البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تَداخل السّياسيّ والمذهبيّ في مَشاريع التّقريب أزمة المنهج وانعدام المرجعيّة في النّسق المعرفيّ

الباحث :  نجف علي ميرزائي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  56
السنة :  السنة الرابعة عشر شتاء 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  423

تَداخل السّياسيّ والمذهبيّ في مَشاريع التّقريب
أزمة المنهج وانعدام المرجعيّة في النّسق المعرفيّ

نجف علي ميرزائي (*)

تمهيد
من المؤكَّد، أنّ موضوع الوحدة الإسلاميّة والسُّبُل المُحقِّقَة للتّقارب النّظريّ والعمليّ بين الأمّة قد شكّل هاجساً أساسيًّا لدى الكثير من النُّخب الإسلاميّة منذ زمن بعيد؛ لأنّ كلفة التفرّق والتّناحر في الدَّاخل الإسلاميّ كانت ولا تزال عاليةً جدًّا. ولأنّ هذه المساعي الحميدةَ المشكورةَ لم ترتَقِ إلى مستوى القدرة على كَبح جَماح التطرّف المذهبيّ والسعي لإقصاء الطرف الآخر، ولم تُفلح كذلك في إيقاف النّزيف الدّمويّ في جروح الجسد الإسلاميّ إلى يومنا هذ (1) ، فإنّه من المنطقيّ أن تخضعَ كلّ هذه المحاولات لمراجعات عميقة وموضوعيّة للكشف عن مكامن الخلل فيها وتصحيحها.
غير أنّنا في هذه العُجالة لا ندخل في هذه المراجعة الذّاتيّة والأسباب الحقيقيّة وراء هذه الإخفاقات الكبيرة في المشاريع الوحدويّة، رغم أهمّيّتها وإلحاح الحاجة الإسلاميّة إليها، بل نسعى للتّركيز على جانب من جوانب المشروع التّقريبيّ وهو الإشكاليات المتعلّقة بتداخل السّياسيّ والمذهبيّ وبالتّحديد الأدوار السّلبيّة وكذلك الإيجابيّة التي يمكن للسّياسي أن يلعبَه في هذا المضمار.
________________________________________
(*) رئيس مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ في لبنان.
(1) تحترق الممالكُ الإسلاميّة بنار الفتن المذهبيّة المتنقّلة في أغلب أرجاء العالم الإسلاميّ بطُرُق مختلفة. الحالة الباكستانيّة والأوضاع الدّمويّة في العراق، والأوضاع الخطيرة في أفغانستان والموقف غير المستقرّ طائفيّاً في لبنان والمملكة السّعودية والخليج عموماً وكذلك النّزاعات المذهبيّة البغيضة في مصر وشمال أفريقيا والمغرب العربيّ، كلّ هذه الأوضاع المأساويّة لم تكن كافية لشَحذِ هِمَمِ العلماء والنّخب في العالم الإسلامي المُفَكّك والمُفَتَّت! والحالة التّنمويّة والنهضويّة الإسلامية تراوح مكانها بل تتراجع بشكل دراماتيكيّ. ومن الضروري أيضاً الالتفات إلى أنّنا هنا لسنا بصدد اعتبار هذه الفتن الشاملة في البلاد الإسلاميّة هي حالات محض داخليّة مهما قصّرت الجهات الإسلاميّة وأخفقت جهود التقريب بين الأطراف المتنازعة، ستبقى الجهات الخارجيّة في الأمّة وأعداءها العالميّة غير بريئة؛ بل فعّالة جدّاً في افتعال النّزاعات والتّوترات بين المسلمين وفرقهم ومذاهبهم إن كانت بشكل مباشر أو عبر زرع الفتن الكامنة في مشاريعهم السّياسيّة والاجتماعية؛ ثمّ المثير للغرابة والدّهشة هي نفسها تدعو الأطراف الإسلاميّة إلى نبذ الخلافات الطائفيّة! انظروا إلى الحالة اللبنانيّة والعراقيّة والمخطّطات والخطابات السياسيّة الأميركيّة مثلاً وتقسيمهم العالم الإسلاميّ إلى المعتدلين (السنّة) والمتشدّدين (الشيعة)! ومع الأسف الشّديد فإنّ الإعلام العربي لضعف بنيته الاستراتيجيّة أو تورّطه في أجندة هؤلاء، يتبنّى خارطات طريق مستوردةً، ويسير على الخطّ الذي هم يرسمونه، ويروّج لمفاهيمهم ومصطلحاتهم المشحونة بأسباب بثّ الكراهيّة والبغضاء بين المسلمين، متجاهلين أنّ الذي يزرعونه في أوساط الأمّة عمّا قريب سيحصد مستقبلهم. ومضاعفات هذه الخطابات المثيرة للفتن سوف تتفجّر في وجههم يوماً قد لا يكون بعيداً؛ لأنّ بلاد تنتمي إليها هذه القنوات هي نفسها مرشّحة للزّلازل الطائفيّة والفئويّة مثل المملكة السعودية.

[الصفحة - 43]


إماطة اللّثام عن السبب الأوّل: غور في المنطقة المحظورة
قول الحقيقة فيما أحدثّ الإرباك في صفوف المسلمين وأدّى بهم إلى هذا الوضع الكارثيّ، ونَجَم عنه هذا التخلّفُ الهائلُ والمُرعبُ على كلّ صعيد، سيضايق الأطرافَ الإسلاميّة المتناحرة؛ لأنّها ستحمّلها كلّها وإن بِنِسَب مختلفة. لكنّ الحقيقة هي أولى أن تُقال حتّى ولو أزعجت بعضنا ورسمت الصورةَ أكثر سواداً ممَّا يتخيّله بعضنا!
صاحب هذه المقالة لا يرغب في أن يبثُّ اليأس أو الإحباطّ وإنّما الهدف هو أن لا ننخدع بالتشخيصات الانحرافيّة أو الأسباب الثّانويّة والعَرَضيّة غير الذّاتيّة للأزمة المُزمنة، فنضيّعَ الفرص الذّهبية الاستثنائية للمعالجة العميقة وإن بِعمليّة جراحيّة مؤلمَة. ولكن قبلَ أن نبدأ بِوضع اليد على الجرح كما يقال ونُشير بإصبع الاتّهام إلى دنيا السّياسيين وأجنداتهم السّلطوية، يجدر القول إنّ هناك جُملةً من أسباب التّفرّق والانقسام الإسلامي نستطيع الإشارةَ إلى بعضها هنا:
1 ـ وجود مشاريع الفتنة وإشعال النّيران بين المسلمين والمخطّطات الهائلة إعلاميّاً، وأمنيّاً، وثقافيّاً، وسياسيّاً على رأس أولويّات القوى الكبرى ذات المصالح المشتركة في العالم الإسلاميّ لتدمير العقل العربيّ والفكر الإسلاميّ وصناعة الوعي المزيَّف وغزو أدْمِغة الأمّة. لِنَقبَل بأنّهم اكتشفوا مُبْكِراً أنّ عالَماً إسلاميّاً موحّداً يشكّل أكبر تهديد لمصالحهم وحضارتهم المبنيّة على النّهب والسّلب والاستعمار. فعليه يجب أن نتأكّد أنّ أيَّ مشروع سياسيّ أو فكريّ وحدويّ سَيكون بالنّسبة لهم هدفاً للتّشويه والغزو بِكلّ أنواعه.
2 ـ ضعف المكاشفة والمصارحة بين الأطراف الإسلاميّة والسّعي المستمرّ لإخفاء المعتقدات عند المواجهة.
3 ـ الخضوع للإرادات السّياسيّة في المناهج التعليميّة، الأمر الذي سينتهي أو انتهى في نهاية المطاف إلى التحيّز العلميّ وصياغة المناهج العلميّة الموجَّهة من هنا أو هناك.
________________________________________

[الصفحة - 44]


4 ـ الحوارات غير المنهجيّة والفاقدةُ للمنطق العلميّ الترتّبيّ.
5 ـ ضعف الرّؤية الموضوعيّة للأمّة (2) وظروفها الحياتيّة والغَرَق في الجانب النّطريّ. وهو ما جعل الحوارَ الإسلاميّ ـ الإسلاميّ حواراً على الأفكار والقضايا التاريخيّة المقطوعة عن الحياة، وسبباّ حقيقيّاً لإلهاء الأمّة عن حقيقة ما هي عليه الآن ولِتبقى عقول الأمّة أسيرة للتاريخ الذي انتهى فَتَترك الاحتكاكَ والحراك مع الأسباب الواقعيّة التي أنهكت وأرهقت واستترفتْ راهِنَ المجتمعات الإسلاميّة.
6ـ فقدان المرجعيّة العلميّة المُوَحّدة والحاسمة وهو ما سنتحدّث عنه في محور مستقلّ هنا في الدّراسة.
7ـ انقسام حادّ في المصادر المعرفيّة الاجتهاديّة.
8ـ القراءة المتحيّزة والانتقائية للتّاريخ الإسلاميّ مع ضعف في القدرة على وعي رؤيويّ شامل للمشهديّة التّاريخيّة الإسلاميّة.
9ـ فقدان الاندماج الاجتماعيّ الكافي بين المذاهب الإسلاميّة وأتباعها سببٌ رئيس لِتَشكُّلِ تراكمات سلبيّة هائلة؛ حيث ينظر كلّ طرف إلى الآخر من خلال الوسائط التّاريخيّة المفتعلة وليس بالرّؤية المباشرة والاندماج الحقيقيّ. عليه فتنطلق شبهات اليوم وحالات سوء الظنّ بين المسلمين من عمق التّاريخ وليس من الواقع المعيوش الموضوعيّ!
10ـ الشّموليّة والتعميمم المستمرّ للأحكام الصّادرة عن جهة ضدّ الأخرى، وعدم الاتّصاف والتّحلّي بالموضوعيّة والإنصاف والعدالة في النّظر إلى الآخر؛ فعلى سبيل المثال أنّ هناك إصراراً من الطّرفين على اعتبار الآخر وشخصيّاته ومَناهجه ذات اللّون الأسود، فلا يمكن التعاملُ معه إلاّ بمنطق الرّفض، فكلٌّ منهما رافض للآخر ولِمَناهجه ومصادره! علماً أنّ الفكر والاجتهادَ الإسلاميّ هو حصيلة عقل الإنسان فيُمكن أن يدركَ منه ما لا يدركه الآخر المختلفُ مذهبيّاً. ما المانعُ من أن تتوحّدَ المصادر العلميّة فتكونَ هي المساحةَ المشتركة مع إخضاع كلّ
________________________________________
(2) بهذه المُناسَبَة تجدر الإشارة إلى أن الخطاب السياسيّ ـ الدينيّ للإمام الخمينيّ يحظى بأهمّية قصوى في الفكر السّياسيّ الإسلاميّ المعاصر؛ لأنه تمكّنَ من تأسيس خطاب نهضويّ جديد، يسعى فيه لإعادة بناء وهَندسَةَ المفاهيم الفكريّة والحضاريّة المتّصلة بالقضايا النهضوية للمسلمين. فنموذج الثّورة لافت في تصحيح العلاقة بين الدّينيّ والسّياسيّ؛ حيث مَنَعَ وقوع التوظيف الدّينيّ واستغلاله في السياسة من جهة وأبطل الذّهنيّة الفاسدة في ضرورة إبعاد الدّين من الميدان الاجتماعيّ. تتبيّن هذه الانعطافة الكبرى في الخطاب الإسلاميّ عند التأمّل في الشّعارات التي رفعها وبنى عليها التجربة الحديثة؛ مثل الدّفاع عن مستضعفي العالم، وإنهاض المسلمين، وتحقيق الاستقلال، والسّيادة والحرّيّة. وهي عناوين تختلف عن أمثاله في خطابات الإسلاميين السّلفيين مثلاً. عليه فإنّنا نرى أنّ الواقع الإسلاميّ المنهار والمتداعي، والأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة المتدهورة هي التي كانت تؤرّق قادة الحركة الإسلاميّة في إيران. وبالتّالي فإنّ الإمام الخمينيّ قام دفاعاً عن الإنسان وقضاياه الطبيعيّة المحقّة بالدّين وليس دفاعاً عن الدّين بتضحية الإنسان وقضاياه! فمن هذا المنطلق نعتبر أنّها تجربة إسلاميّة فذّة توحّد العالم الإسلاميّ حول قضاياه الأساسيّة المشتركة وانطلاقاً منها لا وجود بل لا شرعيّة للمضامين المذهبيّة. عليه، نجحت الثورة في أن تستوعب تحت خيمتها ومظلّتها كلّ أصحاب القضايا التّحريرية والعادلة مثلاً؛ كأمثال الحركات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة ومن ضمنهما المذاهب والطوائف المختلفة. فانظروا إلى مركزية قضيّة فلسطين وقضايا مستضعفي القارّة السّمراء في العقل الإسلاميّ الخمينيّ وخطابه السّياسيّ، وهما قضيتان غير شيعيّتين! وهذا قبل أن ينوجد حزب الله اللبناني بالأساس، أو لاحظوا مكانة الحركات اليساريّة غير الدّينيّة حول العالم في أدبيّات الإمام الخمينيّ! حقّاً هو أمر مُدهشٌ وأوضح دليلٍ على أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة ما انبَنَتْ على أساس قوميّ أو دينيّ بالمعنى التّقليدي أو الطائفيّ والمذهبيّ. لذلك يبطُل العجب ويزول الاستغراب عندما نرى أنّها هي الدولة الوحيدة في كل العالم التي تتعرّض للهجمة العسكرية من كلّ الأطراف والقوى العظمى العالميّة التي تعتبر حركة الخمينيّ تهديداً وجوديّاً لها بما فيها التوجّهات القوميّة أو المذهبيّة التي تعتبر في المذهب الآخر التهديد الأوّل؛ حيث تعيش مع أميركا وتتسالم مع إسرائيل ولكنّها لا تعترف بإسلاميّة المذاهب الإسلاميّة الأخرى! وأخيراً يجب القول إنّ هذه التّجربة الإسلاميّة هي أكبر خطوة عمليّة لإعادة اللّحمة والانسجام إلى الأمّة من البوّابة نفسها التي سقطت على أعتابها الشوكة والعزّة الإسلاميّة؛ أيْ ميادين الاجتماع الإسلاميّ وساحات الواقع الحياتيّ والحضاريّ للمسلمين. عليه، فبإمكاننا تأكيدُ أنّ فهماً واجتهاداً إسلاميّاً جديداً فيه منهجيّة مختلفة للأولويات الإسلاميّة، أنعم الله به على هذا الرّجل العظيم، فاستطاع أن يعيد إلى الأمة الفهم الحضاريّ والتفسير الاستنهاضيّ للإسلام.

[الصفحة - 45]


فكرةٍ للقواعد المعتبرة والمتبنّاة من قِبَل الطرف الآخر؟
كذلك الأمر فيما يتعلّق بالرّجال، فإنّنا نجد أنّ رجالاً يقعون تحت الرّقابة الأبديّة والحظر المطبق السّرمديّ مِن قِبَل الآخر! فهو يصبح شرّاً مطلقاً يجب رفضه وتجنُّبه في كلِّ الأحوال؛ فبالتّالي ستكون الاستفادة من قول له أو فعل حكيم صَدَر منه (من طريق الخطأ!) في محطّة من تاريخ الإسلام ممّا يُعاقب الفاعل عليه! لأنّه من الطرف الآخر أو لأنّه سَبَقَ وقد فعل أمراً مُنكراً باعتقاد الطّرف الآخر.
عليه، فَيَحقّ لنا أن نتساءَل عن مدى انطباق هذه الطريقة في التّعامل مع الآخر المختلف أو المعادي الخصم مع القواعد الإسلاميّة العامّة (3) ! ثمّ هل العبرة في الإسلام ومنطقه القرآنيّ في التّعامل مع فكره وعقله ونتاجاته الحكميّة، هل العبرة هنا هي بالإنسان وتاريخه السّياسيّ ومواقفه الحسنة أو السّيئة أو بالحكمة التي ينطق بها حتّى ولو كان ينتمي إلى الخصم والمُخيّم الآخر؟ وأخيراً هل هذه المنهجيّة الرافضة بالمطلق للآخر هي ما مضت عليه سيرةُ أولئك العُظماءِ الّذين لأجل إثباتِ أفضليّتهم نتقاتل اليوم؟ (4) وهل هذا ينسجم مع قول الله تعالى: {الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } ؟ (الزمر، 18) ماذا لو عَمِلَ المسلمون اليومَ بهذه الآية الشّريفة وطبّقوها في تعاملهم مع مخالفيهم وخصومهم؟ أليست الخارطة ستتغيّر كلّيّاً لِصالح الأمّة؟
ففي ضوء ما مرّ، لا يمكن القولُ إنَّ السّبب السياسي وحده يمثّل علّة الأزمة؛ غير أنّنا لو تدرّجنا في معرفة الأسباب وأرجعنا كلّ سبب إلى ما هو فوقه وقبله وأصله منهجيّاً، فلا بدّ من أن نَصلَ إلى أصلِ الأصل، وعمقِ العمق؛ أيْ إلى الخليّة الأساسيّة الجذعيّة الأولى الّتي بُني عليها هذا البناء الضّخم في الواقع الاجتماعي وكذلك الواقع المعرفيّ بل الاجتهاديّ. وهنا مكمن الخطورة؛ لأنّ هذا الأساسَ من خلال الحركة التّدرّجيّة المنهاجيّة تَقوقَنَ وتَشَرعَنَ، فأثّرت في بنية المعرفة وأُسُسِ
________________________________________
(3) عن علي (عليه ‏السلام) قال: قال رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «كلمةُ الحكمة ضالّة المؤمن فحيث وَجَدها فهو أحقّ بـه» (بحار الأنوار ج2، ص 92). وعنه(عليه ‏السلام) في نهج البلاغة: «خُذ الحكمة ولو من المشركين». وعنه؛(عليه ‏السلام): «خذ الحكمة ممّن أتاك بها وانظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال». وعنه (عليه ‏السلام): «خذْ الحِكمة ولو من أهل الضّلال» (إثبات الهداية للحرّ العاملي، ج1، ص 49). وقد رويَ عن عيسى بن مريم(عليها السلام): «خذوا الحقّ من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطلَ من أهل الحق، كونوا نُقّاد الكلام، فَكَم من ضلالة زُخرفت بآية من كتاب الله كما زُخْرف الدّرهم من نحاس الفضّة المموّهة، النظر إلى ذلك سواء، والبُصراء به خُبَراء» (ميزان الحكمة، ج3، الحديث 13882).
(4) النّصوص التّاريخيّة الدّالة على أنّ الخلفية الثاني رغم كلّ شيء بينه وبين الإمام علي (عليه ‏السلام) قد استشاره في أحلك الظّروف الفكريّة والسياسيّة وفي المآزق التي كانت تواجهه وأيضاً استجابة الإمام (عليه ‏السلام) له لا يرقى إليها شكّ وهي من الثّوابت ولكنّ الطرفين يدخلون عليها من الباب الخطأ ويأبون أخذ العِبَر منها.

[الصفحة - 46]


الاجتهاد في كثير من الحالات وهي تسلّلَت في كيانِ الأجهزة المعرفيّة وأنظمة العقل العربيّ والإسلاميّ كالجرثومة التي تتغلغل في عمق الحواسيب وتحلّ محلّ البرامج الطّبيعيّة أحياناً!
انعدام المرجعيّة الموحّدة في منهجيّة الحوار التّقريبيّ.. منطقة الفراغ الأخطر
من هذا المنطلق وبعد هذه المقدّمة التّشخيصيّة الصّريحة يُمكننا القول أنّ تعقيدات وإشكاليّات الواقع السياسيّ قد نفذت إلى عمق العقل الإسلامي وساهم بشكل لا يُصدّق في تركيبة وقواعد العلوم الإسلاميّة كلّها وإن بدرجات مختلفة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر لاحِظو الحديثَ الشّريفَ والمديَات الكبيرة المخيفة من التأثّر فيه بالعامل السّياسي؛ وأنّ سلطة السياسة والمالِ في بعض الأحيان كيفَ اصطنعت الأحاديثَ ورجالها! وكم هي ساهمت في اختلاق التّبرير الشّرعي للواقع السياسي (5) ؟! وهنا مع أنّني لا أحسن الظنّ بمدرسة الاستشراق الغربيّ ولكنَّني بكلِّ حزن وأسف أراها أكثر أهليّةً من المدارس الفكريّة الداخليّة في الكشف عن هذه العلاقات الجدليّة المدمّرة بين السّياسيّ والمذهبيّ؛ لأنّ الذّهنيّة الحاكمة على كثير من عناصر ومفكّري ومجتهدي المذاهب الإسلاميّة هي نفسُها جزء من المشكلة ومساهِمة في صناعتها!
ولكنّ الطّرفَ الأصلحَ لِلعلاج العميق والحقيقيّ والنّاجع هو الذي ينطلق في فهمه للإسلام من مرجعية إسلاميَّة شاملة بمنهجيّة سليمة غير خاضعة للعناصر القَبليّة والبَعديّة؛ لأنّ المعالجة الإسلاميّة العامّة لن تنجح لو انطلق المرجع المذهبيّ من المقوّمات المذهبيّة التي بالأساس محلّ إنكار الآخر! كذلك الأمر لا ينفع أن نستندّ في محاولاتنا العقيدية إلى نصوص الطرف الآخر بطريقة انتقائية واستغلاليّة.
فمن هنا، تُلحّ الحاجة إلى انتهاج المنطق المنهجي السليم في فتح النقاش والحوار المذهبي وهو يستدعي تأكيدَ المنهجية المشتركة الصّالحة للاستناد والاستشهاد بصفتها المرجعيّة المنطقيّة لمعالجة القضايا الإسلاميّة عامّة وأمّا
________________________________________
(5) عشرات الآلاف من الأحاديث المختلقة والتي تمّ تجميعها وتدوينها في موسوعات كثيرة في كلّ المذاهب والكثير منها تغلغل في صحاح المسلمين من كلّ المذاهب تحت مُسَمّيات مختلفة؛ هي خير دليل على أنّ أكثر من عامل ومحفّز مادّي غير شرعيّ ساهم في تكوينها ولكنّ السياسة تمثّل أقوى عامل في شراء ذمم الرواة ونَقَلَة الأحاديث لما لها من سطوة القدرة ووفرة المال وكلّ وسائل التطميع والتهديد! ومتابعة خيوط العلاقة بين هؤلاء الرواة والمحدّثين بأجهزة النّظام الأموي وبالتّحديد في فترة حكم معاوية على سبيل المثال، تفتح آفاقاً علميّة هامّة تكشف الكثير من المستور. ولأنّني هنا أتحدّث عن إشكاليات التفرّق والتشرذم قد لا ينسجم المقام مع ذكر بعض هؤلاء ما دامت السّياسة نفسها رفعت من مقامهم إلى ما يفوق قيمة أحاديث أهل بيت الرّسول(عليهم ‏السلام). ولكنّ الموضوعيّة العلميّة تفرض علينا جميعاً أن نقبل بأنّ ظاهرة جعل واختلاق الخبر هي ظاهرة عامّة قد تسلّلت بدوافع متنوّعة في كلّ المذاهب ممّا يجعل التناول الانتقائي عامل توتّر وليس يخدم الرؤية التي نبحث عنها هنا. إلا عندما قبل الجميعُ وأقرّوا بوجودها ظاهرةً مدمّرة في الفكر الإسلامي يجب معالجتها تطهيراً لسنّة الرّسول مما نُسِبَ إليها من المشوّهات وبخاصّة في عصر العولمة واتّحاد قوى العالم العظمى في تدمير وتشويه صورة الإسلام بما أوتيت من قوّة؛ فأصبحت بعض الموادّ التاريخيّة الإسلاميّة وبالتّحديد الروايات المنتحلة، خدمة جاهزة لها.

[الصفحة - 47]


المسائل المذهبيّة الخاصَّة بكلِّ مذهب وإن كانت لا تنجو من نتائج هذه المراجعات الكبرى والمصيريَّة في ضوء تلك المرجعيّة المشتركة (لربط عضويٍّ سافرٍ بينها وبينَ الأصول والقواعد العامّة) إلاّ أنّها ستبقى صالحة إلى ذلك الزّمن وقد تكون حجة شرعيّة أيضاً.
والسّؤال الملحّ في ما يتعلّق بالمدوّنات الحديثيّة ورُوّاتها في كلّ المذاهب، والتي بدورها أسّست لعلوم كثيرة وقضاياها الأساسيّة هو: هل الاستناد إلى الحديث غير المتواتر ـ حتّى في مقاييس المذهب المنتمي إليها ـ يمكن أن يكون صالحاً ومنطقيّاً في المحاولات المُجدية للتّقريب؟ وهل المنطق المذهبيّ والخطاب الداخليّ لِكلّ مذهب، يصلحُ ليكونَ أساساً للحكم على الطّرف الآخر الذي هو بدوره ينطلق في وجوده ومبرّراته إلى مثله؟ وهل المناخ الفكري الإسلاميّ لو خَلا من مرجعيّة يقينيّة مشتركة يمكن أن يشهدَ حِراكاً حقيقيّاً نحوَ إعادة صياغة الفكر الإسلامي العامّ والصّالحِ ليكون الحضنَ المستوعبَ لِكلّ أبناء الدّين الإسلاميّ ويساهم في صناعة حضارة إسلاميّة إنسانيّة دون الرّوح الإقصائية التكفيريّة الرّاهنة التي تمنع تحقّق «الأمّة الواحدة الموحّدة» على أرض الواقع؟ أعرفُ أنّني الآن أمضي قُدُماً في أرض شديدة الخطورة ومليئة بالألغام فلا أسعى لاعتبار ما أقوله كالنّهايات ولكنّني أكشف عن تفكيري بصوت عالٍ بحثاً عن إرهاصات حقيقيّة للحلّ.
ومن هذا المنطلَق علينا تأكيد أنّ الإشكاليّات المنهجيّة التي نُشير إليها هنا بأشكالها المتعدّدة لا تختصّ بمذهب دون مذهب كما أنّ المحاولات المتواضعة ـ بالمقارَنة مع حجم الكارثة وجسامة التعقيدات والانحرافات التّاريخيّة على صعيد المناهج ـ أيضاً قد صدر من الطرفين الرّئيسين وليس كما يظنّ بعض وكأنّ الشيعة مصرّون على تبرئة مناهجهم (6) ، بل الجميع مطالبون بالتعديل والإصلاح في مناهجهم التي تحوّلت جزءاً من الإشكاليّة ومساهمة في إعادة إنتاج الأزمة!
________________________________________
(6) فحوى مقال الدكتور معتزّ الخطيب هو: لأنّ بعض علماء السنّة قاموا ببعض التصحيحات في أفكارهم الأصوليّة فعلى الشّيعة أيضاً أن يعيدوا النّظر في عصمة بعض البشر! راجع: دراسة منشورة للكاتب على موقع إسلام أون لاين باسم: «التاريخية» .. مدخلاً للتّقريب بين السنّة والشّيعة.

[الصفحة - 48]


هذه المرجعيّة المنهاجيّة المعرفيّة التي نصرّ عليها في هذه المقالة تحظى بأهمّية مصيريّة في حياة الأمّة وتلعب دور الحَكَم والفاصل وتمنع وقوع الانسداد والانغلاق أمام الاختلافات الكبيرة لأنها تفتح الأفق وتمهّد الطريق للخروج من الأزمات، وترجع إليها كلّ القضايا المهمّة وتكون صالحة لعرض الفروع الاختلافيّة عليها في المنعطفات العلميّة الخطيرة. وهذا الفراغ التّاريخيّ هو ما أدّى إلى واقعنا الفوضويّ في العمليّة الاجتهادية. فرغم اعتبار الاجتهاد باباً مفتوحاً عند الأغلب؛ غير أنّ الرّوح الحاكمة عليها هي الجمود والأخذ الحرفيّ بالأخبار الآحاد وتحييد المنهجيّة العقليّة المنسجمة الأطراف في التعامل مع المصادر المعرفيّة الأخرى. وإنّ إفشال فاعليّة النصوص المُحكَمَة من أن تَحسِم أو تُعرض عليها المصادر الأخرى تحوّل إلى منهج مقَنّن ومُشرعَن.
على ضوء ما أسلفنا، فإنّ انعدام وجود منطق علميّ مُوحَّد يحكم العلاقة بين العلوم كلّها يُعَدُّ من أكبر الموانع أمام النشاط التّقريبيّ؛ لأنّ الذي نراه في المشهد المعرفيّ الإسلاميّ هو واقع احتقانيّ صِداميّ بين مَراجع كلّ علم. حيث أنّ علماء الفقه، والحديث، والعقيدة، والكلام، والفلسفة، والتّفسير، والرّجال، والسّياسة وغيرها من الحقول الإسلاميّة قد عجزوا عن بناء منهاج معرفيّ مُوحّد تَرجع إلى قواعده العامّة الأساسيّة كلُّ قضايا هذه العلوم.
والرّائع في المنطق القرآنيّ التّوحيديّ، هو عندما يدعو المسلمين إلى التلاحم والتوَحُّد بقوله تعالى:{واعتصموا بِحَبْلِ الله جميعاً ولا تفرّقو} (7) (آل عمران، 103) وفي عشرات الآيات المباركات الأخرى التي تدعو إلى نبذ الفرقة والتوحيد السّياسي أو المعرفيّ أو الاجتماعيّ، أو عندما يدعو أهلَ الكتاب جميعاً إلى التّوحيد بقوله تعـالى: {قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةَ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنَّا مُسْلِمُونَ }(8) ؛ يضعُ إطاراً مَرجعيّاً صالحـاً لإرجاع المختلف عليه إليه.
________________________________________
(7) سورة آل عمران، الآية 103.
(8) سورة آل عمران، الآية 63.

[الصفحة - 49]


ففي الآية الأولى تنصّ على الاعتصام بالحبل وهنا المقصود به هو القرآن الكريم والأمر الذي لا يختلف عليه إثنان منهم. أي لا يتركهم مع الاختلافات وإنّما يضع لهم إطاراً مشتركاً يستطيعون أن يعتصوا له لتحقيق الوحدة وإزالة الشّبهات. وكذلك الآية الثّانية تدعو إلى إحالة المختلف عليه إلى الكلمة السّواء أي الإيمان به تعالى ونبذ الشّرك في عبادته. وهنا يجب أن نتسائل المشفقين على أوضاع الأمّة والحريصين على وحدتها ودُعاة التقريب: هل العمل الجادّ على صياغة المرجعيّة المنهجيّة المشتركة قد بدأ فعلاً؟
عليه، فَهَل من المعقولِ التّفكيرُ بالوحدة الصّادقة دون التّوافق على إطار مرجعيّ مشترك في الفكر؟ وأليست القطيعة (9) الحقيقيّة بين العلماء المسلمين من المذهبين (باستثناء قضاء بعض الأيّام في فنادق 5 نجوم في أيّام المؤتمرات) لن توفّر فرصة لتحقيق التقارب المرجعيّ والمنهجيّ وهي إشكاليّة ستؤدّي إلى شيء من التّكاذب والنفاق بعض الأحيان؟ وهل هناك مشكلة حقيقيّة في التّعامل العلميّ الواسع بين كلّ نُخَب العالم الإسلاميّ لاعترافٍ صادقٍ حقيقيٍّ ببعضهم بعضاً، ولِقبول الآخر، مهما اختلف ضمنَ الإطار الاجتهاديّ ووفقاً لتلك المرجعيّة المشتركة الكلّيّة؟
وأعلمُ صدقاً كم هو صعبٌ وشبه متعذّر أن نبحث عن إطار مرجعيّ فلسفيّ إسلامي غير نابع من المرجعيّات المذهبيّة، فعلى الرّغم من أنّني أرجّح أن يكون المنطق المشار إليه سَيَرى النّورَ عبر الاستناد إلى يقينيّات ومتواترات الحديث الشريف بالإضافة إلى ظواهر القرآن الكريم من منطلق جهود العلماء القادرين على السَّير في غير الحجّيات الخاصّة بكلِّ مذهب، ولكنّني متأكّد من صعوبة الطريق ووعورة مَسارِ هذه العمليّة التي تستدعي أن يتدرّب الفقيه، أو المتكلّم، أو المفكّر، أو المؤرّخ الإسلاميّ على المشيِ خارج المناهج الداخليّة المذهبيّة. وبخاصّة عندما نلتفت إلى أنَّ الإشكاليّة الأكثر تعقيداً تتمَثّل في أنّ مصادرَ من الدّرجة الثانيّة لأسباب كثيرة ـ لا أظنّني قادراً على إحصاءها في هذه العجالة ـ تحوّلت إلى
________________________________________
(9) والمؤسف المثير للغرابة هو أنّ علماء الفريقين كانوا في عهد العبّاسيين ومن بعدهم في القرون الماضية أكثر منطقيّاً وأوسع تعاملاً فيما بينهم. وهذه القطيعة التي نشهدها اليوم هي ظاهرة مخيفة تنبع من ضعف الوعي عند نخب العالم الإسلاميّ واتّباعهم الأعمى للإعلام الموجّه والأنظمة التي لا تريد لعلماء المسلمين أن يتواصلوا. فعلى سبيل المثال نجد حتى في نشاطات التّقريبيين انتكاسات خطيرة انعكست على علاقاتهم أنفسهم بعضهم ببعض وكأنّ بعضهم قد تاب عمّا قاله من قبل حول الأمّة وضرورات وحدتها!

[الصفحة - 50]


الثّابتِ الذي تَتُمّ المحاجَجةُ بها في مواجهة الآخر المذهبي! وأنّ قوانين وقواعد كثيرةً جدّاً بفعل التّمَترُس والتّمَوضعِ ومَن ثَمَّ التقوقع المذهبيّ قد نفذت إلى عمق المناهج الفكريّة لكلّ مذهب (10) . وهل الفكر الإسلاميّ إلاّ صنيعة هذه المناهج؟ وهل العقل الإسلاميّ المذهبيّ قادرٌ على أن يَخلع نَعْلَيه بهذه السهولة؟
لم يكن الهدف من إثارة موضوع «مرجعيّة القرآن الكريم» (11) ويقينيِّ السّنة الشريفة في صياغة القواعد المشتركة وفتحِ أُفق يسمح ببناء منهج آخر على أساس اعتبار النصِّ القرآنيّ هو في المرتبة الأولى في المصادر الفكرية منهجيّاً واعتبار المصادر الأخرى مهما كانت، في طوله وليس في عرضه ـ كما الآن ـ لم يكن هدفي من هذا القول هنا السعيَ لِتقديم البديل؛ لأنّني مطّلع على صعوبة هذا الأمر وملمّ إلى حدّ ما بمُضاعفاته المنهجيّة في كلّ مذهب؛ إلاّ أنني أعتبره في النّهاية أمراً لا بدّ منه مهما كان مُكلِفاً وصعباً لأنّ المحاججات المذهبيّة ـ قبل أن ينجح أصحابها في تمتينها بقواعد مشتركة ـ لا تصلح لتكون المنطلقات المنطقيَّة للحوار المذهبيّ والهادف إلى التّقريب والانسجام على مستوى الأمّة الإسلاميّة.
ساحة السّياسة والسّلطة.. حيث وُلدت الفتن الكبرى
لعلّها السلطة وشهوة السيطرة المُخبَّئة تحت العناوين السّياسيّة، وحدها تستأهل لِتكونَ البؤرةَ المركزية لِتحويل مَسار التّعدّدية نحوَ النّزعة التّفكيكيّة واستغلالِ التنوّعيّة الفكريّة لأجلها ومن ثمّ إلباسُ الفتن المتنقّلة في حقب التاريخ الإسلامي ـ بل العالمي ـ وزواريب الحراكات الاجتماعيّة لبوسَ الفكر واختلاق الغطاء السّجالي الناعم على حالات التّمزّق المذهبيّ والاجتماعيّ؛ ليبدو التمزّق والأهواء السياسيّة وكأنّها مبرّرة بالدّين ومعزّزة بالنّص الشرعيّ!
على ضوء ذلك، لا أظنّ أنَّ خدمة لتحقيق المصالحة المذهبيّة مهما كَبُرت يمكن أن ترتقي إلى مستوى قيمة إماطة اللّثام عن هذه الكذبة التّاريخيّة والاستغلال البَشِع للفكر العقلانيّ الإسلاميّ. وهذا لا يعني إنكارَ وجود محاولات
________________________________________
(10) انظر إلى اختلاق دور شخصية وهميّة باسم «عبدالله بن سب» في روايات طبري التّاريخيّة والمضاعفات الخطيرة التي تركه هذا السّرد الخياليّ على مسار العلاقة بين المَدرستين كنموذج على خطورة اعتبار النصّ التاريخيّ المتأثّر بالصراع السياسيّ أمراً مسلّماً. لمزيد من المعلومات عن ابن سبأ وخلوّ المصادر الأساسية الأخرى وكبار رواة المغازي والمحدّثين المتقدّمين عن ذكره، مثل عُروة بن زبير (ت 94 الهجري)؛ محمّد بن مسلم الزّهري (ت 124 الهجري)؛ موسى بن عقبة (ت 124 الهجري)؛ عوانة بن الحكم (ت 147 الهجري)؛ محمّد بن السائب الكلبي (ت 146 الهجري)؛ ابن إسحاق (ت 151 الهجري)؛ أبو مخنف (ت 157 الهجري)؛ والواقدي (ت 207 الهجري)؛ وكذلك المؤرّخون في القرن الثالث والرابع مثل ابن سعد، وبن خيّاط في طبقاتهما، وابن عبد الحكم في فتوحه، والبلاذريّ في أنسابه، واليعقوبي في تاريخه والخ. كلّ هؤلاء لم يذكروا أيّ دور لهذا الرّجل اليهوديّ الوهمي في فتنة مقتل عثمان أو في معركة جمل! باستثناء محاولات طبري في التحمّس المشبوه للحدث! وانفراده بذكر أخبار عبدالله بن سبأ اليهوديّ، ممّا ساهم في تصعيد الفتنة بين المذاهب. ولمزيد من التفاصيل راجع: عدنان محمّد مِلْحَم، المؤرّخون العرب والفتنة الكبرى، ص233؛ هشام بن جعيط، الفتنة، ص 109؛ عبد العزيز الهلاليّ، عبد الله بن سبأ ص 73؛ طه حسين، الفتنة الكبرى، ج1، ص 131 إلى 134 وج2، ص 90 و93؛ مرتضى العسكريّ، عبد الله بن سبأ، ص 11 و24؛ علي الوردي، وعّاظ السّلاطين، ص 95 و195 ومصادر أخرى كثيرة جدّاً تشكّ في وجود يهوديّ اسمه عبد الله بن سبأ لعب دوراً في مقتل عثمان أو شارك في حرب جمل!
(11) القصد من طرح نظرية المرجعيّة القرآنية ليس إبعادَ المصادر الأخرى ولا تحييدَ المنهجيّة المعرفيّة المألوفة والحاكمةِ في الجامعات والحوزات الدينيّة والأوساط المعنيّة بالاجتهاد الإسلاميّ، بقدر ما تدعو هذه الفكرة إلى ضرورة إرجاع المصادر الأخرى إلى قطعيّ النّص الدّينيّ ومتواتره وعلى رأس هذه القطعيّات يأت يالنص القرآني؛ لأنّ القرآن بأغلبه نصّ ثابت الدّلالة وغير تاريخيّ؛ أي هو نصّ مهمّته الأساسيّة هي أن يكون النّص الأوّل في «النّسق الفلسفيّ المعرفيّ والحضاريّ» الدّينيّ وهذا على عكس المصادر الدّينيّة الأخرى التي تعالج عمليّة تحريك الثوابت تلك ضمن المتغيّرات الظّرفيّة. وبصيغة أخرى يمكن القول إنّ المصادر النّصيّة الأخرى هي عبارة عن إدارة الثّابت في المتغيّر وتعبير تطبيقيّ للقرآن والعقل في الدستور الإسلاميّ وهو القرآن الكريم. راجع: نجف علي ميرزائي، فلسفة مرجعيّة القرآن المعرفيّة، المقدّمة، ص 12.

[الصفحة - 51]


فكريّة صادقةٍ للكشف عن هذه الخديعة ووضع النَّقاط على الحروف في فهم عمق العمق لأسباب التشقّقات القاتلة في تاريخ وواقع المسلمين؛ إلاّ أنّها لم تتجاوز إشارات عابرة لو قيست بِحجم هائلٍ من الدّراسات الفكريّة التي تبحث عن جذور المشكلة في المكان الخطأّ!
في هذه المقالة الموجزة أحاول قدر وُسعي المتواضع أن أُعرّج دوماً إلى مَربط الفرس وجوهر الأزمة التاريخيّة أعني إشكاليّةَ السياسيّ والدّينيّ باذلاً كلّ جهدي لإثبات أنّ الحقيقة لا تكمن في اعتبار التعدّدية الفكريّة التي هي قيمة عالية ولا بدّ منها في حياة الإنسان وإنّما الكارثة وقعت علينا عندما أخضعنا العقل العربيّ والإسلاميّ للأنظمة السياسيّة أو رجال يتبادلون معها المصالح من خلال إعطاء الأخيرين للأولى الشرعيّة الدينيّة وتعزيز الأولى مكانة الأخيرين في المجتمع أو حتّى في الأوساط العلميّة المفعتلة والتي باتت أمراً عقدياً صرفاً بعد مرور قرون عليها وبعد ما دُفنت الأسباب الحقيقيّة للحروب الدّاخليّة وأسباب التمزّق.
التّسييس والعَلمانيّة بوصفهما انحرافَينِ في العلاقة بين السّياسيّ والمذهبيّ
الدّين بطبيعته الأصيلة هو المكوِّن الأساس لِبُنية الحضارات بأوسع معانيه (12) ، بما في ذلك تلك الأبعاد المتعلِّقة بالإدارة الاجتماعيّة، وتركيبة العناصر السّياسيّة، ونمط الصّلة بين الفرديّ والاجتماعيّ؛ وكذلك الأنساقُ والأنظمةُ السّياسيّة المرتبطة بأنماط الحكم وأشكال السّلطة. وهو ما لا يدَع مجالاً للشّك في أنّ أيّ قراءة دينيّة لا تقدّم تفسيراً واضحاً لهذه الأبعاد والعناصر لا يُمكن أن يمتّ إلى الإسلام (13) على وجه التّحديد بِصِلة؛ لأنّ الدّينيّة والعلمانيّة نقيضان (14) ؛ اللّهم إلاّ أن يتصارعَ الدّيني والعلمانيّ كَتجيربتين على الأرض (15) . فربّ علمانيّ في أرض الواقع وفي ساحة العمل يسبق دينيّاً أو ربّما نجد تاريخيّاً بعضَ التّجارب الدّينيّة التي تتأخّر عن بعض النماذج العمليّة في تحقيق العدل والحرّية (16) ! لكنّنا
________________________________________
(12) راجع: محمّد باقر الصّدر، الإسلام يقود الحياة، ضمن عنوان: هل الإسلام منهج للحياة، ص 32.
(13) المنظّرون المسلمون الذين قدّموا مشاريع فكريّة لعَلمَنة المجتمعات الإسلاميّة من منطلق الفصل بين الدّينيّ والسياسيّ قاموا بعمليّة إسقاط الفكر الغربيّ المسيحيّ على الواقع الإسلاميّ والثابت التّاريخ السياسيّ؛ فعلى سبيل المثال نجد أنّ علي عبد الرّازق في كتابه المثير للجدل الإسلام وأصول الحكم يذهب إلى اعتبار تجربة الخلفاء السياسية تجربة سياسيّة خالصة لا علاقة لها بالدّين! راجع: هشام جعيط، الفتنة.. جدليّة الدّين والسّياسة في الإسلام المُبْكر، المدخل، ص 6.
(14) الدّين نظام حياة بكلّ أبعادها من خلال استعمال العقل بوصف التعقّل نوعاً من ممارسةٍ للتديّن وكذلك عبر الدور التطبيقيّ التي أدّته السنّة الشريفة في تطبيق القواعد القرآنية على واقع الحياة العامّة وميادينها الشاملة. وهذا على نقيض من الرؤية العلمانيّة التي تعتبر الدّين أمراً خاصّاً بين الإنسان وربّه لا علاقة له بالحياة الاجتماعيّة والسياسيّة! ودراسة عابرة لحياة وتجارب كلّ الأنبياء تثبت أنّ الاهتمام بالشّأن العامّ وبالأوضاع الاجتماعيّة يشكّل من أهمّ عناصر رسالاتهم ودعواتهم بغضّ النظر عن تفاصيل تعاملهم مع هذه الساحات. فلم يكن النبيّ عيسى (عليه ‏السلام) علمانيّاً مُنزوياً عن الحياة وشؤون النّاس في الكهوف؛ ولا النبي ابراهيم (عليه ‏السلام) محطّم الأصنام كان يعتبر الدّين أمراً مقدّساً والحياة الاجتماعيّة أمراً مُدنّساً! (حسب العلمانيّين الجُدُد)؛ لأنّ ساحات حياة الإنسان متداخلة بعضها في بعض؛ فَمِن المستحيل إحداث أيّ تحوّل في الباطن دون تطوير الخارج. وإلاّ ماذا تعني الأقوال الدّينيّة التي تربط الكفر بالفقر؛ فروي: (كاد الفقر أن يكون كفراً) أو (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) أو (لو دخل الفقر من الباب خرج الإيمان من النافذة)؛ وما إلى ذلك من النّصوص الكثيرة التي تربط الإيمان بتأمين الحياة والعدل والقسط؟ كما أنّ تحقيق القسط والعدل ـ في أقلّ تقدير في الإسلام ـ هو ركن أساس ومركز النّص الشرعيّ. عليه كيف يمكن لنا أن القبول باعتبار العدل والقسط أساساً دينيّاً دون تقديم النظام الدّينيّ في الشأن العامّ؟ ثمّ حتى لو قلنا بكون تجربة حكم الخلفاء سياسية خالصة! ماذا عن تجربة حكم النبي نفسه وبالآيات التي تتحدّث عن الحياة السياسيّة والاجتماعيّة أكثر بكثير من الجوانب الفرديّة؟
(15) على الإسلاميين أن ينظروا إلى توجيه المشروع النّقدي العلمانيّ نحوهم هو أمر إيجابي يساعدهم على المراجعة لأنّ العلمانيّين ينتقدون الإسلاميّين وليس الإسلام وينصدمون مع الدّين بقدر ما يضعف الإسلاميّون في تقديم التجربة بطريقة ناجحة. وجود النّقد والنّقد المعاكس بين التوجّهات العلمانيّة والدّينيّة في كل الأحوال ستغني وتُثري الطّرفين. وبخاصّة لو نظرنا إلى أنّ الإسلام دين علميّ ومنطقيّ عقلانيّ يتوافق مع الفطرة والطّبيعة البشريّة وهو ما يريده العلمانيّون. فلا يعني أنّ العلمانيّ عندما يوجّه سهام نقده باتجاه التيّارات الدّينيّة هو يتقصّد توجيه التّهم إلى الدين نفسه. من هنا علينا أن نُبقي بابَ التواصل العلميّ بين التيّارين الدّيني والعلمانيّ مفتوحاً، ولا نحاول أن نُقصي أحداً لصالح الآخر؛ لأنّ الأنظمة والحركات الدّينيّة التي أساءت استخدام الدّين واستغلّته أبشع استغلال هي كثيرة. وبالمناسبة أنّها هي وراء تشَكُّل أسس العلمانيّة؛ لأنّ التجربة السيّئة دينيّاً أو وضعيّاً هي التي تصنع الفكر والفلسفة. فليس صحيحاً أن يقال إنّ العلمانيّين لديهم مبررات فلسفيّة قويّة على أن الله أرسل دينه للشّأن الأخرويّ وترك الحياة الدّنيا للإنسان وأهوائه! وبالمقابل من الضّروريّ أيضاً أن يعرف الجميع أنّ الدّين هو أكبر عنصر تكوين أكبر الحضارات في الكون، وأنّ السياسة منذ الأوّل وحتى الآن بقدر ما استفاد من الدّين وعلماءه لم يستفد من غيره وأنّ المواجهة أو الصّراع الغريب بين الكنيسة المسيحيّة في القرون الوسطى سببه ليس في الدّين وإنّما في رجال سوّدوا وجه التاريخ باسم الله وباسم الدّين.
(16) نستطيع أن نؤكّد أنّ أغلب التجارب السّياسيّة والاجتماعيّة باسم الدّين وتحت غطاءه، والتي مرّت على الإنسان طيلةَ القرون الماضية، بما فيها التّجارب الإسلاميّة السياسيّة (باستثناء حالات محدودة من النّماذج الإسلاميّة الرّائعة في الصّدر الأوّل من الإسلام) كانت ولا تزال تعاني من توظيف الدّين والاستقواء به وبرجاله. فهي تجارب لم تستطع أن تنمّي المجتمعات الإسلاميّة ولم تنهض بالأمّة بالمعنى الواقعيّ.

[الصفحة - 52]


نعرف أنّ تجربة (دينيّة) قمعيّة أو دكتاتوريّة أو استبداديّة تصادر الإنسانَ وكرامتَه وتضرب في عرض الحائط كلَّ القيم الأخلاقيّة، لا يمكن اعتبارها تجربةً دينيّة مهما كان الإعلام التابع والموجّه يُصَوّره كذلك.
عليه، فإنّ الصراعَ العلمانيّ ضدّ هذا النّوع من التّجارب الفكريّة أو السّياسيّة، فإنّه لا يمثّل بين الدّين والعلم، وإنّما بين الدّيني والعلميّ؛ والفرق بين الدّين والدّيني (أو المتديّن) أو بين العلم والعلميّ والعلمانيّ واضح لا يحتاج إلى الإيضاح.
عليه، فإنّ الصراعَ العلمانيّ ضدّ هذا النّوع من التّجارب الفكريّة أو السّياسيّة، فإنّه لا يمثّل صراعاً بين الدّين والعلم، وإنّما بين الدّيني والعلميّ؛ والفرق بين الدّين والدّيني (أو المتديّن) أو بين العلم والعلميّ والعلمانيّ واضح لا يحتاج إلى الإيضاح.
ولكنّ الدّينيّ لو كان دينيّاً حقّاً لن ينصدم مع العلميّ أو العقلي والإنسانيّ، طبعاً لو كان الأخيرُ كذلك حقّاً. والعكس صحيح أيضاً؛ فلا يصحّ أن يعارِضَ العقليُّ أو الإنسانيُّ أيَّ دينٍ شريطةَ أن يكون كذلك لا أن يكون حاصلَ أوهاماً أو شبهاتٍ أو فرضيّات مُختبريّة غير يقينيّة تُشبه الحقًّ والعلم والعقل.
وهذا المُدَّعي مبنيّ على أنّ المكوّنات الحضاريّة في الفكر الدّينيّ الإسلاميّ تاريخيّاً، وبالتّحديد بالنّظر إلى التجربة السنّية (17) النّبَويّة المعصومة ونموذج حٌكم الخلفاء (18) من بعده وسلطتهم؛ وأيضاً نصّيَّاً ونظريّاً أمر في غاية البداهة؛ حيث إنّ هذه التّجارب السياسيّة الإسلاميّة تستند في أصولها إلى الفلسفة العملانيّة والواقعيّة (19) القرآنيّة، وترتكز إلى الدّور الدّينيّ الشامل والحضاريّ لِصناعة الحياة الطّبيّة، وهي لا يمكن أن تتحقّق في إطار العقيدة الدخيلة الفاسدة بتحييد الدّين عن السّياسة! عليه، فأيّ قيمة تُتَخيَّل للدّين الإلهيّ لو ما مكَّنَ (20) الإنسانَ من أن يَعمُرَ الأرضَ (21) أو أن يمارس حقّ الخلافة (22) عليها أو أن يُحقِّق القسط والعدالة (23) ؟ ثمّ هل يُعقَل أن يسخّر الله السّموات والأرض (24) وما فيهما للإنسان
________________________________________
(17) نسبةً إلى السنّة النّبويّة الشّريفة وليست إلى الطائفة السنّية الكريمة.
(18) تجربة حكم الخلفاء لو قورنت بأنظمة الأمويين والعبّاسيين تثبت قيمتها وأهمّيتها، لقربها الزّمني من النبي الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وصعوبة تجاوزه نموذجه السياسيّ والاجتماعيّ. وأيضاً لسبب وجود الجيل المؤسّس وأصحاب النبيّ الخواصّ من الذين كان لحضورهم ومراقبتهم لأوضاع المسلمين أثره البالغ في إنضاج وسلامة النّظام بالمقارنة مع التجارب السّياسيّة الفاسدة التي هزّت كيان الأمّة فساداً ودماراً في كلّ شيء.
(19) ليس المقصود من الواقعيّة هنا ما هو مألوف ومُتَبنّى في الغرب، وهي المدرسة التي تقترب أحياناً من الماكيافيليّة فتُبَرّر كلّ وسيلة لتحقيق الهدف، ولا الوضعيّة الماديّة بل القصد هنا إعطاءُ الأهميّة للعناصر الواقعيّة التي تصنع المجتمعَ. من هذا المبدأ يأتي التأكيد القرآنيّ المستمرّ في ثنايا الآيات لِثُنائية الإيمان والعمل الصّالح ومنح الأولويّة للقضايا المرتبطة بالواقع الإسلاميّ في كلّ الميادين، مِن الاقتصاد، والسّياسة، والجهاد العسكري، والثقافيّ إلى العلاقات الاجتماعيّة أو حتى الدّولية وما إلى ذلك من حقول الواقع الخارجيّ. عليه فلا يُشجّع الإسلام الفردَ على أن يَلتهيَ بالفكر وينشغل به عن حياته؛ بل يدفعه باتّجاه الإنتاج في كلّ شيء، ومن ثمّ الإنفاق من كلّ شيء. ويؤكّد دوماً ضرورةَ تحويل الإيمان والمعتقد إلى العمل الصّالح والواقع القويّ. وإنّ أغلب آيات القرآن الكريم هي تساهم في رَسمِ نظام العمل في الحياة. وأمّا الآيات التي تدفع الإنسان باتّجاه الفلسفة والتّعقل المحض المجرّد هي آيات محدودة بالمقارنة مع الطّائفة الأولى.
(20) إشارة إلى آيات التّمكين كالآية 41 من سورة الحجّ: الَّذينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ في الأرْضِ أقَامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَأمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ والآية 84 من سورة الكهف: إنَّا مَكَّنَّا فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شّيْءٍ سَبَباً والآية 56 من سورة يوسف: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
(21) إشارة إلى الآية 61 من سورة هود: هُوَ أنشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.
(22) إيحاء إلى آيات كثيرة تفسّر مبدأ الخلافة والاستخلاف، مثل الآية 30 من سورة البقرة: وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمّلاّئِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً والآية 26 من سورة ص: يّا دّاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ.والآية 55 من سورة النّور: وَعَدَ الله الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذّينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّننَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبّدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ.
(23) إشارة إلى الآية 25 من سورة الحديد وغيرها من الآيات الدّالّة على محوريّة القسط والعدل في رسالة الأنبياء ومهمّة الإنسان الخليفة على الأرض: لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالْبَيِّنَاتِ وَأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقَسْطِ وَأنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصًرًهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.
(24) الآية 33 ـ 34 من سورة إبراهيم : الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِي فِي البَحْرِ بِأمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكًمُ الأنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دّائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَألْتُمُوهُ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ والآية 12 من سورة الجاثية: اللهُ الَّذي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ والآية 65 من سورة الحجّ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضَ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأمْرِهِ وََيُمْسِكُ السَّمَاءَ أنْ تَقَعَ عَلَى الأرْض إلاَّ بِإذْنِهِ إنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ . والآية 29 من سورة البقرة تشير إلى معنى التسخير الكلّي للكون لأجل الإنسان وخلافته على الأرض: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِِي الأرْضِ جَمِيعاً. ومثلها آيات كثيرة جدّاً.

[الصفحة - 53]


ومن ثمّ يترك كلّ ذلك دونَ أن يرسمَ له مخطّطاً كلّيّاً أو معالمَ أساسيّة لتحقيق ذلك؟
ثمّ هل الصّراع الفكريّ العقائديّ أو العمليّ الميدانيّ على قضيّة الإمامة أو الخلافة تُهمة على أساس ارتباطهما بالسّياسة؟ وهل الدّين الإسلاميّ بمعناه الواسع الشّامل في تحقيق الاستخلاف على الأرض، يمكن أن يقوم في أمر الحياة إلاّ بإمامة (خلافة) إمام عادل يُجسِّد أوامر الله على الصعيد العملي والواقعيّ ويتجلّى الوعدُ الربّانيّ بنصرة دينه وعباده المظلومين في تأسيس الحياة الطّبيّة(25) ؟
ردّاً على كلّ ذلك ينبغي لنا القول: إنّ مبدأ الصّلة العضويّة بين التحقّق الإسلامي التطبيقيّ والنّموذجيّ ومقوّمات السلطة والحكم العمليّ مبدأ يقينيّ حتميّ، بل إنّ حقّ السّلطة والتّشريع هو حقّ إلهيّ بالدّرجة الأولى وهو الذي يحدّد صلاحيات المتصدّي له (الإمام) (26) وما مِن إله حقّ إلاّ أن يدرج ضمنَ نصوصه ورسالات أنبيائه نمطَ وبرنامجَ التّعامل مع الحياة كلّها وعلى رأسها إدارة الاجتماع وبناء الحياة الطيّبة وهو أمرٌ لا بدّ من أن يمرّ عبر تجربة حكم ومخاضِ نظام اجتماعيّ يستند إلى ما أنزل الله (27) بكلّ معاني الحكم وشموليّته الحضاريّة والحياتيّة.
أستثمر هذه اللّحظة المؤاتيةَ لأعارضَ تسميةَ التّجربة الإسلاميّة الصحيحةِ (الإسلام السّياسيّ)؛ لأنّ هذا المصطلحَ الذي يأتي في سياق حروب المفاهيم والمصطلحات وهي عملية تستهدف ضربَ الوعيَ العربيّ والإسلاميّ، لا يُستعملُ ضدّ التّجربة الإسلاميّة في إيران أو الحركات الإسلاميّة الأخرى فحسب، بل يتعدّاها إلى نفس التّجربة السياسيّة المحمّديّة الأصيلة.
وأمّا الّذين ينسجمون معه منّا فهم يجهلون حقيقة ما وراء الكلمة من إفراغ الدّين الإسلاميّ من مضمونه الإنسانيّ الأخلاقيّ. ويحاولون اعتبارَ الإسلام وسيلةً للحكم وليس الحكم وسيلةً لتحقيق الإسلام! مع أنّني كما ترون أعتبر أن لا معنى للدّين الإلهيّ لو لا يقدم رؤية ومبادئ لصياغة النّظام الاجتماعي والإداريّ والسّياسيّ. وفي نفس الوقت أدعو إلى استخدام كلمة السّياسة الإسلاميّة وليس الإسلام السّياسيّ؟
________________________________________
(25) إشارة إلى سورة النحل، الآية 97: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طّيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
(26) محمّد باقر الصّدر، الإسلام يقود الحياة، لمحة فقهيّة تمهيديّة، ص 18.
(27) مجموعة كبيرة من الآيات الكريمة توجب الحكم بما أنزل الله وتتوعّد من يحكم بغير ما أنزل الله وتصفهم بأقسى الأوصاف كالآية 45 من سورة المائدة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ الله فأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. في آيات أخرى نفس المضمون جاء ولكنّ بدلاً من (الظالمون) وُصفوا بـ (الكافرون) و(الفاسقون).

[الصفحة - 54]


لِنَرجع إلى إشكاليّة العلاقة بين الطروحات الوحدويّة والأطماع السّياسيّة المتستّرة تحت الغطاء الدّينيّ والمتغذّية منه لننهي الفقرةَ هذه بالقول التّحذيريّ من أنّ مسارات التّقريب والائتلاف الإسلاميّ قد اتّخذت مناحيَ انحرافيّةً في بعض الحالات، من خلال ارتباطها الوثيق بِمَصالح التّعامل السّياسيّ والاجتماعيّ أكثر من الاتّفاق على التقاء المذاهب الإسلاميّة على أُسُس وثوابت الإسلام.
ونرى من المهمّ جدّاً أن نلتفتَ إلى ضرورة تصحيح منطلقات الوحدة، وتخفيف الدّور السّياسيّ في المشاريع الوحدويّة لِصالح تفعيل الدّور الاجتهاديّ والمعرفيّ في إعادة صياغة منهجيّة لتفصيلِ أصول الدّين وعدم تنزيل الفروع المَنزِلةَ الأولى في الفكر الديني، واعتبار الوحدة الحقيقيّة في وحدة الرّؤية الاستراتيجيّة والمقاصديّة والفلسفيّة لأساس الدّين.
إنه هدف كريمٌ لو تحقَّقَ في أرض الواقع وفي المشهد العمليّ الإسلاميّ، فإنّه سَيَترك بَصَماته القويّةَ حدّاً على الشّارع الإسلامي، ويُسبِّب ظهور كثيرٍ من الانفتاح والرّحمة المتبادلة فيما بينهم. وعلى أثر ذلك ستنتقل الشدّةُ والعنف واللاّتسامح إلى عمق الجبهة المعادية للقيم الإنسانية السّامية، وتسود علاقات سليمة بين المذاهب الإسلاميّة كافّةً مهما اختلفت في فهمها واجتهادها. ويقول الله تعالى في الكتاب: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً} (الفتح، 29).
مصيريّة التعدّديّة والتنوّع المذهبيّ وضروراتها الحضاريّة
إنَّ التّعدّديّةَ الفكريّة وحتّى السياسيّة في حياة وواقع الأمّة الإسلاميّة والتّعاطي مع قضاياها أمر في غاية الضّرورة وشديد الأهميّة والحفاظ عليها ومُراجعتها لتعديلها وتصحيحها من الأمراض التي تصيبها من حين آخر على أثر تعرّضها لأزمات أغلبها تنبع من الخارج الفكريّ، هو الآخر يدعم استمراريّةَ حيويةِ الفكر الإسلاميّ وواقعه الموضوعيّ، ويعصم الحالة الإسلاميّة من الانهيارات التي
________________________________________

[الصفحة - 55]