البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظرية المعرفة في ضوء الاسس المنطقية للاستقراء

الباحث :  عمار ابو رغيف
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  17
السنة :  السنة الخامسة ربيع 1421 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 2 / 2015
عدد زيارات البحث :  1096

نظريَّة المعرفة في ضوء «الأسس المنطقيَّة للاستقراء»

‏السيِّد عمار أبو رغيف (*)

الموقف المعرفي الجديد
عالج فلاسفة اليونان وحكماء المسلمين الذين سيطروا على التَّفكير العقلي في الإسلام «مشكلة الاستقراء» بروح واحدة، كما عالجها حكماء أوروبا المحدثون -على الأغلب بروح أخرى، ورغم تعدُّد ألوان المعالجة والمحاولة ظلَّت نتيجة الدَّليل الاستقرائي احتماليَّة لا تتعدَّى الظَّن إلى اليقين! حتَّى ورود «الصَّدر» هذا الميدان. لقد صدر الشَّهيد الصَّدر من هذا الميدان، خالصاً إلى عقم معالجة الأرسطيين والتجريبيِّين معاً لمشكلة الاستقراء، ثمَّ أعلن نهاية عهده الاحتمالي، مدلِّلاً على يقينيَّة الاستقراء.
لكن موضوع بحثنا ينصبُّ على «المعرفة البشريَّة»، ولا يستقلُّ في معالجة الدَّليل الاستقرائي منطقيَّاً ورياضيَّاً وفلسفيَّاً. من هنا، فليس بوسعنا أن نعرض بالتَّحليل لف«الأسس المنطقيَّة للاستقراء» بوصفه دراسة شاملة، إنما يعنينا من هذه الدِّراسة موقفها من المعرفة البشريَّة. لذا يتعيَّن علينا بدءاً أن نستلَّ نظريَّة الشَّهيد الصَّدر في المعرفة من خلال كتابه «الأسس المنطقية للاستقراء» استلالاً، من دون أن نخرج عن خطَّة بحثنا، ومن دون أن نستلّها موجزين إيجازاً لا يفي بغرض البحث.
وينبغي أن ننوّه بأنَّ الموقف المعرفي الجديد الذي طرحه الشَّهيد الصَّدر ينصبُّ أساساً على المعرفة في طورها التَّصديقي، حيث تناول الدَّليل، وليس لهذا الطَّرح علاقة بالمعرفة التَّصوُّريَّة.
________________________________________
(*)باحث وکاتب من العراق و رئيس تحرير الفجر المحتجبة عن الصدور ، وأحد تلامذه الشهيد الصدر.

[الصفحة - 125]


أسس المدرسة العقليَّة في المعرفة البشريَّة
يحسن بنا، قبل أن نعرض قصَّة المعرفة البشريَّة في ضوء «الأسس المنطقيَّة للاستقراء»، أن نعرض النتائج والأفكار التي انتهت إليها، وتبنَّتها المدرسة العقليَّة في قضايا المعرفة البشريَّة؛ حيث نسجّل من خلال ذلك ما انتهى إليه «أصول الفلسفة» و «فلسفتنا» من أسس في هذا المجال:
المعرفة البشريَّة معرفة واقعيَّة، تكشف عن واقع موضوعي بفضل المبادى الأوَّليَّة التي يتوفر عليها العقل البشري قبل التَّجربة، وإنَّ هذه المبادى الأوَّليَّة اليقينيَّة هي التي تمنح استدلالات العقل البشري اليقين، وبذلك تبتدى المعرفة من الكلّ، «وهو عبارة عن هذه المبادى الكلِّية العامَّة»، ومن دون أن تنتهي المعرفة إلى هذه المبادى لتستنبط بفضلها نتائجها لا يمكن الوقوف على صحَّتها والتيقُّن بها...
وهذه المعارف الأوَّليَّة تنقسم إلى قسمين رئيسين: أحدهما ما هو شرط لكلِّ معرفة بشريَّة، وهو مبدأ الهويَّة الذَّاتيَّة. والآخر ما هو شرط للحصول على بعض المعارف البشريَّة، كمبدأ العلّية، واستحالة أن يكون الاتّفاق دائميَّ.
قصَّة «المعرفة البشريَّة»، في «الأسس المنطقيَّة»، تبتدى من «مشكلة الاستقراء»، فهناك فجوة بين المفردات المستقرأة، وبين الحكم العام، الذي يؤول إليه الاستقراء.
وقد حاولت مدارس المنطق المختلفة معالجة هذه الفجوة، تحت العنوان المتقدِّم: «مشكلة الاستقراء».
كيف صحَّ الانتقال من المفردات المحدودة - في الاستقراء النَّاقص‏ف إلى قاعدة وحكم شامل، يصدق على الواقع المستقرأ، كما يصدق على ما عداه من مفردات لم تستقرأ وهي قائمة، أو أنَّها ستقوم؟
لقد حدا هذا الإشكال بالمنطق الأرسطي، بل بالمدرسة العقليَّة في المعرفة بعامَّة، إلى البحث عن قاعدة حلّ، تعالج في ضوئها المشكلة. وقد أتت المدرسة
________________________________________

[الصفحة - 126]


العقليَّة على حلٍّ ينسجم مع مبادئها المعرفيَّة -التي تقدَّم استعراضها- فأنقذت الدَّليل الاستقرائي بسلاحها العتيد «المبادى الأوَّليَّة».
وقالت: إنَّ الاستقراء المنتج ليس انتقالاً من الجزء إلى الكلّ، لكي تطرح مشكلة الطَّفرة الاستقرائيَّة، بل يعود في جوهره إلى قياس منطقي، تتمثَّل كبراه في القاعدة العقليَّة الأوَّلية: «استحالة أن يكون الاتّفاق دائميَّاً».
من هنا بدأ «الأسس المنطقيَّة للاستقراء» صراعه مع المدرسة العقليَّة، التي تبنّى «الصَّدر» مبادئها كاملة في «فلسفتنا».
لاحظ «الأسس المنطقيَّة» أنَّ القاعدة التي استشفع بها المنطق الأرسطي في معالجة مشكلة الاستقراء ليست قاعدة قبليَّة، بل هي بدورها قاعدة استقرائيَّة، يصح الرُّكون إليها بعد التَّجربة، ولا يمكن الاعتماد عليها، من دون استقراء وتجربة، ومن ثم لا يصحُّ استخدامها أداة لإثبات حقّانية الدَّليل الاستقرائي.
وبذلك يطيح «الأسس المنطقيَّة» بحجرة من البناء الذي شيَّدته المدرسة العقليَّة، والذي أسَّس عليه الشَّهيد الصَّدر في فلسفتن.
وهل يعني هذا أنَّ الشَّهيد الصدر أضحى تجريبيَّاً برفضه لأساس من أسس المنطق الأرسطي؟
إنَّ المخاض الفكري الذي مرَّ به الشَّهيد الصَّدر، في عقده الرابع، وفي كتاب «الأسس المنطقيَّة» بالذات، لا يجيز هذا التعجُّل في الاستفهام أو الحكم. فالبناء المعرفي الذي اختاره الشَّهيد الصَّدر جديد على المدرسة العقليَّة، كما هو جديد على التَّجريبيِّين، وهو أعمق كثيراً من العجالة في الأحكام، ويستدعي صبر الباحثين، بغية أن يتمَّ فهمه واستيعابه!
إنَّ «مشكلة الاستقراء»، لا تنتهي بالاستعانة بالمبدأ العقلي المتقدِّم فحسب، فالمبدأ العقلي المتقدِّم يعالج صوريَّاً مشكلة الطَّفرة، فيضع الاستقراء في قالب قياس منطقي مضمون النَّتائج -في ضوء معالجة المنطق الأرسطي‏-، ولكن تبقى هناك مشكلتان لا بدَّ من تجاوزهما قبل ذلك:
________________________________________

[الصفحة - 127]


إنَّنا حينما نلاحظ أنَّ الحديد يتمدَّد كلَّما سلّطنا عليه الحرارة نستنتج أنَّ الحرارة سبب لتمدُّد الحديد، ولكي ننتقل إلى القاعدة: «كل حديد يتمدَّد بالحرارة»، علينا أوَّلاً: أن نثبت أنَّ التمدُّد بوصفه حادثاً بحاجة إلى علّة، وإلاَّ فمن الممكن أن يكون تمدُّد الحديد حادثاً بلا سبب، ولا علاقة للحرارة بتمدّده سوى الاتِّفاق المطلق.
وعلينا ثانياً: أن نتأكَّد من استبعاد إمكان تسلّط الحرارة على الحديد، من دون أن يتمدَّد في بعض الحالات.
ثمَّ تطرح، بعد ذلك، المشكلة الثالثة، وهي: من قال لكم إنَّ اقتران التمدُّد بتسلّط الحرارة على الحديد ليس أمراً اتّفاقيَّاً، لا علاقة له بكون الحرارة سبباً لتمدُّد الحديد؟
عالج العقليُّون المشكلتين: الأولى والثَّانية على أساس مبدأ العلّية، ثم وضعوا الاستقراء في قالب القياس بمعالجة المشكلة الثالثة، كما أشرن.
أمَّا المدرسة التجريبيَّة فأزمتها مع المشكلات الثلاث أزمة حادَّة؛ إذ إنها رفضت كل معرفة قبل التَّجربة والاستقراء، فأنّى لها من معالجة «مشكلة الاستقراء» بعد ذلك؟
لقد أتى التجريبيُّون على معالجة مشكلة الاستقراء، وتنوَّعت حلولهم، تبعاً لتطوُّر المدرسة التجريبيَّة، وقد جاءت جميع هذه المعالجات من دون أن تقرّ بمبدأ العلّية في تفسيره العقلي. فالعقليُّون يرون «العلّية» علاقة بين مفاهيم وفئات وليست علاقة بين مفردات، وهي علاقة الضرورة، ولا يرى التجريبيُّون «السببيَّة» إلاَّ علاقة مطَّردة بين الأفراد.
بل تتَّجه المدرسة العقليَّة إلى اعتبار «مبدأ العلّية» معرفة عقليَّة أوَّليّة سابقة على التَّجربة والاستقراء.
وقد حاول بعض الفلاسفة العقليين إقامة الدليل على «العلّية» بوصفها علاقة الضَّرورة بين الأشياء.
وعند هذه المحاولة، بدأ الشَّهيد الصَّدر جولته الثَّانية مع المدرسة العقليَّة؛ حيث لم يكتم رفضه لدليلي «الأسفار» و «أصول الفلسفة» على فكرة الضَّرورة التي
________________________________________

[الصفحة - 128]


يتضمَّنها مبدأ العلِّية في تفسيره العقلي، مشيراً إلى أنَّ الدَّليل الاستقرائي - في ضوء الأسس والتفسير الذي طرحه له‏- لا يحتاج إلى أخذ مبدأ العلِّية مصادرة، لا في تفسيره العقلي، ولا في تفسيره التَّجريبي، الذي اعتمده جون ستيوارت مل.
وأخيراً، وقف عند الاتجاه الاحتمالي في معالجة «مشكلة الاستقراء»، الذي أقام معالجته على أساس حساب الاحتمال. مشيراً إلى عجز هذا الاتجاه أيضاً عن الإفادة السَّليمة من مبادى الرياضيات، التي سيعتمدها بدوره في معالجة مشكلة الاستقراء.
ثمَّ أتى حساب الاحتمالات، فثبَّت ما تعارف عليه الباحثون الغربيُّون من بديهيات لهذا الحساب، مدلِّلاً على عدم وفائها للسَّير بالدَّليل الاستقرائي باتجاه التَّصديق الاحتمالي بنتائجه، مضيفاً بديهيات أخرى تعاضد البديهيات السَّالفة، لكي يقوم الاستقراء على سوقه.
ثمَّ أمسك حساب الاحتمال ببديهيَّاته التي اكتشفت له. ووفق التَّفسير الذي طرحه له، ليتَّخذ منه أداة في معالجة «مشكلة الاستقراء».
وقد انتهى إلى أنَّ الدليل الاستقرائي، اعتماداً على أساسه الرياضي، يمكن أن يبلغ بالحكم العام إلى درجة تصديقيَّة احتماليَّة عالية.
وحتى هذه المرحلة من البحث دلَّل «الأسس المنطقيَّة للاستقراء» على أنَّ الدَّليل الاستقرائي يعتمد بديهيات قبليَّة هي:
أ ـ بديهيَّات حساب الاحتمال.
بّ -الإيمان القبلي بمبدأ استحالة اجتماع النَّقيضين.
مضافاً إلى ذلك احتمال صحّة المبدأ العقلي في تفسير «العلّية» وفقدان المسوّغ القبلي لرفض ذلك المبد.
وأثبت أنَّ مبدأ استحالة التَّناقض، الذي تعدّه المدرسة العقليَّة الشَّرط الأساس لكلّ معرفة بشريَّة، شرط ضروري ـ قبلي، لكي ينمو العلم بنتيجة الاستقراء والتَّجربة. وإلاَّ فلا إمكان مع الإيمان بإمكان اجتماع النَّقيضين لأيّ نمو في حساب احتمالات القضيَّة المستقرأة.
________________________________________

[الصفحة - 129]


كما أنَّ الموقف السَّلبي المسبق من التَّفسير العقلي للسَّببية يفضي إلى تعطيل الدَّليل الاستقرائي عن نموّه الاحتمالي، وبذلك سجَّل أوَّل انتصار للمدرسة العقليَّة وأوَّل دفاع عنها بسلاح المذهب التجريبي نفسه.
كما أثبت، أيضاً، أنَّ احتمال مبدأ العلِّية، في تفسيره العقلي، ينمو في كلِّ تجربة واستقراء بالدَّرجة التي تنمو فيها القضيَّة المستقرأة، ومن ثم يمثِّل أعلى درجات التَّصديق الاحتماليَّة، التي تتمتَّع بها التَّجارب البشريَّة المجمع على صحَّته.
وبعد أن انتقل، في مرحلة لاحقة، بالدَّليل الاستقرائي من مرحلته الاحتمالية إلى مرحلة اليقين فمن خلال دراسة علميَّة مجهدة- أتى على تحليل الموقف من المعرفة البشريَّة في ضوء ما سمّاه «المذهب الذَّاتي» مقابل ـ المذهبين: التجريبي والعقلي.
المعرفة البشريَّة في ضوء المذهب الذَّاتي‏
تجدر الإشارة، مرَّة أخرى، إلى أنَّنا نعرض النَّتائج التي آل إليها بحث «الأسس المنطقيَّة للاستقراء» من دون أن نباشر الحديث عن هذا البحث العلمي، تاركين المجال أمام من أراد، قناعةً أو تقويماً لهذه النتائج، لكي يعود إلى قراءة كتاب «الأسس المنطقية» علّه يتفاهم مع هذه الدِّراسة، ويطَّلع على الأساس الذي انطلقت في ضوئه النتائج التي نعرضها، فيقيم قناعته على بيّنة، أو يرفض بدليل!
ما المانع من أن نضع نتائج «الأسس المنطقيَّة» في الإطار الذي رسمه الشَّهيد «مطهَّري» لبحث المعرفة البشريَّة في مشكلاتها الثَّلاث، والذي طرحته موسوعة الدكتور بدوي أيضاً، عسى أن يسهم هذا الوضع في انسجام مرحلتي المقارنة في بحثنا القائم؟
1 ـ قيمة المعرفة
تكشف المعارف البشريَّة عن الواقع الخارجي، وتتطابق مع هذا الواقع، وهذه ليست النَّتيجة الجديدة التي أتى بها كتاب «الأسس المنطقيَّة للاستقراء»، بل هي ما ادَّعته المدرسة العقلية عينه، وهي الاتجاه الذي تبنَّاه كتاب «أصول الفلسفة» وكتاب
________________________________________

[الصفحة - 130]


«فلسفتنا»، كما لا تتعارض مع الموقف المبدئي الذي تتبنَّاه جميع الاتجاهات الواقعيَّة في تفسير قيمة المعرفة البشريَّة، بما فيها الماديَّة الجدليَّة.
إنَّما الجديد في «الأسس المنطقيَّة» هو أنَّه اكتشف سبيلاً مبتكراً لإثبات موضوعيَّة المعرفة البشريَّة، والتَّدليل على الواقع الخارجي، كما استخدم السبيل نفسه في إثبات التَّطابق والتماثل بين محتوى المعرفة والواقع.
وكان سبيل «الأسس المنطقيَّة» إلى ذلك هو الدَّليل الاستقرائي ـ نفسه.
وقد عجزت المدارس الواقعيَّة، كالماركسيَّة، عن إقامة الدَّليل على واقعيَّتها، ولم نجد، في حدود تتبّعنا، في أدبيَّات الفكر الماركسي، إلاَّ محاولة كتبها بعض المفكِّرين السوفييت على هامش بعض بحوثهم.
وقد قال الشَّهيد الصَّدر عن المشروع الذي طرحه لإثبات موضوعيَّة ـ الواقع والمعرفة إنه أوَّل محاولة في تاريخ الفكر البشري؛ حيث إنَّ مشروعه جديد غاية الجدَّة. وإلاَّ فإنَّنا وجدنا في فكر «صدر المتألّهين» ما يدلِّل على أنَّ «الشِّيرازي» استدلَّ على موضوعيَّة المعرفة البشريَّة، وواقعيَّة المدرك بالدَّليل الاستقرائي نفسه؛ حيث يقول: «فالحواس أو النَّفس الحسَّاسة، بما هي حسَّاسة، ليس لها علم بأنَّ للمحسوس وجوداً في الخارج، إنما ذلك ممَّا يعرف بطريق التَّجربة»‏(1).
ويقول أيضاً: «إذا حملت شيئاً ثقيلاً فإنَّما تحسُّ بالثقل وتنفعل عن الثَّقل فقط، وأمّا أنَّ هذه الكيفيَّة قد حصلت بسبب جسم ثقيل في الخارج، فذلك ليس إدراكه بالحسِّ، ولا بالنفس في ذاتها، بل بضربٍ من التَّجربة»‏ (2). وقد قلنا في دراستنا عن الإدراك: إنَّ بذور المحاولة العملاقة التي دبّجها «الأسس المنطقية»، موجودة في كلمات «صدر الدِّين الشِّيرازي»، واستشهدنا بالنَّص المتقدِّم، غير أنَّ السَّيد الشَّهيد -كما أشرنا آنفاً- لم يرتض هذا الاستشهاد، واعترض بقوله لي: «إنهم يعنون من التَّجربة معنى آخر...» وسواء أكانت لهذه المحاولة بذور في عمق تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي أم لم تكن لها، فهي محاولة في غاية الابتكار والخطورة، حيث اعتمدت تفسيراً صدريَّاً للدَّليل الاستقرائي، وحيث إنها تناولت أخطر قضايا الفكر البشري والمعرفة البشريَّة.
________________________________________
(1)الأسفار الأربعة، ج‏3، ص 498 و499.
(2)م.ن.

[الصفحة - 131]


2 ـ مصدر المعرفة
قلنا إنَّ «الأسس المنطقيَّة للاستقراء» لم يتعرَّض للمعرفة التصوُّرية في عرض دراسته، ويبدو لي أنَّ ما تبنّاه الشَّهيد الصَّدر، في «فلسفتنا»، من موقف إزاء مصدر التصوُّر البشري، لم يعرض عليه لاحقاً أي تغيير أساسي. إذن ينصبُّ البحث هنا على مصدر المعرفة التَّصديقيَّة.
يمكن أن نلخِّص موقف «الأسس المنطقيَّة» من هذه المشكلة في النُّقاط الآتية:
أ ـ إنَّ المعرفة البشريَّة تبتدى من معارف قبليَّة، تسبق التَّجربة والاستقراء، ويعتمدها الاستقراء، وهي عبارة عن بديهيَّات حساب الاحتمال، ومبدأ استحالة التَّناقض. ومن دون الانطلاق من هذه البديهيات تفقد التَّجربة والاستقراء مسوِّغهما على أرض المعرفة.
ب-إنّ المعرفة البشريَّة، في سيرها التكاملي، لا تتوقَّف على ما سوى المصادرتين السَّابقتين فبديهيات حساب الاحتمال، مبدأ استحالة اجتماع النقيضين فمن مبادى قبليَّة.
ج ـ إنَّ جملة من القضايا التي عدَّها الاتجاه العقلي مبادى عقليَّة قبليَّة، هي في واقعها مبادى وقواعد مستدلَّة في ضوء الدَّليل الاستقرائي.
د ـ إنَّ جميع المبادى التي عدَّها الاتجاه العقلي في المعرفة مبادى أوَّلية قبليَّة، يمكن إثباتها بالدَّليل الاستقرائي، سواء كانت قبليَّة في واقعها أم لم تكن.
ه ـ - إنَّ المعرفة البشريَّة لا يتحتَّم أن تسير من الكلِّ إلى الجزء، بل يعتمد نموّ المعرفة - في الأعمِّ الأغلب‏- السَّير من الجزء إلى الكل، وتكتسب اليقين على أساسها بلوغها أعلى درجات التَّصديق الاحتماليَّة، وفي ضوء طبيعة تركيب الذِّهن البشري الاعتيادي.
ومن هنا لا يتحتَّم أن يكون نموّ المعرفة قائماً على أساس التَّلازم الموضوعي بين المعرفة المقدّمة والمعرفة النتيجة.
________________________________________

[الصفحة - 132]


3 ـ حدود المعرفة
في ضوء قياس قدرة المدرسة التجريبيَّة على تفسير قضايا المعرفة البشريَّة المختلفة، وفي ضوء تقويمه لمعنى القضيَّة في ما سمَّاه «المنطق الوضعي»‏ (3)، أحكم الأساس الذي انطلقت منه «فلسفتنا» في الاعتراف بجدارة العمل الفلسفي خارج إطار التجربة والمعطيات الحسِّية، وبذلك أباح عمل الميتافيزيقيا، واحتفظ للفلسفة بكيانها، ولكن على أساس المنطلقات التي تتبنَّاها المدرسة العقليَّة.
غير أنَّ في كتاب «الأسس المنطقية» شيئاً جديداً؛ حيث إنَّه استخدم الدَّليل الاستقرائي وسيلة إثبات في أخطر قضايا الميتافيزيقيا (وجود اللَّه). ودلَّ على أن الدَّليل الاستقرائي، الذي يمثِّل المسوّغ المنطقي لجميع قضايا العلوم، يثبت «وجود اللَّه» بالطَّريقة التي يثبت بها تلك القضاي.
وبذلك أعار المدرسة العقليَّة سلاح خصمها اللَّدود (التجريبيون) فتأكَّد أنَّ المعرفة العلميَّة -بمعناها الأشمل- لا تنحصر في إطار المعطى الحسِّي، بل تتجاوز هذا الإطار، وتستحقّ قضايا الميتافيزيقيا الحياة.
كلمات تُنْبِىِ بتحوُّل كبير
ويخيَّل إلي أن يد القدر لو لم تعالج المعلِّم الشهيد بالقتل لكان منه الجديد في هذا المضمار: «حقل نظريَّة الوجود وأبحاث الميتافيزيقيا في الفلسفة الإسلاميَّة». فقد كان يتحفظ على كثيرٍ من آراء السَّلف، ورغم تحفظه العام تسرَّبت، على لسانه الكريم، أسرار تطلقها كلمات موجزة، أصغى إليها بعض المقرَّبين من طلاَّبه، تنبى بتحوُّل كبير سيطرأ على نظريَّة الوجود، وأبحاث الميتافيزيقيا، وقد كان السَّيد الشَّهيد في خيفة وتردُّد، وهو على أعتاب طرح هذا التحوُّل. ولعلَّ العقل لم يبلغ الرُّشد الكافي لقبول تلك الأفكار، فقدَّر ربّ العقل لتلك الأفكار أن تلحق في عالمه، وبقيت نفوس مخلصة تتوق إليها، عسى أن يحدث اللَّه بعد ذلك أمراً!
________________________________________
(3)إلا أنهم فأي الفلاسفة العقليين السَّالفين‏- لا يريدون من التجربة سوى الاستقراء النَّاقص، الذي يمكن أن يعاضده المبدأ العقلي: «إن الاتفاق لا يكون دائمياً»، فيتألف قياس منتج منهما. (ويسمي المنطق الأرسطي هذا الدليل الاستقرائي بما يستبطن من قياس «تجربة»). الأسس المنطقية، ص 34.

[الصفحة - 133]