البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المستشرق البريطاني (مونتجومري وات) وكتابه (محمد في مكة) - دراسة تحليلية نقدية

الباحث :  أ.د. حسن الحكيم - الكلية الإسلامية الجامعة / النجف الأشرف
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  5
السنة :  السنة الثانية - صيف 2015 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 16 / 2016
عدد زيارات البحث :  622
المستشرق البريطاني (مونتجومري وات) وكتابه (محمد في مكة)
دراست تحليلية نقدية

■ أ.د. حسن الحكيم(*)

المقدمة

اتجهت الدراسات الاستشراقية نحو القرآن الكريم والحديث الشريف والسيرة النبوية، اكثر من غيرها من الدراسات الإسلامية. وقد انصبت الإرهاصات والأكاذيب على تلكم المحاور على وفق الاتجاه الانحيازي الديني والمذهبي. والابتعاد عن المنهجية العلمية والحقيقة الواقعة. وهذا ليس معناه خلو الساحة العلمية من دراسات دقيقة اتسمت بالدقة والواقعية، وانبرى بعض المستشرقين للرد على المنحرفين والمغالطين عند دراساتهم ظاهرة الوحي، والأثر الديني، واستخدام السيف ونحو ذلك من التخرصات. ومنهم من اطلق لفظ (الديانة المحمدية ) على الإسلام، وعدّ القرآن الكريم من تأليف الرسول الأعظم (ص)، ونحو ذلك من التخرصات والأكاذيب، من دون الرجوع إلى المصادر الموثوقة، والدراسات المنهجية الدقيقة، وكانت الدراسات البريطانية، والمستشرقون الإنجليز يلتقون تارة مع الدراسات الاستشراقية الأخرى، أو يفترقون عنها، وبخاصة الذين تخصصوا في دراسة السيرة النبوية الشريفة، وفي مقدمتهم مونتجومري وات، ووبودلي، وستيوارت، والسير توماس أرنولد، وجيمس روبسون، ووليم جونز، وجب، والسير وليام سوير، وغيرهم من المستشرقين الإنجليز، ونقف في بحثنا على المستشرق البريطاني (مونتجومري وات) Montgomery, Watt وكتابه (محمد في مكة) الذي عربه الأستاذ شعبان بركات، من دون الحديث عن كتابه الآخر (محمد في المدينة)، على وفق ثلاثة محاور أساسية للدراسة وهي (المنهج والمصادر والنقد العلمي).

أولاً: منهجية المستشرق وات في كتابه (محمد في مكة) :
توزعت مفردات كتاب (محمد في مكة ) على ستة فصول وخاتمة وملاحق، ويتفرع من كل فصل عدد من المواضيع، وسبقت الفصول الستة دراسة في المصادر العربية والإسلامية، التي استقى منها النصوص.
وكان الفصل الأول بعنوان (البيئة العربية ) درس فيه (مونتجومري وات) شبه الجزيرة العربية في العصر الجاهلي من جوانبها الاقتصادية والسياسية والإدارية، ناقش فيها آراء الكتاب الغربيين والمستشرقين منهم من أمثال (لامنس، تويبني، نولدكه)، وركّز على النزعات التوحيدية في المنطقة، مستعينا بالنصوص القرآنية.
وتناول في الفصل الثاني: المرحلة الأولى من حياة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، والدعوة الإسلامية، فابتدأ بنسبه الشريف ومولده وتربيته، وقد استقى نصوصه من مؤرخ السيرة النبوية محمد ابن سحاق المتوفى عام 151 هـ. فتناول زواج الرسول الكريم (ص) من السيدة خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها، وما انجبته من أبناء. ثم انتقل إلى عصر الرسالة، على وفق رواية محمد بن مسلم الزهري، المتوفى عام 124 هـ، في موضوع (الوحي). مستعرضاً آراء المستشرقين في هذا الجانب، وما أورده محمد بن إسحاق في تفسير الآيات الكريمة الخاصة بالوحي، وقد استوعب المستشرق (مونتجومري وات) وجهة النظر الإسلامية والآراء الغربية، وأعطى رأيه بقوله: (أكد أعداء الإسلام غالباً أن محمداً كان مصاباً بالصرع epileptique ، وان تجاربه الدينية لهذا لا قيمة لها. ولكن الأعراض الموصوفة لا تشبه مرض الصرع. لأن هذا النقص يؤدي إلى تخاذل جسدي وعقلي .
بينما ظلّ محمد حتى آخر حياته مالكاً لقواه العقلية. حتى لو امكن ادعاء ذلك فإنّ الحجة تظل مناقضة لكل رأي سليم اذا لم تقم الا على الجهل والوهم. لان المظاهر الجسدية الملازمة لا تثبت ولا تنفي قط بنفسها التجربة الدينية([1]).
أمّا الفصل الثالث فقد جاء بعنوان (الرسالة الاولى). بدأها المستشرق (وات) بتاريخ القرآن الكريم، مشيراً إلى من سبقه في الكتابة من المستشرقين من أمثال (نولدكه، وريشاردبل) وبدأ بدراسة مضامين الآيات الكريمة الأولى واضعاً نصب عينيه كتاب المستشرق (نولدكه) محللاً له. وفي حديثه عن (أصالة القرآن ) ناقش رأي المستشرق (جولدزيهر) بقوله: (ولربما بدأ الهدف من إظهار الاستمرار بين القرآن، وطرق التفكير القديمة عند العرب مناقضاً لفكرة الفصل الاول الشهير من كتاب (دراسات محمدية ) لجولدزيهر عن (المروءة والدين ). وليس من السهل معارضة آراء جولدزيهر، وليس التناقض مع ذلك تماماً، ومن الواضح وجود بعض التناقض بين تعاليم محمد على أساس القرآن وطرق التفكير العربية القديمة، ولو لم يكن الأمر كذلك لما قامت المعارضة الشديدة له)([2])
وتناول المستشرق (وات ) في الفصل الرابع من كتابه (محمد في مكة ). المسلمين الأوائل معتمداً على روايات المؤرخ الطبري، المتوفى عام 310 هـ ولكنه قد رجّح روايات محمد بن إسحاق على غيره من المؤرخين بقوله) يمكن اعتبارها صحيحة على الاجمال)([3]).
وأخذ (وات) بعد ذلك بتوزيع الصحابة على القبائل العربية على وفق انتسابهم لها، مبتدئاً ببني هاشم، وقد اعتمد على قوائم المستشرق (كايتاني) في الحوليات المستمدة من كتاب (الطبقات الكبرى) لمحمد بن سعد، المتوفى (230 هـ)، وكان يشير إلى الرجال الذين اسلموا من كل قبيلة، وكان في الوقت نفسه يعطي صورة لمكانة القبيلة الاجتماعية وتعرض إلى المستضعفين من الصحابة .
وخصص المستشرق (وات) الفصل الخامس للمعارضين للدعوة الإسلامية، معتمداً على روايات المؤرخ الطبري عن هشام بن عروة، وابي العالية وقد علل رفض النبي الكريم (ص) لعروض المكيين بقوله: (وهكذا لم يرفض محمد عروض المكيين لأسباب زمنية، بل لسبب ديني حقيقي، ليس لأنه لم يثق بهم مثلاً، أو لأنه لم يبق شيء عن مطامحه الشخصية، بل لان الاعتراف بآلهتهم يؤدي إلى فشل قضيته والمهمة التي تلقاها من الله)([4]). وحينما تعرض لهجرة المسلمين إلى الحبشة اعتمد على رواية ابن هشام، عن ابن اسحاق، وناقش آراء المستشرق (كايتاني) حول بعض الروايات، واعطى اسباباً لهجرة المسلمين إلى الحبشة، بعد تحليل دقيق للنصوص المقتبسة من ابن هشام، وابن سعد والطبري.
وجاء الفصل السادس من كتاب (محمد في مكة) بعنوان (امتداد الافاق), تعرض فيه المستشرق (وات) إلى خطورة الموقف على النبي الكريم (ص), بعد وفاة عمه ابي طالب, وزوجته خديجة بنت خويلد (رضوان الله عليهما), فاصبحت مدينة الطائف المثل الاول لهذه الخطورة التي أشار اليها المستشرق (وات) بقوله: (صورة مصغرة لمكة). وتبدأ بعد ذلك المفاوضات مع اهالي المدينة, فوصف (وات) وضعها الاجتماعي والاقتصادي, وتحدث عن بيعة العقبة. وعند ذلك تنتهي فصول الكتاب.
ووضع المستشرق (وات) ملاحق لكتابه, وأعطى لكل ملحق مسمّى معيناً, فقد تعرض لملحق (الأحابيش) إلى مقالة المستشرق الفرنسي (لامنس) التي تحمل الاسم نفسه, فكان يأخذ برأيه تارة, ويرفضه تارة اخرى فيقول: (ولكنه للأسف يتجاوز الادلة كثيراً في ناحية اخرى).
واستعان (وات) بنصوص استقاها من الواقدي وابن هشام وابن سعد. وفي الملحق الذي سماه (التوحيد العربي والتأثيرات اليهودية والمسيحية ) تناول فيه آراء المستشرق (مارغو ليوث) في مقالته عن اصول الشعر العربي وآراء(توري) في كتابه (الأساس اليهودي للإسلام )، وكان هذا الموضوع قد اطنب فيه كثير من المستشرقين، وحملت الملاحق الاخرى من كتاب (محمد في مكة ) موضوع الحنفاء، والاحاديث المنقولة عن عروة بن الزبير، وكان قد شكك في بعضها.

ثانياً: مصادر كتاب (محمد في مكة):
استقى المستشرق (مونتجومري وات) نصوصه من مصدرين اساسيين هما: المصادر العربية والإسلامية، والمصادر الغربية والاستشراقية وكان قد تحدث عن مصادره بقوله: (كلمة حول المصادر، وقد ذكرها في سياق البحث وهي: (المغازي ) للواقدي، و(السيرة النبوية ) لابن هشام، و(الطبقات الكبرى ) لابن سعد، و(المسند) لاحمد بن حنبل، و(الصحيح) للبخاري و(تاريخ الرسل والملوك) للطبري، و(أسد الغابة في معرفة الصحابة ) لابن الأثير، و(الاصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر. وتناولت هذه المصادر السيرة النبوية الشريفة، والحديث الشريف ورواة الحديث.
وكان كتاب (السيرة النبوية) لابن هشام المتوفى عام 218 هـ هو في حقيقته تهذيب لكتاب (السيرة النبوية ) لمحمد بن اسحاق المتوفى عام 151 هـ، فقد استقى منه المستشرق (وات) نصوصاً عن حملة أبرهة على مكة، ومولد الرسول الكريم (ص)، وأشار إلى قائمة المسلمين الأوائل أيضا (صحيحة على الاجمال)([5])، واستقى أيضا نصوصاً من محمد بن مسلم الزهري في بعض المواضيع، وعند روايته عن المؤرخ الطبري يشير إلى مصادرها عن عروة بن الزبير. ويقف (وات) من روايات الواقدي وروايات ابن سعد موقف الناقد، فيقول: (ويجعلنا ابن سعد نستشعر بانه يهتم اهتماماً كبيراً بدراسة الانساب، وأنه مطلع على الصعوبات التي تعترض المسائل المختلف عليها أنسابه اذن تستحق الثقة حتى عصر قصي في مكة، ويجب تناول الأنساب السابقة والمادة التاريخية بحذر ولسوف تعترضنا صعوبات خاصة فيما يتعلق بالمدينة بسبب بقايا سيطرة الأم)([6]) وفي معرض تناول (وات) للمستضعفين، يعني طبقة صغيرة في المجتمع المكي، وقد استقى نصوصاً قليلة من المؤرخ المسعودي المتوفى عام 346 هـ، في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، فيما يتعلق بتاريخ مكة في عصر ما قبل الإسلام، وبالأخص الحياة الاجتماعية ([7]).
واستقى من كتاب (المعارف) لابن قتيبة الدينوري، المتوفى عام 276 هـ، وكتاب (الصحيح) لأبي عبدالله البخاري (ت 256 هـ)، وكتاب (الإتقان في علوم القرآن) لجلال الدين السيوطي، المتوفى 911 هـ، نصوصاً تتعلق بظاهرة الوحي، ويبدو انه حاول الإلمام بهذا الموضوع لخطورته في الفكر الاستشراقي معتمداً على مصادر من اعلام القرن الثالث الهجري، إلى القرن العاشر الهجري وكانت نصوص المؤرخ الطبري الخاصة بالمسلمين الأوائل والمعارضة القرشية للإسلام قد أخذت مساحة واسعة من كتاب (محمد في مكة)، فنقل المستشرق (وات) عن المؤرخ الطبري، عن هشام بن عروة بن الزبير، وثيقة كتبت في عهد عبد الملك بن مروان حول معارضة المكيين للدعوة الإسلامية ولكنه وجّه نقداً لابن هشام والطبري بقوله: (إنّ التفاصيل التي نجدها عند ابن هشام والطبري بصدد بقية الفترة الخارجة في معارضته النبي، ويجب أن نتسامح بصدد بعض المبالغات من جانب أو آخر لان هذه المبالغات هي أقل بكثير مما فكرّ به الكتاب الغربيون )([8]).
وكانت استشهادات المؤرخ (وات) لآيات القرآن الكريم في كتابه محددة في مواضع قد أحسن اختيارها، وبخاصة عند حديثه عن النزعات التوحيدية عند العرب قبل الإسلام، وفي الفترة المكية لعصر الرسالة ومنها يستخلص جوانب من السيرة النبوية فيقول: (فهو لا يمدنا بأي شيء يمكن ان يكون لوحة كاملة لحياة محمد والمسلمين خلال الفترة المكية)([9]). وهذا أمر طبيعي، لان القرآن الكريم ليس مصدراً تاريخياً يحكي تسلسلاً للأحداث. وإنما يضم تلميحات تاريخية يمكن ان يعتمدها المؤرخون للاستشهاد مع نصوص الحديث الشريف والتاريخ الإسلامي، ولكن على الرغم من استشهادات (وات) بالقرآن الكريم، نجده في الآخر (الإسلام والتكامل الاجتماعي) يبتعد عن هذا الفهم للقرآن الكريم فيقول: (ولاتوجد في القرآن صفحات تلمح بأن الإسلام دين شامل، وان القصص التي تشير إلى شمولية الإسلام قد وجدت في سيرة حياة محمد والتي منها انه قد أرسل رسله لاستدعاء اباطرة بيزنطة والفرس والحبشة وملوك آخرين، ولكن مثل هذه القصص قد رفضت من قبل النقاد الغربيين بسبب التناقضات التي كانت قد اقحمت بها)([10]). ولم نجد لـ( المستشرق وات) مراجعة الكتب العربية الحديثة والمعاصرة التي تناولت السيرة النبوية الشريفة سوى كتاب (شباب قريش) للكاتب المصري عبد المتعال الصعيدي، الذي تحدث فيه عن المسلمين الشباب([11]). أمّا الكتب الغربية فإنّه اعتمد على عدد منها، وفي مقدمتها كتاب (حوليات الإسلام) للمستشرق (كايتاني) وبخاصة في القوائم التي استمدها من كتاب (الطبقات الكبرى ) لابن سعد، حول المسلمين الأوائل، وفيما يتعلق بهجرة المسلمين إلى الحبشة، فإنّه استقاه من (كايتاني) عن محمد بن إسحاق وابن هشام والطبري. وكان كتاب( الابطال أو عبادة الابطال) للمستشرق (كارليل) له أهمية رفيعة لدى المستشرق (وات)، فيقول: (منذ ان قام هذا بدراسته عن محمد أدرك الغرب أن هناك أسباباً وجيهة للاقتناع بصدق محمد)([12]) .
أمّا دراسة المستشرق (نولدكه): Die Tradition under des Leben Mrhammeds التي تناولت تاريخ العرب القدماء، وديانتهم في الجزيرة العربية، فقد اقتبسها المستشرق (وات) من كتاب (الأصنام) لهشام بن محمد بن السائب الكلبي، كما أنه أشار إلى كتاب (تاريخ القرآن ) للمستشرق (نولدكه) والى (ترجمة القرآن) للمستشرق (رشاردبل). وعند حديثه عن رسالة الإسلام الاولى، فإنّه اعتمد فيها على (نولدكه) في مواضع عدّة. واختلف معه في مواضع أخرى بقوله: (ولكن كثيراً من النتائج التي توصل اليها ليست أكيدة تماماً، وان كانت ممكنة)([13]). ووجه نقداً إلى نظريات (ديتلف نيلسن Dictief Nielsen) في بعض المواضع من كتابه (محمد في مكة)، إلى المستشرق (لامنس) الذي عدّ بعض نظرياته لا أساس لها ([14]).
وفي معرض حديثه عن أفضلية قريش يقول: (لاتؤيد المصادر وجهة النظر التي عرضها لامنس). ونلاحظ المستشرق (وات) في بعض النصوص يستصوب رأي (لامنس). وعند تعرضه لكتاب (دراسة في التاريخ) للمستشرق (كايتاني) نجده قد اعتمد عليه في حديثه عن مكة وحياتها الاقتصادية قبل الإسلام، وأشار إلى كتب أخرى ومنها (حياة محمد) للمستشرق (السير وليم موير). ومقالة للمستشرق مرجليوث، بعنوان (أصول الشعر العربي ) وكتاب (أصول التشريع الإسلامي) للمستشرق (شاخت) وكتاب(دراسات إسلامية) للمستشرق جولدزيهر. واستعرض آراء (كارل اهرنس، وهرشغلد وبولين، وريتشاردبل) في موضوع الوحي.

ثالثاً: رأي في كتاب (محمد في مكة):
على الرغم من موضوعية المستشرق (مونتجومري) في دراسة السيرة النبوية الشريفة، ونقده لبعض آراء المستشرقين الغربيين، الا انه وقع في هفوات وأخطاء، وهذا ناتج عن عدم استيعابه الكامل للموروث الإسلامي، وآراء المذاهب الفقهية والكلامية، فهو عند استعراضه لنزول القرآن الكريم، أعطي فهماً ضيقاً لهذا الحدث التاريخي بقوله: (يعتقد المسلمون السنيون أن القرآن وحي إلهي، وأنه كلام الله)([15]).
وهذا التحديد بالمسلمين من أهل السنة غريب في بابه في مسألة لا يختلف فيها جميع المسلمين وان هذا الاجماع حاصل في العقيدة الذاهبة إلى سماوية القرآن الكريم وكماله واعجازه، والمسلمون جميعا يؤكدون نزول الوحي على النبي الكريم (ص)، ويبدو ان المستشرق (وات) لم يتعب نفسه للوقوف على آراء مذاهب المسلمين، ويتعمق في الاصول الكلامية، وبالأخص مسالة الوحي. وعند تعرض (وات) لمسألة (خلق القرآن ) التي كانت مثار جدل بين العقليين والسلفيين المسلمين يقول (ان السنيين يعتقدون دون غيرهم ان القرآن في أصله مصدر إلهي بأكمله، وهو كلام الله غير المخلوق ويعتقد الغربي المدني أو ربما اعتقد اذا أخذ بالتحييز الذي قام به محمد ان القرآن من صنع شخصية محمد غير الواعية ووجهة النظر الثالثة هي أن القرآن من صنع النشاط الإلهي الذي يظهر من خلال شخصية محمد، وبهذا يجب نسبة بعض صفات القرآن إلى طبيعة محمد الانسانية، وهذا على مايبدو موقف المسيحيين الذين يعترفون بقسم من الحقيقة الالهية في الإسلام، وان كانت هذه الحقيقة لم تتحقق فيه تماماً)([16])، وقبيل أن يعطي المستشرق (وات) رأيه في هذه الأمور التي ذكرها، يجب أن نستوقفه قائلين: هل ان المسلمين من أهل السنة جميعهم على راي واحد حول قدم القرآن الكريم ؟، فإنّ المسألة هذه بحاجة إلى دراسة عملية مستفيضة، نابعة من وعي للتاريخ، وذلك للوقوف على وجهة نظر جميع مذاهب المسلمين. فإنّ من الثابت انّ أنصار المذهب الحنبلي من أهل السنة وحدهم يأخذون بالرأي القائل بقدم القرآن الكريم والامامية والمعتزلة متفقون على القول بحدوث كلام الله عزوجل([17])، ويقول الشيخ الطوسي: ان قوله تعالى: )وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيْلاً(([18]). (له دلالة على ان القرآن الكريم محدث لان القديم لايجوز وصفه بالمنزل والتنزيل، لان ذلك من صفات المحدثين)([19]) واخذ المستشرق (وات) برواية المؤرخ الطبري في تشخيص المسلمين الأوائل الذين اعتنقوا الإسلام بعد السيدة خديجة بنت خويلد بقوله: (ولربما كان علي جديراً بذلك ولكن هذا لا معنى له في نظر المؤرخ الغربي لان علياً كان آنذاك في التاسعة أو العاشرة من عمره، وكان احد افراد عائلة محمد، وليس ابو بكر أقل جدارة من علي، ولكن بمعنى آخر وهو انه كان اعظم المسلمين شأناً أيّام قضية الحبشة بعد محمد، ويبدو ان دوره الكبير الذي قام به فيما بعد في الروايات الاولى. وربما كان زيد بن حارثة هو الأجدر باعتباره اول مسلم ذكر لأنه كان عبداً حرره محمد وكانت صلتهما وثيقة غير ان حقارة اصله تعني ان إسلامه لم يكن له في نفس مغزى إسلام ابي بكر)([20]). وان روايات المؤرخ الطبري صريحة في تشخيص المسلمين الاوائل، فهو ينقل عن الواقدي في إسلام خديجة ويقول: (أصحابنا مجمعون على انّ أوّل أهل القبلة استجاب لرسول الله (ص) خديجة بنت خويلد رحمها الله)([21]).
وقدم عدة روايات على اعتناق الامام علي (ع) بالإسلام، وايمانه به بعد السيدة خديجة بقوله: (كان أول ذكر آمن برسول الله (ص) معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب (ع))([22]). عدا رواية واحدة اشار فيها انّ أبا بكر أول من اسلم([23]). ومن الغريب ان المستشرق (وات) قد أخذ بالرواية المفردة، وأعرض عن الروايات المتواترة بشأن المسلمين الاوائل ولا ندري من أين استقى معلوماته القائلة بأن زيد بن حارثة كان اول من اعتنق الإسلام، في الوقت الذي أجمعت المصادر بالقول: إنّ علياً (ع) هو أول من أسلم من الذكور، وانه لم يعرف الشرك في حياته. لذلك فهو قد طبع على الإسلام في فترة مبكرة من حياته، وقد دعاه النبي الكريم (ص)، كما دعا قبله السيدة خديجة رضوان الله عليها، بعد نزول الوحي عليه لأول مرة، قبل ان يفاتح احداً من أهل بيته ويقول المؤرخ المسعودي: (وكان بدؤه بعلي إذ كان أقرب الناس إليه وأتبعهم له)([24]). واذا كان المؤرخ الطبري لم يترجح لديه المسلم الاول بعد السيدة خديجة. وهذا هو منهجه في تدوين عدد من الروايات في المسألة الواحدة، ليس معناه عدم الرجوع لغيره من المؤرخين في تشخيص هذه المسألة فكان على المستشرق (وات) استقصاء جميع المصادر ولا يكتفي بروايات المؤرخ الطبري التي تقوده إلى مثل هذه الاجتهادات الخاطئة، لان الذين عاشوا في بيت النبوة. وموضع الرسالة، ومهبط الوحي. هم يشكلون الشريحة الاولى في الإسلام. وأول من أدى فريضة الصلاة خلف النبي (ص)، وكانت تبريرات المستشرق (وات) في هذا الموضوع ضعيفة وواهية. وان مسالة السن والجنس لا موقع لهما في الإسلام .
وكان المستشرق (وات) في بعض الاحيان يتردد في إعطاء الحقيقة بقوله (ربما)، وهذا حصل عند تحديد عمر النبي الكريم في عام الفيل، عند فشل حملة ابرهة على الكعبة، فيقول: (وربما ولد بعد وفاة ابيه، ونشأ في رعاية جده عبد المطلب )([25]). واذا عاد (وات) إلى المصادر الموثوقة فلا داعي لتكرار لفظ (ربما) الذي كرره في زواج النبي الكريم من السيدة خديجة، وعدد ابنائه منها([26]) .

الخاتمة
خص بحثنا بدراسة المستشرق البريطاني (مونتجومري وات) من خلال كتابه (محمد في مكة) دون كتبه الاخرى في التراث الإسلامي. على وفق رؤية تاريخية وتحليلية نقدية, بعيدة عن الانحياز الديني، مؤشرين على الآراء الايجابية والسلبية. على وفق المشهور المدون في المصادر الاساسية الموثوقة التي تناولت السيرة النبوية الشريفة. والدين الإسلامي, وكان المستشرق(وات) كغيره من المستشرقين والكتاب الغربيين قد اصابوا في جانب, واخطأوا في جانب آخر. وقد يكون اكثر اعتدالاً ووضوحاً من غيره عند دراسة القضايا الإسلامية التي احيطت بالتشكيك أو الافتراء. وغرضها الاساءة لرسول الانسانية محمد (ص) والرسالة الإسلامية, وفي مقدمتها (نزول الوحي) و(مصطلح الديانة المحمدية) و(استخدام السيف) و(موضوع تعدد الزوجات) وغيرها من الاحداث التي فسرها كثير من المستشرقين اقتصادياً وعسكرياً وجنسياً, من دون الرجوع إلى المصادر الاساسية في التفسير والحديث والتاريخ والأدب. ولذا وقعوا في انزلاق الاوهام، ولم يتورع بعضهم من اطلاق الشتائم والكلمات النابية التي ابعدتهم عن الموضوعية في البحث العلمي, وكنا قد وجدنا المستشرق البريطاني (مونتجومري وات) مواضع القوة والضعف في كتابه (محمد في مكة), وكان قد استقى نصوصاً غير موثوقة, من دون الرجوع لغيرها للتأكيد من سلامتها، وكنا قد رجعنا إلى المصادر الإسلامية في التفسير والتاريخ والفرق للتأكد من حقيقة تلك النصوص، وهذه تشكل نقطة ضعف في دارسة (وات) للسيرة النبوية ولذا وقع في أخطاء واوهام، وانّ الدارس المتفحص لكتاب (محمد في مكة ) يقف على اجتهادات جيدة للمستشرق (وات) من جانب، وعلى هفوات من جانب آخر .


-------------------------------------
(*) الكلية الإسلامية الجامعة / النجف الأشرف.
* هوامش البحث *
([1]) وات :محمد في مكة ص 101.
([2]) وات: محمد في مكة ص 138.
([3]) المصدر نفسه ص 146 .
([4] ) وات: محمد في مكة ص 172.
([5]) وات: محمد في مكة ص 146.
([6]) وات: محمد في مكة ص 12.
([7]) وات: محمد في مكة ص 23 – ص24.
([8]) وات: محمد في مكة ص 189.
([9]) وات: محمد في مكة ص 13.
([10] ( Montgomery Watt: lslam and The integration of Society. p. 259 -260.
([11]) وات: محمد في مكة ص 160.
([12]) وات: محمد في مكة ص 94.
([13]) وات: محمد في مكة ص 107.
([14]) المصدر نفسه ص 31.
([15]) وات: محمد في مكة ص 56.
([16]) وات: محمد في مكة ص 95ـ ص 96.
([17]) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 94.
([18]) الاسراء: 106.
([19]) الطوسي: التبيان 6/531.
([20]) وات: محمد في مكة ص 144ـ ص145.
([21]) الطبري: التاريح 2/307.
([22]) الطبري: التاريخ 2/309.
([23]) المصدر نفسه 2/310.
([24]) المسعودي: مروج الذهب 2/283.
([25]) وات: محمد في مكة ص 65.
([26]) المصدر نفسه ص 73.
***