البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : جدل العلم والدِّين في التاريخ المسيحي

الباحث : أ. علي ربّاني الكلبيكاني

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 34

السنة : السنة التاسعة صيف 1425هجـ 2004 م

تاريخ إضافة البحث : March / 1 / 2015

عدد زيارات البحث : 492

حجم ملف البحث : 107.232 KB

 تحميل


جدل العلم والدِّين في التاريخ المسيحي

أ. علي ربّاني الكلبيكاني (*)

مدخل
لم يكن النصارى أوَّل الأمر محبِّين للفلسفة والعلم، واعتقدوا بأنهم يمتلكون الحقيقة في ظل تعاليم المسيحية، بينما ليس ثمة هدف آخر من البحث العلمي سوى اكتشاف الحقيقة. هكذا تصوروا أنَّه من الأفضل لهم أن ينهمكوا في العبادة والتدبر في كلمات المسيح.
كان اليهود أول قوم اعتنقوا النصرانية، غير أن هذا الدين خرج من دائرة اليهود في ما بعد، ووجد له أتباعاً بين الأقوام الأخرى، وحينئذ أخذ الجدل الديني يثار تدريجياً بين أنصار الدين ومعارضيه، فانكب علماء النصارى على مطالعة الفلسفة وكلمات الحكماء للدفاع عن العقائد الدينية، فاستوعبوا المكانة الرفيعة التي يحتلها الفلاسفة، وراحوا يتعلمون الحكمة ملتزمين بتعاليم التوراة والإنجيل. في سياق كهذا ظهرت الفلسفة اللاهوتية المسيحية أو علم معرفة الله (ثيولوجيا)، فطرحت موضوعات التوحيد والخلق والتثليث بوصفها أصول العقيدة في الكلام المسيحي، وظهر القول بأن الله هو ثلاث كيانات رغم أنه واحد في الوقت نفسه، أي الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس. فالأب وجود مطلق وهو مصدر القدرة، والابن كلمة الأب وهو الواسطة في خلق العالم، أمَّا روح القدس فهو واسطة بين الأب والابن وجانب تتجسد فيه المحبة الإلهية.
وبنحو تدريجي، راحت الخلافات تظهر بين علماء النصارى عن العقيدة الدينية كالتثليث والحلول وغيرها، فعمدوا إلى تشكيل لجنة تتولى معالجة الخلافات تلك، وصاغوا أصول العقيدة
________________________________________
(*)باحث متخصّض في علم الكلام الإسلامي، من إيران. ترجمة أ. سرمد الطَّائي

[الصفحة - 296]


المسيحية من خلال التصويت بالأغلبية، بينما شجبوا سواها من الآراء وعدّوها تصوُّرات باطلة. لقد عرف الأشخاص الذين أدّوا الدور الرئيسي في العملية هذه، بـ "آباء المسيحية"، وأشهرهم القديس أوغسطين (354-430م). كان أوغسطين من أم نصرانية واعتنق في شبابه الديانة المانوية، ثم انصرف إلى فلسفة أفلاطون ومدرسة أفلوطين، فتأثر بنحو كبير بهذا الاتجاه، كي يعتنق المذهب الكاثوليكي في نهاية الأمر. أخذ أوغسطين بدراسة أصول العقيدة النصرانية مستثمراً الفكر الفلسفي، فترك كتباً عديدة عن التوحيد والتثليث والخلق وحقيقة النفس وخلودها، إضافة إلى موضوع الخطيئة والثواب ومصير الانسان ونحو ذلك. وفي أعماله هذه قام أوغسطين بالتوفيق بين فلسفة أفلاطون والمعتقد المسيحي ضمن منهج معين، وقد درس برتراند راسل فلسفة أوغسطين وآراءه في اللاهوت بشكل تفصيلي، ما لسنا في صدده هنا (1).
العصور المظلمة
شهد القرن الخامس الميلادي هجوم الهمج الذين دمَّروا امبراطورية الغرب، وكان هؤلاء شعباً غير متحضر عاش في شمال أوروبا وشرقها وشمال آسيا، وفي مواجهة هجوم هؤلاء انقسمت امبراطورية الرومان إلى قسمين: شرقي وغربي، فأصبحت المدينة القديمة روما مركز الامبراطورية الغربية بينما اتخذت الامبراطورية الشرقية مدينة القسطنطينية "اسطنبول" مركزاً لها. غير أن ذلك لم يجد نفعاً، إذ انهارت الامبراطورية الغربية في القرن الخامس على يد قبائل الهمج.
نلاحظ، بعد وفاة أوغسطين عام 430 للميلاد، أنه لا تكاد توجد ثمة أي فرصة للفلسفة، وخلال حقبة الفوضى هذه كانت الكنيسة تعاني خلافاً حاداً عن قضية "الحلول"، وتمثل طرفا الصراع بالقسيسين سبريل ونسطوريوس، ثم انضم الأول إلى القديسين بينما عُد الآخر ملحداً مهرطقاًً. ظل سبريل القديس أسقف الاسكندرية حتى وفاته (412-444 تقريباً) بينما كان نسطوريوس اسقف القسطنطينية. لقد دار الخلاف عن العلاقة بين الجانبين الإلهي والبشري في المسيح، واعتقد نسطوريوس أن ثمة شخصيتين أحداهما لاهوتية والأخرى ناسوتية. أمَّا من لم يقولوا بالاثنينية فانقسموا إلى اتجاهين يؤمن أحدهما بوجود ماهية واحدة في المسيح بينما يرى الآخر أن هنالك طبيعتين لاهوتية وبشرية في شخص واحد. مثلت هذه القضية محور الصِّراع الفكري خلال القرن الخامس؛ حيث كان القديس سبريل من أنصار الوحدة. ورغم أن مجمع الأساقفة عدَّ نسطوريوس ملحداً مهرطقاً غير أن الأخير لم يتخل عن عقيدته، فأسس المذهب النسطوري الذي وجد أنصاراً في سوريا والمناطق الشرقية.
________________________________________
(1) راجع: تاريخ فلسفه غرب. برتراند رسل. ترجمة نجف دريابندي. ج2، ص92-116.

[الصفحة - 297]


يقول فروغي في كتابه: "مسار الفلسفة في أوروبا": "بعد انهيار امبراطورية الروم الغربية في القرن الخامس الميلادي، على أيدي قبائل الهمج، وخلال الحقبة التي يسميها المؤرخون الأوروبيون بالعصور الوسطى كسدت سوق العلم والحكمة، وشاع الجهل حتى شمل الزعامات الدينية. ففي القرن الثامن الميلادي، لم يكن في أوروبا سوى رجل واحد عرف بالعلم والفضل، وهو "سكوت اورجين" الفيلسوف والمتأله الانجليزي، أمَّا في القرن العاشر فلم يكن ثمة من يستحق الذكر سوى "جيربر" الفرنسي الذي نال منصب البابوية في نهاية عمره، وهو من أوائل الذين درسوا عند المسلمين؛ حيث ذهب إلى اسبانيا التي كانت آنذاك بلداً إسلامياً وأخذ العلوم على يد المسلمين، ثم عاد إلى فرنسا وتفرغ لنشر ما تعلمه في إسبانيا" (2).
يذكر براترند رسل أن هذه الحقبة تدعى "الحقبة المظلمة"، ويشير إلى الحضارة الاسلامية قائلاً: "إن مصطلح الحقبة المظلمة الذي نستخدمه (600-1000 للميلاد) (3)يوجه أنظارنا إلى أوروبا الغربية أكثر ممَّا ينبغي. بينما شهد ذلك العصر حكم سلالة تانغ في الصين وهي أكثر مراحل الشعر الصيني ازدهاراً، كما امتدت الحضارة الإسلامية المزدهرة من الهند حتى اسبانيا، إن ما خسره العالم المسيحي خلال تلك الحقبة لم تخسره الحضارة وظلت محتفظة به، لكننا نختزل الحضارة في حضارة أوروبا الغربية، وهو تصور يعبر عن ضيق الأفق. لقد اقتبسنا القسم الأكبر من المضمون الثقافي لحضارتنا من الشرق الأوسط واليونان واليهود" (4).
العصر السكولاستيكي
تعني "سكولا" في اللغة اللاتينية "المدرسة" وقد انحصر تدريس الفلسفة والعلوم، في تلك الحقبة، في المدارس التي أسسها رجال الدين النصارى في الكنيسة والدير، كما كانت العملية التعليمية مقيدة بتقاليد المدارس هذه وتعاليم القديسين. وعلى هذا الأساس يوصف العلم والحكمة اللذين شاعا خلال الحقبة تلك بأنه "سكولا"، ويطلق عليه اسم "سكولاستيك" أي المدرسي. يتميز هذا النظام الفلسفي بخصوصيات من قبيل:
أ- إن ذلك البحث العلمي لم يكن يهدف إلى اكتشاف الحقائق بل سعى إلى البرهنة على أصول الدين وتكريس المعتقد.
ب- لم تتوافر استقلالية الفكر وحرية الرأي، وكان على الباحثين أن يمارسوا أنشطتهم العلمية في إطار مضامين الكتاب المقدس وتعليمات القديسين، ولو اتفق أحياناً أن
________________________________________
(2) سير حكمت در أوروبا (مسار الفلسفة في الغرب). ج1، ص84 و 85.
(3) يعتقد لويس هول ان الحقبة المظلمة تمتد من عام 500 إلى 1000 للميلاد. تاريخ وفلسفه علم. ص152.
(4) تاريخ فلسفه غرب. ص175و 176.

[الصفحة - 298]


أحدهم توصل إلى نتيجة علمية لا تنسجم مع التعاليم تلك، فإن عليه أن يعترف بالخطيئة ويتوب عن ذلك ويستغفر.
ج- لم تكن أبحاث العلماء والفلاسفة لتتجاوز ما طرحه القدماء من فلاسفة اليونان، لا سيما وأن آراء أرسطو وأفلاطون كانت هي محور الجدل.
د- انهمك الجدل الكلامي في لون من الموضوعات عديمة الجدوى، ولا تتوافر فيها أي قيمة دينية أو علمية، فطرحوا أسئلة من قبيل: بعد أن جرى قتل المسيح وجرح في أطرافه، ماذا حصل لجراحه بعد أن عاد إلى الحياة ثانية، وهل بقيت على جسده او التأمت واختفت؟ كم كان طول آدم حين هبط من الجنة؟...الخ.
هـ- التعويل بدرجة غير مسوَّغة على المنهج النظري القياسي وإهمال الحقائق العلمية، واعتماد منهج القياس المنطقي في الموضوعات التي لا يمكن معالجتها إلا عن طريق الحس والملاحظة الحسية (5).
ومن مشاهير الفلاسفة في تلك الحقبة، القديس أنسلم (1034-1109م) الذي عدَّ لدى الكاثوليك، من الأولياء واكتسب لقب القديس. قال أنسلم: إنَّ على المرء أن يؤمن بالحقيقة الدينية أولاً كي يحق له أن يتعقلها بعد ذلك. انصبت جهود هذا الحكيم على التوفيق بين العقل والايمان، أي ان منهجه شبيه بمنهج أوغسطين حتى لقّب بـ " أوغسطين الثاني"، ونقلت عنه براهين عن وجود الله منها "البرهان الوجودي" المعروف.
الفيلسوف المسيحي الآخر الذي ظهر في هذه الحقبة، وبات الأكثر شهرة هو توما الأكويني (1225-1274) الذي آمن بآراء أرسطو جملة وتفصيلاً، وفسر في ضوئها المعتقدات المسيحية. يقول برتراند راسل عن ذلك: "إن القديس توما ليس ملفتاً للنظر على المستوى التاريخي وحسب، بل إنه يمتلك سطوة حية كما هي الحال مع أرسطو وأفلاطون وكانت وهيغل، بل إن سطوته تفوق ما أتيح لكانت وهيغل في واقع الأمر. ويتابع توما أرسطو بشكل حرفي في معظم القضايا على نحو جعل من أرسطو لدى الكاثوليك بمثابة واحد من آباء الكنيسة، فأصبح نقد أرسطو في الموضوعات الفلسفية البحتة لوناً من الكفر تقريباً" (6). ومن أهم كتب الأكويني "الخلاصة ضد الكفار" و"خلاصة اللاهوت"، إضافة إلى ما يشيع في كتب الفلسفة من براهين الأكويني الخمسة على وجود الله.
________________________________________
(5) سير حكمت در أوروبا (مسار الفلسفة في الغرب). ج1، ص88-89. تاريخ فلسفه غرب. ج2، ص237-238.
(6) تاريخ فلسفه غرب، ج2، ص267 و 268.

[الصفحة - 299]


يمكن الإشارة كذلك إلى روجر بيكون (1214-1294) بوصفه واحداً من علماء الحقبة تلك، وكان يؤمن بأن البرهان والاستدلال الأرسطيان لا يكفيان في البحث العلمي، فأولى اهمية كبيرة للملاحظة والتجربة، لكنه لم يحظ بمكانة آنذاك بينما استقطب الاهتمام في عصر النهضة وحظي بالثناء. لكن بيكون تعرض إلى معاملة قاسية واتهم بالإلحاد والخروج عن الدين، وبقي مدَّة في باريس خاضعاً للرقابة ومنع من نشر أعماله، كما حكم عليه بالسجن مدة أربعة عشر عاماً لأنه لم يتخلّ عن منهجه، وراح يواجه رجال الكنيسة بنحو متواصل ويمارس نقداً لأفكار السلف. يكنّ بيكون احتراماً وافراً لأرسطو، لكنه يعتقد أيضاً بأنَّه لم يبلغ منتهى الحكمة الإنسانية، وهو ينقل آراء عدد من الفلاسفة والعلماء المسلمين مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي وأبي معشر البلخي وغيرهم.
ومن فلاسفة هذا العصر وعلمائه ويليم الأكامي (توفي عام 1349 أو 1350)، وهو يعد أكبر الفلاسفة في الحقبة الأخيرة من العصور الوسطى بعد توما الأكويني. غير أنه يتقاطع منهجياً مع الأكويني؛ إذ واصل مهاجمة الكنيسة حتى اتهمته بالكفر والهرطقة. لم يكن موقفه من الكنيسة يحمل طابعاً دينياً مجرداً، فهو يثير عدداً من الجوانب السياسية، كذلك وانحاز إلى الامبراطور في المواجهة التي قامت بين السلطة والبابا. وعلى أي حال فإنه طرح مناقشات واسعة في ما يتصل بمقولات الفلسفة واللاهوت، وعملت كتبه على تشجيع البحث العلمي وتحفيزه من خلال إصراه على أن في وسع المرء أن يدرس المنطق والمعرفة البشرية من دون الرجوع إلى ما بعد الطبيعة. وتأثر بمنهج الأكامي عدد من الباحثين منهم نيكولا اورسمي "توفي عام 1382" الذي اخضع نظرية الأفلاك السيارة إلى البحث والدراسة، وطرح النظرية التي تقرر مركزية الأرض وتلك التي تقول بمركزية الشمس، معلناً ان كلاً منهما يسوِّغ المعطيات العلمية المتوافرة آنذاك.
لم يظهر بعد الأكامي فيلسوف كبير في الاتجاه السكولاستيكي، ويبدأ العصر التالي لكبار الفلاسفة في نهاية عصر النهضة (7).
محاكم التفتيش
في النصف الأوَّل من القرن الثالث عشر الميلادي (8)، أمر البابا بتأسيس محكمة تلاحق أولئك المتهمين بالإلحاد والخروج عن الدين. كانت الفظائع التي ارتكبتها هذه المحكمة من
________________________________________
(7) م. ن. ص288-359. سير حكمت در أوروبا (مسار الفلسفة في الغرب). ص98-100.
(8) يرى بعضهم انه تأسس عام 1215، لاحظ: سيماي تمدن غرب (ملامح الحضارة الغربية) مجتبى موسوي لاري. ص28. غير أن راسل يؤرخ لذلك بعد وفاة القديس فرنسيس (1226) بسبعة اعوام أي (1233). لاحظ: تاريخ فلسفه غرب. ج2، ص264.

[الصفحة - 300]


أبشع التجارب التاريخية في الديانة النصرانية، كما أنها أثارت حفيظة المفكرين والعلماء بشدة وعبأتهم ضد الدين والمدافعين عنه (اللاهوتيون). اذ أن هذه المحكمة قامت بمعاقبة مئات المفكرين والعلماء بل الآلاف منهم بأقسى العقوبات، فأحرقت بعضهم أحياء وأعدمت غيرهم بالتنكيل والتعذيب، كما أودعت الآخرين في المعتقلات. ومن المعروف ما تعرض له غاليليو من محاكمة جراء إعلانه نظرية دوران الأرض حول الشمس (9).
مجريات الأحداث
إن للصراع بين الكنيسة والمفكرين والعلماء تاريخاً طويلاً، غير أنه شهد تصعيداً في القرون الوسطى وقبل عصر النهضة. وقد تمكنت سلطة البابا من إقصاء العلماء والمفكرين والتغلب عليهم بفضل ما أتيح لها من نفوذ اقتصادي وسياسي، فضلاً عن السطوة الدينية، وقد كانت في الحقيقة خصماً قوياً لا ينافسه أحد.
تقدَّم أن الصراع هذا لم يكن محصوراً في المواجهة بين سلطة البابا والباحثين الذين أقبلوا على تعاطي العلوم الطبيعية، بل شمل الفلاسفة والمتكلمين الذين راحوا يمارسون التفكير الحر، إذ لم يجر استثناؤهم من تهم الإلحاد والهرطقة وعقوبات الملحدين، إضافة إلى ان دخول فلسفة أرسطو في اللاهوت المسيحي واختلاطهما أديَّا إلى اعتبار من يخالف أراد أرسطو خارجاً عن المعتقد المسيحي أو اتهامه أحياناً بالكفر.
تفيد حصيلة المعطيات هذه أن المواجهة بين الدين (المسيحية) والعلم، في هذه الحقبة، كانت في حقيقة الأمر صراعاً بين سلطة البابا والعلم والفكر، ولا يقتصر ذلك على العلم بمفهومه المعاصر (العلم التجربي)، بل يشمل مطلق التفكير المستقل المتحرر، ولذلك فقد تعرض الفلاسفة والعلماء على حد سواء إلى اضطهاد الكنيسة.
عصر النهضة العلمية
أخذ الضعف يدب إلى سلطة الكنيسة والبابا منذ القرن الرابع عشر، وثمة عوامل كثيرة أدت إلى ذلك، فمن جهة تغيرت موازين السلطة السياسية بين البابا والسلطة السياسية لصالح الحكومة، ومن جهة أخرى، تزايد إقبال الناس على التجارة والبحث العلمي وشاعت بينهم نـزعة الاستقلال والتحرر. إن سلوك رجال الدين المسيحي أدى إلى زعزعة مرجعيتهم
________________________________________
(9) لاحظ، في ما يتصل بذلك: سيماي تمدن غرب (ملامح الحضارة الغربية)، ص28-32.

[الصفحة - 301]


الأخلاقية بسبب ما تفشى بينهم من جشع مادي وانكباب على الدنيا، فقد أثيرت حفيظة الرأي العام جراء المبالغ الكبيرة التي كان رجال الدين يأخذونها من الناس بذريعة صكوك الغفران ونحوها. وطوال القرن الخامس عشر، أسهمت عوامل أخرى في زعزعة سلطة البابا وتجريده من نفوذه وأهميته، الأمر الذي أسهم في خلق التحول السريع على المستويين الثقافي والسياسي. إن اختراع البارود ساعد على تكريس الحكومات المركزية ومدها بالقوة، وقد تحالف لويس الحادي عشر في فرنسا وإدوارد الرابع في بريطانيا مع البرجوازية الثرية للوقوف في وجه النبلاء الذين سعوا إلى خلق الفوضى. كانت الثقافة الجديدة تجد مرجعيتها الأساسية في حضارة ما قبل المسيحية، أي أنها كانت تمجد ثقافة اليونان والرومان بينما تزدري ثقافة القرون الوسطى (10).
هكذا بدأ عصر الثورة العلمية، ويقول ويليم هول: "في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، شاع في ايطاليا أولاً تمجيد لفكر ما قبل المسيحية، ثم سرعان ما انتشر ذلك في أنحاء الغرب. نلاحظ أن دراسة الأعمال والموروث الكلاسيكي كانت تعد أرفع نشاط فكري حتى آونةٍ قريبة. إن حقبة الحماس والغليان شهدت إحياء الأفكار الكلاسيكية، وهي الحقبة التي تبدأ بعد أحداث 1453 للميلاد (أي سقوط القسطنطينية)، وتتزامن مع الكشوفات الجغرافية الكبرى واختراع الطباعة، وهذه الحقبة لا تعد بداية لعصر النهضة بل هي تمثل ذروة هذا العصر.
تتمثل المواصفات الأساسية للنهضة في شيوع رؤية كونية محددة بدرجة منقطعة النظير، وفي رواج العلم الدنيوي الذي لم يكن حكراً على رجال الدين كما أنه لا يقتصر في موضوعاته على القضايا التي تصادق عليها الكنيسة. كان رجال عصر النهضة على استعداد للخوض في مختلف الموضوعات النظرية الإنسانية ابتداء من المثلثات وحتى ما يتصل بالشعوذة، من دون ان يخشوا ما قد يؤدي إليه ذلك من التعاطي مع الشأن الدنيوي. انهم لم يكونوا ليعيروا أهمية لذلك على حد تعبير القديس بولس، وراحوا يفخرون بالإنسان علنياً. في ضوء ذلك لا يمكن اختزال عصر النهضة بحركة علمية أو فنية أو أدبية، ذلك أن الاتجاهات التي أسست النهضة كانت تأخذ بعين الاعتبار مختلف المجالات. إنهم يعدُّون ليوناردو دافنشي (1452-1519) فناناً، غير انه كان ايضاً مهندساً فيزيائياً عالماً بالتشريح وخبيراً عظيماً في الرياضيات. ويذكرون كوبرنيكوس (1473-1543) بوصفه عالماً بالفلك، بيد انه كان متخصصاً في تدريس ست لغات، ويقال: إنه كان متبحراً بنحو أو آخر في الرياضيات والفيزياء والطب والقانون والجغرافيا، إلى جانب الفلسفة والأدب والتاريخ والتراجم، وفقه اللغة والهندسة والرسم وغيرها" (11).
________________________________________
(10) تاريخ فلسفه غرب. ج2، ص314-329.
(11) تاريخ فلسفه وعلم. ص149-150.

[الصفحة - 302]


ويرى ويليم هول، في نص آخر: إن عصر النهضة العلمية يتمثل في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يقول: "تتحدد الملامح الأساسية للنهضة العلمية في العصر الذي بدأ مع كوبرنيكوس وانتهى بنيوتن، أو منذ اواسط القرن السادس عشر حتى نهايات القرن السابع عشر، وقد اكتسبت هذه الحقبة اسم الثورة العلمية" (12).
يرى إيان باربور أن القرن السابع عشر هو الذي شهد ولادة العلم الحديث، ويقول: "إن القرن السابع عشر هو الحقبة التي شهدت ذلك التحول السريع في رؤية الانسان الكونية، بنحو يسوِّغ لنا الحديث عن ولادة علم جديد في قرن تنامى في إطاره النبوغ البشري. كان ثمة منعطفان مهمان في تطور العلم الحديث، أعني استجواب غاليليو (1632) ومبادئ نيوتن (1687). وكلاهما في القرن السابع عشر" (13).
واصل البابا بالطَّبع مواجهة الحركة العلمية خلال هذه الحقبة كذلك، ومن نماذج هذه المواجهة محاكمة غاليليو وإدانته، لكن سطوة الكنيسة لم تكن في عصر غاليليو على نحوٍ يتيح لها الحؤول دون تطور العلم والعودة به إلى الماضي. راح رجال من طراز غاليليو وديكارت يتجنبون كتابة أعمالهم باللغة اللاتينية، فاعتمدوا لغاتهم الأم في ذلك وراجت أفكارهم بسرعة. أمَّا في البلدان البروتستانتية فإن المفكرين اللادينيين كانوا في مأمن من الملاحقة والقمع طالما لم يدخلوا في مواجهة مع الكنيسة.
تمتَّع الناس بحرية اعتناق ما يشاؤون من آراء علمية في بريطانيا وهولندا، ولم يواجهوا أي منع في عصر أليزابث وخلال القرن السابع عشر، وحتى المعوقات التي ربما كانت تظهر أحياناً فإنها ظلت محدودة وقليلة، فقد آمن جماعة من العلماء في عهد أليزابيث بنظرية كوبرنيكوس، ومن أهمهم ويليم غلبريت طبيب أليزابيث ومؤسس علم المغناطيس. لقد ترسخت أفكار كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو تدريجياً وحازت على ترحيب الأعضاء الأوائل في الجمعية الملكية البريطانية في نهايات القرن السابع عشر. وبين هؤلاء العلماء تكونت نظرية الجذب العام، ولعلها أهم مكاسب الثورة العلمية.
وفي السياق نفسه، ظل الفكر الأوروبي خاضعاً لتأثيرات ديكارت العميقة، كما ان الرياضيات راحت تحقق تقدماً بفضل ما تركه ديكارت من أثر عليها" (14).
________________________________________
(12) م. ن. ص155.
(13) علم ودين. ايان باربور. ترجمة بهاء الدين خرمشاهي. ص17.
(14) تاريخ فلسفه وعلم. ص174-175.

[الصفحة - 303]


حركة الاصلاح الديني
تزامناً مع النهضة أو بعدها بقليل، قامت حركة الاصلاح الديني على يد مارتن لوثر المصلح الالماني (1483-1546)؛ الأمر الذي انتهى بتأسيس مذهب البروتستانت في العالم المسيحي ( Proteste تعني الاحتجاج)، رغم ان إراسموس، وهو قسيس فاضل عالم، تحدث قبل ذلك، وفي أواخر القرن الخامس عشر، عن ضرورة الاصلاح الديني في قوانين الكنيسة، بيد أن إصرار لوثر وكفاحه قد جسَّدا ذلك الهدف عملياً.
أدرك لوثر بعد أن بلغ مرتبة قسيس، خلال دراساته المعمقة في العهدين القديم والجديد (التوراة والانجيل)، أن ثمة تبايناً شديداً بين ما وضعته الكنيسة والبابوات من تعاليم، وما تضمنته التوراة والإنجيل، وقد تألم لوثر كثيراً في سفره إلى روما بعد أن شاهد الثروات الطائلة التي يجمعها البابوات. جاء مبعوث من البابا يدعى تتسل إلى ويتنبرغ بألمانيا عام 1517، كي يبيع صكوك الغفران إلى نصارى تلك المنطقة، غير أن لوثر شجب ذلك وراح يهاجمه علناً، ثم عمد مع جماعة من رفاقه بتاريخ 31 تشرين الأول (اكتوبر) إلى كتابة وثيقة تضمنت خمساً وتسعين مادة اكتسبت شهرة في تاريخ الكنيسة، وأدان فيها بنحو تفصيلي بيع صكوك الغفران التي كانت بالنسبة إلى القساوسة مصدراً للدخل والثروة.
تناهى ذلك إلى البابا فأمر بإحضار لوثر إلى روما، لكن الأخير تمرد على ذلك الأمر، ولم ينفذه وقدم إلى المجمع العام شكوى ضد البابا، ثم قام البابا لويس العاشر بتكفير لوثر رسمياً عام 1520، غير ان لوثر أحرق وثيقة التكفير على مرأى من الناس فصدر حكم ارتداده بعد ذلك، إلا أن الغالبية العظمى من السكان في شمال المانيا شجبت حكم الارتداد هذا وأيدت لوثر واتبعته، ثم بات لوثر شهيراً في مختلف أنحاء أوروبا بشكل تدريجي.
لم يزعم لوثر أنه أتى بدين جديد، كما أنه لم يهدف إلى شق الصف المسيحي، بل إنه استهدف تخليص التعاليم النصرانية من الخرافات والعقائد والتقاليد المزيفة ووضع حد لما تمارسه الكنيسة من استغلال للدين. لقد عارض هذا الاتجاه الطقوس المقدسة أجمع باستثناء التعميد والعشاء الرباني اللذين صرح بهما الكتاب المقدس، كما رفض لوثر ما كان سائداً من اعتقاد بعصمة البابا.
ثمة شخصية أخرى أسهمت في تأسيس المذهب البروتستانتي وتعد من قيادات الاصلاح الديني، وهي جون كالفن (1509-1565) الذي تركَّز خلافه الرئيسي مع مارتن لوثر على
________________________________________

[الصفحة - 304]


العلاقة بين الدِّين والسِّياسة، حيث اعتقد لوثر بالفصل بينهما داعياً إلى أن تكون الكنيسة تابعة إلى الحكومة، بينما كان كالفن من أنصار الحكومة الدينية (15). كما لا يتفق كالفن مع لوثر في رفضه لجميع الطقوس المقدسة لدى الكاثوليك (16).
إن واحدة من القيم التي أفرزتها الحركة الاصلاحية تتمثل بالقداسة التي منحتها للنشاط العلمي والممارسة الدنيوية التي تستهدف تحقيق مصالح الدين والناس، حيث عارض الإصلاح الديني الفكرة التي كانت تقرر أن الرهبانية هي الطريق الوحيد للفلاح، وهي ما يحظى بالقداسة وحسب. يقول إيان باربور عن ذلك: أعتقد كل من لوثر وكالفن بأنَّ المرء لا يتقرب إلى الله من خلال اللجوء إلى حياة الرهبنة، وإنما عبر ممارسته لأي عمل شريف ومفيد ينهمك فيه بروحه وقلبه. هذه القداسة التي اكتسبها العمل هي من معطيات واحدة من تعاليم الاصلاح الديني التي تقرر: "رغم ان المرء يحظى بالعفو والغفران بفضل الرحمة الالهية لا بفضل أعماله، غير ان في وسعه ان يلبي نداء الحب الالهي من خلال سعيه في أمور معاشه في هذه الدنيا".
لقد كانت الكالفنية متحمسة أكثر من المذهب اللوثري إلى تحفيز العمل الدنيوي، ذلك أنها آمنت بأن العمل كلما تمتع بقدر أكبر من التنظيم والعقلانية، فإنه سيوجب رضا الله من جهة، وسيؤدي إلى تعزيز مستوى الرفاه العام. على كل مؤمن مسيحي أن يجتهد في تعظيم شأن الله من خلال عمل جيد ومفيد (17).
العلماء والدين في القرن السابع عشر
كان موقف العلماء جميعهم في القرن السابع عشر إيجابياً منحازاً للدين، حيث أقبلوا على الدين الطبيعي، وحاولوا أن يبرهنوا على وجود الله عبر توظيف قوانين الطبيعة ونواميسها العجيبة التي توصلوا إليها في نطاق العلوم الطبيعية.
كان غاليليو كاثوليكياً، ولم يكن يرى أي تعارض بين قناعاته العلمية ومعتقده الديني، وكان يؤمن بأهمية الكتاب المقدس غير أنه يعتقد بأنَّ هذا الكتاب لا يتحدث عن حقائق علمية بل يتناول معطيات معنوية روحية تتصل بالتقوى واستقامة الانسان. وهي حقائق تتفوق على العقل والبرهان، ولا يمكن اكتشافها بوساطة الحس، ولا يمكن أن يتقاطع مصدرا المعرفة هذين، لأن الله هو صاحب كتاب التكوين (الطبيعة)، وهو الذي أوحى كتاب التدوين. يقول غاليليو: إن الطبيعة هي المصدر الوحيد للمعرفة العلمية، كما في وسعها أن تكون مصدراً
________________________________________
(15) علم ودين. ايان باربور. ترجمة بهاء الدين خرمشاهي. هامش ص10. جون ناس. تاريخ جامع اديان. ترجمة علي اصغر حكمت، ص668.
(16) علم ودين. ايان باربور. ترجمة بهاء الدين خرمشاهي. هامش ص10. جون ناس. تاريخ جامع اديان. ترجمة علي اصغر حكمت، ص668.
(17) علم ودين. ايان باربور. ترجمة بهاء الدين خرمشاهي. ص59.

[الصفحة - 305]


لبحوث اللاهوت وطريقاً إلى معرفة الله (18).
كان الكيميائي الانجليزي روبرت بويل (1627-1691) يقول: إن العلم رسالة دينية تتمثل باكتشاف أسرار الخلق البديع الذي أوجده الله.
وكان نيوتن (1642-1727) يعتقد بأن عالم الكون يدلّ على وجود خالق قادر مطلق. وهو يقول في كتاب الضوء: "ما هو مصدر هذا النظام والجمال اللذين نشاهدهما في الكون؟ وكيف أتيح لجسم الكائن الحي كل هذا البناء الذي يعكس الفن والمهارة، بحيث ان كل عضو فيه قد أخذ موقعه بشكل جميل متناسق؟ ترى هل خُلقت العين دون إحاطة بعلم الضوء والمرايا؟... ألا تدل آيات الطبيعة وآثارها على وجود كائن غير مادي يتمتع بالحياة والحكمة؟".
تأسس المجمع الملكي البريطاني عام 1662 على يد مجموعة من العلماء، وكان هذا المجمع يوصي أعضاءه بأن يجعلوا من دراساتهم أداة لتعظيم الله والدلالة على شأنه وتحقيق ما فيه خير الانسان. وكان توماس سبيرت (1653-1713) وهو الذي دوّن تاريخ المجمع الملكي، يعتقد بأن العلم عامل جدير بمساعدة الدين.
رغم أن توماس هوبز (1588-1679) يرى أن العالم حصيلة لاجتماع الذرات وتركيبها بالمصادفة، ورغم ذلك فإن علماء المجمع الملكي كانوا يؤكدون أنهم يتبنون الاتجاه الذري "القائل بأصالة الذرة"، غير انهم ليسوا ماديين، وهم يحاولون بذلك أن يتفادوا اتهامهم باللادينية، أي انهم يقولون بأن الاتجاه الذري لا يؤدِّي بالضرورة إلى الالحاد.
لم يكن لدى هؤلاء العلماء طبعاً تصور واضح عن دور الإرادة الالهية في خلق الكون وتواصله وبقائه. كان بعضهم يرى أن إرادة الله تعني علمه وتخطيطه المسبق، أي ان الله يأخذ مسبقاً بنظر الاعتبار مجموعة من العوامل والأسباب ويجعلها تتطابق بنحو قبلي مسبق مع ما يطرأ على الكون من أحداث في المستقبل، بنحو يتيح الحفاظ على نظام الكون من جهة، ويجسد إرادته عملياً من جهة أخرى. غير ان النظرية الأكثر شيوعاً هي التفسير العام للإرادة الالهية، أي أن الله وضع جميع الأشياء في مسار محدد تتحرك فيه من خلال منهج متناسق، ووضع نظام الكون على نحو يحفظ خلقه وصنيعته، أمَّا حركة الطبيعة التي جرى وضعها في مسار محدد، فهي تتبع قوانين ثابتة وتتحرك الأسباب المادية في ضوء ما تقتضيه طبيعتها وضروراتها. وفي ضوء ذلك يجري تقليص الدور الذي يؤدِّيه الله حالياً ويقتصر على صيانة النظام الكوني،
________________________________________
(18) م. ن. ص35-36.

[الصفحة - 306]


ويكون العالم بمثابة ساعة قام الله بتوقيتها مسبقاً ثم تركها تعمل. من الواضح أن تفسيراً كهذا لا ينسجم مع الإيمان بأن إرادة الله تتدخل على الدوام في حوادث العالم (19).
العلم والدين في القرن الثامن عشر
أطلق الباحثون على القرن الثامن عشر اسم "عصر العقل"، وسميت الحركة الفكرية التي شهدها بـحركة التنوير. والسمة التي تميز رواد التنوير هي مذهب العقل (او دين العقلانية)، ما يمكن ان نتتبع، في ثلاث مراحل، تطوره وتنامي نفوذه وأفوله.
في المرحلة الأولى، كان الباحثون يعدون مذهب العقل ودين الوحي منهجين متبادلين يؤدي كل منهما إلى حقائق اساسية، وتتضمن النواة المشتركة لتلك الحقائق ثلاثة مفاهيم رئيسية هي: الله، والفعل الاخلاقي، وخلود الروح. صدر كتاب "المسيحية دين قديم بقدم العالم" عام 1730 للاهوتي ماثيوتيندل (1657-1733)، وهو من الاتجاه الديني الطبيعي (20) وجاء فيه: "إن الكتاب المقدس يعيد قراءة هذه المفاهيم والمسلّمات العامة نفسها، لا انه مجرد وحي". لقد شاع كثيراً في تلك الحقبة الحديث عن الخالق والبراهين التي تطرح لإثبات وجود الله، وقد ألّف عالِم النبات جون ري (1627-170" كتاباً تحت عنوان: "حكمة الخالق" تناول فيه آيات الخلق وسلَّط الضوء على الإتقان والكمال في خلق النباتات والكائنات الحية، حتى بات كتابه مرجعاً مهماً آنذاك.
وفي المرحلة الثانية، شاع بنحو اكبر الدين الطبيعي ( Deist )، وراح يعد بديلاً للوحي، فلم يكن ثمة ادنى شك في مؤهلات العقل وقدراته؛ الأمر الذي أدى إلى منح الكتاب المقدس دوراً ثانوياً تابعاً للعقل. وهكذا أخذ اللاهوت القائم على الوحي موقف الدفاع، وأخذ أتباع الدين الطبيعي يهاجمون الكنيسة وهيمنتها، فأصبحت المسيحية التقليدية تعدّ عدواً لمذهب العقل. وبشكل متزايد، تعرضت المعجزات إلى نقد حاد يساويها بالخرافة، وطال التشكيك والطعن المعتقدات والطقوس الدينية بذريعة أنها لا تنسجم مع روح العصر الجديد. لقد جرى كبح جماح هذا الهجوم في بريطانيا بينما ظلت الهجمة تحتد وتتصاعد في فرنسا لتحمل طابعاً عدائياً. نجد أن الكاتب والمؤرخ الفرنسي فولتير (1696-1778) الذي يمثل واحداً من أهم رموز حركة التنوير، وظف جميع طاقاته للهجوم على المسيحية، رغم انه ظل حتى آخر حياته مؤمناً بالله على طريقة الدين الطبيعي. وأصدر الكاتب الامريكي والخبير في الشؤون السياسية توماس
________________________________________
(19) م. ن. ص35-52. بتصرف.
(20) م. ن. ص35-52. بتصرف.

[الصفحة - 307]


بين (1737-1809) كتاباً حمل عنوان: "عصر العقل" ألقى فيه الضوء على المفارقات التي عثر عليها في الكتاب المقدس، وأعرب عن سروره لما حققه العقل من انتصار على الخرافات، غير انه دافع في الوقت نفسه عن الله والقضايا الاخلاقية.
اما المرحلة الثالثة، فقد اكتسبت طابعاً تشكيكياً إلحادياً، فجرى رفض الدين بمختلف انماطه (ما كان قائماً على الوحي، وما استند إلى العقل)، كما هي الحال مع هولباخ الالماني (1723-1789) الذي انكر الله وحرية الانسان وخلود الروح، واعتقد بأن المادة قائمة بذاتها، وكان يقول: إن الطبيعة هي الكائن الوحيد الذي يستحق العبادة. أمَّا الفيلسوف المادي الفرنسي ديدرو (1713-1784)، وهو من رموز عصر التنوير، فقد كان مسوِّغه في معاداة الكنيسة هو اتجاهها المحافظ اجتماعياً، والذي كان يعدّه خصماً لمختلف مستويات التقدمية والحرية.
إن الانجليزي ديفيد هيوم (1711-1776) واحد من ممثلي اتجاه الشك في ذلك العصر، وهو يرفض تعويل حركة التنوير على مؤهلات العقل في مختلف مجالات الفكر، ويشكك في امكانية البرهان العقلي في مجال اكتشاف قوانين الطبيعة. كان يرى أن العلم لا يؤدي أبداً إلى الايمان بآصرة حتمية مطلقة بين الأشياء والأسباب والمسببات، وليس هنالك أكثر من أن نتوقع تعاقباً واقتراناً بين العلل والمعلولات وتداعياً في المعاني وحسب. وهكذا فإن العلية أو السببية ليست سوى عادة ذهنية تتمثل بتوقع التقارن بين الاشياء، وبالتالي فإن البرهان على وجود الخالق بوصفه العلة الاولى، يفقد أساسه المنطقي. وفي ضوء ذلك، فإن أي علة نأخذها بعين الاعتبار هي بدروها معلول لعلة أخرى، وبذلك فإن القول بوجود سلسلة ومجموعة غير متناهية من الحوادث، هو أمر أكثر منطقية من الإيمان بوجود علة أولى ضرورية بذاتها ولا تكون معلولة لغيرها. كما انتقد هيوم برهان النظم وإتقان الصنع، وكحصيلة نهائية من مجمل تصوراته، نستنتج ان هيوم يتخذ موقفاً شكاكاً لاأدرياً ( Agnostic ) حيال موضوع الخالق، فيرى أنَّه من الأفضل أن لا نصدر حكماً حيال هذه القضية، اذ ليس في وسعنا وضع برهان منطقي على وجود الله، كما ليس في وسعنا التدليل على عدم وجوده منطقياً.
لا بد من الانتباه، في السياق هذا، إلى أن موقف هيوم يتأسس على نظريته في المعرفة التي تقول بمحورية الحس والتجربة وأصالتهما، وأنه لا يؤمن بأي لون من المعرفة العقلية المسبقة أو القبلية، باستثناء مفاهيم الرياضيات وأحكامها. كما انه لا يرى في مبدأ السببية أو العلية سوى ظاهرة ذهنية لا علاقة لها بحقائق الكون.
________________________________________

[الصفحة - 308]


وعلى هذا الأساس، فإن نقد نظرية هيوم لا بد من أن يسبقه نقد لموقفه الابستمولوجي، ما يخرج عن هدف دراستنا هذه.
الفيلسوف الالماني الشهير عمانوئيل كانط (1724-1804) هو الشخصية الأخرى التي عارضت الدين الطبيعي، غير ان ذلك لم يؤد به إلى السفسطة أو الإلحاد. بل إن كانط جعل التجربة الاخلاقية أساساً رصيناً للإلهيات معترفاً بعجز العقل في هذا المجال. يعتقد كانط ان الدين يبدأ من شعور الانسان بالإلزام الاخلاقي لا في مستوى القضايا النظرية في الميتافيزيقيا، وهو يمضي قدماً في ذلك حتى أنه يرى ان الله يمثل مبدأً ثابتاً في النظام الاخلاقي، كما ان المعتقد الديني هو في حقيقته ثوابت يوجبها وعينا بالإلزام الاخلاقي. وحين يقوم عملنا على رغبة في انجاز الواجب فذلك ما يدعم بشكل غير مباشر ايماننا بأن الكون نظام أخلاقي، أمَّا وجود قوانين الأخلاق فيعني ان ثمة مشرعاً قانونياً هو مصدر تلك القوانين والضمانة لتطبيقها. كما ان الممارسة الاخلاقية تتطلب وجود لون من التوافق بين الفضيلة وحسن العاقبة، وهو ما يرشدنا بالطبع إلى موجود يرسي العدل من خلال ضمانه لثواب عادل في الحياة الآخرة جزاء للفضيلة.
يقول كانط: إن التجربة الأخلاقية تسوِّغ فكرة وجود الله، غير أنها لا تؤسس مرتكزاً لسوى ذلك من مزاعم المعرفة الدينية أو الفكر الديني. غالباً ما يكون اليقين بوجود الله أمراً عملياً أكثر منه نظرياً، فلا بد لنا من ان نعمل مفترضين صحة المعتقدات تلك حتى لو عجزنا عن إثباتها نظرياً. ان كانط لا يحسن الظن بالميتافيزيقيا، كما هي الحال مع هيوم وسائر الاتجاه التجربي، وهو يحاول أن يتجنب الاقتراب من القضايا ذات الصلة بالحقيقة والأمر نفسه والأشياء في حد ذاتها، ويصر على تحديد دور العقل النظري في دائرة تفسير الظواهر الحسية.
وهكذا، فإن فلسفة كانط تمثل إجابة حيال العلم والدين تمتعت بتعقيد معرفي جعلها أوسع من الاجابة التي سبق أن قدمها الدين الطبيعي. يقول في إحدى كلماته المعمقة: "ثمة أمران كلما تأمل المرء فيهما أكثر امتلأ قلبه بالمزيد من الاعجاب... السماء التي تزخر بالنجوم في الخارج، والقانون الاخلاقي في الباطن". كما ان كانط يكن احتراماً جماً للعلم النيوتني، ويصر على ضرورة ان تتقيد المزاعم المعرفية بالعلاقات بين الظواهر الطبيعية ما يقوم على التجربة. ويولي كانط أهمية كبيرة للنوايا في العمل الأخلاقي والحسن والقبيح والخطيئة والعمل الصحيح وتمييز الحق من الباطل. وحيث أنه ابن عصر العقلانية فإنه كان يفسر الاخلاق في اطار المبادئ العقلية العامة، وهو يرى ان كلاً من نظام الطبيعة ونظام الاخلاق، يتمتع بالعقلانية غير ان هنالك تبايناً في مجالاتهما.
________________________________________

[الصفحة - 309]


ومن خلال ذلك، قام كانط ثانية بالتوفيق بين العلم والدين بشكل مؤقت. فلكل منهما مجاله ودوره بنحو لا يدفعه إلى مواجهة الآخر أو التقاطع معه. وفي دائرة الظواهر ليس ثمة ما ينافس العلم، إذ إن العقائد الدينية ليس من شأنها توسيع نطاق التفسيرات العلمية، بل يتمثل دورها في منح الجانب الأخلاقي من الانسان المزيد من الوضوح والرسوخ عبر إقامة آصرة تجمعها بالحقيقة النهائية(21).
العلم والدين في القرن التاسع عشر
اكتسبت علاقة العلم والدين في هذا القرن طابعاً صدامياً متوتراً بالدرجة الأولى، رغم أن عدداً من العلماء حاولوا التدليل على الانسجام بينهما. يمكن إيجاز المحاور الرئيسة لذلك التعارض كما يأتي:
أولاً: النقد التاريخي. ظهر منهج فاعل في النقد التاريخي وتكاملت طريقة جديدة في كتابة التاريخ؛ الأمر الذي أدى وبنحو أسرع من العوامل الاخرى، إلى إثارة السجال بين العلم والدين. فقد صدرت أعمال ضخمة للباحث الالماني ديفيد شتراوس والفيلسوف الفرنسي ارنست رينان، اعتمدت معطيات التحول العلمي في العصر الجديد، وتناولت سيرة السيد المسيح بالنقاش والتحليل. كما ان الدراسات التي أجريت على النصَّين: الأدبي والتاريخي في الكتاب المقدس دلَّت على أن نسخ الكتاب المقدس لم تدون من قبل كاتب واحد بل أنتجتها مجموعة من المؤلفين طوال قرون متعددة. وقد أثارت هذه الابحاث العلمية جدلاً واسعاً بين التيارين العلمي والديني، وأدت إلى انقسام العالم البروتستانتي إلى اتجاهين متباينين سمي الأول في ما بعد بالحركة الاساسية (22) ؛ حيث يرفض أتباعها أي لون من النقد للكتب المقدسة معتقدين بحرمة ذلك. أمَّا الاتجاه الآخر فاكتسب اسم "التجديديون"، وهو اتجاه يؤمن بمشروعية نقد الكتاب المقدس وخضوعه للبحث والدراسة.
ثانياً: النظرية الجديدة في الجيولوجيا (يونيفورمسم). كان صدور كتاب: "مبادئ الجيولوجيا" عام 1830 لـ "تشارلز لايل" (23) بداية لمرحلة جديدة في هذا العلم، وحتى ذلك الوقت كانت النظريات السائدة في الجيولوجيا تقوم على منهج الـ "كاتاستروفسم" (24) أي الايمان بمجموعة من الكوارث والويلات العظيمة (كان آخرها طوفان نوح) خلق الله في المراحل الزمنية الفاصلة بينها أنواعاً جديدة من الكائنات. وتشبه هذه الفرضية ما جاء في سفر
________________________________________
(21) م. ن. الفصل 3، خداوند وطبيعت در قرن هشدهم (الله والطبيعة في القرن الثامن عشر). جون ناس. تاريخ جامع اديان. ترجمة علي اصغر حكمت، ص693.
(22) م. ن. الفصل 3، خداوند وطبيعت در قرن هشدهم (الله والطبيعة في القرن الثامن عشر). جون ناس. تاريخ جامع اديان. ترجمة علي اصغر حكمت، ص693.
(23) الجيولوجي الانجليزي Charles Lyell (1797-1875).
(24) م. ن. الفصل 3، خداوند وطبيعت در قرن هشدهم (الله والطبيعة في القرن الثامن عشر). جون ناس. تاريخ جامع اديان. ترجمة علي اصغر حكمت، ص693.

[الصفحة - 310]


التكوين عن الموضوع، كما أنها كانت تنسجم مع التباين القائم بين النماذج الأحفورية التي عثر عليها في طبقات متجاورة من كتلة صخرية واحدة.
لقد نجح جورج كوفييه (25) حتى عام 1801 في فصل الأحافير واستخراج عظام لثلاثة وعشرين نوعاً من الكائنات المنقرضة وترميمها، وكان يعتقد بأنّ هذه الكائنات ظهرت في عملية الخلق في ظل التغيرات الكونية الكبرى التي لا تشبه التحولات المعاصرة في العالم.
غير أن نظرية لايل تفترض ان تاريخ ظهور الكرة الارضية يتحدد في ضوء قانون التطور التدريجي، كما ان القوانين المنتظمة التي نراها اليوم في الطبيعة هي نواميس قديمة كانت في الماضي ايضاً. إن الوصف الذي قدمه لايل للمراحل الزمنية الطويلة والبطيئة في الطبيعة، حظي بتقدير دارون وترك أثراً بنّاءً على افكاره.
ثالثاً: نظرية الاصطفاء الطبيعي (التطور البيولوجي). طرأ التصعيد الأكثر حدة على المواجهة القائمة بين العلم والدين بعد إعلان دارون عن نظرية الاصطفاء الطبيعي (26)، وتتكون نظريته هذه من التوفيق بين عدة مفاهيم كما يأتي:
أ- التغيرات الفجائية: عثر دارون على الكثير من الأدلة التي تقر أن ثمة تغيرات صغيرة قد طرأت على أفراد النوع الواحد، ويبدو انها تلقائية قابلة لأن تتوارث، وهي تغييرات لم يكن سببها واضحاً.
ب- الصراع من أجل البقاء: نلاحظ بشكل عام ان عدد الكائنات الحية يظل أكثر مقارنة بمعدل تلك التي في وسعها بلوغ مرحلة التكاثر (27). ثم ان بعض التغييرات الحاصلة في إطار الصراع الشديد على البقاء بين افراد نوع واحد أو بين انواع متعددة، تؤدي إلى توفير مزايا غير محسوسة.
ج- بقاء الأصلح: إن الافراد الذين يحظون بتلك المزايا يعيشون أكثر من معدل الاعمار العام، ويتمكنون من التكاثر بنحو اوفر فيتزايدون بسرعة اكبر. وعلى الأمد البعيد ينتهي ذلك إلى اصطفاء طبيعي لتلك المتغيرات، يؤدي في موازاة ذلك إلى تقلص المتغيرات التي لم تعد مناسبة وزوالها في ما بعد نهائياً، ثم يتواصل ذلك حتى يطرأ تحول تدريجي في النوع نفسه.
لقد تجنب دارون أن يذكر الانسان في كتابه الأول أصل الانواع (1859)، غير انه وبعد عقد من ذلك تقريباً، أنجز دراسة موسعة عن نشوء الانسان (أصل الانسان) 1871، وحاول
________________________________________
(25) عالم الفيزياء الفرنسي Georges Cuvier (1769 - 1832).
(26) Charles Robert Darwin عالم الطبيعة الانجليزي. (1809-1828).
(27) Charles Robert Darwin عالم الطبيعة الانجليزي. (1809-1828).

[الصفحة - 311]


أن يثبت أنه من الممكن تقديم تفسير لمختلف الخصائص التي تميز الانسان، على أساس التطور والتكامل التدريجي للأصلح والذي أدى إلى بلورة الأنموذج الانساني في سياق الاصطفاء الطبيعي. وكان يصر على ان أخلاق الانسان وسماته النفسية لا تختلف جوهرياً عما تمتلكه الحيوانات من قوى النفس، بل الاختلاف في مستويات ذلك وشدته وضعفه، إذ ان الحيوانات تتمتع ايضاً بمستوى ضئيل من الشعور والعاطفة والتفاهم. وعلى هذا الأساس، جرى ضم الانسان إلى دائرة قوانين الطبيعة بعد ان كان حتى ذلك الوقت يعد كياناً مقدساً، فخضع إلى معالجات وتقييمات وظفت فيها تلك المقولات والمقاييس التي كانت تستخدم في ما يتصل بمختلف الكائنات الحية.
نظرية التطور: التبعات الكلامية
أثارت نظرية التطور تعارضاً بين العلم والدين في مستويات كثيرة، وهي كما يأتي:
1. التعارض مع الشكل السائد من برهان النظم وإتقان الصنع، لأنه بات ضعيفاً للغاية لا يمكنه الصمود أمام النقد. ذلك ان شكل البرهان هذا يستند على اتساق البنية والاعضاء في أجسام الكائنات الحية مع وظائفها العضوية. غير أن ذلك الاتساق أصبح قابلاً للتفسير في ضوء الاصطفاء الطبيعي، من دون أن يحتاج إلى القول بوجود تخطيط مسبق. ان الاتساق ليس علة في ذلك الاطار بل هو معلول تابع إلى عملية لا واعية.
2. التعارض مع كون الانسان أشرف المخلوقات، طبقاً لما يقرره التصور الديني من امتلاك الانسان صفات تجعل له الأفضلية مقارنة بباقي الموجودات والانواع الحيوانية، الأمر الذي صنع منه كائناً مسؤولاً يحمل أعباء الواجب الديني. وذلك ما يتصل ايضاً بما أتيح للانسان من عقل ونفس خالدة تمثل تجلياً للروح الالهية.
ولكن يبدو أن نظرية التطور خرقت هذه المكانة الفضلى، وفي الواقع فإن دارون وأتباعه لا يعتقدون بأهمية الاختلافات القائمة بين مواصفات الانسان والحيوان، فالأقوام البدائية وفق الوصف الذي يقدمه دارون لها، تمثل الحلقة المفقودة بين الانسان والحيوان. زعم توماس هاكسلي (28) انه لا يوجد سوى فرق بسيط بين الانسان والأصناف العليا من القرود، اقل من الفرق بين أصناف القرود العليا وأدناها.
3. التعارض مع قيم الاخلاق، حيث ظهر ما يدعى "الدارونية الاجتماعية" نتيجة للتلفيق
________________________________________
(28) عالم الاحياء الانجليزي Thomas Henry Huxley 1825-1895.

[الصفحة - 312]


بين آراء البيولوجيا والنظريات السياسية. حاول هربرت سبنسر (29) ان يوظف الصراع التطوري حسب التصوير الذي قدمه دارون، ليبلور من خلاله مسوِّغاً لزعمه بأن التنافس الاقتصادي يحقق الازدهار والرفاهية الإنسانية في ما لو تجرد عن تقاليد المحبة والعواطف، وظل بقاء الأصلح منوطاً بتطور المجتمع، كما ان ذلك يمنح التنافس بين الاقوام والصراع بين الاعراق قيمة تاريخية، لأن هذا يؤدي إلى إقصاء الأقوام أو الانواع الاقل صلاحية أو الاقل كفاءة، بوساطة الاقوياء أو الأكثر صلاحية، وهو يعمل ايضاً على اجتثاث المستويات الدنيا ايضاً. لقد جعل سبنسر من البقاء أساساً للتقدم، غير انه لم يكن يمتلك مبدأً مقنعاً لرفض استخدام السلاح من أجل إثبات صلاحية أمة معينة في ميدان الحرب.
تبرز قضية العلاقة بين تقاليد الاخلاق والتطور، حين يكون اختيار الانسان الحر والواعي أساساً لتطوره المستقبلي. يعتقد دارون في بعض كتبه بأن جميع ما يقوم به الانسان يمثل تجلياً للاصطفاء الطبيعي، ولو رسخ التقدم في اتجاه تكاملي فلا يمكن لأي موقف انساني ان يوقفه. وفي بعض كتبه الأخرى يدفع الانسان إلى ان يتبنى بوعي تلك المعطيات التي تستلهم من مختلف الكائنات في عالم الطبيعة، وهو يقول محذراً: ان مستقبل التقدم سيتراجع فيما لو جرت مراعاة العواطف من قبيل تلك التي تدافع عن الضعفاء والعاجزين كالمرضى والمعاقين. فلا بد من ان يكون ثمة تنافس حر بين الجميع، ولا ينبغي للقانون أو التقاليد والآداب ان تمنع الافراد الأكثر قوة وصلاحية من تحقيق افضل النتائج وأكثرها.
4.التعارض مع الكتاب المقدس، حيث ان مماشاة نظرية التطور والتوافق معها لم يكن ممكناً أبداً في تصور الاتجاه النصوصي الذي يتمسك بظواهر نصوص الكتاب المقدس. ونجد ان سفر التكوين "الكتاب الاول من العهد القديم، كتاب الخلق" يقرر أن خلق الأنواع تم مباشرة من دون تدرج وتمخض مرة واحدة عن الأنواع الموجودة حالياً، وهذا ما يتقاطع بوضوح مع نظرية تطور الانواع الدارونية.
ردود الأفعال العلمية والكلامية
أثارت نظرية التطور ومعطياتها الكلامية، ردود أفعال من قبل العلماء من جهة ورجال اللاهوت الديني من جهة اخرى. ونستعرض ذلك في ما يأتي بإيجاز:
أ- رأى بعض الباحثين، في ما يتصل بالمستوى الاول من التعارض بين العلم والدين، أن
________________________________________
(29) الفيلسوف الانجليزي Herbert Spencer 1820-1903.

[الصفحة - 313]


التعارض لم يكن بين نظرية التكامل وبرهان النظم وإتقان الصنع، وإنما تتعارض النظرية مع التصوير السائد أو الشكل الشائع من ذلك البرهان. حيث ان الجدل لم يتناول طبيعة العلية والسببية الالهية، سواء في الانماط السائدة من البرهان هذا كما طرحه ويليم بيلي مثلاً (30)، أم في الردود التي طرحت على البرهان من قبل دارون ومعاصريه، بل غالباً ما جرى افتراض الفعل الالهي بنحو مبسط وبمثابة ما يفعله شخص تقني أو معمار أو بنّاء، الأمر الذي جعل في وسع نظرية التطور ان ترفض هذا التمثيل أو التصوير الساذج، وتعدّه أمراً يفتقد الاساس المنطقي ولا يمكن الدفاع عنه.
طرح بعضهم خياراً للتخلص من ذلك المحذور، وهو توسيع مفهوم الخلق والتدبير، فبدلاً من ان يكون موضوع الخلق عضواً حيّاً محدَّداً، يمكن ان يتمثل ذلك بمسار التطور بأسره.
يرى ايزا غراي (31) عالم النبات في هارفرد والخبير في شرح التصورات العلمية لعامة الأمريكان، ان في وسعنا تكوين فهم افضل لتاريخ الطبيعة العام من خلال الإيمان بوجود هدف وغاية في هذا الاطار، رغم ان ثمة صراعاً في عالم الطبيعة. ان الخلق التطوري ينطوي بمجمله على مخطط وتدبير مسبقين، وهو يتجه نحو مسار ينبثق عنه الوعي والفطرة الأخلاقية. ولا يمكن تفسير هذين الأمرين في ظل القول بالمصادفة. كان غراي يؤيد الفكرة التي تقرر ان الله يمارس الخلق عبر أسلوب التكامل والتطور، وهو ينفذ مخططاً يتسع بنحو تدريجي.
كما ذكر دارون أن قوانين الطبيعة لا تتقاطع مع الإيمان بالله بوصفه العلة الأولى، حتى انه تحدث عن القوانين الطبيعية بوصفها وسائط ثانوية يمارس الله الخلق من خلالها، واقترب من الرأي القائل: إن العلماء يمارسون أبحاثهم في اطار العلل والتوسطات الثانوية، وهم عاجزون عن التساؤل عن السر في نواميس الطبيعة والسبب الذي يقف وراء حركة الطبيعة وفق تلك القوانين.
يقول ايزا غراي الخبير في علم الاعراق (اثنوغرافيا): "لم يرفض دارون برهان النظم وإتقان الصنع، بل إنه رفض واحداً من أشكاله (الذي يعتمد على التمثيل بالساعة وصانع الساعات)... لقد وجه دارون ضربته الأقوى إلى أبسط أشكال هذا البرهان وأكثرها سذاجة. ولكن وكما أدرك هاكسلي نفسه في نهاية الامر، لا يزال في وسع المرء أن يبلور أدلة تثبت ان ثمة هدفاً وغاية تتحرك نحوهما الحياة (32).
ب- في ما يتعلق بكون الانسان أشرف المخلوقات.
________________________________________
(30) اللاهوتي والفيلسوف الانجليزي William Paley 1743-1805.
(31) ِAsa Gray 1810-1888.
(32) لورن آيسلي، قرن دارون. ترجمة محمود بهزاد. 1339.

[الصفحة - 314]


أولاً- كان ثمة علماء أحياء آخرون أولوا اهتماماً اكبر بالميزات الإنسانية، ونلاحظ ان ألفرد والس(33) الذي طرح مبدأ الاصطفاء الطبيعي بشكل مستقل عن دارون، أدرك ان ظهور الدماغ الانساني قد غير ماهية التطور بنحو كامل، اذ ان الفارق بين عقل الانسان والقرد اكبر بكثير ممَّا تصوره دارون، ولا يمكن حتى للأقوام البدائية ان تمثل حلقة وصل تملأ تلك الفجوة لأنها تتمتع بقوى متطورة بمستوى ما يتاح للأقوام المتحضرة. ولئن كان دارون لا يجد تبايناً كبيراً بين لغة الانسان وتبادل الاشارات لدى الحيوانات، فإن والس يرى على العكس من ذلك أن ثمة تبايناً كاملاً بين الأمرين وأن اللغة هي عملية فهم وتفهيم تقوم على أسلوب الكناية.
كان والس يعتقد بأنَّه من الممكن للاصطفاء الطبيعي وحسب أن يزود الانسان البدائي بدماغ لا يتفوق كثيراً على دماغ القرد. بينما نجد ان انساناً كهذا يمتلك دماغاً أقل تطوراً بقليل من دماغ فيلسوف، وكيف لنا ان نفسر مواهب الانسان الفنية والاخلاقية لو لم يكن لها أي نصيب من البقاء؟ ان وجود مواهب كامنة كهذه يعبِّر، في مرحلة ما قبل الحاجة إلى استثمارها، عن ان ثمة عقلاً وحكمة أكثر تطوراً يعملان على توجيه المسار التكاملي للنوع الانساني. هنالك ما يدعم نظرية والس بين الآراء الأحدث المقدمة في هذا المجال، في ما يتصل بالفرضية التي تقرر ان المسار التطوري للانسان قد مر بمستويات متباينة، الأمر الذي لا يمكن ان ينسجم مع الاطار الداروني بمضمونه البيولوجي المحض.
ثانياً: ليس هناك ما يقدح في كون الانسان أشرف المخلوقات حتى على تقدير أن تصيب نظرية تطور الأنواع وتكون صحيحة. لكن كلاًّ من أنصار هذ النظرية ومعارضيها قد وقعوا في سوء فهم حين تعاملوا مع الأمر مفترضين ان مرحلة تقدمت على اكتساب الانسان لإنسانيته، تدل على ان الانسان الحالي ليس انساناً بالكامل. وهذا لون من التراجعية (محورية التحول والتغير، الإسراف في التحليل) الجينية أو الزمنية، التي تحاول تحديد اهمية الشيء في أكثر اشكاله بدائية. انه تصور فلسفي ينال من مكانة الانسان وقداسته، إضافة إلى انه يفتقد مسوِّغاته واثباتاته، بمعنى انه ليس نتيجة تمخضت عن المعطيات المتوافرة.
ج- كان المستوى الثالث للتعارض يقوم على فهم خاطئ لنظرية التطور، وبكلمة أخرى فهو حصيلة لعدم التمييز بين الأصلح في كلٍّ من الطبيعة والاخلاق. حيث ان البيولوجيا لا تمارس تقييماً اخلاقياً في حديثها عن بقاء الاصلح، وإنما تأخذ بنظر الاعتبار هنا التماسك البدني وحسب. وذلك وفق ما صرح به هاكسلي حين قال: إنّ القضايا الاخلاقية لا يمكن انتقاؤها
________________________________________
(33) عالم الطبيعة الانجليزي Alfred Russel Wallace 1823-1913.

[الصفحة - 315]


على أساس المسار التطوري. فالمقاييس المناسبة لشريعة الانسان ومنهجه لا يمكن استنتاجها ببساطة من الاصطفاء الطبيعي، أو عبر استنساخ شريعة الغاب. لا بد من أن ندرك تماماً ان الرقي الاخلاقي للمجتمع لا يتقرر على أساس التأسي بمسار الوجود العام أو بتجاوزه في مستوى أدنى من ذلك، بل إنه يتحدد في ظل مواجهة ذلك المسار ومقاومته.
إن إنجاز ما هو الأفضل اخلاقياً، أي ذلك الذي نسميه فضيلة أو حسناً، يتطلب اعتماد سلوك يكون في مختلف أبعاده مختلفاً عما يؤدي إلى تحقيق الغلبة والتفوق في نطاق الصراع من اجل البقاء، فبدلاً من الانانية لا بد للمرء من كبح جماح النفس، وبدلاً عن إقصاء الخصم أو تجاهله وسحقه لا بد للانسان من أن يمد يد العون لبني جنسه لا أن يحفظ لهم حرمتهم وحسب.
د- أمَّا في ما يتصل بتعارض نظرية التطور مع نصوص الكتاب المقدس، فإن ثمة ردود أفعال متنوعة نلاحظها لدى اللاهوتيين النصارى، ونستعرض جانباً منها في ما يأتي:
الاتجاه التقليدي البروتستانتي
رفض الاتجاه المحافظ في البروتستانتية بشكل قاطع تفهم فكرة التطور أو الأبحاث النقدية ذات الصلة بالكتاب المقدس. وكان من الرّافضين شخصيات رياديّة، منها: الامريكي تشارلز هوتش من جامعة برنستون، الذي يرفض تطور النوع الانساني لا على أساس عصمة الكتاب المقدس بل في ضوء التصور الذي يحمله الكتاب المقدس وأهل الكتاب عن الطبيعة والانسان. ورغم أنه يؤمن بأن كثيراً من التحولات قد طرأت على الحيوانات في مسار تكونها، بيد أنه يمتلك عقيدة راسخة بأن الانسان لا يمثل نمطاً متطوراً من القرود. كما انه يرى ان الاصطفاء الطبيعي يتضمن رفض التدخل الالهي في العالم وتواصل التدبير السماوي للكون. وأخيراً فإن هوتش يرى أنَّ الدارونية تساوي الالحاد.
إلا ان ثمة بروتستانتيِّين آخرين راحوا يوفقون بنحو معين بين اللاهوت الرسمي-التقليدي "الأرثوذكسي" ونظرية التطور. كان جيمس مكوش (34) رئيس جامعة برنستون يقول: إن الله اعتمد المخطط الأولي للحركة التطورية، وليس ذلك فحسب، بل إنه واصل عمله بعد ذلك أيضاً، عبر ما يبدو لنا انه تحولات تلقائية. فالتطور اسلوب تجلت من خلاله إرادة الله الخلاقة في التاريخ. غير ان مكوش يرى في ما يتعلق بأصل الانسان ان علينا ان نؤمن بأن الانسان قد
________________________________________
(34) الفيلسوف والمعلم الاسكتلندي James Mccosh 1811-1849.

[الصفحة - 316]


حظي برعاية ربانية خاصة، لو شئنا ان نقدم تفسيراً لما يتمتع به الانسان من ميزات روحية لا نظير لها. كانت تصوراته عن الانسان والله والسيد المسيح قريبة جداً من الموروث المسيحي، غير أنه كان يحث الكنيسة على ان تعترف بالمؤشرات التي تدعم نظرية التطور.
الاتجاه التقليدي الكاثوليكي
تبدَّى رد الفعل الأول لروما (الكنيسة الكاثوليكية) عبر رفض شديد لنظرية التطور، فقد أدان مجلس الفاتيكان (1870) وما تلاه من اجتماعات، مختلف الاتجاهات الحديثة في الابحاث ذات الصلة بالكتاب المقدس، ولا سيما حركة التجديد بين المثقفين الكاثوليك، عام 1907. ولكن تمكنت الابحاث التي تدور عن الكتاب المقدس تدريجياً، من ان تنتـزع من روما رأياً أكثر مرونة. ورغم ان اللجنة البابوية للكتاب المقدس كانت أوصت عام 1902 بأن يجري تذكير الجميع وتوعيتهم بالأصالة والأهمية اللتين تتسم بهما الكتب الخمسة الاولى من أسفار الكتاب المقدس، إلا اننا نجد عام 1948 ان ثمة تشجيعاً على إعادة النظر في مضامين الكتاب المقدس، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل قيل: إنّ الأحكام التي تضمنها كل سِفر من الكتب الخمسة تلك هي حصيلة مسار تطوري طويل بما يتناسب والأوضاع والظروف المتغيرة.
رأى بعض المفسرين الكاثوليك أن أيام الخلق الستة تمثل تعبيراً كنائياً رمزياً، وفسرها بعضهم بأنها ترمز إلى العصور الجيولوجية. آمن آخرون بأن أصول العقيدة التي تتضمن التعاليم الأساسية والرسمية في (سِفر التكوين) لا بد من ان يجري تمييزها عن الآراء والمعتقدات غير الأساسية وغير الرسمية أي الأقوال الثانوية التي ربما تضمنت قناعات علمية خاطئة اعتنقها مدونوها.
وفي روايات الكتاب المقدس ثمة حالة حظيت بتأكيد شديد وافترضت حدثاً تاريخياً مؤكداً على الدوام لأهميته العقيدية، وهو القول بأن روح آدم ابي البشر قد خلقت بنحو مستقل خاص.
اتجاه التجديد
إن ثالث ردود الأفعال، حيال الموضوع هذا، هو موقف تيار التجديد الذي كان يرى ان الكتاب المقدس انتاج بشري ويرفض كونه وحياً مباشراً من الله، بما يتقاطع مع عقيدة الاتجاهات التقليدية. لا يرى اتجاه التجديد هذا في الكتاب المقدس نصاً ملهماً (بالفتح) رغم انه نص ملهم
________________________________________

[الصفحة - 317]


(بالكسر) وهو من هذه الناحية مشابه لمختلف الأعمال العظيمة التي تنطوي على أفكار عميقة. لا بد من أن نعدّ الابواب الأولى من سِفر التكوين بمثابة التصوير الشعري للمعتقدات الدينية في ما يتصل بالانسان وعلاقته بالله وحاجته اليه، وما يتعلَّق بالصياغات الادبية عن نظام الكون وانتظامه على النحو الأكثر ملاءمة وصلاحية (النظام الاحسن).
تأثرت قراءة التجديد هذه بمفهوم التطور، اذ يعتقد أغلب ممثلي اتجاه التجديد بأن علينا ان لا نرى في فعل الخلق الالهي أمراً يتباين مع الاشياء حدث دفعة واحدة، بل هو أمر كامن يسري على الدوام، كما انهم رفضوا أي لون من الغيرية بين النطاقين الطبيعي والميتافيزيقي، وكانوا يستحسنون القول بوحدة الله والانسان والطبيعة، ويؤمنون بأن ثمة روحاً لاهوتية متوحدة تجري في العالم بأسره.
كان هنري وورد بيتشر (35) الواعظ والمحرر الامريكي، واحداً من المؤيدين الأوائل لاتجاه التجديد الذي اكتسب سطوة ونفوذاً بالغين. ويقول في بعض كتبه: "لقد كشفت أبحاث الجيولوجيا سر تاريخ الوحي الالهي المكنون في عالم المادة والذي ظل مختفياً مدَّة طويلة. ان حركة المادة والذهن بطابعها الصاعد التكاملي تعبر لنا عن منهج الله وهو يتدخل في عملية التقدم".
والأنموذج الآخر لرجال اللاهوت هؤلاء هو لايمن ابوت (36) الذي يقول في كتابه: "إلهيات شخص يتكامل في فكره": ان الكتاب المقدس يعبر عن بدايات الوعي الديني في ضمير أناس كانوا أبناء عصرهم يستوعبون الحقيقة برفق وتدريج وبشكل ناقص. رفض ابوت مفهوم الخطيئة الذي آمن به القدماء (الخطيئة الفطرية)، واعتقد انه لا بد من اعتبار العمل غير الأخلاقي ارتكاساً في الحيوانية. وهو يرى ان اللاهوت القديم يقدم صورة لله منفصلة عن الطبيعة تجعله سلطاناً يهيمن عليها، ويتدخل في شؤونها بين الحين والآخر من قبيل الخلق وإرسال الأنبياء وصنع المعجزات. بيد أن نظرية التطور تتيح لنا ان ندرك كيف يواصل الله فعله من داخل الطبيعة وبما يتمثل بعملية النشوء والارتقاء، لا عبر التدخل الذي يتناول الأشياء من خارجها. ان الحياة وجميع الكائنات الحية يتمتعون بأسرهم بطابع إلهي، ذلك ان ثمة إرادة واحدة في العالم هي منشأ كل شيء.
الليبرالية الكلامية
نجد، في أواخر القرن التاسع عشر، اتجاهاً ليبرالياً راح يسود في الفكر اللاهوتي البروتستانتي،
________________________________________
(35) رجل الدين الامريكي التجديدي Henry Ward Beecher 1813-1877. وكان رئيساً لتحرير مجلة الوحدة المسيحية.
(36) رجل الدين والباحث والمحرر الامريكي Lyman Abott 1835-1922.

[الصفحة - 318]


وهو يعدّ من جوانب مختلفة حالة وسطى بين الاتجاهين التقليدي والتجديدي. كان هذا التيار يتفق مع اتجاه التجديد في ايمانه بالمعرفة العلمية التي انتجت فكرة التطور، غير انه كان يرى ان اتجاه التجديد ابتعد كثيراً عن آراء المتقدمين عن الله والانسان. تتمثل السمة الأكثر تمييزاً لهذا التيار في استراتيجيته المنهجية الحديثة، أي الاهتمام بالتجربة البشرية بدلاً عن اللاهوت العقلي أو المعتمدة على الوحي والنص.
كان أنصار اللاهوت المعتدل يعيشون هاجس إنقاذ الانسان من الطبيعة، الأمر الذي كانوا يتابعونه لا من خلال رفض نظرية التطور بل عبر اثبات تفوق الروح على الطبيعة، في ما كانوا يدافعون عن طبع الانسان الاخلاقي في مواجهة التوصيفات الميكانيكية المادية.
إن الفهم المعتدل للكتاب المقدس كان يتيح الفرصة للاتفاق الكامل مع الاثباتات العلمية المؤيدة لنظرية التطور، غير ان ذلك لم يكن يؤدي إلى تصرف أساسي في المعتقد الديني بالنحو الملاحظ لدى اتجاه التجديد، ذلك ان الليبراليين كانوا يبحثون عن أساس الالهيات في مستوى آخر بعيداً عن منطق اللاهوت العقلي أو النقلي النصي، أي انهم اهتموا بالجانب القلبي دينياً وأخلاقياً.
وبشكل عام، فإنه كان في وسع الليبراليين ان يتخذوا من التطورية موقفاً أكثر مرونة مقارنة بالاتجاهين التقليدي والتجديدي، حيث انهم كانوا اقل عرضة للخطر في ما يتصل بالمبادئ العقيدية والكلامية، فقد اعتقدوا بأنَّ الايمان بالله ينبثق بالدرجة الاولى من وعي الانسان دينياً واخلاقياً، لا من الكتاب المقدس أو المسار التطوري.
كان أنصار اللاهوت المعتدل يقبلون بشغف على قراءة الكتاب المقدس ويعدُّونه كنـزاً من التعاليم الدينية الهادية، رغم أنهم يؤمنون بأن الكتاب المقدس ليس وحياً منـزلاً وأنه قد جرى تدوينه من قبل الانسان. راح بعضهم يقدم وصفاً جديداً للوحي بدلاً عن انكاره، فيرى ان الله قد أنـزل الوحي، ولكن ذلك لا يعني إملاء نص معصوم، وإنما حضور الله في حياة المسيح ومختلف انبياء بني اسرائيل، الأمر الذي يعني ان الكتاب المقدس ليس وحياً مباشراً بل هو دليل انساني على انعكاس الوحي في مرآة التجارب والظروف البشرية.
يشار إلى شلاير ماخر (37) بوصفه "مؤسس اللاهوت المعتدل"، وهو يعتقد بأنّ أساس الدين لا يتمثل في تعاليم الوحي كما يقول الاتجاه التقليدي، ولا العقل الذي يتعامل مع المعرفة كما يقرره اللاهوت العقلي، كما لا يتمثل بالإرادة الأخلاقية على النحو الذي تقدمه منظومة
________________________________________
(37) الفيلسوف واللاهوتي الالماني Schlier Macher 1768-1834.

[الصفحة - 319]


كانط الفلسفية. ان الدين يرتكز على الوعي الديني؛ الأمر الذي يتباين مع مختلف المرتكزات المذكورة. ويعبر الدين عن موضوع لتجربة حية بعيداً عن العقيدة الرسمية الارثوذكسية الميتة، ولا يمكن تحويله إلى أخلاق أو حكمة عملية أو نظرية، بل لا بد من تقييم الدين على أساسه نفسه وفهمه في ضوء مقاييسه نفسها. كما تنحصر قيمة الكتاب المقدس في كشفه عن تاريخ بني اسرائيل وتجاربهم الدينية (النبي يعقوب) وما يتصل بالمسيح وتاريخ طليعة المؤمنين الاولى.
فلسفات التطور الطبيعية
كانت جميع الاتجاهات التي تناولناها تواً - اتجاه التقليد والتجديد والمعتدلين- من أنصار معرفة الله على أساس ديني، ويعدّ كلٌّ منها نفسه منتمياً إلى الأمة المسيحية، رغم انهم مارسوا نقد المعتقد الموروث بنحو أو آخر.
غير أن ثمة تفسيرات أخرى للتطور انهمكت بالكامل في رفض الايمان بالله، ومن بين هذه الاتجاهات تبرز مجموعة راحت تقبل على فكرة أصالة الطبيعة المادية، ومنها أرنست هكل (38)عالم الأحياء الألماني، الذي يعتقد بأن مفتاح اللغز الكوني يتمثل في الاصطفاء الطبيعي والسببية الحتمية (الميكانيكية) وكان "لغز الكون" عنواناً لأشهر كتبه (39).
________________________________________
(38) الفيلسوف وعالم الاحياء الالماني Ernst Haeckel 1834-1919.
(39) المعطيات المقدمة في هذا القسم مأخوذة بالدرجة الاولى عن الفصل الرابع من كتاب ايان باربور. العلم والدين. مصدر سابق.

[الصفحة - 320]