البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الواقع الأدبي المعاصر والرُّؤية الدينيَّة قراءة نقديَّة انطلاقاً من كتاب «نظرات في الأدب الرِّسالي »

الباحث :  أ. د. عبد المجيد زراقط
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  60
السنة :  السنة الخامسة عشر شتاء1432 هجـ 2011 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  304

الواقع الأدبي المعاصر والرُّؤية الدينيَّة
قراءة نقديَّة انطلاقاً من كتاب «نظرات في الأدب الرِّسالي »

أ. د. عبد المجيد زراقط (*)

يعرف الواقع الأدبيُّ العربيُّ المعاصر ظواهر كثيرة تحتاج إلى نقاش، نذكر منها، على سبيل المثال، ما هو متعلِّق بموضوع هذا البحث.
1. ظاهرة تقليد الأنموذج الغربيّ الحديث، وقد أفضى هذا التَّقليد، لدى بعض الأدباء والنُّقاد، إلى جعل الأنموذج الغربيّ الحديث، مرجعاً، ليس لأدبنا الحديث فحسب، وإنَّما لأدبنا القديم أيضاً. فنقرأ، على سبيل المثال فحسب، أنَّ أدونيس كان يبحث، كما يقول الأب الدكتور بولس نويا اليسوعي، في الاستهلال الذي كتبه لكتاب «الثابت والمتحوِّل» (1)، في الشعر العربي عمَّا يشبه شعر رامبو ومالارميه، «أيّ أنَّه كان يبحث، في التُّراث العربي، عن الشِّعر بوصفه تجربة إنسانيَّة هي مظهر لتجربة برموثيوس». وقد كان هذا البحث حلم الأب نويا، وقد حقَّقه أدونيس، وانتهى إلى نتيجةٍ هي: «أنّ الرُّؤيا الدِّينيَّة هي السَّبب الأصلي في تغلُّب المنحى الثُّبوتيّ على المنحى التحوُّليّ في الشعر، أو بعبارةٍ أخرى أنّ النِّظام الشموليّ الذي خلقه الدِّين كان العامل الأساسيّ الذي جعل المجتمع العربيّ، في القرون الثلاثة، يفضِّل القديم على الحديث، بحيث
________________________________________
(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية.
(1) أدونيس، الثَّابت والمتحوِّل، بيروت، الجزء الأول، ص. 9.

[الصفحة - 192]


3. أنَّه وضع القديم في محلِّ الكمال، واعتبر كل جديد خروجاً على المثال الكامل» (2).
وقد ناقش غير باحثٍ هذه الظَّاهرة. ويمكن تركيز النِّقاش في مسألتين، أولاهما تحكُّم الأنموذج الغربيّ الحديث وجعله قاعدةً معرفيَّة تتحكَّم بالإنتاج الأدبيّ العربيّ ونقده، وثانيتهما بيان صحَّة القول بأنَّ المنحى الثُّبوتيّ قد تغلَّب على المنحى التحوُّليّ في الشِّعر، بسبب النِّظام الشُّموليّ الذي خلقه الدِّين.
في ما يتعلَّق بالمسألة الأولى، يبدو أنَّ التسليم بمرجعيَّة الأنموذج الغربيّ هو في الحقيقة تسليم بمركزيَّة كونيَّة مطلَقة لهذا الأنموذج. ولا يجد المحكوم بسلطة هذه المركزيّة أمامه إلاَّ أن يصف أيّ أنموذج لا يستجيب لشروطها بالعقم. ولا يقتصر هذا الحكم على الشعر، وإنَّما يشمل جميع أنواع الأدب، فعندما لم يجد متَّبعو هذه القاعدة المعرفيّة، في التُّراث القصصيّ العربيّ، ما يستجيب لشروط القصَّة القصيرة والرِّواية، وهما نوعان قصصيَّان حديثان، قالوا: إنَّ التُّراث العربي لم يعرف القصَّة الفنيَّة.
وهكذا نكون إزاء قاعدة معرفيَّة تحكم الإنتاج الأدبيّ لشعبٍِ، في ماضيه وحاضره، بمقاييس مستقاة من إنتاج شعبٍٍ آخر...، وفي هذا خطر إلغاء الذَّات في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، لأنَّها تلغي إبداع الذَّات عندما تتَّخذ مثالاً جاهزاً/الآخر تحتذيه في إنتاجها الرَّاهن، وتبحث عنه في إنتاجها التُّراثي.
وإن بقي من حضور لهذه الذَّات، فهو حضور هامشيٌّ هجين، يقلِّد ما يقدِّمه الآخر، من نحوٍ أوَّل، ويقلِّد ما يقدِّمه (النَّجم) الذي يلمِّعه الآخر، من نحوٍ ثانٍ. وما نخشاه، في هذه المرحلة من تاريخنا، هو أن يغدو هذا الحضور الهامشيُّ الهجين، هو الواقع، أو الأصل.
وفي ما يتعلَّق بالمسألة الثَّانية، نرى أنَّ المشكلة تتمثَّل في مستوى معرفة هؤلاء لحركة الإبداع الأدبيّ العربيّ... إنَّ هذه المعرفة ينبغي أن تكون وليدة رؤية شاملة متقصِّية، تتلمَّس الخصائص، وتبلور الاتِّجاهات. هذا ما ينبغي أن يتمَّ، واستناداً إليه يتمُّ
________________________________________
(2) المصدر نفسه، ص. 11.

[الصفحة - 193]


إصدار الأحكام الملموسة. ولنا في إنجاز بعض الباحثين الجادِّين ما يؤكِّد صحَّة ما نذهب إليه.
من هؤلاء الباحثين د. محمد النويهي. فقد استنتج، وهو يعاين هذه الحركة الإبداعيَّة، معاينة المختصِّ بالأدبين العربي والغربي، أنّ «ما دخل الأدب العربيّ من تجديد بين العصر الجاهليّ والأمويّ، ثمَّ بين العصر الأموي والعبَّاسي في أوَّله، لا يقلُّ عن الاختلاف بين أيِّ عصرين من عصور الشِّعر الإنكليزيّ نفسه». ثمَّ يذهب فيؤيِّد استنتاجه بالأدلَّة الملموسة.
فماذا يقول المتحدِّثون عن تحكُّم أنموذج أزليّ، بفعل سبب أصليّ هو الرؤية الدِّينيَّة، في هذا الاستنتاج؟
1. ظاهرة فَقْدِ الفرادة، و(النَّسج على منوال سائد). تكثر عناوين هذه الظَّاهرة، فمن تقليد وتكرار، إلى (اجترار)، إلى رتابة... وقد سبق أن ذكرنا أنَّ تقليد (الأنموذج) الغربيّ الحديث، أو تقليد إنتاج (النَّجم) المتَّبع ذلك الأنموذج، يُفضي إلى تكوُّن هذه الظَّاهرة وشيوعها. ويمكن أن نقدِّم مثالاً يوضح حقيقتها.
ملخَّص هذا المثال أنَّ أستاذ الأدب العربيّ الحديث، في إحدى الجامعات، وزَّع نصوصاً ممَّا يُنشر تحت اسم (الشعر العربيّ الحديث)، وبخاصَّة مما يُسمَّى (قصيدة النثر)، على طلاَّب الدِّراسات العليا - قسم اللغة العربيَّة وآدابها، في تلك الجامعة - من دون أن يذكر أسماء كتَّاب تلك النُّصوص، وسطَّر على اللَّوح الأخضر ما يأتي:
- نسجِّل، استناداً إلى دراسة خصائص كلِّ نصٍّ، اسم صاحبه، وإن لم تتيسَّر لنا معرفة الأسماء نكتفي بتمييز النُّصوص، مسجِّلين اسماً نختاره لكل نصٍّ مختلف.
- وكانت النَّتيجة، وبعد دراسة نصِّية/بنيويّة/أسلوبيَّة، أنّ الجميع أجابوا:
________________________________________

[الصفحة - 194]


- كاتب النصوص جميعها شخصٌ واحدٌ، قد يكون فلاناً أو فلاناً، وعدَّدوا أسماء شعراء ليس من الضَّروريّ أن نذكرها.
وأضافت الإجابة: ويبدو أنَّ كاتب هذه النُّصوص يحاول تقليد فلان في...، وسمَّت الإجابة أحد الشُّعراء.
يُشير هذا المثال إلى ظاهرةٍ يعرفها الشِّعر العربيّ الحديث، في هذه المرحلة من تطوِّره، وهي ظاهرة تقليد النماذج، وتكرار هذا التقليد إلى درجةٍ يُمكن تسميتها بِـ (فقد الذَّات)، أو (الاجترار).
1. يرى كثير من روَّاد هاتين الظَّاهرتين أنَّ (أنموذجاً أزليَّاً) قد تحكَّم بالأدب العربي قديمه وحديثه، ما عطَّل الإبداع والتجديد...، ويُعيدون سبب هذا التحكُّم إلى الرؤية الدِّينيَّة، وهم إنَّما يسعون إلى الخروج على هذا (النموذج الأزليّ)، ولكنَّهم، وإن صحَّ ما يذهبون إليه، فإنَّهم يخرجون من أنموذج إلى أنموذج، أي أنّهم يقعون في ما يهربون منه؛ لأنَّ التَّقليد واحد، سواءً كان للغربيّ ـ الرَّاهن أم للتُّراث ـ الماضي، فالمهم الإبداع، إبداع الذَّات، وهي وليدة الماضي والحاضر والرؤية إلى المستقبل والتَّجربة الفردية الفريدة.
منظور الرُّؤية الدينيَّة وموقعها ودورها
وقد كان للرؤية الدِّينية المتمثِّلة بالدِّراسات الإسلاميَّة رؤيتها إلى الواقع. ومن هذه الدِّراسات كتاب (نظرات في الأدب الرِّسالي) (3) للشَّيخ حبيب آل جميع، وقد قدَّم له العلاَّمة المعروف السَّيد محمد حسين فضل الله.
نحاول، في هذه القراءة النَّقدية، انطلاقاً من هذا الكتاب، أن نتبيَّن منظور الرؤية الدِّينيَّة وموقعها ودورها.
يبحث المؤلِّف، في نظرات عجلى، موضوع الأدب الرِّساليّ الإسلاميّ المتفرِّع
________________________________________
(3) حبيب آل جميع: نظرات في الأدب الرِّسالي، بيروت: دار الملاك، ط. 1، 1997.

[الصفحة - 195]


إلى قضايا كثيرة أهمُّها: مفهوم الأدب، وتميُّز الأدب الرِّسالي، إسلاميَّة الأدب، عناصر الأدب الإسلاميّ، وفنونه، الشِّعر وأنواعه، ونماذج تمثِّل شعر الصَّحوة الإسلاميَّة، القصَّة والرِّواية، المسرح والمشهد العاشوريّ (نسبة إلى عاشوراء)، المقالة، التَّرجمة، الخاطرة، وينتهي إلى تقديم نصائح تتعلَّق بعملية التَّأليف، وتشمل مادَّة الأدب وخصائصه وعلامات التَّرقيم، وعلم البيان: التَّشبيه والمجاز.
يقدِّم سماحة العلاَّمة السَّيد محمد حسين فضل الله للكتاب، فيتحدَّث عن دور الرِّسالة الإسلاميَّة في تكوين الوجدان الثَّقافي للأمَّة، وعن طبيعة الأدب الذي يجسِّد هذا الوجدان، ويرى أنَّه متنوِّعٌ بين إبداع يوحي ويثير ويشف وبين كلام تقريري ينقل صورة الواقع كما هي، ويؤكِّد أنَّ الأدب الإسلامي، ينبغي، لكي يتصف بهذه الصِّفة، أن يصوِّر القضايا من منظور إسلاميّ، في معاناة فنيَّة مبدعة تجد أنموذجها الأسمى الذي يُعطيها قيمتها في القرآن الكريم. ويشير إلى اختلاف مدارس الأدب الإسلاميّ وتنوُّع أساليبه وتعدُّد مناهجه، وإلى الجدل الذي لا يزال يدور في شأن رسالة الأدب.
يُثير هذا الكتاب، كما يبدو، قضايا كثيرة تبحثها نظريَّة الأدب، وقد كثر الكلام عليها قديماً وحديثاً ودار جدل في شأنها ما يجعل الإتيان بجديد شرطاً لازماً للإسهام في إعادة القول فيها.
وما يعنينا، هنا، هو إحالة السَّيد فضل الله القارئ إلى المنظور الإسلامي للأدب، وقوله: إنَّ الأدب الذي يجسِّد الوجدان الإسلامي ويصوِّر الواقع ينبغي أن يصدر من منظور إسلامي في معاناة فنِّية مبدعة، فما هو هذا المنظور؟
في سبيل الإجابة عن هذا السُّؤال، عدنا إلى دراسةٍ لنا، عنوانها: (رؤية القرآن الكريم والنَّبي(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)إلى الشِّعر) (4). أجرت هذه الدِّراسة قراءة متأنِّية في نصوص القرآن الكريم والحديث الشَّريف الخاصَّة بالشِّعر، وخلصت إلى بلورة المنظور الإسلاميّ للشِّعر. وقد تركَّز البحث على الشِّعر؛ لأنَّه كان النَّوع الأدبيّ الأساس في ذلك الزَّمن.
________________________________________
(4) راجع: عبد المجيد زراقط، في مفهوم الشعر ونقده، بيروت: دار الحق، ط. 1، ص. 63 87.

[الصفحة - 196]


ويمكن عرض هذا المنظور ـ الرُّؤية كما يأتي:
1. الشِّعر كلام من كلام العرب، وليس ممَّا توحيه الجنُّ أو شياطين الشِّعر، وهذه مسألة مهمَّة ركَّزت عليها الآيات القرآنيَّة لدى تقريرها طبيعة القرآن الكريم ومصدره.
2. هذا الكلام تعبير فطري طبيعي، متأصِّل في العرب، فلا يمكنهم التخلِّي عنه. رُوي عن النَّبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله) قوله: «لا تدع العرب الشِّعر حتّى تدع الإبل حنينها». وهذه مسألة مهمَّة أيضاً، إذ إنَّها تجعل قول الشِّعر إنتاجاً للطَّبع الإنساني، أي أن صدوره أمر حتمي، بوصفه تعبيراً ضرورياً عن الذَّات، فالذَّات هي التي (تحنُّ) ـ تُشَعْرِن حنينها ـ شعورها هي، فتبدعه لغةً هي ابنته ومجسِّدته.
3. يصدر هذا الكلام تلقائياً، كما يصدر الحنين عن الإبل ، ليعبِّر عن تجربة إنسانيَّة ويصوِّرها.
4. يختلف هذا الكلام عن الكلام العادي بصفات فنيَّة، أوجزها النَّبيُّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله) بكلمتين: (مؤلَّف) و(جزل)، أي أنَّه شعر بذل جهد لصوغه ليأتي غير ركيك، وفصيحاً وأصيلاً آسراً.
5. يجمع هذا الكلام بين التلقائيّة والصَّنيع الإرادي، فيأتي، وإن كان قد بذل جهد في صوغه، كأنَّه طبيعيّ الصُّدور، شديد التَّأثير.
6. هذا الكلام نوعان: خبيثٌ وطيبٌ، والطَّيب يكون موافقاً للحق، ومجسِّداً لتجربةٍ صادقة.
7. يؤدِّي هذا الشِّعر دوراً فاعلاً في المجتمع، فهو يدعو إلى مكارم الأخلاق، مُستلاًّ للأحقاد، مقيماً للوئام الاجتماعي المبني على المحبَّة والمودَّة والإخاء...
________________________________________

[الصفحة - 197]


وليس من شكٍّ في أنَّ هذا المفهوم الشَّامل يؤسس لمرحلةٍ جديدة تبدَّلت فيها طبيعة الشِّعر ووظيفته.... والملاحظ، أن ليس من عنصرٍ من عناصر هذا المفهوم، يتحدَّث، أو يشير، إلى أنموذجٍ مسبقٍ يقلَّد، أو يُتَّبع. والسُّؤال الأساس الذي يُطرح هنا: من أين جاء هذا الأنموذج الأزلي، المثال، المفروض من الرُّؤية الدِّينيَّة؟
الأنموذج وشروط تكوُّنه وتحكُّمه
في ما يتعلَّق بالشِّعر، يمكن لنا أن نشير إلى أنَّ شروطاً مجتمعية تتمثَّل في أمور منها: حاجة السُّلطان إلى وسيلة إعلام فعَّالة، وحاجة الشَّاعر إلى كسب فاعليَّة الشِّعر الجَّاهلي، بوصفه مصدر معرفة وتعليم وتربية وتسلية ومتعة فنيَّة... دفعت الشُّعراء، محترفي المديح والهجاء ومقصِّدي القصائد منهم فحسب، كما يقول ابن قتيبة، إلى اختيار قالب رائج لتصبَّ فيه المعاني الجاهزة... فكان أن اختار الشُّعراء المحترفون مدفوعين بطبيعة تجربتهم الشِّعريَّة، وهي تجربة ذهنيَّة، إلى اختيار قالبٍ رائج هو قالب الشِّعر الجَّاهلي. ومن المعروف أنَّ هذا النَّوع من الشِّعر كان شعر السُّلطان وثقافته السَّائدة. وقد ساد في الوسط الرَّسميِّ، ولكنَّه لم يتفرَّد في الأوساط الشَّعبيَّة.
والمشكلة تتمثَّل في أنَّ أصحاب هذه الرؤية لا يرون، في الإنتاج الأدبيِّ العربيِّ المتنوِّع، إلاَّ هذا السَّائد... من دون أن يعنوا بمعرفة المغاير والمختلف. هذا إضافة إلى أنّ حركات الخروج على القالب، أو على ما يسمَّى (الأنموذج الأزليّ المتحكِّم)، حتَّى لدى أرباب الثَّقافة السَّائدة، شعراء أو نقَّاداً، لم تنقطع، وقد مرَّ بنا، في ما سبق، كلام على تحوُّلات عرفها تاريخ الشِّعر العربي.
ويمكن أن نصوغ المشكلة كما يأتي: هل نعرف الشِّعر العربيّ القديم معرفة من أجاد قراءته؟ وهل ننظر إليه بوصفه كائناً تاريخيًّاً، نشأ وتطوَّر، وتنوَّع منذ النشأة، وفي سياق التَّطوّر ومساره؟
________________________________________

[الصفحة - 198]


المؤسف أنَّ تلك المعرفة يلغيها التَّعميم المشروط المبني على جزئيَّة. والسُّؤال الذي يُطرح هو: هل يعود ذلك إلى الكسل فحسب؟
إنَّنا نطرح السُّؤال، وفي وعينا ما يؤدِّيه هذا الإلغاء من مهمّات في هذه المرحلة من تاريخنا، وهي مرحلةٌ تواجه فيها الذَّات العربيَّة خطر فقد هويتها، فهل يسهم التَّعميم المبنيُّ على رؤية نمط واحد من أنماط الإبداع في إنجاز مهمَّة عدم وعي الذَّات هويتها الحقيقيَّة؟
تحكُّم الأنموذج، نقاش
إنَّنا نطرح سؤالاً أثاره نقاش القضية، ونكمل هذا النِّقاش.
كانت د. خالدة سعيد قد تحدَّثت عن دهريَّة ـ لا زمنيَّة الُّلغة العربيَّة، وأشكال الشِّعر العربيِّ من ثمَّ، وأرجعت (لا تاريخيَّة) هذين الكائنين إلى ارتباط الُّلغة بالقرآن الكريم.
تقول د. خالدة: «... وهكذا فإنَّ ارتباط الُّلغة العربيَّة بالقرآن الكريم أوجب تجريدها وإدخالها في مستوى الدَّهر والأبديِّ، وإنقاذها من الزَّمن التَّاريخيِّ... وكما سلمت الُّلغة من التَّغيير والتأثُّر بالَّلهجات والتَّطوُّرات السيَّاسيّة والاقتصاديَّة، كذلك حصل بالنسبة إلى الأشكال الشِّعريَّة العربيَّة»(5).
ما يلفت، في ملاحظة أولى، أن الباحثة تقدِّم، في غير مكانٍ من كتابها، ما ينقض هذا الحكم؛ وذلك عندما تتحدَّث، على سبيل المثال، عن (مناخ القمم الذي يكشف عن نظام العلاقات الُّلغويَّة عند المتنبي). فهل كان المتنبِّي مخلوقاً لا تاريخيِّاً، خرافيِّاً، نزل في سياق حركة الثَّقافة العربيَّة، من زمان ومكان آخرين؟ وكيف ينتج المتنبيُّ لغة فنيَّة وشعراً مغايرين يرقيان إلى (مناخ القمم)، أي غير دهريَّين، بلغةٍ دهريَّة، وفي سياقٍ شعري أشكاله دهريَّة؟ إنّ ما يحلُّ هذه الإشكاليَّة هو المعرفة التَّاريخيَّة بالشعر العربي ولغته كما قلنا.
________________________________________
(5) د. خالدة سعيد، حركيَّة الإبداع، بيروت: دار العودة، 1979، ص. 10 و58.

[الصفحة - 199]


إنَّ القائلين بِـ (أزليَّة) الأنموذج الشِّعريِّ المتحكِّم بالشِّعر العربيِّ وبِـ (دهريِّة) الُّلغة العربيَّة، يصدرون عن رؤيةٍ جزئيَّة سكونيَّة تفترض وجود قاعدة معرفيَّة استناداً إلى معطى وحيد، ثمَّ تصدِّق ما افترضته وتعمِّمه وتؤسِّس عليه، وتبحث في الإنتاج موضوع البحث عمَّا يؤيِّد رؤيتها. وهذه الرؤية غير علميَّة ومسكونة بالمفارقات والتَّناقض وعاجزة عن معرفة الفروقات والاختلاف.
إنَّ دراسة علميَّة تقتضي أن يدرس الإنتاج في كلِّ مرحلة دراسة وصفيَّة تحليليّة، فتتمُّ معرفة هذه المرحلة معرفةً شاملة، ثمَّ يدرس التَّطوُّر الزَّمني ـ الشِّعري دراسة تاريخيَّة، أيّ تدرس التغيُّرات التي تطرأ على كلِّ محور.
يلحظ هؤلاء مظهراً ثابتاً، في مختلف مراحل الشِّعر العربيّ القديم، ويرون أنَّه الأنموذج الشِّعريّ الجاهليّ. والحقيقة أنَّ شَبَهَ هذا المظهر بالشِّعر الجَّاهليّ ينحصر في القالب الخارجيّ فحسب: بعض حركات القصيدة، عدد المقاطع ونسق توزيعها زمنيَّاً، بمعنى أنَّه ينحصر في عناصر شكليَّة محدودة، ولا يشمل عناصر الشَّكل جميعها، أي أنَّ الشَّاعر التَّالي، وبخاصَّة محترف شعر المديح، أو (الشَّاعر الرَّسمي: شاعر السُّلطان) كان يختار من أنموذج السَّلف ما يوائِم تجربته الشِّعريَّة.
وهذا المظهر الشَّكليّ نشأ قبل نزول القرآن الكريم، وليس للدِّين، أو للفقه، أي تأثير حاسم في نشوئه، واختياره وسيادته وثباته في ما بعد، وإنَّما هناك أسباب مجتمعيَّة عديدة أدَّت، كما مرَّ بنا آنفاً، إلى أن يفقد شاعر السلطان تجربته الشَّخصيَّة، ويبحث عن قالب رائج يضمِّنه رؤية السُّلطان ليوصلها إلى المتلقِّين.
تتمثَّل مشكلة أصحاب هذه الرؤية في أنَّهم لم يقرأوا الأدب العربيِّ، أو في أنَّهم لم يقرأوه قراءة حسنة، كما يقول طه حسين، في مقدِّمة فجر الإسلام، واصفاً نماذج من الدَّارسين.
إنَّ القراءة المكتفية بنماذج الثقافة السَّائدة دفعت هؤلاء إلى التَّعميم، فكان إغفال المختلف، أو إلغاؤه، والبحث عن مشجب جاهز يسهِّل السُّبل أمامهم.
________________________________________

[الصفحة - 200]


ونجد أنفسنا، هنا، إزاء مظهرٍ من مظاهر نلحظها في غير ميدان من ميادين حياتنا. وتتمثَّل في إلغاء الآخر. وهذه الظَّاهرة لا تنتمي إلى العصر الحديث، فالإنسان الحديث، أو الحداثي، يسعى إلى معرفة الآخر ومحاروته، فكيف بالباحث الحداثيّ الذي يسعى إلى معرفة ذاته ووعيها من طريق معرفة تراثه ووعيه؟
ولعلَّ هذا الإلغاء هو السبب الأساس في إخفاق مشروع النَّهضة والانبعاث، إذ إنَّ شرط نجاح هذا المشروع الأوَّل هو وعي الذَّات هويتها...
وإن كان لنا أن نناقش مسألة تغيُّر الُّلغة وأشكال الشِّعر، فإنَّنا نعود إلى الشِّعر العربيِّ، ابتداءً من عصر الإسلام، لنرى إن كان ارتباط الُّلغة بالقرآن الكريم قد حال دون التغيُّر.
إنَّ من يقرأ نماذج من شعر هذا العصر يلاحظ أنَّ ألفاظه رقَّت، وأنَّ أسلوبه سلس وتنوّع، وأنَّ بنية القصيدة تغيَّرت، ونُحيل إلى قصائد مثل: (أمن المنون وريبها تتوجَّع)، لأبي ذؤيب الهذلي، (ولقد لامني...) لمتمم بن نويرة، و(تعذِّبني بالودِّ سعدى...) لمضرَّس بن قرظ إلخ...
وقد لاحظ بعض النقَّاد، من القدامى والمحدِّثين، هذا التغيُّر، فقال القاضي عبد العزيز الجرجاني، من القدماء، وعلى سبيل المثال فحسب:
«فلمَّا ضرب الإسلام بجرانه، واتسعت ممالك العرب، وكثرت الحواضر، ونزعت البوادي إلى القرى، وفشا التأدّب والتظرّف، اختار النَّاس من الكلام ألينه وأسهله، وعمدوا إلى كلِّ شيءٍ ذي أسماء كثيرة، فاختاروا أحسنها سمعاً وألطفها من القلوب موقعاً، وإلى ما للعرب من لغات فاقتصروا على أسلسها وأشرفها» (6).
يتحدَّث القاضي الجرجاني، من القدماء، عن التغيُّر وأسبابه، ومظاهره، وعن اختيار، من الكلام، قام به النَّاس للأَلْيَن والأَسْهل والأَحسن سمعاً والألطف موقعاً والأسلس والأشرف...
________________________________________
(6) القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، بيروت: دار المكتبة العصريَّة، ص. 18.

[الصفحة - 201]


ويتحدَّث د. محمد النويهي، من المحدِّثين، عن مظهر من مظاهر هذه الظَّاهرة، أي ظاهرة التغيُّر، فيقول:
وصل عمر بن أبي ربيعة «إلى أقصى درجةٍ أتيح للشِّعر العربيِّ أن يبلغها من مطابقة الكلم العاديِّ الذي يتحدث به النَّاس - والنِّساء خاصَّة - في حوارهم الواقعيِّ» (7).
ويعدُّ بعض النُّقَّاد هذه الميزة إحدى مزايا الشِّعر الحديث. وأثبت د. إبراهيم عبد الرحمن، في مؤلَّفه عن عبيد الله بن قيس الرّقيات، الأمر نفسه. ويقول أدونيس: «لقد خلق أبو تمام لغةً جديدةً تغاير لغة الحياة اليوميَّة ولغة الحياة الشِّعريَّة السَّائدة. وهكذا جاءت معانيه مغايرة للمعاني المألوفة كذلك، ومن هنا جاء غموضه» (8).
كما أنَّ أبا نواس، كما قرَّر غير باحث، وكما يقول هو، كان يصدر عن مقولته المشهورة: «ديني لنفسي»، وهذه المقولة تمثِّل جوهر الإبداع، كما لا يخفى.
ونسأل، تأسيساً على ما سبق، أيكون، في هذه الشهادات المستندة إلى قراءات حسنة، ما يفيد أن الُّلغة العربيَّة ولغة الشِّعر منها بخاصَّة قد تطوَّرت؟ ولمَّا كانت الُّلغة عنصراً من عناصر الشكل، فهل يفيد هذا أنَّ الشَّكل الشِّعري، أيضاً، قد تطوَّر وتغيَّر؟ وإن تكن الإجابة بالإيجاب فكيف يصحُّ الكلام على «دهريَّة» كل من الُّلغة العربيَّة وأشكال الشِّعر العربي بسببٍ من تأثير الرُّؤية الدِّينيَّة؟ إنَّ استنتاج أدونيس القائل: «يمثل أبو تمام وأبو نواس مالارميه وبودلير العرب» (9)؛ يؤكِّد علاوة على ما ذكرناه لا دهرية الُّلغة والأشكال الشعرية، وإن كان لنا من رأي مفاده: ليس من الصحيح محاكمة تراث شعب بمقاييس حاضر شعب آخر، فلكل نصٍّ فرديَّته وفرادته.
يُفيد استنتاج أدونيس أن ليس من (دهرية) وإنَّما هناك تغيُّر...، وإن كنَّا لا نوافقه الرأي في صحَّة المقارنة. ثمَّ، وهل تفيد هذه الشهادات أنَّ (لغة الحديث اليوميّ) ميزة من مزايا بعض نماذج الشعر العربيّ؟ وقد عرفتها تلك النماذج قبل أن يقول ت. س.
________________________________________
(7) د. محمد النويهي، قضية الشِّعر الجديد، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1971، ص. 74.
(8) أدونيس، مقدمة للشعر العربي، بيروت: دار العودة، ط. 3، 1979، ص. 45.
(9) المصدر نفسه، ص. 51 و53.

[الصفحة - 202]