البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل وكتابها "وأن محمداً رسول الله"

الباحث :  أ.د . حامد ناصر الظالمي - كلية التربية للعلوم الإنسانية / جامعة البصرة
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  5
السنة :  السنة الثانية - صيف 2015 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 16 / 2016
عدد زيارات البحث :  1939
المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل وكتابها "وأن محمداً رسول الله"

■ أ.د . حامد ناصر الظالمي(*)

تعود العلاقات الإسلامية الألمانية الى مئاتٍ من السنين خلت، ففي نهايات القرن الثالث الهجري كانت للمسلمين في الأندلس علاقات دبلوماسية مع بعض الدول الأوروبية إذ نجد «إشارة من المُقرّي صاحب (نفح الطيب في تأريخ الأندلس الرطيب) أنّ لقاءً قد تم بين الخليفة عبد الرحمن الناصر وبين رسول من قبل الألمان، ولكنه لم يذكر فيها تفاصيل حول هذا الموضوع، غير أنّ هناك دراسات استقصائية معاصرة أثبتت قيام سفارة ألمانية الى بلاط السلطان عبدالرحمن الناصر. وأنّ الامبراطور الألماني أوتو الكبير قد أرسل كاهناً يُدعى يوحنا (وهو أسقف غورسي Corse) الى الخليفة الناصر سفيراً له وكان ذلك سنة 956م. وفي مقابل ذلك أرسل الخليفة الناصر الى الإمبراطور الألماني قساً من رعايا النصارى سفيراً له عنده»(1). وتطورت تلك العلاقات وخاصة المعرفية بالشرق بل تطورت كذلك فكرة تَخيُّل الشرق وصياغته أو صنعه فكرياً على يد مجموعة كبيرة من المستشرقين يصح إطلاق عبارة مدرسة الاستشراق الألماني عليهم. فمنذ القرن التاسع عشر بدأ الاستشراق بالتخصص الفيلولوجي الدقيق حتى عُرِفَ الاستشراق الألماني أنه أكثر مدارس الاستشراق تخصصاً باللغات واللهجات والدراسات القرآنية والتصوف، ومن أبرز أقطاب تلك المدرسة تيودور نولدكه وبراجستراسر، ولكن المَلمح الأبرز هنا هو بُعد الجانب السياسي عن الاستشراق الألماني وعدم تأثير هذا الاستشراق بالأغراض السياسية والعسكرية وهذا ما يكاد يتفق عليه دارسو هذا الاستشراق، لأنّه بعيدٌ عن تلك المؤثرات وليس كحال الاستشراق الفرنسي أو الأمريكي فيما بعد. ومن الأسباب التي تُذكر عن ذلك ونقبلها بتحفظ قول الدكتور محمد الأرناؤوط إنّ «النظام النازي لم يحاول توظيف الاستشراق لعدم تقديره للثقافة الشرقية، بل كان يُفضّل الاعتماد على عملاء في المشرق لتحقيق أهدافه»(2). لأنّه من المعروف أنّ النظام النازي حكم ألمانيا في الربع الثاني من القرن العشرين وأنّ فترة عشرين أو ثلاثين سنة لا تعطينا مؤشراً على ذلك ، أي: لا نستطيع أن نحكم على مدرسة استشراقية عرقية اهتمت بالشرق مئات السنين ودرسته في ضوء فترة حكم النظام النازي. فماذا نقول عن تلك المدرسة وهي تدرس الشرق في القرن التاسع عشر ولم يكن النظام النازي قد وجِدَ بعد؟

آنا ماري شيمل:
ولِدَتْ آنا ماري شيمل بمدينة إيرفورت وسط ألمانيا في 7/3/1922 وتُوفيت عن عمرٍ ناهز الثمانين عاماً في مدينة بون في كانون الثاني عام 2003، كان والدها يعمل موظفاً في البريد ، إذ عصفت بألمانيا حربان عالميتان كانت شيمل تعيش أجواء هاتين الحربين، ومع تلك النزعات العسكرية عاصرت شيمل كذلك فترة المد الشيوعي والقومية النازية التي كانت تُمجّد العرق النازي، بل استمرت الفلسفات المعاصرة بالظهور في ألمانيا، وماري شيمل تراقب تلك الأحداث وتعيشها عن كثب، لقد عاشت في عالم فيه التطرف والعرقية والقسوة والحروب والصراعات السياسية والعكسرية والفكرية، لقد عاصرت المدارس الوجودية والظاهراتية التي كانت تترى آنذاك، ولكن شيمل عزمت على تلقي الدروس الخاصة باللغة العربية واللغات السامية الأخرى على يد المستشرق الألماني الدكتور ريتشارد هارتمان.
في الأول من نيسان عام 1945 حصلت شيمل على شهادة الدكتوراة ،عن رسالتها (بنية الطبقة العسكرية في الحقبة الملوكية المتاخرة) وكانت بإشراف ريتشارد هارتمان وهنريتش سكيدر)، إذ بدأت العمل على تلك الرسالة منذ عام 1942. أي في قمة الصراع العسكري والفكري النازي وغيره. وناقشتها قبل سقوط الرايخ الثالث بعدة أسابيع مستغلة توقف القصف، ولكن علاقتها بمصر والشرق لم تكن عابرة إذ أنها كانت قد حصلت على الماجستير في عام 1941 وكان عمرها 19 سنة ورسالتها عن (القضاء والخلافة في مصر الفاطمية والمملوكية).
درست شيمل تأريخ الفن الاسلامي على المستشرق إرنست كونل والدراسات التركية على يد (فون كابلين) وفي بدايات الخمسينيات تَعرَّفَتْ على ابن خلدون فترجمت بعض فصول مقدمته الشهيرة وواصلت دراساتها في الآداب العربية والتركية والفارسية، وحصلت على كرسي الأستاذية في قسم العلوم الإسلامية واللغات الشرقية في جامعة بون وخاصة الشعر الصوفي ، وإنّ أول كتاب نُشِرَ لها كان عن شعر جلال الدين الرومي (1207 - 1273) الذي عشقته شيمل فزارت قبره أكثر من مائة مرة وترجمت أعماله وكتبت عنه مجموعة من البحوث والدراسات.
حصلت شيمل على شهادة الدكتوراه ثانيةً سنة 1951 وكانت عن تأريخ الأديان وذلك في كلية اللاهوت بجامعة ماربرغ في (دراسات عن مصطلح الحب الصوفي في التصوف الإسلامي المبكر) وبإشراف المستشرق فردريك هايلر، وحصلت كذلك للمرة الثالثة على شهادة الدكتوراه عام 1952 في الفلسفة الإسلامية.
أتقنت آنا ماري شيمل اللغات الشرقية (العربية والفارسية والتركية والأُردية والسندية ولغة البشتو والبنجاب) وكذلك اللغات الغربية (الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والهولدنية) وفي ضوء هذه المعارف المتعددة واللغات المختلفة أصدرت شيمل أكثر من مائة كتاب، ثمانين منها من تأريخ الشرق والإسلام والتصوف والفكر والشعر وتُرجمت مجموعة من الكتب من لغاتٍ شرقية الى غربية وبالعكس(3). وأعمالها عبارة عن قصة حب تعيشها وتكتب عنها وليست هي مُكرهةً عليها، فهي تعيش الشخصية والحالة التي تريد الكتابة عنها بل وتتشبع بها تماماً حتى لو كانت تكتب عن شيء لا يتَعلَّق بالفكر إذ يقول تلميذها بيرجل مثلاً (كانت شيمل تحب القطط وكُنّا نراها عندما تغادر الجامعة في تركيا بعد انتهاء المحاضرة تنحني على الأرض لترفع إحدى القطط وتضمّها إلى صدرها، بعد سنوات نشرت شيمل كتاباً بعنوان القطة الشرقية صدرت طبعته الأولى سنة 1983 والطبعة الثانية سنة 1989»(4).

مؤلفات آنا ماري شيمل:
كما ذكرنا سابقاً أنّ لشيمل أكثر من ثمانين كتاباً في الفكر الاسلامي والتصوف فضلاً عن كتب أخرى عن حياتها وشعرها، ولذلك نعتقد أنّ ماذكره الدكتور سعيد بوفلاقة: أنّ مؤلفات شيمل بلغت نحو ثلاثين كتاباً هي معلومة غير دقيقة(5). إذ ذكرت شيمل نفسها أنها ألّفت أكثر من هذا العدد وذلك في حوار مع الدكتور رجب البنا.

ومن مؤلفاتها:
القضاء والخلافة في مصر الفاطمية والملوكية وهي رسالتها للماجستير
بنية الطبقة العسكرية في مصر في الحقبة المملوكية المتأخرة وهي إطروحتها للدكتوراه.
دراسة عن كتاب (بدائع الزهور في وقائع الزهور لابن إياس) سنة 1945.
(صوت الناي) مجموعة شعرية سنة 1948.
مختارات من مقدمة ابن خلدون (ترجمت من العربية الى الألمانية) سنة 1951.
مختارات من الشعر العربي المعاصر 1975.
تعليم اللغة العربية سنة 1975.
الأسماء الاسلامية من علي الى الزهراء سنة 1973.
محمد إقبال اللاهوري (ترجمت له عدة دواوين شعرية هي جاويد نامة وجناح جبرائيل ورسالة الشرق وزيوم عجم) .
جلال الدين الرومي (ترجمت له وكتبت عنه ومنها مختارات من ديوان شمس التبريزي والرومي، وحياة جلال الدين الرومي وتراثه، والشمس المنتصرة، وانظر الى الحب).
(المرأة الشرقية) مجموعة شعرية 998.
أدعية ومناجاة إسلامية (ترجمته من العربية الى الألمانية).
محمد رسول الله (ص) بالألمانية عام 1981 وبالإنجليزية عام 1987.
ديوان شعر (عنادل تحت الثلج) ترجمته للعربية الشاعرة أمل الجبوري ويبدو فيه أثر الحلاّج في شعر شيمل واضحاً.
الأبعاد الصوفية في الإسلام عام1974 تُرجم الى العربية والألمانية عام 1985 لأنّهُ كان مكتوباً بالإنجليزية .
الوردة والعندليب (في الشعر الصوفي التركي والفارسي).
الشمس الظافرة صدر عام 1978 عن شعر جلال الدين الرومي وترجمه الى العربية الدكتور عيسى علي العاكوب بعنوان الشمس المنتصرة.
النجم والزهرة عام 1984 (شعر)
كتاب عن الفن الاسلامي وفن الخط العربي .
الحياة والأسطورة وهو كتاب عن الحلاّج.
حدائق المعرفة عام 1982 .
آخر كتبها (شرق وغرب حياتي الغربية والشرقية) وتَحدَّثت فيه عن سيرتها العلمية والشخصية.
مقدمة في تأريخ الإسلام يتناول سير الحضارة الاسلامية ومراحل انتشار الاسلام في مختلف البلدان ومنها الهند وبلدان جنوب شرق آسيا .
الإسلام في شبه القارة الهندية .
الإسلام في الهند وباكستان .
مراكز الثقافة الإسلامية في الهند .
مناهج التعليم في الهند .
باكستان قصر ذو ألف باب صدر عام 1965 وتناولت فيه شيمل ماضي الباكستان وحاضرها وكيف كانت موطناً للبوذية والهندوسية ومن ثم دخول الإسلام إليها وما أحدثه المسلمون من تطور وعمران .
دراسة في الأفكار الدينية للشاعر محمد إقبال وقد اهتمت شيمل بإقبال الأب الروحي للباكستان منذ الخمسينات وتَرجَمت أعماله في عام 1977 واختارت مجموعة من شعره وترجمتها الى اللغة الألمانية تحت عنوان رسالة الشرق .
دراسة عن المتصوف الهندي أسد الله الغالب.
دراسة عن إثنين من كُتاّب التصوف الهندي في القرن الثامن عشر في الهند(7).
أحلام الخليفة (الأحلام وتعبيرها في الثقافة الاسلامية).
وغير ذلك من الكتب التي أوضحنا أنّ عددها تجاوز المائة كتاب. وليست هذه الكتب صغيرة الحجم أو كراسات يُطلق عليها كتب مجازاً بل هي موسوعات كبيرة فمثلاً كتابها الشمس المنتصرة دراسة في آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي يقع في 816 صفحة في الترجمة العربية التي قام بها الدكتور عيسى علي العاكوب وصدرت في طهران عام 2001 وكتابها أحلام الخليفة يقع في 510 صفحات صدر عن دار الجمل بترجمة حسام الدين جمال بدر ومحي الدين جمال بدر وحارس فهمي شومان ومحمد اسماعيل السيد سنة 2005 وكتابها الأبعاد الصوفية في الإسلام يقع في 517 صفحة صدر عن دار الجمل بترجمة محمد اسماعيل السيد ورضا حامد قطب . وكتابها عن الرسول محمد (ص) يقع بـ500 صفحة ترجمه الدكتور عيسى علي العاكوب وصدر في طهران عام 2008 .
وهكذا فدراسات شيمل لم تكن مختصرة بل كانت دراسات رائدة. فقد امتلكت قدرةً على الكتابة بمجموعة من اللغات حتّى انّها «أخبرت آنا ماري شيمل ذات مرة أحد أصدقائها أن بوسعها كتابة ثلاثين صفحة بالآلة الكاتبة يومياً, بل وأكثر من ذلك إذا اقتضى الأمر»(8).
قامت شيمل بالتدريس في دولٍ عديدة ودرَّست مختلف العلوم كالآداب العربية والفارسية والتركية والهندية والفن الإسلامي والتصوف وفي جامعة أنقرة درَّست العلوم الإسلامية منذ عام 1945 بكلية الشريعة وكانت تحاضر باللغة التركية . وعادت الى ألمانيا عام 1961 فأصبحت أستاذة الأدب العربي في جامعة بون وفي عام 1965. وسافرت الى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في مؤتمر الأديان في جامعة كالفورنيا فعُرِضَ عليها كرسي الثقافة الاسلامية في الهند في جامعة هافرد الذي أسسه أحد الهنود المسلمين وأوصى بأمواله لهذا الغرض خدمةً لشعراء الهند وهناك درَّست كذلك مادة الخط الإسلامي وتأثير الخطوط العربية على الفن الأوربي المعاصر, وكانت لمدة عشر سنوات مستشارة لشؤون الخط الإسلامي في متحف نيويورك العالمي ومن طلبتها في جامعة هارفرد الأمريكية كانت رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بناظر بوتو, ودرَّست شيمل كذلك في العديد من معاهد وجامعات العالم في لندن والهند والسويد وكانت قد ترأّست معهد غوته في بيروت وكانت عضواً في كثيرٍ من الأكاديميات العالمية وعضواً في دائرة المعارف الإسلامية للأديان لذا تُعد واحدة من أهم الباحثات في مجال الاستشراق وخاصة ما يتعلّق منه بالتصوف الإسلامي والتأريخ, ولم يسبق أن لقيت باحثة ألمانية مثل هذا الإهتمام خارج ألمانيا. فأعمالها مترجمة الى عدد من اللغات الشرقية والغربية. بل وقد أُطلِقَ اسمها على أحد الشوارع المهمة في مدينة لاهور في باكستان(9). وقامت أواخر حياتها (بإنشاء مؤسسة خاصة لتقديم المُنح الدراسية للعلماء والطلبة المسلمين بالتعاون مع جامعة بون وفي عام 1995 حصلت على أكبر جائزة ثقافية وفكرية في ألمانيا هي جائزة السلام) (10) وعند استلامها لهذه الجائزة تَعَرَّضت شيمل الى حملة إعلامية كبيرة ظالمة بسبب رأيها الناقد للمرتد سلمان رشدي ففي حفل التكريم قالت إنها تستطيع أن تَتفّهم لماذا شعر المسلمون بالاستياء من تلك الرواية(11).

هل أسلمت شيمل ؟
وإجابة عن سؤالٍ وجه لها عن رأيها في الإسلام قالت شيمل: «إنني أحب الإسلام ولولا أنني أحبه ماكتبتُ عنه أكثر من ثمانين كتاباً . وقد وجدتُ فيه دين تسامح وروحانية وتوقفتُ كثيراً عند كلمات القرآن (لا إكراه في الدين) البقرة 256 . وقد قلتُ لِمَنْ وجّهوا إليّ النقد أنِّي أحب الرسول محمداً (ص) وعندما سألوني عن رأيي في غضب المسلمين بسبب رواية سلمان رشدي آيات شيطانية قُلتُ لقد جرح سلمان رشدي مشاعر المسلمين فتعرّضتُ بسبب كلماتي هذه الى حملةِ اضطهاد شديدة . ولولا أنّ الرئيس الألماني في ذلك الوقت كان يساندني لكانت الذئاب افترستني ولكنني مع ذلك قَضَّيت في هذه المحنة ستة شهور)(12).
وقالت في مقابلة مع تلفاز ألمانيا A.R.D «إنّني أعتقد أنّ المسّ بأحاسيس وعواطف جمعٍ عظيم من المؤمنين طريقة سيئة وأنني لا استطيع أن أقبلها, إنني سوف أنتقد هذا الموقف حتى الموت, إن جماعات الضغط المؤيدين لسلمان رشدي لا يستطيعون أن يخيفوني وأنّ القليل فقط في أوربا يعرفون أن رسول الاسلام هو مركز الولاء والمحبة لملايين المسلمين وكم هذا الكلام يستثير مشاعرهم وهل يمكن أن يفعل ذلك بآيات الإنجيل ؟ وهل كان العالم الغربي يسمح بذلك»(13).
ومما يؤيد ابتعادها عن المسيحية قولها: «لم أدخل كنيسة منذ السادسة عشرة من عمري إلاّ لحضور جنازة صديق أو زواج أُدعى لمراسمه»(14), ويَذكر عنها الدكتور أحمد زكي يماني أنها عندما كانت «تذكر الرسول (ص) تقول قال حبيبي وقُرّة عيني رسول الله (ص) ثم تذكر الحديث النبوي الشريف سنداً واتصالاً ومتناً»(15). ولذا أوصت الدكتور يماني أن يقرأ سورة الفاتحة على قبرها بالعربية يوم دفنها(16).
وهكذا وجدت الدكتورة آنا ماري شيمل في الإسلام مالم تجده في الغرب وفي ألمانيا النازية فقد «ربطت شيمل اهتماماتها العلمية بالتصوف وبتحليل العلاقة بين الله والإنسان جواباً على ما تميزّت به النازية من قسوةٍ وعنف»(17). وحاولت اكتشاف ذاتها عبر التصوف والشرق الروحي فهي رحلة كشف إذن وحياة متصوفة رأت أن الخلاص يتحقق في الفناء في الذات الإلهية وليست كما رأى « هنري كوربان أن التصوف الإسلامي ليس سوى عودة الى عقيدة التثليث المسيحية وما رآه ماسينيون أن التصوف الإسلامي نتاج الفلسفات الفارسية»(18).

قراءة المستشرقة آنا ماري شيمل لسيرة الرسول (ص):
في عام 1981 أصدرت شيمل كتابها«وأنّ محمداً رسول الله» وأعادت طبعه عام 1987 وترجمه الى العربية الدكتور عيسى علي العاكوب عام 2008, ومن عنوان الكتاب يتضح أنه الشطر الثاني من شهادة المسلم, فالمسلم يقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، وبهذا فهي قد شهدت بوحدانية اللّه سابقاً عبر دراستها للتصوف الاسلامي والعرفان ولذلك بَقيَ الشطر الثاني من شهادة الإسلام الذي جعلته عنواناً لكتابها عن الرسول محمد (ص).

يتألّف الكتاب من إثني عشرَ فصلاً هي :
الفصل الأول: ملاحظات حول السيرة.
الفصل الثاني: محمد الأسوة الحسنة.
أدب الشمائل والدلائل.
الجمال المادي للنبي.
الجمال الروحي للنبي.
الفصل الثالث: المنزلة الفذّة لمحمد.
الفصل الرابع: أساطير ومعجزات.
الفصل الخامس: محمد الشفيع والصلاةُ عليه.
الفصل السادس: أسماء النبي.
الفصل السابع: نورُ محمد والتقليد الصوفي.
الفصل الثامن : الاحتفال بيوم ميلاد النبي.
الفصل التاسع : إسراء النبي ومعراجه.
الفصل العاشر : الشعر في مدح النبي.
التقليد العربي.
شوق الشعراء الى المدينة.
شوق النعتية في التقليد الفارسي والشعبي.
الفصل الحادي عشر: الطريقة المحمدية والتفسير الجديد لحياة النبي .
الفصل الثاني عشر : النبي محمد في آثار محمد إقبال.
ملحق : الأسماء المباركة للنبي.
أعتقد أنّ هذا الكتاب يأتي متزامناً مع مرحلة توجيه مجموعة إساءات للنبي (ص) عرفها العالم وخاصة رواية سلمان رشدي والطبعة الثانية للكتاب ، وهي الطبعة الإنجليزية نشرتها المؤلفة « على نحوٍ متزامن في باكستان بتنسيق خاص مع مطبعة جامعة نورث كارولينا الأمريكية سنة 1987»(19).
في مدخل الكتاب وبعد أربع صفحات فقط تقول شيمل: « في أوربا حيث فُهِمَ محمد أحياناً على أنّه عابد أوثان أو محوَّل الى مهاوند Mahavnd روح الظلام »(20) وفي لقاء معها تعيد ذكر هذا الموضوع إذ تقول كذلك « والإساءة الى الإسلام كانت شائعة في القرون الوسطى ويظهر ذلك في الشعر الفرنسي من القرن الحادي عشر الى القرن الرابع عشر . كما يظهر في الأدب الإنجليزي والاسكتلندي حتى أنهم حرّفوا اسم النبي محمد الى Mahovnd وهو اسم يتكَوَّن من مقطعين والمقطع الثاني hovnd يعني كلب . وفي نصوصٍ أخرى نجد أنّ اسم النبي محمد (ص) تحوّل الى اسم معناه الشيطان وحتى في الأشعار الألمانية الرومانسية سنة 1801 نجد اسم محمد (ص) قد تحوّل الى Mahom ماحوم »(21).
كلامها هذا يأتي كما قُلنا في مدخل الكتاب ونعتقد أنه بطريقة أو بأخرى محاولة للرد على فكرة المرتد سلمان رشدي الذي جعل من شخصية ماهاوند الشخصية المهمة أو الرئيسة في روايته آيات شيطانية ، بل وعنواناً للفصل الثاني من الرواية . وهذا يؤكد لنا أن كتاب شيمل يأتي ضمن سياق الرد على الإساءات للنبي محمد (ص) ولكنها لم تحدد شخصية سلمان رشدي هنا عندما ترد .
في الفصل الثاني من الكتاب وهو محمد الأسوة الحسنة تتحّدث عن طيب عطر النبي (ص) وعبير شذاه وتستذكر أجمل القصائد الصوفية لجلال الدين الرومي:

جذرُ الورد وفرعُه هما عرقُ المصطفى الطيب وبقوته يصيرُ هلالُ الوردةِ الآن بدرا
وهكذا يغدو عندها النبي (ص) الأصل لكل كمال بشري (22)
وفي الفصل ذاته تقارن بين قميص النبي يوسف (ع) وقميصِ النبي محمّد (ص) الذي أهداه الى شخصٍ باعه ليهودي أعمى فالأول عاش بثمنه واليهودي قد شُفي من العمى فاعتنق الإسلام وكذلك قميص يوسف (ع) الذي كان سبباً في شفاء عمى والده ورجع إليه بصره بمجرّد وصول القميص إليه. وتذكر من الشعر السندي قصيدة رائعة حول تلك الفكرة(23).
إنّ الشعر الذي تناولته شيمل أغلبه كان فارسياً وهندياً وسندياً وأُردياً وتركياً وكان نصيب الشعر العربي قليلاً جداً . ولكنها كانت متذوقة للشعر . فقصة نعل النبي محمد (ص) الذي عَرَج به والذي لم يخلعه كما هو الحال مع موسى (ع) الذي خلع نعليه لأنه وصل الى الوادي المقدس. وأن العاشق المُتيم بحب النبي (ص) يؤمِّل أن يلمس خده ذلك النعل ، فاختارت شيمل هذه المرة قصيدةً لشاعرةٍ أندلسية هي سعدونة الحميرية 1242 م تقول عن هذا النعل.

سألثُمُ التمثالَ إذ لم أجد لعـلّنـــي أحــظى بتقبيـلـــه
وأمســحُ القلبَ به عَـلَّــهُ للِثم نَعل المصطفى من سبيلِ
في جنّة الفردوس أسنى سبيل يُسكِنُ ماجاش به من غليل(24)
هذا الجمال الذي تذوّقته شيمل عن وصف نعل النبي (ص) أين منه مَنْ يقتل ذرية ذلك النبي (ص) لقد هام الشعراء بعطر الرسول وبقميصه ونعله ، وغيرهم كانت مشاهد الدم تروي عيون الحاقدين فقلوبهم صدية خاوية عاجزة عن الجمال بل وغيرهم يطمس معالم الرسول وآله.
وتذكر شيمل أنّ المؤرخ المقري ت 1644 م كرّس كتاباً ضخماً لموضوع نعلي النبي (ص) هو كتابه (فتح المُتعال في مدح النِعال)، وهي لاتنسى كذلك الحديث عن آثار قدم النبي (ص). لِمَ لا وقد ذُكر في السِيَر أن أحد القساوسة عندما التقى ركب السبايا من أهل البيت (ع) وهم مكبّلون وذاهبون الى الشام قال لهم القس: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن آل الرسول (ص) قال: إن لنا أثراً لحافر حمار عيسى نزوره وأنتم تقتلون عترته، فوضع رأس الحسين (ع) في حجره وبات معه.
وفي هذا الفصل تَتحدَّث شيمل عن الطب النبوي والدعاء النبوي والشفاء بذكر النبي (ص).
ـ والفصل الثالث عنوانه (المنزلة الفذّة لمحمد):
تَتَحدّث شيمل عن كشوفات النبي (ص) وإزالة الحُجب عنه تدريجياً وأنه مَرَّ بمراحلَ عديدة من الكشف والذوق والصراع وترويض الغرائز والرغائب حتى وصل الى الكمال الروحي ورغم ذلك فهو يقول (ما عرفناك حَقَّ معرفتك) فهو النمو الدائم والكدح المتقدّم إزاء المقام الآلهي « هو الذي يشكلّ عند مولانا جلال الدين الرومي البرهان الحقيقي على تفوق محمد على الآخرين فعندما سأل شمسُ تبريز لماذا لم يكن بايزيد البسطامي الذي هتف سُبحاني أعظمُ من محمد الذي اعترفَ للحق قائلاً ماعرفناك حق معرفتك أجاب مولانا الرومي بأنّ بايزيد قد وقف في مقامٍ عَدَّ فيه نفسه ممتلئاً بالله بينما النبي (ص) رأي كُلَّ يوم أكثر وتقدَّم في القُرب الإلهي وكان عالماً أن لا أحدَ أبداً في وسعه أن يعرف تماماً عظمة الحق »(25).
هذه المعرفة والكشف والقُرب من الحضرة الإلهية والكدح الى الرب جعلت من النبي (ص) يتفوّق على غيره من الأنبياء إذ «إنّ الأنبياء السابقين جميعاً لم يكونوا إلاّ مظاهر جزئية لنور محمد التي أصبحت شائعة جداً في الاتجاهات الصوفية بتأثير ابن عربي ويتغنّى جامي وهو نصيرٌ كبير لهذه الفكرة شعرياً بعظمة محمد مقارنةً بالأنبياء الآخرين ، بينما مسَّ سليمان عرشَ ملكة سبأ بيده ومسَّتْ قدمُ النبي ذروة العرش، وخدمه جبريل وكما خدم الهُدهُد سُليمان»(26).
ومقارنة أخرى جميلة اتخذها الصوفيون والعُرفاء تَتَحدَّث عنها شيمل ، فلكلمة أمِّي أي النبي الأمي تعني هنا عند الصوفية الطهارة من كل شيء بل من كل فكرةٍ مسبقة بل تعني الطهارة الروحية والعقلية فقلبه وعقله وعاءٌ نظيف وطاهر لنقل الوحي مثال ذلك طهارة مريم (ع) «ومثلما أن مريم ينبغي أن تكون عذراء لكي تستطيع أن تحمل بطهارة الكلمة الإلهية الى تجسيدها لابد من أن يكون محمد أُمياً لكي يحدث تنزيلُ الكلام الإلهي في الكتاب من دون تدخّل فعاليته العقلية بوصفه فعلاً من أفعال الفضل الصرف»(27). وهذا يذكر بكلمة مريم )أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ( أي يمسّ مشاعري وعقلي بشر فهي أرادت نفي المسّ العقلي بل أنه لم يمسّ خيالها بشرٌ فمن باب أولى أنه لم يلمسها بشر. وهكذا فالطهارة والعفّة متحققة جسداً وروحاً وخيالاً.
ـ وفي الفصل السادس عن(أسماء النبي):
تتحدث شيمل عن قدسية اسم الرسول محمد (ص) وأن مجموعات من المسلمين لم تطلق اسم محمد على أحدٍ من أبنائها بل غيّرت من هذا الاسم قليلاً كي لا يختلط في ذلك الإساءة للشخص المُسمّى باسم النبي (ص) وتتجاوز تلك الإساءة إلى النبي (ص) لفظاً ، فلجأت مجموعة من المسلمين إلى طرقٍ «تَمثَّلت في إضافة كلمة تشريف إذا ما قَصِدَ النبي مثل سيدنا أو سيدي أو حضرت أو دائماً إضافة التصلية عند ذكره أو فقط التحدّث عنه بوصفه النبي الكريم وكان ثمة طريقة أخرى لحل هذه المشكلة وذلك بنطق الأحرف الساكنة في اسمه م ح م د بتلفظٍ مختلف عند استخدامها في إنسان عادي ، هكذا يجد المرء في مراكش أسماء مثل مِحَمَّد أو مَحَمَّد أو فقط مُح واختصارات مماثلة . وفي غربي إفريقيا تُستخدم صورٌ من هذا الاسم مثل مَمادو وفي تركية كانت طريقة التلفظ هكذا (مِهمِت) مقبولة على الجملة في الاستخدام الشخصي وقُصِرت الصيغة الصحيحة مُحَمَّد على النبي (ص) (28). ونحن في العراق مثلاً نطلق على إحدى القبائل العريقة عشائر البو مْحِمَد بكسر الحاء وفتح الميم الثانية ، وكذلك الحال في مصر يقولون مَحَمَد بالفتح للميم والحاء والميم.
ولكن للصوفية تأويلاتٌ أخرى فمن « بين الشعراء الفُرس الأوائل كان نظامي أكثر بلاغة في تفسير اسم أحمد .

أحمد : أليس أحمدُ.
مستقيماً كالألف في الوفاء والعهد
الأول والآخر في الأنبياء ؟
وهذه توريةٌ لطيفةٌ جداً ذلك لأن كلمة أنبياء تبدأ وتنتهي بالألف الحرف الأول من أحمد وهكذا يؤكد دور أحمد الثنائي حتى في قضية صرفية »(29).
ولكن لفريد الدين العطار تأويلٌ جميل آخر إذ يقول :
«بدا شُعاع نور التجلّي.
غاب ميمُ أحمد.
أي إنه لم يبقَ إلاّ الله أحد »(30).
ولحذف الميم كما ورد تأويلٌ ولوجودها تأويل إذ تقول شيمل « وفي النظام الحسابي العربي هذا الحرف له قيمة 40 وهو رقم الصبر والنضج والابتلاء والإعداد، ظَلَّ بنو إسرائيل أربعين سنة في الصحراء وأمضى عيسى (ع) أربعين يوماً في الصحراء وكان محمد (ع) في سن الأربعين عندما جاءت دعوته ، أيام الصوم الكبير الأربعون ، أيام الخلوة الأربعون عند الصوفية ....وفي التأملات الصوفية الإسلامية يُشير العدد 40 أكثر من ذلك إلى الأربعين خطوة التي يكون على الإنسان أن يجتازها في طريق عودته إلى أصله وذلك موضوع فصّله فريد الدين العطار في كتاب مصيبت نامة ...وأن كل زيادة على الكمال نقصٌ الـ (أحدُ) كاملٌ وأحمدُ لمّا يصل إلى حد الكمال عندما يُزالُ الميم يغدو كمالاً كاملاً»(31)، لِمَ لا والميم هو ميم محمد وهو قافية البوصيري في قصيدته لمدح النبي (ص) بل هي القافية لمعظم معارضات المدائح النبوية لِمَ لا وهو الحرف الأول الذي ينطقه الطفل عند التكلّم ، عندما يقول (ماما) لِمَ لا وهو الحرف الذي وقـف عليه نطـق هـارون (ع) أخ موسى (ع) عندما قال: (يا ابن أُم) وليس (يا ابن أمّي).
ـ والفصل السابع (نور محمد والتقليد الصوفي):
قد نستذكر الميم مرةً أخرى بكلمة خاتم وهو أحد أسماء النبي (ص) وينتهي بالميم فالختم هنا والخاتم هو حجرٌ « يحمل النقش به الملك صناديق كنوزه ، إن الإشارات الكثيرة إلى القلب بوصفه الخاتم الذي تتكرر في الآداب الإسلامية في القرون التي أعقبت تأليف ابن عربي كتابه في موضوع علم النبوة (فُصوص الحكم) يمكن أن تكون تقريباً مُستَلهمة من هذا الكتاب الذي تتضح في عنوانه رمزيةُ الختم»(32).
ـ والفصل الثامن كان عن إسراء النبي (ص) ومعراجه :
هذا الحادث الذي افتُتِحَتْ به سورة الإسراء بل هو الدعاء الجميل الموسيقي «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» عَبَّرت عنه الألف الطويلة في كلمة الأقصى التي تأتي في جميع الكتابات بالأقصى بالألف المقصورة مشيرةً إلى الأعلى والمقام الإلهيّ الجميل ولكن أين نحن من تأويلنا هذا مع شعراء الصوفية إذ تقول شيمل:« وَلعلَّ الوصف الأكثر إحكاماً للحادثة قدّمه شاعرٌ هندي – فارسي من أواخر القرن الخامس عشر الميلادي هو جمالي كنبوة Jamali Kanboh الذي يلخص هذا السرّ في دوبيتٍ شهير .
خرج موسى من عقله بتجلٍ واحدٍ للصفات
وأنت ترى جوهر الذات وتظلُ تبتسمُ »(33).
هذه مقارنة أخرى تُضاف إلى ما سبق من مقارنات مع النبي (ص) مثل مريم وسليمان وموسى :، فصفة الكلام الإلهي التي تجلَّت لموسى (ع) جعلته يخر صعقاً وخَلَعَ نعليه عند دخوله الوادي المقدس ، ولكن تجلّي الذات الإلهية كلها والوصول الى سدرة المنتهى بل قاب قوسين أو أدنى جعلت النبي (ص) يقول ما عرفناك حق معرفتك ، وبما أن الذات الإلهية لا يحيطها مكان ولا سماء ولا أرض فقد يكون التجلّي ليس مكانياً أي: العروج ليس إلى الأعلى ، وهو ما يتعارف عليه الصوفية لأنّ الحق لا يخلو منه مكان ولا يحويه مكان بل هو مع العبد لذلك فالصوفية «كثيراً ما أعادوا فكرة أنه لا يمكن أن يكون هنا معراجٌ بالمعنى المكاني لأن الحق كُلّي الوجود... هذا التفسير الصوفي الحقيقي للمعراج وجد تعبيره الأقوى في رباعية للصوفي الفارسي الذي نِيلَ منه كثيراً سَرمَد، الذي أُعدِمَ بسبب الإبتداع في دلهي سنة 1661م.
يقول الشيخ إنّ أحمد صَعِدَ إلى السماء.
ويقول سرمد إنّ السماء نزلت إلى أحمد »(34).
ـ الفصل التاسع (الشعرُ في مدح النبي):
يتميّز الشعر المدائحي بموسيقاه الجميلة والسَلِسة والقوافي المُنتقاة ليس في العربية وحدها بل في معظم اللغات فمن «الشعراء المسلمين في القرون الوسطى الذين لم يكونوا حصراً مدّاحين أو صوفية كان سعدي ت 1292 م دائماً مُحبباً عند الُقرّاء الفرس بسبب لغته الأنيقة الواضحة الشفافة وبرغم أنّ عدد قصائده النعتية ضئيل نسبياً. يدين له الأدب الفارسي بواحدةٍ من قصائده الأكثر إنشاداً وقراءة وهي محبوبة جداً في الهند وهي موجودةٌ في القسم التمهيدي من مثنويه الذي يحمل عنوان بُستان وتتغنّى بالنبي بكلماتٍ بسيطة وجميلة وعلى وزن البحر المتقارب البسيط جداً والسهل التذكّر وهنا يظهر النبي هكذا .
قسيمٌ جسيمٌ بسيمٌ وسيم»(35).
وغالباً ما ترتبط المدائح النبوية بالتقاليد الموسيقية عند الشعوب فضلاً عن الإيقاع الموسيقي الذي تتميز به تلك القصائد والروح الغنائية العالية فيها وفي « الهند والباكستان على المرء أن يتذكّر أيضاً في هذه المنطقة كان تقليد الموسيقا الدينية نشيطاً جداً ، ولذلك فإن معظم القصائد في مدح النبي قابلةٌ للغناء أي: إنّها تمتلك خاصية إيقاعية قوية وقوافيَ بسيطة نسبياً وكثيراً ما تُعاد مثل ابتهال. وكثيرٌ منها يستخدمُ مجانسةً استهلالية في اللازمة يبدو فيها حرفُ الميم الحرف الأول من محمد يلعب دوراً مهماً جداً »(36).
ـ والفصل العاشر كان عن الطريقة المحمدية والتفسير الجديد لحياة النبي:
تناولت شيمل فيه قراءات المحدثين لسيرة النبي (ص) وهي ليست ككتب السيرة السابقة التي ركَّزت على الجانب الشخصي والعبادي للنبي (ص) بل تناولت هذه القراءات المعاصرة (التي عرضت لها شيمل) الجانب السياسي والفكري والحضاري للدعوة المحمدية وأثرها في الفكر المعاصر إذ «نما التأليف حول محمد بإطراد وأُلفت كتبٌ حول حياته في الخمسين سنة الأولى من القرن العشرين أكثر مما أُلف في القرون السابقة كلها ومهما يكن فإنّ كتباً صوفية أو دينية أَلَّفت الشطر الأعظم من التأليف الديني في القرون الوسطى وما قبل الأعصر الحديثة .لم تعد على قدر كبير من الشهرة وما تزال كذلك أما الاهتمام الجديد بالنبي النشيط والفعّال سياسياً والموثوق به اجتماعياً فقد وجد تعبيراً حتى في الشعر »(37).
وهذه الكتب المؤلفة عن النبي (ص) تمثل اتجاهاً آخر للفكر المعاصر والذين كتبوها ليس لهم علاقة بالدراسات الدينية التقليدية مثل طه حسين (على هامش السيرة) وغيره وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل (حياة محمد) وتوفيق الحكيم وفتحي رضوان الذي كتب (إمام الإشتراكية) ومحمد شلبي (إشتراكية محمد) وعبد الرحمن الشرقاوي الذي كتب بعقليته اليسارية (محمد رسول الحرية) وعباس محمود العقاد (عبقرية محمد) وهكذا ، فهي قراءات لشخصية النبي (ص) الاجتماعية والسياسية «وكل كاتب حداثي يرى في النبي الحبيب التحقق المثالي لتلك الصفات التي يحسب هو نفسه أنها أسمى وأكثر ضرورة في العالم . وصورة النبي المتعددة الألوان التي تنبثق هكذا تعتمد الخيوط الأكثر تنوعاً للتقليد الممتد لقرونٍ وتترجم مديح (خير البرية) في لغة حديثة»(38).
ـ الفصل الحادي عشر (النبي محمد (ص) في آثار محمد إقبال):
فمحمد إقبال الذي أكمل دراساته في الفلسفة والقانون تعرّف على ألمانيا عام 1907 وأُعجب « بغوته الذي تؤلف أعماله لدى إقبال اسمى تجلًّ للشعر المُبدع ومن حيث هنا يمكن فهم أنه شَعَرَ بانجذاب كبير إلى شخصية فاوست الإنسان المناضل دائماً الباحث عن تحقيق الذات والى الديوان الشرقي وفي سنة 1923 أَلَّف إقبال رسالة الشرق إجابةً فارسية للديوان الشرقي»(39). ولكن إقبال غير المُتطرّف الذي أحب النبي (ص) وعليّاً (ع) معاً والذي كان يُنشد(40):
أنا ابنُ المدينة وابنُ النجف غبــارهما كـان في مقلتـي
غبارهما قطرةٌ للـــعيـون وأنفع طِبّ لـذي عِلَّــــة
وجد أن وحدة الأمة الاسلامية، هي في هجرتها الطائفية والعشائرية والعرقية وهو ما ننشده الآن جميعاً لذلك «فاختيار الهجرة بدايةً للتوقيت الاسلامي كان في إدراك إقبال دالاً دلالة عميقة: لو قَبِلَ المكِّيون سريعاً لرسالة محمد (ص) لكانت مسيرةُ التأريخ مختلفة بقطع روابط العائلة والعشيرة أراد النبي أن يُقدّم مثالاً للأجيال القادمة... وهكذا فالتوترات القومية المتزايدة التي شهدها وهو طالبٌ في إنجلترا وألمانيا من 1905 – 1908 ثم أصبحت عاملاً خطيراً جداً في سياسة الشرق الأدنى بعد الحرب العالمية الثانية أغرقت إقبالاً منذ وقتٍ مبكر بصياغة موقفٍ غير منسجم مع القومية السياسية الضّيقة.
إنّ الوطن شيءٌ مختلفٌ في التعاليم الصحيحة للنبي، والوطن شيءٌ مختلفٌ في كلمات الساسة.
ولذلك لم يتوقف عن ترديد أنّ الاسلام معارضٌ للعِرقية. والحق أنّ أعظم معجزة تحققت للنبي تَمثلَّت في بناء أمّةٍ متحدة روحياً»(41).

------------------------------------
* هوامش البحث *
1. الموضوعية في الاستشراق، المستشرقة الألمانية آنا ماري شيل 1922 – 2003 نموذجاً، د. حسن بن محمد سفر، مجلة ثقافتنا للدراسات والبحوث، المجلد2، عدد5 سنة 2005، ص19.
2. الاستشراق الألماني بماذا يَختلفُ عن غيره..، د. محمد الأرناؤوط مقال على صفحات الشبكة المعلوماتية.
3. يُنظر حول هذه المعلومات.
المنصفون للإسلام في الغرب ، د. رجب البنا، دار المعارف، مصر، د. ت، ص13-15.
الهند الإسلامية من الفتح وحتى نهاية عصر السلطنة في دراسات المستشرقين مع التركيز على جهود المستشرقة آنا ماري شيمل أنموذجاً، د. ياسر المشهداني، مجلة التربية والعلم للعلوم الإنسانية والتربوية، جامعة الموصل، كلية التربية، مجلد 17، عدد2، سنة 2010، ص24.
جـ- الاستشراق الألماني وأثره في الثقافة العربية آنا ماري شيمل أنموذجاً، د. سعيد بوفلاقة، مجلة آفاق الثقافة والتراث، سنة 19، عدد 73، سنة 2011، ص68-69.
هـ- سفيرة الشرق، شتيفان فيلد ترجمة خليل الشيخ منشور على شبكة المعلومات الدولية:
www.middle-east-online.com
4. نقلاً عن المنصفون للإسلام في الغرب، ص21.
5. يُنظر الاستشراق الألماني، د. سعيد بوفلاقة، ص69.
6. المنصفون للإسلام في الغرب، ص13.
7. عن مؤلفات شيمل انظر:
أـ الهند الاسلامية، ص26. ب ـ الاستشراق الألماني، د. سعيد بوفلاقة، ص69.
8. سفيرة الشرق.
9. يُنظر حول تلك المعلومات:
كتاب المنصفون للإسلام في الغرب، ص12. ب ـ الهند الاسلامية، ص24.
جـ- الاستشراق الألماني، د. سعيد بوفلاقة، ص69. ت ـ سفيرة الشرق
10. المنصفون للإسلام في الغرب، ص111.
11. المصدر نفسه، ص12.
12. المصدر نفسه، ص18.
13. يُنظر صادق العبادي آنا ماري شيمل السفير الثقافي بين الشرق والغرب، مقال منشور في مجلة الفيصل السعودية، العدد 322، ربيع الثاني، 1424، يونيو 2003، ص119.
14. أحمد زكي يماني،جريدة عكاظ، العدد 13307 في 29/11/1423هـ، 1/2/2003م، ص31.
15. المصدر نفسه والصفحة.
16. شتيفان فيلد – سفير الشرق.
17. المصدر نفسه.
18. المنصفون للإسلام في الغرب، ص30.
19. مقدمة المترجم، د. عيسى علي العاكوب، ص7.
20. كتاب إن محمداً رسول الله، ص27.
21. المنصفون للإسلام، ص25.
22. يُنظر إن محمداً رسول الله، ص66.
23 ـ المصدر نفسه، ص72.
24ـ المصدر نفسه، ص73.
25ـ المصدر نفسه، ص102.
26ـ المصدر نفسه، ص105.
27 ـ المصدر نفسه، ص115.
28ـ المصدر نفسه، ص174.
29 ـ المصدر نفسه، ص177.
30ـ المصدر نفسه، ص178.
31 ـ المصدر نفسه، ص179.
32ـ المصدر نفسه، ص207.
33 ـ المصدر نفسه، ص243.
34ـ المصدر نفسه، ص246.
35 ـ المصدر نفسه، ص298.
36ـ المصدر نفسه، ص307.
37 ـ المصدر نفسه، ص338.
38ـ المصدر نفسه، ص345.
39 ـ المصدر نفسه، ص348.
40 ـ المصدر نفسه، ص349.
41 ـ المصدر نفسه، ص363.
***
(*) كلية التربية للعلوم الإنسانية / جامعة البصرة.