البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الانحرافات الأربعة كيف و متى لماذا أضعنا الطريق ؟ التسلُّط لا العدالة

الباحث : د. حامد العطيَّة

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 18

السنة : السنة الخامسة صيف 1421 هجـ 2000 م

تاريخ إضافة البحث : February / 4 / 2015

عدد زيارات البحث : 182

حجم ملف البحث : 158.819 KB

 تحميل

الانحرافات الأربعة کیف و متی لماذا أضعنا الطریق ؟ التسلُّط لا العدالة

د. حامد العطيَّة(*)

منذ العصر الجاهلي وحتى الوقت الحاضر، احتلّت القوَّة الصدارة بين قيم العرب، وكانت، ولا تزال، الحاجة إلى القوَّة وطلبها دافعاً وحافزاً رئيسياً محرِّكاً لحركة المجتمع العربي، ومكوِّناً لتركيبته ونظامه، ومؤثراً أساسياً في العلاقات بين جماعاته وسلوك أفراده. وهذه ليست صفة خاصة بالمجتمع العربي تميزه من بقية المجتمعات البشرية، إذ إنها موجودة في جميع المجتمعات بدرجات متفاوتة، ومن المرجَّح ظهورها أثناء مرحلة الصيد والرَّعي من مراحل تطوُّر الجنس البشري. ففي تلك المرحلة التي دامت حوالى أربعين ألف سنة والتي سبقت اكتشاف الزراعة وتأسيس المدن والمجتمعات الكبيرة، كانت القوة هي الأساس المؤطِّر والمحدِّد لمكانة الأفراد والعلاقات في ما بينهم، وعاش البشر في تلك المرحلة في جماعات صغيرة، وكان أقواهم وأكثرهم مهارةً في الصيد يقودهم أثناء الصيد والدفاع عن الجماعة ومنطقتها، ومقابل ذلك كان يستأثر بأفضل الطرائد، وكانت له حصة الأسد من موارد الجماعة ونسائها. وأثناء هذه المرحلة التي دامت زمناً طويلاً يفترض أن البشر اكتسبوا خلاله العديد من القيم والعادات مثل تمجيد القوة، وبخاصَّة القوة البدنية، واحترام الأقوياء والخشية منهم، وهيمنة الأقوياء على الضعفاء، واستحواذهم على الثروات والممتلكات، وحصولهم على مكانة اجتماعية أعلى وتفضيلاً في المعاملة، ونتج عن ذلك أيضاً تسلط الرجال على النساء، وإن كان بعض الباحثين يعتقد أنَّ الوضع مختلف في الجماعات التي اعتمدت في تحصيل غذائها على جمع الجذور والثمار بدرجة أكبر أو بدلاً من الصيد.
________________________________________
(*) أستاد في علم الإدارة في جامعة بغداد سابقاً و في جامعة الملک عبد العزيزبجدة، مقيم حالياً في کندا

[الصفحة - 94]


فرضت الزراعة التي لم تكتشف إلاَّ قبل حوالى عشرة آلاف سنة درجة أعلى من التعاون والتنسيق بين الناس ممَّا كان مطلوباً وممارساً أثناء مرحلة الصيد والرعي، إلا أنها لم تلغِ علاقات القوة وقيمها التي اتخذت أشكالاً وأنماطاً جديدة أكثر تعقيداً بين الجماعات الكبيرة التي تأسست بفضل الزراعة، واستندت المدن، ومن ثم الدول والامبراطوريات ومؤسساتها السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، على هيكلية القوة وتوزعها بصورة غير متساوية بين طبقات المجتمع وأفراده.
واجهت المجتمعات الإنسانية، منذ أن وضعت أقدامها على أول درجة من سلَّم التطوُّر قبل عشرة آلاف سنة، مهمة صعبة ومعقَّدة، ألا وهي كيفيَّة التعامل مع طلب القوة وتسلُّط الأقوياء من جهة وتوق الآخرين إلى العدالة وسيادة القانون من جهة ثانية، فرفضت النظم الاستبدادية وجود تعارض بين التسلُّط والعدل مؤكِّدة أنَّ التسلُّط حق من حقوق الأقوياء ونتيجة منطقية لكونهم يمتلكون القوة وأنهم وحدهم جديرون بتحديد مفهوم العدالة وكيفية تطبيقه. أمَّا النظم الديمقراطية فسعت إلى تقليص تسلُّط الأقوياء وترشيده، بوساطة القانون والمشاركة الواسعة لأفراد المجتمع في مناقشة الشؤون العامة والتأثير في القرارات الخاصة بها، وذهبت الأفكار الفوضوية إلى أبعد من ذلك عندما دعت إلى إلغاء التنظيمات التسلُّطية المستندة إلى القوة مثل الدولة والكنيسة. أما في المجتمعات العربية فلم يكن العرف القبلي الجاهلي كفيلاً بتحقيق العدالة ومنع التسلّط، وجاء الإسلام ليضع العدالة المتمثِّلة بالشرع والناتجة عن تطبيقه فوق القوة، بحيث تكون القوة تابعة ومسخَّرة لتحقيق هدف العدالة، ولكن - وكما سيتضح في هذا الجزء من البحث‏ - تعثر تطبيق الأنموذج الإسلامي، عندما اعتمد الحكام والحكومات المتعاقبة - منذ وثوب الأمويين إلى سدة الحكم‏ - على القوة بوصفها قاعدةً أساسية لترسيخ سيطرتهم وفرضها، وأعطوا ذلك أولوية مطلقة على جميع الاعتبارات الأخرى بما فيها العدالة.
العصر الجاهلي‏
كان المجتمع العربي الجاهلي رعوياً، ويُعَدّ المجتمع الرعوي حلقة وسيطة بين مجتمع الصيد وجمع الغذاء البدائي ومرحلة المجتمع الزراعي، وظهر إلى الوجود بعد تدجين بعض الحيوانات، وكان التنظيم الاجتماعي الرئيسي للمجتمع في تلك
________________________________________

[الصفحة - 95]


المرحلة هو القبيلة، والقبيلة مجموعة من الأسر المنتمية إلى أصل واحد، ويشدها بعضها إلى بعض شعور العصبية أو التعصب لقبيلتها، وينظم العرف القبلي غير المكتوب واجبات الجماعات والأفراد ومسؤولياتهم داخلها، وكذلك العلاقات ما بين القبائل إلى حدٍّ ما، ومن هذه الواجبات والمسؤوليات نصرة أفراد القبيلة ضد أعدائها، الغزو والغنيمة والسبي، ومشاركة العشيرة في تحمل جريرة فرد من أفرادها، والثأر، والقصاص، والدخالة، وإكرام الضيف وغير ذلك.
بسبب قسوة البيئة الصحراوية وندرة الموارد الطبيعية، وبخاصَّة الماء والكلأ الضروريين لمعيشة البدوي وقطعانه، تصارعت القبائل العربية، وكانت الغلبة للأقوى الذي حمى لنفسه ولقبيلته مصادر المياه والمراعي الجيّدة، واستعمل هذه القوة في غزو القبائل الأخرى وسلبها، وفرض الأتاوات السنوية عليها. وكان من الطبيعي أن تكون القوة المعيار أو القيمة الأساسية للتنظيمات الاجتماعية، والمكانة والعلاقات والفكر والسلوك، كما يمكن الافتراض بأن قيماً أخرى عديدة تفرَّعت من هذه القيمة الأساسية، وهي قيم مهمة أيضاً، مثل الذكورة أو الرجولة، والشجاعة، والمهارات القتالية، الفروسية. كما ارتبطت بقيمة القوة قيم أخرى ارتباطاً وثيقاً، مثل قيم الفصاحة والبلاغة ونظم الشعر والخطابة، وحتى القيم «الراقية» التي تبدو متسامية على الاعتبارات الفجة للقوة وطبيعتها المادية، مثل الكرم والدخالة والمروءة تم توظيفها في خدمة القوة، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار القوة القيمة الأساسية للمجتمع الجاهلي.
طبَّق العرب، في مرحلة ما قبل الإسلام، قاعدة «البقاء للأصلح»، بشكلها البدائي، حيث احتكموا إلى القوّة لتحديد مَنْ يستحق البقاء، والأقوياء هم الذين تسيّدوا قبائله، وخرجوا فائزين في لعبة الصراع على موارد العيش والبقاء ووسائلهما. أما الخاسرون، وهم الضعفاء أو المستضعفون، فقد كان مصيرهم موالاة الأقوياء وأتباعهم، أو الاستعباد أو المجاعة أو القتل، وفي الغالب كان التنافس بين الجاهليين قاسياً وعنيفاً ودموياً.
وصف جعفر بن أبي طالب أحوال الجاهلية لملك الحبشة النجاشي بما يأتي:
________________________________________


[الصفحة - 96]


«أيها الملك، كنا أهل جاهليَّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسي‏ء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف».
يشير هذا الوصف إلى حالة مضطربة، تميل إلى البدائية والعنف، وتهمنا هنا بالذات العبارة الأخيرة التي تشير صراحة إلى سيطرة الأقوياء، وهيمنة مبدأ القوة والتسلُّط. وقدَّم الشاعر زهيربن أبي سلمى، في أحد أبيات مُعلّقته، دليلاً آخر على أهمية القوة واكتسابها بوصفها ضرورةً من ضرورات البقاء في المجتمع الجاهلي:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه‏ يُهدَّم ومن لا يظلم الناس يُظْلَم‏
فالجميع إذاً بحاجة إلى القوة التي يرمز لها السلاح، وإذا لم تكن لدى الفرد قوة يدافع بها عن نفسه وأهله وماله فإن مصيره الحتمي الضياع أو الهلاك، وليس أمامه في الواقع سوى خيارين: إمَّا أن يكون منتصراً أو مهزوماً، سيداً أو تابعاً، ظالماً أو مظلوماً، فإذا لم يتسلَّط على الآخرين تسلَّطوا عليه وسلبوه ما عنده حتى حياته، ولا يوجد خيار ثالث يخرج عن حتمية هذه الثنائية الاجتماعية.
دامت بعض الصراعات القبلية زمناً طويلاً، بلغ أربعين سنة في حالة حرب البسوس بين تغلب وبكر المتفرعتين أصلاً من قبيلة واحدة هي ربيعة، وكان الدافع من ورائها خلاف حول السيطرة على أراضٍ للرعي، بعد أن بادر كليب إلى احتكار هذه المراعي لأبله، وحرّم على غيره الاستفادة منها، واشتعلت الحرب بعد حادث عقر الناقة المعروف. كما استمرت حرب داحس والغبراء التي نشبت بين عبس وحلفائها من جهة وبني ذبيان من جهة أخرى عشرات السنين، وبدأت الحرب على أثر خلاف حول رهان على سباق للخيل، ولكن سببها الحقيقي هو تعسف زهيربن جذيمة العبسي، وهو سيد غطفان، وفرضه أتاوة سنوية على قبيلة هوازن تدفعها له في سوق عكاظ.
إذا كان التوتُّر والتنافس والقتال سمات مميِّزة للعلاقات بين القبائل العربية في الجاهلية، فإنَّ الحالة الاستثنائية هي السلم والتحالف في ما بينها. ونظراً لكثرة الصراعات والثارات المستمرة بين القبائل، برزت حاجة ماسة إلى السلم ولو لمدّة محدودة أثناء السنة، فاستنَّ العرب عرفاً يمتنعون بموجبه عن الاقتتال وسفك الدماء
________________________________________

[الصفحة - 97]


في الأشهر الحرم، لينعموا بفترة سلام، يستردون فيها أنفاسهم، ويحجون إلى أصنامهم، ويرتادون الأسواق الموسمية فيبيعون ويشترون، وكان التزامهم بهذا العرف قوياً حتى أن الرجل يلقى قاتل أبيه فيعرض عنه ويمسك نفسه عن الأخذ بثأره.
ولجأت القبائل العربية إلى عقد التحالفات في ما بينها، من أجل تنمية قوّتها وتحقيق مصالح قتالية مشتركة، ولم تكن لهذه التحالفات قيمة كبيرة في فترات السلم، ولم تساعد في خلق أجواء من الأمن والاستقرار والتعايش بدرجة تكفي لتكوين تجمعات قبلية كبيرة وديمومتها لفترات زمنية غير قصيرة، فدولة كندة مثلاً نشأت على أساس تحالفات قبلية، لكنها تقوَّضت عندما تغيرت هذه التحالفات وتفككت، وأدت الصراعات داخل دولتي سبأ وحضرموت إلى تدهور المدن والقرى فيهما والتعجيل بانهيارهما، وحتى مملكتي الغساسنة والمناذرة في شمال الجزيرة العربية كانتا ضعيفتين، وخضعتا للدولتين: الرومانية والفارسية. شجع الصراع بين القبائل العربية وعجزها عن توحيد صفوفها الطامعين من جيرانها الأقوياء على محاولة السيطرة على أراضي الجزيرة العربية والاستيلاء عليها، وفي بعض الفترات الزمنية نجح الرومان في احتلال مناطق واسعة من شمالها، فيما امتدَّ الاحتلال أو النفوذ الفارسي إلى شرقها وجنوبها حتى بلغ اليمن، وبعد استيلاء الأحباش على اليمن استعملوها قاعدة انطلاق لتسيير جيوشهم إلى الحجاز، ولولا وعورة وسط الجزيرة وضآلة مواردها لطالت أيادي المحتلين جميع ربوعها.
القيم المرتبطة بالقوة والسيطرة
ارتبطت القوة بالثروة ارتباطاً وثيقاً، وكان سادة القبائل الأقوياء هم الأكثر ثراءً، وكان معيار الثروة في البادية ملكية الماشية من إبل وخيل، وفي الحواضر النقود والأراضي والعبيد، وجمعت الثروات في البادية من الرعي والغزو والسلب وفرض الأتاوات، وكان للسادة حصة الأسد من أسلاب الغزو، والقوة ضرورية من أجل المحافظة على هذه الثروات من الأعداء المتربّصين للاستيلاء عليها، وكذلك للاستحواذ على مراعٍ جيدة ومصادر مياه غزيرة، وكان الغنى أيضاً صفة ملازمة للسيادة في القبائل المستقرة في الحجاز واليمن وشمال الجزيرة العربية. ويشير «برهان الدِّين دلو» إلى الأهمية القصوى للمال في تحديد زعامة مكة والوجاهة فيها،
________________________________________

[الصفحة - 98]


فقد أثرت قريش، وبالتحديد نخبة من عوائلها، بفضل التجارة، فأصبح تجارها الأغنياء هم سادتها، و«كان يدير دار الندوة (الملأ) كبار التجار والمرابين وزعماء الأسر الغنية» (1).
وتتضح أهمية الثروة من الأبيات التالية للشاعر الجاهلي عروةبن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإني‏ رأيت الناس شرُّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليه‏ وإن أمسى له حسبٌ وخير
ويقصيه الندي وتزدريه‏ حليلته وينهره الصغير
عاش أغنياء العرب حياة ترف ورفاه وبذخ وإسراف، ولبسوا الملابس الفاخرة والناعمة، وتناولوا ألذَّ الأطعمة، وابتنوا الدور الفارهة، وأثَّثوها بأغلى الأفرشة، واتخذوا زوجات عديدات، فكان لهم ندماء وحشم وخدم وعبيد وإماء، في الوقت الذي كانت فيه غالبية العرب تعيش عيشة كفاف أو فقر مدقع، يموت العديدون منهم كلما حلَّ بهم قحط أو جدب، ولجأ بعض منهم إلى وأد بناتهم وأولادهم خوفاً من الفقر، وما يجرُّه من عار عليهم، نتيجة امتهان بناتهم البغاء، واضطرارهم إلى الاقتراض من المرابين بفوائد فاحشة أو التذلل إلى السادة الأغنياء للحصول على عطائهم. وكان منهم مَنْ يفضِّل الموت جوعاً على مذلة سؤال الآخرين، فيقومون بإغلاق أبواب بيوتهم على أنفسهم في أيام القحط حتى يهلكوا جوعاً، وعرف ذلك بالاعتفاد، وهذا دليل آخر على أهمية القوة وما يرتبط بها من قيم مثل الثروة والسمعة.
كانت الثروة وسيلة فعَّالة بيد الأثرياء لكسب ولاء الآخرين من خلال تقديم العطايا والهبات لهم، وحاول سادة قريش، من دون جدوى، إغراء الرسول محمد(صلي الله عليه و آل و سلم) بالتخلي عن دعوته مقابل أن يؤمِّروه عليهم وما يوفره ذلك من قوة وثروة، واشترى السادة والأقوياء ألسنة الشعراء بالمال، فكانوا يهبونهم الأموال مكافأةً على مدحهم ولثنيهم عن التفكير بهجائهم، كما ارتبطت قيمة الكرم ارتباطاً قوياً بالقوة والسيطرة، فمن البديهي أن يكون الغني هو الأقدر على ممارسة هذا العرف النبيل، أما الفقير فبالكاد كان قادراً على تحصيل كفاف يومه وسدّ رمقه ورمق عياله، وامتاز الكريم بمكانة رفيعة بين قبيلته وسمعة طيبة بين أفرادها، وكل ما كان يعزز مكانة الرجل الاجتماعية ويرفع من ذكره لا بدَّ من أن ينعكس إيجابياً على قوته
________________________________________
(1)برهان الدين دلو، جزيرة العرب قبل الإسلام، التاريخ الاقتصادي الاجتماعي، الثقافي و السياسي،بيروت: دار - الفارابي، 1989 الجزء الثاني , ص 364.

[الصفحة - 99]


ونفوذه، فكان الغني الكريم يكسب الثناء والولاء نتيجة كرمه، وأوضح أشهر كرماء العرب حاتم الطائي لابنته هذه الحقيقة، أي الارتباط بين الكرم والسيادة، بعد أن لامته على إسرافه في الكرم:
يقولون لي: أهلكت مالك فاقتصد وما كنت، لولا ما يقولون، سيِّدا
فهو يؤكد لها ولغيرها من المنتقدين بأنه لولا كرمه لما اعترف له الناس بالسيادة، وبفضل كرمه عمت سمعته أطراف الجزيرة، وصار مضرباً للمثل في الكرم حتى يومنا الحاضر.
وميَّز الإسلام بين نوعين من العطاء والكرم: الأول يصنعه الإنسان طلباً للمكانة الرفيعة والسمعة العطرة بين الناس، ويحصل على جزائه وثوابه كاملاً في هذه الدنيا من خلال مديح الناس له وعلوّ مكانته بينهم، وهذا الكرم مدفوع بأغراض ذاتية ودنيوية بحتة، ويختلف بالتالي عن النوع الثاني الذي دعا إليه الإسلام، وهو العطاء والكرم لوجه اللَّه ومن أجل مرضاته، ولا جدال في أن الكرم الجاهلي كان من النوع الأول المرتبط باعتبارات الحصول على القوة والمكانة.
نظراً لأهميَّة القوَّة عند العرب، وضع هؤلاء الرجال الشجعان في مرتبة اجتماعية عالية، ونظروا إليهم بخوف ممزوج بإعجاب واحترام شديدين، وهذا أمر مفهوم ومسوَّغ، لأن وجود هؤلاء الشجعان ضرورة يفرضها التناحر والتصارع بين القبائل، فهم أشبه بأسلحة الدمار الشامل في زمننا، رادع فعال للذين يفكرون بالاعتداء على القبيلة، وسلاح فتاك في حروبها، وكان هؤلاء الأبطال الشجعان، كما تصفهم المأثورات الشعرية والروايات المتناقلة، يتسابقون إلى ساحات الوغى متقدِّمين الصفوف، ويشكلون طلائع المهاجمين أو المدافعين، ويحثون الآخرين على اللحاق بهم، وهم أول من يتصدَّى لمبارزة صناديد الأعداء، وربما قتلوا منهم في المبارزات ما يكفي لإرهاب بقيتهم ودفعهم إلى التراجع أو حتى الانكسار، وكانت قوة أفراد قبيلة ما وشجاعتهم تقاس بشجاعة أبطالها وإقدامهم، وقد كان لمقتل أبطال الكفار من قريش في معركة بدر تأثير حاسم على نتيجتها، وتعرض هؤلاء الكفار لصدمة كبيرة بعد مقتل بطلهم في واقعة الأحزاب أو الخندق، وساعد مقتل أحد زعماء اليهود في واقعة خيبر في انتصار المسلمين.
________________________________________

[الصفحة - 100]


برز بين شجعان العرب في العصر الجاهلي بطل ظلَّ اسمه مشهوراً حتى اليوم، بل قد يكون هو أكثر الجاهليين شهرةً، ولا يزال العرب يرددون اسمه، ويضربون به المثل في الشجاعة والإقدام، وهو عنترة بن شدَّاد. وكان عنترة هذا ابن أمة سوداء، استعبده قومه وفقاً لعادتهم في استعباد أبنائهم من الإماء، ولكنه تمكَّن بفضل شجاعته وبطولاته من الارتقاء من المكانة المتدنِّية والوضيعة للعبيد السود إلى مرتبة السيد المقدم المطاع في قبيلته، التي أصبحت معتمدة عليه في معاركها، وتحرر بذلك من أداء الأعمال المرهقة التي يكلف بها العبيد عادة مثل رعي الإبل والعناية بها والخدمة. وتؤكد قصة عنترة على الأهمية الكبرى لقيمة الشجاعة المرتبطة بقيم القوة والسيطرة والسيادة في المجتمع الجاهلي، وهذا ما أكدته أيضاً أشعار الجاهليين، التي مدحوا فيها الشجعان، وتغنوا ببطولاتهم، وأطنبوا في ذلك إلى حدِّ المبالغة، معبرين بذلك عن عمق احترام مجتمعهم للشجاعة والأبطال، ولم يختلف العرب الجاهليون في ذلك عن غيرهم من الأقوام القديمة مثل البابليين والفرس والإغريق والرومان الذين وضعوا أبطالهم في مراتب رفيعة، بل رفعوهم إلى مصاف الآلهة أو أشباه الآلهة.
نظراً لأهمية القوة القتالية في الدفاع عن القبيلة وممتلكاتها، حرص أفرادها على تعلُّم وسائل القتال وفنونه وإتقانها، مثل: ركوب الخيل والمبارزة والكر والفر واستعمال الأسلحة المختلفة، مثل السيف والرمح والرمي بالنشاب، وقام الرجال بتدريب الفتيان من أفراد القبيلة على هذه الفنون، واهتموا بذلك إلى حد كبير لكي يجهِّزوا جيلاً جديداً من المقاتلين، وكانت المشاركة في القتال الفارق الرئيسي بين الرجال والفتيان، وربما دفع ذلك بعض الفتيان إلى الاستعجال بالمشاركة في المعارك في وقت مبكر وقبل اكتمال قدراتهم البدنية ومهاراتهم القتالية.
لأن الرجال وحدهم شاركوا في القتال كان من الطبيعي أن تكون للرجولة أو الذكورة قيمة اجتماعية مهمة، فمن المؤكد أن مكانة الذكور في المجتمع الجاهلي كانت أعلى بكثير من مكانة الإناث، بل لا مجال للمقارنة، إذ اختص الذكور أنفسهم بالممتلكات والموارد والحقوق، فيما حرمت الإناث منها، ومارس الرجال سلطات كاملة وسيطرة شبه مطلقة على أفراد عائلاتهم من الإناث، وسُمِّي الأب برب الأسرة،
________________________________________

[الصفحة - 101]


واقتران اسمه بالأرباب أو الآلهة أكبر دليل على عظمة مكانته ورفعتها. فقد سيطر على أفراد عائلته، وتصرَّف بهم وبمقاديرهم كما شاء، لا يُسأل ولا يحاسب على ذلك، مهما تعسف بهم أو قسا عليهم، وكان يحقُّ له عرفاً أن يئد أولاده خشية الفقر أو غير ذلك، وبالأخص البنات منهم. وترتبط عادة وأد البنات بقيمة القوة أيضاً، فمن الواضح أن المولودات الإناث هنّ أقل الأفراد قوة على هيكل القوة في المجتمع الجاهلي، بل إنهن معدومات القوة، والجميع متسلطون عليهن، والإناث بشكل عام أقل قوة من الرجال لأنهن لا يمتلكن مقومات القوة الرجولية مثل القوة البدنية، ولا يشاركن في نشاطات الرجال التي يستمدون منها قوتهم وسيطرتهم مثل القتال والفروسية والكرم، وكان الرجال في الجاهلية يحرمون النساء من الميراث، لذا كانت حاجة المجتمع إلى المولودات الجدد هي بأقل درجة نسبية، وبخاصَّة في أوقات القحط والعسر وضيق الحال، وبالتالي تركوا تقرير مصيرهن إلى آبائهن، وربما دفع الفقر الآباء إلى وأد أولادهم من الذكور، ولكن احتمال حدوث ذلك أقل بكثير من وأد البنات.
بالإضافة إلى القوة البدنية، والشجاعة، ومهارات القتال، والثروة والرجولة كان لسان المرء إحدى وسائل القوة والمكانة في المجتمع الجاهلي، واكتسب العديدون قوة بفضل مهاراتهم اللغوية، وفصاحتهم، وقدراتهم الشعرية والخطابية، وحصلوا على حظوةٍ خاصة لدى ملوك العرب وأمرائهم وسادتهم، الذين اتخذوا من بعضهم ندماء ومرافقين، واستقبلوهم بحفاوة في مجالسهم وأغدقوا عليهم العطايا والأموال، واسترضوهم بالهدايا القيِّمة ليحصلوا على مديحهم ويأمنوا هجاءهم، وحرص العرب، وبخاصة سادتهم، على تنمية مهارات أولادهم اللغوية، فكان عرب المدن مثلاً يرسلون أولادهم إلى البادية ليخشوشنوا ويتعلموا الفروسية والفصاحة والشعر.
عكست موضوعات الشعر الجاهلي قيم ذلك العصر، ومن أهمها بالطبع قيم القوة والسيادة والتسلُّط، وما يرتبط بها أو يتفرَّع منها من قيم وعادات وتقاليد، وبالتالي فقد حفلت قصائد الشاعر الجاهلي بمدح قبيلته وسادتها وأبطالها، وبيان عراقة أصلها وكرم أهلها ونخوتهم وبلائهم في المعارك، وغالباً ما كان المديح مبالغاً فيه إلى درجة تمجيد النفس والأهل وتنزيههم عن الأخطاء والمثالب، والهدف من
________________________________________

[الصفحة - 102]


ذلك إعلاء مكانة القبيلة بين القبائل، الأمر الذي يدفع قبائل أخرى إلى طلب ودها ومهادنتها والتحالف معها ويرهب أعداءها ويدفعهم إلى التردد في التعرض لها أو منافستها على الماء والكلأ. ومن ناحية أخرى كان سلاح الهجاء المصلَّت من قبل الشاعر الجاهلي لا يفوقه تأثيراً سوى أسلحة القتال، فكان يسلق بشعره أعداء القبيلة، ويذم أصلها، ويحقر سادتها، ويسخر من أبطالها، ويشخص عيوبها، ويكشف عن هزائمها وكل ما يجر الخزي والعار عليها، ولا يتوانى في ذلك عن الإسفاف أحياناً فيسب ويلعن ويشنع، لذا فقد كان الهجاء أشد ما يخيف سادة العرب ويحسبون له ألف حساب، وقد دفع بعض الشعراء ثمناً باهضاً لتجرئهم على هجاء الملوك والسادة مثل عروةبن الورد الذي قتل بسبب ذلك، ونظراً لأهمية الشعر والشعراء استمع لهم الناس في الأسواق الموسمية مثل عكاظ، وحفظ الناس الشعر وردَّدوه، كما تجلَّت أهميته في تعليق بعض القصائد العصماء لأشهر الشعراء على الكعبة، وهي المعروفة بالمعلَّقات.
القوة والتنظيم القبلي‏
انعكست قيم المجتمع الجاهلي على هيكل القبيلة وتنظيمها، حيث احتلَّ الأقوياء من سادة القبيلة وأثريائها المرتبة العليا، واستحوذوا على جميع مصادر القوة ووسائلها، من رئاسة وأموال وقطعان ماشية وأسلحة، وتمكنوا بفضل هذه القوة من إحكام سيطرتهم على أفراد القبيلة وشؤونها، وحصروا جميع سلطات اتخاذ القرار بأيديهم، بما في ذلك القرارات الخاصة بالقتال والتحالف والصلح والارتحال والاستقرار وغير ذلك، وكل من يجرؤ على مخالفتهم أو عصيانهم يعرض نفسه للعقوبة، واكتسب هؤلاء السادة مكانة متميِّزة داخل قبائلهم، واضعين أنفسهم فوق بقية أفراد القبيلة، فإذا خالفوا العرف القبلي لم يعاقبوا بالشدة عينها التي يعاقب بها المخالف أو المسي‏ء من غير السادة، كما أن دية قتلاهم تفوق بكثير ديات الآخرين، ويتضح هذا التمييز في النظرة والمعاملة بين السادة وما دونهم في سلوك عمروبن هند الذي حلف بأن يقتل مئة من بني دارم ثأراً منهم لقتلهم أخيه سعد، ونفذ وعده بالفعل، فكانت المعادلة الثأرية هي أن سعدبن هند يساوي مئة من بني دارم، كما تفاخر عمرو بن كلثوم في معلقته بقتل عمروبن هند لمجرد أنه أساء معاملة والدته، فقال:
إذا ما الملكُ سامَ الناسَ خسفاً أبينا أن نقر الذل فينا
________________________________________

[الصفحة - 103]


اعتمد السادة في حماية مراكزهم ومصالحهم، بالإضافة إلى قوَّتهم الشخصية ومهاراتهم القتالية وأعوانهم الكثيرين، على أولادهم وأقاربهم، ولأن للسلطة والقوة قيمة عليا، كان من الطبيعي أن يشتدَّ التنافس عليها، وأن يحاول الأقوياء تسلّق الهرم الاجتماعي إلى قمته وإزاحة من يقف في طريقهم، ويتم ذلك داخل القبيلة باستعمال طرق التنافس السلمي ووسائله، مثل اقتناء الثروات من ماشية وعبيد، وشراء النفوذ، وعقد التحالفات، وبذل العطاء، والكرم، واجتذاب مدح الشعراء وتجنُّب هجائهم، والاستبسال في القتال وغير ذلك. ويروى أن مثل هذا التنافس كان موجوداً داخل قريش قبل الإسلام بين بني هاشم وبني أمية من بني عبد مناف. ومن الممكن أن يحتدم الصراع حول السيادة أو الرئاسة داخل القبيلة إلى حد العنف وإراقة الدماء، وإذا لم يستتب السلم سريعاً، وتعود اللحمة إلى صفوف القبيلة، فإن من المحتمل أن تشطر إلى فئتين متصارعتين، حيث تعمد الفئة المنشقة إلى الانفصال عن القبيلة والاستقلال تحت قيادة جديدة، وتجدر الإشارة إلى أن انقسام القبائل إلى قبائل ووحدات أصغر ظاهرة متكررة في المجتمع الجاهلي، وظلت مستمرة في المجتمعات القبلية حتى وقتنا الحاضر، وهي نتيجة حتمية لطبيعة المجتمع البدوي وظروف الحياة في البادية وبالتحديد ندرة موارد العيش ووسائلها والبقاء فيها بشكل عام وفي أية منطقة جغرافية محددة بالذات، حيث تصبح هذه الموارد غير كافية للجميع بعد ازدياد عدد أفراد القبيلة، فيشتد التزاحم والتنافس حول هذه الموارد المحدودة، والذي يؤدِّي بدوره إلى الانقسام، وبذلك تحافظ كل وحدة قبلية على كثافة سكانية تتناسب مع وفرة الموارد في ديرتها.
بالمقارنة بهؤلاء السادة كان أفراد القبيلة العاديّون لا يمتلكون صوتاً أو تأثيراً على القرارات المصيرية للقبيلة، والتي يتخذها السادة، ولم يكن السادة يستشيرونهم في هذه الأمور، وكانت قرارات الحرب والسلم تفرض عليهم فرضاً، فلا يجرأون على معارضتها، وإلاَّ تعرضوا لغضب السادة ونقمتهم، بما في ذلك الطرد من القبيلة وفقدان حمايتها وكل المزايا والفوائد المرتبطة بذلك، وبالتأكيد فقد كان أفراد القبيلة من غير السادة أقل قوةً وأقل ثراءً، وكان همهم الأول والأخير تأمين معاش أسرهم، واضطرَّهم ذلك أحياناً إلى كسب رضا السادة طمعاً في عطائهم وكرمهم؛ وذلك من
________________________________________

[الصفحة - 104]


خلال إبداء مظاهر الولاء لهم وتعظيمهم، وكانوا هم أول ضحايا المجاعات والأوبئة والحروب وآخر المستفيدين في أيام الرخاء، ويستدل على ضعف مكانتهم من تأكيد ظافر القاسمي أنَّ عرب الجاهلية كانوا يتركون المريض والكبير والضعيف ويرتحلون عنهم عندما تقلُّ موارد العيش‏ (2)، وهم في ذلك لا يختلفون عن الأقوام البدائية، مثل بعض قبائل الهنود الحمر في أمريكا.
شغل العبيد الطبقة الأدنى من المجتمع القبلي الجاهلي تحت سادة القبيلة وفقرائها، ولم يمتلك هؤلاء أيَّ نوع من القوة، بل كانوا هم من جملة وسائل قوة السادة ومواردهم، الذين امتلكوا مطلق الحق في التصرُّف بهم، وبالإضافة إلى تسخيرهم في الأعمال اليدوية الشاقة التي يستنكف من أدائها أحرار القبيلة، استخدمتهم بعض القبائل مثل قريش في تشكيل قوة عسكرية من المرتزقة، كما تاجر بهم بعض السادة، واتجر بعضهم الآخر بأجساد الاماء وحصلوا أجورهن.
نشأت، في موازاة المجتمع القبلي الجاهلي، وحدات صغيرة متفرّقة تكونت من أفراد القبائل المبعدين والمطرودين من قبائلهم لأسباب شتى، وكان ولا يزال الإبعاد عن القبيلة والأهل من أشدِّ العقوبات في العرف القبلي منذ أن فرضت هذه العقوبة على قابيل جزاء قتله أخيه، فإذا تمرَّد الفرد على أعراف القبيلة أو اقترف جريرة مرات عديدة وأصرّ عليها فإن سادة القبيلة يحكمون عليه بالطرد منها، ويسمَّى الطريد بالخليع، ويعلن قرار الخلع على الناس في المواسم والأسواق العامة، واضطرَّ هؤلاء الخلعاء المنبوذون إلى اللجوء إلى حماية قبائل أخرى أو الالتحاق بجماعات الصعاليك، وهي جماعات منظمة أو شبه منظمة مثل جماعة الصعاليك تحت قيادة عروة بن الورد، وكانوا يغيرون على القبائل ويقطعون طرق القوافل فينهبون ويسلبون لتحصيل معاشهم، ولم يختلف الوضع داخل هذه الجماعات عن القبائل من حيث سيطرة القوي وتقدمه في السلطة والمكانة على الآخرين.
الإسلام: العدالة بدلاً من التَّسلُّط
جاء الإسلام بعقائد ومبادى وأخلاقيات وأوامر ونواهٍ للفكر والسلوك تناقض الكثير من قيم المجتمع الجاهلي وأعرافه وعاداته وتقاليده، وتنسف قيمة التسلُّط
________________________________________

[الصفحة - 105]


لتضع محلها قيم العدالة والمساواة، فالإسلام يأمر بالعدل والإنصاف، ومعاملة الجميع بالقسط، أي بالعدل، حتى لو كانوا من الأعداء، ودعا إلى المساواة وعدم التمييز في المعاملة على أساس القوة أو الحسب أو النسب لأن الجميع متساوون كأسنان المشط، وكل نعمة هي من عند اللَّه واختبار للإنسان، وأكرم الناس عند اللَّه هو أتقاهم، وألغى الإسلام امتيازات المكانة الوراثية للسادة والأقوياء، إذ الكل لآدم وآدم من تراب، ولم يعترف بحقهم في السيطرة على الضعفاء واستضعاف الناس، وأكد على تطبيق الشرع أو القانون على الجميع بالتساوي، بل إنه قلب العرف الجاهلي رأساً على عقب فارضاً على الرقيق نصف عقوبة الحر من السادة وغيرهم آخذاً في نظر الاعتبار في خطوة غير مسبوقة في تاريخ البشرية ظروف حياة الرقيق وما يتعرض له من ضغوط صعبة وما يستدعيه العدل من تخفيف للعقوبة على المخالفة الصادرة عنه. وفي الوقت نفسه توعد السادة الأقوياء الظالمين بأشد العقوبات في الدنيا والآخرة، ومنع كل إساءة لاستعمال القوة من قبل الأقوياء مثل الربا والرشوة وكنز الذهب والفضة، وتفضيل الأقارب والأعوان والمحاسيب، وحرّم كافة مظاهر القوة التي تفاخر وتباهى بها الأقوياء المتسلِّطون، وميزوا بها أنفسهم عن الآخرين مثل التبذير، فوصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، والتبذير هو كل نوع من الإسراف في الاقتناء أو الاستهلاك مثل تشييد القصور والدور الفخمة، ولم يعد باستطاعة الأقوياء إظهار ثرواتهم من خلال لبس الملابس الحريرية الفاخرة وتناول الطعام بآنية من فضة أو ذهب، كما ذَمَّ المتكبرين والمختالين والفخورين، وحثَّ على التَّواضع ونصرة المظلومين وتحرير الأرقَّاء.
سدَّد تحريم الإسلام للغزو والسلب والنهب ضربة قاصمة إلى كيان المجتمع البدوي الجاهلي، إذ عدَّه لصوصية وعدواناً وإفساداً في الأرض، يعاقب مرتكبها بأشد العقوبات، وكانت تلك خطوة كبرى نحو قلب حياة الأعراب في البادية، وذلك من خلال التخلص من مشاعر العداء والتقاتل بينهم تمهيداً لبناء مجتمع التعاون والتآخي، وجاءت شعائر الإسلام الأخرى، من وضوء وطهارة، لتدفع البدوي بعيداً عن نمط حياته الذي اعتاد عليه وتحبِّب له الاستقرار.
أما قيم الجاهلية وتقاليدها التي لم يلغها الإسلام، مثل الكرم والفروسية
________________________________________

[الصفحة - 106]


والشجاعة والفصاحة والشعر، فقد اشترط أن تستفيد منها الجماعة وليس الفرد وحده، فالكرم يجب أن يكون تقرُّباً للَّه وعوناً للمحتاجين من المسلمين، والجهاد في سبيل اللَّه أوَّلاً وللدفاع عن الأمة، ولا يجوز للمقاتل أن يستعمل قوته ومهاراته في العدوان على الآخرين.
باختصار، سعى الإسلام إلى إلغاء تسلُّط الأقوياء في المجتمع الجاهلي، ودعا إلى تقويض قاعدة القوة التي استندوا إليها معتبراً التسلط وطلب القوة من أجل ذلك سبباً رئيسياً للتخلّف الاجتماعي والظلم والحرمان، وكان ذلك المدخل الرئيسي لخطة ومنهج التغيير الاجتماعي والاقتصادي للدعوة الإسلامية التي تهدف إلى استبدال المجتمع الجاهلي المتخلِّف بمجتمع جديد مبني على أسس العدل والمساواة والمسؤولية الجماعية. ولم تخف على سادة المجتمع الجاهلي أهداف الدعوة الإسلامية، فانبروا لها أولاً بالمعارضة الكلامية النشطة والاستهزاء بها وبالرسول وتكذيبه واتّهامه بمختلف التهم الباطلة. وعندما فشلت هذه الوسائل لجأوا إلى قوة السلاح، وقاد هذه الحملة الشعواء ضد الدين الجديد سادة قريش الذين أغاضهم وصف وتحليل الإسلام لإجحاف السادة بحق الضعفاء والمستضعفين وانطباقهما تماماً على ممارساتهم، وخشوا من أن تقوض تعاليم هذا الدين الأساس المادي والمعنوي لمراكزهم الاجتماعية ومصالحهم التجارية والعقارية، وتحرمهم من مصادر قوتهم وثروتهم مثل الربا والتكسب من الدين واستغلال الأرقاء وبيع أجساد الإماء، وأحسُّوا بدنو الخطر منهم بعد أن اجتذب الدين الجديد ضعفاء قريش من عديمي الحيل والقوة ومواليها وعبيدها، ولم تترفع صفوة قريش من أمثال أبي سفيان وأبي جهل عن استخدام جميع الوسائل الدنيئة من إرهاب وتعذيب ومقاطعة اقتصادية ومحاولات اغتيال وقتل ومؤامرات وحروب في سبيل قمع الدعوة الإسلامية. وفعلت كل هذا لأنها، كما وصفها طه حسين، تزدري القيم وتبيح لنفسها كل شي‏ء (3)في سبيل المنفعة القريبة والبعيدة واتَّصفت هذه الفئة من قريش بسعة الحيلة التي أتاحت لها أن تظهر للعرب أمينة على الدين، وهي في الحقيقة ليست من الدين في شي‏ء، فقد كان السادة من قريش على أقلِّ تقدير ينظرون إلى الدين على أنه وسيلة لا غاية، وإلى هذه الأوثان على أنها أسباب لكسب
________________________________________
(3)طه حسين ، الفتنة الکبري ، 1 ، عثمان ، القاهرة : دار المعارف ، 1996 ، الطبعة الحادية عشرة ، ص 81 .

[الصفحة - 107]


الرزق وبسط السلطان لا أكثر ولا أقل، وكان السيد من قريش رجلاً، أثراً، شديد الطمع، بعيد الهمة، عظيم المكر، داهية.
كان سادة قريش إذاً حريصين على مكانتهم وسلطانهم وثرواتهم وليس على دينهم وأوثانهم إلاَّ لكونها وسائل للاسترزاق، لذا تصدّوا بجميع الوسائل لإفشال الدعوة، وعمدوا في بادى‏ء الأمر إلى محاولة إيقاف الدعوة وصرف صاحبها بالطريقة التي يفهمونها واعتادوا عليها، فقد تصوروا مخطئين بأن أهداف الرسول محمد(صلي الله عليه و آل و سلم) لا تختلف عن أهدافهم، وهي اكتساب القوة والتسلط والمكانة الاجتماعية، لذا عرضوا عليه الملك والسيادة عليهم مقابل تخلِّيه عن الدعوة، لكنه رفض، فلجأوا إلى المقاطعة والحصار الاقتصادي، ولما فشلت هذه المحاولة أيضاً تحول سادة قريش إلى العنف والقسوة، وصبُّوا جام غضبهم وانتقامهم على الضعفاء والعبيد الذين آمنوا بالدين الإسلامي، وشارك بعض السادة في عمليات التعذيب والقتل، ولم يمض وقت طويل حتى بدأوا بالتفكير ثم بالتَّخطيط لاغتيال النبي محمد(صلي الله عليه و آل و سلم)، وكان مصير ذلك الفشل أيضاً، وتزامن ذلك مع هجرة الرسول والمسلمين إلى يثرب.
في يثرب، أو المدينة المنورة، شيَّد الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم) نظاماً اجتماعياً جديداً على أساس مبادى الإسلام وقيمه، ووضع قواعد الحكم والسلطة، فالكل راعٍ ومسؤول عن رعيته، والأمور شورى بين المسلمين، والعدل أساس الحكم، والظلم إذا دام دمَّر، وأفضل الجهاد كلمة حق في حضرة سلطان جائر، والمؤمنون مطالبون بالتصدِّي للظالم، وبأن لا يهابوا وضعه بصفته ومخاطبته ب «يا ظالم» لأن البديل هو خراب الأمة، بل عليهم إيقافه عند حدّه، وطبَّق الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم) مبدأ أخوة المؤمنين على المهاجرين والأنصار متجاوزاً في ذلك العصبية القبلية والعائلية ذات السلبيات المعروفة إلى المجال الرحب والأوسع للتآخي بين الغرباء حسباً ونسباً والمتآخين فكراً وعقيدة ومصيراً، وتلك كانت خطوة عبقرية لم يسبق لها مثيل في التاريخ، نسفت العصبية القبلية، بل جميع أنواع العصبيات، من جذورها، وأعادت بناء التنظيم الاجتماعي في مجتمع المدينة المنورة، والعلاقات بين المسلمين، وكذلك العلاقات بينهم وبين غير المسلمين على قواعد متينة من السلم والإلفة والتعايش والتعاون في خدمة المصالح المشتركة.
________________________________________

[الصفحة - 108]


طوال هذه المدَّة لم يهدأ بال كفار قريش، فحاولوا زعزعة مجتمع المدينة المنورة من الداخل بالتآمر مع اليهود، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، فعمدوا إلى القتال، وفي موقعة بدر نجح المسلمون على قلّتهم في تجاوز حواجز الخوف التي غرسها المجتمع الجاهلي في صدور الضعفاء والمستضعفين، وانتصروا على جيش مكة، ثم توالت انتصارات المسلمين حتى تم لهم فتح مكة، وتأمين شروط الاستقرار والديمومة للكيان الإسلامي. ويبدو أن بعض سادة قريش وغيرهم تحولوا بعد هزيمتهم النهائية إلى أسلوب المنافقين المبني على قاعدة: «إذا لم تستطع التغلب عليهم التحق بهم»، وكانت صفوف المسلمين في المدينة تضمُّ عدداً من المنافقين، الذين كانوا يكيدون للإسلام والرسول والمسلمين، وخذلوهم عند المجابهة، ولكن الرسول عاملهم معاملة حسنة وتلطف بهم آملاً في اهتدائهم‏ (4).
كانت إنسانية العقيدة الإسلامية واضحة ودعوتها صريحة إلى تأسيس مجتمع جديد يستبدل علاقات القوة والتسلط بروابط التآخي والمساواة والتعاون، إلا أنَّ القيم الجاهلية كانت متغلغلة في نفوس بعضهم، ومسيطرة على فكرهم وسلوكهم، فاستمرُّوا في التفكير وإبداء الرأي والتصرف وفقاً لقيم الجاهلية وتقاليدها، وجاهد الرسول في سبيل إزالة هذه الرواسب من نفوس المسلمين، وتصدى لجميع الانحرافات الفكرية والسلوكية بالنصح والوعظ والتصحيح، فعندما اختلف مسلمان أحدهما مهاجر والآخر أنصاري، وكادا يقتتلان، نهاهما عن ذلك، مبيناً لهما وللجميع بأن هذا التصرف وأمثاله من بقايا عصبية الجاهلية النتنة، وعندما بدرت من أحدهم ملاحظة عنصرية تحقِّر السود وبَّخه ودعاه إلى تقويم نفسه وفكره، وعندما سمع بأن رجلاً من الأزد استعمله على الصدقة يقول «هذا لكم، وهذا أهدي لي» صعد على المنبر وقال: «ما بال العامل نبعثه فيجي‏ء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحدكم منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على عنقه..» (5)، وبهذه الموعظة البليغة والموقف الصريح الواضح حذَّر الرسول من استغلال المناصب للحصول على المنافع الشخصية من أموال ومكانة وتسلط، وهذه أمثلة قليلة على جهاد الرسول المستمر من أجل إزالة القيم والعادات السلبية الموروثة من عهد الجاهلية، ولكن
________________________________________
(4)A.J. Rustum and C.K. Zurayk (eds.) 1940 (History of the Arabs and Arabic Culture. beirut:American Press , P 61.
(5) أحمد عبد الرزاق أحمد ، البذال و البراططة زمن سلاطين المماليک ، دراسة عن الرشوة القاهرة: الهيئة المصرية العامة للکتاب ، 1979 ، ص 21.

[الصفحة - 109]


وعلى الرغم من هذا الجهد العظيم ووضوح العقيدة الإسلامية وتسامي قيمها على قيم الجاهلية كان منظر أسلاب القتلى من كفار قريش أقوى جذباً وأشد تأثيراً على نفوس بعض رماة المسلمين الموجودين فوق جبل أحد، فخالفوا أوامر الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم) بعدم ترك مواقعهم حتى انقضاء المعركة؛ الأمر الذي أدى إلى هزيمة المسلمين، وبرزت القيم والاعتبارات الجاهلية في اعتراض بعض المسلمين على صلح الحديبية وعلى تأميره لزيدبن حارثة وفي ما بعد لابنه أسامة على قوات المسلمين.
عصر الخلافة الإسلاميَّة
ظهرت العصبيات القبلية، وأطلَّ رأس مبدأ القوة والسلطة على المجتمعين في السقيفة لاختيار خلف للرسول بعد وفاته، وشهد الاجتماع أول خلاف رئيسي بين المسلمين، وكان موضوع الخلاف الخلافة، فادَّعت كلٌّ من جماعتي المهاجرين والأنصار بأنها الأحقُّ بالخلافة، واحتدم النقاش بينهما، واستند الأنصار في دعواهم على أنهم آووا المسلمين ونصروا الرسول بعد أن هاجر إليهم، ومن الواضح أنَّهم كانوا يفكرون بوصفهم مجموعة أو فئة ضمن جماعة المسلمين، ولم يستنكر المهاجرون هذا التفكير الفئوي بل أكدوا على أحقيتهم هم بالخلافة لأنهم السابقون إلى الإسلام والمهاجرون المضحون بأموالهم وديارهم، واقترح الأنصار حلاًّ وسطاً هو أن يتولى الخلافة شخصان أو أميران أحدهما من المهاجرين والثاني من الأنصار، إلا أن المهاجرين رفضوا ذلك، ولو لم يكن الاستحواذ على السلطة مهماً بالنسبة للطرفين لرضوا بحلول وسط مثل إمارة ثنائية أو حتى جماعية على غرار الملأ في قريش.
دلّت مداولات السقيفة، وحدّة التنافس بين المجتمعين فيها على منصب الخلافة، على أهميَّة القوة والاستحواذ عليها إن لم يكن لفرد على وجه التحديد فلفئةٍ معينةٍ من دون غيرها، علماً بأنَّ الإسلام فرض شروطاً عديدة وصعبة على ممارسة السلطة داخل المجتمع الإسلامي إلى درجة كان يتوقع معها أن يتردَّد الكثيرون منهم في قبول السلطة تخوّفاً من عدم استطاعتهم الإيفاء بهذه الشروط، وإذا كان اجتماع السقيفة قد نجح في اختيار أبي بكر خليفة على المسلمين فإنه عجز عن إرساء الأسس
________________________________________

[الصفحة - 110]


المقبولة لتداول السلطة في النظام الإسلامي وتوضيحها، وهذا ما أكدته الخلافات الدموية التي نشبت في ما بعد.
كانت الردة ثاني تحدٍ كبير للنظام الإسلامي بعد اختيار خليفة الرسول، ويشير شكري فيصل إلى أن الردة شملت سكان العديد من المناطق في أطراف الجزيرة ووسطها باستثناء المناطق التي شهدت ظهور الدعوة وانتشارها في البدء (6)، وأُطلقت تسمية الردة على فئتين خرجتا على النظام الإسلامي، ضمت الأولى أتباع أدعياء النبوة مثل مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية، وهؤلاء فارقوا الإسلام في اعتقادهم بنبوَّة هؤلاء الأدعياء الذين استعملوا دعوتهم من أجل الحصول على القوة والتسلُّط على الناس، أما الفئة الثانية فضمَّت الذين رفضوا دفع الزكاة للخليفة أبي بكر، وكانوا يدفعونها في السابق إلى الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم)، ووصفها رستم وزريق بأنها تمرُّد سياسي قبلي لجماعات التزمت بجميع التعاليم الإسلامية ما عدا دفع الزكاة (7). وجهت الخلافة الجيوش لمحاربة الفئتين، وانتصرت عليهما، وأرست دعائم الخلافة بذلك، وظلت وصمة الردة تطارد المرتدين حتى بعد عودتهم عن الارتداد، إذ رفض الخليفة أبو بكر استعمالهم في حروبه، وخفف الخليفة عمربن الخطاب من هذا الحظر، ولكنه لم يُلغَ حتى تولى عثمان‏بن عفان الخلافة.
وسَّعت الفتوحات في العراق وفارس والشام ومصر من دائرة سلطات الخلافة، وأضافت إليها أهمية وخطورة أعظم بكثير مما كانت عليه في بدء عهد الخلافة، وازداد ثقل مسؤوليات السلطة، وقويت إغراءات القوة والتملك والتسلُّط، وبخاصَّة بين قادة الجند والولاة، وأحسَّ الخليفة عمربن الخطاب بالأخطار والأطماع التي تتربّص بنفوس المسلمين وما يمكن أن تؤدي إليه من خلافات ونزاعات عندما وضعت أمامه غنائم القادسية فبكى، الأمر الذي أثار دهشة عبد الرحمن‏بن عوف الذي سأله عن سبب ذلك، فأجابه: «ما أوتي هذا قوم قط إلا أورثهم العداوة والبغضاء». وكان عبد الرحمن‏بن عوف أحد المسلمين الذين طالبوا الخليفة عمر بتقسيم الأرض المفتوحة بينهم، فلا يبقي منها شيئاً لبيت المال أو لأهلها، ويروى عنه قوله: «ما الأرض بعلوجها إلا ما أفاء اللَّه علينا» (8)، والعلوج جمع علج وهم الرجال غير العرب.
________________________________________
(6)شکري فيصل ، المجتمعات الإسلامية في القرن الأول ، بيروت : دار العلم للملا يين ، 1981 ، ص 43.
(7)Rustum and Zurayk ,op.cit ,P 87.
(8)عبد الرحمن الشر قاوي ، علي إمام المتقين ، القاهرة :مکتبة غريب ، ص 98.

[الصفحة - 111]


لم يعامل المسلمون سكان الأراضي المفتوحة بالتساوي، فبينما عفوا عن الأقباط الذين انتفضوا عليهم في الاسكندرية بعد الفتح، استعبدوا العراقيين والفرس الذين قاوموهم، ونتيجة ذلك كان العراق المصدر الأساسي للسبي، وباع صغار القواد والجند حصصهم من السبي للحصول على نقود يعتاشون بها (9)، وأساء بعض المسلمين معاملة هؤلاء المسترقين، وفي إحدى الحالات وثب الأسارى المسترقون على سيدهم فقتلوه، ثم انتحروا جماعياً (10)، وفي الشام استولى الفاتحون على أملاك الحاكمين ووزعوها على السكان، كما تركوا الأملاك الزراعية الخاصة لأصحابها شريطة دفع الجزية، أما في العراق فصادروا أملاك الأكاسرة واحتفظوا بها أملاكاً للمسلمين، واستمرُّوا في تحصيل ضريبة الحرزة من المزارعين الفرس، ومقدارها أربعة دراهم على كل شخص، ويسوِّغ أحد المصادر هذا الإجراء تسويغاً غريباً، فيقول: إنَّ الضريبة «كانت من الثبات والاستقرار في نفوس القوم بحيث لم يجد الفاتحون سبباً لإلغائها» (11).
كانت إغراءات السلطة والثروة قوية، ولم يتمكن بعضهم من مقاومتها، فكثرت الشكاوى من انحرافات القادة والولاة، وبادر عمربن الخطاب إلى إقصاء خالدبن الوليد عن قيادة الجيش لئلا يفتتن به الناس، كما استدعى الصحابي المعروف أبا هريرة، واليه على البحرين، وفرض عليه تقديم نصف ماله الخاص إلى بيت المال، وكما سنرى فإن الانحرافات تفاقمت في عهد الخليفة عثمان، وخلص طه حسين من ذلك إلى أنَّ الفتوحات الإسلامية كانت لها نتائج إيجابية وسلبية، ومن نتائجها السلبية إضعاف الدولة الإسلامية إذ «كان {الفتح} مصدر ضعف لأنه أخضع لها كثرة من الناس لا يؤمنون بها... ولأن المال الذي جُني لها أيقظ منافع كانت نائمة» (12).
وفي الواقع لو تفحصنا الظروف التي تمت فيها الفتوحات ونتائجها بشكل عام لأمكن التوصل إلى استنتاج مفاده أنَّ سلبياتها أكثر من إيجابياتها، وأساساً فإن اللَّه لم يختر الإسلام ديناً للناس ولم ينزل الوحي من أجل إنشاء امبراطورية مترامية الأطراف يحكمها المسلمون من عرب أو غيرهم، وإنما الهدف من الوحي والرسالة هو هداية الناس إلى الطريقة القويمة في الحياة على المستويين الفردي والجماعي، وجاء توقيت هذه الفتوحات في مرحلة الضعف التي انتابت النظام الإسلامي بعد وفاة
________________________________________
(9)شکري فيصل ، مصدر سابق ، ص 43.
(10)المصدر نفسه ، ص 200.
(11)المصدر نفسه ، ص 82.
(12)طه حسين ، الفتنة الکبري ، 2 ، علي وبنوه ، القاهرة : دار المعارف ، ص 156.

[الصفحة - 112]


الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم) وارتداد أعداد كبيرة من المسلمين وظهور أدعياء النبوة؛ الأمر الذي يدل على ضحالة اعتقاد الكثيرين من المسلمين وضآلة معرفتهم بالإسلام وتعاليمه، وبخاصَّة البسطاء منهم الذين اتبعوا المضلين، وهؤلاء كانوا أحوج إلى الدعاة والفقهاء منهم إلى الفتوحات، كما أن الفتوحات نفسها أدخلت إلى الإسلام فعنوةً أو بالترغيب أو لمجرد تفادي دفع الجزية - أعداداً كبيرة من سكان البلاد المفتوحة، أصبحوا يشكلون مع المشكوك في إيمانهم من المرتدين والمنافقين كثرة في صفوف المسلمين، أضف إلى ذلك أنَّ الفتوحات أثقلت كاهل الدولة الإسلامية بمسؤوليات جديدة لم تكن مؤهَّلة ومهيأة لأدائها، وبالتحديد إدارة شؤون الأراضي المفتوحة وسكانها؛ الأمر الذي اضطرها إلى تكليف الأجانب غير المسلمين من نصارى ومجوس بهذه المسؤوليات، كما أدت الفتوحات إلى نشوء طبقة مرفهة من الأثرياء بين صفوف الصحابة، وعادت بعض مظاهر الترف إلى الظهور، فلبس بعضٌ منهم مثل عبد الرحمن‏ بن عوف وابنه الحرير، وشيَّد بعضهم مثل معاوية بن أبي سفيان القصور الفخمة، وأكثروا من التزوج بالنساء، وتسروا بالإماء، واقتنوا أعداداً كبيرة من الأرقاء، وحمَّل طه حسين هذه الطبقة من الأثرياء المترفين المسؤولية عن الفتنة الكبرى التي حدثت في ما بعد، وأدَّت إلى انشقاق المسلمين والتقاتل بينهم وسيطرة الحكام الدّينويِّين‏ (13)، وأكد أنَّ «الفتنة كانت عربية، نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامة العربية لهؤلاء الأغنياء» (14). وهكذا ساهمت النتائج غير المرغوب بها، من وجهة نظر الإسلام والملتزمين به والحريصين على استمرار دعوته وانتشارها، في انقضاء عصر الخلافة الراشدة واستبداله بعهد الحكومات السلالية التسلُّطية من أموية وعباسية.
كثرت حالات إساءة استعمال السلطة في عهد الخليفة عثمان بن عفان، ويصفه المؤرخون بأنه كان متحيِّزاً إلى أقاربه، فاختار منهم ولاته، وكان ليِّناً مع هؤلاء الولاة على عكس سيرة الخليفة عمر، ولم يحاسبهم حساباً دقيقاً، الأمر الذي أثار حفيظة العديدين ونقمتهم من المسلمين الذين استوطنوا البلاد المفتوحة. واجه الخليفة عثمان مسألة صعبة في بداية عهده، وهي كيفية التعامل مع عبيداللَّه‏بن عمر الذي قتل ثلاثة أنفس من ضمنهم بنت أبي لؤلؤة انتقاماً من قتل أبي لؤلؤة والده الخليفة عمر،
________________________________________
(13)طه حسين ، الفتنة الکبري ، 1 ، عثمان ، المصدر سابق، ص 106.
(14)المصدر نفسه ، ص 106.

[الصفحة - 113]


وقرر عثمان عدم الاقتصاص من القاتل والاكتفاء بالدية التي دفعها من ماله، وعلَّق طه حسين على ذلك بأن «في هذا العفو ما يشبه أن يكون تمييزاً بين المسلمين، تمييزاً بين العربي وهو عبيد اللَّه وبين الأعجمي وهو الهرمزان» (15). ويُذكِّر هذا التصرف بالعرف القبلي الذي يميِّز بين السادة وغير السادة في العقوبة.
تأسست في عهد الخليفة عثمان سابقة التصرف بالأموال العامة للأغراض السلطوية أو الشخصيَّة، ومنح الخليفة بعض الصحابة مبالغ ضخمة، فيروى أنه أعطى الزبير بن العوام يوماً ستمئة ألف درهم وطلحة بن عبيد اللَّه مئتي ألف درهم، وكانا من أقل الناس حاجةً إلى العطاء؛ إذ ترك طلحة ثلاثين مليون درهم، وقُدِّرت تركة الزبير بعشرات الملايين أيضاً. كما أغدق عثمان العطاء على أقربائه حتى استاء الناس من ذلك، فخطب فيهم متحدّياً: «لنأخذن حاجتنا من هذا الفي‏ء وإن رغمت أنوف أقوام» (16). وتجدر الإشارة إلى أن بني أمية والعباس ومَنْ خَلَفهم حتى الوقت الحاضر أعطوا لأنفسهم الحقّ في التصرُّف بالأموال العامة بالطريقة نفسها، واستخدموها في تدعيم حكمهم وشراء الموالين ولمنفعتهم الشخصية.
أدَّت المعاملة الاعتباطية وغير المتأنِّية للمعارضة إلى ازدياد حدتها وتوسع نطاقها، وأبرز مثال على ذلك التعامل مع المعارضين من أهل الكوفة، فعندما اعترض عدد من أهل الكوفة على تصرُّفات واليهم سعيد بن العاص، بادر الوالي، وبموافقة من الخليفة، بنفيهم إلى الشام، ولكن والي الشام، معاوية بن أبي سفيان، خاف من تأثيرهم على أتباعه، فأعادهم إلى الكوفة، حيث نفاهم سعيد بن العاص مرة ثانية إلى الجزيرة، وبعد انقضاء مدَّة من الزمن أظهر المنفيون استعداداً للعودة عن معارضتهم فسمح لهم بالعودة إلى الكوفة، وهناك طردوا واليها سعيد، وفرضوا على عثمان تولية آخر محله‏ (17).
دلّت هذه التطورات والاضطرابات التي أدت إلى مقتل الخليفة عثمان في داره على وجود مشكلة خطيرة في المجتمع الإسلامي، لم تفلح السياسات الرسمية في حلها أو التقليل من آثارها. وفي تقديري أنَّ هذه المشكلة تكمن في عودة النزعة إلى القوة والتسلط ومظاهرهما من سلطة وأملاك وأموال إلى النفوس، ولكن تحت غطاء
________________________________________
(15)المصدر نفسه ، ص 67.
(16)المصدر نفسه ، ص 167.
(17)المصدر نفسه ، ص 110 و 111.

[الصفحة - 114]


شرعي مختلق، وكان ذلك على حساب تطبيق مبدأ العدالة الإسلامي، ولكن هيمنة هذه النزعة وأصحابها لم تتم إلا بنهاية خلافة الإمام علي ‏بن أبي طالب.
بويع الإمام علي بالخلافة في الوقت الذي كان يتجاذب المجتمع الإسلامي تياران رئيسيان: التيار الديني الملتزم، الذي يريد العودة بالنظام الإسلامي فكراً وسلوكاً إلى عهد الرسالة والنبوة عندما كان الالتزام بمبادى الإسلام وقيمه في أعلى درجاته، وكان المسلمون آنذاك متآخين ومتراحمين ومتراصي الصّفوف، وقد ضم هذا التيار خيار الصحابة الذين لم تشغلهم مغريات الفتوحات وما جلبته من ثروات ونعيم وترف عن جوهر الدعوة والعقيدة، وانخرط في التيار الثاني جميع المتهافتين على القوة واللاهثين وراء السلطة، وهم الطامعون بالخلافة ليس حبَّاً في نشر الدعوة وخدمة المسلمين وإنما للتحكم بالرقاب والسيطرة على بيت المال والتصرف بالثروات التي تجبى إليه، والتي فاقت تصور العرب الذين اعتاد غالبيتهم العظمى على عيش الكفاف. والتيار الثاني دنيوي وإن تمسَّح بالدين واستتر به ورفع شعاراته، لأنه يرى أن طبيعة البشر بشكل عام تتصف بالضعف والميل للشهوات وعبادة القوة، وأن نظام الحكم وتعامله مع الناس يجب أن يعكس هذه الوقائع الماديَّة ومتطلباتها لا القيم المثالية، ويتناقض هذا الفكر مع دعوة الإسلام إلى الميل بالنفس عن الشهوات وتهذيبها وصقلها وتعويدها على الفضائل في السرِّ والعلن انطلاقاً من الاعتقاد بقدرة النفس البشرية على بلوغ درجة من الانضباط الذاتي تمنعها من اقتراف المنكرات، والتي سميت ب «الظلم»، لما تنطوي عليه من ظلم للنفس أو للغير مثل الشرك، الذي عرف بأنه «ظلم عظيم»، والقتل والسرقة والزنا وغيرها، وتحثها على الأعمال الحسنة والعدل. وتصدَّر التيار الدنيوي التسلطي معاوية بن أبي سفيان، وانحازت إليه فلول أتباع الجمل وغيرهم، ولم يحاول معاوية إخفاء نزعته القوية إلى السلطة والتسلُّط ومظاهرهما منذ استلامه ولاية الشام، إذ يذكر أحد المؤرخين بأنه «اتخذ القصور والزينة والرقيق واصطنع وسائل الرفاه من العيش» (18). وعندما سئل عن ذلك أجاب بعذر واهٍ، وهو أن التشبه بملوك الروم ضروري لفرض هيبة المسلمين على أعدائهم. ومن بين القلة الذين تصدوا لمعاوية الصحابي أبو ذر الغفاري، الذي أنكر عليه تسمية مال المسلمين بمال اللَّه ليجيز لنفسه التصرُّف به كما يشاء، وخاطبه بخصوص بنائه
________________________________________
(18)القاسمي ، مصدر سابق ص 116.

[الصفحة - 115]


الخضراء قائلاً: «إن كنت إنما بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة، وإن كنت إنما بنيتها من مالك فهو السرف».
سعى الإمام علي لإيقاف انتشار التيار الدنيوي - التسلطي ومقاومة تأثيراته الضارة على نفوس المسلمين، وفي مدّة خلافته القصيرة اهتمّ بالدرجة الأولى بتأسيس حكم إسلامي نموذجي مبني على العدل لا التسلُّط، في المركز والولايات والأمصار، وأصرَّ على معاملة المسلمين بوصفهم أفراداً تامي الحرية والمسؤولية لا خرافاً مسيَّرين يقودهم الحاكم كما يشاء، وقد أسس الإسلام هذا المبدأ عندما حمَّل كل فرد مسؤولية الاختيار بين الكفر والإيمان، فرفض الإمام علي إجبار الناس على بيعته، فامتنع بعض منهم عن ذلك، ولم يقيِّد حرياتهم الشخصية وذلك بمنعهم من السفر، على الرغم من شكه في نواياهم، وواظب على معاملة الرعية وفقاً لهذا المبدأ الإسلامي بعد استلامه الخلافة، ولم يثنه عن ذلك كثرة الطامعين بالخلافة وخصومه وتفاقم الأخطار على الخلافة، وحرص على عدم إجبار الناس على القتال في حروبه الدفاعية، فإذا لم يلبوا دعوته ألغى الحملة المخطط لها، ولم يأمر بسوق الناس إذا لم يكتمل نصاب الجيش كما فعل الخليفة عمربن الخطاب عند تسيير الجيش لفتح العراق وبلاد فارس‏ (19).
لجأ الإمام علي إلى الوسائل السلمية لتسوية الخلافات مع الذين عارضوه، وأرادوا السيطرة على مقاليد المسلمين عنوةً، فأرسل الوفود إليهم لمحاججتهم وثنيهم عن العصيان والقتال، وحفلت رسائله إليهم بالموعظة والنصح والدعوة إلى الاحتكام إلى دين اللَّه وتعاليمه، وتعمَّد أن لا يبدأ بالقتال بل ينتظر حتى يبادر الآخرون فيضطر آنذاك للقتال دفاعاً عن النفس، والتزم بذلك في واقعة الجمل وحروبه مع جيش معاوية بن أبي سفيان، ولم يقاتل الخوارج إلا بعد قطعهم الطريق وقتل الأبرياء، وإثبات الحجة عليهم من قبل ابن عبَّاس‏ (20).
بالإضافة إلى ذلك، رفض الإمام رفضاً قاطعاً استعمال القوة ووسائلها المتنوعة لاجتذاب الناس وكسب ولائهم ومعاقبة المعارضين، فكان يقسم الأموال بين الناس، ثم يكنس بيت المال إعلاناً للجميع بأن المهمة تمت، ولم يبق فيه ما يمكن استخدامه لأغراض الحاكم السلطوية أو الشخصية، وبيَّن لأتباعه أنَّ استعمال الأموال العامة
________________________________________
(19)شکري فيصل ، مصدر سابق ، ص 93 و 94.
(20)محمد تقي الفقيه ، جبل عامل في التاريخ ، بيروت :دار الأضواء ، 1986، ص 57 ،61.

[الصفحة - 116]


للتأثير على آراء الناس واختياراتهم، وبالتحديد من أجل تعزيز جبهة الموالين للحكم وإضعاف جبهة المعارضين، هو نوع من الجور، فبعد أن فارقه كثير من الناس، وفرّ بعض أتباعه غير المخلصين إلى دنيوية معاوية، نصحه بعض أصحابه باستعمال الأموال لاستمالة قلوب الناس فرفض قائلاً: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟ لا واللَّه لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم»؛ وذلك في الوقت الذي كان معاوية فيه يجتذب إليه ضعاف النفوس بالأموال والوعود. واغتيل الإمام علي، وهو لا يملك من نقود سوى سبعمئة درهم‏ (21).
أبدى الإمام علي نفوراً قوياً واحتقاراً واضحاً للقوة والسلطة، وما تشتمل عليه من تسلُّط على الناس، فعندما وجده أحد أصحابه يصلح نعليه استنكر ذلك، فرد عليه الإمام بأن إصلاح شسع نعليه أهم في نظره من السلطة والقوة، ولولا أن ممارسة السلطة فيها مصلحة ومنفعة للناس لما رضي بها. وفي قول مأثور من أقواله يعرِّف القوة بأنها نقيض الحق، ويبين ما يجب أن يكون عليه دور الحاكم المسلم في التعامل مع الرعية: «القوي عندي ذليل حتى آخذ الحق منه، والذليل عندي قوي حتى آخذ الحق له»، وهذا ما يهدف له الإسلام من تطبيق العدل ونصرة الحق، إذ أراد قلب هرم القوة والتسلط الجاهلي، فيرفع الذليل ويهبط القوي حتى يتساويان في المكانة والحقوق والواجبات، فلا يبقى بعد ذلك تمايز في القوة وإمكانية لتسلُّط أحد على غيره.
أخطأ العديد من المسلمين في تحليل سياسات الإمام علي وفهمها، فعزوها إلى عدم التيقن والتردد في الموقف وقلة الحزم، وذلك لأنهم حكموا عليها بمعياري القوة والتسلط الجاهليَّين لا بمعياري العدالة والحرية الإسلاميين، وللسبب عينه انفض الكثيرون عن الإمام علي الذي ساوى بين القرشيين وغيرهم، والعرب والموالي، وانحازوا إلى معاوية بن أبي سفيان طمعاً بالجاه والحظوة عنده، ولم يستح بعضهم من وصف تذبذبهم بين الجبهتين بالعبارة التالية: كنَّا نصلي خلف علي ونأكل على موائد معاوية. والجدير بالذكر أن بعض المستشرقين الذين اعتادوا قياس النجاح بالمقاييس المادية البحتة مثل النصر والسلطة من دون اعتبار كبير لشرعية الوسائل وعدالتها توصلوا إلى النتيجة نفسها والحكم بضعف خلافة الإمام علي.
________________________________________
(21)طه حسين ، الفتنة الکبري ، 1 ، عثمان ، المصدر سابق، ص 154.

[الصفحة - 117]


بعد اغتيال الإمام علي انهار آخر السدود الكبرى أمام التيار الدنيوي - التسلطي، الذي تجذَّر في ترسبات الجاهلية، وخرج بحلة إسلامية، ونجح الأمويون بما لديهم من خبرة وبراعة في امتلاك القوة ووسائلها والحفاظ عليها وتسييس الناس في امتطاء هذا التيار، وقيادته وتوجيهه في خدمة مصالحهم، منفذين وصية قائدهم أبي سفيان بأن «يتلقفوها تلقف الكرة».
الحكم الأموي‏
أعاد الحكم الأموي وسياساته للقوة قيمتها الجاهلية، وتسلط الأمويون على رعاياهم بطريقة لم يعرفها العرب حتى في أيام الجاهلية عندما كان سادة القبائل يستشيرون أتباعهم، ولهم ندوات ومجالس يحضرها الناس، ويبدون فيها آراءهم، ويسدون نصائحهم لأصحاب القوة والسلطة، وكان العُرف القبلي رادعاً للتطرف والتعسف في ممارسة القوة، ولكن الحكم الأموي أدخل مفهوماً جديداً للقوة، إذ جعلها مطلقة ورفعها فوق جميع القيم الأخرى، بما فيها الدينية، وفرضها أساساً للتنظيم الاجتماعي وللعلاقات الاجتماعية، وتميز منهجهم في التسلُّط بالصفات الآتية:
أولاً، جاهر الأمويون بحقيقة كونهم طلاب قوة وسلطة منذ بداية عهدهم، ويروي المؤرخ ابن عبد ربه في العقد الفريد مقاطع من خطبة لمعاوية بن أبي سفيان في أهل الكوفة بعد استتباب الأمر له يعبِّر فيها عن ذلك بصراحة بالغة، فيقول:
«يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمَّر عليكم وألي رقابكم، وقد أتاني اللَّه ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدميَّ هاتين» (22).
وفي هذه الخطبة تصريح واضح بأن هدف معاوية من القتال هو السيطرة على رقاب المسلمين الملتزمين بالصلاة والزكاة والحج.
ثانياً، بعد استلامهم الملك بطريقة غير مشروعة، تسلَّطوا واحتكروا لأنفسهم جميع السلطات، ورفضوا إشراك، حتى ولو فئة قليلة من المسلمين، في الحكم،
________________________________________
(22)ابن عبد ربه ، العقد الفريد بيروت : دار الکتب العلمية ، 1987 ، ص 171.

[الصفحة - 118]


وقد حمل الفيلسوف ابن رشد معاوية بن أبي سفيان كامل المسؤولية عن قلب النظام الإسلامي واستبداله بحكم استبدادي، وكل ما نتج عن ذلك من فوضى واضطراب‏ (23)، واعترف معاوية نفسه بتسلُّطه عندما قال: «نحن الزمان فمَنْ رفعناه ارتفع، ومَنْ وضعناه اتضع» (24)وبهذا القول ادَّعى معاوية لنفسه قدرات إلهية مزاحماً اللَّه عز وجل، الذي هو الزمان يُعزُّ مَن يشاء ويذل مَنْ يشاء. وأعلن عبد الملك‏ بن مروان صراحة عدم استعداده لسماع نصيحة أحد أو مشورته عندما قال: «واللَّه لا يأمرني أحد بتقوى اللَّه بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه»، وأصرَّ ابنه الوليد على أن تراعي الرعية ما يفرضه التفاوت في السلطة والقوة بين الحاكم الأموي وأتباعه من شروط في أسلوب التعامل والتخاطب مما يتناسب مع مقام ملك لا حاكم مسلم فقال: «إنكم كنتم تخاطبون مَنْ كان قبلي من الخلفاء بكدم الأكفاء، وتقولون: يا معاوية ويا يزيد.. وإني أُعاهد اللَّه لا يكلمني أحد بمثل ذلك إلا أتلفت نفسه، فلعمري إن استخفاف الرعية براعيها سيدعوها إلى الاستخفاف بطاعته والاستهانة بمعصيته» (25). ووصف حاكم أموي آخر، وهو الوليد بن يزيد، الطبيعة التسلطية والمتعالية للحكم الأموي، فشهد شاهد من أهلها في البيتين الآتيين:
ونحن المالكون الناس قسراً نسومهم المذلة والنكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلاً وما نألوهم إلا خبالا
ثالثاً، اعتمد حكام بني أمية على قوة السلاح والإرهاب في تأسيس ملكهم والمحافظة عليه، وفرضوا موالاتهم وطاعتهم على الجميع، وعاقبوا بشدة كل من عارضهم أو انتقدهم، وتبرز هذه القواعد الثابتة لأسلوبهم في الحكم في وصية معاوية بن أبي سفيان إلى سفيان‏ بن غامد الغامدي حين أرسله إلى العراق: «أقتل مَن لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك، واضرب كل ما مررت به من قرى». ولم يسلم من بطش قواته التي أرسلها إلى اليمن حتى الأطفال الرضع، وعندما تجرأ الصحابي حجر بن عدي ورفاقه على الاعتراض على والي معاوية كان مصيرهم السجن والإعدام، ودفن أحدهم حياً، وكان آخر أعماله التسلطية والاستبدادية أخذ البيعة عنوةً لابنه يزيد، ووفقاً للنتيجة التي خلص إليها طه حسين فإنَّ موالاة معاوية كانت الطريقة الوحيدة لتجنب تعسفه‏ (26):
________________________________________
(23)نجوي قصاب حسن ، الفکر الاجتماعي عند العرب ، دمشق : جامعة دمشق ، 1982 ،ص 150.
(24)الثعابي ، لطائف اللطف ، بيروت : دار المسيرة ، 1980 ص 33. نقله علي زيعور. قطاع البطولة و النرجسية في الذات العربية ، بيروت : دار الطليعة ، 1982.
(25)إمام عبد الفتاح إمام ، الطاغيه دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي ، الکويت : المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الأ داب ، 1994.
(26)طه حسين، الفتنة الكبري ،1، عثمان، مصدر سابق، ص 187.

[الصفحة - 119]


«علَّمهم معاوية أن طاعة الأمراء فرض لا ينبغي التردد فيه أو الالتواء به، ومَنْ لم يُعطِ الطاعة لا أمان له».
سار يزيد بن معاوية على منهاج أبيه القمعي، مبتدئاً بقتل حفيد الرسول الإمام الحسين(عليه السلام) وأهله وأصحابه في واقعة الطف؛ وذلك بسبب امتناعه عن تقديم البيعة، وبعد فشل ثورة المدينة المنورة استباحتها قواته فقتلت سكانها الأبرياء، واغتصبت نساءها، والتزم المروانيون بهذا الأسلوب، فيروى أن عبد الملك‏ بن مروان قال: «ألا إني لا أُداوي داء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم قناتكم»، كما عكست ذلك تصرفات الولاة الأمويين وإجراءاتهم، فالحجاج‏ بن يوسف الثقفي واليهم على العراق قتل أكثر من مئة ألف نفس، ومات وسجونه ملآنة، وحتى عمر بن عبد العزيز، الذي كان حكمه استثناءً على المنهج الأموي، نفذ أمراً للوليدبن عبد الملك بجلد خبيب بن عبداللَّه ‏بن الزبير لأنه تنبأ بسقوط دولة الأمويين، فمرض على أثر ذلك ومات‏ (27)، واتبع ولاة الأمويين في شمال افريقيا الأساليب نفسها، ومن ذلك استعباد خمس البربر بعد إسلامهم، في تحريف صارخ للتعاليم القرآنية؛ الأمر الذي أدى إلى تذمُّر البربر وانتفاضتهم‏ (28)، واستعمل الحكام الأمويون الجواسيس لمراقبة سلوك الولاة والقضاة وعامة الناس في البلدان حت ستار نظام البريد.
رابعاً، بالإضافة إلى استعمال القوة، اعتمد الحكام الأمويون على المال لضمان طاعة الرعية وولائها، فأغدقوا على أتباعهم المطيعين والمخلصين الأموال والعطايا من دور وأراضٍ وحرموا الآخرين منها، وذلك استناداً إلى دعوى بأن الحاكم ظل اللَّه وخليفته في الأرض، وبما أن المال مال اللَّه، فإذاً من حق الحاكم، وفقاً لادّعائهم، أن يتصرَّف بموارد بيت المال كما يشاء، وبالفعل اقتطعوا لأنفسهم حصَّة كبيرة منها لتنمية ثرواتهم الشخصية، والصرف على قصورهم وحاشيتهم ومظاهر الترف والبذخ، واستعملوا الباقي لترسيخ حكمهم. ومن المعروف أن معاوية بن أبي سفيان اشترى ولاء الكثيرين من رؤساء القبائل العربية، ويعدّه المؤرخون أوَّل من رشا في الإسلام، وواليه المغيرة بن شعبة أوَّل من ارتشى‏ (29). وبذل عبيد اللَّه بن زياد، والي يزيد بن معاوية، الأموال والوعود لتحويل ولاء أهل الكوفة من الإمام
________________________________________
(27)إمام عبد الفتاح إمام، مصدر سابق، ص 212.
(28)أحمد الصاوي، الأقليات التاريخية في الوطن العربي، القاهرة: مرکز الحضارة العربية للإعلام و النشر،1989،ص 58 .
(29)أحمد عبد الرزاق أحمد، مصدر سابق، ص 12.

[الصفحة - 120]


الحسين إلى يزيد، ويتبين من القول التالي لعبد الملك ‏بن مروان العلاقة الجذرية بين الحاكم والمال والرجال كما يراها الأمويون: «الملك لا يصلح إلا بالرجال» (30)، «والرجال لا يقيمها إلا الأموال» وحتى عمر بن عبد العزيز اعتبر الأموال أحد الأركان الأربعة التي يستند إليها السلطان.
خامساً، رفع حكام بني أمية السلطة السياسية فوق الدين وتعاليمه، وسعوا إلى استخدام الدين لخدمة مصالحهم، وكان معاوية بن أبي سفيان أول من استنَّ سب الصحابة، عندما أمر بسب الإمام علي في خطبة الجمعة، وباستثناء مدة حكم عمر بن عبد العزيز التزم كافة الحكام الأمويين بهذه البدعة، التي أدَّت إلى تفريق صفوف المسلمين، كما لم يكترثوا بالتعاليم الدينية في قراراتهم وسلوكهم، فهان عليهم وعلى ولاتهم قتل أحفاد الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم) والتمثيل بجثثهم، واستباحة المدينة المنورة، وهدم الكعبة بالمنجنيق، وفرضوا الجزية على الذين أسلموا بحجة أنهم فروا من الجزية إلى الإسلام أو أن بيت المال بحاجة لجباية هذه الأموال، وتدخلوا في أمور العقيدة الإسلامية، والمثال على ذلك قتل خالد بن عبداللَّه القسري للجعد بن الدرهم لأنه نفى الصفات عن اللَّه جل وتعالى، ولم يتردد معاوية بن أبي سفيان في الاعتراف بزياد فابن أبيه أخاً له وابناً غير شرعي لأبي سفيان، وللتخلص من تبعات تسلطهم وجورهم تبنوا مذهب القدريين، فادعوا بأنهم مسيرون لا مخيرون في قراراتهم وتصرُّفاتهم، وبالتالي فإنهم لا يتحملون وزر ظلمهم وجورهم، وشجَّعهم على ذلك بعض الفقهاء الذين قدَّموا غطاءً شرعياً لمثل هذه المواقف والتصرفات. ويروى أن الوليد بن عبد الملك تساءل يوماً إن كان الحاكم مثله يحاسب على أعماله، فأحضر أخوه يزيد 40 شيخاً أكدوا له أنَّ الحاكم مثله لا يحاسب ولا يعذَّب‏ (31)، ومن قبل ذلك حصل قرار معاوية بن أبي سفيان بالاعتراف بزياد ابن أبيه أخاً غير شرعي على مصادقة ثمينة من أم المؤمنين عائشة عندما كتبت إلى زياد ابن أبيه رسالة: «من عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان» (32)، ولا شك في أن بني أمية استقبلوا بارتياح ورضى فتوى عبداللَّه ‏بن عمر التي قال فيها: «إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر» (33)وخالف بذلك سنة الخليفتين أبي بكر وعمر بخصوص وجوب مقاومة الحاكم الجائر، الذي أجاز عمر قتله.
________________________________________
(30)حسن فلاح الکساسبة، المؤسسات الإدارية في مرکز الخلافة العباسية(الدواوين)،الکرک،الأردن:جامعة مؤتة،1992،ص 49.
(31)إمام عبد الفتاح إمام،مصدر سابق،ص 211.
(32)طه حسين، الفتنة الكبري، علي وبنوه، مصدر سابق،ص 205.
(33)ابن عبدربه، العقد الفريد، نقله محمد طه بدوي، حق مقاومة الحکومات الجائرة، القاهرة: دار الکتاب العربي،ص 24.

[الصفحة - 121]


سادساً، سعى بنو أمية إلى إعادة تنظيم المجتمع الإسلامي على أساس معيار القوة والقرب من السلطة وأصحابها، فوضعوا على قمّة الهرم الحكام، ويليهم في المكانة أقاربهم، ومن ثم ولاتهم، فسادة القبائل العربية من أنصار بني أمية، والعرب الذين اعتبروهم أشرف وأعلى مرتبة من المسلمين غير العرب، خلافاً للمبادى الإسلامية التي نصَّت صراحةً على المساواة بين المسلمين، واحتلَّ الأرقاء المرتبة الأدنى بعد الموالي، ونتيجة لهذا التقسيم الطبقي الاجتماعي المبني على مبدأ تفاوت القوة والمكانة ضعفت الأخوة الإسلامية بين العرب وغير العرب، وعادت العصبية القبلية إلى سابق عهدها الجاهلي، الأمر الذي أدى إلى حدوث صراعات قبلية مثل التي نشأت بين القبائل القيسية واليمانية، وأحييت العديد من عادات الجاهلية وتقاليدها مثل التعالي على أصحاب الحرف، والاستنكاف عن أداء الأعمال اليدوية وتفضيل مهنة التجارة وامتلاك الأراضي والعقارات، الأمر الذي أدى إلى الاعتماد بدرجة عالية على غير العرب والعبيد في الزراعة والحرف والعمل اليدوي، كما استعاد الشعراء مكانتهم القديمة، وحظوتهم لدى الحكام وأصحاب النفوذ والأثرياء، وارتزق العديد منهم بالمديح.
باختصار عاد للقوة بريقها الذي سعى الإسلام إلى إطفائه، وفاقت هذه القوة ما كان متوفراً لها لدى العرب الجاهليين، ولم تؤدِّ هذه القوة المطلقة إلى تسلط الحكام واعوجاجهم بشكل مطلق فحسب، بل أفسدت عامة الناس أيضاً، وحرفت الكثير منهم عن المنهج الإسلامي في تطبيق العدالة والمساواة وعدم التسلط، وخلص طه حسين من ذلك إلى الاستنتاج الآتي حول تلك الحقبة من التاريخ العربي - الإسلامي‏ (34):
«هذه الدولة الجديدة لم تستطع آخر الأمر إلا أن تسلك طريقَ الدول قبلها، فيقوم الحكم فيها على مثل ما كان يقوم عليه من قبل من الأثرة والاستعلاء ونظام الطبقات».
ولكنَّ الانحياز إلى نظام القوة - التسلطي بعد الدعوة الإسلامية لم يكن حتمية تاريخية، بل كان انحرافاً وتراجعاً عن البديل العملي والأفضل الذي قدمه الإسلام.
________________________________________
(34)طه حسين، الفتنة الكبري، علي وبنوه، مصدر سابق،ص 155.

[الصفحة - 122]


كانت الأسس التي شيد عليها بنو أمية ملكهم تحتوي على عناصر الضعف والتفكك والانحلال التي أدَّت به في النهاية إلى التدهور والسقوط، فاعتماده مبدأ احتكار القوة والتسلط غذَّى أطماع القوة لدى الناس، التي سعى الإسلام إلى تقليصها وتهذيبها بالعدل، إذ فتح تطبيق هذا المبدأ الباب على مصراعيه أمام الطامعين بالقوة، فما دامت السيادة المطلقة للأقوياء من دون اعتبار للعدل والحق، فإن بإمكان أي شخص حتى وإن لم يمتلك الحق الشرعي بالخلافة ولا يتوفر فيه الحد الأدنى من الصفات والشروط أن يطمح إلى السلطة، وكل من رجحت قوته كان هو الفائز بالسلطة.
قاد لجوء الأمويين المتكرر إلى التعسف والقمع في التعامل مع المعارضة إلى دائرة مغلقة ودموية من العنف، مزقت المجتمع الإسلامي وأضعفته، ونافس الأمويين على السلطة الطامعون بها الذين أرادوا إزاحتهم عنها والحلول محلهم، والمعارضة الدينية التي نشط فيها الهاشميون والخوارج، والمعارضة العرقية وبالأخص في فارس وشمال أفريقيا، واستغل دعاة العباسيين بعض فصائل هذه المعارضة، ونجحوا في توظيفها لإنهاء الحكم الأموي. وفي أثناء عهدهم الذي كان قصيراً بحساب أعمار السلالات الحاكمة حقق الأمويون إنجازات كثيرة، ولكنهم وفي الوقت نفسه حرفوا مسيرة الدعوة الإسلامية، وعطلوها عن بلوغ هدفها في تأسيس النظام الإسلامي المبني على أساس المبادئ والقيم السامية.
العهد العباسي‏
انتفض العبَّاسيون على الأمويين، وأزالوهم عن سدة الحكم، وجلسوا محلهم، ليس احتجاجاً على قواعد القوة والتسلُّط التي استند إليها الأمويون، وإنما لمجرَّد الاستئثار بالسلطة، واعتمد العباسيون بعد وصولهم إلى الحكم السياسات والأساليب الأموية نفسها في احتكار القوة وفرض سيطرتهم على الرعية، والتخلص من المنافسين والمعارضين. وتجدر الإشارة إلى أن أبا العباس السفاح هو الذي لقب نفسه بذلك عندما خطب بالناس قائلاً: «استعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير»، ثم أثبت للجميع أنَّه جدير بهذا اللقب، فركز جهوده في البدء على التخلُّص من فلول الأمويين، بقسوة ووحشية مفرطة، إذ يروى أنه بعد قتله عدداً من بني أمية أمر بلفهم
________________________________________

[الصفحة - 123]


في بساط، ثم جلس عليه وتناول طعامه، ولم يتورَّع عن المثلة بالموتى خلافاً لتعاليم الإسلام عندما أمر بإخراج حكام بني أمية من قبورهم وجلد رممهم وحرقها.
بعد التخلُّص من بقايا أعداء الأمس التفت العباسيون إلى الحلفاء الذين قد يفكرون بمزاحمتهم على السلطة أو المطالبة بنصيب منها، وكان التحالف الذي أوصلهم إلى الحكم غير متجانس، ضم عدداً من بني هاشم الذين يؤمنون بأنهم أحق بالخلافة من الأمويين والعباسيين، والموالي الذين ساءتهم معاملة الأمويين، ولم يتردد العباسيون في البطش بالهاشميين واغتيال القائد الفارسي أبي مسلم الخراساني.
نظراً لاتساع رقعة الدولة العباسية، اتخذ حكام بني العباس الوزراء والحجَّاب والكتبة وغيرهم من الإداريين لتصريف أمور الدولة وتنظيم شؤونها في المركز، بالإضافة إلى الولاة والقضاة وغيرهم في الأمصار، إلا أنهم كانوا متخوفين وحذرين من هؤلاء الإداريين، وكانوا مستعدين ذهنياً ونفسياً لتصديق الأقاويل والوشايات حول طمع وزرائهم وولاتهم بالسلطة، وتآمرهم عليهم، وقلة إخلاصهم، وكان تعاظم قوة البرامكة وازدياد نفوذهم السبب الرئيسي في نكبتهم، التي خسروا فيها جميع مصادر قوتهم من مناصب ونفوذ وأموال، وصارت تلك سنَّة لدى الحكام العباسيين، فالوزراء يستبدلون، وأحياناً يقتلون، وغالباً ما تصادر أموالهم.
وإذا كانت القوة بشكل عام تجتذب الناس وتستهويهم، فإن القوة المطلقة التي استأثر بها السلاطين العباسيون، ومارسوها، كانت مغرية جداً، ونتجت عن ذلك صراعات دموية داخل البيت العباسي، فقد تنافس الأخوان الأمين والمأمون على الحكم، وتقاتلا، ثم حوصر الأمين في بغداد، وانهزم وقتل، واغتيل المتوكل نتيجة مؤامرة اشترك فيها ابنه، وقتل حكام عباسيون آخرون على أيدي قواد جيوشهم.
واجه العباسيون معارضة مستمرة، لا تقل شدَّةً وعنفاً عن التي واجهها الأمويون، وتنوَّعت هذه المعارضة بين سياسية ودينية وطائفية واجتماعية وعرقية، وكانت المعارضة المسلحة هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمام الناس للتعبير عن احتجاجهم أو رفضهم للسياسات العباسية، ففي شمال افريقيا نجح الفاطميُّون في نشر دعوتهم ومن ثم في تأسيس مملكة نافست العباسيين، واقتطعت جزءاً غير يسير
________________________________________

[الصفحة - 124]


من أراضي الدولة العباسية، وانشغلت الجيوش العباسية في الشرق بقمع حركات الزنادقة، وثار القرامطة معبِّرين عن رفضهم للنظام السياسي والاجتماعي للدولة العباسية، وقدموا بديلاً له، فبدلاً من الحكم الفردي للخليفة العباسي شكَّلوا نوعاً من القيادة الجماعية، وألغوا الملكية الفردية احتجاجاً على الفوارق الطبقية الكبيرة في ملكية الأراضي والثروات، ودعوا إلى تعميم حق العمل والتعليم، وإلى المساواة بين الرجل والمرأة، كما ثار الزنج الذين عملوا في المزارع والممالح في جنوب العراق بسبب ما تعرَّضوا له من استغلال واضطهاد ودعوا إلى تحرير السود.
اعتمد العباسيُّون بالدرجة الأولى على جيوشهم في قمع الثورات وحفظ الأمن، وعلى عكس الأمويين فضَّلوا استعمال غير العرب في قواتهم، فاعتمدوا في البدء على الفرس، ثم استبدلوهم بالأتراك، فبعد أن أوقف المعتصم العطاء للقبائل العربية استقدم عشرات الآلاف من الأتراك، وأدخلهم في جيشه، واضطر على أثر ازدياد شكاوى أهل بغداد من تصرفاتهم وقلة انضباطهم إلى بناء مدينة خاصة بهم في شمال بغداد، وهي سامراء، وسنحت للقادة الأتراك الفرصة للتحكم بالخلافة بعد استعانة أفراد الأسرة العباسية بهم في حسم صراعاتهم الداخلية حول الحكم، وكان ذلك خطأً فادحاً كلف العباسيين الكثير، وساهم بصورة رئيسية في انهيار دولتهم، إذ أخلَّ العباسيون بمبدأ احتكار القوة والسلطة وعدم السماح للغرباء بالنفوذ إلى الدائرة العليا الضيِّقة التي تضم الحاكم وولي عهده وأفراد عائلته الأقربين، وهو المبدأ الذي سار عليه الأمويون والحكام العباسيون الأوائل، وبعد أن ذاق القادة الأتراك طعم القوة المطلقة أعجبهم، وصار العديد من الحكام العباسيين في العصر الوسيط خاضعين أو شبه مسيرين من قبل هؤلاء القادة، الذين لعبوا دوراً فاعلاً في تحديد مصائر العديد من الخلفاء العباسيين، إذ أنهم قتلوا المتوكل والمعتز، وسمَّموا المنتصر، وخلعوا المستعين والمهتدي، ونصبوا المعتمد والمكتفي، وكانت تلك البداية الحقيقية لانهيار قوة بني العباس وأفول حكمهم، حتى لم يبق لهم في النهاية سوى مظاهر السلطة وشكلياتها، مثل الدعاء لهم في خطبة الجمعة وسك النقود بأسمائهم.
بالإضافة إلى الجيش، استعمل العبَّاسيون الشرطة في حفظ الأمن الداخلي، ووظَّفوا الجواسيس لمراقبة أقوال الناس وتصرفاتهم، وكان السياف من أبرز رموز
________________________________________

[الصفحة - 125]


دولتهم، وهو الجلاد المكلَّف بقطع رقاب الناس أو إيقاع عقوبات الحدِّ عليهم بقطع الأيدي أو الأرجل والضرب بالسياط، ولا تكاد رواية عن حكام تلك الحقبة تخلو من ذكره، فهو إما حاضر في مجلس الخليفة أو موجود في مكان قريب من مجلسه بحيث لا يتأخر عن الحضور إذا استدعاه، واقترن نداء «يا سيَّاف» بالخلفاء العباسيين اقتران حكمهم بالعاصمة بغداد، ولا شكَّ في أنَّ مجرَّد مثول السياف كان كفيلاً ببث الرعب وإدخال الهلع على قلوب أشجع الرجال، الذين سيترددون طويلاً قبل إغضاب السلطان، أو حتى تعكير مزاجه، مما قد يدفعه وفي سورة غضب إلى أمر السياف بقطع رأس المسي‏ء. ويتبين من بعض هذه الروايات التاريخية أن عملية الإعدام كانت تنفذ في مجلس الحاكم، وعلى مرأى منه ومن بقية الحاضرين، حيث يقوم السياف بإحضار السيف والنطع، والأخير هو جلد يفرش على الأرض تحت المحكوم عليه، وفي بعض الأحيان كان الشخص المتهم أو المشكوك به «يعرض على السيف» لإجباره على اتخاذ موقف محدد، وإعطائه فرصة أخيرة للاختيار بين طاعة الحاكم وإبداء الولاء له أو الإعدام، ووجد بعض الحكام العباسيين أن عقوبة قطع الرأس ليست كافية للتنكيل بأعدائهم وإرهاب معارضيهم، فتفننوا في طرق الإعدام، ودفنوا بعض المحكومين أحياءً داخل جدران أو تحت الأرض ليموتوا جوعاً وعطشاً أو اختناقاً، وأحرق آخرون بالنار، وانتقم المتوكل من محمدبن عبد الملك الزيات لسبب تافه بأن أمر بصنع تنور من حديد فيه مسامير بحيث لو تحرك شخص داخله لدخلت المسامير في جسمه، ثم سخن التنور على النار، ووضع فيه ابن الزيات. أما العقوبات الأخف من الإعدام فقد تراوحت بين سَمْل الأعين وقطع الألسنة وجدع الأنوف وصم الأذن إلى الجلد والسجن، وكان للوزراء سجون خاصة بهم، وكذلك قادة الشرطة، وكان دخول هذه السجون أيسر بكثير من الخروج منها، كما عامل موظفو الدولة الناس باستعلاء وتعسف؛ إذ يشير حسب فلاح الكساسبة مثلاً إلى أنه «في أيام هارون الرشيد كان عمال الخراج يظلمون الناس، ويقيمونهم في الشمس، ويضربونهم الضرب الشديد» (35).
حققت القوة العسكرية والشرطة لبني العباس السيطرة على رعاياهم، ولكن درجة هذه السيطرة تفاوتت حسب القرب من المركز، فالسيطرة المركزية الشديدة
________________________________________
(35)حسن فلاح الکساسبة،مصدر سابق،ص 49.

[الصفحة - 126]


أدَّت إلى هروب المعارضين إلى التخوم، فأصبحت الدولة تدريجياً مكونة من مركز منيع ومستقر نسبياً تحيط به دوائر أو حلقات أقل استقراراً وانقياداً كلما ابتعدنا عن المركز واقتربنا من الحدود، وتدريجياً خرجت هذه المناطق البعيدة عن السيطرة المركزية واستقلَّت عن الدولة العباسية أو أصبحت شبه مستقلة، وعندما اقترب الخطر المغولي كانت سيطرة العباسيين تقتصر على المناطق القريبة المحيطة بعاصمتهم، لذا لم تجابه المغول مقاومة كبيرة، كما أن بني أعمامهم الأتراك من قادة وأفراد في الجيش العباسي لم يبدوا حماساً في الدفاع عن العباسيين، بل إن بعضهم تخلى عن أسياده العباسيين وانضم إلى المغول الذين أغروهم بالأمان والوعود.
لم يختلف العباسيُّون عن الأمويين في اعتبار أموال المسلمين في بيت المال ملكاً خاصاً، فاستعملوها في مكافأة الأعوان المخلصين، وحرموا منها الآخرين، وكان رضى الحاكم كفيلاً بانتشال الإنسان من وهدة الفقر ورفعه إلى مصاف الأغنياء، كما أن غضبه عليه له تأثير معاكس بالضبط، وصرف العباسيون أموالاً كثيرة على وسائل ترفهم وملذاتهم، وتزخر السجلات التاريخية بالروايات عن ذلك.
لم يغفل العباسيون أهمية الدين بوصفه مصدراً من مصادر القوة والسلطة، وحرصوا على إثبات أن سلطتهم نابعة منه، وذلك بادعائهم أنّهم الأحق بالخلافة لقرابتهم من الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم)، والخليفة ليس مجرد حاكم دنيويّ، بل هو أمير المؤمنين، وحامي الدين، والمدافع عن المسلمين. وشجَّعهم ذلك على التدخل في أمور العقيدة، فانتصروا لهذا المذهب أو ذاك، وأدنوا فقيهاً وفضلوه على غيره، وأيدوا اعتقاداً معيناً وعاقبوا كل مَنْ خالفهم عقاباً شديداً، ولضمان سيطرتهم التامة في هذا المجال حصر الحكام العباسيون بأنفسهم سلطة تعيين القضاة.
وجد الفقهاء ورجال الدين والقضاة أنفسهم في وضع حرج، فإمَّا مسايرة الحكام وممالأتهم للتكسب من رضاهم واتقاء شرهم، أو الإصرار على المواقف المستقلة والمبدئية وبالتالي المخاطرة بإغضاب الحكم وتعريض أنفسهم لانتقامهم وتعسفهم، ووصف الغزالي محنة العلماء في ذلك الزمان، والذين تجاذبتهم مغريات القوة والجاه والمال من جهة والعلم من أجل المعرفة وخدمة الناس من جهة أخرى، فكتب:
________________________________________

[الصفحة - 127]


«وكنت في الزمان أنشد العلم الذي به يكتسب الجاه وأدعو إليه بقولي وعلمي، وكان ذلك قصدي ونيتي، وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه ويعرف به سقوط رتبة الجاه، هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي» (36).
وكما هو الحال في العصر الأموي عكست النشاطات الأدبية والثقافية في العهد العباسي القيم السائدة، وركز الكثير من العاملين في هذه النشاطات جهودهم على تحصيل موارد القوة والعيش والبقاء ووسائل ذلك، فجلس الشعراء على أبواب الحكام والولاة ينشدون رضاهم وعطاءهم بقصائد المديح ورسائله وهجاء خصومهم ومنافسيهم، وتعيَّش الكثير منهم من منادمة أصحاب السلطة والنفوذ والثروات، واشتغل الكتَّاب في الدواوين. أمَّا الذين تجرأوا على إبداء الرأي الحر والمستقل وأحياناً معارضة المواقف الرسمية فقد تعرَّضوا للمضايقة والإبعاد والسجن، ولقي بعضٌ منهم حتفهم بسبب ذلك، فبينما تكسب الشاعر المتنبي من مدح الحكام والولاة أحرقت كتب عبداللَّه‏بن المقفع وقتل بتهمة الزندقة، وهي تهمة كانت تلصق أحياناً بالمعارضين لتسويغ قتلهم. لم يتمكن العديد من العلماء والأطبَّاء والفلاسفة من ممارسة أعمالهم ونشاطاتهم الإبداعيَّة، وإعداد مؤلفاتهم، وتنفيذ تجاربهم، وبناء مراصدهم، وتعليم طلابهم من دون رعاية الحكام العباسيين أو الفاطميين أو غيرهم في تلك الحقبة، وكما يتبيَّن فإن هذه الرعاية كانت غالباً مشروطة، وقد يتحول رضا الحاكم فجأةً إلى غضب ونقمة، وبسبب ذلك تعرَّض بعض العلماء البارزين مثل ابن سينا وابن رشد للاضطهاد والمطاردة والتهديد، واضطر العديد منهم إلى الاعتماد على الأعمال اليدوية البسيطة مثل النسخ لتحصيل أرزاقهم؛ الأمر الذي شغلهم عن التركيز على البحث والمعرفة، ولأنهم كانوا غالباً غير بعيدين من مراكز السلطة فقد أدرك بعض منهم أهمية القوة والسلطة في مجتمعاتهم، ويظهر ذلك جلياً في تحليل ابن خلدون لتوزيع القوة أو الجاه كما يسميه:
«الجاه متوزِّع في الناس ومترتِّب فيهم طبقة بعد طبقة.. فقد تبيَّن أنَّ الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرُّف في من تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع، والتسلط بالقهر والغلبة».
________________________________________
(36)نجوي قصاب حسن،مصدر سابق،ص 85و 86.

[الصفحة - 128]


اختلف توزيع الجاه أو القوة في المجتمع العباسي عمَّا كان عليه في العهد الأموي، وأهم فارق بين النظامين الاجتماعيين فقدان العرب لامتيازاتهم على غيرهم من المسلمين أثناء العهد العباسي، وربما شعر العرب بأنهم أُبعدوا عن مركز السلطة، وبخاصةٍ في العصرين الأوسط والأخير من هذا العهد، وبأنَّ الأتراك تقدموا عليهم في الحظوة والمناصب والنفوذ، وبشكل عام توزع المجتمع العباسي إلى أربع طبقات أو فئات رئيسية وفقاً لمعيار القوة، وجلس الخليفة العباسي على قمّة الهرم، وتحته مباشرة شريحة صغيرة ضمت أفراد عائلته وأقربائه، وتأتي بعدها مباشرة طبقة «الخاصة»، التي تكونت من أصحاب السلطات المفوضة والنفوذ والثروة في المجتمع مثل الوزراء والقادة والولاة والقضاة وكبار الفقهاء المقرَّبين ورؤساء التجار وكبار الأثرياء والإقطاعيين، وهي ليست طبقة أرستقراطية بكامل معنى الكلمة، لأن الحسب والنسب والمناصب والثروة الموروثة لم تكن قاسماً مشتركاً بين الجميع، وكان من الممكن لأحد أفراد هذه الطبقة أن يفقد مكانته فيها بطرده من وظيفته أو مصادرة أمواله بقرار علوي، فيهبط إلى الطبقة الأدنى منها وهي طبقة «العامة»، وكما يستدلُّ من تسمية الأخيرة تكونت هذه الطبقة من عامة الناس، الذين لا يمتلكون قوة أو نفوذاً بسبب منصب أو ثروة أو صلات اجتماعية، وتشمل هذه الفئة صغار التجار والكسبة وأصحاب الحوانيت والحرفيين والفلاحين، واحتلَّ العبيد والإماء، وهم عديمو القوة، الدرك الأسفل من هيكل القوة من المجتمع العباسي، كما ضم هذا المجتمع جماعات هامشية مثل العيارين والشطار، الذين خرجوا على قيم المجتمع، فامتهنوا الأعمال الممنوعة مثل اللصوصية والاحتيال، وشكلوا أحياناً تنظيمات مؤقتة بهدف رص صفوفهم، واستغلوا مراحل ضعف السلطة والاضطرابات الداخلية للحصول على المكاسب وفرض أنفسهم على الناس.
لم تختلف الدول الأخرى التي عاصرت الدولة العباسية مثل الفاطمية في شمال أفريقيا والأموية في الأندلس عن الدولة العباسية في اعتمادها على القوة والتسلط في إرساء حكمها وتثبيت قواعده، فعلى سبيل المثال يروى أنَّه بعد دخول معز الدين الفاطمي مصر سأله الناس عن حسبه ونسبه؟ فأخرج دنانير من جيبه ونثرها فوق رؤوسهم قائلاً: هذا حسبي، ثم استلَّ سيفه من غمده قائلاً: هذا نسبي.
________________________________________

[الصفحة - 129]


العهد التركي‏
حكم الأتراك المنطقة العربية أغلب الحقبة التاريخيَّة الواقعة ما بين سقوط الدولة العباسية والقرن العشرين، وأثبت الانتصار المغولي الهمجي على العباسيين وغيرهم أهمية القوة العسكرية وأولويتها على جميع الوسائل الأخرى للقوة، فلا شك في أن المغول وعلى عكس المسلمين كانوا أقواماً بدائيين، غير متحضرين، لا يمتلكون إلا النزر اليسير من وسائل الحضارة والثقافة والتمدن ومقوماتها، إلا أن نظام القوة لديهم كان أفضل من النظام العباسي المهترى، الذي تمَّ ترقيعه بالمرتزقة، وانهزمت الدولة العبَّاسية لأن محور المجابهة بينها وبين المغول كان القوة العسكرية بعد إهمال العبَّاسيين لمصادر القوة الكامنة في النظام الإسلامي ومبادئه في تطبيق العدل وإحقاق الحق والمساواة والشورى.
لم يكتف المغول بهزيمة الجيوش العباسية، واحتلال مدن المسلمين وأراضيهم، بل عمدوا إلى أسس القوة ووسائلها ومصادرها في المجتمع، فأتلفوها أو هدموها، لئلا يتمكن قادة هذا المجتمع وأفراده من لملمة قواه وإعادة بنائه، ومن بين إجراءاتهم التخريبية قتل الخليفة العباسي وأهل بيته وأعوانه وقادة الجيش، وذبح أعداد كبيرة من السكان، وإحراق القصور والمكتبات والدور، وطرح الكتب في الماء.
انتبه الأوروبيون الذين كانوا يعيشون في عصورهم الوسطى المظلمة إلى ضعف النظم العربية – الإسلامية وتصارعها، فتحرَّكت أطماعهم إلى الاستحواذ على ثرواتها، والسيطرة على طرق تجارتها، واحتلال مراكزها الدينيَّة، فبدأوا حملاتهم الصليبية، ونجحوا في السيطرة على مناطق شاسعة من بلاد مصر والشام، وعجَّلت تلك الحملات في نهاية الدولة الفاطميَّة في مصر، وذلك عندما استنجد الفاطميون بالأيوبيين ضد الفرنجة، الأمر الذي أدى إلى استيلاء الأيوبيين على مصر، وفي الوقت الذي كانت الجيوش الصليبية توسع رقعة احتلالها استمرَّت الخلافات والصراعات بين الممالك والدويلات المحلية، وتحالف بعض الحكام مع الأعداء الأجانب ضد منافسيهم المحليين، كما فعل أحد أمراء الأيوبيين وحكام آخر
________________________________________

[الصفحة - 130]


الدويلات العربية في إسبانيا قبل إجلائهم منها، وأثبتوا بذلك أنَّ الحفاظ على القوة والسلطة أهم لديهم من جميع القيم والمبادى.
بالقوة استولى الأتراك العثمانيون على الحكم، وبالقوة حافظوا عليه وتسلَّطوا على العرب، فالجيش كان وسيلتهم الرئيسية في حماية امبراطوريتهم من الأعداء الخارجيين، وقمع الثورات والانتفاضات المحلية، وتأديب العصاة من الولاة، وانصبَّ اهتمام الإدارات المحليَّة على ضبط الأمن، وجمع الضرائب وفرض التجنيد الإجباري، واصطفى السلاطين العثمانيون وولاتهم الأعوان والمحاسيب، ووزَّعوا عليهم الإقطاعات الكبيرة مقابل مساعدتهم في حفظ الأمن وجباية الضرائب، وادَّعى العثمانيون الخلافة متجاوزين النصوص التي تحصرها بقريش، وأثبتوا أنَّ منطق القوة أكثر إقناعاً من جميع الأسانيد والحجج في استصدار الفتاوى المناسبة من رجال الدين، الذين أصبح الكثير منهم موظفين لدى الدولة العثمانية، ولم يتردد الحكام العثمانيون في وضع اعتبارات القوة والسلطة فوق الشريعة والتعاليم الدينية، فأصدروا قانوناً أجازوا فيه للخليفة قتل أفراد عائلته وحتى إخوانه الذين يخشى منهم على ملكه، وبالفعل فقد أقدم سليمان القانوني على قتل ابنه الأكبر الأمير مصطفى لهذا السبب.
تحوَّل العرب إلى مواطنين من الدرجة الثانية بعد أن فقدوا الخلافة وتقدَّم عليهم الأتراك في الحقوق والامتيازات، وتعرَّضوا للظلم والقهر والتنكيل والحرمان، وتخلفت اقتصاديات المنطقة العربية بعد أن فقدت استقلالها، وأصبحت مجرد ولايات في الدولة العثمانية، تجبى منها الضرائب، ويساق منها المجندون، وكانت الدولة العثمانية، كما وصفها أحد المؤرخين، الامبراطورية الوحيدة التي لم تسهم في إغناء الحضارة الإنسانية، فقد اتصف عهدها بالتخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي، فأغلقت المدارس والمستشفيات والمكتبات والمراصد أبوابها، ونضبت الإنجازات العلمية والثقافية، وانخفض الإبداع الأدبي، وندرت المؤلفات الدينية القيمة، وأصبحت اللغة العربية لغة محليَّة بعد أن كانت لغة الدولة والدواوين في العصر العباسي، وحلت محلها اللغة التركية التي أقبل المتعلمون من العرب على تعلمها وإتقانها.
________________________________________

[الصفحة - 131]


وقع الحكام العثمانيُّون في الخطأ العباسي عندما استعانوا بالمرتزقة في تشكيل جيوشهم، ومع أنهم اختاروا مرتزقتهم منذ الصغر، وطبعوهم على الولاء لآل عثمان مثلما درَّبوهم على فنون القتال، إلا أن المماليك الانكشارية كسروا في النهاية طوق العبودية العثماني، وجنحوا إلى الاستقلال والانفصال في حكم ولاياتهم، وعندما حكم هؤلاء الأرقاء العربَ تسلطوا عليهم إلى حدّ الاستعباد، ففرضوا عليهم الضرائب الباهضة، وشرعوا جلدهم بالسياط عقاباً على الكبيرة والصغيرة، وعندما عجز فلاحو مصر عن دفع الضرائب الباهضة استولى محمد علي على أراضيهم، ثم أجبر الذكور من سن الثامنة حتى السبعين على المشاركة في أعمال السخرة الزراعية، وقبل انهيار الدولة العثمانية طالبت ثلة من أعيان العرب ومثقَّفيهم بمساواتهم في الحقوق والامتيازات، ولكنَّ الأتراك رفضوا ذلك، وردوا بإعدام العشرات منهم، واغتنم العرب نشوب الحرب العالمية الأولى وضعف الموقف العسكري للعثمانيين، فساندوا الحلفاء وساعدوهم في طرد القوات العثمانية من الحجاز وفلسطين وسوريا.
رسخ العهد العثماني في ذهنية العرب ونفسيتهم بشكل عام احترام القوة، وتبجيل أصحاب القوة والسلطة والنفوذ، والتوق إلى القوة باعتبارها غاية بحدِّ ذاتها، ووسيلة لبلوغ أهداف إيجابية أخرى، وتقبلوا سيطرة الأقوياء بوصفها سُنَّة من سنن الحياة، وتقرَّبوا إليهم بالطاعة والولاء والتملق والهدايا والرشاوي، للحصول على حمايتهم ومساعدتهم، وفي المراحل التي ضعفت فيها السلطات العثمانية لجأوا إلى الزعماء المحليين من شيوخ قبائل ورؤساء أحياء وأعيان وأزلامهم من «الشقاة»، ودفعوا لهم الأتاوات مقابل الحماية.
عهد الاستقلال‏
أزاح المستعمرون الأوربيون العثمانيين وحلّوا محلهم مؤكِّدين بدورهم مبدأ سيادة القوة وتسلط الأقوياء، وعدَّ المحتلون الجدد المناطق العربية وسكانها وثرواتها غنائم حرب، ونقضوا وعودهم بمنح العرب الاستقلال، ورزح العرب عقوداً طويلة من القرن العشرين تحت السيطرة المباشرة، أو غير المباشرة لهم، عبروا في أثنائها عن رفضهم لذلك بالاحتجاجات والمظاهرات والانتفاضات المسلحة، ولكنهم في
________________________________________

[الصفحة - 132]


الوقت نفسه استفادوا من أجواء الحرية المحدودة تحت ظل حكومات الاحتلال أو الانتداب في إنشاء الأحزاب السياسية والنقابات، وإصدار الصحف، والتمرس على الحرية، إلا أن هذه الأنشطة السياسية كانت مقصورة على فئة المتعلمين من سكان المدن، وظلت نظرة المواطن العادي إلى السلطة وأصحابها مشوبة بالخوف والتوجس، ولم يتخلص من التصور السلبي للسلطة باعتبارها شراً يفضل الابتعاد عنه إن أمكن، لأن حضورها عند باب بيته لا يهدف عادة إلاّ لتبليغه بدفع ضريبة أو غرامة، أو الحجز على ممتلكاته أو إلقاء القبض عليه.
عبَّرت حكومات الاستقلال عن التزامها بمبدأ القوة، وإصرارها على التفرُّد بالقوة والسلطة، وذلك من خلال حرصها الشديد على حماية الحدود المصطنعة التي رسمها المستعمرون، وأثبتت أنَّ هدف الوحدة العربية مجرَّد شعار أجوف، وكان من أوائل اهتماماتها تأسيس جيوش ضخمة، وأجهزة شرطة وأمن داخلي، واستعملت هذه الجيوش بالدرجة الأولى لحماية النظم العربية من التهديدات الداخلية والحركات الانفصالية، وبرهنت نتائج حرب 1948 مع العصابات الصهيونية المحتلة لفلسطين أنَّ القوات المسلحة العربية لم تكن مهيأة وقادرة على مقارعة الأعداء الخارجيين.
ظلَّ التوق إلى القوة والسلطة وكذلك الخوف منهما يمتزجان في النفس العربية، ويؤثران على فكرها وسلوكها بدرجة كبيرة، وبالأمس هلل العرب لليابان المنتصرة على روسيا القيصرية، لأنها آسيوية وبالتالي أقرب إليهم، وأعجب بعضهم بألمانيا النازية ونظامها الفردي التسلطي، وفرحوا بانتصاراتها العسكرية على محتلي بلادهم من المستعمرين، وحلموا بعقد التحالفات معهم ضد الأعداء المشتركين، ولا بد من أن يكون تركيز الدول العربية بعد الاستقلال على بناء جيوشها وتسليحها قد أسهم في تحريك أطماع بعض القادة العسكريين بالاستيلاء على القوة السياسية، ونتيجة لذلك حدثت انقلابات عسكرية ناجحة أو محاولات إنقلابات في معظم الدول العربية. وعندما استلم القادة العسكريون الحكم استغنوا عن شكليات الديمقراطية السياسية، فألغوا الدساتير واستبدلوها بدساتير مؤقتة، وحلوا المجالس النيابية، واستعاضوا عنها بمجالس «وطنية» أو «شعبية» معظم أعضائها من التابعين أو المحسوبين على النظام الحاكم. وفي بعض الحالات تبنَّى الحكام أو أنشأوا حزباً أو
________________________________________

[الصفحة - 133]


تنظيماً سياسياً واحداً، وأجبروا الناس بالترغيب والترهيب على الانضمام إليه، وسوَّغ بعض هؤلاء القادة فقدان الحريات في بلدانهم بدعوى أن أمية شعوبهم وجهلها يجعلانها غير قادرة على ممارسة الحرية والاختيار، أو أن الحرية هدف لا يمكن بلوغه إلا بعد تحقيق الوحدة بين الدول العربية، وهكذا تحقق نصف ما دعا إليه محمد عبده في مقال منشور في مجلة الجامعة العثمانية في 1901 بأن يحكم الشرق «مستبد عادل»؛ إذ من المؤكد أنَّ هؤلاء الحكام مستبدون إلا أنهم ليسوا عادلين، وإذا كانت «النظم السياسية للعالم العربي قد وضعت بشكل مؤكد للدور القوي للشخصية تاريخياً وحضارياً»، كما كتب البزاز (38)، فإن أصل هذه المشكلة، أي النظم الاستبدادية، هو الميل القديم - الجديد للقوة والتسلط الذي يتصف به الجميع عموماً، من حكام أقوياء وشعوب مستضعفة على حد سواء.
بغض النظر عن اختلاف الحكام حول الأهداف والسياسات والشعارات، وكونهم من «التقدميين» أو «المحافظين»، وانحيازهم إلى المعسكر الاشتراكي أو الرأسمالي أثناء مرحلة الحرب الباردة، فإنهم متفقون في التزامهم بمبدأ سيادة القوة وتسلط الأقوياء، وفي نظرتهم إلى القوة بأشكالها المختلفة من سياسية وعسكرية واقتصادية وإدارية باعتبارها أعظم قيمة اجتماعية، لذا فإنَّ شاغلهم الأول لا يزال احتكار القوة والمحافظة عليها، وعدم التفريط بها، ولأنَّ أكثرهم وصلوا إلى السلطة بالقوَّة المسلحة، واعتمدوا عليها في حماية مناصبهم ونظمهم، فقد اهتموا بها إلى حد كبير، ولضمان عدم حدوث انقلابات ضدهم اصطفوا من جيوشهم قوات خاصة، اختاروا قادتها وضباطها وأفرادها بعناية فائقة، مشدّدين بالدرجة الأولى على الإخلاص والولاء لهم، وكلّفوها بحراستهم، ثم أغدقوا عليها الأموال والعطايا، وسلّحوها بأفضل الأسلحة وأحدثها، ودربوها أحسن تدريب، لتكون رادعاً لبقية فصائل الجيش والشعب عن التفكير بالنهوض ضدهم، واستخدموها بالفعل لهذا الغرض وبنجاح كبير.
وللأغراض الأمنية نفسها، اعتنى الحكام بقوات الشرطة والأمن السرّي والمخابرات، فاختاروا للإشراف عليها من الأقارب والأعوان والأزلام أكثرهم إخلاصاً وولاءً ومصلحةً في بقاء النظام واستمراره، واهتموا بتنظيمها تنظيماً جيداً،
________________________________________
(38)حسن البزاز، المنهجية السياسية للعقل العربي، عمان:دار البشير،1994، ص 84.

[الصفحة - 134]


ثم عمدوا إلى تشكيل عدة أجهزة أمنية، حتى لا يكون هنالك جهاز واحد قوي وقادر على التآمر على النظام، وأطلقوا أيدي أفراد هذه الأجهزة في مراقبة المواطنين، والتجسس عليهم، والقبض عليهم، وزجّهم في السجون الأمنية لمدد غير محددة، وممارسة التعذيب عليهم، واستخراج الاعترافات منهم، وعقد المحاكمات السرية والصورية لهم، والحكم عليهم وفقاً لقاعدة: أشدُّ العقوبات لأبسط المخالفات السياسية، ليرتدع بذلك كل من يفكر بالمعارضة. وإذا كان العربي في أثناء العهد العثماني ينتابه الخوف من السلطة مرات معدودة في السنة الواحدة، وذلك عند حضور الجند لتحصيل الضرائب وسوق المجندين، فإن رعبه من أنظمة الحكم العربية دائم، يغفو ويفيق عليه يومياً، وإذا سها عنه مدَّة ذكرته به طرقة مفاجئة على باب بيته، والمحظوظون من العرب هم الذين يعيشون وتنقضي حياتهم، ولم تزرهم المخابرات أو الأمن أو يستدعون أمامها مرة واحدة، وهم قلة، وقد ولدت هذه الإجراءات الأمنية المشددة غروراً واعتداداً بالنفس لدى بعض القادة، من الرعيل الأول، مثل نوري السعيد، الذي تبجَّح قبل انقلاب تموز 1958 في العراق وقتله ثم جر جثته على قارعة الطريق بأنه «لم يولد بعد الإنسان الذي يستطيع اغتيالي» (39). ولكن الذين جاؤوا بعده استفادوا من هذا الدرس، وكانوا أكثر احتراساً وحذراً وغروراً وتعجرفاً.
اتخذ الحكام العرب البطانات والحاشيات من الأتباع والمحاسيب والمرافقين، واختلفت تكوينة هذه البطانات حسب توجهات الحاكم وانتماءاته، فإذا كان قبلياً فهم عادة من أفراد قبيلته والقبائل المقربة لها، وإذا كان طائفياً اختارهم من أفراد طائفته، واستغل هؤلاء حظوتهم وقربهم من مركز السلطة في ممارسة النفوذ وجمع الثروات، ومن الطبيعي أن يتعرض هؤلاء المقربون المحسودون إلى نقمة الحاكم فيما لو بدر منهم انتقاد أو معارضة، بما في ذلك التشريد ومصادرة الأموال والسجن والقتل، ولا تختلف نكبات الموالين المعاصرين جذرياً عن نكبات وزراء بني العباس مثل البرامكة.
استعمل الحكام العرب الوظائف العامة وسيلةً من وسائل بناء نظام القوة والتسلط وتمتينه، فوظفوا الأتباع والمخلصين والمحاسيب في المناصب الإدارية
________________________________________
(39)مجيد خدوري، عرب معاصرون، ادوار القادة في السياسة، بيروت:الدار المتحدة للنشر،1973 ،ص 83.

[الصفحة - 135]