البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقوق الأُمة ومبادئ المواطنة في الفكر الإسلامي الإمام عليّ (عليه السلام) أنموذجاً

الباحث :  أ . حسين جوان آراسته
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  36
السنة :  السنة التاسعة شتاء 1425هجـ 2005 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 4 / 2015
عدد زيارات البحث :  192

حقوق الأُمة ومبادئ المواطنة في الفكر الإسلامي الإمام عليّ (عليه السلام) أنموذجاً

أ . حسين جوان آراسته(*)

المقدمة
أولاً: إنّ الله، سبحانه وتعالى، تعرّض لخلق الإنسان في كتابه المجيد، فقال عزّ من قائل: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيم } [التين/4] ، ثم أشاد سبحانه بعظمة هذا الخلق: { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [المؤمنون/14]. ومن هنا تضافرت التأكيدات والنصوص القرآنية منبِّهة لمكانة هذا المخلوق وسمّوه: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء/70]. وعليه، فإنّ الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي ألبسهُ الله تاج الكرامة، وصرّح بتفضيله وخلق جميع الأشياء من أجله، وجعلها تحت تصرفه: { سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } [لقمان/20].
وطبق هذه النظرة الربَّانية لخلق الإنسان، حيث انطوت على ثلاثة محاور ذات أهمية قصوى من ناحية خلقه: مكانته، وقوته واقتداره، فإنّه من الطبيعي أن يتمتع هذا المخلوق بحقوق خاصة، وبخلافه سوف لن يكون هناك من معنىً ومفهوم لتلك الأهمية المارّ ذكرها بمحاورها الثلاثة.
وبعبارة أدقّ، فإنّ هناك علاقة تناسب طردية مباشرة بين سعة قدرات الإنسان وقابليّاته، وسعة دائرة حقوقه وشمولها.
وعليه، فكلما كانت مواهب هذا المخلوق كثيرة كان استحقاقه أكثر وأعظم.
ثانياً: كان الإنسان، منذ أمد بعيد، وما زال يقدم التضحيات تلو التضحيات من أجل التعرف إلى حقوقه المشروعة للظَّفر بها ونيلها. وقد كان للثمن الباهظ الذي دفعته البشرية في سبيل الحصول على حقوقها، بالغ الأثر في دفع المجتمعات
________________________________________
(*)باحث من إيران، ترجمة: عبد الرحيم الحمراني.

[الصفحة - 308]


الإنسانية لتدوين الأنظمة التي تعنى بحقوق الإنسان، وضمان متطلَّباته الأساسية وحفظ كيانه وكرامته في هذا الخصوص. وهناك غير أنموذج يمكن الإشارة إليه في هذا الشأن، ويتمثّل بالمواثيق الحقوقية التي يمتد قدم بعض منها لعدة قرون سالفة.
وفي المجموع، يمكن ذكر الخطوات المؤثرة التي اتخذت في هذا الشأن، والتي تجسّدت وتبلورت في إصدار البيان الحقوقي المهم عام 1215م في إنجلترا، والإعلان الذي تضمّن استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1767م.، وميثاق حقوق الإنسان والمواطنة (الفرنسي) عام 1789م.، والميثاق العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م. عقب الحرب العالمية الثانية، وتدوين الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والميثاق العالمي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966م. والمصادقة عليهما، بهدف تفعيل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وبالتالي الميثاق الإسلامي لحقوق الإنسان الذي صودق عليه في الرابع عشر من شهر محرم الحرام عام 1411 من الهجرة، الموافق للخامس من شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) لعام 1990م. في القاهرة.
ناهيك عن المواثيق آنفة الذكر، فإنّ دساتير أغلب البلدان اليوم صرّحت بالحقوق الأساسية التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان، وهذا ما أكّده دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيضاً على لسان مواده ـ من المادة التاسعة عشرة حتى المادة الثانية والأربعين ـ والتي نصت على حقوق الأفراد والأُمة.
ثالثاً: إنّ المتسلِّطين من ذوي القدرة والهيمنة هم الذين وجّهوا أشد الضربات الموجعة لحقوق الإنسان. فمن المفروغ منه أنّ السلطة والقدرة بيد الدولة، وأنّ هذه السلطة لا بد من وجودها درعاً حصيناً يمكنه توفير حقوق الأُمَّة وضمانها من خلال تطبيق القوانين والمقرَّرات، الأمر الذي جعل تحققها متعذراً من دون إرادة الدولة ومتابعتها. ولذلك كانت الدولة ـ وساستها ـ هي المعنية في عالمنا المعاصر بالمواثيق والأعراف التي تنادي بحقوق الإنسان، بفعل إمساكها بآليات السلطة وأدواتها التي تخوِّلها ضمان تلك الحقوق، أو استغلالها بالعكس أداةَ ضغطٍ على الأُمة وتهديدها، وبالتالي هضم حقوقها.
لذلك يمكن القول: إنَّ الحيلولة دون تفاقم نفوذ السلطات التي جرّت الويلات على حقوق الإنسان، دفعت بجميع المفكِّرين والحقوقيين لأن يبذلوا قصارى جهدهم
________________________________________

[الصفحة - 309]


للحدّ من سلطة الدولة في هذا الاتجاه، بهدف فسح المجال أمام الأُمة للظفر بحقوقها ونيل حريتها.
وبالاستناد لهذا الأمر، فإنّ حقوق الأُمة ستكون المحور الرئيس لهذا البحث، ونعني بها الحقوق التي تتميز ببعدها العام والتي تعالج قضية ارتباط الأُمة بالدولة.
رابعاً: تصنّف حقوق الإنسان، في ضوء تصنيف ابتدائي، إلى حقوق طبيعية ذاتية، وحقوق مكتسبة. الحقوق الطبيعية هي الحقوق التي يتمتع بها كل إنسان بغض النظر عن الفوارق الظاهرية، الإقليمية، العرقية والعقدَّية، أي الامتيازات التي ينبغي أن يتمتع بها كل إنسان لذاته الإنسانية.
ومن بداهة القول: إنّ الأنشطة والفعاليات التي يمارسها بعض الأفراد، وتميزهم من غيرهم بتحليهم بروح الشجاعة والإقدام، واستثمارهم لطاقاتهم وإبداعاتهم، تجعلهم أكثر أحقيّة من غيرهم في التصدي لبعض المناصب والمسؤوليات الحساسة الخاصة.
غير أنّ هذه الأحقية واقعة ضمن دائرة الخصائص والحقوق الاكتسابية. وبعبارة أخرى، فإنّ كل إنسان إنّما يتمتع بالحقوق الطبيعية أولاً وبالذات، وبالحقوق المكتسبة ثانياً وبالعرض.
وهنا يمكن إخضاع بعض الفوارق التي يتبنَّاها النظام الحقوقي للمدرسة الإسلامية ضمن نظرته الكلية، في إطار الحقوق المكتسبة آنفة الذكر، للدراسة والتحليل. وذلك لأنّ أغلب التحفظات بالنسبة للحقوق الإسلامية نشأت على أثر عدم الالتفات للإطار المذكور. حيث أفرزت ممارسات بعض الأفراد أو المؤسسات تغييب بعض الحقوق في المجتمع، إلى جانب كونها تمثل الأرضية الخصبة لنشوء الامتيازات الخاصة ونموّها.
وبعبارة أخرى، فإنّ هناك بعض الآثار الإيجابية أو السلبية التي خلَّفها سلوك الأفراد في بعض الأُمور في إطار حقوقهم الطبيعية.
من جانب آخر، فإنّ الحق والوظيفة يمثِّلان مقولتين مرتبطتين، إحداهما بالأخرى، بآصرة وثيقة تأبى الانفصال، ويمكن من خلال النظام الحقوقي الذي رسمه الإمام عليّ(عليه السلام) في سلوكه وبياناته، الإقرار بأن هذه الآصرة تمثل أهم بنود
________________________________________

[الصفحة - 210]


هذا النظام وأسسه من حيث تعامله مع حقوق الأفراد والأُمة؛ حيث يقول(عليه السلام):"فَالْحَقُّ أوْسَعُ الأشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأضْيَقُهَا فِي لتَّنَاصُفِ، لاَ يَجْرِي لأحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ" (1) . وعلى هذا الأساس، فإنّ كل حقّ يولّد وظيفة، وكل امتياز يتمتع به الإنسان إنّما يبعث فيه مسؤولية ووظيفة.
وعليه فالإنسان المحقّ إنّما هو مسؤول ومكلّف أيضاً: «فَالْحَقُّ أوْسَعُ الأشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَ يَجْرِي لأحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لأحَد أنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ; لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ..» (2) . والذي نستشفه في هذا المضمار هو أنّ إقرار الحقوق الطبيعية والذاتية للإنسان إنّما يتزامن ووظائفه ومسؤولياته التي ينبغي أن يمارسها ويؤدِّيها في حياته، وطبق هذه العلاقة يكون التقييم. ولا فرق هنا بين الإنسان المعاصر الحديث، والإنسان القديم التقليدي; فالإنسان المعاصر الذي يرى نفسه محقاً، وله أن يتمتع بجملة من الحقوق، عليه أن يؤدّي المسؤوليات الموكلة إليه بالمقدار نفسه الذي يمارس به حقوقه أيضاً; وبخلافه فإنّه ربما يُحرم من بعض الحقوق الطبيعية أيضاً.
وهذا هو الفارق الرئيس بين المذاهب الحقوقية المادية وبين النظام الحقوقي الإسلامي، حيث اقتصرت الأُولى على تلك الوظائف والمسؤوليات في دائرة علاقة الأفراد بعضهم مع بعض لا غير. في حين ترى المدرسة الحقوقية الإسلامية أنّ دائرة تلك الوظائف والمسؤوليات أوسع وأشمل بكثير. فإضافة لما ورد في المذاهب المذكورة فإنّ هناك بعض الوظائف التي ينبغي أن يؤدّيها الإنسان تجاه ربه وخالقه، وإنّ عدم الإتيان بتلك الوظائف والعمل بسائر المسؤوليات، سينعكس سلباً وبصورة مباشرة على دائرة حقوقه وحدود تمتعه بها.
خامساً: لقد أولى الإمام عليّ(عليه السلام)، في أقواله وأفعاله، طوال مدة حكومته التي دامت لخمس سنوات تقريباً، عناية فائقة بقضيَّة الحقوق العامّة للأمة. فمما لا شك فيه ـ بعد التدقيق والتتبع ـ أنّ المباحث الحقوقية التي تعرض لها الإمام عليّ(عليه السلام)، بوصفه زعيماً دينياً، يمكن أن تُعتمد مصادرَ حقوقية فريدة في التحقيقات والدراسات الحقوقية والسياسية في هذا المجال، كما يمكن اعتبارها ملاكات ومعايير موثّقة،
________________________________________
(1)نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، الخطبة 216: 332 ـ 333،.
(2)المصدر نفسه.

[الصفحة - 311]


بهدف تدوين النظام الحقوقي للإنسان في المذهب الإسلامي. فقد استعرض في خطبته التي خطبها في صفين ـ والمرقمة (216) في نهج البلاغة ـ بأجمل بيان وأبلغ تعبير الحقوق المتبادلة بين الأمّة والحكومة، وتعرض لكافة تفاصيلها وجزئياتها. فالإنسان المعاصر، ونتيجة اعتقاده بالمذاهب المادية ذات النظرة الآحادية الضيقة للإنسان، يفتقر لحقل واسع من حقوقه الأساسية البسيطة، على الرغم من تمتعه ببعض الحقوق والامتيازات. ولا يسعنا التعرف على حقوق الإنسان على جميع الأصعدة السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية إلاّ في ظل المدرسة الحقوقية الإسلامية، التي حدد معالمها تلميذ الوحي وربيب الرسالة المحمدية، والتي عالجت حقوق الإنسان من خلال النظرة الثنائية ببعديها المادي والمعنوي. وتتكفّل المقالة التي بين يديك، عزيزي القارئ، ببيان هذه الحقوق في ضوء النظام الحقوقي الإسلامي على لسان معماره الأوحد الإمام عليّ(عليه السلام).
1 ـ المساواة
إنّ وحدة الخلق، وعدم التمايز فيه، هي التي أدّت إلى ثبوت مثل هذا الحق: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ» (3) . والكل عبيد لله مربوبون له: «فَإِنَّمَا أنَا وَأنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ»(4).
فوحدة الخلق تستلزم المساواة والتكافؤ الذاتي لبني الإنسان كافة، وليس للفوارق التكوينية من قبيل: العامل الوراثي، العرق والانتماء، اللغة، الجنس واللون، الظروف البيئية والإقليمية، والثروة أن تطول تلك المساواة وتعكّر صفوها، وتجرد الإنسانية من هذا الحق الطبيعي المسلّم به.
وهنا لا بد من البحث في هذه المساواة على الأصعدة والميادين كافة:
1 ـ 1: المساواة في الحقوق
لقد بعث الإمام عليّ(عليه السلام) كتاباً إلى الأسود بن قطبة، صاحب جند حلوان مذكِّراً إياه قائلاً: «أمّا بعدُ، فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً» (5) . فالكلّ سواسية في الحق، وليس لأي أحد من امتياز وأرجحية على الآخر.
________________________________________
(3)المصدر نفسه، الرسالة 53: 47.
(4)المصدر نفسه، الخطبة 216: 335.
(5)المصدر نفسه، الرسالة 59: 449.

[الصفحة - 312]


ويخاطب أمراءه على الجيش في موضع آخر قائلاً: «ألاَ وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي ... وَأنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً»(6).
وحين عهد عهده لمالك قال: «وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئ إِلَى أنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلاَ ضَعَةُ امْرِئ إِلَى أنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ عَظِيماً»(7).
وجماع ذلك في هذه العبارة: «وَألْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ»(8).
ثمّ تطالعنا الصورة الناصعة لإجراء الحق في شأن الجميع من قبل عليّ(عليه السلام) وأصحابه الأوفياء، الأمر الذي جعلهم يدفعون ضريبة تلك المساواة باهضاً. فقد بعث(عليه السلام) برسالة إلى سهل بن حنيف الأنصاري، عامله على المدينة في وصف قوم من أهلها ـ ممن كان لهم زلفى عنده ـ قد لحقوا بمعاوية قائلاً: «أمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلاَ تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَإِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ،... وَقَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الأَثَرَةِ»(9).
2 ـ 1: المساواة أمام القانون
يُطلق القانون على الضوابط والمقرَّرات التي تنظِّم علاقات الأفراد في المجتمع، في حين يمثل حقاً أو واجباً عليهم الإذعان له إذا ما خوطبوا به. فقد ردّ الإمام عليّ(عليه السلام) على طلحة والزبير اللذَين عتبا عليه مساواتهم بالآخرين قائلاً: «وأمّا ما ذكرتُما من أمر الأُسوةِ، فإنّ ذلك أمرٌ لم أحكمْ أنا فيه برأيي، ولا وليّته هوىً منّي، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله(صلي الله عليه و آله) قد فُرغ منه،...»(10).
وقال في موضع آخر: «لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ(صلي الله عليه و آله)»(11).
والذي يُخلص إليه، من كلماته(عليه السلام)، محورية القانون الإلهي في تنظيم شؤون الأُمة، وبالتالي سلامة المسيرة الإنسانية. حيث أكّد في معرض جوابه للزبير وطلحة، أنّ مساواته بين أفراد الأُمة لم تكن نابعةً من آرائه الشخصية، بل مستندة للسيرة النبوية للرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله).
________________________________________
(6)المصدر نفسه، الرسالة 50: 424.
(7)المصدر نفسه، الرسالة 53: 434.
(8)المصدر السابق: 441.
(9)المصدر نفسه، الرسالة 70: 461.
(10)المصدر نفسه، الخطبة 205: 322.
(11)المصدر نفسه، الخطبة 169: 244.

[الصفحة - 313]


وهذه الأخيرة ليست سوى القانون الإلهي الذي يتساوى الجميع أمامه؛ وذلك لأنه(صلي الله عليه و آله) وبتعبير الآية الكريمة: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } [النجم/3 ـ 4].
بعبارة أخرى، إنّ الملاك الذي اعتمده الإمام عليّ(عليه السلام) كان حكم النبي(صلي الله عليه و آله) وسيرته الشريفة، إلى جانب كتاب الله، وهذا عبارة عن حق الأُمة في أن يعمل ولاتها على أساس القرآن في جميع الأُمور، باعتباره يمثل المنبع الأصيل للتشريع في الإسلام، وعليه فالذي يمكن أن يخلص إليه هو:
1 ـ يجب تحكيم القانون الإسلامي الإلهي في التعامل مع الأُمور كافة، من دون الاستناد للأهواء والآراء الشخصية.
2 ـ إنّ الامتثال للقانون الإلهي والسيرة النبوية والعمل بهما من الحقوق المسلَّم بها لأفراد الأُمة.
3 ـ الكل سواسية أمام القانون، وإنّ تمتّع بعض الأفراد بنوع من الشهرة والصيت، أو الثروة والقدرة والسطوة، كالتي كانت لبعض الشخصيات كطلحة والزبير، ليس من دواعي تميزهم عن الآخرين أمام القانون.
ومن هنا يمكن القول: إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) قد أكّد على مساواة الجميع أمام القانون، وعمل بها لقرون مضت قبل أن يتوصل لها العالم المتحضِّر من خلال الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، حيث صرّحت بها المادة السابعة من هذا الميثاق. ويصطلح الحقوقيون اليوم على الكلمات التي جرت على لسان الإمام عليّ(عليه السلام) في هذا المجال بـ «حكومة القانون».
لا شك في أنّ أهم عنصر يتكفل بتوفير حقوق الأفراد وضمانها في المجتمع، إنّما يتجسّد في احترام حكومة القانون وسيادته، وإيجاد الآلية اللازمة لضمانها وتحقّقها.
إنّ المعنى الرئيس لسيادة القانون إنّما هو الحكومة والدولة؛ وذلك لأنّ تطبيق القانون بحق الأفراد لا يتطلّب أدنى جهد وعناء، حيث إن الفلسفة الأصلية "«لسيادة القانون" إنّما تعني بلورة فعاليات الولاة وساسة البلاد وأعمالهم في إطار القانون. فإذا ما طُبِّق القانون بحق المتنفذين والمسؤولين في المجتمع من دون الاكتراث لبعض
________________________________________

[الصفحة - 314]


السمات والامتيازات، كان إجراؤه بحق عامة الناس أسهل وأيسر. والقضية ـ الجديرة بالالتفات ـ التي وردت في كلمات الإمام عليّ(عليه السلام) ـ هي الحكم بمساواة الجميع أمام القانون، مطالباً أصحاب الجاه والسطوة كطلحة والزبير بالتسليم لهذا القانون، وألاّ يتوقعوا حياده(عليه السلام) عنه لأي سبب من الأسباب من جهة، ومن جهة أخرى وجوب الامتثال لذلك القانون على أنّه واجب ينهض به الحاكم الإسلامي، بوصفه حقّاً مسلَّماً به من حقوق الأُمة. فقد مثلت هذه المسألة أروع صور الحكومة العلوية التي نبهت الأُمة للمطالبة بحقوقها. فالحكومة الإسلامية تمنح الأُمة حق الإشراف على أعمال مسؤولي الدولة; للتأكد من مدى انسجامها مع تعاليم الشريعة والقوانين الإلهية. الولاة ومسؤولو الدولة من جانبهم مأمورون بتشجيع الأُمة على ممارستها لهذا الدور في الإشراف، إلى جانب تمهيد السبيل أمامها ومدَّها بما تحتاج إليه في هذا الشأن.
3 ـ 1: المساواة في العطاء من بيت المال
لم يختلف اثنان في أن الإمام عليّاً(عليه السلام) كان من المتشِّددين تجاه الحقوق الاقتصادية للأمة، وقد تجلّى هذا الموقف وتبلور خلال مرحلة توليِّه خلافة المسلمين، ونظراً لتصديه المباشر للحكومة وإدارة أمور المسلمين، فقد أبدى حساسية مضاعفة تجاه هذا الأمر، بل إنّ تعديل الثروة وإقامة العدالة الاقتصادية كانت تمثل أهم العناصر التي دعته(عليه السلام) لقبول الحكومة، فقال(عليه السلام): «وَمَا أخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ ألاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم»(12).
وصرّح في موضع آخر: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ أقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ: فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ، وَاللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ»(13).
والذي يمكن أن نستخلصه من تعبيره(عليه السلام) في البيان الأول: «وَمَا أخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ»، وفي الثاني: «فَرَضَ فِي أمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ»:
أولاً: يشكل مبدأ تقسيم الثروة بشكل عادل، الوظيفة الخطيرة التي ينبغي أن يتحمل مسؤوليتها العلماء مبسوطو اليد، من الذين يمتلكون الأدوات الفاعلة في القضاء على الطبقية البغيضة، والنهوض بالحالة الاقتصادية بما يخدم مصالح الطبقة المحرومة والمسحوقة في المجتمع.
________________________________________
(12)المصدر نفسه، الخطبة 3: 50.
(13)المصدر نفسه، الحكمة 328: 532.

[الصفحة - 315]


ثانياً: بغض النظر عمّا تتخذه الحكومة من إجراءات لازمة في شأن تقسيم الثروة تقسيماً عادلاً بين الناس، فإنّ على الأثرياء وأصحاب الأموال الطائلة أن يشاركوا في إصلاح الوضع الاقتصادي، في سبيل القضاء على الفقر والحرمان والتمايز الطبقي بين أفراد المجتمع الإسلامي.
ثالثاً: هناك مسؤولية مشتركة بين المتمولين وأصحاب الثروة من جهة، وبين الحكام من جهة أخرى، من أجل تقسيم الثروات بما يتناسب ونيل الأُمة لحقوقها وتعويضها عمَّا لحق بها من حرمان وفقر، من جرّاء استثمار الإمكانات المتاحة والثروات العامّة بشكل غير عادل، ما جعل بعض الناس يئن تحت وطأة الفقر، ويعاني من عدم المساواة والتكافؤ مع سائر الأفراد والطبقات. فإن لم ينهض الأثرياء بهذه الوظيفة، كان للحكومة أن تقتحم الميدان وتتبنى حقوق الأُمة المضيّعة.
إنّ من ينظر بعين الموضوعية والعدل والإنصاف، ليس أمامه إلاّ أن يقرّ بأنّ الحكومة العلوية كانت أنموذجاً فريداً في مجابهة مختلف أشكال الثراء الفاحش، وكانت السند المتين الذي تستند إليه الأُمة للمطالبة بحقوقها المالية واستيفائها.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ تلك المجابهة لم تكن بالأمر الهين آنذاك، حيث دفع ثمنها غالياً عليّ(عليه السلام) إبّان خلافته، فقد وقف وحده ضد تلك الفئات التي اعتادت على الامتيازات الوهمية الباطلة، وعلى التفاخر بالأموال والأولاد، وسائر العادات الجاهلية المقيتة.
لذا يمكننا القول: إنّ الدفاع عن الحقوق المالية للأمة، كان يشكل أهم الأسباب والدواعي التي دعته لمحاربة القاسطين والناكثين. فالدفاع عن حقوق الأُمة انعكس سلباً على علاقته مع أقرب مقربيه آنذاك، الذين ساءتهم مواقفه الصارمة التي لا تعرف اللين والمجاملة في هذا المجال.
وأفضل شاهد نسوقه في هذا الإطار، ما نُقل عن مجابهته لأخيه عقيل الذي سأله قدراً من الشعير من بيت المال: «وَاللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أنِّي أبِيعُهُ دِينِي، وَأتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي، فَأحْمَيْتُ
________________________________________

[الصفحة - 316]


لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف مِنْ ألَمِهَا، وَكَادَ أنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ! أتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَار سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلاَ أئِنُّ مِنْ لَظَى»(14).
وإليك شاهد آخر، فقد بعث كتاباً لعامله على أردشير خُرّة ـ إحدى مدن بلاد فارس ـ مصقلة بن هبيرة الشيباني، أعرب فيها عن تأسفه من جانب، وحذّره بخطاب شديد اللهجة من جانب آخر، قائلاً: «بَلَغَنِي عَنْكَ أمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أسْخَطْتَ إِلَهَكَ وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ: أنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ، فِي مَنِ اعْتَامَكَ مِنْ أعْرَابِ قَوْمِكَ. فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأ النَّسَمَةَ، لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً، فَلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الأَخْسَرِينَ أعْمَالاً».
ثم يختم كتابه قائلاً: «ألاَ وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ، يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ»(15).
وحين عتب عليه بعض القوم مساواته في العطاء من بيت مال المسلمين، قال(عليه السلام): «... لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ»(16).
إنّ العدالة الاقتصادية كانت تمثل أحد أهم محاور العدالة الاجتماعية التي تبنَّتها حكومة الإمام عليّ(عليه السلام)، وإليك بعض نماذجها التي وردت في كلماته ووصاياه، والتي تعالج الحقوق المتبادلة بين الحكومة والأُمة: «أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ: فَأمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا. وَأمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالإجَابَةُ حِينَ أدْعُوكُمْ وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ» (17) . ثم قال في شأن وظائف الحاكم التي تعدّ من حقوق الأُمة: «إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإمَامِ إِلاَّ مَا حُمِّلَ مِنْ أمْرِ رَبِّهِ: الإبْلاَغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَالاِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالإحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أهْلِهَا»(18).
ومن كلام له مع عبد الله بن زمعة ـ وهو من شيعته ـ حين قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ،
________________________________________
(14)المصدر نفسه، الخطبة 224: 346.
(15)المصدر نفسه، الرسالة 43: 415.
(16)المصدر نفسه، الخطبة 126: 183.
(17)المصدر نفسه، الخطبة 34: 79.
(18)المصدر نفسه، الخطبة 105: 152.

[الصفحة - 317]


وَجَلْبُ أسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أفْوَاهِهِمْ»(19).
أمّا رسالته التي بعث بها لعثمان بن حنيف الأنصاري ـ وكان عامله على البصرة ـ حين بلغه أنّه دُعي إلى وليمة قوم من أثرياء أهلها ـ فتكشف بجلاء عن عمق هاجس الإحساس بالمسؤولية، الذي كان يلقي بعبئه على سيرته وحياته العملية في شأن حقوق الأُمة وطبقاتها المسحوقة، فقد خاطبه قائلاً: «أمَّا بَعْدُ، يَا ابْنَ حُنَيْف: فَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَة فَأسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الأَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ. وَمَا ظَنَنْتُ أنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ...»(20) .
إنّه(عليه السلام) لا يرى لنفسهِ حقاً ـ بوصفه أميرا لمؤمنين وحاكماً للأمة الإسلامية ـ في أن يبيت مبطاناً وحوله بطون غرثى وأكباد حرى، فيقول: «هَيْهَاتَ أنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ، وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ، أوْ أبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأكْبَادٌ حَرَّى...»(21).
ومن الطبيعي ألاّ يكترث للشهرة والألقاب، حتى لقب “أمير المؤمنين”، من لا يرى الحكومة إلاّ وسيلة لإقامة الحق، وبسط العدل والقسط، والقضاء على الظلم والجور والفساد، وإلاّ فهي لا تعدل عنده حتى شسع النعل. فقد دخل عليه ابن عباس حين كان يخصف نعلاً له، فسأله(عليه السلام): ما قيمة هذه النعل؟ قال ابن عباس: لا قيمة لها. فقال(عليه السلام): «وَاللَّهِ لَهِيَ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلاَّ أنْ أقِيمَ حَقّاً أوْ أدْفَعَ بَاطِلاً»(22).
ومن هنا يتوجب على كل من يروم الإقتداء بالحكومة العلوية ـ بوصفها الحكومة الأنموذجيَّة التي يتطلع إليها كل إنسان ويصبو لإقامتها ـ أن يمتثل رسالتها التي أوجزها(عليه السلام) في كلمته: «أأقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأنْ يُقَالَ: هَذَا أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ أشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ!؟»(23).
4 ـ 1: المساواة في المعاملة بين أفراد الأُمة
تتميز المجتمعات التي تسودها العلاقات الاجتماعية المبنيَّة على التفاوت الطبقي، ببروز فئة معينة تمتلك بعض الامتيازات، كالانتماءات السياسية أو القرابات
________________________________________
(19)المصدر نفسه، الخطبة 232: 353.
(20)المصدر نفسه، الرسالة 45: 416.
(21)المصدر السابق: 418.
(22)المصدر نفسه، الخطبة 33: 76.
(23)المصدر نفسه، الرسالة 45: 418.

[الصفحة - 318]


التشريفية أو ما شاكل ذلك، فتحظى بألوان الشهرة والاحترام والتقدير من قبل الحكام والولاة، لما تتمتع به من ثروات وقدرات وحياة مرفهة، ما يمهِّد لهم السبل لتسنُّم المناصب والمراكز الحساسة، وبالتالي الإمساك بمفاصل القدرة والمكنة في البلاد من دون استحقاق. ومقابل هذه الطبقة ستولد طبقة من المستضعفين والمحرومين لا حول لها ولا قوة، تعيش في الظل ولا تتمتع برعاية أولياء الأُمور واهتمامهم، وتمثل هذه الشريحة الأكثرية من الأُمة.
وهذه الظاهرة تمثل أخطر العوامل التي تمهد السبيل لهضم حقوق الأُمة ومصادرة حرياتها، ناهيك عن كونها تمثل الحجر الأساس لإشاعة الظلم والفساد والانحراف، وتفتح الباب على مصراعيه أمام العنف والاضطهاد وكم الأصوات، الذي سيطال الأغلبية الساحقة من أفراد الأُمة. لذا فالخطوة الأُولى التي لا بد من أن تتخذها الهيئة الحاكمة بمسؤوليها كافة، هي التحلي باليقظة والحذر من الانزلاق نحو تلك النظرة الغاشمة الضيقة، التي تفرّق بين القوي والضعيف وبين الغني والفقير. ولذلك استهل عليّ(عليه السلام) كتابه الذي بعثه لمحمد بن أبي بكر حين قلّده ولاية مصر، قائلاً: «فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَألِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ، وَلاَ يَيْأسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ»(24).
وهذا ما أكّده(عليه السلام) في وصيته لأحد عمّاله أيضاً، حيث قال: «واخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْث مِنَ اللِّينِ، وَأرْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ، وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَألِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالإشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَيْأسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ»(25).
فأنّى لنا ـ وبالنظر لما أوردناه وهو غيض من فيض ـ أن نجد مثل هذا الاهتمام والأولوية لحقوق الأُمة؟ فهل هناك غير النظرة العلوية التي ترى وجوب تمتع الأُمة بحقوقها وحرياتها واستفادتها من جميع الإمكانات؟
لم تكن تلك الوصايا للعمال والولاة، إلى جانب تلك المساءَلات والمؤاخذات وفق السياسية الإسلامية للإمام(عليه السلام)، سوى إثبات كون الحكومة تمثل أداة الأُمة
________________________________________
(24)المصدر نفسه، الرسالة 27: 383.
(25)المصدر نفسه، الرسالة 46: 420 ـ 421.

[الصفحة - 319]


ووسيلتها لإحقاق حقوقها، لا أن تكون الأُمة وسيلة وأداة من أجل الحكومة.
5 ـ 1: المساواة في الجنس
إنّ نوع الجنس لم يعتمد ملاكاً للأفضلية قط في القرآن الكريم، بل الأفضلية لكل مخلوق على آخر ـ سواء كان رجلاً أم امرأة ـ إنّما أسندت للتقوى، فقد قال سبحانه: { يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ اتْقَاكُمْ } [الحجرات/13]، فالذكر والأُنثى وإن اختلفا جنساً إلاّ أنّهما متساويان من الناحية الإنسانية: { يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [النساء/1].
فالمساواة الإنسانية للمرأة مع الرجل، كانت دليلاً على مساواتهما في سائر شؤون الحياة، من قبيل: المساواة في طلب العلم، كما في الحديث النبوي الشريف: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»؛ المساواة في حرية الاختيار والاستقلالية في العمل: { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَر أوْ أنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بغَيْرِ حِسَاب } [غافر/40، النحل/97، الجاثية/15، وغيرها]؛ المساواة في الأُمور الاقتصادية: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } [النساء/32]؛ وبالتالي المساواة في العقوبة والجزاء، كالسرقة { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } [المائدة/38]، والزنا: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة } [النور/2].
فالآيات، آنفة الذكر، تكشف بوضوح تساوي الرجل والمرأة في الحقوق الإنسانية، إلاّ أنّ هناك قضية جديرة بالذكر يثيرها الأُستاذ الشهيد المطهري في شأن الفارق بين المساواة والتشابه في الحقوق، فيقول: «إنّ مسألة تساوي المرأة والرجل في الإنسانية من وجهة نظر الإسلام، مسألة غير قابلة للنقاش، أمّا هل أنّ حقوقهما متساوية أو لا؟ فإنّ المرأة والرجل في نظر الإسلام إنسانان كاملا الإنسانية، ويتمتعان بالدرجة نفسها من حقوق الإنسان، لكن الذي يطرحه الإسلام هو أنّ المرأة بما أنّها امرأة تختلف عن الرجل لكونه رجلاً في جوانب كثيرة، فعالم المرأة غير عالم الرجل، وخلقة المرأة وطبيعتها غير خلقة الرجل وطبيعته، وهذا
________________________________________

[الصفحة - 320]


يؤدي بالطبع إلى أنّ كثيراً من الحقوق والواجبات والعقوبات سوف لا تكون واحدة لكليهما»(26).
ثم يضيف الشهيد المطهري قائلاً: «في دنيا الغرب اليوم، سعي حثيث لمساواة المرأة بالرجل في القوانين والأنظمة والحقوق والواجبات مع تجاهل الاختلافات الغريزية والطبيعية بينهما، والاختلاف بين النظرة الإسلامية والنظم الغربية يكمن في هذه النقطة. وعليه فإنّ نقطة الاختلاف في بلادنا بين مؤيدي الحقوق الإسلامية من جهة، وأتباع النظم الغربية من جهة أخرى هي في مسألة تشابه حقوق المرأة والرجل، وليس في مسألة المساواة بينهما. وما كلمة «المساواة» إلاّ شعار مزيف يطلقه مقلدو الغرب، وعلامة تجارية يلصقونها على هذه البضاعة الغربية، وأوربا ما قبل القرن العشرين أحسن شاهد على ذلك. فقد كانت المرأة آنذاك فاقدة للحقوق الإنسانية قانونياً وعملياً. إِذ لم تكن لها حقوق مساوية أو مشابهة لحقوق الرجل، بل من خلال النهضة السريعة التي حدثت أخيراً في أقل من قرن باسم المرأة ومن أجل المرأة حصلت على حقوق متشابهة تقريباً لحقوق الرجل.
ولكنها لم تحصل على حقوق مساوية لحقوق الرجل، لو أخذنا بنظر الاعتبار وضعها الفيزيائي والفيزيولوجي؛ لأن المرأة إذا أرادت أن تحصل على حقوق كحقوق الرجل، وعلى سعادة مساوية لسعادة الرجل، فان طريقها الوحيد هو أن تترك تشابه الحقوق، وتطلب أن تكون للرجل حقوقه المناسبة له، وتكون لها حقوقها المناسبة لها»(27).
لذلك، فإنّ الفوارق التكوينية الطبيعية هي التي دعت لهذا الاختلاف الحقوقي في بعض الأُمور من قبيل: الميراث، الطلاق، تعدد الزوجات، الولاية، الشهادة والقضاء.
ومما يؤسف له أنّ المادة السادسة عشرة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد نصّت على حقوق متشابهة للمرأة والرجل طوال مدة الزواج، وكذلك حين الانفصال بالنسبة للأُمور المتعلقة بالحياة الزوجية كافة، على الرغم من الاكتشافات التي توصل لها علم الطب والعلوم التربوية والنفسية، والتي تثبت وجود بعض
________________________________________
(26) مرتضى المطهري، نظام حقوق المرأة في الإسلام: 204 ـ 207.
(27)المصدر السابق: 154 ـ 155.

[الصفحة - 321]


الفوارق والاختلافات التي تحكم الجنسين. ولذلك تبدو وحدة النظرة لهما خاطئة من وجهة نظر الفلسفة الحقوقية، إضافة إلى الناحية العلمية. وبالطبع فإنّ الشعار الواقعي الذي يجب تبنّيه في هذا المجال إنّما يكمن في المساواة، ولذلك ورد التأكيد عليه في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث جاء في إحدى مواده ما يأتي:
"يتمتع جميع أفراد الأُمة، بكافة رجالها ونسائها، بالدعم القانوني اللازم، وجميع الحقوق الإنسانية، السياسية، الاجتماعية والثقافية على ضوء الموازين الشرعية"(28).
إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) كان قاطعاً حازماً بالنسبة لاستيفاء المرأة لحقوقها بشكل عام ـ بغض النظر عن بعض الفوارق التكوينية التي تعرض لها في كلماته، من قبيل: خطبته التي أوردها في الإشارة إلى تلك الفوارق: «إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ: فَأمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ فِي أيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَأمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَأمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ» (29) ، حيث استشاط غضباً حين ورده خبر غزو الأنبار من قبل جيش معاوية، وأنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأُخرى المعاهدة، فينتزع حجلَها وقُلبَها وقلائدها ورُعُثَها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام. ثم انصرفوا وافرين. فخطب الناس مستنهضاً إياهم لقتالهم ومحاربتهم، فقال: «فَلَوْ أنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً»(30).
لا شك في أنّ هذه الكلمات المفعمة بالأسى والحزن والأسف، التي وردت على لسان زعيم الدولة الإسلامية وخليفة المسلمين؛ لتمثل شهادة حية على احترام مكانة المرأة والدفاع عن كيانها وحقوقها، وأنّه ليس هناك من فارق بين المرأة المسلمة وتلك المعاهِدة التي تعيش في كنف الدولة الإسلامية. فتوفير الدعم الأمني، والحصانة من أيّ اعتداء وانتهاك يمثل أبسط الحقوق الطبيعية التي ينبغي أن يتمتع بها جميع الأفراد رجالاً ونساءً، مسلمين أو غير مسلمين، وعلى الحكومة الإسلامية أن تنهض بتلك الوظيفة والمسؤولية.
لقد دخلت سودة الهمدانية على معاوية، تشكو إليه الجرائم البشعة التي ارتكبها
________________________________________
(28)المادة 20 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
(29)نهج البلاغة، الخطبة 80: 105 ـ 106.
(30)المصدر نفسه، الخطبة 27: 69 ـ 70.

[الصفحة - 322]


بسر بن أرطاة، ثم رَوَت له تفاصيل دخولها على عليّ(عليه السلام) لتشكو إليه ظلم عامله على الصدقات، فقالت: "أتيتهُ يوماً في رجل ولاّه صدقاتنا، فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين، فوجدتُه قائماً يُصلي، فانفتل عن الصلاة، ثم قال برأفة وتعطّف: ألكِ حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل، فبكى، ثم رفع يديه إلى السماء، فقال: «اللهم إنّك أنتَ الشاهدُ علي وعليهم. إِنّي لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك»، ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم:{ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [الأعراف/85]. فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديكَ حتى يقدم عليكَ من يَقبضه منك. والسلام»(31).
وإذا تأملنا قليلا في هذه الواقعة التاريخية، فإنّنا سنلاحظ ـ من جانب ـ الكيفية التي تعامل بها الإمام(عليه السلام) مع تلك الحادثة، فقد تميزت بالرد السريع الحاسم المصحوب بالتأمل والحياء أمام ساحة العدل الإلهي، والتي اكتسبت أهمية كبيرة بفعل إصدار الإمام أوامره بعزل عامله على أثر شكوى رفعتها إليه امرأة.
ومن جانب آخر، فإنّه يمكن النظر إلى تلك القضية على أنّها من الأهمية بحيث تطلبت تصدّي الإمام وتدخّله شخصياً، وهذا ما ينبغي أن يأخذه الحاكم ـ أي حاكم ـ بنظر الاعتبار في تعامله مع مثل هذه الأُمور. وبالنتيجة فإنّ الإسلام قد منح المرأة القوة والشجاعة لتقتحم مركز الخلافة والحكومة وتشكو للحاكم الإسلامي ما ألمّ بها وقومها، واثقة من أنه سيسترد ما ضيع من حقوقها وحقوق أبناء جلدتها.
وما يلفت النظر أنّ هذه المرأة وبنفس تلك الشجاعة والبسالة قد اتجهت بعد شهادة الإمام عليّ(عليه السلام) لتقتحم مركز خلافة معاوية، وتكلمه بعنف من دون أدنى هاجس من خشية أو قلق. وفي الختام يمكن أن نستخلص بعض الدروس من قصة هذه المرأة، وهي:
1 ـ إنّ التظلّم والشكوى من الحقوق الطبيعية المسلّم بها لكل فرد، بغض النظر عن نوع جنسه ـ رجلاً كان أم امرأة.
2 ـ الحاكم الإسلامي هو المسؤول المباشر الأول عن سير أعمال ولاته وعماله في البلاد.
________________________________________
(31)الشيخ عباس القمي، سفينة البحار 4: 428 ـ 329، دار الأسوة.

[الصفحة - 323]


3 ـ على الحاكم الإسلامي أن يقوم بوظيفته في إحقاق حقوق الأُمة بكل حزم وصرامة، وبأسرع ما يمكن، ومن دون أيّ تريث في هذا الشأن.
4 ـ إفشاء الثقة والاطمئنان بين المسلمين بمن فيهم النسوة، بإحقاق حقوقهم المشروعة.
المسألة المهمة الأخيرة التي نودّ الإشارة إليها هنا ـ بالإضافة إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق كل بحسبه ـ هي مسألة المساواة في الحقوق بين النساء أنفسهنّ، فنراه(عليه السلام) عندما يبلغه بأن هناك امرأتين فقيرتين: إحداهما حرة عربية والأُخرى أمَة، يرسل أحد عماله ويأمره بتفقد أوضاعهما والإطلاع على طريقة معيشتهما ومأكلهما وملبسهما، ثم يأمر بإعطاء مئة درهم لكل من هاتين المرأتين الفقيرتين.
ولا نراه يجد فرقاً بينهما في العطاء، حتى عندما تسأله المرأة الحرة أن يعطيها أكثر من الأمَة، ينبري بالجواب قائلاً: "لم أجد في القرآن من أفضلية لولد إسماعيل على ولد إسحاق ما يعدل جناح بعوضة"(32).
وخلاصة القول: ليس هناك من فارق في النظرة العلوية لاستيفاء الحقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة، المرأة المسلمة والكافرة، المسلم والكافر، والحرة والأمَة.
ملاحظة مهمة
إنّ كل ما ذكرناه في شأن المساواة في الحقوق الإنسانية، إنّما يتعلق بالحقوق الطبيعية والذاتية. ولكن حيث كانت الحقوق الإسلامية قائمة على أساس العدالة بالنسبة للحقوق المكتسبة، فإن القول: إنَّ تلك المساواة لا تبدو منطقية ومنسجمة مع هذا المبدأ في شأن هذه الحقوق، مرفوضٌ جملة وتفصيلاً. صحيح أنّ الإسلام لا يؤمن بالامتيازات الظاهرية المصطنعة، إلاّ أنّه يرى أنّ ملاك الأفضلية إنّما يكمن في الفضائل والقيم والمثل الإنسانية.
وليست هناك أية مدرسة، أو مذهب حقوقي، قد تعامل مع الحقوق الطبيعية للإنسان بصورة مطلقة، بغض النظر عن أعماله المكتسبة.
وما قانون العقوبات الذي عملت به الأنظمة الحقوقية، وأخذته بنظر الاعتبار، إلاّ
________________________________________
(32)أنساب الأشراف 2: 141.

[الصفحة - 324]