البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : مباني علم المعرفة في الفلسفة الأنسيَّة

الباحث : أ. مريم صانع بور

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 26

السنة : السنة السابعة صيف 1423هجـ 2002 م

تاريخ إضافة البحث : February / 17 / 2015

عدد زيارات البحث : 258

حجم ملف البحث : 86.134 KB

 تحميل

مباني علم المعرفة في الفلسفة الأنسيَّة

أ. مريم صانع پور (*)
تمهيـــــــد

الفلسفة الإنسانية، أو الأنسيَّة، التي ظهرت في القرن السادس عشر، بوصفها تفكيراً خاصَّاً يعتمد على الأصل الديكارتي: «أنا أفكر إذاً أنا موجود»، ركّزت على الإنسان بوصفه مبنىً وحيداً للمعرفة، ووصلت في مسيرتها إلى التناقض، لدى «هيوم»، في اعتماده وجهتين هما: «الأنا العقلانية والدين التجريبي»، لأنه أنكر العالمَ المادي، كما أنكر النفسَ الإنسانية التي كانت محورَ المعرفة.
وبعد هيوم، سعى كانط، في ثورته الكوپرنيكيّة، إلى إعادة إحياء «الأنا»، أما خلفاؤه، فلتلافي الثنائية بين «مفهوم الشيء» و «الظاهرة»، الذات والموضوع، وعدم الوصول إلى حقائق الأشياء، اختاروا الوحدة بين الذات والموضوع. وفي الوقت الذي كانوا أوفياء فيه لذاتية كانط طرحوا بعض الحلول: كطرح «أسبينوزا» للجوهر الفرد، و«لايپنتز» للمذهب الذرّي و «ماليرانش» للمذهب الظرفي، وبعضهم قدّم ملاحظات سفسطائية كـ «فيخته» القائل: إن «اللاأنا» مخلوق «الأنا»، وقد تواصلت المسيرة، إلى أن انتهت بموت الله على يد «نيتشه» وألوهية الإنسان لدى «سارتر».
تعريف الأنسية(Humanis)، جمهورية الإنسان
الأنسيّة حركة فلسفية وأدبية، انطلقت في النصف الثاني من القرن الرابع عشر من إيطاليا، وانتقلت إلى البلدان الأوربيّة الأخرى، وقد شكّلت هذه الحركة أحد عوامل الثقافة الجديدة، كما أن الأنسيّة فلسفة تقيم وزناً لقيمة الإنسان أو لمقامه، وتجعله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)ترجمة:د.دلال عبًّاس.باحث من إيران

(الصفحة -9 )


ميزان كلّ شيء. وبتوضيح آخر، ترى أن الأصلَ هو مصير الإنسان وحدوده وميوله وطبيعته البشرية، فقد كان الأنسيّون مصمِّمين على أن يعيدوا إلى الإنسان، بوساطة الآداب الكلاسيكية، تلك الحياة الروحية التي كان يتمتع بها في العصر الكلاسيكي والتي فقدها في القرون الوسطى، وهي نفسها روح «الحرية» تلك التي توجه الإنسان نحو الاستقلالية والقيادة الذاتية autonoqٍ ، وتسمح له، حين يجد نفسه أسير الطبيعة والتاريخ، بأن يبحث عن استعداداته، ليستطيع التحكُّم بالطبيعة وبالتاريخ.
پيكودلا ميراندولا Picodellu Mirandolaٍ (1463 ـ 1494م) أعلن عن إيمانه بالإنسان في خطبته المعروفة: «مقام الإنسان»، وقد ورد في هذه الخطبة من كلام الله ما يأتي:
«أيها الإنسان، أنا لم أهبك مقاماً مقدّراً سلفاً، أو سيماء خاصّة، أو امتيازات خاصة، إنما أنت الذي يجب أن تحدّد مصيرك من دون أيّ ضغط أو إكراه، بوساطة «القدرة على الاختيار» التي خلقتُها في جبلّتك، لقد جعلتك في مركز الكون بحيث تتمكن من تلك النقطة أن ترى بشكل أفضل كلّ ما هو في الكون، أنا لم أصنعك سماويّاً أو أرضيّاً، فانياً أو خالداً، لتتمكن، كأستاذٍ مطلق وحرّ، أن تصبَّ قالباً، وتصنع نفسَك على الشكل الذي تختار».
بعد ذلك بسنوات، بحث الفيلسوف الَأنَسي الفرنسي «تشارلز پويل» Charles Bouille (1475 ـ 1553م)، هذا الموضوع في كتابه المسمى «ساپينْت» De Sapiente ، حيث يجعل فيه «الإنسان العاقل» معادلًا لپروموثيوس (1) ، وتلك المعادلة تكمن في العقل الذي أعطاه پروموثيوس لقوى الإنسان، «ليهبَ طبيعتَه الكمالَ» (2).
وهكذا كان الأنسيون يعتقدون أن العقل البشريّ الموازي لعقلِ الله، قادرٌ على أن يتحكّم بالإنسان وبالنِّظام البشري.
إن «مفهوم الذات»، انطلاقاً من أسس علم النفس الأنسي، نقطةٌ محوريّة في هذا التركيب الشخصي الذي طُرح في نظرية المعالج النفسي «كارل راجرز» Carl Rogers (المولود عام 1902م)، إن استنتاجات الفرد عن العالم المحيط به مستمدة من تجربته الشخصية، وتسوقه هذه الاستنتاجات قسراً نحو التحيّز لحاجات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)جاء في الأساطير اليونانية أن بروميثيوس قام بخلق الإنسان، ومنحه التكلم بقدرته وعلمه القراءة والكتابة.
Encyclopedia of philosophy, paul edivardo. v.u.p.67.7. (2)

(الصفحة -10)


«الذات»، ويؤكد روجرز أن الفرد في مسيرة نموّه يتعب كثيراً «لتحقيق الذات» Self-actualization و «الدفاع عن الذات» Self-mainenance ، و «تعزيز الذات» Self-Cempercerent . وقد شدّد عالم النفس السويسري «لودفيك بنيس فانجر» Ludwing Beins wanger (1881 ـ 1957م)،أحد طلائع علم النفس الوجودي، على مفهوم «الوجود المتعيّن» World desing ، الذي اهتم فيه بكليّة الوجود الإنساني، وفي هذا النمط من الفهم، ينظر إلى النمو والرشد بشكل خلاق يتمكن الإنسان، في أثنائه، من تحقيق ذاته، متّبعاً نظام قيمه الذاتية (3).
الملاحظ أن علم النفس الأنسي، يتوجَّه إلى الإنسان بوصفه موجوداً يتكىء على ذاته تماماً. وفي هذه الرؤية، كل واحدٍ يتحرّك فرداً وحيداً منعزلًا، ولا يتحرَّك النَّاس بوصفهم أفراداً من نوع واحد مشترك. أمَّا نظام القيم المتحكم بسلوك كلّ فردٍ من الأفراد، فقائمٌ بذاته كلّيّاً، كأنّ هنالك بحسب رؤية الأنسيين عللًا فاعليةً وعللًا غائيةً داخل الإنسان أيضاً، إلى حدّ أن الفرد يحقق عملياً جميع استعداداته وقواه الذاتية، وهو وحيدٌ ومنقطع عن العلل الخارجية. وأكثر من ذلك، بإمكانه التحكم في غاية وجوده؛ وهو في سعيه لتحقيق ذاته والدفاع عنها وتعزيزها، يبقى وحيداً كليّاً وقائماً بنفسه، بحيث أن هذه الوحدة الوجودية: الوجود المقيّد وصلت في عقيدة بعض علماء النفس، من أمثال «جون كلارك مرتكاس» Clarc Mortakas ، إلى اضطراب مفرط.
لقد تأثّرت أكثر المذاهب الفلسفية، بعد عصر النهضة، بالفكر الإنساني على نحو ما، كالشيوعية التي قدّمت أكثر النظريات المتعلقة بالشعب وبالصراع الطبقي، وكالداغماتية التي أكدت على أصالة العمل، والشخصانية التي قالت بقدرة الروح الإنسانية على التأثير، والوجوديّة التي أكّدت بشدّة على الوجود الفعلي للإنسان (4) ، هذه الفلسفات جميعها نظرت إلى الإنسان بوصفه موجوداً قائماً بذاته، هو الفاعل وذاته الغاية.
تحليل للبناء الذاتي في التفكير الأنسي
وكما تمّ، في عصر النهضة، التأكيد على قيمة الإنسان واستقلاليته وحريته (إلى حد وضع عقل الإنسان بموازاة عقل الله)، وقعت فلسفات ما بعد النهضة تحت تأثير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Ency-dopedia snitamca u.6.p138. (3)
See Encyclopedia of philosophy. powlEdwondo. u.a.p.72. (4)

(الصفحة -11)


هذا الاعتقاد، وسعت لصوغ الإنسان القائمِ بذاته والمكتفي بذاته مبدأً للعلم المعرفي، وكانت نقطة البداية أن نُسبت إلى الإنسان، مستقلًّا، القدرةُ على خلق العلم والمعرفة، من دون العودة إلى أيّ مصدرٍ متعالٍ؛ أي أنهم عرفوا الوجود الإنساني مبدأً للعلم المعرفي.
سنبدأ، في هذا القسم، بالكلام على المراحل التي مرّ بها مثل هذا الفهم للإنسان، انطلاقاً من آراء الفلاسفة الذين يمثلون أبرز شخصيات الفكر الأنسي.
1 ـ رينيه ديكارت (1596 ـ 1650)
افتتح ديكارت مسيرة علم المعرفة الأنسي بجملته المعروفة: «أنا أفكر إذاً أنا موجود». وبعد أن شكّ في كلّ ما يمكن الشكّ فيه، شكّ في القضيّة التي لا يمكن الشك فيها، وهي «الأنا» أو «الذات»، ومنها انطلق إلى إثبات وجودِ الله، بمعنى: بما أنني موجود فإن الله موجود (5) . النقطة الأخرى التي يجدر بنا أن ننتبه لها هي أن ديكارت، في كتاب «التأمُّلات»، حيث ابتدع المنهج التحليلي البرهاني، انشغل بنظام الاكتشاف وليس بنظام الوجود. في نظام الوجود، الله هو المقدّم... ديكارت في فلسفته الماورائية لم يبدأ بالأصل الوجودي المقدّم في نظام الوجود أي «الله»، وإنما بدأ بالنفس المتناهية... لقد بدأ من الإدراك الشهودي لوجود النفس، وانطلق منها لإثبات معيار الحقيقة، أي وجود الله، ووجود العالم المادّي... من الضروري أن نذكر أن المقصود من «الشهود» في فلسة ديكارت الفاعلية العقلية المحضة والرؤية العقلية الواضحة والمتمايزة من دون أي شك (6).
المعرفة، في تفكير ديكارت، بدلًا من أن تبدأ بقوس انحداري يبدأ من مبدأ الفيض (الله) ليصل إلى أشياء العالم المادي، ليعود في مسيرته التصاعدية ليصل من جديد بصورة أكمل إلى شهود الحق، بدأ أولًا من النفس الإنسانية المتناهية، ثم جهد بعد ذلك ليصل إلى المعرفة اللامتناهية؛ ومعرفةُ الله الموجود بالضرورة، هي الحجّة لإثبات وجود العالم المادي؛ وبما أنّ الله موجود وغير خادع، وكل شيء يعتمد عليه، إذاً هنالك عالم مادّيٌّ موجودٌ تدركه نفسُ «الأنا» وفكرُها، ولو أن هنالك وسائل أخرى لإثبات وجود العالم المادّي، لما بقي من حاجةٍ لوجود الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5)انظر: ديكارت، رينيه، تأملات في الفلسفة الأولى، (بالفارسية) ترجمة أحمد حمدي، التأملات الأول والثاني والثالث.
See fuderik charlo coplestor. A History of philosophy. u.a.p. 68 - 78. (6)

(الصفحة - 12)


في مسيرة علم المعرفة الديكارتي، يبدو أن الفاعل هو قوة تفكير الإنسان، والغايةُ أيضاً هي قوّةُ إدراكه، والله هو الذي هيّأ الوسائل فقط. وبتعبير آخر: الإنسان هو الهدف الفاعلي والهدف الغائي، وقد اختصّ الله نفسه بخلق علّة الاستعداد للمعرفة والاطلاع لدى الإنسان.
في مقدمة كتابه: «تأملات في الفلسفة الأولى»، يقول ديكارت موجهاً كلامه إلى رؤساء كلية الإلهيات في باريس: «لقد كنت أعتقد دائماً أن القضيتين المتعلقتين بالله وبالنفس، في مقدّمة القضايا التي يجب أن يُعتمد على الأدلّة الفلسفية لا الكلامية لإثباتها. لأنه على الرغم من أنه كافٍ بالنسبة إلينا، نحن المؤمنين، أن نصدق من طريق الإيمان بأن الله موجودٌ، وأنّ الروح لا تفنى بفناء الجسد، ولكنني واثقٌ بأنه من غير الممكن أن يؤمن الملحدون بواقعية أيّ دين، وحتى بأيّ فضيلة أخلاقية، ما لم نثبت لهم أولًا هذين الأمرين بالعقل الفطري» (7).
ولكن يبدو أنّه، على الرغم من جهوده النزيهة، قد أخطأ في طرقه الاستدلالية، لأن براهينه قبل أن تثبت وجود عالم الروح والمعنى، انجرّت إلى إثبات عالم المادّة والجسم. وبعبارةٍ أخرى، حين تُعتمد «أنا» الإنسان مبدأً للمعرفة (في حال فقدت اتصالها بكل ما هو فوق قوة فهمها المحدودة)، سيكون في النهاية عالم المادة المتناهي مصدراً للمعرفة، طبقاً لقاعدة سنخيّة العلَّة والمعلول (عوضاً من الله وخلود الروح التي هي أمورٌ لا متناهية). النقطة الأخرى هي أنّ ديكارت وصل في فلسفته إلى معضلة «الثنائية»، هنا يجب القول: إننا حين نعدّ الموجود المتفكّر متميزاً كلياً عن البدن، حينئذ سيكون جوهراً ذهنياً، وسيفكر على هذا النحو حتى إن لم ينوجد في العالم جسمٌ (كان جسمه أو أيّ جسم آخر).
الآن، من أين سيأتي هذا الذهن بأفكاره؟ الجواب واضح كلّيّاً: من نفسه، ومن نفسه فقط. فالذهن لديه هذا الاستعداد الطّبيعي لأن يجد في ذاته بوساطة الشهود المباشر، المفاهيم التي تدل على ذواتٍ حقيقيةٍ أزليّة وثابتةٍ لا تتغيّر؛ كالذهن نفسه والله والجسم (أي الامتداد المحض)، المثلث وغيرها.. في المجموعة الأولى من المفاهيم يمكننا العثور بسهولة على أوصاف مفاهيم «سانت أوغسطين» الإلهية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7)رينيه ديكارت التأملات، م.س، ص 16.

(الصفحة - 13)


ولكنّ مفاهيم سانت أوغسطين تسطع على سطح الذهن، في حين أن ديكارت يعدّها الآن موجودة في داخل الذهن نفسه (8) .
لقد كان ديكارت، في الواقع، باعثَ توسّع فكرة «أصالة المادّة» طوال القرن السابع عشر، وليس فولتير «فكيف بـ لوك»، لأن ديكارت أخذ في عهدته المهمّة الصّعبة، وهي إثبات تجرّد النفس بوساطة المنهج الرياضي، ولينجز العمل كاملًا، بدأ من أنَّ النفس التي كانت تعدّ صورة البدن بحسب الفلسفة المدرسية (9) جعلها هو الروح المفارقة للبدن، وهنا، حين تموت هذه الروح، يبقى بدنٌ لا روح فيه ولا نفس، صحيح أن البدن ليس أكثر من آلة، وديكارت نفسُه كان يقول مثل هذا، ولكنه لم يتوقّع أن تفقد هذه الآلة الإنسانية روحها في يوم من الأيّام، سيطلب إليها ـ وهي كذلك ـ أن تُنتج الفكر. هذا أنموذج من النتائج غير المتوقَّعة، وفي الوقت نفسه التي لا يمكن تلافيها ـ من منهج ديكارت الرياضي، إذا كنتم تريدون تجزيء واقعة مشخّصة عينيّة ـ مع الأخذ في الاعتبار مفاهيمها المتمايزة ـ إلى أشياء متعدّدة منفصلة عن بعضها، فإنّ الجوهر الإنسانيَّ الواحد، يتجزّأ إلى جوهرين متمايزين واقعيّاً باسم النّفس والبدن. لنفترض الآن أنكم لم تتمكّنوا من إثبات وجود مثل هذه الروح المفارقة بالبرهان الرياضي، وهذا معناه أن إثباتها بأيّ طريقة أخرى ليس ممكناً، ليس لديكم الحقّ بأن تتمسكوا بما يصيب البدن لإثبات وجود الروح، لأنكم بهذا المنهج يمكن أن تثبتوا وجود النّفس بوصفها صورةً فقط لمادّة البدن، وليس وجود الروح المفارقة، لأن وجود الروح لا يمكن أن يُثبتَ بالمنهج الرّياضي ولا بالطريقة التجريبيّة، وإنما النتيجة البديهية لهاتين الطريقتين أنّ الروح غير موجودة (10) .
لقد كانت الثُّنائية الديكارتية النتيجةَ الحتميّة التي لا يمكن تجنبها لمباني علمه المعرفي، لأنه بحسب علم المعرفة الديكارتية، حين تُعرف «الأنا» يُقطع اتصالُها كليّاً «بما فوق» الأمور الماورائية. إن انفصال النفس الإنسانيّة المفكرة عن الروح المفارقة يؤدي في النهاية إلى ثنائية الجسم والروح، إلى حدّ أنّ ديكارت لم يجد أيّ حلّ لمشكلة علاقة المادة والمعنى. وعلى الرغم من استعانته بالرياضيات، لإيجاد براهين تدلّ على أصالة الرّوح، لم يستطع إثبات الروح المجرّدة، التي قطع علاقتها بالنفس الإنسانيّة في بداية نظريته المعرفية، إنما أثبت فقط تلك النفس التي هي صورة البدن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8)جيلسون، أمين، نقد الفكر الفلسفي الغربي (بالفارسية)، ترجمة أحمد أحمدي، سردار حكمت للنشر 1373هـ.ش 1994م، ص 158.
(9)إشارة إلى كيفية فهم النفس الإنسانية في القرون الوسطى.
(10)نقد الفكر الفلسفي في الغرب، ص 167 و168.

(الصفحة - 14)


فمن ناحية معينة، حتى إذا أخذنا في الاعتبار جوهر ديكارت الذهني مستقلًا استقلالًا كاملًا ولا علاقة له بالجسم ـ لأنه بناء على نظريته، جميع أفكار هذا الجوهر الذهني وتصوراته تنبع من النفس الآدميّة، وليس للمجرّدات فوق المادية دورٌ في إفاضة تلك الصور ـ فإنّ هذا الأمر لن يؤديَ إلى إثبات أصالة الروح، وإنما سينتهي بالضّبط إلى عكس ما هدف إليه ديكارت، (الذي كان يريد أن يثبت وجود الله وخلود الرّوح)، أي إلى أصالة المادّة في تفكير «لامتري»، أي من قلب البحث عن الروح الديكارتي خرج تفكير لامتري المادي، لأنّ أفكار ديكارت، كانت صادرة عن نفس الإنسان المتناهية والمحدودة، وخرجت من قلب «الأنا» كفاعل معرفي، في النتيجة، وصل زمانٌ وجد فيه الجسمُ أصالةً، ـ تبعاً لقطع الارتباط بين الروح والمادة ـ (حتى وإن تشكل من منظور إثبات الروح)، لأن لأصالة الروح الديكارتية جذوراً في النفس البشرية المتناهية كما أنّ للنفس الآدميّة المتناهية جذوراً في التصورات والأفكار المنبعثة من ذات الإنسان المتناهية. بناء على ذلك، فإنّ نظرية المعرفة الديكارتية هي التي أوصلت إلى أصالة الجسم والمادّة في الفكر المادي، إلى حدّ أنه يظهر عياناً في فكر ماركس، أنّ ظاهرة التفكير ناشئة أيضاً عن الجسم والمادّة، وقد فقدت النفس والروح القيمة والمنزلة اللتين كانتا لهما في فكر ديكارت، وقد جاء هذا الأمرُ نتيجةً حتميةً للاعتماد على النّفس الإنسانيّة المتناهية، كفاعلٍ معرفي في فكر ديكارت. من ناحية أخرى، بناءً على عقيدة «جيلسون» لا يمكن الاستفادة مطلقاً، لإثبات وجود الروح، من منهج ديكارت الرّياضي، أو المنهج التجريبي للتجريبيين، لأنّه ليس للتعقل المحض في الرّياضيات القدرة على الإحاطة بالروح المفارِقة، وليس للمشاهدة والتجربة والخطأ في العلوم التجريبية مثل هذه القدرة، وكلٌّ من العقل أو التجربة يثبت ما هو واقع تحت مجموعاته فقط، وليس قادراً على إثبات أمورٍ تقع خارج تخومه.
هكذا، فإنّ الله الذي تثبتُ وجودَه فلسفةُ ديكارت، هو بناء على مقولة جيلسون إله مفهوميٌّ المفهوم، مناسبٌ لرفع النقص عن فلسفة ديكارت وليس إلهاً مصداقاً من المصداق، يمكن أن يُعبد، لأن ذهن الإنسان إذا كان قائماً بنفسه بشكل من الأشكال، فإنه يصبح فاعلًا معرفيّاً، وإلهٌ خلقه ذهنُ الإنسان، لا يمكن أن يكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الصفحة - 15)


أكثر من مفهوم قابع في الذهن؛ وهكذا تصبح «الأنا» بعد ديكارت هي الموضوع المعرفي المتقوّم بذاته Sulaject ، وكلّ شيء آخر، هو متعلّقُ «الأنا» المعرفيُّ object ، «الأنا» موجودٌ وكلّ العالم أيضاً.
في الواقع الذهن التصديقي الذاتي Subjectiveity غير الموضوعي، هو على نحوٍ ما من وضع الأنسيّة الدّيكارتية، أي أن الإنسان هو محور العالم. لم يكن لهذا الذهن التصديقي الذاتي سابقة قبل ديكارت، ولم يكن البشر يعدّون أنفسهم محور الأمور، بناءً على ذلك يمكن عدّ ديكارت مؤسّس هذه الرؤية.
2 ـ باروخ أسپينوزا (1632 ـ 1677)
اسپينوزا شخصية أخرى من الشخصيات المشهورة في تاريخ الفلسفة الإنسانية الأنسية، سنعمد في هذا القسم من البحث إلى تحقيق مباني علمه المعرفي وتحليلها.
لم يأخذ اسپينوزا من فلسفة ديكارت سوى أن وجود الله هو الضّامن اليقيني للعلم، وكذلك القول بالتمايز الذي تقول به هذه الفلسفة بين الفهم والإرادة. في رأي أسپينوزا الفكر الصحيح والسليم ـ كالأفكار الرياضيّة مثلًا ـ يحمل في ذاته يقينيّة وجوده. الفكر أو التصور تصديقيّ بنفسه، وفيه تجد الإرادة اتصالًا بموضوعها، بإمكان الذهن أن يستدلّ على مسيرة الطبيعة وعلى تكوينها وإحداثها بوساطة خط متسلسل، شريطة أن يتمكن من الحصول على علل جميع الآثار، كما يستطيع المهندس أن يصنع دائرة من علّة واضحة هي عبارة عن «ذات» الدائرة، بوضوح كامل...
لقد أثبتت الهندسة التحليليّة أن نظم الأفكار والتصورات يمكن أن يكون مشابهاً لنظم التعبيرات الفضائيّة، من هذا المنظار فإنّ معادلَ المنحني والمنحنيَ نفسَه هما وجودٌ واحد، لأنَّهما يؤلفان نظاماً واحداً، بناءً على ذلك إذا توصّل الذهن بالوساطة العلّيّة ـ التي لها الأولوية بصورة مطلقة، أو بعبارة أخرى، علّة جميع الآثار ـ أن يدرك اتصالات العلل والمعلولات، سنرى أن سلاسل العلّيّة هذه في تلك الوحدة تشمل تصور الفريقين وموجوداتهما الخارجيّة، وما من أمرٍ يمكن إدراكه أو الإحساس به، يتقدم ويرتقي خارج هذا الميدان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الصفحة - 16)


إن الفكر في حركة الوحدة التي لها ضرورة منطقية، وفي وحدتها التي تحمل عمل التعقّل والإرادة، يحتاج إلى عالمي المادة والروح كليهما.
الجوهر والدليل والعلّة التي لها من الناحية المطلقة الأولويّة بذاتها ولذاتها، سماها أسپينوزا «الجوهر». هذا الجوهر يوضّح كلًّا من الفكر وامتداداته، ويرى فيه العقلُ البشري الله وجوداً لا متناهياً بالمطلق (11) .
وهكذا يتبيّن، من آراء أسپينوزا، في مباني علمه المعرفي، أنه لم يعد هنالك من حاجة إلى الإله الذي كان في فلسفة ديكارت العلّة المعِدّة للعلم وللمعرفة، بمعنى أنّ أسپينوزا كان يعتقد كذلك بقدرات الإنسان واستقلاليته في المعرفة، حتى دور الله كعلّة إعدادية (التي كانت في فلسفة ديكارت موجب اليقين بواقعية العالم المادي) لا يعدّه ضرورياً، لقد قال بقوة الفكر الإنساني إلى حدّ أن بإمكانه الإحاطة بجميع الأمور (حتى الأمور التي لا نهاية لها)، حتى أن الفكر البشريّ بدلًا من أن يكون تحت تأثير مجموعةٍ من العوالم، صار عالمُ الوجودِ نفسه خاضعاً لمجموعة من الأفكار الإنسانيّة.
كان أسپينوزا يقول بقدرة الفكر على تكوين مسيرة الطبيعة وإحداثها، وإنَّ الفكر الإنسانيّ قادرٌ بحصوله على العلّة، أن يشرف أيضاً على المعلولات، وبالحصول على الجوهر الواحد يمكن أن يدرك الإثنين التاليين له (أحدهما التصورات الذهنية والآخر الموجودات الخارجية). لقد سعى أسپينوزا بطرحه لفكرة «الجوهر الواحد» أن يحلّ مشكلة انفصال المادة والروح في فلسفة ديكارت، لأن جوهر أسپينوزا الواحد يمكن أن يكون نقطة البداية للمادة وللفكر، وفي اعتقاده أنّ العقل البشريّ قادرٌ حتى في اتصال الفكر بالمادة الذي هو الجوهر نفسه أن يرى الله وجوداً مطلقاً لا نهائياً، لقد كان مخالفاً للفكر الديني، وكان يعتقد بالتوحيد العقلاني الصّرف، كأنّ التفكير الديني يخفض فعالية الذهن البشري، ويجرد وراءه الذهن الانفعالي.
إن ركيزة علم المعرفة، لدى أسپينوزا، تكمن أيضاً في قدرة العقل البشري الموازي للعقل الإلهي. ويرى أن التأثر بالتعاليم الدينية مناقضٌ للتوحيد العقلاني، كأنّ عنصر الوحي بهذا المعنى يخدش استقلالية العقل الآدمي، ويجب في رأيه عوضاً من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11)ووكاسة، بيير، الفلسفات الكبرى (بالفارسية)، ترجمة أحمد آرام، طهران، 1348هـ.ش. 1969، ص 899 ـ 900.

(الصفحة - 17)


التوحيد المنبثق من الدين التفكيرُ بتوحيد عقلاني، بحيث يجب القول: إنه إذا كان في نظر أسپينوزا (شرط حصول الإنسان على الفكر، وامتداد ذلك الحصول إلى علتهما أي إلى الجوهر الواحد)، فما هي طرق الوصول إلى هذه العلّة وهذا الجوهر الواحد؟
يبدو، هنا، نوعٌ من الخلط بين مجالي المفهوم والمصداق، يجب طرح السؤال الآتي: هل هذا الجوهر الواحد هو مفهوم العلّة الصّرف أو هو مصداق العلّة؟ إذا كان مثل إله الفلسفة الديكارتية هو المفهوم نفسه، لربما أمكن تصوّر المفهوم اللامتناهي في الذهن، الذي هو طبعاً تلك العلّة الذهنية مخلوقة الذهن. أما إذا كان الله في فلسفة أسپينوزا قد طُرح مصداقاً ووجوداً حقيقياً، فكيف يمكن هكذا للذهن وللعقل المتناهيين، أن يحيطا بما هو متعيّنٌ في الخارج بوصفه وجوداً لا متناهياً؟
يبدو أنه حتى توحيد أسپينوزا العقلاني، والحصول على العلة التي تضمّ الاثنين التاليين في فلسفته: الفكر وامتداداته، غير ممكن من دون قبول تصور الله وكمال الإفاضة من جانب «الله» خالقه، وليس «الله» مخلوق الذهن، أي يجب معرفة العلَّة، التي أفاضها الله من ذاته على الذهن بوصفه موجوداً حقيقيّاً لا متناهياً (لازم هذا الأمر أخذ المدد من الوحي) ليتمكن بتصور العلّة أن يُشرف على معلولاتها، ومثل هذا الأمر لا يأتي من إله مفهوميّ من خلق الذهن.
المتعالي، في فكر أسپينوزا، هو في الأصل فكرُ الإنسان وعقله، بحيث إن عقل الإنسان محيطٌ والله المعادلُ للطبيعة محاطٌ في عقل الإنسان، والنفس والبدن في رأيه شأنان أو حالتان متناهيتان لصفتين من صفات الجوهر الإلهي، وهذا الأمر معناه تساويهما مع الله، وهو نفسه المذهب القائل «كلّ شيءٍ هو الله» (12) ، أو وحدة الوجود في فكر أسپينوزا تختلف اختلافاً جذرياً عن ذلك المعنى العرفاني لوحدة الوجود القائل: إن العالم كلّه ـ وضمناً الطبيعة ـ هو تجلٍّ لله، لأنَّ إله العارفين محيطٌ بعالم الوجود كلّه، ومن ضمنه الطبيعة، في حين أن إله اسپينوزا محدودٌ في عالم الطبيعة.
يمكن الوثوق، أصولًا، في تفكير أسپينوزا بالأشياء الجزئية قبل المفاهيم الكليّة، كما أنه لا مجال لحضور الكليّات في الأشياء، بحيث أن هذه الصور تظهر في الأفراد المختلفين بصورة مختلفة، وما يسميه أسپينوزا «المفاهيم الكليّة»،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12)جيلسون، آتين، نقد الفكر الفلسفي في الغرب، ص 180.

(الصفحة - 18)


يختلف من فردٍ إلى آخر، ومن هذه الوجهة، لا شك في أن المعرفة التي يُعبّر عنها بهذه «المفاهيم الكليّة» معرفة مضطربة (13) .
إذا اعتمدَ ـ بناءً على نظريّة أسپينوزا ـ العقلُ الآدميُّ وحدَه ميزان العلم والمعرفة، معنى ذلك أن المعرفة تختلف بحسب تعداد بني آدم، لذلك، حتى إن اعتقدنا بالجوهر الواحد علةً ومبدأً، فإنّ هذا الجوهرَ الفردَ الذي خلقه ذهنُ الإنسان، لكثرة بني آدم وكثرة المعارف، سيُبتلى بالكثرة، ولن يبقى بعدئذ جوهراً فرداً، ليتمكن من متابعة مقصد واحد، وسيضطر للانجرار إلى اللاهدف، لأنّه باختلاف المعرفة بالنسبة إلى العلّة الفاعلية، لا يمكن الوصول إلى الوحدة في الهدف إلى العلّة الغائية، وهنا، حين يُفقد الهدف فإن الحسن والقبح يصبحان بلا معنى، ويصبح الأمرُ نسبيّاً ومرتبطاً بمخيّلة الأفراد.
3 ـ عمانوئيل كانط (1724 ـ 1804)
قام كانط، في أوج رواج علم المعرفة الأنسي، بثورة كوپرنيكية (مركزية الشمس)، في العلم والفلسفة، بمعنى أنه كان يعتقد أن الإنسان موضوع وفاعلٌ (الذات)، وفي الوقت نفسه، هذه «الذات» نفسها لها دخلٌ في المعرفة، ليس صحيحاً أن الأشياء هي فقط التي تنعكس في الذهن، ولكنّ الذهنَ نفسَه هو منشأ المعرفة ومبدأها، والعمل المعرفي حاصل تفاعل «الأنا» في دور الذات، و «غير الأنا» في دور الموضوع وعمله.
كان كانط يتصوّر أن الذهن يتضمّن ثلاث قوى أصليّة: «الإحساس»، و «المعرفة» و «الإرادة»، وكلٌّ منها مختصٌّ بواحدٍ من ثلاثة أنواع من النقد والتمحيص (14) ، ويعتمد كانط وأتباعه على المعرفة للتوصّل إلى النتائج الفلسفية وفي مشربهم تأكيد رجحان كفَّة الذهن مقابل المادّة، وهذا القول مؤدّاه في النهاية، أن لا وجود لغير الذِّهن (15) .
يقول كانط: إن دنيا الخارج لا تبعث سوى مادة الإحساس، أما آلتنا الذهنية، فهي التي تنظم هذه المادة في الزمان والمكان، وتهيء التصورات التي نفهم التجربة بوساطتها. إن الأمور بحدّ ذاتها، أو الأشياء بنفسها التي هي علل إحساساتنا، ليست
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13)و. هاملين ديفيد، تاريخ «علم المعرفة» (بالفارسية)، ترجمة شاپور اعتماد، مركز تحقيقات العلوم الإنسانية، طهران 1374هـ.ش، 1995، ص 43.
(14)پاپكين، ريتشارد، استرول، آروم، كليات الفلسفة، ترجمه إلى الفارسية سيد جلال الدين مجتبوي، منشورات حكمت، طهران، 1374هـ.ش، 1995، ص 233.
(15)راسل برتراند، تاريخ فلسفة الغرب، ترجمه إلى الفارسية نجف دريابندرى، فرانكليني 1353هـ.ش، 1974م، الكتاب الثالث، ص 374.

(الصفحة - 19)


معرفيّة، وهذه الأمور ليست واقعة في الزمان ولا في المكان، وليست جوهراً، ولا يمكن وصفُها بأيٍّ من التصورات الكليّة التي يسميها كانط نفسه «المعقولات». والزمان والمكان ذهنيان، وليس لهما وجود خارجي، وهما جزء من آلة إدراكنا، ويقول كانط: إن الزمان والمكان ليسا تصوراً، وإنّما هما شكلان من أشكال «الرؤية»، لكن التصورات موجودة من قبل، وتلك «المعقولات» الاثنا عشرية، أخذها كانط من المنطق القياسي (16) .
إن محور أفكار كانط هو أن عالمنا موجود بقدرِ ما نفكّر فيه، أي بذلك المقدار الذي يتبع قوانين التفكر، يقول:
«لقد افتُرضَ حتى اليوم، أن جميع علومنا ومعارفنا، يجب أن تأتي مطابقة لواقع الأشياء، حسناً، فليحققوا مرّة واحدة في هذه المسألة القائلة: إنه إذا نظمت الأشياء طبقاً لمعرفتنا، لربما أعطتنا سعادة أكبر».
هذه هي نفسها الثورة العارمة، التي حدثت في نظرية المعرفة، وعبّر عنها كانط نفسه، في أثناء مقارنته بينها وبين ثورة كوپرنيك في علم النجوم. بناءً على ذلك، فإن يقيناً مرتبطاً بالحقائق العلمية، أمرٌ يمكن أن نعدّه خطأً أو توهّماً، إنّ بنيةَ الذهن البشري نفسَها معدَّةٌ بحيث تستوعب في داخلها جميع معارفها خالصة وحقيقية في الحدود التي اكتُشفت من طريق النقد.
ومن أجل هذه الواقعية التجريبية، الشرط الأصلي «للتصور» هو خارج التجربة، إن «الشيء بذاته» لا يُعرف من طريق العلم، والعقل الذي يتصور أنّ باستطاعته أن يتوصّل إلى جوهر الأشياء وعمق «الأنا»، بمنظار علم النفس مخطى.
علم النفس والعقل والميتافيزياء متعلقة «بالشيء بذاته»، والعلم الإلهي العقلي غير موجود، ولا يمكن أن يكون موجوداً، نحن في علم كانط المعرفي، لا نحقّق سوى في «الأعراض». يبدو، بناء على ذلك، بالنسبة إلى أي شيء خارج عن محوطة علم الظاهر، أي علم الأخلاق وعلم الدين، يميل نقد كانط قبل مذهب هيوم الشكي وبصورة، أكثر جذرية منه إلى النفي والإنكار، لأنّ الاعتماد على قوى العقل الذّاتيّة لا يوصل إلى شيء» (17) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(16)م.ن، ص 380.
(17)ووكاسة ـ پير، الفلسفات الكبرى، م.س.، ص 105.

(الصفحة - 20)


وتحلّل فلسفة كانط قدرات الفكر البشري على نحو أكثر تنظيماً من الفلسفات الإنسانية التي سبقتها، وتعترف بشكل منصف، أن العقل البشري الذي هو في تفكّره قائمٌ بذاته (من دون ارتباط بعاملٍ ما فوق عالم المادة)، ليست لديه القدرة على معرفة الحقيقة. وبتعبير آخر، فلسفة كانط هي عالم الأعراض والظواهر، وليس في هذا أيُّ أثرٍ للحقيقة. وهو في جوابه عن مشكلة الثنائية الدكارتية، عرَّف بالحقيقة وبالمعنى الواقعي للموجودات، التي لم تتوصّل إليها الفلسفة الدكارتية. وليس في نظرياته أيّ أثر للجوهر الواحد السپينوزي، كموفّق بين المعنى والمادة، وكذلك ارتباط الفكر بامتداداته أي المادة، قد انقطعت أيضاً، إلى حدّ أن يقولَ كانط، أن لا طريق أساساً يوصل إلى حقيقة الأمور، وحتى إلى عمق «الأنا» وحقيقتها من منظار علم النفس.
إنّ حدود المعرفة تتلخص في الأعراض الذهنية للموجودات، وهذه، كانت النتيجة الطبيعية لمحاولة كانط أن ينظم الأشياء مطابقة لمعرفة «الأنا»، ولعدِّه الذهن البشريَّ المحورَ والأصلَ الذين يهبان الأشياءَ صورَها.
«لقد صرَح كانط، في فلسفته، بأنَّ العالمَ الخارجيَّ يتحقّقُ عن طريق التصور الذي يتشكَّلُ في ذهنِ العالِم، وتخلّى عن مثاليته بالنسبة إلى الماورائيات وعلم الكون، ليتمكن بالعقل وبمعرفة المنهج النقدي من تحصيل العلاقة بين العلَّة المعلول» (18) .
«يعتقد كانط أننا نعرف العالم بالطريقة التي يمكننا أن نعرفها، وتتدخل الذات في هذه المعرفة (ثورة كانط الكوپرنيكية)؛ بمعنى أنّ الإنسان هو الذي يهب العالمَ معناه، والإنسان هو واهب الصور، أنا موجود بأن أعطي عمل المعرفة، بـ «الأمر نفسه» صورته. وهذه هي المرحلة الجديدة من الفلسفة «الَأنسِيَّة»، أي أنّ العالَمَ بحدّ ذاته مادّة محضةٌ، وعالَمُ الأمر نفسه هيولي، وأنا الذي أهبه الصورة» (19) .
الفرضية في فلسفة كانط تقول: إن الإدراكات هي علم الأشياء بذاتها، أو هي بحسب قولنا نابعة من وقائع العالم المادّي. لكن هذه الفرضية ليس لها أيّ ضرورة منطقية على الإطلاق، فإذا تركنا هذه الفرضيّة، لن تكون الإدراكات حينئذ «ذهنية» أي معنى من المعاني، لأنه ليس هنالك ما يقف في مواجهتها. «الشيء في نفسه»،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(18)ديويي، جان، بنية الفلسفة الجديدة، ترجمه إلى الفارسية صالح أبو سعيدي، منشورات إقبال. طهران ـ 1373هـ.ش، 1994م، ص 57.
(19)الفلسفة، والبحث عن الحقيقة، ترجمه إلى الفارسية سيد جلال لادين مجتبوي، منشورات حكمت، 1370هـ.ش، 1991م، ص 280.

(الصفحة - 21)


في فلسفة كانط، عنصرٌ غيرُ متعيّن، وقد تخلى عنه ورثة كانط المباشرون كلّياً، فوقعوا نتيجة لذلك في مأزق شبيه بـ «أصالة الأنا» Solipasm لدى ديكارت.
الفلاسفة المتأثرون بكانط
إن تناقضات فلسفة كانط هي التي جعلت من غير الممكن تجنُّب هذا الأمر، فكان على الفلاسفة الذين تأثروا بكانط أن يتجهوا بسرعة نحو التجربة، أو باتجاه المطلق..
«فيخته» (1762 ـ 1814)، خليفة كانط المباشر، تخلى عن فرضية «الأشياء في ذاتها»، وأوصل الاعتقاد بأصالة الذهن إلى حدّ بدا كأنه جنون؛ يقول: «إن «الأنا» Ego هي الواقعة النهائية الوحيدة، وسبب وجودها هو أن وجود الله مبنيٌّ عليها، و «اللاأنا» التي هي واقعة فرعية موجودةٌ أيضاً لأن «الأنا» سببُ وجودِها» (20) .
كان تأثير علم كانط المعرفي في تلميذه فيخته، أنّه إضافة إلى قبوله ما جاء في فلسفة كانط عن فاعلية الذهن المطلقة، سعى إلى حلّ الثنائية الديكارتية، لأن التعارض بين الموجودات والظواهر بمنظار كانط، أصبح أعمق بكثير من التعارض بين الجسم والروح الديكارتي، لذلك سعى لأن يستبدل الوحدة من جديد بالثنائية، لكن الحاكم المطلق في هذه الوحدة، كان ذهن الإنسان لا غير، لذلك سأل: «من أين يُعلم أن مادة العلم أيضاً كصورته، ليست في الذهن نفسه، وإذا كانت كذلك ينتفي امتياز الأعراض والذوات، لأننا اعتبرنا الأعراض نتيجة مؤثّرات تدخل إلى الذهن من الخارج، ولكن بما أننا اعتقدنا أن لا تأثيرات تصل إلى الذهن من الخارج وكلّ شيء يأتي من الفكر نفسه، فإنّ الأعراض تصبح غير حقيقية، ولا يبقى مجالٌ لوجود الذوات التي كنا نظنّ أنها منشأ تلك الأعراض، والأصل الأصيل هو شيءٌ واحدٌ، أي هو نفسه الذي يُنسب إليه العلم وهو الذي يقول «أنا»، وهو نفسه الذي يصنع المعلوم ويخلقه. بيان المسألة، أنّ ما يعلمه الناس عن «الوجود» وهو إما «الأعراض» أو «الذوات»، ليس حقيقياً وإنما هو ظواهر، ليس ذاتاً وإنما هو مظهر، الحقيقيُّ هو تلك «الأنا» نفسها» (21).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20)كاسيرر، ارنست، الفلسفة والثقافة، ترجمه إلى الفارسية بزرگ نادر زاده، مؤسسة المطالعات والتحقيقات الثقافية، طهران 1360هـ.ش، 1981م، ص 397.
(21)فروغي، محمد علي أسير حكمت در اوربا، زوّار، طهران، 1344، ج3، ص 19.

(الصفحة - 22)


«الأنا»، بناء على نظرة كانط هذه، لا تستطيع حتى أن تكون كاشفة لحقيقة الأشياء، وفي تفكير تلميذه فيخته، الحقيقة المحضة منحصرة بالفرد، وهكذا يلخص فيخته جميع الأشياء بصورة مطلقة في الظاهرة نفسها، وبتعبير آخر: ليس «الموجود» في رأيه سوى «الظاهرة»، لتحل الوحدة لديه محلّ ثنائية كانط.
أما في ما يتعلق بمعرفة ما بعد الطبيعة، فإنّ كانط يعتقد أن معرفتها محال «لأن كلّ ما يتصوره الذهن، فهو يتصوره من خلال الزمان والمكان». بعبارة أخرى: الحواس هي منبع المعرفة الأول والوحيد، بناء على ذلك، لا اعتبار للمقولات إلا إذا ارتبطت بالتجربة الحسّيّة، ولكل مقولة ارتباط خاص بالزمان، ومن الصعب أن يكون للمعقولات التي هي بحسب التعريف لا زمانية في الأصل، اعتبارٌ ومعنى» (22) .
لقد استنتج كانط أن عمل «علم ما بعد الطبيعة» الهدّام، بالمعنى المتعارف عليه، محكومٌ بالانكسار والفشل، فقوّة الفهم لدينا، تستطيع في حدود قدرتها القصوى أن تكشف فقط أوضاعاً وأحوالًا تجعلنا نتعرف إلى العالم الظاهر، لكنّ أيّ جهد للذهاب وراء هذا العالم، واستخدام أوصاف أحكامنا الضرورية بالنسبة إلى التجربة لكشف عناصر العالم الواقعي، تنتهي دائماً بالانكسار وسوء العاقبة. نحن لا يمكننا القول مطلقاً: إنَّ عالم الذات المعقول زماني ومكاني، يمكننا فقط أن نقول: إن العالم الظاهر يجب أن يكون هكذا، ولا يمكننا أن نقول مطلقاً. إن عالم الذات المعقول يشمل جواهر وأعراضاً مرتبطة معاً من ناحيةٍ علّية، ولكن يمكننا القول فقط: إن عالم الحقّ يجب أن يفسّر على هذا النحو، وبناء على ذلك فإنّ كلّ جهدٍ للبحث والاستدلال عن حدود «الذات» (النفس)، أو «الشيء في نفسه» (العالم)، أو الله، هو بنظر كانط توهّم جدليّ مؤسف (23) ، يقول كانط:
«إن منهج الميتافيزياء الصحيح هو أساساً المنهج نفسه الذي استخدمه «نيوتن» في العلوم الطبيعية، وتوصّل بوساطته إلى نتائج باهرة» (24) .
وفي اليوم نفسه، وفي اللحظة نفسها، التي كتب فيها كانط هذه العبارات البسيطة، كان يعبُر «خطّ الموت»، الذي كانت وراءه تلك الصّحراء اليباب القاحلة، التي لا يستطيع أن يعيش فيها أي نوع من أنواع ما بعد الطبيعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(22)فلسفة يا پژوهش حقيقت، ص 290 ـ 292.
(23)كليات فلسفة، ص 201.
(24)نقد تفكر فلسفي غرب، ص 213.

(الصفحة - 23)


الملاحظ أنه إذا كان ديكارت قد اعتمد على قدرة العقل المتناهي للإحاطة بالله اللامتناهي، إلا أنّ أصول فلسفته الإنسانية انتهت مع كانط (بنقد العقل الخاص)، إلى القول بعجز العقل، وحين قطع الفكر الَأنَسي عَلاقة العقل بما وراءه، أي الوحي كلّياً، حُكمَ على الإنسان بالإقصاء عن عالم معرفة الحقيقة، وكذلك عن معرفة ما فوق عالم الطبيعة، كما أقفل في وجهه طريق الوصول إلى معرفة الله الطبيعية. وبتعبير آخر: إذا كان اسپينوزا قد جعل ذلك الإله القائم في الذهن الإنساني (مبدأً للمعرفة) محدوداً بعالم الطبيعة، لتكون معرفته ممكنة من دون اتصال بما وراء الذهن الآدمي، فإنّ عجز العقل في فلسفة كانط عن معرفة الطبيعة في نفسها أدّى إلى حرمان الإنسان حتى من معرفة الله المعادل للطبيعة (لدى اسپينوزا).
جولة في علم المعرفة الأنسي
إنّ نهضة الأنسيّة (المذهب الإنساني)، التي كانت قد طُرحت، في البداية، بوصفها توجُّهاً من التوجهات، تحوّلت في مسيرة تطوّرها في القرن الخامس عشر، التي بدأتها بالأصل الديكارتي: «أنا أفكر إذاً أنا موجود»، إلى فلسفة وطريقة خاصة في التفكير، والإنسان الذي لم يكن يحسّ في داخله بالحاجة إلى الدين سعى بعد عصر النهضة إلى بناءِ نظامه الفكري على أساس أصوليّ قائم على حريّة الإنسان وكرامته (من دون الاتباط بالخالق)، وفي هذه المسيرة طرح ديكارت الإنسان أساساً للكينونة وللوجود، على عكس التفكير المتعلق بالمبدأ، لأنّه في التفكير المتعلّق بالمبدأ «الكينونة» والوجود المطلق أصلٌ في موجوديّة الإنسان، وفي باب علم المعرفة، يصبح الإنسان «مبدأ المعرفة» في حين أنه في التفكير الذي يركز على «محورية الإنسان»، أو بتعبير آخر «البناء الفكري الذّاتي» (25) ، الإنسان أصل «الكينونة» والوجود، وهو بمنظار علم المعرفة «مبدأ المعرفة».
بناء على ذلك، فإن الأصل الديكارتي: «أنا أفكّر إذا أنا موجود»، الذي يشكل نقطة البداية لمحورية الإنسان في التفكير العقلاني، كان مرتبطاً بـ «الفطريات» (26) ، التي يمكن أن تكون ـ على نحو ما ـ نقطة اتصالٍ بالمبدأ، ولكن حين أُنكرت «الفطريات» في فلسفة «جون لوك» التجريبيّة (27) ، أحرز الإنسانُ استقلالًا كاملًا عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
See M. Heidegger, Lettre sur Lhumanism, pp. 61,63. (25)
(26)راجع، تأملات، التأمل الثالث.
(27)سير حكمت در اوربا، ج الثاني، ص 113 ـ 128.

(الصفحة - 24)


المبدأ، أما فلسفة باركلي (التي بُنيت على أساس «الأنا المدركة»)، حيث أدركت حاجة «الأنا التجريبية» إلى وجود الله فقد ابتليت بنوع من السفسطة، وبدلًا من إثبات وجود الله إنجرّت إلى بناء إله ذهنيّ (كان أسرع عطباً من الأصنام الخشبية والحجرية)، و «باركلي الذي كان يهدف في البداية إلى إثبات وجود الله، بعلمه المعرفي المثالي المبني على التجربة التي محورها الإنسان، وقد نجح عملياً في إثبات وجود إله قائم في ذهن الإنسان (مُدرَكٍ)، لم يكن سوى صنمٍ ذهنيّ صرف، لا وجود خارجيّاً له، وسيظهر في التفكير الفرويدي بعد ذلك بسنوات أنموذجٌ هذا الأمر أكثرُ وضوحاً (28) .
وصلت الفلسفة الإنسانية، في مسيرة تطورها في اتجاهين: «الأنا العقلانية» و «الأنا التجريبية»، إلى تناقض عجيب في فلسفة هيوم، ولم يبق لديه من حيلة سوى الشك، فأنكر عالم المادة (الذي استبعد في تفكير باركلي)، وأنكر أيضاً النفس الإنسانية التي كانت محور «المذهب الإنساني»، ما يشير إلى أنه كلما اعتُمد الإنسان مبدأ للمعرفة، لن يكون لشك ديكارت المنهجي (بعد عبور المراحل العقلانية والتجريبية) من مستقبل سوى «شك هيوم الماحق»، إلى حدّ أن هيوم لم ينف الجوهر الماديّ والضرورة العليّة فقط، وإنما أنكر أيضاً «الأنا النفسانية» التي كانت بعد ديكارت محورَ التفكير، وأوصل نظرية المعرفة التي تتمحور حول الإنسان إلى معبر مسدود، فهو يقول: «ليس لدينا أيّ تأثر بذواتنا، ولذا لا وجود لدينا لأفكار نابعة من ذواتنا» (29) ، وقد قيل: «إنّ مذاهب الشك كانت في تاريخ الفلسفة قرينة «للمذاهب الإنِسيّة اليقينية» (30) .
سعى كانط بعد هيوم ليهبَ «الأنا» التي كانت قد أعدمت، روحاً جديدةً وطرح في ثورته الكوپرنيكية الإنسانَ موجوداً واهباً للصور، حيث «يهب الذهنُ للمادّة الخارجية صورة الزمان والمكان، ويحولها إلى ظاهرة» (31) .
«شرع كانط الذي شكك بشكوك هيوم في مقدرة العقلانية والعقل المحض، بالتحقيق في مقدرة آلة الفهم الفاهمة، وعدّ معرفة «الأشياء في ذاتها» غير ممكنة» (32) ، وقد أعلن برغسون في انتقاده لنظرية كانط «أننا لا نرى في تفكيره أي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(28)ديورانت، ويل. لذات فلسفة، ترجمة عباس زرياب، ص 383.
(29)راسل، برتراند، تاريخ فلسفة غرب، ص 301.
(30)كاسيرر، آرنست. فلسفة وفرهنگ، ص 6.
Cant, Critigue of pure Reason in The Eueopean philosophers from . (31)
Descar Tes to Nietzche, ed. M. Bearkley, New York, 1960. Introduction
(32)فلسفة يا پژوهش حقيقت، ص 271.

(الصفحة - 25)


نسبة ممكنة الإدراك، أو أيّ قدر مشترك بين الشيء في نفسه أي الحقيقة الواقعة، والتنوعات المحسوسة التي نصوغ بوساطتها معرفتنا بالعالم الخارجي» (33) .
بعد أن عَبَر كانط خطّ «عدم اعتبار العقل»، شرع بالتحقيق في قوة فهم الإنسان الفاهمة، بوصفها واهبة للصور، وأقرّ بأنّ الإنسان هو الموضوع والمحور، كما أنه في تقسيم مراتب الوجود (التي جاءت كالتالي: الوجود أو الواجب أو الممكن)، اعتمد تقسيماً جديداً، هو أن الموجود أو الفاعل المعرفي هو «الأنا» أو «متعلق الأنا المعرفي» وفي كل الأحوال، وصل تأثير محورية الإنسان في فكر كانط إلى أوج استحكامه، واعتُمدَ الإنسانُ مِلاكَ المعرفة ومبدأها الوحيد.
في محورية الإنسان هذه، لا مكان للمعرفة الماورائية ولوجود الله، لأن كانط كان يعتقد أن ليس بإمكان العقل الإنساني ولا في وسعه أن يؤيّد ما بعد الطبيعة والله، أو يهزّ الإيمان بهما ويزعزعه (34) .
في هذا الجزء من البحث ننتقل من «ذاتانية» كانط إلى تحقيق مجمل في علم المعرفة لدى خلفائه، فكما أنّ خلفاء ديكارت سعَوْا لاعتماد نوع من الوحدة بدلًا من ثنائية الجسد والرُّوح: «اسپينوزا» استبدل بها الجوهرَ الفرد، و «لايبنتز» المذهب الذرّي «المونادولوجيا» ومالبرانش المذهب الظرفي (أوكازياناليسم)، حاول خلفاء كانط بالطريقة نفسها أن يحلّوا مشكلة الثنائية الكانطيّة، وقد أسهم كلٌّ من فيخته وشلينغل بحصته لاستبدال الوحدة بالثنائية، وفي هذا الطريق وقعوا هم أيضاً تحت تأثير السفسطة (ما يشبه نظريات باركلي)، يرى فيخته (1762 ـ 1814) أن تلاقي «الأنا» مع «اللاأنا»، لا يشبه اللقاء مع شيء مقدّم عليها ومستقلٍّ عنها، «فاللاأنا» من خلق «الأنا»، تضعها الأنا في مقابلها لتوجد نفسها. النتيجةُ أن التفكير يصنعنا كمؤدى لهويتي «الأنا» و «اللاأنا»، وليس لله تشخّصٌ أو تعيّنٌ وإنما هو «الأنا المثال للإنسانية»، وهو قائم بالنفوس الجزئية قياماً حلولياً ومشتاق إلى تعيّن ذاته (35) ، الإله الذي خلقه الإنسان ـ الذي هو نفسه المحور ـ ما هو مصيره؟، وما هو موقف الإنسان من قيمومة إله قائمٍ في الذهن البشري. يقول البيركامو: «الإنسان الذي كان يستمدّ تماسكه الذاتيّ من خالقه، وجد نفسه منذ تلك اللحظة التي انفصل فيها عنه رسميّاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(33)برغسون، هنري مادة وياد، ترجمة علي قلي بياني، نشر فرهنگ إسلامي، طهران 1375هـ.ش، ص 325.
(34)فلسفة يا پژوهش حقيقت، ص 271.
(35)فولكيه، بل. ما بعد الطبيعة ترجمة يحيى مهدوي، نشر جامعة، طهران 1362هـ.ش، ص 307.

(الصفحة - 26)


أسير اللحظات والأيام العابرة، والتأثر غير المجدي، حائراً مضطرباً كجميع الذين لا يملكون قواعد للحياة» (36) .
جان پول سارتر، أحد النماذج البارزة لطغيان مركزية الإنسان في مقابل الله، كان يؤمن بألوهية الإنسان وعلى يديه وصلت محورية علم المعرفة الأنسي في نهاية مسيرتها إلى تأليه الإنسان، ففي نظر سارتر لا وجود للإله، ولذلك فإن فرضية النظام أو تصميم الخلق، لا جدوى منها، ومحالٌ هي الفرضيّة القائلة إنّ العالم مركَّب من مجموعات واقعية مؤلفة من أشياءَ متشابهة ومتماثلة، وهم شركاء في طبيعة مشتركة. وكل فردٍ هو واحدٌ ووحيدٌ ومطلق وكاملٌ وما من طبيعة إنسانية مشتركة على الإطلاق (مع أن مجموعة مشتركة من الأوضاع والأحوال، أو ما يسمى بالوضع الإنساني يجتاحنا كلّنا).
يُستنتج من هنا أن لا وجود للقيم، والمسلَّم هو أنّ الإنسان حرٌّ، ليصنع نفسه خطوةً خطوة، بإرادته متجاوزاً الأحوال والأوضاع التي تعترض طريقه... على الإنسان في جميع مراحل حياته أن يتمركز حول ذاته وحدها (37) .
بناء على ذلك، فقد وصلت الفلسفة الأنسيّة في نهاية مسيرتها في فلسفة سارتر إلى حدّ إنكار الوحدة النوعيّة للبشر، وكل إنسان منحصر في فرديته، وليس في تفكيره أي حلقة من حلقات زنجير يمكن أن يربط الأفراد المنفصلين عن بعضهم، وهذا هو الأمر مصدر التشتت والتبعثر إلى حد أن الحياة في نظره «جولات دائمة لأنواع معيّنة من الاضطراب والقلق تثقل بشكل لا يمكن تجنّبه على شعور وإدراك الموجود الذي يعلم أنه عاجلًا أو آجلًا سيفنى... فالموت حادثة مهيبة ومخيفة» (38) .
وهكذا فإنّ سارتر لم يبدأ بإنكار الله فقط، وإنما نفى أي نوع من أنواع القيم لدى الإنسان، إله الفلسفة الأنسيّة، الذي وصل في النهاية إلى الاضطراب والحيرة والخوف من العدم، لأن المصير المحتوم لتفكير يجعل الإنسان الفاني محور جميع الأمور وحتى موضوعاً للعبادة، لا يصل أخيراً إلا إلى نهاية لا جدوى من ورائها، وكذلك إلى خوفٍ من العدم، وحرمان الإنسان إمكانية أي نوع من أنواع السعادة في هذا العالم (السعادة التي كانت مطلب الأنسيين الأساسي في عصر النهضة)، هذه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(36)كامو، آلبر. إنسان طاغي، ترجمة مهبد ايراني طلب، نشر قطره، طهران 1374هـ.ش، ص 48.
(37)فلسفة يا پژوهش حقيقت، ص 375 و376.
(38)م.ن، ص 376.

(الصفحة - 27)