البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المناهج الرئيسة للبحث في المعرفة الدينية

الباحث :  أبو القاسم علي دوست
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  59
السنة :  السنة الخامسة عشر خريف 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 13 / 2015
عدد زيارات البحث :  608

المناهج الرئيسة للبحث في المعرفة الدينية

أبو القاسم علي دوست (*)

تمهيد
لا يخفى على أحـدٍ تأثير المنهج في معـرفة الإنسان. وينبـع الاختلاف في القراءات والتباين في مستويات الفهم من التباين والاختلاف في المناهج. وتقريب المنـاهج يُعدّ خطوة بنَّاءة نحـو الفهم الواحد والحـد من تشتُّت الآراء.
العناصر المكوِّنة لمنهجٍ معرفيٍّ ما ـ والتي تَنجم عنها مناهج متعدّدة عند اختلافها ـ هي ثلاثة أشياء:
المصادر المنتخبة للفهم والاستنباط والتفاهم.
التعامل مع تلك المصادر (تحديد وتعيين نطاق الاستفادة منها).
عرض تلك المصادر ومقارنتها وتصنيفها وخاصَّةً عند تباينها وعدم توافقها.
وهذه الدّراسة التي بين أيدينا هي متابَعة لمناهج السابقين وطرقهم في البحث والتحقيق بشأن المعارف الدينيَّة وتفهيمها وتفهّمها, ودراسة بخصوص تقديم منهج موحَّد لعلوم الفقه والمنطق والاستنباط .
المقدِّمة
موضوع المقالة هو «المناهج الرئيسة في دراسة المعارف الدينيَّة» . ولا يَخفى على كلِّ ذي لبّ تأثير المنهج والأسلوب في المعرفة الإنسانيَّة. ولا نبالغ لو قلنا إنَّ
________________________________________
(*) باحث في مركز دراسات الثقافة والفكر الإسلامي، من إيران، ترجمة صالح البدراوي.

[الصفحة - 281]


شخصيَّة أيِّ مفكِّرٍ تظهر في منهجه المعرفيّ, بل لا نبالغ لو قلنا إن أسلوبه ومنطق فهمه هو الذي يصوغ شخصيَّته, يقول ديكارت بهذا الصدد: من الأفضل لمن لا يملك أسلوباً معيَّناً أن لا يخوض في البحث والتحقيق!
وينجم الاختلاف في القراءات وتباين الاستنتاجات من الضعف في المنهج، فتقريب المناهج وتوحيدها إن أمكن ذلك والتحرّك (باتِّجاه صياغةِ منهجٍ موحَّد) يعدّ خطوةً بنَّاءةً في غاية الأهميَّة باتِّجاه (فهمٍ واحدٍ) والحدّ من تشتّت الآراء.
الإيضاح أعلاه, إضافةً إلى كونه يوصلنا إلى الحقيقة في أقصر فترةٍ ممكنةٍ وبأدنى جهد؛ ويرشدنا إلى المصادر الموثوقة والابتعاد عن خلط الأوراق والمواضيع, فإنَّه يكفي لتوضيح أهميَّة معرفة المناهج (الميثودولوجيا), ودراسة خصائصها, وتقصِّي نقاط الضعف والقوَّة فيها, ومقارنتها وعرض بعضها على بعض والتردّد في اتِّخاذ منهجٍ صحيحٍ.
وبناء على ما مرّ, فإنَّ جانباً من رسالة الأنبياء الإصلاحيَّة اهتمَّت بمحاربة المناهج المصطَنعة للمعرفة والفصل في القضايا والعمل وتقديم المناهج المعرفيَّة الصحيحة. وعندما يَنظر القرآن الكريم إلى مسألة تقليد السابقين الفاقدين للفكر يصفه بأنّه من العبث {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } (البقرة، 170) , فإنَّه في الحقيقة إنّما يحارب ذلك المنهج الذي اختاره بعض الناس للمعرفة والحكم والسلوك طبقاً له؛ وبالمقابل فعندما يتناول موضوعاً بالدليل والبرهان العقليّ من قبيل {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } (الطور، 35) أو يدعو للرجوع إلى الطبيعة {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } (الحج، 46 ) أو عندما يتحدَّث الإمام الحسين (عليه ‏السلام) انطلاقاً من حالة الشهود والوجدان: «متى غبت حتَّى تحتاج إلى دليلٍ يدلُّ عليك ومتى بعدت حتَّى تكون الآثار هي التي توصّل إليك... منك أطلب الوصول إليك وبك أستدلّ عليك فاهدني بنورك
________________________________________

[الصفحة - 282]


إليك» (1) ، فهي دعوة إلى اتِّباع ثلاثة طرق ومناهج في الفهم وصياغة العقائد والسلوك طبقاً لها: ففي الآية الأولى يدعو لاتِّباع منهج الاستدلال والمنطق, وفي الثانية لاتِّباع الرجوع إلى الطبيعة والتجربة والحسّ وفي الآية الثالثة والحديث ورد الكلام عن منهج الشهود والوجدان.
ومن الضروريّ التذكير بهذه النقطة وهي أنَّ افتراض المنهج والاهتمام به يعني إمكانيَّة التوصّل إلى المعرفة والحقيقة أو على الأقل الاقتراب من ذلك من خلال استخدام الأصول والقواعد المنظَّمة، ومن ناحيةٍ أُخرى القدرة على إبداء الرأي بشأن الانجاز المعرفيّ وقيمته ومن ثمَّ تقييمه. هذا الافتراض كان موجوداً في أذهان المحقِّقين والعلماء إلى أن جاء (غادامر) وواجه هذا المستوى من الفهم بالشكّ. فقد كان يرى أنّ الفهم يبدأ بالحكم المُسبَق. إذاً لا يوجد منهج محدّد يرمي إلى صياغة فهمنا للحكم المُسبَق. ويرى أنَّ الفهم عبارة عن حدَثٍ يحصل على أثر التوافق الحاصل لدى المفسّر مع النصّ والامتزاج في أفق المعنى. وستكون نتيجة هذا النمط من المقدِّمات أنَّه لا يمكن تعيين منهجٍ محدَّدٍ للفهم وبخاصّة في العلوم الإنسانيَّة. ولا بدَّ من القبول بالتفاوت بين الأفهام وتعدده (2) . ولكن للمزيد من الدقَّة لا يمكن القول بأنَّ (غادامر) يجحد المنهج والميثودولوجيا، كما يجيب في ردّه على منتقده (أمليو بتي) إذ يقول: إنَّه لا ينكر المنهج والطريقة في الفهم, وإن كان لا يُعطي الأهميَّة الأساس لدراسة المناهج في المعرفة، بل يقول بأنّ أنطولوجيا الفهم هي المسألة الأساس.
وعلى أيّة حال: عندما نلقي نظرة خارج نطاق الدِّين, فإنَّنا سنواجه جملةً من المناهج في المعرفة:
ـ قدماء اليونانيين كانوا يقولون بأنّ الحكمة هي جوهرة ثمينة يكون المنهج اللازم للوصول إلى غايتها والتحقيق فيها هو المنهج العقليّ في الغالب. هذا في الوقت الذي كانت تجمع فيه جميع العلوم أو أغلبه (3) في دائرة الحكمة.
________________________________________
(1)- من دعائه (عليه ‏السلام) في يوم عرفة .
(2) - راجع : الواعظي، أحمد، الهرمونطيقيا، ص 219ـ 231 .
(3) - نحن لا نقول بصحة التعبير بلفظة (جميع) وان كنا لا نعارض التعبير بلفظة « أغلب » ؛ ومنطلق ذلك أن علماً مثل علم الرياضيات انفصل عن الفلسفة على يد فيثاغورس في ذلك الزمان وان منهج التحقيق فيه ليس عن طريق التفكير فقط.

[الصفحة - 283]


ـ لم يقل أفلاطون بتشابه الناس في الحواس. وكان يرى أنّ (العقل) هو المرجع في المعرفة. ويُعد آغوستين, وديكارت, ومالبرانش ولايب نيتس من أتباع هذا المنهج. وبانفصال بعض العلوم عن الفلسفة كالرياضيّات, الميكانيك, علم النجوم, الفيزياء, وعلم الاجتماع على يد كلٍّ من أقليدس, أرخميدس, كبرنيك, غاليلو, لافوازيه وآغوست كونت على التوالي ظهر (المنهج الحسيّ) كطريقةٍ ومنهجٍ منافسٍ للمنهج العقليّ في المعرفة. وبظهور مصطلح (العلم) مقابل (الفلسفة) انقسمت مصادر المعرفة ومنهج العلم ومنهج الفلسفة عن بعضها بعضاً، وقد حصل ذلك في الوقت الذي كان يتمّ فيه التأكيد أيضاً على عنصر (الإشراق والشهود) كمنهجٍ في المعرفة من قبل فلاسفة الإشراق.
المنهج (الإيمانيّ) الذي يعود بشكلٍ ما إلى الشهود والإشراق كان يمثِّل طريقةً أُخرى للفهم والاعتقاد والسلوك والذي حَظِيَ بالتشجيع عليه من قبل الدِّيانة المسيحيّة؛ لأنَّ المسيحيين لا يرون أنفسهم أمام نصٍّ مدوّن وإلهي, كما يرى هذا الفريق أنّ الإنجيل يمثِّل حياة السيّد المسيح (عليه ‏السلام) وأقواله وقام كلٌّ من متّى ولوقا ويوحنا ومرقس بكتابته وليس وحياً إلهيَّاً. ويقول توماس ميشيل بهذا الصدد: لا يقول المسيحيون على الإطلاق بأنّ عيسى جاء بكتاب اسمه الإنجيل, وإنَّ الإتيان بالوحي من قِبَل عيسى بالنحو الذي يقول به المسلمون في القرآن ونبي ّالإسلام, لا مكان له في الدِّيانة المسيحيّة (4) .
ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ المنهج الاستدلاليّ ـ ولأسباب لا يَسع المجال لذكرها ـ لم يكن بإمكانه أن يحظَى بتشجيع الدِّيانة المسيحيَّة والدعوة إليه, ولهذا السبب ضيّق المنهج الإيمانيّ الخِنَاق على سائر المناهج في المسيحيَّة.
ولكن لا بُدَّ من القول بأنّ المنهج التعقّلي والعقلانيّة في المعرفة بالمسائل الدنيويّة لا تعارضه الدِّيانة المسيحيّة. ويقول ميتالينوس (المسيحي الأرثوذوكسي وأستاذ الإلهيّات في أثينا) بهذا الشأن: «لقد كان علماؤنا ورجال ديننا والفلاسفة
________________________________________
(4) - ميشيل، توماس، الكلام المسيحي, نقله إلى الفارسية حسين توفيقي، ص 43 و 44، قم , مركز أبحاث ودراسات الأديان والمذاهب, 1377 هـ . ش.

[الصفحة - 284]


والعظماء يقولون دائماً: استعينوا بالمسائل العقليّة لغرض حلِّ المسائل الدنيويّة. والوحيدون الذين يستطيعون التحدّث إلى الله تعالى هم الذين تجلّى نور الله في قلوبهم (5) .
والآن نجمع أطراف الحديث وننتقل إلى داخل الدّين الإسلامي ونقوم بدراسة مناهج الفهم الرئيسة التي ظهرت على يد العلماء المسلمين.
العناصر التي تشكِّل أيَّ منهجٍ معرفيّ وتقوّمه والتي عندما نختلف فيها تظهر مناهج متعدِّدة تبعاً لذلك هي عبارة عن ثلاثة أشياء:
1 ـ المصادر المنتخبة للمعرفة والاستنباط والتّفاهم.
2 ـ التعامل مع تلك المصادر, تحديدها وتعريفها وتعيين دائرة الاستفادة منها.
3 ـ عرض المصادر ومقارنتها وترتيبها وبخاصّة عند حصول التعارض وعدم التوافق فيما بينها.
وسنقوم بتوضيح الموضوع بذكر ثلاثة أمثلةٍ من ثلاثة علوم ونشير إلى مناهج الأسلاف:
1 ـ لاحظوا علم الفلسفة بحلّته الإسلاميّة, ففي هذا العلم نواجه ثلاثة مذاهب فكريَّة ومناهج معرفيَّة توصي بالاستفادة من النصوص الشرعيَّة (القرآن والسنّة): مذهب المشَّائين والعقليِّين؛ ومذهب الإشراقيِّين وأتباع الشهود والوجدان؛ ومذهب الحكمة المتعالية، وهو مزيج من الاستدلال والعقل, والشهود والوجدان.
هذا الاختلاف في المشرب ناجمٌ عن المصادر المتَّخذة والتي يختارها الفيلسوف في نظريَّته. ففي مذهب الحكمة المتعالية ـ المرتبط باسم فيلسوف الشرق العظيم صدر المتألِّهين الشيرازي ـ لا نلاحظ أسلوباً محدَّداً. فأتْبَاع هذا المنهج العلميّ مع اتِّفاقهم على قبول النصوص الدينيَّة كمصدرٍ للمعرفة, يمتلكون على الأقل ثلاثة أنواعٍ من التعامل عند تعاطيهم مع هذا المصدر وكيفيَّة الاستفادة
________________________________________
(5) - نقد ونظر، مجلة فصليّة , قم , مكتب الإعلام الإسلامي , العدد2 .

[الصفحة - 285]


منه وبخاصّة عندما يبدو غير ملائمٍ لما يقتضيه مستوى الفهم العقلي:
1 ـ تجرَّأ بعضهم على تبرير النصوص الدينيّة ولم يتخلّوا عن الخلفيَّة الفلسفيَّة المستنتَجة من البراهين الفلسفيّة وإدراك عقولهم. وصدر المتألهين هو ممثِّل هذا النمط من التعامل ومؤلَّفاته التي تركها هي الشاهد على هذا الادِّعاء.
2 ـ يرجِّح بعضهم بسكوتهم وعدم الخوض في هذه الميادين إعطاء علم هذه الأمور لمن هم أهله، وإن تطرَّقوا إلى إبداء رأيهم فإنَّهم يُبدون ذلك بشكلٍ عام وبدون الانتماء الجازم لطرفٍ معيّن (6) .
3 ـ يختار بعضهم مسألة النقل في ترتيب ومقارنة المصادر بعد تخلّيهم عمَّا تقتضيه بعض البراهين الفلسفيّة والعقليّة، ولا يرجِّحون لا تبرير النصّ ولا التعامل مع المسألة بالسكوت.
يقول أحد الفلاسفة المعاصرين بعد دراسة مستفيضةٍ واسعةٍ حول المعاد والتطرّق إلى جملةٍ من النظريَّات بشأن ذلك (هل أنَّ المعاد روحانيّ أم جسمانيّ أم جسديّ؟): «وأنا أُشهدُ الله وملائكته وأنبياءه ورسله أنَّي أعتقد في هذه الساعة، وهي ساعة ثلاث من يوم الأحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368 في أمر المعاد الجسمانيّ بما نطق به القرآن الكريم و اعتقد به محمّد (عليهما السلام) والأئمّة المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين…» (7) .
الموقف الذي اتّخـذه هذا الفريق إزاء حقيقة جهنمّ والجنَّـة يمثِّل نموذجاً آخر لاختلاف المعرفة الناجم عن الاختلاف في التعامل مع مصادر المعرفة وعرضها ومقارنتها بعضها ببعض. في حين أنَّ بعض الفلاسفة يقولون ـ وبسبب ما تقتضيه بعض البراهين الفلسفيّة والعقليّة ـ إنَّ جهنم والجنّة هي تلك الموجودة داخل الإنسان، لا أن يكون الإنسان في الجنّة أو جهنّم ـ على الرغم من وجود الترابط اللغويّ واعترافهم بالنصوص الشرعيّة كمصدرٍ للمعرفة في الفلسفة والحكمة ـ . وبعبارةٍ أدقّ: يَعتبرون حقيقة الجنَّة وجهنم هي النفس البشريّة (8) ,
________________________________________
(6) - العلامة الطباطبائي هو ممثل هذا المذهب الفكري ؛ ومن هنا قلما يمكن العثور في مؤلفاته الكثيرة على موضوع صريح في المسائل المتداخلة بين الفلسفة والنصوص الشرعية .
(7) - الآملي، الشيخ محمد تقي, درر الفوائد, ج 2، ص 460، طهران , نشر كتاب, دون تاريخ.
(8) - الشيرازي، صدر المتألهين محمد, الأسفار الأربعة, ج 9، ص 291، و 347؛ ج 7، ص 82 و 89 و 90؛ هامش الأسفار، ج 9، ص 347، قم , نشر المصطفى، .

[الصفحة - 286]


وبعضهم الآخر أخذ يفكِّر في الجمع بين كلا الدليلين وصوَّروا جهنّم والجنة بكلا النوعين. لاحظ الكلام التالي: «إنّ المثوبة على نحوين: أحدهما المثوبة والعقوبة اللتان هما من لوازم الأعمال و تَبِعَات الأفعال ونتائج الملكات الفاضلة والرذيلة… فليس عقاب من معاقبٍ خارجيّ؛ ثانيهما المثوبة والعقوبة من مثيبٍ ومعاقِبٍ خارجيّ. وهذا النحو من المثوبة والعقوبة هو الذي ورد به التنزيل ونطق به ما ورد عن آل الرسول صلوات الله عليهم. وقصر المثوبة والعقوبة على الأوّل مخالف لظاهر الكتاب والسنّة» (9) .
والملاحظ على الرغم من اتِّفاق هؤلاء الحكماء على مصدر المعرفة, أي العقل والنصّ الشرعيّ, أنَّ الاختلاف في العنصر الثالث ـ الذي أشرنا له ـ أي «عرض ومقارنة المصادر وترتيبها» فرّق بين المناهج والمشارب الفلسفيّة لهذا الفريق.
المثال الثاني من علم الكلام: المذهب العقلي, والمذهب اللغويّ (الاكتفاء بالنصِّ) والمذهب الإيمانيّ هي المناهج الرئيسة الثلاثة في المناهج المتداولة في هذا العلم، والتي تنبع من العناصر الثلاثة التي سبق وأن أشرنا لها ـ أي عدم تشابه مصادر المعرفة, والاختلاف في التَّعامل ونحوه معها وترتيبها وعرضها ومقارنة بعضها ببعض ـ . إنَّ الاختلاف القديم والمعروف للأشاعرة والمعتزلة ولهذين الاثنين مع الإمامية في مناهج المعرفة والتّفاهم يعد نموذجاً لهذا الاختلاف.
واستناداً لحديث الثقلين ـ المتَّفق عليه من قبل جميع الفرق الإسلامية ـ وآية التطهير (الأحزاب، 33) فإنَّ الإماميَّة تعتبر قول الأئمّة المعصومين وفعلهم وتقريرهم مصدراً من المصادر المهمّة للمعرفة (10) . هذا في الوقت الذي لم يعترف فيه غير الإماميّة من الفرق الإسلاميَّة بسنّة الأئمّة المعصومين (عليهم ‏السلام) كمصدر للمعرفة.
إنَّ الاختلاف في التَّعامل مع النصّ وتحديد نطاقه (العنصر الثاني) أفرز هو الآخر منهجين رئيسَين في علم الكلام: منهج العقليِّين المقترن بشكل أكبر باسم
________________________________________
(9) - الأصفهاني، محمد حسين, الطلب والإرادة , ، ص 57 و58، قم , مؤسسة النشر الإسلامية , الطبعة الثانية , 1409ق .
(10) - حجة الإمامية في التمسّك بآية التطهير على هذا الأمر تستمد جذورها من أربع مقدمات قطعية : 1. طبقاً للعرف , واللغة والمصطلح فإن الأئمة المعصومين هم من أهل البيت. 2. إن الله سبحانه وتعالى طهّر أهل البيت من كل رجس ودنس . 3. الكذب والخطأ والجهل من الرجس وعليه فإن ساحة الأئمة المعصومين طاهرة من هذه الأمور . 4. من كان منزهاً عن هذه الأمور ومطهراً منها فان كلامه يعد سنداً وحجة.

[الصفحة - 287]


المعتزلة, ومشرب أهل النصّ وبحسب تعبيرهم (أهل السنّة) المقترن باسم الأشاعرة.
وممَّا لاشكَّ فيه أنَّ الاختلاف بين هاتين النحلتين لم يكن على قاعدة حجيّة النصوص الشرعيّة الموثوقة, كما هو الحال في عدم اختلافهم على مبدأ حجيّة العقل ومرجعيَّته، إلا أنَّ تحديد نطاق استخدام هذين المصدرين وترتبيهما هو الذي أدَّى إلى تبلور هذين المنهجين الفكريِّين وظهورهما على الساحة. فعلى الرغم من أنَّ الفخر الرازي يرى أن العقل من مصادر المعرفة إلا أنَّه غير مستعدٍّ على الإطلاق لأن يتعامل بجفاء مع من يرى أنّه ظاهر النصِّ الشرعيّ أو أن يقوم بمجرَّد التأمّل في أطرافه ولوازمه، إذ يقول في نهاية الآية الكريمة من قوله تعالى: {إِلى رَبِّها ناظِرَة }(القيامة، 23) : «وأمّا التأويل الثاني وهو أنّ المراد إلى ثواب ربِّها ناظرة فهذا ترك للظاهر وقولهم: إنَّما صرنا إليه لقيام الدلائل العقليّة والنقليّة على أنَّ الله لا يُرى! قلنا : بينّا في الكتب العقليَّة ضعف تلك الوجوه» (11) .
وفي معركته العلميَّة التي آلت إلى معركةٍ لفظيّةٍ شديدة مع الزمخشريّ المعتزليّ فإنَّ أحمد بن منير الاسكندريّ ـ وهو أشعريّ من أهل النصّ ـ ينتقده بشدَّة لأنَّه اتَّهم السنّة ونسب إليهم «أنَّهم يُثبتون لله تعالى يداً وقدماً ووجهاً» في حين أنَّ قسماً من أتباع هذا المذهب ينسبون لله تعالى ما ينسبه القرآن الكريم له فقط وهو «اليد والعين والوجه» (12) .
إنَّ الاعتماد على ما يبدو أنَّه ظاهر النصّ وتقديم ذلك على جميع المقتضَيات الكلاميَّة والعقليَّة, وبالمقابل توجيه النصّ بشكلٍ يجعله منسجِماً مع المقتضيَات العقليّة والسكوت على ذلك (وهو على ثلاثة مناهج ومشارب)، تلاحظونه في الحديث التالي:
« قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ‌وللعلماء فيها كلام، وقد بيّنا أقوال العلماء فيها وذكرنا أربعة عشرة قولاً. والأكثر أنّه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه
________________________________________
(11) - الرازي، فخر الدين, مفاتيح الغيب (التفسير الكبير), ج 30، ص 229.
(12) - الإسكندري، أحمد بن محمد, الانتصاف المطبوع في نهاية الكشاف, ج 4، ص 139، نشر أدب الحوزة.

[الصفحة - 288]


عن الجهة والتحيّز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه تنزيهه تبارك وتعـالى عن الجهة. هذا قول المتكلِّمين. وقد كان السلف الأوَّل لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقـوا بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبـرت رسله ولم ينكر أحـدٌ من السلف الصالح أنَّه استوى على عرشه حقيقةً. قال مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة» (13) .
إنَّ الاختلاف في الترتيب بين المصادر وكيفيّة التعامل معها يقود أحياناً اثنين من علماء المذهب الواحد أو الأستاذ والتلميذ إلى منهجين مختلفين ويضعهما وجهاً لوجه. فالشيخ المفيد صاحب المنهج العقلي نراه يؤلِّف كتابه الموسوم بتصحيح الاعتقاد في شرح رسالة معتقدات الصدوق منتقداً أستاذه الشيخ الصدوق صاحب مشرب النصّ، والاستناد إلى ظاهر الحديث وينتقد منهج أستاذه بشدَّة في موضوع المشيئة والإرادة قائلاً:
«إنَّه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة ولم يكن ممَّن يرى النظر فيميّز بين الحقِّ منها والباطل، ويعمل على ما يوجب الحجَّة. ومن عوّل في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه» (14) .
وكان الشيخ المفيد يعتقد : «إنْ وجدنا حديثاً يُخالف أحكام العقول طرحناه لقضيّة العقول بفساده»(15) .
ولكن لا بدَّ من القول إنَّ ما تقدَّم قوله يمثِّل المناهج المعروفة والمتداولة في علم الكلام وإلاّ فإنَّه يوجد بعض المناهج القابلة للدراسة والمعالجة من قبيل حصر مصدر العلم بالكتاب والسنَّة، ونفي أيِّ نوعٍ من أنواع الرأي العقليّ، وبذلك الشكل الذي يَنسبه الغزالي للحشَويَّة (16) , أو تحريم أيِّ شكلٍ من أشكال البحث والفحص، وحصر مصدر العلم في تقليد الأسلاف بالشكل الذي يقول به القرطبي (17) .
المثال الثالث هو علم الفقه الواسع وعلم الأصول؛ فقد أدَّى الاختلاف في مصادر الاستنباط الفقهيَّة, وعدم التوافق في تحديد نطاق كلٍّ منها، وتشتُّت الآراء
________________________________________
(13)- الأنصاري القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري, الجامع لأحكام القرآن, ج7، ص 219 و 220، بيروت, دار إحياء التراث العربي, 1405 ق.
(14) - المفيد, تصحيح الاعتقاد، ص 34 و 35.
(15)- م. ن، 125.
(16) - الغزالي, المنخول، ص 107.
(17) - الأنصاري القرطبي, مصدر سابق، ج2, ص212.

[الصفحة - 289]


في ترتيب وتنسيق الأدلّة، وإدارة معالجة التعارض فيما بينها؛ أدَّت إلى إيجاد بعض المناهج في علم الأصول وفي علم الفقه تبعاً لذلك. ففيما يتعلَّق بالمصادر فإنّ أكثر الإمامية يؤكِّدون على اعتماد الأدلَّة الأربعة أي القرآن, وسنّة المعصوم, والعقل والإجمـاع، واعتبار كلِّ واحدٍ منها على أنَّه يمثِّل بمفرده سنداً لكشف الحكم وشرعيّته واستنباطه. وتصل محوريَّة هذه الأدلَّة في أصول فقه الإماميّة إلى الحدِّ الذي يكون فيه الاعتقاد السائد والغالب بين أوساط هذه الفرقة أنَّ هذه الأدلَّة هي التي تمثِّل موضوع أصول الفقه ويعتبرون علم الأصول العـلم الذي يبحث في العوارض الذاتيَّة لهذه الأدلّة. وكانوا يعبِّرون في الماضي عن هذه الفئة بـ (المجتهدين) وفي العصور المتأخرة بـ (الأصوليين).
ولكن تجدر الإشارة إلى أنَّ هناك عدداً محدوداً جداًً من فقهاء الشيعة ممّن يبدي جفاءه تجاه بعض هذه المصادر. وعلى سبيل المثال صاحب الحدائق فإنَّه لا يعتبر إجماع الفقهاء مصدراً في الاستنباط ويقول بشأن ذلك: «ليس في عدّ الإجماع في الأدلَّة إلا مجرّد تكثير العدد وإطالة الطريق» (18) . إنَّ مجافاة بعض فقهاء الإماميَّة للعقل والقرآن في الاستنباط وإضعاف الإجماع، وبالمقابل الاكتفاء بالنصّ واتِّخاذه مرتكزاً، أدَّى إلى تكوّن فرقةٍ أُخرى، ومنهجٍ خاص بين فقهاء الإماميَّة يدعى بـ (الإخباريّين). وتعتمد هذه الفرقة القول باعتبار سنَّة المعصوم مصدراً أساساً في الاستنباط ولا غير، ولكن بحسب الشدَّة والضعف، أو بحسب تعبير صاحب الحدائق بالإفراط والتفريط الشائع بينهم.
وقد ظهر الإخباريّون الإمامية وبرزوا في مرحلتين تاريخيّتين, أولاهما في عصر جمع الأحاديث وتكوين المجاميع الفقهيَّة، وهو عصر اعتماد نصّ الروايات مع حذف أسانيدها. ويُمكن اعتبار عصر الغيبة الصغرى من حيث الفترة الزمنيّة، والكوفة وقم وخراسان من حيث المكان، أنَّهما يمثِّلان زمان ومكان ظهور هذه الفرقة. واستمرَّت سيادة هذا المذهب حتَّى النصف الثاني من القرن الرابع إلى أن
________________________________________
(18) - البحراني، الشيخ يوسف, الحدائق الناضرة, ج 1، ص 36 و 168؛ ج 18، ص 461، النجف, دار الكتب الإسلامية, 1376.

[الصفحة - 290]


ظهر فقيه الشيعة ومتكلِّمها الشيخ المفيد وشرع بإعلان حربٍ واسعةٍ على هذا المذهب. ومن خلال مواصلة السيِّد المرتضى وغيره من المتكلِّمين والفقهاء الشيعة لهذا التصدِّي في النصف الأوّل من القرن الخامس الهجريّ، أخذت تزول سيادة هذا المذهب الفكريّ. وفي القرن الحادي عشر الهجريّ عادت الحياة مرةً أُخرى لهذا النمط من التفكير، ولهذا المنهج الفقهيّ. وكان زعيم الإخباريين في هذه الفترة شخص يدعى محمّد أمين الأسترابادي (1036). عِلْماً بأنَّ الأرضيَّة الممهِّدة لانتشار هذه الطريقة كانت قد بدأت بالتدريج قبل قرن من هذا التاريخ، فقد كتب حسين بن عبد الصمد العاملي رسالة ادَّعى فيها القول بأنَّ الاجتهاد لا يُعدّ الطريق الوحيد لكشف الأحكام, ثمَّ انتقد بعده عبد النبي بن سعد الجزائري في كتابه الموسوم (الاقتصاد في شرح الإرشاد), انتقد أسلوب المدرسة الأصوليّة. وفي هذه الفترة الزمنيَّة كُتِبَ الكثير من الكتب في علم الحديث والعلوم المرتبطة به, وتمَّ تناول بعضٍ من المواضيع ودراستها من قبيل حجيّة الخبر الواحد في الأصول، واشتدَّت وتيرة التصدِّي ومحـاربة المنطق والفلسفة والتفسيرات والتحـليلات العقليَّة التي كان يتوقَّف عليها الكثير من مسائل الأصول بشكل عام (19) . وخلاصة هذا الكلام هي نقطتان :
1 ـ إنَّ الفقه الشيعيّ واجه مرحلتين من سيادة الإخباريّة والاكتفاء بالسنّة وليس مرحلةً واحدة.
2 ـ إنَّ جذور المرحلة الثانية لمحوريَّة البيان والمذهب الإخباريّ تعود إلى السنوات التي سبقت حياة الأسترابادي، ولم تبدأ بشكل ارتجاليّ ودفعةً واحدةً من زمانه وبأفكاره.
كما أدَّى الاختلاف في مصادر الاستنباط بين سائر المذاهب الإسلاميّة إلى تكوين مناهج فقهيَّة مختلفة؛ فبينما تَعتبر الفرقة المالكيَّة الاستحسان من مصادر الاستنباط وتقول بأنَّه يمثِّل تسعين بالمائة من العلوم يقول الشافعي بأنَّ الاستحسان
________________________________________
(19) - الگرجي, أبو القاسم، تاريخ الفقه والفقهاء, ص243و 245، طهران, مؤسسة الدِّراسات وطباعة كتب العلوم الإنسانية (سمت), الطبعة الرابعة, 1381هـ .ش .

[الصفحة - 291]


هو تشريع يُعدّ الدوران على محوره حرام قطعاً.
ومبدأ القياس الذي يُشار إليه أحياناً بـ (الاجتهاد) أو (المذهب العقلي) يُعدّ مذهباً آخر من المذاهب الخلافية.
أمّا بالنسبة للأحناف فيعتبرون الكتاب وسنّة رسول الله (عليهما السلام), والإجماع, وأقوال الصحابة عند الاختلاف, والقياس, والاستحسان والعرف بأنّها من مصادر التشريع.
ويقول المالكيّون بأنّ الكتاب وسنّة رسول الله (عليهما السلام), والإجماع والقياس, وقول الصحابة, والمصالح المرسَلة, والعرف والاستحسان من مصادر الاستنباط.
وقال الشافعيِّون بالكتاب, والسنّة, والإجماع, وقول الصحابي الذي لا يوجد من يخالفه, والقياس والاستصحاب.
بينما قال الحنابلة بالكتاب, والحديث المرفوع, وفتوى الصحابيّ, والقياس, والمصالح المرسلة, والحديث المرسل والضعيف كمصادر للتشريع.
وتحدّثت الزيديّة وقالت بالكتاب, والسنّة, والإجماع, والقياس, والاستحسان, والاستصحاب والمصالح المرسلة (20) .
ولا يعود الاختلاف في المناهج الفقهية إلى نوع المصادر المعتمَدة من قبل الفقيه فقط، بل لعلّ الاختلاف يعود وكما أشرنا لذلك مراراً وتكراراً إلى كيفيَّة تحديد وتعريف المصادر المعتمَدة وكيفيّة استخدامها والتشتّت في التنسيق وتنظيم الأدلّة، فقد أوجدت هي الأخرى مشارب أُخرى في الاجتهاد الفقهيّ ومنطق الاستنباط. ونكمل دراستنا هذه بذكر نماذج لهذه الاختلافات وتقديم سبيل حلٍّ أرى أنّه المنهج الصحيح بهذا الشأن:
1 ـ العقل من المصادر التي نعتقد بأنّه لا يوجد أيّ مجتهدٍ يعارضها ـ عمليّاً وبشكل عام ـ , حتّى الإخباريّ من الشيعة والأشعريّ أو الظاهريّ من المذهب
________________________________________
(20) - سانو، قطب مصطفى, معجم مصطلحات أصول الفقه,، ص 70ـ 71، بيروت, دار الفكر المعاصر, الطبعة الأولى, 142ق .

[الصفحة - 292]


السنيّ. وقد تناولنا ذلك في كتاب « الفقه والعقل » بالتفصيل وجئنا بالدليل على ذلك, إلا أنَّ نطاق الاستخدام والأشكال التي يظهر فيها العقل ويتجسَّد, لم يتم توضيحها بشكلٍ دقيق، ولهذا السبب أوجد مذهبين ومنهجين على الساحة! في حين أنَّ بعضهم صرَّح بذلك في الفقه بدون بيان السبب والمصداق معتبرين قانون الملازمة (كلُّ ما حكم به العقل حكم به الشرع) على أنّه الكبرى بدون الصغرى! (ولكن في التعبير والقول وليس في العمل والاستنباط) (21) . ويستخدمه بعضهم بشكلٍ واسع إلى المستوى الذي يُطلقون فيه أحياناً تسمية العقل على الاستحسان والأذواق الشخصيّة أيضاً ! (22)
2 ـ لا شكَّ أنَّ مقتضى الفهم المعتَبر للعقل يظهر أحياناً بشكل العرف وما يَبني عليه العقلاء, نظير الكثير من البناءات والتأسيسات التي يؤسِّس عليها الناس في محاوراتهم وتفاهماتهم, ولكن بما أنَّه لم يُنظر إلى هذه البناءات بعنوان ما يقتضيه فهم العقل، وتجسيد المعطى العقلي, بل يُنظر إليها بعين العرف، فقد ظهرت بين الفقهاء أربعة مشارب ومناهج على الأقل عند التعامل مع هذه الأخبار :
أ ـ على الرغم من أنَّ بعض علماء السنة ورجال القانون ينظرون اليوم لهذه المعطيات العقليّة بعين العرف, فقد أقرّوا بحجيّتها، ولمجرّد ما يقال من أنّ العرف هو الآخر من مصادر كشف الشريعة أيضاً؛ هذا التعامل عورض من قبل جميع فقهاء الإماميّة وبعض علماء السنّة. والحق أنّ هذا الفريق أقرّ بالبُعد الآلي والأدواتي للعرف إلى حدودٍ واسعةٍ، إلا أنَّهم لم يقبلوا بالبُعد المستقلِّ له ليكون مصدراً لكشف الشريعة كالقرآن والسنة.
ب ـ مشهور الفقهاء ـ وبالخصوص فقهاء الإماميّة ـ قبلوا بهذه السيَر والأعراف بشرط أن ترجع إلى عصر المعصوم (عليه ‏السلام). ومن هنا واجهتم بعض الإشكاليَّات بشأن السيَر المستحدثة كالسيرة في احترام الحقوق المعنويّة وأمثال ذلك, فقاموا بحلِّ ذلك بطريقةٍ أُخرى.
________________________________________
(21) - الفياض، محمد إسحاق, محاضرات في أصول الفقه, ج3 , ص70، تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي, نشر الإمام موسى الصدر.
(22) - عليدوست, أبو القاسم، الفقه والعقل, ص187 و 195، طهران, المؤسسة الثقافية للعلوم والفكر المعاصر, الطبعة الأولى , 1381هـ .ش.

[الصفحة - 293]


ج ـ أقدم بعض الفقهاء (كالإمام الخميني) على تصحيح هذه السيَر من خلال التمسّك بعلم الغيب أو الحدس القطعيّ للشارع القائم على أنَّ بعض السيَر ستظهر في المستقبل، فإن لم يكن راضياً أعلن عن معارضته لها سلفاً. وتعبيره بشأن إحدى هذه السيَر كالتالي: «إنَّ ارتكازيّة رجوع الجاهل في كلِّ شيءٍ إلى عالمه معلومةٌ لكلِّ أحدٍ، وإنَّ الأئمَّة (عليهم ‏السلام) قد علِمُوا بأنَّ علماء الشيعة في زمان الغيبة وحرمانهم من الوصول إلى الإمام لا محيص لهم عن الرجوع إلى كتب الأخبار ... ولا محالة يرجع عوامّ الشيعة إلى علمائهم بحسب الارتكاز والبناء العقلائيّ المعلوم لكلِّ أحد فلولا ارتضاؤهم بذلك كان عليهم الردع إذ لا فرق بين السيرة المتَّصلة إلى زمانهم وغيرها ممَّا علموا وأخبروا وقوع الناس فيه …» (23) .
د ـ بعض آخر من الفقهاء (كالسيِّد محمد باقر الصدر) التمسوا التمسّك بالهدف النوعيّ ومناط هذه السيَر من قبل الشارع ووضعوها بديلاً عن الهدف الشخصي للسيَر (24) .
3 ـ لا يخفى على أيِّ باحثٍ ومحقِّقٍ أنَّ مباحث (الأصول العلميَّة) في أصول فقه الشيعة والسنَّة ليست متشابهةً, بل لا يُمكن المقارنة بينهما, في حين أنَّ أصول الإماميَّة وفقههم تبعاً لذلك تطرَّق إلى الأصول العمليّة بشكلٍ واسعٍ, ورسم حدود ذلك ـ وبخاصّة بعد الشيخ الأنصاري ـ ويستخدمه في الفقه أيضاً بصورةٍ واسعةٍ, ولكنَّه لم يحظَ باهتمام أصول الفقه وفقه السنّة. وفضَّل الأصوليون السنَّة وفقهاؤهم عدم الشك بالأصل من خلال تكثير مصادر وأدوات الكشف عن الشريعة وإعطاء المزيد من الأهميَّة لتنقيح المناط, والقياس والعمل بالظنِّ والاستحسان وطرح مقاصد الشريعة ومعاملة السند بالأدلة المبيّنة للمقاصد, لكي يلجأوا إلى الأصول العمليَّة إلى الحدِّ الذي أوصل فيه أمثال نجم الدين الطوفي مصادر الكشف إلى تسعة عشر أمراً, وعدَّها بعض آخر (ومنهم جمال الدّين القاسميّ) خمسةً وأربعين مصدراً (25) .
________________________________________
(23) - الموسوي، السيد روح الله الخميني, رسائل (الاجتهاد والتقليد)، ص 130, مؤسسة اسماعيليان , 1385 ق.
(24) - الحائري، السيد كاظم, مباحث الأصول , تقريرات درس السيد محمد باقر الصدر, ج2, ص130 قم, مكتب الإعلام الإسلامي, 1408ق.
(25) - كوكسال، اسماعيل, تغيّر الأحكام في الشريعة الإسلامية, ص122 و 126، بيروت , مؤسسة الرسالة , الطبعة الأولى , 1421 ق .

[الصفحة - 294]


4 ـ منهج (الاعتماد على تراكم الظنون والثقة) و(ضمّ اللاحجج بعضها إلى بعض والوصول إلى القرار الباطنيّ)، والإفتاء على أساس ذلك في مقابل الأسلوب المدرسيّ والصغرى ـ والكبرى، ورفض الأسلوب الأوّل. إذاً ثمّة مسلكان ومنهجان أساسان في الاستنباط ولكلٍّ منهما من يمثِّلهما أيضاً. فالمشهور في فقه الإماميّة أنّ الفقهاء يسيرون على الأسلوب الأوّل؛ ومن هنا فإنَّ للإجماع بما في ذلك المنقول منه والشهرة وبخاصَّة شهرة المتقدِّمين قيمة خاصة كمرجعٍ أو مرجّح, فالرواية الضعيفة إذا جاءت وفق مشهور الفتوى يتمّ التعامل معها كمسندةٍ، وأصحّ رواية في السند متى ما تمّ التعامل معها بالإعراض, فسوف يعرض عنها, وبقي هذا الكلام لصاحب الجواهر خالداً فقال: «كلما ازداد قوة ازداد ضعفاً وكلّما ازداد ضعفاً ازداد قوّةً». وهذا في الوقت الذي يكون فيه الفقيه واقفاً على القمّة كالمحقّق الخوئي الذي لا يقبل بهذا المسلك بدليل أنّ الشهرة هي اللا حجّة وبضمّه إلى الخبر الضعيف وهو أيضاً ليس بحجّة ولا يتكون منه حجّة ! (26)
5 ـ هل يمكن التوصّل من الأجزاء واللمم إلى النتائج في مسار الفقه والاستنباط؟ لا شكّ أنّ المصدر الرئيس للاستنباط في فقه الإماميّة والسنّة هو سنّة المعصوم. وأغلب هذه النصوص ورد في موارد جزئيَّة. والاعتقاد السائد لدى بعض الفقهاء قائمٌ على أنَّه يجب استخراج القواعد الكليَّة من داخل هذه النصوص المتفرِّقة، حتَّى قال بعضهم : «الفقيه من يقدر على جمع المتفرِّقات والوصول من خلالها إلى الوحدة والقواعد الكلية». هذه النظريَّة ليس لها وجود فاعل كما ينبغي في المسيرة العمليّة للكثير من الفقهاء ـ بدلائل عدّة يمكن دراستها ومناقشتها بل وحتّى الدفاع عنها في محلها ـ .
ويبدو أنَّه يتوجَّب على الفقهاء والمتصدِّين للاستنباط أخذ الأمور التالية بنظر الاعتبار بهدف التوصّل إلى منهج متقنٍ وعلميّ موحّد:
1 ـ يجب القيام بدراسة طبيعة (العقل) والاجتناب عن إضعافه وتقسيمه إلى
________________________________________
(26) - الحسيني البهسودي، السيد محمد سرور, مصباح الأصول, ج2، ص 240 و 242، تقريرات السيد أبو القاسم الخوئي, النجف , 1386 ق.

[الصفحة - 295]


العقل الرياضيّ والشهوديّ, والعقل الاستدلاليّ وغيره, والعقل الصغير والكبير ـ المخالف للتعاليم الدينيّة ـ وعلى النحو الذي قال به الإمام المعصوم: « إنّ أول الأمور ومبدأها وقوتها وعمارتها التي لا ينتفع شيء إلا به العقل» (27) , وأن يجعلوا للعقل دوراً مميَّزاً في عمليَّة الاستنباط وكشف الشريعة.
2 ـ القيام بدراسة الأعراف والعادات وما يؤسِّس عليه الناس، وتحليلها والقبول بالأعراف الناجمة عن عقول الحكماء ـ وهي ليست بالقليلة ـ بدون أن تكون بحاجة إلى الطرق التي سبق وأن أشرنا إليها ـ بعنوان ما يقتضيه العقل ويدركه ـ وأن نحسب لها حساباً في عمليّة الإفتاء . وقد أوليت عنايتي اللازمة بهذا الأمر في الفقه والعرف بشكل واسع.
3 ـ الاهتمام الخاص بالمقاصد العامّة للشريعة من دون أن يتمّ التعامل مع النصوص المبيّنة للشريعة ـ خطأ ًـ معاملة الدليل والتعامل معها كمصادر لكشف الشريعة ـ الأمر الذي كان متداولاً في السابق وبخاصَّة بين بعض المذاهب الفقهية ـ وتفسير الأدلَّة الشرعية بما يتلاءم مع المقاصد العامّة للشريعة. ومما لا شكَّ فيه أنَّ الاهتمام بالمقاصد في الفهم وتضييق الدليل الشرعي وتوسيعه له تأثير عميق , على الرغم من أنّه ليس بسندٍ شرعيّ.
4 ـ يجب القيام بدراسة طرق الاجتهاد والاستنباط, ودراسة خواصِّ كلٍّ منها بما في ذلك النقاط الإيجـابيّة والسلبية فيها للتوصّل إلى منهجٍ قويمٍ ومتينٍ.
* * *
________________________________________
(27) - الكليني, محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 33.

[الصفحة - 296]