البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أثر القبليات المعرفية على الفهم الديني

الباحث :  أ يحيى محمد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  50
السنة :  السنة الثالثة عشر صيف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 6 / 2015
عدد زيارات البحث :  310

أثر القبليات المعرفية على الفهم الديني

أ. يحيى محمّد (*)

مدخل إلى الفهم
تنقسم البحوث المتعلقة بفهم الدين إلى ثلاثة أقسام:
1 ـالبحث الاستنباطي للفهم كما يزاوله العلماء، باعتباره نوعاً من المعرفة المتعلقة بالموضوع الخارجي. ويمكن أن ندرج ضمنه القواعد والنظريات الأُصولية التي تطبق على عمليات الفهم كما يمارسها علم أصول الفقه وغيره من العلوم الدينية.
2 ـالبحث التاريخي للفهم، وهو معني بتطورات الفهم عبر السنين وما يعتري هذا الفهم من حالات الرقي والجمود عبر التاريخ، فتجري متابعة حالاته الثابتة والمتغيرة. ففيما يرتبط بالفهم المتغير يمكن أن تدرس الحالات المتعلقة بالقضايا التقريرية الاخبارية، كمقارنة ما يستنبط من النص حول العلوم الطبيعية، وقضايا الأحكام وغيرها من القضايا، قديماً وحديثاً، طبقاً للحاظ التأثير الذي يتولد بفعل تطورات الواقع وتحولاته.
3 ـالبحث الطريقي للفهم، وهو معني بمعرفة مناهج الفهم والقواعد التي يعتمد عليها والقوانين التي تتحكم فيه. كما يدخل ضمن هذا النوع من البحث كل ما يستجد من قواعد للفهم، وكذا طرق التقويم والترجيح بين مناهج الفهم وأنساقه. ويدخل هذا البحث في صميم (علم الطريقة)، وهو نظير ما يجري بحثه في (فلسفة العلم). وبهذا الاعتبار يكون عبارة عن فلسفة الفهم. لكن إطلاق سمة المنهج والطريقة عليه أولى من إطلاق لفظ الفلسفة.
________________________________________
(*)باحث مختصّ في قضايا الفكر الديني المعاصر، من العراق.


[الصفحة - 44]

ومن مميزات البحث الطريقي هو أنه يتضمن البحث الثاني الذي قبله من دون عكس. بمعنى أن البحث التاريخي للفهم لا يزاول التحقيق في قضايا المناهج والقواعد المعرفية للفهم وأساليب وضعها، وكذا القوانين التي تتحكم فيها، وما إلى ذلك مما يعود إلى الجانب المنطقي من الفهم، بل يتناول كل ما له علاقة بالتطورات التاريخية، سواء من حيث الوصف أو التحليل. وهو بهذا يعمل كمراقب خارجي دون أن يعنى بصياغة منطق الفهم أو الكشف عن القواعد والقوانين ووضع المنهج الخاص بالترجيحات المتعلقة بالانساق المعرفية للفهم.
ويلاحظ أن البحث الثاني قائم على البحث الأول الاستنباطي، فإذا كان هذا البحث عبارة عن معرفة، فإن البحث الثاني يعبر عن علم متعلق بهذه المعرفة. والفارق بينهما هو أن البحث الأول عبارة عن علم قائم على موضوع خارجي، هو النص، في حين أن البحث الثاني قائم على الأمر المعرفي للبحث الأول. وفي جميع الأحوال أن غياب أي من البحثين المعرفيين الأول أو الثاني لا يفضي إلى غياب النص كموضوع خارجي، والعكس ليس صحيحاً، أي أن غياب النص يفضي إلى غياب كل من البحثين معاً.
ورغم أن الفهم عبارة عن معرفة المعرفة، لان النص عبارة عن معرفة، والفهم القائم عليه يشكل علماً لهذه المعرفة، بخلاف ما عليه علم الواقع الخارجي؛ لان الواقع لا يعد معرفة مثل النص، لكن ذلك لا يلغي حالة قيام بعض المعارف على البعض الآخر، إذ يكون بعضها موضوعاً ذاتياً للبعض الآخر، حتى ينتهي الأمر إلى الموضوع الخارجي المتمثل بالنص. فإذا كان موضوع الفهم هو النص، كأن يفهم هذا النص أو ذاك، فإن العلم الذي يتناول الفهم لا علاقة لـه بالنص مباشرة، بل يتعلق بالفهم ذاته.
وعندما يكون هذا العلم منهجياً نعبر عنه بانه علم لمنهج الفهم، وهو ما نسميه علم الطريقة. وهو العلم الذي يدرس مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين القبليات المعرفية، وبين هذه القبليات وبين الفهم.
ونقصد بالقبليات المعرفية كل معرفة يعتمد عليها في الفهم سلفاً. وينطبق الأمر ذاته فيما يتعلق بالمعرفة التي لها علاقة بإدراك الواقع الخارجي، ومثل ذلك ما يتعلق بالعلم التقني أو العلوم الطبيعية والإنسانية. وبعبارة أخرى أن كلاًّ من الإدراك والعلم
________________________________________


[الصفحة - 45]

والفهم قائم على القبليات المعرفية، وبدون هذه الأخيرة لا تقوم لتلك المعارف والعلوم قائمة.
وإذا جاز لنا تقسيم الفهم ـ وكذا مطلق الفكر ـ إلى بنية أساسية وأُخرى سطحية؛ فإن البحث الطريقي يقع موقع البنية الأساسية للفهم، في حين يندرج البحث الاستنباطي ضمن البنية السطحية لـه. حيث في جميع الأحوال أن البحث الاستنباطي قائم ـ من الناحية المنطقية ـ على البحث الطريقي دون عكس. وتوضيح هذه المسألة يعتمد على ما للقبليات من دور في بناء الفهم وتأسيسه، وهي التي تشكل صلب الموضوع الذي يعالجه علم الطريقة بالبحث والتحقيق.
من جهة أُخرى، عندما يكون الفهم الديني فهماً كلياً شمولياً فإنه يدخل ضمن اطار الفهم الطريقي. أما عندما يكون هذا الفهم جزئياً فسيندرج ضمن اطار القواعد الصغرى الجزئية؛ كالتي يعالجها الفهم الأُصولي ضمن الدائرة البيانية.
فتارة يقام الفهم بحسب الفهم الطريقي الذي لـه قواعده وقوانينه الخاصة ضمن ما اطلقنا عليه علم الطريقة، وأخرى يقام بحسب القواعد الصغرى الجزئية؛ كتلك التي يؤطرها الفهم الأُصولي ضمن الدائرة البيانية، والتي تتشكل بحسب ما عليه الفهم الأول (الطريقي).
فلكل دائرة معرفية قواعدها الخاصة للفهم، وهي على نوعين: صغرى، وكبرى تمثل أصولاً مولدة للفهم والتوليد المعرفي، وهي ما تكون موضع دراسة علم الطريقة.
فالدائرة البيانية مثلاً قائمة على القاعدة الكبرى المعبر عنها بالفهم العرفي للنص، ومن خلال هذه القاعدة يتشكل فهم النص كوحدات تامة وكافية للفهم دون حاجة لعناصر أُخرى عارضة، كالعقل والواقع وما إليهما. وهي على خلاف غيرها من الدوائر المعرفية، كتلك التي ترى وحدات النص غير كافية للتعبير عن الفهم المطلوب؛ ما لم يؤخذ بنظر الاعتبار فهم الواقع، سيما الواقع المرتبط بها. والوظيفة الملقاة على عاتق علم الطريقة هو دراسة هذه الدوائر بما تتضمنه من قبليات، أو بما تحمله من قواعد كبرى أو أُصول مولدة قبلية، لذا فهو علم شامل وكلي، إذ تختلف القوانين والقواعد التي يبحثها عن تلك التي تتناولها الدوائر المعرفية بالفهم والتحليل.
________________________________________


[الصفحة - 46]

فمثلاً تتحدد قواعد الفهم الأُصولي للدائرة البيانية بتلك التي يتناولها علم الأُصول وغيره من العلوم البيانية، كقاعدة العموم والخصوص والنسخ وحجية الظهور وما إليها. وهي قواعد قبلية يعتمد عليها الفهم البياني، إذ يراد من قاعدة العموم والخصوص ـ مثلاً ـ الجمع بين نصين متعارضين أحدهما يقبل تخصيص الآخر دون تنافي. ومع أن هذا ما يسلم به علم الأُصول من الناحية القبلية، لكن يلاحظ أن هناك خيارات قبلية أُخرى ممكنة، إذ يمكن أن يقال إنّ العلاقة بين النصين المتعارضين القابلين للجمع عبر التخصيص هي علاقة ناسخ بمنسوخ، أو يقال إنّ أحد النصين يدور في فلك هو غير فلك الآخر، كما قد يحتمل أنه حل الوضع والتغيير في أحد النصين أو كليهما... الخ. فجميع هذه الخيارات مطروحة في علم الأُصول وإن كان ترجيح هذا العلم هو لصالح التخصيص دون غيره ضمن عملية ما يمهده من الممارسة الاستنباطية التي يتولاها علم الفقه. وقد يكون للاعتبارات النفعية (البراجماتية) دور رئيس في مثل هذا الترجيح.
هذا فيما يتعلق بالوظيفة الأُصولية للفهم، أما الوظيفة التي يمارسها الفهم الطريقي فبعيدة عن التمهيد لعملية الاستنباط. إذ ينبني التمهيد لهذه العملية طبقاً للقواعد الصغرى الخاصة بالفهم البياني، في حين أن ما يقوم به الفهم الطريقي فهو البحث في القواعد الكبرى التي تتأسس عليها القواعد السابقة، كذلك البحث في أساليب الترجيح المتعلقة بالدوائر المعرفية وأنساق الفهم الدينية؛ بغية الوصول إلى قيمة ما تمارسه هذه الدوائر والأنساق من فهم. فهدف البحث الطريقي يدور حول ما إذا كان يمكن للنص المجرد ـ من الناحية الكلية ـ تحديد المعنى المطلوب بمعزل عن عناصر أُخرى أم لا؟ وما إذا كانت قاعدة العموم والخصوص مثلاً يمكن الاعتماد عليها دائماً، أم أنها مقيدة بقضايا الأحكام وما إليها دون العقائد؟ وماذا بشأن الاحتمالات الأُخرى المنافية لها كما عرضناها آنفاً؟
وعلى العموم أنه إذا كانت قبليات الفهم الأُصولي تتحدد بقواعد مثل قاعدة العموم والخصوص؛ فإن قبليات الفهم الطريقي تتحدد بقواعد أوسع وأشمل تتوقف عليها القواعد الأُولى. بمعنى أن الفهم متوقف على القواعد الصغرى، ومنه تتشكل العلوم الدينية وغيرها من العلوم التي تستهدف الفهم الديني، لكن هذه القواعد تتوقف
________________________________________


[الصفحة - 47]

بدورها على القواعد الكبرى، وهي ما تشكل مادة البحث الطريقي، كما هو الحال ـ مثلاً ـ في قاعدة الفهم العرفي للنص الذي تتأسس عليه قواعد علم الأُصول وغيره من العلوم البيانية.
ويلاحظ ـ هنا ـ أن لعلم الطريقة ثلاثة مستويات من البحث:
الأول:التحليل، حيث يجرى فيه لحاظ نتاج العلماء من الفهم وتحليله من خلال ارجاعه إلى القبليات والأُصول المولدة وطرق الفهم الدائرة.
الثاني:ضبط المعايير الخاصة بالترجيح بين المناهج والنظريات، حيث مهمة علم الطريقة تقتضي البحث عن الضوابط والمعايير اللازم اتخاذها في الترجيح بين مناهج الفهم ونظرياته المتعارضة.
الثالث:السعي نحو تأسيس معايير منضبطة لإنتاج نظريات ذات كفاءة عالية للفهم.
وهذا ما نسعى إلى إنجازه خارج حدود هذه الدراسة والله الموفق.
* * *
قلنا: إنّ القبليات المعرفية هي كل معرفة يعتمد عليها في الإدراك والعلم والفهم سلفاً، وهي لا تشكل بالضرورة مبادئ ثابتة ولا قواعد منضبطة، بل منها ما هو منضبط وثابت، كما منها ما هو غير منضبط ومتغير، وان البشر يتفاوتون ويختلفون حولها، فمنها المتفق عليه، ومنها المختلف حوله.
والمشترك بين إدراك الشيء الخارجي وبين فهم النص هو أن الموضوع المعالج لدى كل منهما يمثل مادة خام يراد الكشف عن معناها وتفسيرها. وهو ما يمكن اعتباره (الشيء في ذاته)، وان كلاًّ منهما يخضع إلى آليات من التفكير القائم على القبليات. والفكر البشري عن وعي أو غير وعي يعمل طبقاً لهذه القبليات، حاله في ذلك حال اللغة حيث هي الأُخرى تعمل ضمن وعاء مشترك قبلي قادر على فهم الجمل اللغوية وتوليدها بلا حدود، سواء كان ذلك يجري عبر نظام (الكفاية اللغوية) كما أطلق عليه تشومسكي، أو عبر خرق هذا النظام بأداة (المتبقي) كما أطلق عليه لوسركل. لكن تظل القابلية الفكرية اعمق وأوسع مدى من القابلية اللغوية، وفيها من القواعد والمبادئ ما لا نجده في القابلية اللغوية، وبها يتهيأ العمل ضمن أنظمة معرفية
________________________________________


[الصفحة - 48]

قد تختلف وقد تشترك.
وفي الفهم الديني هناك ثلاثة عناصر، هي: القبليات، والنص، والفهم. والعلاقة الدائرة بينها هي علاقة ثابتة، فالفهم يتوقف على كل من القبليات والنص، وان غياب أحد العنصرين الأخيرين يعني غياباً للفهم ذاته. لكن العكس ليس صحيحاً، أي أن غياب الفهم لا يعني غياباً للقبليات، كما لا يعني غياباً للنص. فالفهم نتاج التفاعل بين هذين العنصرين، ووجوده مستمد من وجودهما دون عكس.
وهنا يطرح السؤال المزدوج التالي: كيف نثبت أن القبليات تعمل على تحديد الفهم؟ وكيف نثبت كون النص يحدد الفهم أيضاً؟
وقد يصاغ هذا السؤال المزدوج بصيغة أخرى لها علاقة بالإدراك والشيء الخارجي، فيمكن أن يقال: كيف نثبت أن للعقل تأثيراً على تحديد الشيء الخارجي، كما تزعم نظرية (كانت) معتبرة العقل هو المحدد للشيء الخارجي لا العكس؟ كذلك كيف نعكس المسألة ونثبت أن الشيء الخارجي يحدد العقل مثلما أن هذا الأخير يحدد الأول؟
ومن حيث الدقة: كيف نثبت أن لكل من العقل والشيء الخارجي دوره في تحديد الصورة الذهنية والحكم التصديقي، فتكون هذه الصورة ـ وكذا الحكم ـ نتاج فعل العاملين: العقل بقضاياه القبلية، والشيء الخارجي كوجود مستقل؟
وبعبارة أُخرى: كيف نثبت أن ما هو قبلي يقوم بتحديد صورة ما هو بعدي، وان ما هو بعدي يعمل على تحديد تلك الصورة، وان العملية بين الطرفين مشتركة تتفاعل فيها العناصر الخارجية والذاتية لتحديد إدراك الشيء أو صورته؟ وكذا هو الحال مع الأحكام التصديقية.
القبليات: صورية وتصديقية
في الفهم يتعامل الذهن مع معنى النص بعنوانين؛ أحدهما «تصور المعنى» والآخر «حكم المعنى». فللمعنى تصور وحكم (تصديق) ولكل منهما قبلياته، كالذي يجري بخصوص الإدراك والعلم معاً. فلا يخلو الحال ـ في الجميع ـ من وجود
________________________________________


[الصفحة - 49]

قبليات بعضها صورية بسيطة، والبعض الآخر تصديقية، كما يتضح أدناه:
اعتاد المناطقة تقسيم الإدراك إلى تصور وتصديق. فالتصور هو إدراك بسيط لا يتضمن في حد ذاته حكماً أو تصديقاً، كإحساسنا وتصورنا للأشياء الخارجية مثل الطاولة والقلم والناس وغيرها. وقد تكون بعض تصوراتنا خيالية أو وهمية ومع ذلك نتصورها وكأنها موجودة، مثل تصورنا لجسم نصفه أن سان ونصفه الآخر سمكة، أو تصورنا للحيوانات وهي تتكلم... الخ. أما التصديق فهو تصور يجري عليه ما يجري على التصور البسيط، لكنه ينطوي على حكم أو تصديق بخلاف الإدراك السابق.
والعملية الإدراكية سواء في حالة التصور أو التصديق لا تتحقق من غير قبليات. فرؤيتنا للعالم وإدراكنا للأشياء وكذا الحكم عليها، كل ذلك إنما يتم بمساعدة القبليات. وللذهن البشري نوعان منها، هما: القبليات الصورية، والقبليات التصديقية.
وللقبليات الصورية شكلان، كما يلي:
الشكل الأول
ويعبر عن الاطار العام للجهاز الصوري الذي يتم به تشكيل الصور المدركة بهيئة معينة دون أُخرى، سواء تم تشكيل هذه الصور ابتداءً عبر المعطيات الحسية المتفرقة، أو بعد تجميعها وتشكيلها وفق صورة شخصية واحدة. إذ يستلم هذا الجهاز معطيات حسية متفرقة عبر الحواس، فبحاسة البصر يستلم عن الشيء الخارجي اشارة يحولها إلى صورة لونية وشكلية، وبحاسة اللمس يستلم عن هذا الشيء اشارة أُخرى يحولها إلى صورة لمسية، وهكذا مع سائر الحواس، حيث يحول كل ما يستلمه من اشارات إلى صور مناسبة، ثم يعمل على التوفيق بين هذه الصور في صورة شخصية واحدة تعبر عن الشيء الخارجي، كان يكون المدرَك تفاحة مثلاً، فإدراكنا لها يتم عبر إحساسات متفرقة، لكن الجهاز الصوري يعمل على تجميع هذه الإحساسات بعد إضفاء الصور الخاصة عليها، ومن ثم يجعلنا نتصورها كجوهر واحد يعبر عن التفاحة.
وبهذا فنحن لا ندرك الشيء الخارجي ابتداءً إلاّ إدراكاً مشتتاً تبعاً للاحساسات المتفرقة، لكن الجهاز الصوري هو الذي يعمل على جمع هذا الشتات في صورة جوهرية واحدة، فيبدو لنا الشيء الخارجي جوهراً واحداً.
________________________________________


[الصفحة - 50]

ونشبّه ما يقوم به هذا الجهاز في تشكيله للصور الذهنية بالمرآة التي تُشاهد فيها صورة الشيء، إذ تظهر الصورة بالشكل الذي تظهر فيه اعتماداً على الشيء الخارجي وعلى هيئة المرآة؛ إن كانت مستوية أو محدبة أو مقعرة أو مكبّرة أو مصغّرة أو زرقاء أو حمراء... الخ. لذا فالصورة لا تعبر بالضرورة عن حقيقة الشيء الخارجي، حيث يعتمد كل ذلك على طبيعة الجهاز الصوري للذهن. ولو أن هذا الجهاز تعرض إلى بعض التغيير لأدى ذلك إلى تغير هيئة الصور المدركة، آخذين بنظر الاعتبار التباين النسبي لهذا الجهاز بين فرد وآخر، مما يجعل الإحساس بالصور الذهنية بين الأفراد مختلفاً بعض الشيء، كالاختلاف الحاصل في الدرجة التي نتصور بها لوناً معيناً، كاللون الأحمر مثلاً.
الشكل الثاني
ويعبر عن الحساسية الصورية كما تتمثل بقالبي الزمان والمكان، إذ لا يمكن إدراك الحوادث الخارجية بلا زمان ومكان. وبالتالي فهما من القبليات الصورية، لان أي تصور للحوادث لا يتم إلاّ من خلال تضمنهما، كالذي تحدّث عنه (عمانوئيل كانت) معتبراً الزمان والمكان صورتين قبليتين دون أن ينتزعهما الذهن البشري من الأشياء الخارجية.
على أن الصورة التي نتصورها للشيء الخارجي قد لا تكون الوحيدة عند إدراكنا لـه. فقد تظهر لنا صورة وتتوارى أُخرى، بدليل أنه قد تظهر هذه الصورة المختبئة ـ في بعض الحالات ـ عند تركيزنا على المختبئ أو تغييرنا لزاوية الإدراك، كالذي يُشاهد في الصور التي تعرضها مدرسة علم النفس الجشطالتي. إذ المشاهَد يظهر بأكثر من صورة، استناداً إلى زاوية الإدراك والتركيز، فتظهر بعض الصور عندما يركز عليها الإدراك، أو لكونها الظاهرة ابتداءً، وإن توارى خلفها صورة أُخرى لا تدرك تفاصيلها، بل تُدرك الأخيرة عندما تتغير زاوية الإدراك بنحو مناسب فيتبادل الظهور والاختباء، كما يبدو من تبادل الظهور في الشكل الفوتوغرافي لكل من الكأس والوجهين، والبطة والارنب، وغيرهما من الاشكال التي تعرضها تلك المدرسة.
وقد تعبّر رؤيتنا للعالم عن تلك الظاهرة من تبادل الظهور والاختباء للصور.
________________________________________


[الصفحة - 51]

ولعل العرفاء هم ابرز من أكد هذا المنحى، كالذي صرح به ابن عربي، إذ اعتقد أن الناس يشاهدون العالم ويؤمنون بالله غيباً، خلافاً للعرفاء الذين يشاهدون الله ويؤمنون بالعالم غيباً (1). فكل منهما يمتثل صورة غير الأُخرى، أو أن كلاًّ منهما يتعامل مع احدى الصورتين كظاهر، ومع الأُخرى كمختبئ.
أما القبليات التصديقية للأشياء فهي على قسمين: قبليات منطقية محايدة، وقبليات مضمونية (غير محايدة). فالأولى تعبر عن جهاز مركب للإدراك، بعضه موظف للكشف عن العالم الخارجي دون تحديد مسبق، إذ تتصف الممارسة الكشفية بالمنطقية والحياد، كما هو الحال مع مبدأ الاستقراء واعتباراته الاحتمالية، فهو كاشف عن الأشياء دون تحديد مسبق، لهذا يعد من المبادئ المنطقية.
أما القبليات المضمونية فهي كاشفة عن غيرها، لكنها ليست من المبادئ المنطقية، باعتبارها تحمل مضامين خاصة قبلية دون حياد كالقبليات المنطقية الآنفة الذكر، ومن ابرز نماذجها مبدأ السببية العامة، إذ إنّ هذا المبدأ يفترض سلفاً وجود تضايف بين السبب والمسبب، فإذا ما رأينا مسبباً فإن ذلك يدعو إلى الاعتقاد بأن لـه سبباً ما. كذلك فيما يتعلق بالكشف الوجداني، مثل الكشف الخاص بالعالم الموضوعي ككل، إذ أنه مفترض سلفاً، ولم يستنتج بالدليل من الخارج، وبالتالي فإنه يعد من القبليات المضمونية غير المحايدة.
وبذلك يتضح أن القبليات الصورية هي غير القبليات التصديقية، وان الأخيرة عبارة عن صور تنطوي على أحكام قبلية. في حين أن الأولى بعضها يعبر عن قوالب صورية يتحقق من خلالها تصورنا للأشياء الحسية، كقالبي الزمان والمكان، في حين أن البعض الآخر عبارة عن جهاز صوري تتأثر به احساساتنا الحسية؛ فتظهر بالشكل الذي نتصورها، وكان من الممكن أن تظهر بشكل آخر لو أن هذا الجهاز طرأ عليه بعض التغير.
وينطبق ما ذكرناه على العلم جملة، إذ لـه قبليات صورية ينتجها العقل العلمي، ولو لم يكن لها مقابل في الخارج، حيث الواقع مجهول، وكأنه «الشيء في ذاته» العصي عن الإدراك. فالنظريات العلمية العالية التعميم هي نظريات صورية لا يفترض
________________________________________
(1)ابن عربي، الفتوحات المكية 4: 78، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الأُولى 1418هـ / 1998م.


[الصفحة - 52]

مطابقتها للواقع الموضوعي، بل أنها اصطلاحية وذات صياغة عقلية محضة، وعلى حد قول فتجنشتاين: «نحن نصنع لأنفسنا صوراً للحقائق، فالصورة هي التي تظهر الحقائق في شكل منطقي». وعلى هذه الشاكلة صرح الاستاذ (تريكر) بان الصورة هي نموذج للواقع، ونحن الذين نصنع هذه الصورة كنموذج نألفه لنطبقه على الواقع، وان كنا لا نعرف عن هذا الأخير شيئاً، إنما نكيف أنفسنا مع الخبرات الجديدة بتصويرها عبر مساعدة الخبرات الماضية التي نألفها (2). وقد اصبح من المعروف علمياً ـ اليوم ـ أن تصور العالم قائم على افتراض اكثر من عشرة ابعاد اغلبها لا يمكن تخيله بأي شكل من الاشكال.
هذا فيما يتعلق بقبليات العلم الصورية، أما قبلياته التصديقية فتستند إلى مبدأ الاستقراء واعتباراته الاحتمالية، كما تستند إلى السببية العامة وافتراض أن هناك واقعاً موضوعياً يجرى عليه البحث، وغيرها من القبليات التي تساعد في الكشف العلمي. ويلاحظ أنه ليس هناك اختلاف بين القبليات التصديقية للعلم عن تلك الجارية في الإدراك، ذلك أنه في كلا الحالين توجد قبليات منطقية محايدة وأُخرى مضمونية، وكلاهما يعد من القبليات الكاشفة.
كما ينطبق الحال السابق على الفهم الديني، حيث إنّ لـه قبليات صورية وأُخرى تصديقية، وان هذه الأخيرة لا تختلف عما عليه الحال في الإدراك والعلم، إذ تنقسم إلى قبليات منطقية محايدة، وأُخرى مضمونية. وان كانت هذه الأخيرة تتلون بألوان مختلفة بحسب المشارب الفكرية والمنظومات المعرفية. بل يمكن القول إنّ القبليات التصديقية المضمونية، سواء في الفهم أو العلم أو الإدراك، تتخذ شكلين بارزين، أحدهما منضبط والآخر غير منضبط، كما سنعرف. أما القبليات التصديقية المحايدة فتتخذ الشكل المنضبط، ويعد مبدأ الاحتمالات العقلية أو الاستقراء ابرز ما يمثلها، وهو مبدأ عام يستفاد منه في العمليات الذهنية الثلاث: الفهم والعلم والإدراك.
لكن مع الاخذ بعين الاعتبار أن موضوع الفهم الديني هو أمر معرفي معبر عنه بلغة النص، وهو بذلك يختلف عن موضوع الإدراك والعلم، إذ في كلا الحالين يكون الموضوع عبارة عن ذات وكينونة وليس معرفة كما هو الحال مع موضوع الفهم
________________________________________
(2) انظر:
Tricker, R. A. R. The Assessment of Scientific Speculation, Great Britian, 1965, p. 194


[الصفحة - 53]

الديني. لذلك يرد السؤال بصدد الفهم: كيف نتعرف على المعرفة التي يتضمنها النص من وراء حجاب اللغة؟ كما كيف نكشف عن محددات الذهن لهذه المعرفة؟
اذ نواجه ـ هنا ـ امرين يتعلقان بالقبليات الصورية والتصديقية. فالمعرفة التي ينطوي عليها النص تتحدد بفعل هذين النوعين من القبليات. وإذا كنا قد تعرفنا مجملاً على اشكال القبليات التصديقية التي تؤدي دورها في تحديد المعرفة التي ينطوي عليها النص اللغوي؛ بقي أن نتعرف على ما يتعلق بالقبليات الصورية، فهي تحدد المعنى الديني بغض النظر عن الأحكام التصديقية، لأنها مجرد تصورات لمعنى النص، سواء جرى التصديق بها أم لم يجر.
فأول ما يلاحظ أن تصوراتنا لمعاني النص كتبادر أولي متأثرة سلفاً بثقافة العصر والاستخدام الحي للغة، وهي لا تتشكل بمعزل عن ذلك، طالما أننا نتعامل مع نص مجرد عن واقعه الخاص. فحيث أن العرف اللغوي يتغير بفعل تغير الظروف، فسوف يرسم لنا ذلك تصورات نسبية للمعنى، شبيهة بتصوراتنا الحسية عن الشيء الخارجي، لأنه واقع بين تأثيرين: الموضوع الخارجي والذات الكاشفة.
وكدليل على ذلك نشير إلى أن المعاني اللفظية حينما ترد في ذهن السامع فإنها لا تكون جامعة مانعة في التعبير عن حقائق الأشياء كالذي فصلنا عنه الحديث في دراسة مستقلة (3). وبالتالي فالمعنى المنتزع من النص لا يمكن أن يكون جامعاً مانعاً، وان تصوره يبقى اسير عوامل عديدة؛ منها الاعتبارات الحسية والثقافة العصرية، آخذين بنظر الاعتبار صور المعاني المختلفة نسبياً لدى الاذهان، حيث إنّ معنى اللفظ الذي يظهر في ذهن البعض وان كان لـه مثيل في ذهن البعض الآخر، لكن درجة ذلك لا تتطابق، إذ لا بد أن يحصل تفاوت في المعنى عند التبادر والتصور، فقد يتبادر للبعض زيادة في المعنى دون البعض الآخر، كما أن اللفظ لا يخلو من التأثير النفسي على الذهن، فتبادر المعاني يخلق حالة نفسية مؤثرة على الاذهان؛ طبقاً لاختلاف العوامل البيئية والثقافية والنفسية والبايولوجية، وكل ذلك يخلق في الذهن صورة للمعنى لا تتطابق مع ما يحدث في سائر الاذهان الأُخرى.
كما قد يتبادر للذهن صور للمعنى ما لا يتبادر للآخر، كالذي تحدّث عنه
________________________________________
(3)انظر الفصل الاخير من كتابنا: فهم الدين والواقع.


[الصفحة - 54]

علماء النفس الجشطالتي بخصوص إدراك الأشياء. فقد يتبادر للقارئ القديم معنى بحسب ثقافة عصره ما لا يتبادر للقارئ المعاصر، والعكس صحيح أيضاً، وقد لا يتنافى التصوران فيظهر أحدهما ويختبئ الآخر لاعتبارات الثقافة العصرية أو لاعتبارات أُخرى؛ كاختلاف القبليات المنظومية وما إليها كما سنعرف.
ومن الأمثلة المفيدة في هذا التباين (الجشطالتي) ما ورد في تصور معنى قولـه تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (القصص: 88)، فالبعض يتصور أن معناه كما يبدو ظاهراً من غير توجيه، وهو أن كل شيء هالك حقيقة لا أن مآله الهلاك، خلافاً لما يراه البعض الآخر من معنى يشير إلى المآل. وكلا المعنيين يستبطنان الظهور رغم تضادهما طبقاً لتعارض المنظومتين المعتمد عليهما في الفهم.
وحتى الرجوع إلى المعاجم اللغوية لا يعفي كونها متأثرة بتلك الصور المذكورة في تحديدها لمعاني اللغة، ومنها ثقافة العصر. ولو قيل انه يمكن الرجوع بذلك إلى ما ورد من اشعار الجاهلية لتحديد معاني الألفاظ ومن ثم النص؟ قلنا أن استخدام اللفظ يرد بمعان عديدة، وان الاشعار طافحة بذلك، وبالتالي فإن خيار بعض المعاني على البعض الآخر قد يتأثر بالثقافة العصرية. كما أن معاني ألفاظ النص لا تعبر بالضرورة عن معاني الاشعار الجاهلية، سيما إذا اخذنا بالاعتبار الاختلاف الحاصل بين الثقافتين الشعرية والدينية، والظروف الاجتماعية التي اكتنفت كلاًّ منهما.
وكما يرى (لوسركل) فإن الموسوعة اللغوية «قد تغني معرفتنا لهذه اللفظة، ولكن تبقى هناك تداعيات وارتباطات لهذه اللفظة متأتية من ظروف تاريخية واجتماعية وثقافية معينة لا يمكن لا المعجم ولا الموسوعة أن تلقي عليها الضوء. ويتعين علينا أن نلم بهذه التداعيات لكي نتمكن من فهم هذه اللفظة وفهم عملها في الجملة فهماً شاملاً صحيحاً» (4).
وفي جميع الأحوال أن المعاجم والموسوعات اللغوية لا تملك القدرة على وضع المعاني الجامعة المانعة، كما انه ليس بوسعها أن تحدد حجم التأثير النفسي على الاذهان عند تبادر المعاني.
________________________________________
(4)جان جاك لوسركل، عنف اللغة: 20، ترجمة وتقديم محمد بدوي، نشر المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الثانية 2006م.


[الصفحة - 55]