البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السِّجال في قضايا المرأة: غياب لتفكيك دوافع الجدل المادِّية قراءة في كتاب: «تجديد التَّفكير الدِّيني في مسألة المرأة» لزكي الميلاد

الباحث :  أ. سرمد الطائي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  31
السنة :  السنة الثامنة خريف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  453

السِّجال في قضايا المرأة: غياب لتفكيك دوافع الجدل المادِّية
قراءة في كتاب: «تجديد التَّفكير الدِّيني في مسألة المرأة» لزكي الميلاد

أ. سرمد الطائي (*)

قضيَّة المرأة في مجتمعاتنا الإسلاميَّة
تسير أزمة الإنسان وفاقاً لخطوط بيانية متعرِّجة من مجال إلى آخر، بنحو قد يسلبنا أحياناً مسوِّغ القول: إن التراجع الحضاري يعني تراجعاً في كل شيء، لكن ذلك لا يعني أننا لا نمتلك في الوقت نفسه تسويغاً للزَّعم بأن تراجع الحضارة يعني بالضَّرورة تراجعاً في عموم الملامح الحضارية. ورغم مستوى التعقيد في مشكلة الإنسان، لدى مجتمعاتنا الإسلامية، غير أن مشكلة المرأة أو قضيتها تنفرد بقسط أوفر من التعقيد، لا سيما حين نجد أن «جنس الإنسان يدخل عنصراً في التساؤل ويدل على أننا نواجه أزمة تاريخية كبرى ومزمنة، أي أن المرأة لديها مشاكل عامة تتقاسمها مع الرجل، كامرأة عاملة أو أستاذة جامعية أو مديرة، أو كعضو في المجتمع، ولكن لديها في الوقت نفسه مشاكلها الخاصة الناشئة عن كونها امرأة» (1) .
وإنما تجرَّأت على الاقتراب من المستوى الحضاري والتاريخي للموضوع لأننا نواجه أزمة تربوية بالدَّرجة الأولى، ولي أن أزعم بأن الأزمة النظرية ما هي سوى تجلِّيات متباينة للمضمون (الاءُناسي) المعقَّد. فالجانب الانثروبولوجي التربوي، في موضوعنا، هو نقطة لا بدَّ من أخذها بالحسبان رغم ما يتعرَّض له من تجاهل شديد
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)خاتمي، محمد. المجتمع المدني: مقاربات في دور المرأة والشباب، ترجمة سرمد الطائي، دار الفكر، دمشق، 2001.

[الصفحة - 162]


في الأعمال التي تناولت قضية المرأة، ولعلنا هنا بحاجة إلى جهود شبيهة بالأفكار التي طرحها بعض علماء الاجتماع في تفسيره للمفارقة القائمة بين المظهر السطحي للتحديث والجوهر البدائي لتجارب الحداثة في العالم الثالث (2) . وقد وجدت هذه الحقيقة صداها لدى فقيه عبَّر عنها بطريقته الخاصة، وهو يتحدَّث عن أزمة المرأة في الوسط الديني: «هنالك فجوة واسعة بين النظرية والتطبيق. يوجد أشخاص يحملون أفكاراً ممتازة، لكن سلوكهم يتسم بالتخلُّف الشديد، وحين توجد هذه الهوة الكبيرة، فإننا سنواجه مشاكل معقَّدة» (3) . وحين يتسم حملة الأفكار الممتازة بسلوك متخلِّف أحياناً، فماذا في شأن أولئك الذين يمرُّون بأزمات فكرية؟ إن دراسة عوامل تشكيل المظاهر السلوكية تضع بين أيدينا العديد من العوامل التي تتدخل في تكوين الأفكار، وهو ما نتطلَّع في شأنه إلى تعزيز جهود تحاول بلورته وتأسيسه منهجاً في الفكر الإسلامي المعاصر (4) .
من مزايا كتاب «تجديد التفكير الدِّيني...»
يتمسَّك الكاتب الإسلامي زكي الميلاد في كتابه «تجديد التفكير الدِّيني في مسألة المرأة»، الصادر مؤخَّراً عن المركز الثقافي العربي، بطريقته في تناول الموضوعات؛ إذ تتميز سائر أعماله بالتبويب المتقن وجودة أساليب العرض، كما تشي بحجم الجهد الذي يبذله في رصد المشهد الثقافي ومتابعة الجديد فيه إلى درجة لا تغيب عنه تفاصيل تبدو ثانوية لا يلتفت المرء إليها في العادة. وهذا ما يكسب أبحاثه دائرة واسعة وأفقاً رحيباً يتيح له التنفُّس بطلاقة بقدر ما يزيد من تعقيد مهمَّته وتشعُّب خياراته.
الأعمال التي تناولت موضوع المرأة ومنظورها السِّجالي
يسجِّل زكي الميلاد على الأعمال التي تناولت موضوع المرأة أنها خضعت تاريخياً لمنظور سجالي وطابع جدلي، فهي سجال مع الواقع أو مع الأفكار ترك تبعات سيِّئة على المعالجات، وتسبَّب في قطيعة معرفية بين أطراف السجال (ص5). إن المؤلف يركز على هذه الملاحظة، ويصر على ذكرها مرات كثيرة، وفي مسافات متقاربة للغاية، كما أنه يجعل الموضوع هذا بمثابة المدخل المنهجي أو النظري
________________________________________
(2)يتميز علي الوردي الذي أعنيه هنا بحرصه على تكرار أفكاره في جميع ما صدر له من أعمال، ويمكن ملاحظة الفكرة المشار إليها في أبحاثه عن المجتمع العراقي وأبرزها كتابه: «طبيعة المجتمع العراقي»، الصادر قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
(3)لاحظ، كديور، جميلة. المرأة: رؤية من وراء جُدُر. حوار مع محمد حسين فضل الله، ص 154. صدر بترجمة كاتب السطور عن دار الفكر، دمشق، 2001.
(4)أشير هنا إلى الحقل المستحدث أخيراً تحت عنوان «فلسفة الفقه»، فأصحابه يحاولون الاستعانة بفلسفة العلم المعاصر والقضايا المثارة في إطارها بغية تقديم تحليل وقراءات تفسر البنية الراهنة للفكر الإسلامي، ويبرز هنا بشدة مبحث «قبليات الفقيه» أو مرجعيات الفتوى، ولا سيما المرجعيات غير العلمية التي تتمثل بالجانب التربوي والانثروبولوجي. وهذه جهود بدأت تظهر عند الشيخ مطهري، لاحظ مقاله: تأثير منظور الفقيه في الفتوى، ضمن: المشهد الثقافي في إيران: فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة، إعداد عبد الجبار الرفاعي. بيروت، دار الهادي 2001، ص 335. ومحمد باقر الصدر في: اقتصادنا. مشهد، مكتب الاعلام الإسلامي، 1417هـ. تحت عنوان (عملية الاجتهاد والذاتية) ص 382. فيما راحت الدراسات المعاصرة تتولى بلورته وتفصيله في حقل فلسفة الفقه، وبعضهم يتناوله في علم الكلام الجديد للتداخل بين المجالين.

[الصفحة - 163]


لكتابه؛ حيث يطرقه في الفقرات الأولى من الكتاب مانحاً إياه عنوان: «قضايا المرأة... سجالات ومعارك»؛ الأمر الذي يدفعنا إلى التوقُّف عند هذه النقطة دخولًا في البحث لا أكثر.
رغم أهمية ما ذكره المؤلِّف وخطورة تبعات الطابع السجالي التي يحذّر منها، إلى جانب بداهة الانحياز إلى الموضوعية والدعوة إليها، فإننا نجد أن الموضوعية نفسها تدعونا إلى التذكير بأن الطابع السجالي يهيمن على رهاناتنا الفكريَّة جميعها، ولا يمثل علامة فارقة في موضوع المرأة كما يبدو من طريقة حديث الميلاد عنها، رغم وجود علامات فارقة أساساً في هذا الموضوع بعينه. أكاد أتفق مع المؤلف عند هذه النقطة في ما يقوله بالكامل حتى أنني قلت مرة في إطار الحديث عن محاولة سابقة لرصد ملامح من التحوُّل الذي يشهده الفكر الإسلامي المعاصر: إن جزءاً من صعوبة المهمة (عملية رصد التحوُّلات) يعود إلى ندرة النماذج التي يتجلَّى فيها التحوُّل، وهذا ما تفرزه ظروف الإنتاج الفكري لدينا والتي تحرض على إنتاج الجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا في المنطق) وتسعى إلى تغييب البرهان (5) محاولةً اكتشافية، الأمر الذي أدى إلى تضخُّم في عدد المكتوب ونقص في أدائه، إذ إن الجدل يرافقه الإطناب فهو يتطلب الإقناع ولا يتوقف إلا حين يحقق هدفه ويتفوق على الخصم، أما البرهان فلا يتوخَّى سوى عرض دليل معين أو تقديم تفسير محدد واضح. وتزخر أجواؤنا بمسوِّغات الجدل، حيث إن المشتغل في حقل الفكر لدينا هو بمثابة من يتحرك في ساحة معركة تتقاطع فيها الإرادات وتتوزع في ضوئها جغرافياً القوة والهيمنة، فهو في الغالب لا يفكر في حلقة نقاشية... إنه لا يجلس على طاولة حوار مستديرة (6) .
لكنني أطرح هنا عدة تساؤلات، فهل تنحصر هذه «العاهة» في موضوع المرأة؟ ماذا يسعنا القول في ما يتصل بقضايا حقوق الإنسان والفكر السياسي وإشكاليات الحداثة والمعاصرة والمنهج في التعامل مع الدين والموروث الديني ومفهوم المشروعية والتعددية وغير ذلك من القضايا والمقولات التي تنتمي إلى مختلف حقول المعرفة (ولنا أن نتولى تعميم ذلك إلى مختلف قضايا الرجل أو قضايا الإنسان بعامة؟).
________________________________________
(5)إنما استخدم تعبير «البرهان» استئناساً بالمصطلح ودلالته العامة التي تقابل الجدل الإقناعي أو التبكيتي، وإلا فنحن لا نمارس اليوم صناعة البرهان لأننا لا نمتلك في قضايانا ذلك النمط الصارم المركّب من اليقين الذي لا يتهاون أنصار البرهان في التأكيد على كونه ركناً جوهرياً في المادة البرهانية. كل ما يتوافر لدينا اليوم مستويات من العلم متفاوتة في قيمتها الاحتمالية وخاضعة للمعيار النسبي في التقييم، أما البرهان فهو الصيغة التي كانت متاحة للمنطق في عصر اليقين ومرحلة ما قبل الشك وما قبل النسبية.
(6) الطائي، سرمد. تحولات الفكر الإسلامي المعاصر: المرجعيات، المناهج، أسئلة التجديد، ص 13. (كتاب قيد النشر).

[الصفحة - 164]


هل تمتعت المطارحات، في المجالات تلك، بطابع برهاني كافٍ منحها درجات عالية أو معقولة من الموضوعية، وأبعدها عن روح السجال المندفعة؟
ثم هل نستطيع فصل الجدل في موضوع المرأة عن ظروفه التاريخية والزعم بأن المرحلة تلك كانت توفِّر فرصة للطرح الموضوعي (البرهاني) (7) وتفادي السجال والجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا في المنطق)؟ أو في وسعنا أن نقف صامتين حيال ظروف السجال بلا ممارسة أدنى قدر من التحليل أو المقاربة لفرز عناصرها وبالتالي تحديد معطياتها؟
كيف نفهم الفكر في ضوء المفاهيم الرئيسية التي طرحها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو وغيره من البنيويين عن مفاهيم المعرفة والسلطة واللغة وما يجمع بينهما من علاقة لا تكاد تنفك، بوصفها راهناً علمياً في تفسير المسار الفكري؟
هلّا أشار الباحث إلى دور الأيديولوجيا في ذلك، وندرك جميعاً كيف شاعت وتشيع لدينا الاتجاهات الأيديولوجية، وفي مختلف تياراتنا، وأدت عن قصد إلى تشويه المعرفة وتقديمها قرباناً على المذبح الأيديولوجي؟
ألا تبرز هنا إشكالية المثقف بوصفه منتجاً للمعرفة أو منشئاً للحقيقة، وطبيعة دوره والمنطلقات التي يتحرك منها في بنائه للمعرفة (على تقدير أن المثقف العربي أو المسلم يمارس دوراً كهذا)؟ إذ يحسن بنا، ونحن نتحدث عن الطابع السجالي في الثقافة العربية، أن نتساءل: هل يمثل المثقف مشروعاً تغييرياً نضالياً في المجتمع يجعله حاملًا للواء الأيديولوجيا متغنياً بالرومانسية النضالية، أو أن على المثقف أن يتخلى عن نزعته الرسولية (8) ويشتغل بإنتاج المعرفة وحسب كي لا يدمج الأيديولوجيا بالمعرفة ولا يشوهها بالانحياز الأيديولوجي؟
وأخيراً، ألا نحتاج هنا إلى التوقف عن استخدام مفهوم المعرفة التقليدي، ونبادر بشجاعة إلى فهم الفكر في إطار جذوره المادية وتقبُّل كونه حالة تاريخية تحمل معها عناصر الواقع بسموها وانحطاطها معاً؟
أحسب أننا لا نمتلك الحق حالياً في الشجب المجرد للطابع السجالي الذي
________________________________________
(7)أكرر أن استخدام تعبير «البرهان» هنا يقوم على المسوِّغ المذكور في الهامش رقم (5) لا غير.
(8)لا تزال هنالك بقايا لهذا الاتجاه في الغرب، ففي فرنسا اتجاه يمثله بيار بورديو الفيلسوف والمتخصص في علم اجتماع التربية وآخرين، لا يزال يتمسك برسالية المثقف رغم أن بورديو، المتوفى بداية العام الحالي، يوصف بأنه آخر الرساليين في فرنسا. لمزيد من التفصيل لاحظ: حرب، علي، أصنام النظرية وأطياف الحرية: نقد بورديو وتشومسكي. بيروت، المركز الثقافي العربي، 2002.

[الصفحة - 165]


يقترن بالسكوت عن عوامل السجال والإحجام عن تفسيره وقراءته، بل لا بد من التعامل بواقعية مع الظرف التاريخي القسري ودراسة دوافع السجال ومحاولة تفهمها بموضوعية (لو أمكن لنا نيل المنهج الموضوعي في ظرفنا الراهن). وذلك من خلال تفكيك تلك الدوافع وامتلاك الجرأة للإدلاء بنتائج قراءتنا لها، كي نكون بذلك قد وضعنا الخطوة المتواضعة الأولى على طريق الحياد العلمي وتحقيق التواصل بمستوياته المعرفية والأيديولوجية والسياسية أيضاً، وربما أمكن لنا، في ظل ذلك، إرساء تقاليد للحوار من شأنها أن تخفف من وتيرة السجال وتسمح بالإعلان عن الدوافع وإخضاعها للدرس والنقاش بدلًا من إخفائها (أو اختفائها هي في نطاق اللَّامفكَّر فيه) تحت لافتات فكرية أو سجالية تكرِّس القطيعة (على حد تعبير المؤلف) وتدق إسفيناً بين مجالات معرفية من المفترض أن نستثمر معطيات التفاعل بينها. وهذا ما لم يقم به باحثنا (وإن اقترب منه بمستوى محدود جداً وخطوات حذرة للغاية كما سيأتي)، مع أنه المساحة غير المكتشفة من الموضوع، أي أنه أصر على كشف حقيقة مكشوفة يألفها عامة المعنيين بالهمّ الفكري، بينما تفادى الاقتراب من مهمة عاجلة نحن بأمسّ الحاجة إليها. لكننا نلتمس له العذر في ذلك لما ينطوي عليه الأمر من مخاطرة ليس في وسعنا دفعه نحوها، وربما كنا نحن أيضاً غير مستعدين شخصياً للتورُّط فيها!
قاسم أمين وكتاباته عن المرأة
يخصص الكاتب، في بحثه، مساحة للحديث عن قاسم أمين، بوصفه أبرز الروَّاد في تناول موضوع المرأة من خلال كتابيه «تحرير المرأة»، و «المرأة الجديدة»، ويخلص بعد عرض المعطيات السائدة التي درجت على ذكرها سائر المحاولات المشابهة، في ما يتصل بأمين، إلى تسجيل عدة ملاحظات على كتابات الرجل والأعمال التي جاءت في سياقه، ونجد من الضروري التوقف عند بعضها (9) .
يسجِّل المؤلف ملاحظة على المنهج؛ فيقول: «انطلقت تلك الخطابات أو أغلبها من مرجعية الثقافة الأوروبية، واتخذت من المرأة الأوروبية أنموذجاً لها، ومن التقدم الذي شهدته أوروبا قانوناً في التغيير الاجتماعي والتمدن الحضاري، فهذا
________________________________________
(9)أرجو أن يتسع صدر أستاذنا الميلاد لملاحظاتي المتواضعة هذه، وأن يتلقاها بوصفها مداخلات قارى في إطار الحوار البناء الذي لا يتقاطع أبداً مع ما أكنّه له شخصياً من ودّ وتقدير إلى جانب امتناني حيال ما يبديه تجاهي من شعور نبيل في لقاءاتنا القليلة، وإنما أقول ذلك على خلفية وثوقي بأن زكي الميلاد يؤمن بمنطق الحوار ويخوض فيه. إن ما يدفعني إلى هذا هو خطورة الموضوع وإلزاماته المنهجية التي لا تتحمل أي لون من المواربة أو التهاون، إضافة إلى أمر مهم آخر هو اتجاه الملاحظات الواردة نحو عموم الأعمال التي أنتجناها في موضوع المرأة، لكن الظروف أو المصادفة جعلتها تسجل على الكتاب هذا والذي لا أشك في أنه ينتمي إلى الكتابات الإصلاحية التجديدية في الموضوع.

[الصفحة - 166]


هو المنهج الذي اتبعه قاسم أمين في كتابه (تحرير المرأة»؛ إذ ينطلق من المفهوم الدارويني للتطور كقانون علمي، ليس في نطاق الظواهر الطبيعية وحسب، بل يطبقه على الظواهر الإنسانية». (ص 22 وما بعدها). كما يورد المؤلف تقييمات عدد من الباحثين التي تشجب منهج قاسم أمين هذا أو تتأسف له. إن نصوص الميلاد تشي بأنه يعترض على اتخاذ التجربة الأوروبية والفكر الأوروبي مرجعية في التحليل التاريخي والقيمي، غير أن معرفتي بتوجهاته وبما طرحه في عدد من بحوثه تجعلني أتردد في مماشاة هذه الدلالة أو ذلك الإيحاء (10) . وربما كان يرفض هنا اتخاذ الغرب مرجعية مطلقة، ويطالب بموقف نقدي يمارس التقويم بقدر ما يتولَّى الاقتباس والتوظيف للمعطى الغربي، وهو أمر جدير بالملاحظة حينئذ؛ إذ يمثل دعوة إلى العقلانية في الموقف حيال الآخر بعيداً عن لغة العداء والهجاء من جهة وتجنُّباً لمنطق الاتباع الأعمى المهووس من جهة أخرى. لكن تسجيل ملاحظة كهذه على قاسم أمين ينبغي ألا تكون بهذا القدر من التبسيط لإشكالية من هذا الطراز تحمل طابعاً إبستمولوجياً معرفياً بالدرجة الأولى. وعلى أي حال، فإن أزمة التعامل مع المناهج الإنسانية الحديثة أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به نصوص الكتاب هنا.
تتصل الملاحظة الأخرى التي يسجلها الكاتب على قاسم أمين بالأسلوب، فقد «برهنت التجربيات والاختبارات على أن قضايا المرأة بحاجة إلى معالجات هادئة وتدريجية وإنمائية. بخلاف ما كانت عليه تلك الكتابات التي اتصفت بالانفعالية والسجالية والاندفاع. ولقد مثل قاسم أمين أنموذجاً واضحاً على ذلك، فقد تسارعت انتقالاته الفكرية حول قضايا المرأة حسب الوضعيات والمناخات التي اصطدم بها» (ص 26). يقصد المؤلف التباين الجذري بين أعمال قاسم أمين من كتابه: «المصريون» ثم «تحرير المرأة» إلى المنعطف الشديد الذي تجلى في كتابه: «المرأة الجديدة»؛ حيث دافع عن الأنموذج الغربي للمرأة (11) .
لا شك في أننا نطالب بتفكير هادى تستند تحوُّلاته إلى مراحل منطقية مسوَّغة علمياً، ولكن ألا يبدو اتهام قاسم أمين بخرق ضوابط التحول تلك خطوة لا بد من أن تتأخر كي تتقدم عليها محاولة لتقييم طبيعة ما طرأ على أمين من تغيُّر اقتناعاته؟ أعني بذلك أن تسجيل ملاحظة كهذه لا يشكل أمراً مهماً بقدر ما تكمن الأهمية العلمية في
________________________________________
(10)أعني بذلك على سبيل المثال كتابه «المسألة الحضارية: كيف نكتشف مستقبلنا في عالم متغير»، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1999. وهو عمل رصين في بابه تضمن دعوة متحمسة للغاية إلى تدشين حقل مستقبليات إسلامي والأخذ بتجربة المستقبليات الغربية ذات الطابع الاستراتيجي.
(11)لاحظ وصف ذلك في الكتاب، صفحة 20 وما بعدها. وأيضاً: طرابيشي، جورج، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة. لندن، دار الساقي، ط1، 2000، ص 11 فما بعد. إذ يقدم تفسيراً وافياً لتحولات قاسم أمين تلك في ضوء مفاهيم التحليل النفسي.

[الصفحة - 167]


قراءة «الزحزحة» التي حصلت في إشكالية المرأة لدى قاسم أمين، وتقديم تفسير لذلك يلاحظ مختلف العوامل في الموضوع، بما يشبه عملية التفكيك للجذور المادية التي أشرت إليها في ملاحظة آنفة، الأمر الذي لا يمكن أن يقتصر على الدوافع الشكلية للموضوع، كما نجد في عدد من التفسيرات التي ينقلها المؤلف أو ينصّ عليها، بل يتطلب قراءة جادة لنصوصه نفسها تحاول الاقتراب من المسكوت عنه فيها، وبمستوى يناسب وضع كتاب مستقل في موضوع المرأة.
ثم إن الدعوة إلى مرحلية تدريجية هادئة إنمائية إنما يصح توجيهها إلى الفعل التربوي، طبقاً لضوابط علم اجتماع التربية مثلًا. ولكن هل نسوِّغ منهجياً توجيه دعوة كهذه إلى الممارسة الفكرية؟ هل يمكن أن تخضع عملية الإنتاج العلمي إلى ضوابط علم اجتماع التربية وغيره، أو تناط بموازنات اجتماعية وسياسية كما هي الحال السائدة لدينا، أو أن على المفكر أن ينطلق في أفق لا يحدّه سوى ضوابط منهجه العلمي؟ إن ذلك يتطلب تحديداً دقيقاً لمهمات الفكر، لا أدري إن كانت فلسفة العلم كافية في بلورته أم لا!
اتجاهات الكتابة عن المرأة
يضع المؤلف يده محقاً على إشكالية منهجية تنطوي عليها مواقف الباحثين من المرأة، ويقول: «الملاحظ أن الأدبيات الإسلامية ربطت كرامة المرأة بالعفة والطهارة بعيداً عن الحقوق، بينما ربطت الأدبيات المغايرة كرامة المرأة بحقوقها بعيداً عن العفة والطهارة». كما أنه يستعرض نماذج يجد أنها تؤكد أن الفكر الإسلامي يعطي أولويته لعفة المرأة وصيانتها وطهارتها، وكل ما يجنِّبها الفتنة والشبهات والانحرافات، وهي القاعدة الأساسية التي تتقدم على جميع الأولويات الأخرى، مهما كان نوعها ونفعها وقيمتها (ص 53)، حتى لو كان ذلك على حساب تعليمها مثلًا (ص 61).
لا شك في دقة هذه الملاحظة وجوهريتها، لكن تنبغي ملاحظة ما يكتنف مفاهيم العفَّة والطهارة من تفاوت وتباين شديدين ثقافياً وأنثروبولوجياً بالنسبة إلى اختلاف المجتمعات والبيئات والطبقات التي ينتمي إليها المفكر أو الفقيه، فثمة خط
________________________________________

[الصفحة - 168]


بياني لا يتوانى عن الانكسار والتأرجح ابتداءً من شمال أفريقيا مروراً بالقاهرة وبيروت، وليس انتهاءً بالعراق وإيران أو بلدان الخليج، فضلًا عن مسلمي شبه القارة الهندية أو جنوب شرق آسيا. وذلك أمر يتصل بمرجعيات الفقه وطبيعة تأثره بالبيئة. على صعيد آخر، ثمة فرق كبير بين الفقيه الذي يؤمن بأنه لا يمتلك صلاحية إجبار أتباعه سوى على الحد الأدنى من الالتزام الديني، كما هي قناعة اتجاه واسع في تيار التجديد الفقهي، ومن هؤلاء فرج فودة وعبد الكريم سروش والشيخ ابراهيم جناتي والشيخ محمد مهدي شمس الدين مثلًا (12) . وبين الفقيه الذي يعتمد منهج الاحتياط والتحوُّط والحذر الشديد في منهجه الفقهي، على الطريقة السائدة في الفقه الإسلامي والتيار الذي ينهل منها فكرياً. وهذه الفروق من أهم العوامل التي تفرز الخلاف الفقهي والفكري في موضوع المرأة، إضافة إلى عوامل أخرى بالطبع سنتطرَّق إليها لاحقاً في حديثنا عن الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
رغم الحالة العامة التي أشار إليها المؤلف، غير أنه يلمح تغييراً مهماً حصل في أدبيات الفكر الإسلامي عن هذا الموضوع، وهو ظهور بعض الكتابات الإسلامية التي توجَّهت بالنقد إلى الداخل الإسلامي، بعد أن كان النقد الإسلامي لا يكاد يقترب من هذا المنحى إلا على تردد وحرج وبقدر محدود (ص 57). يقول المؤلف: إن الظروف أتاحت للفكر الإسلامي تجريب ما لديه من طرائق ومفاهيم إلى أواخر حقبة الثمانينات التي استجدت بعدها معطيات من نوع آخر، حرّضت على أن يمارس هذا الفكر النقد الذاتي. وهو يذكر، أيضاً، أن صوت المرأة قد ارتفع في التسعينات بعد أن كان خافتاً لزمن طويل، فأعلنت عن نقدها الذي كان يصعب عليها النطق به سابقاً، وذلك ما ظهر في عدد من الكتابات النسوية التي انتقدت الواقع المحيط بالمرأة وبعض الأفكار والذهنيات الإسلامية (ص 58).
من الملاحظات المهمَّة الأخرى التي يذكرها المؤلف أن التزايد الكمي في كتابات الإسلاميين عن قضية المرأة لا يعكس على الإطلاق تراكماً معرفياً كيفياً يمثل تطوراً وتقدماً في المفاهيم أو أدبيات البحث وتقنياته. يقول: «لو رجعنا إلى كتاب (حقوق النساء في الإسلام) للشيخ محمد رشيد رضا الذي صدر عام 1930، فإن هذا الكتاب يعد أكثر تطوراً وتقدماً من عشرات الكتابات التي صدرت بعده وما زالت
________________________________________
(12)أثار الشيخ ابراهيم جناتي الأساس الفقهي لذلك في غير مناسبة، لاحظ مثلًا: الجناتي، ابراهيم، المنهج التقليدي في أصول الفقه ومعوقات التجديد، ترجمة: سرمد الطائي، قضايا إسلامية معاصرة، ع31، خريف 2000. وكذلك الشيخ شمس الدين، ينظر: الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، بيروت، المؤسسة الدولية، ط1، 1999، ص 93. كما يؤكد عليه عبد الكريم سروش في مختلف أعماله، ولا سيما كتابه «مدارات ومديريت = التسامح والإدارة» ويتبناه فرج فودة في كتابه «الحقيقة الغائبة» صدر في القاهرة عام 1989.

[الصفحة - 169]


تصدر إلى هذا الوقت. ويرى المؤلف أن ما يحول دون ذلك هو النكسات المتتالية التي أصابت التطور العام في المجتمعات الإسلامية، والتي أثرت على الحياة العامة بكل مرافقها وأبعادها واتجاهاتها».
لا بد من أن نضيف إلى ما ذكره المؤلف أن جزءاً مهمَّاً من التردِّي الفكري المشار إليه يتمثل في حالة الرُهاب العام أو الفوبيا الفكرية التي يعيشها من يمارس التفكير في مجتمعاتنا، فكم من الأفكار الاجتهادية التي من شأنها استبدال سياقات عامة جوهرية في الفكر الإسلامي، غابت أو تعرَّضت إلى التغييب في مرحلتها الجنينية بسبب الضغوط غير المعقولة التي يتعرض لها المفكر الإسلامي. وحين يقارن المؤلف بما كان عليه الوضع مع أعمال رشيد رضا، وهو ابن القرن التاسع عشر ومطلع القرن الماضي، نجد مسوّغات لمقارنة أكثر إيلاماً مع راهننا الثقافي تجعل المرء يغبط واصل بن عطاء ابن القرن الأول الهجري على السماحة التي لاقاها وهو يؤسس للاعتزال الكلامي، ويخالف شيخه البصري العتيد!
اتجاه التَّجديد: محاولات أبي شقَّة وشمس الدين
يشير المؤلف إلى محاولتين يصفهما بأنهما من الأعمال الفكرية المهمَّة التي صدرت في العقد الأخير في حقل المرأة، إحداهما في مجال الحديث والأخرى في الفقه. حيث جاء كتاب «تحرير المرأة في عصر الرسالة» للكاتب عبد الحليم أبو شقة الذي صدر في ستة عشر جزءاً خصَّصها لتنقيح الروايات وانتقائها من كتب الصحاح، وقدَّم من خلالها صورة مغايرة لواقع المرأة السائد اليوم (13) . وينقل كلمة بالغة الدلالة لأبي شقة يقول فيها: «فوجئت بأحاديث عملية تطبيقية تتصل بالمرأة وبأسلوب التعامل بين الرجال والنساء في مجالات الحياة المختلفة... إن هذه الأحاديث تغاير تماماً ما كنت أفهمه وأطبقه، بل ما تفهمه وتطبقه جماعات المتدينين الذين اتصلت بهم وهم من اتجاهات مختلفة» (ص 64 وما بعدها).
أما في ما يتصل بأعمال الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فقد أنجز في العقد الماضي أربع دراسات علمية مستقلة ضمن ما أسماه سلسلة «مسائل حرجة في فقه المرأة» ناقش فيها مسائل الستر والنظر وتوابعها، أهلية المرأة لتولِّي السلطة على
________________________________________
(13)صدر الكتاب عن دار القلم، الكويت 1990.

[الصفحة - 170]