البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

سوسيولوجيا المعرفة في فكر الشهيد مطهري

الباحث :  السيد محمد جعفري
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  59
السنة :  السنة الخامسة عشر خريف 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  801

سوسيولوجيا المعرفة في فكر الشهيد مطهري

السيد محمد جعفري (*)

مقدمة
إنَّ من أهمِّ المواضيع المرتبطة بسوسيولوجيا المعرفة هو (حقيقة المعرفة)، فقد لفت جملة من المفكِّرين إبَّان ظهور علم الاجتماع أو حتّى قبل ذلك إلى تساؤلات حول المعارف البشريَّة وعلاقتها بالظروف والبيئة الاجتماعيَّة الحاكمة، فكانت التساؤلات: ماذا يطرأ عندما تطوَّر المعرفة البشريَّة؟ وما هي العوامل المقتضية لتنمية الأفكار الإنسانيَّة أو المتسبِّبة في تقهقرها أحياناً وإصابتها بالجمود؟ ما هي العلاقة القائمة بين مجتمع ما والمؤسسة الاجتماعيَّة من جهة وبين أنماط محدَّدة من المعرفة من جهة أُخرى؟ وبشكل عام ما هي العلاقة بين الفكر والتفكير والمجتمع العامل بتلك الأفكار؟ ما العلاقة الموجودة بين المعرفة الإنسانيَّة والظروف الاجتماعيَّة الحاكمة لا سيما ما يتمتَّع به أصحاب تلك المعارف من مكانة اجتماعيَّة؟ وما العلاقة القائمة بين البيئة الاجتماعيَّة والعوامل النفسيَّة؟ فللأستاذ مطهري ردود على هذه التساؤلات هي محور بحثنا الحالي.
يرى الشهيد مطهري أنَّ هناك دوراً للمجتمع في تبلور المعرفة، لكن المجتمع ليس كلَّ شيء، إنَّ أهمَّ ما يميِّز مطهري عن (دوركيم) و(ماركس) و(مانهايم) هو (أساس المعرفة الاجتماعيّة)، فهو يقول بأصالة الفرد والمجتمع معاً
________________________________________
(*) باحث وكاتب، من إيران، ترجمة محمد عبد الرزاق.

[الصفحة - 204]


ودورهما المؤثِّر (1) . فدليل أصالة المجتمع هو الخطاب القرآنيّ له وتداخل سعادة الفرد بسعادة المجتمع، أمَّا أصالة الفرد فدليلها أنَّ الروح الجماعيَّة لا تتكون بدون الأصول الفكريَّة الناشئة من الفرد، فثمَّة دور محوريّ لطبيعة الأفراد وحياتهم في تبلور الروح الجماعيّة (2) . وعليه هناك تأثير وتأثّر متقابل بين الفرد والمجتمع ولا يمكن إنكار أصالة أحدهما أبداً. وليست المعرفة نتاجاً للمجتمع وحده فهناك عوامل أخرى تدخل على خطِّ الوعي والمعرفة، فالعقل والفطرة من جملة العوامل المؤثِّرة في تأسيس الوعي البشريّ.
تعريف علم اجتماع المعرفة
علم اجتماع المعرفة أو سوسيولوجيا المعرفة هي العلاقة المحوريَّة بين المعرفة والمجتمع. وهي عبارة عن علم الاجتماع المختصّ بالمعرفة وزواياها. وكان (ماكس شيلر) هو أوَّل من استخدم هذا المصطلح وهو الذي عدَّه علماً وموضوعه دراسة العلائق بين أنماط الحياة الاجتماعيَّة وأقسام المعرفة المتعدِّدة (3) .
ويعرّفها (رابرت مارتن) بقوله: «يهتمّ علم اجتماع المعرفة بالعلاقة القائمة بين المعرفة والعوامل الخارجيّة في المجتمع أو الثقافة» (4) . في حين يرى (اشتارك) أنَّ وظيفته الأساس تكمن في دراسة تأثير الشراكة الإنسانيَّة في الحياة الاجتماعيّة على المعرفة والفكر والثقافة وتحديد مداه وأشكاله (5) .
تمتدّ حدود علم اجتماع المعرفة لمساحاتٍ شاسعةٍ لتشمل نماذج عديدة من الوعي الإنسانيّ، فإنَّ جميع العلوم والمعارف تدخل تحت لوائه. إنَّ جميع أقسام الإدراك مشمولة بهذا البحث وليس كلُّ ظاهرةٍ اجتماعيَّة، فالدِّين على سبيل المثال كان فرعاً من فروع علم اجتماع المعرفة من حيث معتقداته لكنه استقلّ عنها فيما بعد. إذاً فموضوع البحث هو كلُّ إدراكٍ يشبه المرآة في كشفه عن صورة الغير.
________________________________________
(1) مرتضى مطهري، جامعة وتاريخ، طهران، صدرا، ص 29.
(2) م، ن، ص 55.
(3) عبد الرضا علي زاده وآخرون، جامعه شناسى معرفة، 11.
(4) م. ن، ص 28.
(5) م. ن، ص 29.

[الصفحة - 205]


تعريف المعرفة
لقد عرّفوا المعرفة ـ فلسفياً ـ بتعاريف مختلفة، أمَّا من وجهة نظر علم الاجتماع فهي عبارة عن مجموعة من المفاهيم من قبيل التفكير والإدراك والإيديولوجيا والاعتقاد، والعناصر الثقافيَّة، والمفاهيم القِيَميَّة والأحاسيس النفسيَّة وخصائص التفكير لدى كلِّ فرد (6) .
لقد شهدت مقولة المعرفة نظريَّات وآراء مختلفة نتج عنها تعدّد واختلاف في الأسس والأنواع.
نظريّات المعرفة
هناك آراء ونظريّات عديدة طرحت حول موضوعة المعرفة؛ الأمر الذي أدَّى إلى ظهور اتِّجاهات وأقسام متعدِّدة أيضاً. إنَّ أوَّل تقسيمٍ مطروحٍ هو تقسيم جوهريّ وأساس؛ حيث يرى بعضهم أنَّ التعاطي مع مقولة (المعرفة) خلال تاريخ الفكر البشريّ كان مزدوجاً وذا مغزى أيضاً؛ ففي الاتِّجاه الأوَّل ـ وهو الوجوديُّ كما أُطلق عليه ـ استند مفهوم المعرفة إلى أنطولوجيا الإنسان وعُدَّت غائيَّة المعرفة مطلباً ثانوياً. فالعقل الذي لا بدّ عن طريقه أن يتمّ تحصيل المعرفة الحقيقيَّة هو العنصر الأسمى والفعَّال وهو من مختصَّات الإنسان وحده، وليس للماديَّات أن تتحسَّسه وتصيبه بسوء وتؤثِّر عليه أو تتحكَّم به بمفردها، فعبقريَّة العقل فوق كلِّ شيءٍ. أمَّا المذاهب الفلسفيَّة التي اتَّخذت هذا الاتِّجاه فهي عبارة عن فلسفة اليونان لا سيما أفلاطون وأرسطو، والفلسفة المسيحيَّة، والفلسفة الإسلاميَّة بالإضافة للفلسفة الهنديَّة، وهكذا بالنسبة لبعض الفلاسفة أمثال (ديكارت)، (اسبينوزا)، (كانط)، (هيجل)، (هسرل)، (سارتر)، (هيدجر).
أمَّا على الطرف الآخر فنلاحظ وجود (الاتِّجاه الغائيّ) الذي ينكر استقلاليَّة العقل وتفوّقه في الحياة. فلا فرق بين جوهر الإنسان وجوهر الحيوان، بيد أنَّ الإنسان هو الكائن الأكثر تكاملاً قياساً بالكائنات الأخرى. وحسب هذا الاتِّجاه فإنَّ
________________________________________
(6) Knowledge.

[الصفحة - 206]


للإنسان ثلاث خصائص هي: قابليَّته في خلق الرموز (اللغة) وتوظيفها، وقدرته في استخدام الأدوات والوسائل، وامتلاكه العقل.
(المعرفة) هي عبارة عن مجموعة من الصور والرموز والروابط التعاقديَّة بين تلك الرموز، الأمر الذي يقود الإنسان إلى إصدار ردود فعل مفيدة وهادفة تجاه الطبيعة والإنسان الآخر. وقد حظي هذا الرأي بقبول العديد من المفكِّرين والمذاهب الفكريَّة من قبيل المذهب الحسيّ، والسوفسطائيين والمشكِّكين اليونان، وصولاً إلى الفلسفة الوضعيَّة (القديمة والجديدة)، وهكذا عند مدرسة التطوّر الاجتماعيّ والمعتقدات الماركسيّة والماديّة وفلسفة القدرة عند (نيتشه)، وغير ذلك من فلسفات مذاهب اللذّة والبراغماتيّة والسلوكيّة.
وهناك تقسيم أساس آخر للمعرفة يتمثَّل بتقسيمها إلى مجموعتين أساسيَّتين هما (المعارف الطبيعيّة) و(المعارف الثقافيَّة ـ الإنسانيَّة). من أنصار هذا الرأي (الفرد ويبر) و(ديلتاي) من قبله.
أمَّا التقسيم الآخر للمعرفة فكان بلحاظ مستوى التحوّل الطارئ على المعرفة ومدى سرعته وما العوامل المؤثِّرة في ذلك، فكانت إجابة بعضهم تتمثَّل في تصنيف سباعي للمعرفة وأنواعها. فقد ادَّعى (ماكس شيلر) عبر عرضه للمعارف السبع وجود ترابط مباشر بين سرعة ومستوى التحوّل الطارئ على هذه المعارف وبين صناعيتها.
وهذه المعارف الصناعيّة هي حسب الترتيب الآتي: 1 ـ الأسطورة 2 ـ اللغة الأمّ 3 ـ المعرفة الدينيّة 4 ـ المعرفة العرفانيّة 5 ـ المعرفة الفلسفيّة والميتافيزيقيّة 6 ـ المعرفة الوضعيّة والرياضيّات وسائر العلوم الطبيعيّة والثقافيّة ونحوها 7 ـ المعرفة الفنيّة.
لقد ميّز علماء الاجتماع من جهةٍ أخرى بين أربعة مجالات خاصّة بالمعرفة؛ وذلك بُغية التركيز على مَديات خاصّة بالمعرفة ودراسة تبلورها الاجتماعي، وهي:
________________________________________

[الصفحة - 207]


الدين، الفلسفة، العلم، الإيديولوجيا (المعرفة السياسيّة) (7) .
ظهور سوسيولوجيا المعرفة
مع أنّ للخلفيّة الفكريّة والفلسفيّة أو ما قبل تاريخ السوسيولوجيا ـ كما يعبِّر بعضهم ـ دوراً في ظهور سوسيولوجيا المعرفة؛ إلا أنَّ الأفكار والآراء المهمّة ـ عن كثب ـ في تبلورها تحظى بأهميَّة أكبر. وقد بلغت التنظيرات ذروتها في هذا المجال في القرن السابع عشر والثامن عشر في أوروبا وصولاً إلى القرن التاسع عشر واختتامها على يد (كارل ماركس)، و(ويلهم ديلتاي) و(نيتشه). وبشهادة بعض الكتّاب فإنَّ آراء هؤلاء الثلاثة كانت ذات تأثير واضح على كلٍّ من (ماكس شيلر) و(ماكس ويبر) و(كارل مانهايم) (8) .
ويُعدّ (مانهايم) من أبرز الأسماء على صعيد تطوير علم اجتماع المعرفة وبه عرف هذا العلم وذاع صيته. بدأ عمله في النصف الأوّل من القرن العشرين وهو تلميذ (هوسرل) وكان له دور في تأسيس مدرسة فرانكفورت، وقد ركَّز هذا العالِم اختصاص علم اجتماع المعرفة حتَّى قاده ذلك إلى البحوث العملية والتجريبية أيضاً، وعلى الرغم من انتمائه اليساريّ إلا أنّه ارتبط لمدّة من الزمن بالكاثوليك. من أهمِّ مؤلَّفاته كتاب (الأديولوجيا واليوتوبيا).
حاول (مانهايم) شرح كيفية تكوّن العلم والإدراك في الإطار الاجتماعيّ؛ ولهذا رأى أنَّ واجب علم اجتماع المعرفة يكمن في تحليل ودراسة العلاقة بين المجتمع والعلم «فهو يعتقد بأنَّ موضوع علم اجتماع المعرفة أو العلم هو دراسة علاقة المجتمع بالعلم» (9) .
وهنا لا بدّ لنا من التذكير بنيتشه (1844 - 1900) إذ لم تبق أفكاره في علم اجتماع المعرفة واضحة المعالم، لكن مع ذلك ثمَّة صلة مباشرة بين نظريَّاته وبين الصورة العامَّة التي أُسس عليها هذا العلم. وقد وصف هذا المفكِّر الرافض للمثاليّة
________________________________________
(7) م، ن، ص 26.
(8) م، ن، 49.
(9) م، ن، ص 37.

[الصفحة - 208]


المعرفة الإنسانيّة بأنّها أداة توظّف من أجل الصراع على القوّة والبقاء.
باتت نظريَّات (نيتشه) مصدر إلهام للعديد من علماء علم اجتماع المعرفة، من قبيل آرائه في (الوعي الكاذب) و(التجاذبات) و(نظريّة المعرفة) القريبة من المذهب البراغماتيّ، وهكذا آراؤه في بعض المقولات كالثقافة والبرجوازيّة والديمقراطيّة وسعيه لوضع مميِّزات خاصَّة بكلِّ ثقافة.
قبل الخوض في تفصيل رأي الشهيد مطهري حول علاقة المجتمع بالمعرفة لا بدَّ من الإشارة إلى بعض النظريّات، فهدفنا من ذكر نظريَّة (مانهايم) و(ماركس) هو الإسهام أكثر في بيان نظريَّة المطهري في علم اجتماع المعرفة، وذلك لأنّ اختلافه وانتقاده أحياناً لآراء هذه الطبقة من مفكّري الغرب حول نمطيَّة العلاقة بين المعرفة والأفراد داخـل المجتمع سيتَّضح أكثر عبر هذه القناة.
بعض النظريَّات في علم اجتماع المعرفة
1ـ كارل مانهايم
يحتلّ المفهوم (الأيدلوجي) مكانة الصدارة في علم اجتماع المعرفة لدى مانهايم، وقد قدَّم له معنيين أحدهما جزئيّ والآخر كليّ، فالمفهوم الجزئيّ هو أنّ أفكار وأعمال من يُعارض منحرفة عن الواقع، ومعنى الانحراف عن الواقع هو الوعي الكاذب أو انحراف الوعي الناقص واللا إرادي. أمَّا في المفهوم الكلي فإنَّ (الانحراف) لا يصدق على أفعال وتصرّفات الأفراد؛ بل إنَّ هذه الأعمال دخيلة في صناعة المعرفة الاجتماعيّة. ويرى (مانهايم) أنَّ المعنى الخاص بالإيديولوجيا في الماضي تحوَّل إلى المفهوم الكليّ في الزمن الحاضر؛ وعليه فإنّ أفعال الأفراد في كلِّ مجتمعٍ تُقيَّم في الإطار العام للمعرفة في ذلك المجتمع. وتحت هذا المفهوم الكلي للايديولوجيا تندرج وجهة النظر الخاصة بجماعة ما فهي تؤثِّر على آراء جميع الأفراد (10) .
________________________________________
(10) أعظم راودراد، «نقدى بر ديدگاه كارل مانهايم در جامعه شناسى معرفة»، مجلة الحوزة والجامعة، عدد 11 و12، ص 54. (مقالة مترجمة في مجلة المنهاج، العدد 57، ص 246).

[الصفحة - 209]


إذاً فمن نافذة نظريّة الإيديولوجيا بمفهومها الكليّ اقتحم (مانهايم) مجال علم اجتماع المعرفة.
يعتقد (مانهايم) أنَّ كلَّ فردٍ محكوم بأمرين وفقاً لولادته ونشأته هما: أنَّه أمام ظروف جاهزة من جهة وبنماذج معدّة سلفاً من جهةٍ أُخرى (11) .
وبهذه الآليّة يمكن فهم نوع العلاقة بين معرفة الأفراد والمجتمع الذي يعيشون فيه، حيث يرى (مانهايم) أنَّ الأجواء التاريخيَّة ـ الاجتماعيّة هي التي تحدِّد نمطيَّة المعرفة لدى أفراد المجتمع. وممَّا يؤيِّد ذلك أنَّنا يمكن أن نحدِّد متى وأين عاش هؤلاء الأفراد من خلال أغلب آرائهم الجزئيَّة(12) .
وحين عدّ (مانهايم) تأثير الأجواء الاجتماعيّة على المعرفة أمراً يتحكَّم بمفهوم المعرفة نفسها اشتهرت هذه القضية بين النقَّاد بتبنّي (النسبيّة).
لقد كشف علم اجتماع المعرفة عند (مانهايم) عن أنَّ ظهورَ أو ضمورَ مختلف المعارف عائدٌ لعوامل خارجة عن حدود المعرفة أي العوامل الاجتماعيّة، فالظروف الاجتماعيَّة في كلِّ زمنٍ هي التي تحدِّد نوع وشكل المعرفة أو طريقة التفكير في ذلك المجتمع. وحسب (مانهايم) فإنَّ هذا الأمر لا يصدق بخصوص ولادة الأفكار وحسب بل إنَّ هذه العوامل الخارجيَّة تتحكَّم أيضاً بكيان الأفكار وأنماطه (13) .
2 ـ ماركس
ماركس أيضاً كمانهايم يرى أنَّه لا وجود للمعرفة خارج إطار المجتمع؛ لأنَّ المجتمع هو مصدر المعرفة وبدونه لا إنتاج للمعرفة. ويُفهم من أبحاث ماركس ـ لا سيما تحاليله الفلسفيَّة للمعرفة ـ أنَّ (التأثير) هنا ذو معنى خاص؛ فتأثير المجتمع على المعرفة لا يعني أنَّ للمجتمع وجوداً وللمعرفة وجوداً آخر يؤثِّر أحدهما في الآخر، بل إنَّه يرى أنَّ وجود المعرفة من وجود المجتمع فهو منشأ المعرفة ومنه تَنتج، فأساس الفكر هو المجتمع ولا فكر بلا مجتمع (14) .
________________________________________
(11) عبد الرضا عليزاده وآخرون، مصدر سابق، ص 40.
(12) أعظم راودارد، مصدر سابق، ص 55.
(13) م، ن، ، ص 56.
(14) كارل مانهايم، ايدئلوژى واتوبيا، ترجمة فريبرز مجيدى، طهران، ص 348.

[الصفحة - 210]


لقد قسّم (ماركس) المجتمع إلى جزأين أحدهما (تحتيّ) وأساس والآخر (سطحيّ)، إذ يتكوَّن الأوَّل من الطاقات والعلاقات الإنتاجيَّة أمَّا الآخر فهو عبارة عن المؤسسات القانونيَّة والسياسيَّة والإيديولوجيَّة. أمَّا العلاقات الإنتاجيَّة فهي التي تصنع الجزء السطحيّ. وفي كلِّ مجتمعٍ يُمكن أن يُلاحظ أمران: هما الأساس الاقتصادي أو البنى التحـتيَّة، والبنى السطحيَّة، وتتكوَّن البنى التحتيَّة من الطاقات والعلاقات الانتاجيَّة، في حين تندرج المؤسسات القانونيَّة والسياسيَّة وهكذا نوع من الأفكار والفلسفات تحت مسمَّى البُنى السطحيّة (15) .
وعلاوة على تفكيك ماركس بين البنى التحتيَّة والسطحيَّة فصَّل أيضاً بين (الواقع الاجتماعيّ) وبين (الوعي)، وهنا تناول مسألة (كيف يتحقَّق الوعي؟) فهو يرى أنَّ الوعي الإنسانيّ ليس هو من يحدِّد أمر الواقع، بل بالعكس فالواقع الاجتماعي هو من يحدِّد وعي الأفراد، وأنَّ لدراسة الوعي طرقاً مختلفة أفضلها الاستعانة بالطبقة الاجتماعيَّة.
يُمكن تحليل الأفكار عبر الواقع الاجتماعي بأساليب عديدة، وبسهولة يمكن التعرف إلى نوع الأفكار من خلال طرق الإنتاج والأساليب الفنية في كل مجتمع. لكن النمط التحليلي المفضل هنا هو التحليل الذي ينسب الأفكار المحددة إلى طبقة اجتماعية محددة (16) .
ويعد (ماركس) هذه الطبقة هي العنصر الأساس في تحديد المعرفة، فالطبقة عنده أهم العناصر الاجتماعية الدخيلة في صناعة المعرفة، فهو يعتقد بضرورة تحصيل الأصول الخارجية للمعرفة من صميم المجتمع، وأن الطبقة هي إحدى العوامل الاجتماعية المسهمة في تحليل المعرفة (17) .
أما الطبقة التي آمن (ماركس) بفاعليَّتها في بناء المعرفة فهي تلك التي تنشأ في ظلِّ طرق الإنتاج والعلاقات الاقتصاديّة؛ أي إنَّ الوسيلة التي بواسطتها يُمكن أن نحلِّل وندرس الوعي هي الطبقة التي تُعرف بعلاقاتها الاقتصاديّة. فالعلاقات
________________________________________
(15) أعظم راودارد، مصدر سابق، ص 57.
(16) حسين اژدي زاده، «مؤلفه هاى تعين در آراء معرفتى ماركس» مجلة الحوزة والجامعة، ص 27.
(17) ريمون آرون، مراحل أساسى سيرانديشه در جامعه شناسى، ترجمة باقر پرهام، ط4، طهران، 1382، ص 173.

[الصفحة - 211]


الإنتاجيّة هي التي تمنح طبقات المجتمع المختلفة مكانتها كلاًّ بحسبه، وهذه المكانة بدورها هي التي تتحكَّم بنظريَّة المجتمع للعالم؛ وعليه ستنظر كلُّ طبقةٍ للعالم انطلاقاً من موقعها الخاص بها.
يعتمد رأي (ماركس) على أنَّه لا يمكن للطبقة الاجتماعيَّة المعيَّنة أن تنظر للعالم خارج حدود قدراتها وما تتمتَّع به من مكانةٍ بين الطبقات (18) .
وما يبرز للسطح هنا هو الإشكاليَّة في صعوبة تشخيص الحقِّ من الباطل، فكيف سيمكن ذلك والحال أنَّ لكلِّ مجتمعٍ نظرته الخاصة تجاه العالم؟ بعبارةٍ أُخرى سنقع في محذور (النسبيَّة) مرةً أُخرى. وهروباً من هذا المحذور فكّر (ماركس) بحلّ قادهُ إلى اختيار ما تختاره الطبقة (العاملة) ورؤيتها للعالم. فهو يرى أنَّ هذه الطبقة هي الوحيدة التي بإمكانها فهم حقيقة العالم، وهي الوحيدة التي تستطيع رسم ملامح مستقبل الثورة (19) .
هنا نسأل: هل المجتمع هو العنصر الوحيد في بلورة المعرفة، أم هناك عناصر أُخرى دخيلة في ذلك؟ هذا ما سنتناوله في موضوع (التحكُّم الاجتماعيّ بالمعرفة).
التحكّم الاجتماعيّ بالمعرفة
السؤال الأوّل المطروح في علم اجتماع المعرفة هو: هل للمجتمع دورٌ في صياغة مضمون المعرفة؟ حيث أجاب بعضهم بنعم ورأى أنَّ العوامل الاجتماعيَّة هي التي تحدِّد مضمون المعرفة؛ أي أنَّ الإنسان لا يستقي معارفه إلا من داخل المجتمع. أمَّا في رأي الشهيد مطهري فالمجتمع ليس وحده المتحكِّم في صناعة المعرفة، نعم المجتمع يؤثِّر على أفراده، لكن هذا التأثير لا يتحوَّل إلى الجبر الاجتماعيّ.
قد يتحوَّل الإنسان في إحدى حالاته إلى ريشة في مهبِّ الريح تُسيِّره يميناً
________________________________________
(18) المصدر السابق، ص 222.
(19) أعظم راودارد، مصدر سابق، ص 28.

[الصفحة - 212]


أو شمالاً، فلا شكّ أنَّ المجتمع هو تلك الريح العاصفة التي تتحكَّم بالأفراد، لكن هذا لا يعني الجبر المطلق وسلب الإرادة؛ فالبيئة وظروفها الاجتماعيَّة لا تتحكَّم بمصير الإنسان بشكل تام؛ أي ليس الأمر بمعنى عجز الإنسان عن اتِّخاذ قرار وسط العاصفة فيغيِّر موقعه منها أو حتَّى أنَّه يسير ضدَّ التيَّار، بل باستطاعته مجابهة الإعصار أو التحكّم بمصيره ومساره أحياناً (20) .
ومن أجل جلاء الصورة في هذا الموضوع نستعرض زوايا هذا التحكُّم فيما يأتي:
1 ـ عمق التحكّم: وهو يتحدَّث عن شعاع ممتدٍّ أحد طرفيه منشأ المعرفة الاجتماعيّ وفي الطرف الآخر مجرَّد التأثير الاجتماعي؛ أي إمَّا المدخليَّة في صناعة المعرفة ومضمونها، أو أنَّ المسألة مقتصرة على شكل المعرفة.
2 ـ درجة التحكُّم: يشمل هذا الجانب العليّة الطبيعية من جهة، أو التأثير المحتمل من جهةٍ أُخرى.
3 ـ مستويات التحكّم: يُمكن رصد التحكّم الاجتماعي بالمعرفة على مستويات الفرد أو الأفراد، والمجموعة، أو الطبقة، أو حتَّى على مستوى المجتمع والمجتمع العالميّ أو الأجيال في كلِّ عصرٍ وزمان.
4 ـ العنصر الفعَّال في التحكُّم: قدَّم الباحثون عناصر وأقساماً اجتماعيَّة مختلفة مثالاً للعنصر الفعَّال من قبيل عنصر الاقتصاد والصناعة والجغرافيا.
5 ـ موضوع التحكُّم: هناك مصاديق عديدة للمعرفة من قبيل المعرفة الدينيّة والسياسيّة والفلسفيّة والعلميّة والإيديولوجيّة. فليس تأثّر هذه الأشكال بالتحكُّم الاجتماعي على نحو واحد (21) .
يُعدّ علم اجتماع المعرفة من العلوم مزدوجة الموضوع؛ فهو يدرس علاقة المجتمع بالوعي والإدراك، فالوعي مظروف والمجتمع ظرفه. إنَّ هذا العلم عبارة
________________________________________
(20) ريمون آرون، مصدر سابق، ص 223.
(21) م، ن، ص 223.

[الصفحة - 213]


عن ترابط بين مجال المعرفة وواقع المجتمع؛ وعليه لا بدَّ من فهم حقيقة معنى المجتمع علاوة على مفهوم المعرفة نفسها.
مفهوم المجتمع
للمجتمع معانٍ متعدِّدة عرَّفها الباحثون كلاًّ بحسبه، لكن من الممكن احتواء جميع الآراء والنظريَّات في قسمين أساسين هما: الاتِّجاه الجماعيّ والاتِّجاه الفرديّ أو الكليّ والجزئيّ. أمَّا الاتِّجاه الفرديّ فينظر للمجتمع كوحدةٍ قِوَامها الأفراد والطبقات؛ أي إنّه تجمّع آليّ وعدديّ، إذ تعتمد هذه الرؤية على الأساس الفرديّ للظواهر الاجتماعيّة باعتبار أنّ الأفراد هم من يفكِّر ويعمل. من أبرز أنصار هذا الاتِّجاه الفردي (جون ستوارت ميل).
أمّا الاتِّجاه الجماعيّ (الكليّ) فيعتمد على الأساس الجماعيّ للظواهر الاجتماعيّة معتبِراً المجتمع وجوداً خارجيّاً ميزته الأفراد الذين يكوّنونه وما يتمتَّعون به من خصائص لا تتوفّر لدى الآخرين. فالمعرفة ـ حسب هذه الرؤية ـ جزء لا يتجزَّأ من المجتمع وينظر لها من منظار جماعيّ (22) .
إذاً إلى أي القسمين ينتمي تعريف الشهيد مطهري لمفردة (المجتمع)؟ فهو لا يقتصر على مجرَّد مجموعة من الناس يعيشون جنباً إلى جنب؛ فلا يُقال لمجموعة من الحيوانات في موضع ما (مجتمع)؛ بل المجتمع عبارة عن مجموعةٍ من البشر تربطهم صلات اجتماعيَّة وتقاليد واحدة وهمٌّ مشترك. فتلك الجماعة الإنسانيَّة المتَّحدة في تقاليدها وقوانينها الخاصة بها تحت مظلَّة الحياة الجماعيَّة هي التي تكوِّن لنا المجتمع... إنَّ معنى حياة الإنسان الاجتماعيَّة هو الصيرورة والماهيَّة الاجتماعيَّة، فجميع المتطلَّبات والمنافع والتعاملات والأنشطة داخل هذا المجتمع لها ماهيَّة اجتماعيَّة، ولا يستقيم أمر المجتمع إلا من خلال توزيع الوظائف والعائدات ووضع نظام يلبِّي احتياجات الأفراد وفق أولويَّاتهم. ثمَّ إنَّ نسق الأفكار والمُثل والسجايا الواحدة جميعها تصدق على سائر الأفراد؛ بحيث
________________________________________
(22) مرتضى مطهري، تعليم وتربية در اسلام، قم، صدرا، ص 381.

[الصفحة - 214]


تمنحهم صفة الاتِّحاد والوحدويَّة. بعبارةٍ أُخرى المجتمع هو عبارة عن مجموعة من الأفراد اضطرَّتهم مجموعة من المتطلَّبات وحكمتهم منظومة من المعتقدات والمُثل والأهداف إلى الانخراط في حياة مشتركة ذات عُرى مستحكمة (23) .
هنا يتناول الأستاذ مطهري جملة من المواضيع ذات الصلة من قبيل عناصر المجتمع وتركيبته، ووحدة المجتمع وتعدديَّته من حيث الماهية. نحن بدورنا نعرض عنها تجنّباً للإطالة.
أدلّة الشهيد مطهري على وحدة المجتمعات النوعيّة
1 ـ الروح الجماعيَّة: إذا كنَّا نعدّ الأفراد مجرَّد مواد مستعِدَّة وننكر أصل الفطرة فكيف نفسر حضور الروح الجماعيّة؟ فلا يُمكن أن يكون منشأ جوهر هذه الروح هو العدم المحض. فلطبيعة الأفراد وعيشهم دور في خلق الروح الجماعيّة.
2 ـ موارد الاشتراك بين جميع المجتمعات: هناك أمور مشتركة بين المجتمعات مآلها الروح الجماعيَّة وهي واحدة عند جميع المجتمعات من قبيل الدِّين والفنّ والأخلاق. وهذه المشتركات تدلُّ على أنَّ للروح الجماعيَّة لدى المجتمعات ماهيَّةً واحدةً.
3 ـ منهاج الدِّين التكاملي: إنَّ تعاليم الدِّين هي بمثابة خطط تكامليَّة على الصعيد الفرديّ والاجتماعيّ، وهذه الخطط والمناهج إنَّما تعتمد في قِوَامها على وحدة المجتمعات النوعيَّة؛ فلو لم تكن ماهيَّة المجتمعات واحدة أي كانت متعدِّدة لما اتَّحد مسارها التكاملي ولوجب على الدِّين أن يقدِّم لكلِّ مجتمعٍ منهاجاً خاصاً به، في حين أنّ الدِّين لم يطرح سوى برنامج واحد لجميع الناس.
4 ـ النصوص القرآنيّة: تنصُّ آيات القرآن الكريم على أنَّ الدِّين جاء لجميع المجتمعات في العالم ولم يختصّ بمكان أو مجتمع بحدِّ ذاته. وكما أنَّ الله ـ عزّ وجل ـ كان قد دعا الأمم السالفة إلى التوحيد وتطبيق القوانين الإلهيَّة كذلك دعا
________________________________________
(23) عبد الرضا علي زاده وآخرون، مصدر سابق، ص 61.

[الصفحة - 215]


الأمم الأخرى إلى الأمر ذاته، فليس للتعاليم الإلهيَّة زمان أو مكان محدَّد لأنَّها تخصُّ جميع المجتمعات في كلِّ مكان.
نعم، لو لم ننظر إلى حقيقة الأفراد إلا كمواد مستعِدَّة وبالتالي ننكر أصل الفطرة حينها سيمكننا الكلام عن فرضيّة (الاختلاف الماهويّ والنوعيّ بين المجتمعات)، لكنَّ هذه النظريَّة على الطراز الدوركهايمي غير مقبولة بشكلٍ من الأشكال؛ وذلك لأنَّ أوَّل سؤال سيبحث عن إجابته المفقودة هو إذا لم يكن منشأ الروح الجماعيّة عائداً إلى الفرديّة وطبيعة الحياة الإنسانيّة إذاً فما هو منشؤها الآخر؟ فهل وجدت الروح الجماعية من العدم المحض؟ هل إنّ قولنا (أينما وجد الإنسان كان المجتمع) كافٍ في تفسير الروح الجماعيَّة؟ زد على ذلك أنّ (دوركهايم) نفسه يقرّ بأنَّ القضايا الاجتماعيَّة التي تخلقها الروح الجماعيّة ـ كالدِّين والأخلاق والفنّ ونحو ذلك ـ كانت ولا تزال موجودة في سائر المجتمعات (24) .
إنَّ مفهوم (علم اجتماع المعرفة) هو نوع من علم المعرفة غير أنَّه مختصّ بمجالٍ معيَّن هو المعرفة. لقد تأسَّس علم اجتماع المعرفة على أعقاب انفصال الجانب الميتافيزيقيّ عن علم المعرفة. أمّا ما هو مفهوم علم المعرفة وما موضوعه فهذا ما سنتناوله فيما يلي.
علم المعرفة
إنَّ من جملة ما يتناوله علم المعرفة هو بيان كيفيَّة حكاية العلم والمعرفة عن العالم الخارجيّ، إذ يهتمّ هذا العلم بالسؤال عن علاقة المعرفة والعلم بالمعلوم وطبيعة انتقال ما في العالم الخارجي عبر العلم، ويهتمّ كذلك بحدود مستويات العلم البشريّ وغير ذلك من المواضيع ذات الصلة (25) .
قد يدور البحث هنا عن تعريف (المعرفة) تارةً وعن مصادرها تارةً أخرى.
________________________________________
(24) أعظم راودارد، مصدر سابق، 15.
(25) مرتضى مطهري، جامعه وتاريخ، طهران، صدرا، ص 18.

[الصفحة - 216]


ويبدو أنّه لا ضرورة إلى تعريف مفهوم المعرفة نفسها فهي مطلق الإدراك.
هناك من يقول في تعريف (المعرفة) أي معرفة العالم: إنَّ المعرفة هي عبارة عن انعكاس العالم الخارجيّ في الذهن... في حين هناك بعضٌ آخر يدَّعي من جهةٍ أُخرى أنَّه وعلى الرغم من تعريف الإنسان لبعض الأشياء عبر المعرفة إلا أنَّ المعرفة نفسها لا تحتاج إلى تعريف، وإنَّما ينبغي شرحها ببعض الألفاظ والمصطلحات. (المعرفة) هي الوعي والوعي ليس بحاجة إلى تعريف. وهذا كلّه إيجاز في الحديث عن تعريف المعرفة التي لا يمكن الخوض في تعريفها إلا إذا اتَّضح محتواها بالكامل (26) .
أمَّا بالنسبة لمصادر المعرفة فقد ذكر الأستاذ مطهري لذلك أربعة أمور هي: الطبيعة، والعقل، والقلب، والتاريخ، بعضها داخلي بالنسبة لأصل المعرفة وبعضها الآخر خارج عن ذلك. فالعقل والقلب من المصادر الداخليَّة، أمّا الطبيعة والتاريخ فهما من المصادر الخارجيَّة. ويكمل هذه المصادر الأربعة أيضاً وسائلها والأدوات ذات الصلة، إذ يعتمد كلٌّ من التاريخ والطبيعة على وسيلة الحس، بينما يرتكز العقل على وسيلة الاستدلال المنطقيّ ـ أي القياس والبرهان ـ والقلب على العمل والأداء ـ أي تزكية النفس ـ .
مصادر المعرفة
1 ـ الطبيعة: ينظر الأستاذ مطهري إلى (عالم الطبيعة) على أنَّه مصدر للمعرفة وذلك من خلال انتقاله عبر الحواسّ الظاهرة ليصبح من المدرَكات. أمَّا أفلاطون فلم يذكر مصدراً للمعرفة غير (العقل)؛ لأنَّه لا يجوّز أن يكون مصدرها جزئياً؛ وعليه يكون العقل هو المصدر، أمَّا الطبيعة المدرَكة عن طريق الحواس الظاهرة ذات النظرة الجزئيّة فليست مصدراً للمعرفة.
والطبيعة التي عدَّها الأستاذ مطهري مصدراً للمعرفة تشمل العالم الجسمانيّ
________________________________________
(26) م، ن، ص 55.

[الصفحة - 217]


وعالم الزمان والمكان، وعالم الحركة؛ أي هذا العالم الذي نعيش فيه ونتَّصل به عن طريق حواسنا. ولا يوجد مذهب ينكر مصدريَّة الطبيعة إلا نادراً، ومع ذلك كان ولا يزال من العلماء من لم يعد الطبيعة مصدراً للمعرفة.
أمَّا أفلاطون فقد رفض أن تكون الطبيعة من مصادر المعرفة؛ فذلك لأنَّ اتِّصال الإنسان بالطبيعة يتمّ عبر قناة الحواس وهي علاقة جزئيّة وهو لا يعدّ الجزئيّ حقيقة. ولذا أصرَّ على أنَّ مصدر المعرفة الأساس هو العقل، مستدلاً على ذلك بطريقة وصفها أفلاطون نفسه بالديالكتيكيّة (27) .
أمَّا مرادنا من الطبيعة فهو كلُّ ما يدرك بالحسّ والتجربة، وبهذا يدخل (المجتمع) في هذا القسم أيضاً، فالإدراك الحاصل لدى الإنسان عبر بيئته الاجتماعيّة سيترك أثره على معرفته ووعيه. وهذا ما يفسِّر لنا اختلاف وجهات نظر الأفراد داخل المجتمعات تجاه الموضوع الواحد. وهذا العنصر مؤثِّر أيضاً على عمل الفقيه؛ فقراءة وفهم الفقيه الساكن في المناطق الجافَّة الصحراويّة لروايات الطهارة والنجاسة مختلف من فهم الفقيه الموجود في الأجواء الباردة حيث المياه والمراتع.
نعم، إنَّ واجب الفقيه والمجتهد هو استنباط الأحكام الشرعيَّة من مظانِّها؛ لكنّ لإطلاعه وفهمه القضايا أو أيديولوجيّته الخاصَّة تأثيراً كبيراً على مسار فتواه. ويتوجّب على الفقيـه أن يكون ضالعـاً بالمواضيع التي يُريـد الإفتاء فيها، فلو قارنا بين فقيهين أحدهما قابعٌ في بيته أو مدرسته، والآخـر حاضر في تفاصيل الحيـاة اليوميّة، فعلى الرغم من رجـوع الاثنين إلى مصدرٍ واحدٍ هو الأدلَّة الشرعيَّة إلا أنَّهما سيختلفان في طريقة الاستنباط وإصدار الفتوى... (28) .
تأسيساً عليه فإنَّ (البيئة) تؤثِّر على نمطيَّة تفكير الإنسان مثلما يتدخَّل المحيط الاجتماعيّ في رؤية الفقيه للأحداث والأحكام. لكن وخلافاً لمانهايم الذي عدَّ المجتمع هو العامل الوحيد المؤثِّر على استحصال المعرفة فقد ذكر
________________________________________
(27) حميد پارسانيا، جامعه شناسى معرفة وعلم، ص 89.
(28) مرتضى مطهري، مسألة شناخت، قم، صدرا، ص 37.

[الصفحة - 218]


الأستاذ مطهري لذلك عواملَ أخرى أيضاً. ففضلاً عن البيئة هناك العقل والفطرة والتاريخ أيضاً.
2 ـ العقل: وهو من مصادر المعرفة الداخليَّة. يقول الأستاذ مطهري بأصالة الفرد والمجتمع معاً، فالعقل والفطرة من مصادر المعرفة الداخليَّة أي في داخل كيان الفرد وهما اللذان يصنعان الوعي لديه؛ وعليه لا يتأثَّر الفرد بالخارج وحسب؛ بل هو تأثير مزدوج ومتقابل من الطرفين.
عقل الإنسان هو المصدر الآخر في المعرفة. وسبق أن قلنا بوجود مصدر خارجيّ هو الطبيعة، فهل لدى الإنسان مصدر داخليّ أيضاً أو لا؟ فالكلام هنا عن العقل نفسه وهو الفطريَّات والمستقلات العقليَّة. تقول بعض النظريَّات: يوجد هكذا مصدر داخلي للمعرفة، في حين نفت نظريّات أخرى وجوده بالمرَّة. كما أنَّ هناك من الآراء من يقول بالعقل المستقلّ عن الحسِّ وهناك من يودّ ذلك (29) .
3 ـ القلب: المصدر الداخليّ الآخر هو القلب ذلك المصدر غير المرحَّب به بين أنصار المذهب الماديّ؛ لأنَّ الاعتراف به سيقودهم إلى الاعتراف بما وراء الطبيعة الأمر الذي لا إيمان لهم به مطلقاً.
فالمصدر الثالث هو ذلك الذي أطلقنا عليه عنوان (القلب)، وما كان ينبغي لنا أن نعبِّر عنه بالأداة، بل كان ينبغي أن نعبِّر عنه بالمصدر. ومن الطبيعي أن لا يؤمن به أرباب النزعة الماديَّة؛ ذلك لأنَّنا إذا اعتبرناه مصدراً ـ والحال أنَّ الإنسان حين يولَد لا يعلم شيئاً وقلبه خالٍٍ من كلِّ شيءٍ، وأن بعض الإلهامات تُلقى فيه ـ وأبرز درجاتها الوحي ـ فإنَّ هذا سيكون بمثابة الاعتراف بوجود عالمٍ ما وراء عالم المادَّة والطبيعة؛ لأنَّ الطبيعة ليس من شأنها أن تُلقي هذا النوع من الإلهامات إلى الإنسان، فسنخيَّة الإلهام من سنخيَّة الميتافيزيقي (30) .
4 ـ التاريخ: وهو من مصادر المعرفة أيضاً. و(التاريخ) يعني المجتمع المتتالي وهو ذلك المجتمع الملحوظ من جهة اتِّصاله بالماضي والحاضر. إنَّ في مسيرة
________________________________________
(29) م، ن، ص 61.
(30) المؤلف نفسه، ده گفتار، قم، صدرا، ص 100.

[الصفحة - 219]


التاريخ دروساً وعبراً للبشر، وهذا ما أكَّد عليه القرآن الكريم أيضاً. فإنَّ السنن الإلهيّة هي ذات السنن لجميع المجتمعات ولا تغيير فيها؛ ولهذا فهي من مصادر المعرفة حسب الرؤية القرآنيّة.
التاريخ مصدر هام جداً لا سيما في عصرنا الحالي. وقد ركّز القرآن عليه كثيراً؛ ففضلاً عن الطبيعة والعقل والقلب يقدِّم القرآن مصدراً آخر هو التاريخ. نعم قد يقول قائل: قد ذكرتم في مصادركم للمعرفة عنصر الطبيعة، والتاريخ داخلٌ ضمنه. نقول: هذا صحيح أنَّ التاريخ هو جزء من الطبيعة بأحد الاعتبارات؛ لكنَّ التاريخ هو بمعنى المجتمع الإنسانيّ في حال الاستمرار والاستدامة، فكما يمكن دراسة الطبيعة بلحاظين كذلك يمكن النظر إلى المجتمع من زاويتين أيضاً... (31) .
موانع المعرفة
كيف يُمكن صيانة الفكر من الخطأ؟ فقد تتوفَّر العناصر الفكريَّة لدى عددٍ من الناس لكنَّهم لا يستطيعون تحقيق نتيجةٍ واحدة؛ الأمر الذي دفع بعضهم ـ أمثال ديكارت وبيكون ـ إلى البحث عن الأسباب وطرق علاجها، ففسَّر الأمر بقضية (التهوُّر في الحكم) فقال: إنَّ العلماء والفلاسفة لا يتريَّثون في إصدار الحكم، وقبل اتِّضاح أمر المادَّة الفكرية يذهبون إلى جعلها أساساً فكريَّاً؛ ولهذا لا بدَّ في تجنُّب الخطأ في التفكير من دراسة الموضوع بتمعّن ودقّة فائقة حتّى ترتفع جميع الشكوك. وقد أحصى ديكارت هنا أربع قواعد فكريَّة كمعيارٍ لسلامة الفكر من الوقوع في الخطأ.
لقد لفت ديكارت في المضمار ذاته إلى مسائل أخرى أيضاً، أبرزها أنَّه توصَّل إلى أنَّ خطأ الفلاسفة والعلماء يكمن في التسرّع والتهوّر، فعندما يعزمون الاعتماد على قاعدةٍ ما يستعجلون الاقتناع بها قبل اتِّضاح صورتها بالكامل والتأكّد من انعدام الاحتمالات المخالفة... ولهذا قال ديكارت في أولى قواعده الفكريّة
________________________________________
(31) مرتضى مطهري، المصدر السابق، ص 64.

[الصفحة - 220]


الأربع: لن أقبل بشيءٍ ـ بعد اليوم ـ حتَّى يتَّضح لي وضوحاً لا أستطيع معه التشكيك به مهما فعلت، وأتأكَّد تماماً من انتفاء الاحتمال المخالف له... ثمَّ أضاف: وعليه سأقوم بتحليل الأمور أي تجزئتها حتَّى أتمكَّن من التحقيق في كلِّ جزءٍ منها؛ لأرى ما إذا كنت قد أحرزت يقيني فيها، أم أنني لا أزال أحتمل خلافها، ثمَّ بعد ذلك أعود إلى تركيب الأجزاء مرَّة أخرى. ويتوجَّب عليّ في عمليّة التركيب أن أحرص وأتأكَّد من أنَّ التركيب يسير على أُسسٍ سليمة، ثمَّ أتقصَّى ما إذا كان قد فاتني أمرٌ ما... (32) .
أمَّا بالنسبة إلى (بيكون) فقد ذكر أربعة أصنام هي:
1 ـ الأصنام الشخصيّة: فالأهواء النفسيَّة تجرّ الفرد إلى الوقوع في التفكير الخاطئ.
2 ـ أصنام السوق: يتأثَّر الإنسان بتلقينات المجتمع؛ الأمر الذي يوقعه في الخطأ أيضاً.
3 ـ أصنام القبيلة: حيث أفكار الوجهاء وزعماء الأقوام تؤثِّر على فكر الأفراد في المجتمع.
4 ـ أصنام المسرح: المذاهب الفلسفيَّة عبارة عن مسرحيَّة تمهِّد الطريق لوقوع الإنسان في الخطأ.
يقدِّم (بيكون) أطروحته هذه فيقول: ثمَّة أمور تقود الإنسان إلى الخطأ ـ ويعني بذلك الخطأ المادّي دون الصوريّ ـ وهي: الأصنام القبليَّة، والأصنام الفرديَّة التي قد تعترض طريق شخص بعينه، وأصنام السوق أي الأصنام الاجتماعيَّة، وأخيراً أصنام المسرح؛ إذ يشبِّه كلَّ مذهبٍ فلسفيّ بالمسرحيّة؛ فالمذاهب الفكريَّة في العالم من مسبِّبات خطأ الإنسان أيضاً. فهو يصطلح عليها بالأصنام، فيقول: للإنسان طبيعة خاصَّة تصنع له أصناماً تجرّه إلى التفكير الخاطئ (33) .
________________________________________
(32) م، ن، ص 64.
(33) م، ن، ص 77.

[الصفحة - 221]


لقد استعرض الشهيد مطهري الأخطاء المعرفيَّة المذكورة في القرآن الكريم، وقارن بينها وبين الأخطاء التي ذكرها (ديكارت) أو (بيكون)، فوجد أنَّها متطابقة وجميعها وارد في النصِّ القرآنيّ، وهذا ما أثار دهشته واستغرابه.
أنا أيضاً دهشت كثيراً حين وجدت كلامهم مذكوراً في الآيات القرآنية. فحتَّى هذا الموضوع ـ الذي نحن بصدده من فلسفة القاعدة الفكريّة ـ مذكور أيضاً. لقد تطرَّق القرآن كثيراً إلى موضوعة الأخطاء الفكريَّة، وكثيراً ما يقول بأنَّ هناك من يتكلَّم باطلاً ويخطئ، فلماذا يخطئ؟ فهذه العبارة ـ لماذا يخطئون ـ مذكورة فيه أيضاً وبكثرة. كما أنَّ ما طرحه السيد ديكارت حول القاعدة المنطقيَّة الأولى في فلسفته إنَّما هو آيةٌ مذكورة في القرآن الكريم قبل أربعـة عشـر قرناً! وقـد يقول أحدهم: لمـاذا لم تتوصَّلوا أنتـم إليها؟ نعـم، هذا صحيح، لكنَّ الآية واضحة وصريحة وحاضرة للعيان دون تأويل شيءٍ منه (34) .
موانع المعرفة في التصوّر القرآني
1 ـ اتِّباع الظنّ
ينصُّ القرآن الكريم على أنَّ من يعمل بظنّه سيقع لا محالة في الخطأ. فعلى الإنسان أن يعمل بيقينه دوماً. ولو كان اليقين هو الملاك في العمل لما أُصيبت البشرية بكلِّ هذه المِحَن والبلايا. فكلّ ما يُلاحظ من صِدَامات بين المذاهب والنِحَل إنَّما هو نتيجة لاتِّباع الناس ظنونهم في إصدار الأحكام.
غالباً ما يتمُّ التعرّف إلى الغير والعالم وإدراك الأمور من دون يقين، وهذه هي المشكلة التي يَقع فيها الناس؛ حيث يسلِّمون ببعض الأشياء دون العلم بها فيعدّونها قضايا يقينيّة.
يقدِّم القرآن لنا منطقاً خاصاً حين نهى ـ وبطريقة لافتة ـ عن اتبـاع الظن: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } (الإسراء، 36)، وقال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }
________________________________________
(34) مرتضى مطهري، نبوة، قم، صدرا، ص 248.

[الصفحة - 222]


(البقرة، 78) فهو يريد أن يقول هنا إنَّ لهؤلاء منطقاً لكنّه (الظنّ)، وليس (العلم واليقين)، ولو استندوا إلى يقينهم لما كان كلامهم هذا. وقد صرَّح القرآن أيضاً: بأنَّ خطأ الغالبيَّة من الناس هو (اتِّباعهم الظنّ)، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله } (الأنعام، 116) أي لا تتَّبع الناس، وإلا فاعلم أنَّ أغلبيَّة الناس يُضلُّون المرء عن سبيل الحق. لماذا؟ وما سبب الضلالة؟{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} (الأنعام، 116) (35) .
2 ـ تقليد الأسلاف
ذكر القرآن مانعاً آخر للمعرفة هو (التقليد الأعمى للأسلاف)، وهو ما أطلق عليه (بيكون): (أصنام السوق). لقد واجه جميع الأنبياء المشكلة ذاتها، فالناس غير مستعدّة للتخلّي عن معتقدات الآباء والأجداد، الأمر الذي أدَّى إلى تراجع الإنسان عن التفكير في مصير معتقداته، أو دفاعه ـ بالباطل ـ عن تقاليد أسلافه فجزم بصحَّتها المحتومة.
وإذا كان السيد (بيكون) يسمِّي هذه الموانع (أصنام السوق) أو (أصنام المسرح) فإنَّكم لن تجدوا مصدراً في العالم تناول هذه القضيَّة بقدر القرآن الكريم ولفت إلى أنَّ تقليد الأسلاف عاملٌ في إسقاط الإنسان في الخطأ. وكنت قد استقرأت فيما مضى نصوص القرآن فوجدت أن ذمَّ التقليد مذكورٌ في قصص جميع الأنبياء. وحين يروي لنـا القرآن احتجاجات الرسل التي تدور بين النبيّ وقومه نجدها ذات قواسم مشتركة... وهناك عنصرٌ مشتركٌ آخر بينهم وهو أنَّ جميع الأنبياء المذكورين في القرآن كانوا قد ذمَّوا التقليد أيضاً (36) .
3 ـ التسرّع في إصدار الحكم
وهو بمعنى أنَّ الإنسان يفقد أناته في متابعة المسألة فيرغب في الاستنتاج وإصدار الحكم. وكان (ديكارت) قد ركّز على هذا العنصر كثيراً وذلك لأنّه سبب
________________________________________
(35) م، ن، ص 248.
(36) م، ن، ص 249.

[الصفحة - 223]


في بروز كثيرٍ من الأخطاء. وقد دلَّت النصوص القرآنيَّة أيضاً على أنَّ من جملة العوامل الأساسيّة في ضلالة الإنسان تسرّعه في الحكم دون إحراز العلم الكامل به. وبما أنّ فكر الإنسان مقتصرٌ على المحسوسات تراه يتجاهل مدخليّة العناصر الأخرى في الكون، فيُصدر أحكاماً خاطئة وغير مدروسة.
لقد شدَّد القرآن على هذا الموضوع فنبّه الإنسان إلى أنَّ مداركه قاصرة عن استيعاب ما يريد الخوض فيه والاستنتاج منه. قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } (الإسراء، 85)، فهو يشير إلى وجود من يُصدِرَ الآراء والأحكام، ويذكّر في المقابل بأنَّ الحكم بحاجةٍ إلى معلومات ومقدِّمات كافيةٍ، فهل تمتلك أنت ما يكفي لذلك؟ فما تعلمه أقلّ بكثيرٍ ممَّا تجهله. قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (الروم، 7)، وهذا الوصف غاية في الروعة والاتقان. ولو كان القرآن جاء بذلك في هذا القرن لقلنا إنَّه لاحق للفلسفة والمنطق المعاصر، وهو السابق لمقولة القرآن عندما قرَّر أنَّ علم الإنسان محدود بالظواهر والمحسوسات، ولا شأن له بالذوات والبواطن، وأنَّ القرآن قد استقى الفكرة من هـذه النظريَّة تحديداً فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } و(من) هنا لبيان الجنس {وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ } وهي في مقابل الظاهر {غَافِلُونَ } ؛ أي إنَّ الإنسان عالم بالظواهر فقط (37) .
4 ـ الأهواء النفسيّة
يُعدّ القرآن (الهوى النفسيّ) من جملة أسباب الوقوع في الخطأ الفكريِّ، فهو يحجب الفكر عن رؤية الواقع. وهذا ما سمَّاه (بيكون) الأصنام الشخصيّة. إنَّ من الأمور الأخرى التي يَنتج عنها الفكر الخاطئ، ولا بدَّ من التنبّه إليها في القاعدة الأوليَّة، هو الهوى النفسيّ والذَّاتيّ وهو مذكور في القرآن كثيراً، منه ما جاء في سورة (النجم) حيث قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ }(النجم، 23). وهنا مسألتان: إحداهما اتِّباع الظنِّ بدلاً من العلم، والأخرى اتِّباع النفس وما
________________________________________
(37) م، ن، ص 249.

[الصفحة - 224]