البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الفلسفة الإيرانية - الإسلامية من منظار المفكر الفرنسي "آرثر دو غوبينو"

الباحث : أ. د. كريم مجتهدي - ترجمة : أسعد مندي الكعبي

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 5

السنة : السنة الثانية - صيف 2015 م / 1437 هـ

تاريخ إضافة البحث : January / 16 / 2016

عدد زيارات البحث : 1888

حجم ملف البحث : 521.256 KB

 تحميل

الفلسفة الإيرانية - الإسلامية
من منظار المفكّر الفرنسي "آرثر دو غوبينو"(*)

■ أ. د. كـــريـم مجتــهــــــدي (**)
■ ترجمـة : أسعد مندي الكعبي

المفكّر الفرنسي المعاصر جوزيف آرثر دو كونت غوبينو (Joseph Arthur Comte de Gobineau)([1]) عادةً ما يعرفه الإيرانيون بشخصيته السياسية الاستشراقية، وقد أعار اهتماماً كبيراً بدراسة وتحليل القضايا والمسائل المتعلّقة بإيران وتحدّث عن مكانتها التأريخية والثقافية في القرن التاسع عشر الميلادي، كما أنّه سلّط الضوء على جميع الوافدين الأجانب الذين زاروا هذا البلد أو أقاموا فيه إبّان العهد القاجاري في أيام حكومة الملك ناصر الدين شاه، فدوّن مذكّراته وأسفاره على هذا الأساس ممّا جعله يفوق نظرائه في هذا المضمار.
إنّ المسألة التي تحظى بأهمية بالغة على هذا الصعيد والتي تجدر الإشارة إليها هي غفلة الباحثين والمتابعين عن آرائه حول إيران والإيرانيين أو عدم الاكتراث بها رغم ارتباطها الوثيق بنظريته الشهيرة (التفاوت بين الأجناس البشرية)([2]). فقد طرح هذه النظرية وذكرها بالتفصيل في كتاب ألّفه بهذا العنوان نفسه قبل زيارته الأولى لإيران، فعرفت هذه النظرية اصطلاحاً بـ (Gobinisme). ولحسن الحظّ فإنّ جميع آثار هذا المفكّر، وبما في ذلك مدوّناته حول إيران في مختلف مذكّراته وأسفاره وتقاريره السياسية ورواياته وقصصه القصيرة ونصوصه المسرحية ومراسلاته، حيث تتضمّن مؤلّفاته آراءه ونظرياته بشكل صريح وواضح وهو أمرٌ يعيننا على متابعة توجّهه العقائدي والتعمّق في متبنّياته الفكرية بسهولةٍ، ومن ثمَّ فإنّ نتائج البحث تكتسب طابعاً وثائقياً.
منذ الفترة التي شهدت نتائج وتداعيات سيّئة للغاية إثر ظاهرة التمييز العنصري التي عصفت بالعالم، فإنّ بعض الذين تصدّوا لتفسير آراء آرثر دو غوبينو حاولوا طرحها في نطاق خاصّ خارج عن حدود الرؤية العنصرية التي اتّسمت بها، إضافةً إلى ذلك فبالرغم من وجود بعض الخلل في أسلوبه الكتابي باللغة الفرنسية لكنّ بعضهم عدّوه من الكتّاب اللامعين في الأدب الفرنسي خلال القرن التاسع عشر. إنّ متبنّياته الفكرية في جميع مؤلّفاته وبما فيها الأدبية البحتة كالقصص والروايات، تعدّ متناسقة وموحّدة ولا اختلاف فيها من التوجّه الفكري، لذا يمكن القول بضرس قاطع إنّه جسّد أفكاره العنصرية حتّى في الشخصّيات القصصية والتخيلية التي ذكرها بهدف إثبات نظرية (التفاوت بين الأجناس البشرية) وراح يصول ويجول في مدوّناته في مجالات فكرية عديدة، لكنّ محور ارتكازه كان واحداً لا غير. ومن المؤكّد أنّ رسالته التي طرح فيها هذه النظرية لم تكن من الرسائل العلمية الفلسفية بالمعنى الصحيح رغم أنّه ادّعى ذلك.
على الرغم من كون هذا المفكّر الذي أقام مدّة من الزمن في إيران واطّلع على الثقافة الإيرانية - الإسلامية عن كثب، يعدّ واحداً من أبرز مفكّري عصره في الغرب وفرنسا بالتحديد، لكنّه لم يكن فيلسوفاً متخصّصاً بعلم الفلسفة وملمّا بما يكتنفه هذا العلم من مسائل ونقاشات عميقة، كما أنّه ليس عالماً نحريراً بالمعارف العقلية كما يتصوّر بعض الباحثين، لأنّ الآراء التي طرحها على هذا الصعيد تزخر بالتصوّرات الوهمية والأفكار الساذجة التي يلمس هزالتها وسقمها كلّ متتبّع بسهولة. فهناك من يعتقد أنّ أقواله تشابه مقدّمة المؤرّخ الفرنسي خوليوس ميشليت([3]) أو الملحمة القصصية الشعرية التي ألّفها فيكتور هوجو([4]) تحت عنوان (أسطورة القرون)([5]). ومع ذلك، لا يجدر بنا نسيان أنّ فيكتور هوجو وخوليوس ميشليت وكذلك روبرت دو لاميني([6]) وإدغار كينيه([7])، قد تأثّروا بالنزعة العقلية التي شاعت في القرن الثامن عشر الميلادي وعصر الحداثة ومن ثمّ جعلوها منطلقاً لهم، لذلك نجدهم أحياناً يصوّرون مستقبل البشرية بتفاؤل وأحياناً تطغى السذاجة على آرائهم في هذا المجال. أمّا منهج آرثر دو غوبينو فهو بشكل عام يرتكز على أنّ المجتمعات البشرية بأسرها تسير نحو الانحطاط بشكل لا يمكن تجنّبه مطلقاً، لذلك فهو متشائم غاية التشاؤم حول مصير الثقافات والحضارات البشرية بشتّى أنواعها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا المفكّر الغربي يرى أنّ أيّ نمط من الاختلاط بين الأجناس البشرية من شأنه أن يسفر عن حدوث انحطاط اجتماعي، ويؤكّد على أنّ هذا الأمر قد تحقّق بالفعل في العهود السالفة فضلاً عن حدوثه في الحقبة الزمنية التي عاصرها، ففي الفصل السادس من مذكّراته (أسفاره) الشهيرة التي دوّنها تحت عنوان (ثلاث سنوات في آسيا Trois ans en Asie)([8]) ذكر أمثلة كثيرة حول نفوذ الإغريق والرومان في العهود السحيقة ووصف كيف أنّهم تمكّنوا من السيطرة على مساحات شاسعة في مختلف بقاع العالم آنذاك، كما تطرّق إلى بيان مصاديق من سيطرة فرنسا على كلّ من كندا والجزائر، كذلك أشار إلى استعمار بريطانيا لشبه القارّة الهندية وسائر نواحي العالم التي خضعت لفترة طويلة لسلطة الإنجليز، وذكّر باحتلال الهولنديين لجاوة والروس للقوقاز، فضلاً عن العديد من الأمثلة الأخرى حول نفوذ القوى العظمى في العصر الحديث على البلدان الضعيفة؛ وضمن بيانه لهذه الأحداث التأريخية الحافلة بالوقائع الفكرية والسياسية والاجتماعية، ذكر بشكل صريح أنّ أيّة حضارة أو ثقافة عندما تخرج من نطاقها التي نشأت في رحابه وتصدّر إلى نطاق آخر غريب على هيكلها وتسود بين قوم لم يسهموا في نشأتها وتنميتها، فإنّها ستفتقد أصالتها ومن ثمّ يخبو نورها بحيث لا تكون عاقبتها سوى الانحطاط والانهيار.
إنّ هذا المفكّر الفرنسي يعتقد أنّ الأوروبيين بدؤوا يتأثّرون بشكل ملحوظ ومتنامٍ بنمط حياة الشعوب الآسيوية، ومن ناحية أخرى يؤكّد على أنّ الآسيويين الذين يحاولون أن يقلّدوا الأوروبيين، بكلّ تأكيد لا يمكنهم أن يصلوا إلى أيّة نتيجة على هذا الصعيد ولا يحقّقون ما يطمحون إليه بتاتاً. فالأوروبيون في هذه الحالة - حسب رأيه - ينزعون نحو حياة الخمول والكسل والانحراف، بينما الآسيويون قد وقعوا في فخّ الفساد الأخلاقي المصدّر إليهم من التراث الأوروبي الغريب على كيانهم من دون أن يكتسبوا من هذا التراث أيّة نتائج إيجابية تذكر. أمّا حالات التزاوج بين هذين الجنسين فهي باعتقاده ذات نتائج سلبية لكونها تؤدّي إلى الفساد والانحطاط الخلقي والاجتماعي. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ التفاوت بين الأجناس البشرية برأيه، لايقتصر على البعد الجسماني، بل يسري أيضاً إلى الأبعاد النفسانية والروحانية لبني آدم ويؤكّد على أنّ هذا الطراز من الانحطاط أكثر رواجاً من الانحطاط الجسماني.
حتّى لو أنّ المجال هنا لا يسعنا لتسليط الضوء على التفاصيل العامّة لنظرية آرثر دو غوبينو، فمن الحريّ بنا التنويه بإيجاز على أنّ مؤيّدي الأصالة البشرية من المفكّرين المعاصرين يؤكّدون على أنّ (الإنسان هو إنسانٌ أينما حلّ ونزل)، في حين أنّ هذا الباحث يرى الأمر على العكس من ذلك، حيث يعتقد أنّ (الناس ليسوا كبعضهم في أيّ زمان ومكان)، فهو يؤكّد على متبنّيات فكرية تفرّد بها، ومن جملتها ما ذكره في العبارات التالية : " إنّ حضارات الشعوب وثقافاتهم لا قابلية لها للانتقال بين أمّة وأخرى، فحتّى وإن كان الناس يشبهون بعضهم في ظاهر الحال لكنّهم مختلفون اختلافاً عميقاً في بواطنهم من شتّى النواحي الشعورية والعاطفية والعقائدية، أي إنّهم بشكل عامّ مختلفون من الناحية الفكرية. إنّ الحديث عن الإنسان الكلّي (إنسان بما هو إنسان) ليس مجدياً، حيث لا نجد على وجه البسيطة سوى أناس مختلفين عن بعضهم، أي إنّ بني آدم عبارة عن كائنات مختلفة فيما بينها، وهذا الأمر هو الذي يضفي صبغة شيّقة على مطالعة التأريخ ومعرفة مكامنه ووالإلمام بدقائقه وزواياه المختلفة، وهو الذي يستقطب القرّاء ويجعلهم يتأثّرون غاية التأثّر بأبطال القصص والروايات".
يؤكّد دو غوبينو على أنّ نفسية الإنسان الآسيوي تتنافى بالكامل عن نفسية نظيره الأوروبي، كما يسري هذا الاختلاف على الشعوب المتجاورة أيضاً، فيعتبر المواطن الإيراني على سبيل المثال يختلف عن الأفغاني والقوقازي والتركي، وهلمّ جرّاً؛ كما يزعم أنّ الأوروبيين ما لم يعتقدوا بوجود اختلاف بينهم وبين الآسيويين بجميع مشاربهم القومية، فسوف لا يتمكّنون من معرفتهم ومن ثمّ سيتصوّرون أنّ جميع أبناء القارّة الآسيوية أناس فاسدون! لكنّ الحقيقة على خلاف هذا المدّعى الواهي ولا بدّ من معرفة الاختلاف في الآراء، إذ ليس من الجدير إصدار أحكام عجولة عارية عن الدقّة والتحرّي، ومن جانب آخر لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذا المفكّر الذي شذّ في تصوّره عن المجتمعات الشرقية يعتبر قصّة (ألف ليلة وليلة) وثيقةً دامغةً ثبت حقيقة وواقع شخصية الإنسان الشرقي، ولا سيّما في آسيا الوسطى([9]). لو تأمّلنا بدقّةٍ وتعمّقنا برؤيته العامّة لبني آدم لوجدنا أنّها بشكل مباشر أو غير مباشر تتضمّن توجّهاً ينصبّ في فلسفة التأريخ، لكنّ التأريخ ليس نطاقاً لصراع الأجيال واختلاطها، بل هو مضمار يمكننا من خلاله معرفة واقع مختلف المواقف والآراء. إنّ تأريخ كلّ قوم يعكس المراحل التكوينية لمختلف أجيالهم، وعلى هذا الأساس فإنّ منشأ ثقافتهم وحضارتهم الحالية يرجع إلى القدرة على استقطاب أو رفض العوامل الخارجية التي طرأت عليهم بمرور الأيام.
لا شكّ في أنّنا عبر الإلمام بمختلف الأبعاد الفكرية للمفكّر آرثر دو غوبينو ومعرفة مواقفه تجاه ما طرح في عهده من قضايا على طاولة البحث، وكذلك من خلال معرفتنا لنمط أفكاره بشكل عامّ وإدراك توجّهاته الفكرية نحو كلّ ما يمتّ بصلة لإيران بشكل خاص؛ سندرك أموراً عديدة على هذا الصعيد من دون أن نكون مرغمين على قبولها والإذعان لها، لذلك لا بدّ من إجراء دراسات مفصّلة في هذا المجال للتعرّف أكثر على شخصيته ومتبنّياته الفكرية. المجال لا يسعنا في هذه المقالة لتسليط الضوء على نطاق واسع من أفكاره وآرائه، ومن هذا المنطلق سوف نقتصر على زاوية واحدة من الموضوع ونتناول أطراف الحديث عن وجهته النظرية حول الفلسفة الإيرانية - الإسلامية فقط، وبكلّ تأكيد فإنّ الموضوع وإن كان محدوداً في نطاق ضيّق لكنّه مستوحى من منظومة فكرية متكاملة تعكس شخصية من يطرحها وتفشي جميع مكامنها وتزيح النقاب عن توجّهاته واقع الفكرية.
رغم أنّ آرثر دو غوبينو ليس فيلسوفاً بكلّ ما للكلمة من معنى، لكنّ جميع المواضيع التي يتطرّق إليها ممّا يمكن اعتباره ينصبّ في مشارب علم الفلسفة وما يرتبط به بنحو ما، فهي تحظى بأهمية بالغة جديرة بالبحث والتحليل. ومن الجدير بالذكر هنا أنّه يعتبر مفهوم الفلسفة أمراً عامّاً ويوسّع من نطاقه ليسرّبه إلى دائرة أوسع ممّا هو مطروح، فيشمل في هذه الحالة جميع معتقدات الإنسان وتوجّهاته الذهنية، بما في ذلك العقائد الدينية والكلامية والسنن التقليدية والطقوس القومية والمحلّية، بل حتّى إنّه يشمل السحر والخرافة التي يؤمن بها البعض. وهذه الحقيقة نلمسها بشكلٍ جليٍّ في العنوان الذي اختاره لأحد كتبه ألا وهو (ديانات وفلسفة آسيا الوسطى)([10]). أمّا في كتابه الشهير (ثلاث سنوات في آسيا) فقد تطرّق إلى الحديث عن مختلف التوجّهات العقائدية التي كان يرى أنّها موروثة من الأديان السالفة، وبما فيها معتقدات المجوس والصابئة، وأتباع الطائفة اليزيدية - الإيزدية - في المناطق الكردية، وأشار في هذا الكتاب أيضاً إلى أنصار السيّد خير الله وطائفة أهل الحقّ الذين يطلق العرب عليهم اسم (النصيرية )([11]) والإيرانيون يسمّونهم (علي اللّهية) حيث تنشعب منهم ثماني فرق قد ذكرها جميعاً في كتابه([12]).
يعتقد هذا المفكّر أنّ الفلسفة ذات أهمية بالغة نظراً لكونها غير متقوّمة على نفسها وليس من شأنها الاستمرار اعتماداً على مقوّماتها الذاتية، فهي برأيه معلولة لتأريخ البشرية ومترتّبة عليها، لذلك يمكن اعتبارها المرتكز الأساسي لثقافة كلّ مجتمع بشري والمرآة التي تعكس واقعه، كما أنّها حسب اعتقاده تحدّد مدى الاختلاف والتعقيد العرقي لدى كلّ قومٍ. ويمكن طرح رؤية متطرّفة إلى حدّ كبير في هذا المجال والتأكيد على أنّ الفلسفة بهذا المعنى - من وجهة نظر آرثر دو غوبينو - عبارة عن وسيلة ومعيار لتشخيص درجة خلوص الشعوب من حيث كونها تنحدر من نسل واحد وأصل مشترك أو أنّها ذات أعراق قومية متنوّعة، والمقصود من هذا الكلام أنّ هذا المفكّر حتّى وإن أعار أهميةً بالغةً للفلسفة في عددٍ من آثاره الفكرية بشكل مبرهن أو غير مبرهن، فهو يستخدم هذا المصطلح في بحوثه من دون أيّ هاجسٍ يذكر ورغم كون هذه البحوث جذّابة وتستقطب القرّاء نحوها، لكنّها تفتقر إلى المهنية والواقعية، لذلك يمكن اعتبارها مجرّد كمٍّ متراكمٍ من المعلومات في شتّى المجالات ولا سيّما على صعيد آراء ونظريات المفكّرين المتأخّرين ابتداءً من صدر المتألّهين وصولاً إلى السيّد علي الطهراني (الزنوزي )([13]) والذين لم يكونوا معروفين آنذاك في العالم الغربي كما ينبغي.
إنّ ما قام به هذا المفكّر الغربي كان له تأثير كبير على صعيد إدراك النمط الفلسفي الإيراني - الإسلامي وبالأخص في مجال البحث العلمي لمختلف العناصر التي أسهمت بإيجاد تغييرات جذرية فيه، ولكنّ الأمر المحقّق هو أنّ هذا الباحث لم يكن يمتلك معرفة تامّة ولا إلماماً دقيقاً بما تضمّنته آثار أبرز الفلاسفة المسلمين والإيرانيين في العهود السالفة، وبما في ذلك آثار ابن سينا الذي تطرّق إلى ذكره في مواطن كثيرة، وهناك احتمال قويّ بأنّه كان قليل المعرفة بما أنتجه الفلاسفة الغربيون أيضاً من أمثال ديكارت وسبينوزا وكانط وهيجل، بل ولربّما كان عديم المعرفة بها من الأساس! ومهما يكن الأمر، فمعلوماته على هذا الصعيد كانت محدودة وتدور في نطاق ضيّق للغاية، وهو بصفته رجلاً سياسياً وواحداً من أعضاء وزارة الخارجية الفرنسية المثقّفين في تلك الآونة، فقد انحسرت قابلياته المعرفية على هذا الإطار حاله حال سائر المثقّفين الذين انخرطوا في السلك الدبلوماسي؛ لذلك يمكن القول بضرس قاطع إنّه كان جاهلاً بالتفاصيل والجزئيات التخصّصية للفنون التي أبدع فيها علماء السلف الذين تطرّق إلى ذكرهم وخاض في غمار علومهم العميقة، وما يدلّ على هذه الحقيقة هو عدم قيامه بطرح نفسه بوصفه مفكّراً يطارح هؤلاء العلماء بما لديه من منظومة معرفية، وهناك كتابات له حول نظريات الفيلسوف ديكارت تشير إلى هذا الأمر بشكل صريح([14]).
نحن لا نروم هنا التطرّق إلى دراسة وتحليل جميع المعلومات التي تكتنف شخصية آرثر دو غوبينو وتطغى على نتاجه الفكري من حيث الكمّ والنوع، كما لا نسعى إلى تسليط الضوء على إحصاء وتقييم العناصر التي ترتكز عليها متبنّياته الفكرية ومنظومته الذهنية؛ بل سنحاول بيان جانب من النواقص الأساسية في رؤيته الفلسفية، وبالأخصّ فيما يمتّ بصلةٍ للفلسفة الإسلامية، لأنّ هذا الخلل يقلّل من مدى اعتبار تحليلاته التي طرحها فضلاً عن أنّه يسفر عن انحراف الفهم الصحيح لسائر المواضيع التي يتناولها في بحوثه ممّا يزيد من صعوبة بيان أُسسها ويعيق عملية تقييمها بشكل أمثل.
قبل أن نستهلّ البحث بشكل مفصّل، من الأنسب لنا تسليط الضوء على كتابه المعروف (ديانات وفلسفة آسيا الوسطى) وخصوصاً ما جاء في الفصل الرابع منه في مبحث (التصوّف) والمقدّمة التي ذكرها هناك حول الموضوع بغية معرفة حقيقة آرائه، ويمكن على هذا الأساس أيضاً الاطّلاع على الضعف المعرفي لديه وتسليط الضوء على نقاط الخلل التي يمكن اعتبارها منطلقاً لنقد نظرياته وأساساً لتقييم منظومته الفكرية غير المتكاملة. بدأ دو غوبينو هذا الفصل بالحديث عن التصوّف([15]) وقال: "إنّ التصوّف بشكل عامّ له سيطرة كبيرة على نفسية الشخصية الإيرانية بحيث لم تسلم نشاطاتها الذهنية منه، ومن ثمّ فهو قد تسبّب في ركودها وتخديرها وقلّل من فعاليّتها الإيجابية. فالإيرانيون بمختلف مشاربهم دائماً يُلقَّنون بأنّ الدنيا عديمة القيمة والفائدة، بل حتّى يلقى عليهم أحياناً بأنّها أمر وهمي ولا وجود له في ساحة الواقع لكنّ الإنسان شاء أم أبى فهو مضطرّ لأن يعيش في كنفها إلى أن يخرج من نطاق الأوهام المحيطة به. وبطبيعة الحال فإنّ التصوّف له مشارب عديدة ومنوّعة إلا أنّ غالبية المتصوّفة ينأون بأنفسهم عن النشاطات السياسية ولا يرغبون بالخوض في غمارها لدرجة أنّهم لا يتطرّقون إلى المواضيع السياسية في أحاديثهم ونقاشاتهم".
أمّا رأي هذا المفكّر حول تأثّر المجتمع الإيراني بأفكار ابن سينا فهو الآتي: "القضايا التي تطرّق إليها ابن سينا في مباحثه الفلسفية قد طرحت من جديد في المجتمع الإيراني في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، فانطلقت حركة جديدة من قبل مناصريه بعد أن مرّوا بحالة سبات وانزواء دامت لعقود متمادية إثر الهجمات المغولية على الأراضي الإيرانية، ومن ثمَّ تمكّنوا من نقل أفكاره ونظرياته إلى سائر البقاع المحيطة بهم ممّا أثّر على ثقافات المجتمعات المجاورة ([16]). وبعد توالي الأحداث والتغييرات التي طرأت على بلاد فارس، أُنيط الحكم للصفويين الذين امتلكوا نفوذاً واسعاً وسلطةً قويةً بمركزية مدينة أصفهان، وإثر ذلك تأسّست مدارس عديدة وانتعشت الحوزات العلمية بدعم لا محدود من السلطة الحاكمة حيث يتناقل الناس كثيراً من القصص والحكايات على هذا الصعيد، وبما في ذلك أنّ والدة السلطان كانت تذهب مع وصيفاتها إلى الأقسام الداخلية للطلاب في نهاية الأسبوع وتمنحهم ثياباً جديدةً بدلاً عن ثيابهم المندرسة ".
وأمّا فيما يخصّ صدر الدين الشيرازي (صدر المتألّهين)، فقد قال: "في هكذا أوضاع ومع توفّر الأرضية المناسبة لترويج العلوم والنظريات الفكرية، ظهرت أعداد من الشخصيات التي تألّق نجمها في المجتع الإيراني، ومن أبرزها أحد الأشراف في مدينة شيراز، ألا وهو السيّد محمّد بن إبراهيم الذي سخّر حياته للفلسفة فتمكّن من بلوغ درجات رفيعة في هذا المضمار ولقّب بـ (صدر المتألّهين) كما عرف بـ (ملا صدرا). لقد كان الشباب يتسابقون لحضور دروسه كما أنّه نال تقدير واحترام الأمراء والسلطات الحاكمة في عهده فضلاً عن منزلته الاجتماعية المرموقة بين مختلف شرائح الشعب".
ويضيف دو غوبينو : " إنّ عظمة صدر المتألّهين وشهرته في الأوساط الاجتماعية والعلمية والمكانة الرفيعة التي حظيت بها آثاره، لم تذهب أدراج الرياح بعد رحيله، بل بقيت وتنامت أكثر وأكثر بمرور الزمان وأثّرت على الوسط العلمي تأثيراً عميقاً بحيث لا يمكن لأيّ أحد إنكاره مطلقاً. إنّ هذا العالم الكبير لم يكن يمتلك قاعدة شعبية واسعة وأعداداً هائلة من التلاميذ الذين كانوا ينتهلون من فيض علومه فحسب، بل قام بتدوين كثير من المؤلّفات، إذ بلغ عددها عشرين كتاباً اختصّ بعضها بتفسير القرآن الكريم وبعضها الآخر عبارة عن مقالات تمحورت حول دراسة الحديث والرواية، ناهيك عن أنّه دوّن ما يقارب الخمسين موضوعاً حول مسألة العدل الإلهي([17]) بالاستناد على القواعد العقلية والفلسفية، ولكنّ هذا لا يعني أنّه قيّد بحوثه العلمية بنطاق ما يصطلح عليه (علم الكلام) فقط. كما أنّه دوّن ما يقارب 44 رسالة عن بعض المسائل الغامضة في نظرية أصالة الوجود وذلك حينما نأى بنفسه بعيداً عن الناس في أحد الجبال المحاذية لمدينة قم، وكتب أربعة أسفار أيضاً([18]). طوال حياته، تمكّن صدر المتألّهين من السفر إلى الديار المقدّسة في مكّة والمدينة سبع مرّات، وأثناء عودته في حجّته الأخيرة وافته المنية في مدينة البصرة".
وقد تطرّق أيضاً إلى الحديث عن مواضيع عديدة أخرى حول صدر المتألّهين وتحدّث عن تفاصيل حياته، ومن ذلك قوله : " والد صدر المتألّهين كان وزيراً في مدينة شيراز، وقد بقي بعد زواجه مدّة طويلة دون أن يرزق بذرّية فالتجأ إلى الدعاء والتضرّع كي يهبه الله مولوداً، وبالفعل فقد رزق ولداً يمتلك ذكاءً خارقاً منذ نعومة أظافره فلقّب بـ (صدرا)، حيث تتلمذ على أيد أساتذة حاذقين وبارعين ممّا زاد من سعة نطاقه الفكري وترسيخ محبّة طلب العلم في نفسه، ومن ثمّ شيئاً فشيئاً نال أرفع درجات العلم وحظي بمكانة مرموقة بين علماء عصره. منذ تلك الآونة وفي عنفوان شبابه كان هذا الشابّ المتعطّش لطلب العلم ونشره ينفق أمواله في اقتناء الكتب، كما أنّه كان أبدى رغبةً كبيرةً بالتراث العلمي اليوناني.
هاجر صدر المتألّهين من مسقط رأسه شيراز وقصد مدينة أصفهان التي تعرّف فيها على عالم نحرير متبحّر في علوم ومسائل ما وراء الطبيعة، ألا وهو (أبو القاسم مير فندرسكي) الذي سأله حينما رآه : هل أنت غريب عن أصفهان؟ فقال : نعم. ثمّ سأله عن أسرته ومدينته وسبب إقامته في مدينة أصفهان، فأجابه بأنّه شدّ الرحال من مدينة شيراز بهدف طلب العلم، ودار الحوار الآتي بينهما :
- من هم الأساتذة الذين تحبّ أن تتلمذ على أيديهم؟
- أيّ أستاذ أنت تختاره لي.
- لو أردت أن تنعش ذهنك وتنشّط فكرك، فعليك بالذهاب إلى الشيخ البهائي؛ لكنّك إن أردت بلوغ الدرجات العلا في الفصاحة والبلاغة فعليك بالأمير محمّد باقر.
فأجابه صدر المتألّهين بأنّه ليس قلقاً بشأن الفصاحة والبلاغة، لكنّه يطلب أمراً آخر، لذلك جعل الشيخ البهائي وجهةً له ليبدأ درسه معه.
بعد أن تمكّن من الإلمام بالفلسفة والكلام كما ينبغي، أقرّ أستاذه بأنّه ليس بحاجةٍ إلى شيء آخر كي يتعلّمه، فأرسله إلى الأمير محمّد باقر بذريعة استعارة كتابٍ منه، وبالفعل فقد ذهب إليه من دون أن يعلم نيّة أستاذه من وراء ذلك، فلمّا وصل إلى مجلسه وجده مشغولاً بتدريس تلامذته فجلس هو الآخر بينهم واستمع لما يقول. بعد أن أخذ الكتاب رجع إلى الشيخ البهائي وأخبره بما حدث، فقال له الشيخ : إنّ دروسه - الأمير محمّد باقر - أفضل من دروسي وأنا في الحقيقة لست بحاجةٍ إلى الكتاب الذي أرسلتك من أجله، لكنّني قصدت من ذلك أن تشاهد وتسمع درسه عن كثبٍ كي تعرف مدى تبحّره وسعة علمه؛ لذلك عليك منذ اليوم أن تترك دروسي وتحضر دروسه حتّى تنتهل من فيض علومه.
أطاع صدر المتألّهين طلب أستاذه وذهب إلى درس الأمير محمّد باقر ليصل بعد ذلك إلى درجة الكمال في الفصاحة والبلاغة خلال سنتين تقريباً، والجميع يشهد له بهذه الدرجة المرموقة " ([19]).
من المؤكّد أنّ صدر المتألّهين قبل أن يشدّ الرحال نحو مدينة أصفهان ويذيع صيته فيها كأستاذ بارز، قد مرّ بمراحل عصيبة في حياته وعانى من مشاكل كثيرة، ويقول آرثر دو غوبينو في هذا الصدد : "بعد أن تصدّت الأسرة الصفوية لمقاليد الحكم في إيران، أمسى علم الفلسفة ضرورةً ملحّةً ومعظم الأمراء أبدوا رغبتهم في ترويجه لكنّهم لم يتّخذوا خطوات عملية على هذا الصعيد ولم يضعوا لها أُسساً مستحكمةً سيّما وأنّها لم تكن تحظى بتأييد علماء الدين بحيث انتاب طلاب العلم خوفٌ من السعي وراء اكتسابها، فأصبحت الأذهان خاملةً إلى حدٍّ ما، وهذا الأمر يعود في واقع الحال إلى الهجمات المغولية التي تعرّضت لها إيران آنذاك، وقبل هذه الهجمات التي استهدفت الثقافة الإيرانية فإنّ أساتذة الفلسفة كانوا ينهجون منهجي ابن سينا ومحي الدين بن العربي.
لقد أحيا الرئيس ابن سينا الفلسفة الكلدانية في القرن الحادي عشر الميلادي وأضفى عليها طبعاً إسكندرونياً، كما انتعشت في عهده السنن السالفة القائلة بوحدة الوجود، بما فيها الآشورية، لكنّ المغول بعد أن تأثّروا بالحضارة الإسلامية واعتنقوا الإسلام ديناً لهم، نزعوا نزعةً متشدّدة وحاربوا هذه السنن في حين أنّ النزعة الفكرية الإلهية تنامت إلى حدٍّ كبيرٍ واتّخذت طابعها الإسلامي في نطاق الزيّ الإسلامي؛ ويمكن القول إنّه منذ القرن الثالث عشر حتّى نهاية القرن السادس عشر الميلاديين تطوّر التشيّع في إيران مستلهماً بعض السنن القديمة التي سادت بين مختلف شرائح المجتمع الإيراني، فشهد تنامياً ملحوظاً يوماً بعد يومٍ ليصبح فيما بعد رمزاً وطنياً.
إنّ الأُمراء الأوائل في الحكومة الصفوية كانت لديهم نزعةً صوفيةً، ولكن بمجرّد أن اكتسب التشيّع صبغةً رسميةً تضاءل الاهتمام بالأعراف المحلّية وانحرفت الأنظار عن الفكر الموروث عن ابن سينا، وفي تلك الآونة ظهر صدر المتألّهين الذي لم يكن يطمع بأيّة سلطةٍ أو مقامٍ لدرجة أنّه سخّر حياته لطلب العلم ونشره وعكف على تدوين البحوث العلمية. وبطبيعة الحال لا بدّ للراغب في دراسة آثار هذا العالم الجليل أن يتتلمذ على يد أستاذ بارع كي يدرك كنهها، فبعض المواضيع التي طرحها لم توضّح بالأقلام والكتابات، بل تناقلتها الألسن جيلاً بعد جيلٍ ". نلاحظ من كلامه هذا أنّه يقيّد إبداعات صدر المتألّهين بإحياء السنن وإعادة طرحها من جديد،([20]) وحسب رأيه - كما يبدو من كلامه – فإنّ هذا العالم الفذّ لم يكن مبدعاً ومنتجاً للعلوم.
إنّ آرثر دو غوبينو اعتمد على حذاقته في البيان والسرد التأريخي كي يوحي للقارئ بأنّ ما يطرحه كان واقعاً مسلّماً لا نقاش فيه وأنّ الجميع يؤيّدونه فيما يقول.
ومن جملة ما ذكره آرثر دو غوبينو ما يلي : " حسب اعتقاد الإيرانيين فإنّ صدر المتألّهين قد أسهم أكثر من ابن سينا في ترويج الحكمة وانتعاشها، ولكنّه بكلّ تأكيد قد عاش في ظروفٍ تختلف بالكامل عن الظروف التي عاش فيها سلفه ابن سينا ". حينما أشار هذا الباحث إلى تأثّر المجتمع الإيراني بالفكر الفلسفي لابن سينا وصدر المتألّهين وضمن إشارته إلى أنّ الأخير قد أضفى طراوةً على العلوم الفلسفية وأنعشها، نجد أنّه لم يتطرّق بتاتاً إلى بعض أبرز الحكماء الآخرين من أمثال شهاب الدين السهروردي وشيخ الإشراق.
وقد تحدّث عن نمط حياة صدر المتألّهين بالقول : " لا ينبغي لنا تصوّر أنّ صدر المتألّهين كان يعيش حياةً زاهدةً - كالدراويش - وأنّه يتنقّل من مدينةٍ إلى أخرى ومن باديةٍ إلى غيرها؛ فالأمر على العكس من ذلك تماماً، فقد كان زاهداً وورعاً طوال حياته لكنّه لم ينحُ منحىً متطرّفاً، فقد كان من الرعيل الأوّل في حوزة أصفهان العلمية ومن أبرع أساتذتها. وفي عهده برز بعض الفلاسفة في إيران، لكنّهم لم يشتهروا مثله". بعد ذلك ذكر دو غوبينو أسماء الفلاسفة الذين خلفوا صدر المتألّهين حسب الفترات التأريخية التي عاصروها وأكّد على أنّ معرفة هذه المراحل التأريخية لها أهمية بالغة لاسيّما وأنّ هؤلاء العلماء لم يكونوا معروفين في القارّة الأوروبية آنذاك، ولكنّه اكتفى بذكر علماء الفلسفة من دون أن يتطرّق إلى ذكر أسماء علماء الكلام، ونوّه على أنّه حينما يذكر أحد المؤلّفات المختصّة بعلم الكلام فهو يعتقد بأنّه في ظاهره يختصّ بهذا العلم، لكنّه في طيّاته يتضمّن مواضيع تختصّ بعلوم ومعارف ما وراء الطبيعة والفلسفة، أي إنّ عنوانه لا ينطبق على مضمونه.
أمّا الأسماء التي ذكرها لأبرز الشخصيات الفلسفية التي عدّها خلفاً لصدر المتألّهين، فهي كما يأتي([21]):
" – الملا حسين الفيض الكاشاني (توفّي سنة 1091 هـ / 1680 م) : تلميذ صدر المتألّهين، وقد ركّز اهتمامه على المنطق وعلوم ما وراء الطبيعة([22]) بحيث تمكّن من تدوين ما يقارب الثلاثمائة رسالة يتمحور معظمها حول تفسير أستاذه لكثير من المسائل والقضايا التي طرحها.
- الملا عبد الرزّاق (توفّي سنة 1072 هـ/1662م) : عُرف بأنّه من شرّاح ومدوّني الحواشي على سائر الكتب، فقد كان في معظم مؤلّفاته يدوّن حواشي على مؤلّفات سائر العلماء أو أنّه يفسّرها ويشرحها في إطار رسائل مستقلّة، وجهوده العلمية البحثية هذه يمكن مقارنتها بما كان ينشر من مقالات في العالم الغربي في الصحف والمجلات، ولكنّنا نستشفّ منها أنّ الإيرانيين كانوا يمرّون في مرحلة زمنية وظروف خاصّة جعلتهم مضطرّين لأن يكتموا التراث الفكري لصدرالدين الشيرازي، فالأدلّة والقرائن تشير إلى أنّ أفكاره كانت تثير حفيظة بعض المجتهدين. وقد أفشى الملا عبد الرزاق الأخطاء التي بدرت من بعض الأساتذة وتعرّض بالنقد اللاذع لابن سينا ومحي الدين بن العربي، ولكن لو تتبّعنا في سيرة تلامذته وما تناقلوه عنه لأدركنا أنّه قد تأثّر في كتاباته بالفكر الصدرائي والسينائي.
- القاضي سعيد القمّي (ولد في مدينة قم سنة 1403 هـ / 1633 م – توفّي سنة 1103 ه / 1691 م) : خلّد هذا العالم ذكره للأجيال اللاحقة بجهوده العلمية الحثيثة، فهو عالمٌ وفقيهٌ بكلّ ما للكلمة من معنى، حيث ألّف ثلاثة كتب في علم الفلسفة حظيت بإقبالٍ كبيرٍ. أمّا أبرز أسلاف صدر المتألّهين الذين ساروا على نهجه وحذوا حذوه، فهم كما يلي:
- السيّد محمّد بيد آبادي (1198هـ/1783 م) : سخّر معظم كتاباته للمسائل والقضايا الأخلاقية، وقد ذاع صيته على نطاق واسع في مدينة أصفهان ونال احترام أهلها وتقديرهم بشكل كبير وما زالت هذه المكانة السامية على حالها حتّى يومنا هذا.
- الميرزا أبو القاسم المدرّس : كما هو واضح من لقبه، فهو قد تصدّى للتدريس في مدينة أصفهان، ولا سيّما بين أعضاء البلاط الملكي الحاكم، كما أنّه أصبح مثالاً للعلم والمعرفة وذاع صيته بين القاصي والداني.
- الملا مصطفى القمشه إي : ولد هذا العالم في مدينة قمشه المتاخمة لأصفهان، لذلك لُقّب بـ (القمشه إي). لم يبدِ هذا العالم رغبةً بالفلسفة بمعناها الأخصّ، ومن هذا المنطلق لم يشتهر كفيلسوف ألمعي ولم يتطرّق إلى شرح وتحليل المواضيع العرفاينة المتداولة في عهده.
- الملا مهدي النراقي (1209 هـ/ 1794 م) : امتلك هذا العالم رؤيةً ثاقبةً في علوم ما وراء الطبيعة والمنطق ".
ويواصل آرثر دو غوبينو ذكره للعلماء الذين برعوا في علم الفلسفة واحداً تلو الآخر حسب الترتيب الزماني، إلى أن وصل إلى الأسماء الآتية :
" - الملا محمّد علي النوري : تلميذ الميرزا أبي القاسم المدرّس ومن أقارب الميرزا عليّ النوري، وهناك احتمال بأنّه أخوه، وقد شُهر على نطاق واسع". يقول هذا الباحث الفرنسي إنّه سمع من السيّد عليّ الطهراني بأنّ الملا محمّد عليّ النوري كان أستاذاً بارزاً لا نظير له، وأكّد على أنّه يكنّ احتراماً كبيراً له واعتبره من الذين يحظون بمكانة مرموقة في الفهرست الذي دوّنه، حيث أشار إلى أنّه كان متبحّراً في علوم ما وراء الطبيعة والمنطق والأخلاق، وكان لديه كثير من التلاميذ.
ويواصل دو غوبينو كلامه عن الملا محمّد عليّ النوري قائلاً : " بعد عهد الملا محمّد عليّ النوري، شهدت إيران أحداثاً مؤلمةً، والفلسفة بدورها لم تكن مصونةً عن هذه الأحداث وطرأت عليها أزمات حادّة، وهذه الأحداث تُشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ما وقع إبّان الغزو المغولي. ففي خضمّ هذه الأحداث أطاح الأفغان بالسلطة الحاكمة وشهدت البلاد فوضى عارمة استمرّت لمدّة من الزمن. وبعد عهد نادر الدين شاه استقرّت البلاد نوعاً ما، ولكن إثر الصراع الذي احتدم بين السلسلتين الزندية والقاجارية شهدت العلوم النظرية فترةً من الركود والخمول ومن ثمّ انحدرت نحو الانحطاط، كما انعدم النظام والاستقرار في المدارس التقليدية والرسمية؛ ومرّةً أخرى شاعت الملاحظات والاحتياطات التي شهدها الوسط العلمي من جانب الملا عبد الرزّاق، فسلك الجميع مسلك الكتمان وافتقدت الفلسفة معناها الحقيقي ليسود توجّه شريحة كبيرة من المجتمع نحو التصوّف إثر رواج النزعة الصوفية في مختلف أرجاء البلاد.
- الملا محمّد الهرندي : سطع نجم هذا العالم بعد الملا محمّد علي النوري، فأبدع في علوم ما وراء الطبيعة، وقد اكتسب علومه ومعارفه بإشراف الميرزا أبي القاسم المدرّس، فأصبحت له اليد الطولى في علمي الكلام والفقه، إذ ألّف كتاباً في هذا المضمار وما زال حتّى يومنا هذا يتمتّع بشخصية مرموقة بين الأوساط العلمية ويستقطب الأنظار نحوه؛ لكنّه مع ذلك أبدى رغبةً جامحةً في علم الرياضيات وتمكّن من تدوين بعض الرسائل في هذا العلم.
- السيّد يوسف (الأعمى) : رغم أنّ هذا العالم حرم من نعمة البصر، إلا أنّه لم يتخلّ عن النشاطات العلمية وأعار أهميةً لعلم الفقه أكثر من غيره، ومع ذلك فقد أبدع في علم الفلسفة وكان أستاذاً بارعاً في هذا المجال وحظي باحترام فائق بصفته عالماً مسلماً ملمّاً بعلوم ما وراء الطبيعة. وقد تتلمذ على يد الميرزا أبي القاسم المدرّس.
- الشيخ مهدي المشهدي: بما أنّ هذا العالم لم يكن له تلامذة، فقد قلّ الكلام حوله ولم تتناقل الأوساط العلمية كثيراً من أحواله وشؤونه، ولكن يقال إنّه امتلك نظرةً ثاقبةً في علوم ما وراء الطبيعة أعلى المستويات.
- الملا أحمد اليزدي : امتلك مهارةً مشهودةً بقضايا ومسائل ما وراء الطبيعة، فضلاً عن أنّه كان حاذقاً وجسوراً في بيان ما يطرحه، وتمكّن من تدوين شروحاً وحواشي كثـيرة حـول مختـلف الكتب، كما قـام بتدوين بعض الكتابات بشأن الشعراء الذين سلكوا المسلك العرفاني. تتلمذ الملا أحمد اليزدي على يد الملا مصطفى القمشه إي.
- الملا إسماعيل (توفّي سنة 1277هـ/1860م) : احتلّ هذا العالم مكانةً مرموقةً بين أقرانه الذين عاصروه، وما زالت رسائله الأربعة تحظى بإقبال كبير حتى عصرنا الحاضر ويرجع إليها العلماء وطلبة العلم في كلّ حين. اكتسب الملا إسماعيل علومه تحت إشراف الملا عليّ النوري.
- الحاج محمّد جعفر اللاهيجي : قام بطلب العلم لفترة قاربت أربعين عاماً، ودرّس لمدّة ثلاثين عاماً، وقد قام أستاذ حوزة (سبه سالار) العلمية([23]) السيّد عليّ بشرح وتفسير مؤلّفاته. الحاج محمّد جعفر كان تلميذاً للملا عليّ النوري.
- الملا عبد الله الزنوزي([24]) (والد السيّد عليّ الطهراني) : كان مدرّساً شهيراً ومتخصّصاً في علم الكلام وعلوم ما وراء الطبيعة، كما تطرّق إلى بيان المباحث الأخلاقية ومسائل علم الرياضيات وأبدع فيها. ومن تراثه الفكري كتاب تضمّن شرحاً للحديث وكتاب هامّ حول التوحيد. تتلمذ على يد العلامة بيد آبادي والملا عليّ النوري ". وضمن هذا السرد الذي ساقه المفكّر الفرنسي آرثر دو غوبينو، تطرّق إلى القول : " في أحد الأيام شارك الملك فتح علي شاه بنفسه في درس هذا الأستاذ ومنح هبات له ولتلامذته البارزين، كما زاد من المرتّبات الشهرية التي كانت تدفع لهم، فهذا الحاكم كان مولعاً بالفلسفة ".
وقد أذعن إلى أنّ جميع الشرقيين في قارّة آسيا يؤمنون بأنّ العلم أفضل من أيّ شيءٍ آخر حتّى وإن لم يظهر ذلك في تصرّفاتهم ونشاطاتهم العملية، لذلك نجدهم لا يعجبون من حضور ملكهم في حلقة درس أحد الأساتذة.
ويواصل ذكر أسماء أبرز العلماء في تلك الآونة، كما يأتي :
" – الحاج محمّد إبراهيم نقشه فروش : تتلمذ على يد كلٍّ من الملا عبد الله والملا عليّ النوري والملا إسماعيل، وقد درّس في مدرسة (مادرشاه) بطهران إذ كان بارعاً في علوم ما وراء الطبيعة والعرفان.
- السيّد رضي اللاريجاني([25]): كان واحداً من الأساتذة البارزين وحظيت دروسه بشهرة واسعة، وقد تتلمذ على يد الملا عليّ النوري كما أنّ نتاجاته العلمية كانت تدرّس من قبل السيّد عليّ الطهراني.
- الملا محمّد تقي الخراساني : كان ذا إلمام واسع بعلمي الكلام والفلسفة وعلوم ما وراء الطبيعة، وتتلمذ على يد الملا عليّ النوري.
- الملا إبراهيم نجم آبادي([26]) : له إلمام واسع في مختلف فروع علم اللاهوت وعلوم ما وراء الطبيعة لدرجة أنّه وصل إلى حدّ الكمال فيها، وهو أيضاً من تلامذة الملا عليّ النوري.
- الملا باقر الفشندي : أحد أبرز العلماء البارعين في علوم ما وراء الطبيعة فضلاً عن تبحّره في علم الكلام ولا سيّما فيما يرتبط بمسائل العدل الإلهي التي تعدّ من المواضيع الحسّاسة للغاية بين المسلمين والتي يوجس الفلاسفة منها خيفةً، لأنّهم إن خاضوا فيها يصبحون عرضةً للتهمة والنقد اللاذع. الملا باقر الفشندي لجأ إلى المصطلحات والعبارات العرفانية وتمكّن من الخوض في غمار هذا البحث الدقيق بكلّ حذاقة وفطنة فكان يستشهد فيما يطرحه بأشعار تؤيّد مدّعاه للشاعر جلال الدين الرومي، ومسلكه كان على غرار مسلك أستاذه الملا عليّ النوري واتّبع مدرسة ابن سينا الفكرية.
- السيّد قوام القزويني : تطرّق إلى بيان المواضيع التي ترتبط بمسائل ما وراء الطبيعة وأبدع في هذا الصدد غاية الإبداع وامتلك جرأة مشهودة في ذكر آرائه، وفي عهد الملك فتح علي شاه الذي كان من داعمي الفكر والمعرفة، انضوى إلى تفسير القرآن الكريم. اكتسب السيّد قوام القزويني علومه ومعارفه تحت إشراف الملا عليّ النوري.
- الملا رضي التبريزي : امتلك معرفة كبيرة في علوم ما وراء الطبيعة، كما أنّه كان على أتمّ المعرفة بمبادئ فلسفة صدر المتألّهين وأبدع في تدريسها. لقد كان حسن البيان ومتّقد القريحة ويعتبر من تلامذة الملا عليّ النوري وكان أستاذاً في مدرسة جدّه الكبيرة بمدينة أصفهان.
- الملا صفر علي القزويني : ركّز اهتمامه بشكل أساسي على التعاليم التقليدية، كما امتلك معلومات واسعة في علم الفلسفة، إذ تتلمذ عند الملا عليّ النوري.
- الشيخ الصدري (صدر الدين التنكابُني) : هو من تلامذة الملا عليّ النوري وكان من فحول علم الكلام.
الميرزا سليمان التبريزي : امتلك إلماماً واسعاً في علوم ما وراء الطبيعة وكان على معرفة بعلم الطبّ، وقد تتلمذ على يد الملا عليّ النوري أيضاً.
- الميرزا محمّد حسن: هو ابن الملا عليّ النوري، وقد كان فيلسوفاً وعارفاً، حيث تتلمذ على يد والده فتعلّم مبادئ الفلسفة منه. من الجدير بالذكر هنا أنّ السيّد عليّ الطهراني قد حضر دروسه مدّة خمس سنوات ودرس عنده العديد من الكتب، وبما فيها الأسفار والشواهد وكتاب مفاتيح الغيب وكتابا ابن سينا النجاة والشفاء.
- الملا محمّد حمزة بارفروش : تبحّر في علم الكلام وتصدّى لمهمّة تفسير وشرح آراء صدر المتألّهين، وهو أحد أهمّ الناقدين لأفكار الشيخ أحمد الأحسائي.
- الميرزا علي تقي النوري : هو ابن الملا عليّ النوري وقد اكتسب علوم الفلسفة عند والده وعمّه فذاع صيته كعالم بارع.
- الملا عبد الله القمشه إي : هو أحد الأساطين البارعين في علوم ما وراء الطبيعة وأمضى معظم أيام حياته بالتدريس".
يعتقد دو غوبينو أنّ الجيل الخامس من أسلاف صدر الدين الشيرازي كان زاخراً بفلاسفة عظماء يشهد التأريخ لهم، ومن أبرزهم الملا هادي السبزواري، حيث قال : " إنّ هذا الرجل - الملا هادي السزواري - ما زال حيّاً وعمره يناهز السبعين عاماً، وهو إنسان لا نظير له لكونه يمتلك علماً واسعاً ومعرفةً عميقةً ممّا جعله يفوق جميع أقرانه، فكان علماً بارزاً في الحكمة المتعالية وتتلمذ على يد الملا إسماعيل. ومن نشاطاته العلمية المعرفية أنّه قام بشرح آثار صدر المتألّهين وتفسيرها، وقد ذاع صيته على نطاق واسع في مختلف نواحي إيران وبين جميع الشرائح الاجتماعية، كما تتلمذ عنده كثير من الطلاب الأجانب في مدينة سبزوار حيث وفدوا لطلب العلم بين يديه من بلدان عدّة كالهند وتركيا والسعودية.
تنحدر أُسرة الملا هادي السبزواري من طبقة اجتماعية متوسّطة ولم تكن تمتلك ثروة طائلة، لكنّه ورث عن والديه ما يكفيه كي يعيش حياةً محترمةً، لذلك لم يحاول بتاتاً أن يزاول مهنة التجارة أو أن يستغلّ مقامه لرفع مستوى دخله المالي، بل إنّه سخّر كلّ وجوده لنشر العلم والتدريس، وحينما كان ينال بعض الأرباح ممّا خلّفه له والداه من أملاك، فهو لم يكن يحتفظ بها لنفسه، إذ إنّه كان يأخذ منها ما يكفيه لقوته وقوت عياله وينفق ما بقي منها في طريق الخير والمعروف ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ناهيك عن أنّه لم يكن يقبل أيّة هدية أو عطاء من الآخرين. كان هذا العلم البارز يعير أهمية بالغة للوقت ولا يهدر أيّة فرصة تسنح له،([27]) فقد كان يرتاد المسجد المجاور لداره يومياً لأجل التدريس وبانتظاره أعداد كبيرة من طلاب العلم المشتاقين لدرسه ومنبره، وحينما ينتهي كانوا يشيّعونه حتّى باب داره.
ومن ناحية أخرى يجب القول إنّ قدرته الفائقة على البيان وسعة نطاق علومه كانت مشهودة للقاصي والداني، فبعد أن يعود من المسجد إلى داره كان يتناول وجبة طعام متواضعة ويأخذ قسطاً من الراحة ثمّ ينصرف إلى التضرّع والعبادة لدرجة أنّ الناس نسبوا إليه كثيراً من الكرامات ([28]).
أهمّ كتاب له طبع في مدينة طهران، ألا وهو شرح المنظومة المعروف وهو يتكوّن من ثلاثة أقسام أساسية يختلف كلّ واحد منها عن الآخر، وهي كما يأتي:
القسم الأوّل : نصّ منظوم شعرياً يتضمّن أفكار الفيلسوف بشكل منسجم وجميل، وقد تمّت صياغته بأقلّ مقدار ممكن من الألفاظ ممّا جعله مليئاً بالغموض.
القسم الثاني : شرح لهذه المنظومة الشعرية يتضمّن بيان وتحليل العبارات والكلمات التي وردت فيها بالتفصيل.
القسم الثالث : حاشية تتضمّن إيضاحات أكثر ممّا هو موجود في الشرح، وقد تمّ تدوينها بأسلوب أسهل، لذا فهي أكثر وضوحاً من الشرح.
حسب الأعراف المتداولة بين المعنيين بهذا العلم فإنّ المقصود من المنظومات الشعرية وشروحها وحواشيها هو إفهام المخاطب وصيانته فكرياً من الانحراف، لكن مع ذلك فهو مهدّد بالانحراف لأنّ كثيراً من الكتابات الفلسفية يتعمّد كاتبوها صياغتها بأسلوب مزدوج غير واضح الدلالة ولا يمكن فهم المقصود الحقيقي منها ممّا يجعل المخاطب عرضةً للوقوع في الزلل.
تكمن أهمية ما دوّنه الملا هادي السبزواري في أنّه قام بشرح وتفسير آراء صدر الدين الشيرازي مثلما قام الأخير بشرح وتفسير آراء ابن سينا " ([29]).
ويؤكّد هذا الباحث الفرنسي على أنّ الملا هادي السبزواري هو حكيم متبحّر في علوم المعقول بحيث يعدّ واحداً من دعائم التأريخ الفلسفي في إيران، وذكر أنّه قد تعرّف على كثير من الطلاب الذين تتلمذوا على يده طوال مدّة إقامته في إيران، حيث طلبوا منه أن يتعاون مع العالم اليهودي روبين (الملا لازار الهمداني) لترجمة آراء ديكارت إلى اللغة الفارسية، وبالفعل فقد قام بذلك وحصل على إذن الملك ناصر الدين شاه لطباعة الكتاب ونشره في إيران.
ويواصل ذكره لأعلام تلك الآونة كالآتي:
" – الملا عبد الله الجيلاني : هو عالم بكلّ معنى الكلمة، وذو معرفة واسعة وعلم مشهود، وقد تصدّى لتدريس الفلسفة في مدينة قزوين. تتلمذ الملا عبد الله الجيلاني على يد الملا آغائي.
- الملا يوسف القزويني : هو كنظيره الأستاذ عبد الله الجيلاني، حيث شُهر على نطاق واسع وأسهم في ذياع صيت علماء مدينة قزوين في مختلف أرجاء البلاد، وهو الآخر قد تتلمذ على يد الملا آغائي.
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ مدينة قزوين تعدُّ واحدةً من أهمّ مراكز الفرقة الشيخية، وقد اعتمد علماء الكلام على المنهج الاستدلالي لعلماء هذه الفرقة.
- السيّد عليّ التنكابُني : امتلك هذا العالم ثروة علمية كبيرة وكان يدرّس علم الفلسفة في مدينة طهران، وقبل ذلك تتلمذ على يد الملا عبد الله المدرّس.
- الملا حسين عليّ الطالقاني : كان الملا الطالقاني رجلاً ذا نشاطات واسعة وبرع في المسائل التقليدية والعلوم الفلسفية غاية البراعة حيث كان يدرّس في مدينة طهران، وهو الآخر قد تتلمذ أيضاً على يد الملا عبد الله المدرّس.
- رجب علي كني : يمكن عدّه بأنّه على مستوى الأستاذ حسين عليّ الطالقاني من الناحية العلمية، كما أنّه تتلمذ على يده.
- السيّد محمّد رضا القمشه إي : لقد كان هذا العالم ذكياً للغاية وامتلك حذاقة قلّ نظيرها، وقد درس علمي الفلسفة والكلام لدى الحاج محمّد جعفر اللاريجاني والميرزا محمّد حسن النوري. فضلاً عن تبحّره في علم الفلسفة، برع أيضاً في العرفان واكتسب معارفه على هذا الصعيد من السيّد رضا. ما زال السيّد محمّد رضا القمشه إي يدرّس في أصفهان حتّى الآن.
- الميرزا محمّد حسن الجليني([30]): تصدّى الميرزا للتدريس في مدينة أصفهان وانضوى إلى شرح وتفسير الأشعار العرفانية، وقد كان من الوعّاظ الذين يذكّرون الناس بسنّة الأنبياء والأئمّة. تتلمذ على يد الحاج محمّد جعفر اللاريجاني.
- السيّد رضا قلي القزويني : كان واسع العلم قويّ المعرفة وهو من أهالي مدينة قزوين حيث تتلمذ فيها على يد الملا آغائي.
- السيّد صادق الكاشاني : اشتهر بقدرته على الجدل والمناظرات، وقد تصدّى لمهمّة التدريس في مدينة كاشان التي هي مسقط رأسه.
- الملا مرتضى قلي الطالقاني : امتلك قدرات فائقة في علم الفلسفة وبرع على هذا الصعيد، وقد اكتسب معلوماته الأوّلية من أستاذه الملا عبد الله المدرّس وحينما اتّقدت قريحته تصدّى لمهمّة التدريس في مدينة طهران.
- الميرزا حسين الكرماني : كان ذا نزعة صوفية لكنّه تبحّر في فلسفة ابن سينا، وقبل ذلك كان قد تتلمذ على يد الميرزا محمّد حسن الجليني وفي مدينة سبزوار اطّلع على أسلوب الملا هادي السبزواري في علم الفلسفة وألمّ به. قضى فترة من حياته في مدينة طهران لتدريس تلامذته لكنّه اختفى بعد ذلك إثر تغيير مسلكه واعتناقه أفكار الفرقة البابوية.
- الملا عبد الحسن الأردستاني : ذاع صيته على نطاق واسع بين الفلاسفة والمتصوّفة، وهو اليوم أستاذ في مدينة طهران حيث تتلمذ على يد كلّ من الميرزا محمّد حسن الجليني والميرزا محمّد حسن النوري.
- الشيخ علي نقي الطالقاني : هو مجتهد بارع سريع البديهة ويمتلك رؤية ثاقبة ودقّة متناهية في تقييم الأمور، كما أنّه متبحّر في المسائل المرتبطة بعلوم ما وراء الطبيعة. تتلمذ على يد الملا آغائي القزويني، وهو اليوم يدرّس في مدينة طهران.
- الملا زين العابدين المازندراني : قام بتدوين مجموعة من الشروح والتفاسير، فضلاً عن امتلاكه مهارة مشهودة في علم الكلام. تتلمذ على يد الحاج محمّد جعفر اللاريجاني.
- الميرزا محمّد هادي (السيّد الأصفهاني) : هو أحد الفلاسفة البارعين الذين تتلمذوا عند الملا إسماعيل.
- السيّد هادي الشيرازي : إنسانٌ ذكيٌّ في غاية الذكاء وأحد أساطين علمي الفلسفة والكلام، وقد تتلمذ على يد الميرزا محمّد حسن الجليني.
- الحاج محمّد إسماعيل الأصفهاني : عالم نحرير امتلك معلومات واسعة عن الفلسفة، وهو أحد تلامذة الحاج محمّد جعفر اللاريجاني والميرزا محمّد حسن النوري، وما زال إلى اليوم يتصدّى للتدريس في مدينة أصفهان.
- السيّد عليّ الطهراني : هو أستاذ في مدرسة (مادرشاه) بمدينة طهران، وقد امتلك شخصية مرموقة حيث يشهد القاصي والداني له بالفضل والعلم، لكنّه من الناحية البدنية كان ضعيف البنية، قصير القامة، أسمر الوجه، نافذ العينين، وفي الحين ذاته هو متّقد القريحة وذو فطنة ملحوظة. وقد طلب العلم وتتلمذ على يد أساتذة مرموقين، منهم الملا عبد الله المدرّس والملا آغا القزويني والحاج محمّد جعفر اللاريجاني والحاج محمّد إبراهيم والسيّد الرضي والميرزا محمّد حسن النوري.
قام بتدوين العديد من الكتب حول الفلاسفة المعروفين فضلاً عن تصدّيه لتدريس علوم الإلهيات في بادئ الأمر، لكنّه أعرض عن ذلك فيما بعد وترك التدريس في مدرسة (مادرشاه) لينخرط إلى التدريس في داره من دون أن تتعرّض شخصيته لأدنى تزلزل، ناهيك عن أنّ عدد تلامذته لم يقلّ إثر ذلك فبقي محبوباً ومحترماً لدى الجميع. هو اليوم عاكف على تدوين كتاب حول تأريخ الفلاسفة ابتداءً من صدر المتألّهين وإلى عصرنا الحاضر، وحسب اعتقادي فإنّ هذا الكتاب هو الأوّل من نوعه على هذا الصعيد بعد كتاب الشهرستاني" ([31]).
في نهاية هذه القائمة، أكّد الباحث الفرنسي آرثر دو غوبينو على أنّ ما ذكره ليس تامّاً وكاملاً لأنّ ذكر جميع العلماء الذين ذاع صيتهم من دون نقص يعدّ أمراً غير مقدور، لذلك فقد اكتفى بذكر الشخصيات العلمية التي امتلكت مقاماً علمياً أو رسمياً بنحو ما، أي: الأساتذة والعلماء الذين ذاع صيتهم منذ عام 1666 م حتّى العهد الذي عاصره.
وأضاف قائلاً : " لا ينبغي لنا نسيان أنّ عدداً كبيراً من الأساتذة الحاذقين والعلماء قد تصدّوا لمهمّة التدريس خارج المدارس والحوزات العلمية، ومن المحتمل أنّهم قد انزووا عن الأوساط العلمية وانخرطوا إلى الدراسة والبحث العلمي.
إنّ الطلاب والفلاسفة الإيرانيين كانوا شبّاناً وظروفهم الاجتماعية التي عاشوا في كنفها جعلتهم مختلفين عن غيرهم، وفي بعض الأحيان نلاحظ أنّ الطلاب الحاضرين في الدروس تتراوح أعمارهم بين العشرين إلى الستّين عاماً ويلتفّون في المسجد حول منبر أحد الأساتذة البارعين، فضلاً عن أنّ هذه الدروس كان يحضرها أحياناً أشخاص من مختلف الطبقات الاجتماعية كالفرسان ورجال البلاط وأصحاب المناصب السياسية ".
يعتقد دو غوبينو أنّ قارّة آسيا بشكل عامّ، كانت في تلك الآونة من الناحية العلمية والتدريسية تناظر قارّة أوروبا في القرون الوسطى، حيث قال : " هناك الكثير من الناس الذين ينحدرون من شرائح اجتماعية مختلفة حازوا على بعض الألقاب، مثل (الدكتور)، كما أنّ سائر الذين ينحدرون من الطبقة الاجتماعية المتوسّطة الحديثة - البرجوازية - كانوا يجتمعون حول بعضهم في درس واحد ".
ويؤكّد هذا المفكّر على أنّه تطرّق إلى ذكر أساتذة وعلماء مدارس وحوزات ثلاث مدارس في إيران، وهي مدارس أصفهان وطهران وقزوين، مع استثناء واحد ألا وهو إشارته إلى الملا هادي السبزواري الذي زاول نشاطاته العلمية في مدينة سبزوار. وأشار إلى وجود أساتذة وعلماء بارعين وحاذقين كثيرين في مدن أخرى، مثل همدان وكرمانشاه وتبريز وشيراز ويزد وكرمان ومشهد.
كما نوّه على وجود آخرين في منطقة (أستر آباد) المحاذية للطوائف التركمانية، حيث تبحّروا في البحوث الكلامية وأعاروها أهميةً بالغةً، وتحدّث أيضاً عن الحوزة العلمية في مدينة النجف التي كانت حينذاك تحت سيطرة الحكومة العثمانية وأكّد على أنّها تأثّرت بالفكر الإيراني لدرجة أنّ أبرع الفلاسفة الإيرانيين قد تصدّوا لمهمة التدريس هناك، ومن أبرزهم إمام الجمعـة آنذاك السيّد مرتضى الـذي حظـي بشخصيـة مرموقة ونال احترام وتقدير جميع الشيعة نظراً لسعة علمه وزهده وورعه، فضلاً عن امتلاكه معرفة واسعة على صعيد علمي الفلسفة والكلام بحيث يمكننا مقارنته مع الملا هادي السبزواري، لكنّه أقلّ إلماماً من الأخير بالعلوم والمعارف الفلسفية الدقيقة.
وفي ختام هذا القسم من كتابه وضمن حديثه عن الحوزة العلمية في النجف، ذكر أحد المجتهدين الذين نحوا منحى اعتراضياً في التعامل مع الأوضاع واشتهر بنزعته الخشنة، ألا وهو الملا آغا الدربندي المولود في مدينة دربند المحاذية لبحر قزوين والذي ينحدر من سلسلة (لزكي)، حيث عاش مدّةً في مدينة طهران، حيث قال عنه: " نظراً لمعارضته النظام الحاكم وانتقاده الطبقة الأرستقراطية المرفّهة في المجتمع، نال احترام وتقدير الجميع وترسّخت محبّته في قلوب الناس. وممّا اتّصف به أنّه لم يسلك مسلكاً عرفانياً ولم تتّصف معتقداته بالمنهج العرفاني، حيث أبدى اهتماماً كبيراً بالنزعة الأخبارية كما عارض الفرقة الشيخية معارضةً وتصدّى لها بكلّ ما أوتي من قوّة. وحينما أُريد إبعاده عن مدينة طهران تمّ إرساله بمهمّة إلى مدينة كرمانشاه ". قام دو غوبينو ببيان جوانب عديدة من حياة هذا العالم وتطرّق إلى الحديث عن شخصيته بشكل مفصّل ومبسوط، لكنّ المجال لا يسعنا هنا لذكره كلامه بالكامل وفقط ننوّه على أنّه وصفه بالمتشدّد والمعارض، ويوعز ذلك إلى الأخلاق التي ورثها من أصله الـ (لزكي) والتي عرف أقرانه وأقاربه بها ([32]).
وفي الفصل الخامس من الكتاب([33]) تطرّق إلى ذكر بعض الشخصيات المثقّفة التي اتّسمت بالانفتاح الفكري وأولئك الذين سخّروا طاقاتهم العلمية لإثارة الجدل والشكوك، إذ قال : " إنّ معظمهم لقّبوا بـ (الميرزا) فعرفوا بـ (الميرزوات) وهم في الواقع ذوي نزعة اجتماعية ولهم علاقات حميمة مع الناس نظراً لحسن عشرتهم ودماثة خلقهم ". وقال في الصفحة السابعة والتسعين من كتابه : " إنّ الروس قد عرّفوا الإيرانيين بشخصية الفيلسوف المنفتح (فولتير Voltaire) وفيما بعد أصبح رمزاً للميرزوات الطهرانيين، لكنّهم في الحقيقة غافلون عن أنّ فولتير الذي يتناقلون اسمه وأقواله ليس سوى شخصية خيالية تختلف عن فولتير الواقعي الذي عاش في القرن الثامن عشر. فهؤلاء قد انطبعت في أذهانهم شخصية حطّمت القيود الاجتماعية وتجاوزت الأعراف الاجتماعية لدرجة أنّها لا تتخلّى عن سكينتها التي تخوّف بها الآخرين وترتدي ثياباً من نمط الثياب التي يرتديها البلطجية والأشقياء في تلك الآونة، أي إنّها تجوب الشوارع والأسواق وتحتسي الخمر مع أتباع سائر الأديان من مسيح وأرمن. إنّ ذوي السيرة الحسنة من الزهّاد والورعين في المجتمع كانوا يمقتون هؤلاء الأشخاص وأمثالهم لدرجة أنّهم كان يشتكون منهم لعمدة المدينة والشخصيات الاجتماعية النافذة. كان أولئك البلطجية يعيشون حياةً تكتنفها اللامبالاة ويميلون إلى المزاح والهزل وينشدون الأشعار الغنائية بأسلوب خاصّ بهم"([34]).
كما تطرّق إلى ذكر الفاتح الفرنسي المعروف نابليون بونابرت وتحدّث عن شهرته في إيران، فقال في جانب من كلامه : " يعتقد الإيرانيون أن لا أحد من الملوك القدماء يبلغ الدرجة التي بلغها نابليون، لا إسكندر المقدوني ولا ذا القرنين ولا بطرس الأكبر ".
وفي نهاية هذا الفصل، وفي الصفحتين 113 و 114 حصراً، تحدّث عن الفيلسوف ديكارت وذكر رسالته (أحاديث عن الطريقة )([35]) وسنذكر فيما يأتي جانباً ممّا جاء في كلامه فقط اجتناباً للإطناب، ففي كتابه (ديانات وفلسفة آسيا الوسطى) ولدى حديثه عن موضوع (التصوّف) في الصفحتين 51 و 52 من الفصل الرابع، قال: "المسيحيون الشرقيون، سواء من أقباط مصر أو كلدانيي إيران، لم يبدوا رغبةً ملحوظةً في الدراسة والبحث العلمي، ولم يتعبوا أنفسهم في طلب العلم، والفضل في سيطرتهم على بعض المناطق في هذين البلدين يرجع إلى النزعة الاجتماعية الواسعة للخرافات والأساطير بين عامّة الناس؛ أمّا اليهود فعلى العكس منهم تماماً، حيث اهتمّوا بالجانب الثقافي إلى حدٍّ كبير وقاموا بطباعة ونشر معظم الكتب والرسائل التي تمتّ بصلةٍ إلى دينهم ومعتقداتهم، ومن ثمّ تداولوها فيما بينهم؛ في حين أنّ الكنائس المسيحية لم تكن تزاول هكذا نشاطات مطلقاً ". واصل دو غوبينو كلامه واستشهد بأحد علماء اليهود من دون أن يذكر اسمه، إذ ذكر أنّه سأله عن رأيه بكلّ من سبينوزا وكانط([36]).
حسب رأي دو غوبينو، هناك احتمال كبير بـأنّ المعلومات التي أشار إليها قد وصلت إلى الشعوب الشرقية من ألمانيا بمحورية مدينة بغداد، وأكّد على أنّ اليهود كانوا دائماً على ارتباط فيما بينهم، وأنّ (روبين الكبير) في بيت المقدس كان يعدّ أميراً لهم، لذا فهو الذي يحدّد لهم مسيرهم وتوجّهاتهم بشكل رسمي وهو الذي كان يبتّ بالأمور عند طروء أيّة مشكلة تعتريهم، حيث كانت له كلمة الفصل. وعلى هذا الأساس فإنّ يهود إيران كانوا على علم بأخبار بني جلدتهم في البلدان الأوروبية. ونوّه على أنّ يهود أوروبا كانوا يرسلون مبعوثين إلى كلّ من إيران والهند تحت ذريعة جمع الصدقات والأموال وما شاكل ذلك، كما كانوا يتبادلون النتاجات الأدبية والثقافية فيما بينهم رغم أنّ من كان يدوّن باللغة العبرية قليل ونادر، إذ إنّ معظمها تمّ تدوينه باللغتين الكلدانية والآرامية.
في الصفحة الرابعة والخمسين من الكتاب، واصل هذا الباحث الفرنسي حديثه عن يهود إيران، بالقول : "إنّ التصوّف الشرقي قد حظي باهتمام يهود إيران، إلا أنّ بعضهم يبدون رغبةً جامحةً في الفكر الغربي. وعلى الرغم من أنّ الغربيين أعاروا أهميةً للتصوّف الإيراني لكنّهم لم يتطرّقوا إلى بيانه ومعرفة واقعه كما ينبغي، لذلك فهم غير ملمّين بكنهه وما زالت مكامنه غامضةً عليهم".
لو دقّقنا بأهمّ ثلاثة كتب دوّنها هذا المفكّر حول إيران([37]) وقمنا بدراسة المعلومات التي وردت فيها وتحليلها، ولو تأمّلنا برسائله وتقاريره السياسية التي خلّفها، سوف نلمس أنّه تعمّق بشكل ملحوظ في فهم البنى التحتية لأفكار المجتمع الإيراني ومعتقداته وألمّ إلماماً كبيراً بمختلف نشاطاته على جميع الأصعدة كما نوّهنا على هذا الأمر آنفاً، وما ندركه هنا أيضاً أنّه وسّع نطاق مفهومي الدين والفلسفة إلى أقصى حدٍّ دون أن يقيّدهما بنطاق معيّن. فضلاً عن ذلك نجد أنّه سخّر جلّ وقته في جمع المعلومات وتدوين ما يسمعه من معلومات وما يشاهده من أحداث ووقائع من دون أن يجهد نفسه بشرحها وتحليلها على وفق أُسس منطقية دقيقة، ونحن هنا لا نروم إنكار جهوده ومساعيه الحثيثة والتشكيك بأهمية آثاره التي خلّفها للأجيال التي تلته، بل من منطلق البحث العلمي السليم ومن داعي النقد الصحيح الذي يفرض نفسه في هذا الصدد، لا بدّ لنا من الحذر في التعامل مع آرائه والتأمّل بأقواله والأخبار التي نقلها؛ وهذا الأمر بالتأكيد لا يقتصر على نظريته الأساسية (التفاوت بين الأجناس البشرية) التي كانت مرتكزاً أساسياً يسير وفقاً له في جميع متبنّياته الفكرية بحيث جعله أحياناً يصدر أحكاماً مسبقةً عاريةً عن الصحّة، بل من الحريّ بنا إثبات أنّه لم يمتلك المؤهّلات العلمية الكافية والتخصّص المطلوب على صعيد المواضيع التي طرحها وتناولها بالشرح والتحليل وأبدى رأيه فيها لدرجة أنّه أحياناً توقّف في التقييم واكتفى بذكر آراء عامّة قد تكون بعيدةً عن الموضوع كلّ البعد وتتنافى مع الأصول المعتبرة في النقد والبحث العلمي.
إنّ الحقيقة التي لا يمكن التغاضي عنها هي أنّ دو غوبينو لو كان على معرفة تامّة بأسماء جميع أعلام المدرستين الفلسفيتين الإسلامية والغربية على حدٍّ سواء - حتّى وإن كانت هذه المعرفة بمستوى موسوعة فلسفية مبسّطة - لتمكّن بطبيعة الحال من الخوض في المواضيع المرتبطة بالمسيرة الفكرية لهم ولأدرك واقع التحوّل العامّ الذي طرأ على علم الفلسفة والتأريخ الفكري للبشرية ولأدرك واقع المواقف والآراء العلمية الفلسفية الهامّة التي اتّخذها هؤلاء؛ لكنّنا نلحظ غير ذلك تماماً، فهو لم يتمكّن من الغور في مكامن المتبنّيات الفلسفية وعجز عن الخوض فيها بشكل أمثل.
ومن الجدير بالذكر هنا هو أنّنا لا نقصد من هذا البحث الموجز تحليل وتقييم جميع جوانب شخصية المفكّر الفرنسي دو غوبينو وكلّ آرائه ومعتقداته، ولسنا بصدد التعرّف على مدى سعة معلوماته العامّة ومستواه الثقافي، ولا نهدف إلى دراسة وتحليل ما قاله بشأن جذور الفلسفة الإسلامية والسنّة الفكرية لابن سينا وتجديدها من قبل صدر الدين الشيرازي ومن تلاه من فلاسفة وحكماء لأنّ المجال لا يسع لطرح كلّ هذه المواضيع التي تكتنفها تفاصيل واسعة؛ بل سلّطنا الضوء على شخصيته من حيث كونه أوّل من تطرّق إلى بحث وتحليل الشخصيات الفكرية الإيرانية في الفترة التي عاصرها - وهي الفترة المتأخّرة في عهد الفلسفة الإيرانية - ولأنّه لم يسارع بإصدار أحكام مسبقة عارية عن البحث والتدقيق حول خاتمة الفكر الفلسفي لدى المسلمين بعد الفيلسوف الكبير ابن رشد، إذ امتاز بذلك عن معظم المؤرّخين الغربيين وغالبية المستشرقين؛ فقد أثبت أنّ الفلسفة قد بلغت ذروتها في بلاد المشرق ولا سيّما في إيران، سواء تجلّت بحلّة التصوّف الذي كان أحياناً مظهراً للانحطاط الفكري، أو بحلّة التشيّع الذي وصل إلى القمّة إبّان العهد الصفوي. كما أكّد على أنّ الحكمة كانت أمراً جارياً آنذاك وسائداً في الأوساط العلمية بإيران فبرز إثر ذلك حكماء بارزون وبارعون أسهموا في تنميتها ورواجها؛ لكن على الرغم من كلّ ذلك، فلا محيص لنا من التدقيق والتأمّل بما قاله وما طرحه من آراء.
ومن جملة الأمور التي يؤاخذ عليها هو أنّه لم يشر إلى شهاب الدين السهروردي وشيخ الإشراق حينما تطرّق إلى ذكر أسماء حكماء ذاع صيتهم قبل العهد الصفوي وعندما تحدّث عن السنن الفكرية التي شهدها الوسط العلمي في المجتمع الإيراني آنذاك، ففي الفترة التي عاصرها دو غوبينو كان الغربيون يعرفون محي الدين بن العربي باسمه فقط وليست لديهم معلومات كافية حول آرائه الفلسفية ولم يكونوا يكترثون بشخصيته كما ينبغي، فضلاً عن ذلك فإنّ تهميش آراء السهروردي تسفر عن حدوث خلل في فهم أفكار صدر المتألّهين وتؤدّي إلى إثارة غموض حول ارتباطها بجذورها الأصيلة فتبدو وكأنّها مشوّشة لا صلة بينها وبين تلك الآراء.
صحيح أنّ دو غوبينو أشار إلى النزعة الألوهية المجوسية التي سادت آنذاك، لكنّ واقع الحال أنّ شهاب الدين السهروردي لا يعدّ انعكاساً لسنّة مندرسة في الألوهية المجوسية لأنّه مفكّر مستقلّ ذو شخصية بارزة سلكت منهجاً فردياً امتازت به عن غيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى احتمال أنّ آراء هذا المفكّر في عصر آرثر دو غوبينو لم تكن مجهولة ومتروكة في الغرب فحسب، بل حتّى في إيران؛ لذا ربّما لم تكن الفرصة مؤاتية له كي يطّلع عليها ويعرف مكامنها، كذلك من المحتمل أنّه لم يحصل على مؤلّفات هذا الفيلسوف ليتعرّف على متبنّياته الفكرية وقدراته العلمية.
هناك أمر آخر جدير بالذكر في هذا المضمار، ألا وهو التساؤل عن المصادر والمراجع العلمية التي اعتمد عليها هذا المفكّر الفرنسي لمعرفة فلاسفة عهد ما بعد صدر المتألّهين حتّى زمان تدوينه قائمته التي أشرنا إلى جانب منها، وكذلك الاستفسار عن أنّه كيف تمكّن من الإلمام بمتبنّياتهم الفكرية؟ فهؤلاء ينحدرون من عدّة أجيال متوالية ومعرفتهم بكلّ تأكيد تتطلّب الرجوع إلى مصادر معتبرة.
لا شكّ في أنّ دو غوبينو لم يرجع إلى مصادر تخصّصية تشمل معلومات دقيقة على هذا الصعيد، وقد دوّن غالبية تلك المعلومات اعتماداً على معلومات شفوية لأنّه أعار أهمية كبيرة للمراحل التأريخية ولم يكترث بما ورد في مختلف المصادر المدوّنة، ومثال على ذلك أنّ كتاب الأسفار الذي كان من المرجّح أن يقع محوراً في مباحثه ومعياراً لتقييم سائر النتاجات الفلسفية نظراً لصلته الوطيدة بالموضوع، نلحظ أنّه يمرّ عليه مرور الكرام ويعدّه مجرّد كتاب مذكّرات لا غير؛ وهذا الأمر يثبت صحّة ما قرّرناه أعلاه. إنّ أهمّ مسألة استقطبت نظره وكانت مرتكزاً لما يطرحه، هي المسيرة التأريخية للأفكار المتشابهة وحصانتها من الانحراف والتغيير مقابل الأحداث والوقائع الخارجية، فهو لم يسلّط الضوء على نوعية مضامينها وميزاتها العلمية والجهود الفردية التي بذلها مؤلّفوها.
على الرغم من أنّ دو غوبينو لم يشر إلى المصادر التي اكتسب منها معلوماته، لكن يمكن التخمين بأنّه اعتمد على السيّد عليّ الطهراني (الزنوزي )([38]) لكونه ذكره مراراً وتكراراً في كتابه (ديانات وفلسفة آسيا الوسطى) كما أنّه ساق شرحاً وافياً حول شخصيته وأثنى عليه غاية الثناء في مواطن عديدة؛ ومع ذلك لا يمكننا عدّ هذا الأمر دليلاً حاسماً على ما أشرنا إليه. ومن جملة ما دوّنه حول السيّد عليّ الطهراني ما يأتي: "هو اليوم عاكف على تدوين كتاب حول تأريخ الفلاسفة ابتداءً من صدرالمتألّهين وإلى عصرنا الحاضر، وحسب اعتقادي فإنّ هذا الكتاب هو الأوّل من نوعه على هذا الصعيد بعد كتاب الشهرستاني". وتجدر الإشارة هنا إلى أنّنا نعرف حقّ المعرفة بأنّ السيّد عليّ الطهراني لم يؤلّف كتاباً كهذا مطلقاً، إذ لا يوجد في تراثه العلمي أيّ كتاب يحمل العنوان المذكور، ولكن يحتمل أنّه كان يدوّن بعض القوائم بأسماء العلماء والفلاسفة ويعطيها لدو غوبينو ممّا جعله يتصوّر أنّها أجزاء من كتاب يقوم بتدوينه بهذا الخصوص، لذلك أخطأ وذكرها بصفتها كتاباً مستقلاً يقوم السيّد بتدوينه.
وحسب اعتقادنا لو تمكّن أحد الباحثين من الحصول على التراث المدوّن لهذا الباحث الفرنسي وتصفّح جميع تقاريره وما يرتبط به من مؤلّفات، ولا سيّما في مكتبة ستراسبورغ([39]) الوطنية في فرنسا، فمن المحتمل بمكانٍ أنّه سيعثر على مدوّنات بخطّ السيّد عليّ الطهراني بما في ذلك قائمة بأسماء العلماء والفلاسفة المتأخرين في إيران منذ عهد صدر الدين الشيرازي حتّى تلك الآونة مدوّنة بقلمه أو بقلم غيره.
من دواعي أسفي أنّني لم أتمكّن من الاطّلاع على الآثار الموجودة في المكتبة المذكورة، وبالطبع فإنّ إثبات صحّة أو سقم ما أشرنا إليه يرتبط إلى حدٍّ كبير بما هو موجود فيها.

---------------------------------------------------------
* هوامش البحث *
(*) نشرت المقالة في مجلة فصلية تحت عنوان (فصلنامه تاريخ معاصر) تصدر باللغة الفارسية، إيران، السنة السادسة 1381 هـ. ش. (2002م)، العدد 23.
(**) جامعة طهران / قسم الفلسفة.
[1] - Joseph Arthur Comte de Gobineau ‏ جوزيف آرثر دو كونت غوبينو (1816م – 1882م) أديب وديبلوماسي فرنسي اشتهر ببحوثه ودراساته حول الشرق، حيث جمع بين الشعر والصحافة والرواية والفلسفة، وأبرز نتاجاته الفكرية " التفاوت بين الأجناس البشرية ". وقد تأثّر به أصحاب نظرية العنصرية الجرمانية، وله روايات ومذكّرات عديدة، منها " الثريا " و" قصص آسيوية " و " ثلاث سنوات في آسيا ". أقام هذا المفكّر في إيران مدّة خمس سنوات وكان مسؤولاً في السفارة الفرنسية بمدينة طهران.
[2] - Essai sur l`inegalite des raccs humaine .
[3] - Jules Michelet (1798 – 1874).
[4] - Hugo V. (1802 – 1885).
[5] - La Légende des siècles.
[6] - Félicité Robert de Lamennais. (1782 – 1875).
[7] - Edgar quinet (1803 – 1875).
[8] - A. J. Gobineau, Trois ans en Asie, Ernest Leroux Editeur, Paris, Nouvelle Edition – 1905.
[9] - هناك نسخة من كتاب (ألف ليلة وليلة) في مكتبة آرثر دو غوبينو مترجمة إلى اللغة الفرنسية بواسطة جالان (Galand).
[10] - Religions et Philosphies dans L`Asie Cenrale.
[11] - النصيريون هم غلاة ومن أتباع أبي شعيب محمّد بن نُصير، وفرقتهم النصيرية هي حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة،. موطنهم في العصر الراهن سوريا ولبنان وتركيا، ويبدو أنّهم جاؤوا إلى هذه المنطقة في فترات سابقة على شكل هجرات جماعية من العراق فراراً من الاضطهاد الذي وقع عليهم بسبب آرائهم المنحرفة فاتّخذوا من جبال الشام ساتراً لهم. ويمثل النصيرية الآن حوالي 10 % من سكان سوريا ونسبة كبيرة منهم تقطن في ريف محافظة اللاذقية، بينما تنتشر أقليات منهم في دمشق وحمص وحلب، كما توجد أعداد كبيرة منهم في تلك المناطق الواقعة جنوب تركيا كالإسكندرونة وأنطاكيا وما حولهما من بلاد الترك، كما توجد جماعات منهم في منطقة " عكار " بلبنان. بعد الحرب العالمية الأولى أطلق على أتباع هذه الفرقة اسم العلويين.
[12] - ذكر آرثر دو غوبينو هذا الموضوع في الفصل الثالث من كتابه ضمن حديثه عن الصوفية، حيث ذكر تفاصيل تأريخية كثيرة في هذا الصدد ناهيك عن أنّه تطرّق أيضاً إلى الحديث عن الديانات البوذية التي راجت في نواحي المشرق وبما فيها إيران منذ العهد الأشكاني لدرجة أنّها شاعت على نطاق واسع في هذا البلد إبّان العهد الساساني. للاطلاع أكثر، راجع كتاب (ثلاث سنوات في آسيا Trois ans en Asie )، الفصل الثالث.
[13] - السيّد عليّ الطهراني هو أحد معاصري آرثر دو غوبينو وكانت بينهما علاقة صداقة حيث استعان الأخير بالسيّد الطهراني في تدوين بعض آثاره العلمية.
[14] - للاطّلاع أكثر، راجع : كريم مجتهدي، (آشنائي إيرانيان با فلسفه هاي جديد غرب) باللغة الفارسية، طهران، 1379 هـ. ش. (2000م)، ص 136.
[15] - Gobineau, les religions … , Paris, Les Editions G. Gre. et cie, 1928.
[16] - آرثر دو غوبينو، ديانات وفلسفة آسيا الوسطى، ص 65.
[17] - في النصّ الفرنسي الذي دوّنه آرثر دو غوبينو أشير إلى العدل الإلهي بعبارة : Theodicee
[18] - في النصّ الفرنسي الذي دوّنه آرثر دو غوبينو أشير إلى أسفار صدر المتألّهين بعبارة : Quatre Livres Voyages وبالتأكيد فإنّه أخطأ في ترجمة العنوان لأنّه يقصد (الأسفار الأربعة) المأثورة عن هذا العالم الكبير.
[19] - الشهيد مرتضى مطهّري كانت لديه نسخة مترجمة باللغة الفارسية من كتاب آرثر دو غوبينو، لذلك تناولها بالنقد والتحليل، ومن مؤاخذاته على هذا المفكّر هو عدم صحّة اعتبارنا أنّ كلّ ما اكتسبه صدر المتألّهين من الفيلسوف العظيم الأمير محمّد باقر المعروف بـ (مير داماد) يقتصر على الفصاحة والبلاغة لا غير.
للاطلاع أكثر، راجع : العلامة محمّد حسين الطباطبائي، (أصول فلسفة و روش رئاليسم) باللغة الفارسية، مقدّمة وهامش الشهيد مرتضى مطهّري، طهران، منشورات دار العلم قم، طهران، 1332 هـ. ش. (1953 م)، الصفحتان : ص، ط.
[20] - Restaurateur.
[21] - ذكر المستشرق الفرنسي (هنري كوربين) بعض هذه الأسماء ضمن مؤلّفاته، كما في الجزء الثاني من كتابه (تأريخ الفلسفة الإسلامية) وفي مقدّمة ترجمة (المشاعر) لصدر الدين الشيرازي، حيث ذكر التواريخ الهجرية والميلادية حيث اعتمد على كتاب (المآثر والآثار) لمحمّد حسن خان المعروف بـ (اعتماد السلطنة).
[22] - استخدم آرثر دو غوبينو مصطلح (metaphysique) للدلالة على تعبير (ما وراء الطبيعة)، ولكن يبدو أنّه يقصد الإلهيات والحكمة المتعالية، ولكي يتّضح للقارئ الكريم واقع توجّهه الفكري الغربي، سوف نذكر في بحثنا عبارة (ما وراء الطبيعة) كما ذكره بنفسه دون تغيير.
[23] - كان السيّد عليّ الطهراني معاصراً للمفكّر آرثر دو غوبينو وأستاذاً في الحوزة العلمية أيام إقامته في طهران.
[24] - يقول المستشرق هنري كوربين : " هاجر الملا عبد الله الزنوزي من أصفهان إلى طهران سنة 1257 هـ / 1841 م ويمكن اعتباره أوّل فيلسوف في المدرسة الطهرانية. أنجب ولدين هما حسين الزنوزي الذي برع في علوم الرياضيات والهيئة، والآخر عليّ الزنوزي الذي لقّب (المدرّس) وقد توفّي سنة 1307 هـ / 1889 م". راجع : هنري كوربين، تأريخ فلسفه اسلامي (باللغة الفارسية)، ترجمة الدكتور جواد الطباطبائي، طهران، ساهمت في طباعته ونشره منشورات كوير ومكتب دراسات إيران في فرنسا، 1370 هـ. ش. / 1991 م، ج 2، ص 173.
[25] - في كتاب (المآثر والآثار) الذي ألّفه هذا العالم ذكر أنّه كان من أساطين الحكمة المتعالية وفنون المعقول حيث درّس في مدينة أصفهان، وتتلمذ عنده أبرع الطلاب وأكثرهم ذكاءً بمن فيهم الفيلسوف الأعظم الملا عليّ النوري. وقد وافته المنية في سنة 1370 هـ. راجع : المآثر والآثار، طهران، مكتبة سنائي، ص 174 و 175.
[26] - جاء في النصّ الفرنسي (نجوم آبادي) وهو خطأ.
[27] - يقول آرثر دو غوبينو إنّ الملا هادي السبزواري يذكّره بالفيلسوف كانط من حيث اهتمامه بالوقت وحرصه على عدم إهداره.
[28] - ذكر آرثر دو غوبينو مثالاً على إحدى كرامات الملا هادي السبزواري التي شاعت بين الناس آنذاك.
[29] - للاطلاع على السيرة الذاتية للملا هادي السبزواري ومعرفة تفاصيل أكثر عن حياته وما قيل عنه، راجع : المآثر والآثار، ص 126 إلى 147.
[30] - كتب اسمه في النصّ الفرنسي بهذا الشكل : (Djelyny)، ولربّما المقصود (الجلباني) أو (الجيلاني).
[31] - هناك كتاب مطبوع باللغة الفارسية تحت عنوان (آشنائي ايرانيان با فلسفه هاي جديد غرب) وقد تطرّق المؤلّف فيه إلى الحديث عن شخصية السيّد عليّ الطهراني وساق بحثاً مفصّلاً عن كتابه (بدائع الحكم) ولا سيّما نقاشاته مع بديع الملك ميرزا. للاطّلاع أكثر، راجع الكتاب المذكور، ص 237 إلى 263.
[32] - ذكر صاحب كتاب (المآثر والآثار) شرحاً مختصراً حول هذه الشخصية تحت عنوان (الشيخ الآغا مجتهد الدربندي) وقال إنّه توفّي سنة 1286 هـ. حيث تمّ إعلان وفاته بشكل رسمي في دار الخلافة بطهران آنذاك، وأشار إلى وجود ندبة في وجهه بعد أن ضربه أتباع الفرقة الشيخية، وذلك بسبب نزعته المتشدّدة ومعاداته لهم كما وصفه آرثر دو غوبينو.
[33] - إديان و فلسفه ها (باللغة الفارسية)، ص 96 وما بعدها.
[34] - قال آرثر دو غوبينو في كتابه (ثلاث سنوات في آسيا) : " رغم ذيوع صيت فولتير في إيران على نطاق واسع، لكن لم يقم أحد بترجمة أيٍّ من آثاره إلى اللغة الفارسية وأعتقد أنّ الكتاب الوحيد الذي ترجم له هو (شارل الثالث عشر) وهذا الكتاب بكلّ تأكيد ليس كتاباً فكرياً، لذلك فهو لا يعكس متبنّياته الفكرية وتوجّهاته مطلقاً ". للاطّلاع أكثر، راجع : آشنائي إيرانيان با فلسفه هاي جديد غرب (باللغة الفارسية)، ص 309.
[35] - Discourses on Method.
[36] - للاطّلاع أكثر، راجع : ديانات وفلسفة آسيا الوسطى، ص 52 و 53.
[37] - الكتب الثلاثة هي عبارة عن : (ديانات وفلسفة آسيا الوسطى) و (ثلاث سنوات في آسيا) و (قصص آسيوية).
[38] - يتصوّر البعض خطئاً أنّ آرثر دو غوبينو قد حصل على معلوماته من الملا لازار فقط.
[39] - Strasbourg.

* المصادر والمراجع *
المصادر الفارسية :
1 – محمّد حسن خان (اعتماد السلطنة) وزرير الطباعة والنشر في أواخر عهد ناصر الدين شاه، المآثر والآثار، طبعة حديث من منشورات مكتبة سنائي، طهران، بلا تأريخ طباعة.
2 – منوتشهر صدوقي سها، تاريخ حكما و عرفا متأخرين صدر المتألّهين، منشورات مركز حكمة وفلسفة إيران، طهران،1359 ه. ش. (1990 م).
3 – محمّد حسين الطباطبائي، أصول فلسفه و روش رئاليسم، مع مقدّمة وهامش بقلم مرتضى مطهّري، المجلّد الأوّل، منشورات دار العِلم قم، طهران، 1332 ه. ش. (1953 م).
4 – هنري كوربين، تأريخ فلسفه اسلامي، المجلّد الثاني، ترجمة الدكتور جواد الطباطبائي، ساهمت في طباعته ونشره منشورات كوير ومكتب دراسات إيران في فرنسا، طهران، 1370 هـ. ش. (1991 م).
5 – كريم مجتهدي، آشنائي إيرانيان با فلسفه هاي جديد غرب، مؤسّسة دراسات تأريخ إيران المعاصر، طهران، 1379 ه. ش. (2000 م).
6 – صدر الدين محمّد الشيرازي (صدر المتألّهين)، كتاب المشاعر (باللغتين العربية والفارسية)، قدّم له وعلّق عليه وترجمه إلى الفرنسية هنري كوربين، منشورات القسم الإيراني في معهد إيران وفرنسا، طهران، 1342 ه. ش. (1964 م).

المصادر الفرنسية :
1 – Boissel (jean ), Gobineau, l`orient et l`Iran, editions Klincksiek, Paris 1974.
2 – Gobineau (A. J.comte de … ), Les religions et les philosophies dans, l`Asie central, Les editions G. Gre et Cie, Paris 1928.
3 – Gobineau, Trois ans en Asie, Ernest, leroux Editeur, Nouvelle edition, Paris 1905.
4 – Gobineau, Nouvelles asiatiques, taxte etabli avec sommaire biographique, preface, notes et bibliographie par J. Garnier, Editions Garnier Freres – Paris 1965.
***