت هذه النزعة حتَّى في مثل (راسل) حيث قال: عندما نخبر بأمرٍ نحو (هذا الجدار أبيض) ففي هذا الإخبار قيدٌ مخفيّ وهو (أنَّه بنظري هو كذلك) أو (أعتقد أنَّه كذلك) (41).
واليوم تظهر نماذج من الإقبال على هذا الفكر في مدوّنات بعض المتلبِّسين بالفكر الغربيّ: «إنَّ القضيَّة التي تشغل فلاسفة الدِّين اليوم، هي عقلانيَّة الاعتقادات الدينيّة، دون قضيَّة إثباتها. إنَّ كافَّة الجهود التي يبذلها الفلاسفة الجُدد تتَّجه نحو بيان أنَّ الاعتقاد بالله، الوحي، المعجزة، الدعاء و... هي أمور عقلانيَّة. وكما هو معروف فإنَّ معنى كونها عقلانيَّة أعمُّ من كونها صحيحةً أو خاطئةً. فالإنسان قد يقع في خطأ معقول، ولكنّ هذا الخطأ يدل على امتلاكه العقل والتفكير. وكما أنَّ العلم هو معرفة تقبل الخطأ ولكنَّها محترمة وهي غنيمة، كذلك المعرفة الدينيّة فإنَّها تقوم على أساس التجربة الدينيّة والوحي، وهي معرفة ممكنة الخطأ وهي مع ذلك محترمة وغنيمة. وهذا الأمر هو لبُّ ما توصَّل إليه فلاسفة عصرنا أمثال بلنتينغا، آلستون وآخرون، والحقّ يُقال إنَّهم توصَّلوا إلى نتيجةٍ مبدِعة. ويؤكِّد هؤلاء في دراساتهم في نظريَّة المعرفة على تصحيح (Justification) الأفكار الدينيَّة. وللتصحيح طريقان: أحدهما
________________________________________
(40) - راجع: تيليش، بل، إلهيات وفرهنك، ترجمة مراد فرهاد بور، ص8 ـ38؛ براون، كالين، فلسفة وإيمان مسيحى، ترجمة طاطه ووس ميكائليان، 293 ـ297؛ الياده ميرتشا، دين بجوهى، ترجمة بهاء الدين خرمشاهى، ص225.
(41) - راجع، آجدوغيويتش، كازيميزتز، مسائل ونظريات فلسفة، نقله إلى الفارسية: منوتشهر، بزركمهر.

[الصفحة - 32]


المنهج الاستقرائيّ (الاعتماد على الدليل)، والآخر هو الاعتماد على أدوات المعرفة المعتمَدة (الاعتماد على العلَّة). نعم كونه معتمَداً لا يعني كونه صحيحاً» (42).
الفلسفة الإسلاميَّة والمعرفة الواقعيَّة realism
شكَّل موضوع العلم والاعتبار وحكاية الإدراكات البشريَّة عن الواقع نقطة اهتمام في الفلسفة الإسلاميَّة (43). ولم يتمُّ التعرُّض إطلاقاً لمذهب الشكِّ على أساس كونه مذهباً فلسفيّاً. ويرى الفلاسفة المسلمون أنَّ المعرفة التي لا تكون كاشفة عن الواقع هي ليست من العلم إطلاقاً؛ بل هي من أنواع الجهل (44).
وينقسم العلم بشكلٍ عام في المنطق والفلسفة الإسلاميَّين بنحو الحصر العقليّ إلى قسمين الحضوريّ (دون واسطة) والحصوليّ (مع الواسطة) (45). والعلم الحصوليّ ينقسم بدوره إلى تصوّر وتصديق، وينقسم كلٌّ منهما إلى بديهيّ ونظريّ أو اكتسابيّ.
أمَّا التصوّر البديهيّ فهو الذي لا يَحتاج إلى معرِّف (46)، سواء كان ذلك التعريف بالحدِّ أو كان بالرسم، والتصديق البديهيّ هو الذي لا يتوقَّف على الاستدلال أو لا يُستدلُّ عليه.
ولمَّا كان العلم الحضوريّ خلواً من وجود واسطة أو قيام صورة وحكاية بين العالم والمعلوم، بل يحضر المدرَك (بالفتح) بلا واسطة عند المدرِك (بالكسر)، كعلم النفس بذاتها، أفعالها وحالاتها كالخوف، كانت الحكاية عن الواقع محفوظةً ولا مجال للسؤال عن مطابقة ذلك للواقع وعدمه، ولذا كانت دائرة الشهود والعلم الحضوريِّ مع تحقُّقه قرين الصحة دائماً ولا مجال فيه للخطأ، وإن وقع الخطأ في الإخبار عنه.
وأمَّا في العلم الحصوليّ، فبقطع النظر عن التصوُّرات التي لا حكم فيها، بل يكون شأنها الحكاية عمَّا تتعلَّق به (47)، تمتاز التصديقات بمسألةٍ أساس ترتبط بمعرفة ملاك صدقها وكونها صحيحة. وبعبارةٍ أُخرى، يقع البحث عن منشأ الإدراكات ومعيار تقييم إدراكات الإنسان وأنَّه ما هو الصحيح منها وما هو الخطأ، وهي من المسائل التي
________________________________________
(42) - سروش، عبد الكريم، فربه تر أز أيديولوجى، ص174.
(43) - ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 2، ص294 ـ308؛ وكذلك الإلهيات، ص361؛ الملا صدرا، الأسفار الأربعة، ج3، ص 292 ـ304 و360؛ الطباطبائي، السيد محمد حسين، أصول فلسفة وروش رئاليسم، ج1، ص103.
(44) - مطهرى، مرتضى، شرح مبسوط منطومة، 3، ص329.
(45) - مصباح، محمد تقى، آموزش فلسفة، ج1، ص153.
(46) - ابن سينا، الشفاء، كتاب البرهان، ص110، الأسفار الأربعة، 3ـ 443؛ السبزواري، الملا هادي، شرح المنطومة، ص8.
(47) - آموزش فلسفة، ج6، ص164.

[الصفحة - 33]


وقع الاهتمام بها. وذكروا في تعريف الصدق والحقيقة: إنَّها مطابقة القضيَّة للواقع (48)؛ فالحقيقة عبارة عن المعرفة المطابقة للواقع (49).
وأمَّا ما هو الواقع ونفس الأمر؟ في الجواب عن هذا السؤال ذكروا تقسيماً ثلاثيّاً للقضايا وهي المعقولات الأوليّة، وهي القضايا التي يكون اتِّصافها وعروضها خارجيّاً، والمعقولات الثانية الفلسفيّة وهي التي يكون اتِّصافها خارجيّاً وعروضها ذهنيّاً، والمعقولات الثانية المنطقيّة، وهي التي يكون عروضها ذهنيّاً وكذلك اتِّصافها، والواقع ونفس الأمر في كلِّ نوعٍ من هذه القضايا بحسبه.
وأمَّا المعارف الحصوليَّة فهي أيضاً على نوعين: المعارف النظريَّة، أي ما تحتاج إلى النظر والاستدلال، والمعارف البديهيَّة، والتي لا تحتاج إلى إثبات بل هي الأساس الذي تقوم عليه المعارف النظريَّة.
نعم، تعدَّدت الاتِّجاهات في تحليل منشأ اعتبار البديهيَّات وفي بيان حقيقة ما يُبتنى عليه صدقها. وهنا يستند الكثير من أتبَاع المذهب الواقعيّ إلى نفس بداهتها ويرون أنَّ العلاقة بين الموضوع والمحمول في البديهيّات هي بنحو يكفي تصوُّر المحمول والموضوع والرابطة بينهما للتصديق بها.
وعليه فيكفي لاعتبارها ومطابقتها للواقع وجود تصوّر صحيحٍ للموضوع، المحمول والنسبة بينهما. فإذا تصوَّرنا قضيّة اجتماع النقيضين ـ الوجود والعدم ـ تصوّراً صحيحاً كفى ذلك في التصديق باستحالتها. وبعبارةٍ أُخرى، هذه القضايا تحليلية، أي متى قلنا في القضيَّة بأنَّ (كلَّ معلول لا بدَّ له من علّة) فإنَّ حاجة المعلول إلى العلَّة تُستكشف من نفس كلمة (معلول).
والرأي الآخر في هذا المجال يذهب إلى أنَّ منشأ اعتبار البديهيَّات هو العلم الحضوريّ (أي العلم بلا واسطة). ومهما كان الاتِّجاه الذي يتبنَّاه الفلاسفة المسلمون من هذين فإنَّهم يبنون على أنَّ منشأ العلوم الحسيّة والتجريبيّة وعمدة القول بصحَّتها
________________________________________
(48) - شرح مبسوط منظومة، ج2، ص446.
(49) - ابن سينا، الشفاء، كتاب البرهان، ص63؛ الأسفار الأربعة، ج1، ص20 و89.

[الصفحة - 34]


هو البديهيَّات العقليَّة أو العلوم الحضوريَّة (بلا واسطة) ودون الاعتماد على ذلك لن يكون للعلوم الحسيّة أيُّ أساسٍ تقوم عليه (50).
ويذكر الشهيد المطهريّ ذلك فيقول: «الواقع هو أنَّ إنكار البديهيَّة الأولى (أصل امتناع التناقض) يستلزم الشكّ في كلِّ شيءٍ، حتَّى الشك في نفس الشكّ، وهي الحدّ الفاصل بين الفلسفة والسوفسطائيّة» (51).
وعليه فمع عدم الاعتقاد بأصل امتناع التناقض لا يبقى مجال لأيِّ معرفةٍ سواء كانت بديهيّة أو نظريّة؛ فالذي يصدق في المورد الخاص إمّا هو النفي أو الإثبات، واجتماع النفي والإثبات غير معقول وغير ممكن.
ويقول أيضاً فيما يرجع إلى أصل العليّة: «قانون العليّة هو من الأسس التي لو تضعضعت لأدَّى ذلك إلى انهيار الفلسفة. ويَعتقد الفلاسفة بأنَّ قانون العليَّة هو من الأركان العامَّة التي يوجب زوالها زوال العلم كلِّه، ولو بنينا على إنكار العلاقة بين العلّة والمعلول، كان معنى ذلك إنكار الارتباط بين الواقعيَّات كله (52). وبتعبير كارل بوبر إنَّ إنكار أصل العليَّة هو بمعنى رفع اليد عن الوصول إلى أيِّ نظريّة من خلال البحث والتتبّع» (53).
ويذكر الأستاذ مصباح في نقده للوضعيّة في العلم : «بناء على الاتِّجاه الوضعيّ لا يبقى مكان لأيِّ قانون علميّ بعنوان كونه قضيّةً كليّة يقينيّة وضروريّة، وذلك لأنَّ هذه الخصائص لا يُمكن إثباتها حسيّاً بأيِّ وجهٍ من الوجوه، وفي كلِّ موردٍ تتمُّ فيه التجربة الحسيّة يمكن قبول ذلك المورد فحسب بغضّ النظر عن الإشكال الوارد في إمكانيَّة تسلّل الخطأ إلى الإدراكات الحسيّة فيمتدّ إلى جميع الموارد، وفي المورد الذي لا تتمُّ فيه التجربة الحسيّة لا بدّ من التزام الصمت إزاءه، ولا بدّ من الامتناع عن القول فيه نفياً وإثباتا. إنّ أهمَّ إشكال يواجهه الوضعيُّون هو أنَّهم يتورَّطون في طريقٍ مسدود بالنسبة للمسائل الرياضيّة.» (54) .
________________________________________
(50) - الأسفار الأربعة، ج3، ص498؛ السيد محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، ص262؛ أصول فلسفة وروش رئاليسم، ص 67؛ آموزش فلسفة، ج1، ص222.
(51) - أصول فلسفة وروش رئاليسم، ج2، ص102.
(52) - المصدر نفسه، ج3، ص179 ـ182.
(53) - بوبر، كارل، ريموند، منطق اكتشاف علمى، ترجمة أحمد أرام، ص242.
(54) - أموزش فلسفة، ج1، ص189.

[الصفحة - 35]


وحول البديهيَّات الأوليّة يقول: «هي التي لا يحتاج التصديق بها إلا إلى تصوّرٍ دقيق للموضوع والمحمول... والقضايا التحليلية بأجمعها تتميَّز بهذه الخاصيّة؛ لأنَّه في هذه القضايا يتمُّ الحصول على مفهوم المحمول من تحليل مفهوم الموضوع... وكذلك القضايا الحاصلة من انعكاس العلوم الحضوريّة لأنَّه في هذه القضايا حتَّى المفاهيم التصوّرية تؤخَذ من العلوم الحضوريّة» (55).
من جهةٍ أخرى يذهب الفلاسفة المسلمون في تحليلهم للعلم الحصوليّ إلى أنَّه حضور ماهيَّة المعلوم عند العالم؛ لأنَّ تصوُّر مثل الإنسان، الحيوان، النبات و... هو مرآة وحاك عن نفس وجوداتها الخارجيّة ومبينٍ لحدودها. والوجود الذهنيّ له حيثيّتان: حيثيّة المرآتيّة، وهي التي تحكي عن المعلوم بالعرَض والخارج وهي طريق ارتباط الإنسان بالخارج، وحيثيّة وجوديّة، بما أنَّها نوع من الوجود بنفسها.
وبما لاحظناه يظهر لنا أنَّ المسلَّمة الأساس والفرضية المسبَقة لنظريّة المطابقة في المذهب الواقعيّ (realism) هي التسليم بوجود واقعٍ مستقلٍّ عن الذهن وعن تصديقاتن (56). وهذا النوع من الواقعيّة هو الذي يُطلق عليه الواقعيّة الميتافيزيقيّة (metaphysical realism). كما يذهب هؤلاء إلى أنّ الإنسان يملك القدرة على كشف الواقع، فالإنسان ومن خلال اعتماده على مجموعةٍ من المعايير القطعيَّة والمسلَّمة يتمكَّن من الوصول إلى الحقيقة وإدراك الواقع. وهذا النوع من الواقعيَّة هو ما يُطلق عليه المذهب الواقعيّ في نظريَّة المعرفة. والنتيجة هي الالتزام بأنَّ الإنسان يَملك اللغة التي تحكي عن الواقع وأنَّ الحقائق ليست من صنع اللغة بل اللسان يحكي عن الحقائق. ويُطلق على هذا الاتِّجاه، الواقع اللغويّ أو الدلاليّ (semantic realism) ويُطلق عليه أحياناً الواقع المعرفيّ (57).
يظهر لنا ممَّا تقدَّمت الإشارة إليه مختصراً أنَّ الرأي المتبنَّى من قِبَل الفلاسفة المسلمين في توجيه القضايا، الإخبارات، هو قواعديّ (foundationalism) وهو أقدم الاتِّجاهات وأشدّها ثباتاً في هذا المجال (58). وهم يرون في البديهيَّات الأوليّة، مثل:
________________________________________
(55) - المصدر نفسه، ص210 ـ222.
(56) - الأسفار الأربعة، ج1، ص20.
(57) - در آمدى بر معرفت شناسى معاصر ودينى، ص179.
(58) - Dancy, J , An Introducation to contemporary Epistemology, PP, 53 -141.

[الصفحة - 36]


أصل استحالة اجتماع وارتفاع النقيضين، والقضايا التحليلية، مثل: كلُّ معلولٍ لا بدّ له من علّة والعلم الحضوري، والوجدانيَّات التي هي من أقسام العلم الحضوريّ،؛ لأنه يُكتفى فيها بمطابقتها لنفسها، يرون فيها أساس القضايا النظريّة (59). وأمَّا القضايا النظريَّة فيرون أنَّها لو صدرت مع رعاية كافَّة القواعد المنطقيّة من جهة المادّة والصورة، فإنَّها سوف تنتهي إلى البديهيَّات وتكون صادقة. وفي مسألة ضرورة إرجاع العلوم النظريَّة إلى العلوم البديهيّة يقولون: إذا كانت جميع التصوّرات والتصديقات عند الإنسان هي اكتسابيّة ولا تنتهي إلى أيِّ قضيّة بديهيّة فإنَّ ذلك مستلزم للدور أو التسلسل منطقيّاً، وبما أنَّ الدور أو التسلسل باطل (التالي) فعدم انتهاء العلوم إلى البديهيّات باطل (المقدّم) أيضاً، والنتيجة هي إثبات بداهة بعض العلوم؛ بمعنى أنَّ الإنسان متى واجه قضيَّةً مجهولةً، اتَّجه إلى طي مقدِّمات لكشف ذلك المجهول. فإذا كانت تلك المقدِّمات مجهولة أو تتوقَّف على الدليل، فلا بدَّ له من الرجوع إلى مقدِّمات أُخرى لإثبات تلك المقدِّمات، وهكذا يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية أو يرجع إلى القضيَّة الأولى (الدور)؛ وهما باطلان ولا يؤدِّيان إلى العلم بشيء؛ فلا بدَّ من الالتزام بأنَّ بعض المعارف الإنسانيَّة معتبرةٌ بذاتها وهي أساس الحركة العلميّة للإنسان لرفع المجهولات.
وعليه فمع التسليم بالأصول العقليَّة العامّة (Axioms) والتي لا تتغيّر بتغيّر الأشخاص، المحيط، الفكر، والظروف التاريخيَّة؛ لا يبقى مجال للشك أو النسبيّة.
وقد ذهب أرسطو في كتابه الرابع الميتافيزيقيا، واعتماداً على الأصل الأساس أيّ أصل عدم التناقض، إلى نقد رأي السوفسطائيين، وذكر أنّه إذا كان للقضيَّة حقيقةً فلا مجال فيها للكذب. ويرى أنَّ المشكلة التي وقع فيها السوفسطائيون هي في حصرهم للإدراك بالحسّ وهو متغيّر (60).
وبهذا يظهر لنا أنَّ الإشكاليَّة الأساس التي تواجهها النسبيَّة والتي لا مخلص لها منها هي في التهافت الداخليّ. فإذا كانت أيُّ نظريّةٍ بحسب ما تؤدّي إليه النظرية
________________________________________
(59) - آموزش فلسفة، ج1، ص243 ـ254.
(60) - أرسطو، ميتافيزك، ترجمة شرف الدين خراساني، ص97.

[الصفحة - 37]


النسبيّة لا تكفي للمعرفة (epistemic adequacy ) ويمكن رفضها، ففي هذا الفرض مع رفض التسليم بوجود أيّ معايير مستقلّة لتقييم النظريّات، فإن نفس النظريّة النسبيّة هي نظريّة لا يمكن الدِّفاع عنها.
وإلفات النظر هنا إلى أمر لا يخلو من فائدة، وهو أنَّنا اليوم وفي ظلِّ اتِّساع وسائل الاتِّصال، وظهور الاستعمار الفكريّ والهجوم الثقافيّ الاستعماريّ على سائر الثقافات، القِيَم، المسلَّمات، وأخيراً تأثير بعض الأسباب الأخرى كالأسباب السياسيّة، الاجتماعيّة، التاريخيّة، والثقافيّة على المعرفة وعمق ذلك التأثير قد يجعل من ذهن المخاطب في حالة شكٍّ حتَّى فيما يرجع إلى الأمور الواقعيّة أو تجعله يرى في الأمور الموهومة حقائق؛ وهذا الأمر أدّى بدوره أيضاً إلى أن يذهب بعضهم إلى أنَّه لا حقيقة وراء هذه الأنماط المحدَّدة والإذعان لنوعٍ من النسبيَّة.
وهنا لا بدَّ من الالتفات إلى أنَّه مع فرض التسليم بوجود دور غير عاديّ للأطر الاجتماعيّة، أو الأنماط العلميّة في الجغرافيا الفكريَّة للإنسان، فإنَّ ذلك لا يعنى إطلاقاً الوصول إلى إنكار الحقيقة والالتزام بما ذهب إليه نيتشه من أنَّ الحقيقة هي وليدة السلطة، أو الذي ذهب إليه فوكو من التسليم بالتاريخيّة أو ما ذهب إليه كوآين من أنَّ البارادايم هو الذي يحدِّد الواقع؛ بل الإنسان ومن خلال حذره من التلوّث ببعض المنافع وهندسة فكره وبالاعتماد على بعض الأصول والنُّظم المنطقيّة يتمكّن من تمييز الحقيقة عن السراب والخروج من حالة الهرج والمرج الفكريّ.
________________________________________

[الصفحة - 38]