البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أخبار و انتقادات

الباحث :  تيودور نولدكه
اسم المجلة :  دراسات إستشراقية
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - ربيع 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 16 / 2016
عدد زيارات البحث :  714
أخبار و انتقادات

بقلم تيودور نولدكه
ترجمه من الالمانية د. قاسم العكيلي(*)
ـ 1 ـ
كان من ميزات المستشرقين الالمان اضافة الى تحليهم بالمنهج الموضوعي، وغزارة المصادر التي يرجعون إليها، هي بدأهم بعملية الانتقاد للدراسات الاستشراقية السابقة، فقد نوه قسم من هؤلاء المستشرقين الى وجود العديد من الدراسات الاستشراقية المتعصبة، والمتحاملة على الاسلام، واصفين اياها بانها متعجلة في احكامها وفقيرة على مستوى المصادر، نجد هذا الحس عند رايسكه، ورودي باريت، ومؤخرا ورزنثال الذي طالما انتقد بعض الدراسات الاستشراقية، خصوصا في موضوع فهمها للغة العربية، حيث كانت الترجمة الرديئة للنصوص العربية ادت الى شطحات كبيرة في اراء المستشرقين حول التاريخ الاسلامي، فيما تبدو براعة المستشرقين الالمان وريادتهم في التعمق بفقه اللغة (الفيولولوجيا) انها قد انتجت دراسات رصينة وعلى مستوى عالي من الموضوعية، وقد كان شيخ المستشرقين الالمان (نولدكه) من البارعين في هذا المنهج، خصوصا بعد ان اهتم بالدراسات القرآنية التي كانت متكأه على فهم اللغة العربية.
وفي هذا البحث المختصر قام نولدكه بتعرية اراء المستشرق اليسوعي لامنس من صفتها العلمية، ولم يبقَ لها سندا من الموضوعية الا انسياق هذا المستشرق المتحامل على الاسلام مع ميوله الدينية ومصالح بلاده، واذا ما اردنا ان نميز بين اراء الاثنين فاننا نجد انهما ينتميان الى مدارس مختلفة، ان طبيعة لامنس وتواجده في الشرق، في خدمة بلاده الاستعمارية هي التي فرضت عليه هذا النمط من الدراسات، بينما كان نولدكه متحررا من اسر السياسة، متوجها الى زيادة حصيلته العلمية ونتاجاته من بحوث ومؤلفات، كما قام نولدكه برعاية مجموعة من التلاميذ وقد اكملوا مشروعه في الدراسات القرآنية من بعده، وغالبا ما كان يوصيهم بقول الحقيقة وان عرّضتهم للملامة.
لقد ركز نولدكه في هذا البحث على اراء لامنس التي تدّعي ان حياة البدو القاسية التي عاشتها الشعوب العربية كانت سببا في تأصّل حالة العداء عندهم، وولدت الرغبة ليدهم في غزو الاقوام المجاورة لهم، مبيناً أن هذه الصفة مرت بها جميع الاقوام البشرية منذ القدم، وليس صفة خاصة بسكان الجزيرة العربية. واذا ما كان هذا الرأي صحيح على حد قول لامنس فأن نولدكه يرد عليه باننا مدينون لهؤلاء البدو الذين كونوا فكرا متحضرا بالمقارنة مع الاقوام المعاصرة لهم. كذلك فنّد نولدكه في هذا البحث الوجيز آراء لامنس في موضوعات عدة منها تأثير الثقافة المسيحية على الاسلام، ومكانة الشعراء عند المسلمين، وموضوع الانساب، وبعض مفردات اللغة العربية.
المصدر: بحث لثيودور نولدكه بعنوان: (أخبار وانتقادات) رداً على كتاب لامنس : (فاطمة وبنات محمد) المنشور في مجلة (الإسلام) الصادرة في شتراسبورغ عام 1914.
ـ 2 ـ
يُعد (لامنس) صاحب الفضل الأكبر في تناوله الدين الإسلامي الفتي بشكل نقدي وبناء، وها هو اليوم في مقام وصف البيئة التي نشأ فيها الإسلام. يتعرض (لامنس) في الجزء الأول من كتابه إلى بيان أحوال الحضر في الجزيرة العربية، يليه كلام عن تأريخ النبي مرحلة تلو أخرى. و تقديمه البدو على سائر الناس في كتابه شيء مبرر، على الرغم من عدم كون محمد والمقربين منه من هؤلاء، وذلك لأن الحضر أنفسهم ذوي مرجعية بدوية, فالبدو هم النواة لحقيقة الحضر. ومحتويات الفصل الأول هي مجموعة من المحاضرات الأكاديمية التي ألقاها لامنس في بيروت في العام 1905، و أخرى ألقاها في الفترة الأخيرة في روما، ولا يخفى أن الحيوية والاستفاضة والتكرار أمور من السهل أن تصاحب مثل هذه المحاضرات. والواضح أن الكتاب يستند على دراسة شاملة، ومما يثير العجب هو الكم الهائل من المصادر المستخدمة فيه.
يضاف إلى ذلك أن الكاتب وأثناء إقامته في سوريا كان قد راقب العرب هناك عن كثب، وهذا الأمر قد ساعده كثيراً في أن يكوّن صورة عن العرب في وطنهم الأم. أما بالنسبة لرجل مثلي لم يكن قد رأى الشرق فإن هذه بالطبع نقطة سلبية للغاية. بيد أنني من الممكن أن أسد مثل هذه الثغرة من خلال دراسة الشعر العربي القديم ومصادر عربية أخرى، أو من خلال ما أستقيه من فم (أويتينك) و (ليتمان) وبعضا مما جاء به (سنوك) و (هوبر) عن البلاد والعباد في المنطقة العربية.
وما (لامنس) بمنأى عن هذا، فإنه ما فتئ يعتبر نفسه معنيا بهذه الأشعار. أما ما يخص الصور الشعرية التي بدت له من هذه الأشعار فتصح عندي بشكلها العام وليس في كامل تفاصيلها. وقد يبدو الميل إلى النكتة والمبالغة لديه مبررا بعض الأحيان. فهو, على سبيل المثال, لا ينظر إلى محمد ومقربيه والإسلام بعين النزاهة وروح الحياد, وهو ما يصعب على رجل مثله، والأحوط للمؤرخ أن يتحلى بمثل هذه الصفات. فأطروحات لامنس تعطي انطباعا وكأنه مدع وليس قاض نزيه.
وهو متعاطف كثيرا مع الأمويين. وهذا ما نعرفه من أعماله السابقة. وأطروحاته هذه لا تبدو مثارا للإزعاج في هذا الفصل من كتابه. وحين يتعامل لامنس مع الغرب العربي، وبالمعنى الأعم مع الحجاز، فإنه إنما يتناول كل المنطقة العربية وبالتحديد المنطقة السهلية الداخلية.[1] وهذا فهم لا يجد المرء عنه محيص، لأن الجزيرة العربية لا تعرف حدودا توضح لنا معالمها، زد على ذلك أن مساحات واسعة كنجد مثلا لها نفس الطبيعة الجغرافية التي للحجاز، وهي بهذا تشابه الحاضنة الأولى التي ظهر فيها الإسلام، وفوق كل هذا اختلاف السكان في المناطق المختلفة. ونجد بعضا من البدو يرعون قطعانهم في الحجاز، ومرة في نجد، وبعضهم اعتاد على أن يقيم هنا وهناك. ويصور لنا لامنس كيف أن الجدب قد جعل السواد الأعظم من الحجاز غير ذي زرع.
ورغم أن لامنس يبين أن التصحر قد أخذ بمرور الزمن من الجزيرة مأخذا عظيما، فهو يقر في الوقت نفسه أن هذه الظاهرة الطبيعية كانت تسير ببطء، وبهذا فإنه يرفض فرضية كون بيئة الجزيرة العربية رطيبة صالحة لسد رمق عدد كبير من السكان. لكننا نجده يؤكد، من جهة أخرى، على أنه لم يكن كامل البلد على هذا الحال من التصحر، بل أن هناك قطع منه خصبة وبعض براريه كانت صالحة لرعي الجمال والمواشي. أريد أن أقول أن لامنس ركز وبقوة على وصف الجوانب الإيجابية من أرض هذه المنطقة. بيد أنني استقيت من الشعر والرحالة ما مفاده أن التصحر هو بلا ريب السمة الغالبة على هذه المنطقة. فبلد لم يشهد أمطارا لسنين طويلة ولم تكن له تلك القيمة، لا ينبئ بالضرورة أن هذا البلد سيكتسب قيمة لمجرد زخات مطر تجعل منه بلدا مخضرا لفترة قصيرة من الزمن.
والقول بوجود مجاري أنهار دائمة خارج اليمن-البلد الوحيد الذي يحوي آبارا-في الجزيرة العربية أو في الحجاز أو المناطق المحاذية هو من متشابه القول. ولا كلام عن وجود شلالات. وما جاء عن ابن سعد عن ياقوت فيدور حول وجود قطرات ماء منحدرة من جبل، فلا ذكر لماء دافق ولا كلام عن شيء من مرتفعات الجبال. فماء الشرب في غاية الرداءة وملوث إلى درجة كبيرة.[2] أما الثلوج فليست غائبة تماما عن غرب الجزيرة العربية. فهذا عبيد بن الأبرش يتحدث عن مزرعته التي غطاها الثلج في الربيع في أرض بني أسد. كذلك أجد القول أن الجزيرة العربية مؤلفة من فسيفساء من مئات الشعوب دون آصرة إثنية أو بدنية قولا مبالغا فيه، أو أنه مجرد سوء فهم.
والحق أن العرب الحضر والبدو ينقسمون إلى أجناس وقبائل، بعضها غريب عن البعض الآخر، لكننا لو استثنينا المناطق الجنوبية، فإن سكان الجزيرة العربية والجزيرة السورية والجزيرة الواقعة في بلاد ما بين النهرين هم في الحقيقة من نوع بشري واحد. ويرينا لامنس أن البدو من عنصر بشري واحدة، لكنه في وصفه هذا لم يتوقف عند حدود الحجاز، كما يُفهم مما ذُكر أعلاه. ولا يعاب على لامنس أنه يستشهد بين الحين والآخر بالعرب الحضر في العصر الإسلامي اللذين لا يتنكرون لمرجعتيهم البدوية.
فوصفه للحالة البدوية يمدح عليها، رغم أني لا أوافقه في بعض التفاصيل. فنجده يميل ميلا شديدا إلى التركيز على الجوانب السلبية عند البدو. والبدوي ينظر إلى قبيلة غير منضوية في حلف مع قبيلته أنها قبيلة غريبة وفريسة ثمينة، وهذه ليست نظرة حديثة، إنما هي سمة مرت بها كل الشعوب المتحضرة. مثل ذلك نجده في مغامرة اودسيسوس عند عودته إلى وطنه وكيف أنه هاجم مدينة اسماروس التي كانت تعيش في سلام، وهكذا دواليك.
فالوضع المزري الذي يمر به بلده يجعل من البدوي لصا، ولم يستطع الإسلام أن يضع حلا نهائيا لهذا الظاهرة. أنا أوافق على حقيقة وجود الكثير من هفوات البدو. لكننا في المقابل ندين بالعرفان لهؤلاء البدو لما وصلوا إليه من تطور فكري رغم أميتهم مقارنة مع أبناء بلدان أخرى ذات طبيعة فقيرة. فالصور الشعرية التي نجدها في قصائدهم هي بمثابة امتياز فريد لهم. ليت شعري ما أسرع أبناء البدو وأحفادهم في تلقي تعليمهم العالي في البلدان المفتوحة! أما ما يختص بتخمين عدد سكان المنطقة العربية الآن[3] أو في القرن السادس بعد الميلاد حتى ولو بشكل تقريبي فأحسبه مغامرة خاسرة.
وعدم الطمأنينة في تخمين عدد السكان يرجع إلى الشهادات والإشارات التي أدلى بها الشعراء عن أبناء قبائلهم أو المقاتلين الذين حشدتهم القبائل في هذه المناسبة أو تلك. فمن المجازفة القول مثلا أن لقبيلة عدوان التي ليس لها ذلك الصيت 40 ألفا من الصبية غير مختنين[4] وقد يزيد العدد على سبعين ألفا. هذه الأعداد يمكن قسمتها على مئة.[5] ومبالغات الشعراء المغرورين بقبائلهم لها شواهد، وتعد من أكاذيب العرب.[6] فزيد الخيل المشهور يصف فرسان قبيلته قائلا أنه ليس بالمستطاع أن يميز المرء حتى الحصان الأبيض من شدة زحام الفرسان وقد دكت حوافر خيولهم الجبال، لكن بالمقابل نجده يعترف في رد على سؤال ابنته له أن كل ما لديهم كان ثلاث خيول ذكور. وكذلك ما أشيع عن فرسان سليم من أنهم كانوا كسراب الجراد حين زحفوا ضد خذام، وفي الحقيقة كان لديهم حصان واحد، ليس غير. يبدو لي أن لامنس قد بالغ في عدد الخيول في المنطقة العربية آنذاك، فلا يمكن إطعام أعداد كبيرة من هذه الخيول.
وفي وقعة "جبله" التي تعد الأكبر في المنطقة العربية والتي تغنى بها العرب وقالوا عنها الكثير لم يكن لكلا المتحاربين إلا ثلاثون من الخيول. وفي بدر لم يكن لمحمد أي حصان[7] . رغم ذلك يمكننا أن نذهب إلى صحة العدد الذي يُذكر عن سليم في جيش محمد, وهو العدد 700[8], بل أن شاعرهم يصحح العدد إلى أعلى فيكون ألفا. وهذا بدوره لا يعني أن كل بني سليم كانوا يمتطون الخيول. ولا أصدق الشاعر في قوله أن كل هؤلاء الألف كانوا مدججين بالسلاح, وبجانبهم جنود بأسلحة خفيفة. نعم! إن تعظيم رجل وجيه وغني بقصيدة من قبل شاعر ليس لشئ سوى ليغدق عليه العطايا يترك لدينا انطباعا سيئا. ولكن هذا لم يقتصر على العرب حسب, فلا يختلف (بندار) عما كان يفعله العرب.
وساعد عدم وجود مفهوم "الملكة الفكرية وحقوق الناشر"، على أن يسلك الشاعر طريقا آخر لتأمين رزقه وهو أن يكسب مودة أهل الخير والبر. مع ذلك يمكن أن تجد الصدق والأدب في مثل هذه القصائد، لكن ليس دائما. وقد أصاب هذا المديح بعض من يستحقه كقصيدة زهير لحارم ابن سنان والحارث ابن عوف. أما ما يخص قصائد الهجاء فغالبا ما تكون فظيعة خصوصا حين يقوم أحد ما بالنيل من الشاعر أو انه لا يلبي توقعاته أو عندما يقف منافسا له. وتبرز للعيان المشاحنات القذرة للشعراء المتنافسين خصوصا في النصف الثاني من القرن الأول. وقد كان لإظهار محاسن ومزايا القبيلة دورا كبيرا في قصائد العرب وخطبهم آنذاك، وكان يحتفى كثيرا بالشجاعة وإكرام الضيف بشكل نفهم منه أن مثل هذه الفضائل لا توجد لديهم هناك. وهذا مدعاة للشك أن هذه ليست حالة عامة[9].
ثم يتناول لامنس بالتفصيل أحوال رؤوس الأسر والقبائل، أو من يسمون بالسادة. وتقدم لنا القصائد والموروث النثري مادة غنية بهذا الشأن. وهذا الطبقة مثيرة للاستغراب كثيرا، ولا نعرفه إلا في النظم الحكومية المستقرة. فغريب أن يعتلي رجل سلطة دون عنف، بل لغناه أو شجاعته أو ذكائه ودون أي تحرك حكومي. قد يبدو مثل هذا الشرف وكأنه لا قيمة له وهذا ما ذهب إليه لامنس. لكن العربي الأصيل والأسر العربية الأصيلة تفخر في أن تكون تحت سلطة مثل هذا الرجل، رغم ذلك فللفرد أو للعائلة الحرية في التنصل من هذه السلطة لسبب أو لآخر. وسلطة السيد هذه تبرز على وجه الخصوص في الحرب أو الغزو.
ودليل أهمية "السيودية" تبرز من خلال الحصة التي يجنيها السيد من الغنيمة، وهي الربع. ولابد من الإشارة إلى أنه لا يجوز لرجل أن يصل رياسة عائلة أو قبيلة أو حتى مجموعة من القبائل لولا مرجعيته لعائلة معتبرة. ولم تعرف العرب طبقة من الشرفاء منطوية على نفسها كما هو الحال عند الدول، بل أن قيمة العائلة كان لها أهمية كبيرة عندهم، وهذا ما يريد أن يقوله لامنس. فالحسب والنسب كان لهما وزناً كبيراً.
فمن هو من بيوت كمخزوم في مكة أو كبدر عند فزاره كان علامة دناءة منزلته. و لم نجد سيدا يشكو من شقة وضعف، فلم يحدث أن اشتكى أميرا ما أعباء التاج، ولم ينزعه أحد هذا التاج تطوعا إلا قليل. وهناك حالات فردية أيضا شهدت تنصيب بعض زعماء العشائر أنفسهم أمراء على الناس[10]. وهذا ينطبق تماما على بني كليب التي لا نعرف عن تاريخها الكثير، في حين أن هناك أسر رزحت تحت الحكم الروماني والفارسي تختلف عن كليب ونظيراتها. وهذا هو أيضا حال ملوك كنده الذين وصلوا إلى سدة الحكم من خلال التأثير الأجنبي.
ويبالغ لامنس في مدى التأثير المسيحي على العرب قديما. رغم أن المسيحية لم تكن لها تلك القوة المؤثرة في الشرق آنذاك. وعليه فلا مجال للتكهن بمدى انتشارها بين شجعان بني عذرة في وادي القرى. لكن المتيقن هو أن هذه القبيلة قد اعتنقت الإسلام دون أي مقاومة حالها حال الكثير من القبائل. وحتى قبيلة عذرة هذه التي خطفت الأضواء لوجود شاعرهم الغزلي (جميل) والذين يموتون إن أحبوا، دخلوا الإسلام ولا تجد للمسيحية أي أثر بائن فيهم.
أريد أن أطرح بعض الملاحظات المتعلقة بالمسائل التالية. إن وصف العربي الكلاسيكي بأنه لهجات قرآنية كلام غير مناسب ولا أريد أن أتعرض له بالشرح مرة أخرى هنا.ومن فوائت لامنس التي تثير الاهتمام هو فهمه أن المقصود بمفردة (الطور) هو طوروس. أما أسطورة الاستسقاء فيهودية منسوبة إلى محمد. ليس لدينا أي شاهد قديم في المنطقة العربية يشير إلى حقيقة جهنم التي تحت الأرض. كما أنني أريد أن أقول أن المعلومة التي تقول أن محمداً كان قد شرب النبيذ (عصير التمر) ما هي إلا صناعة لأحد المدارس الفقهية التي قيدت حرمة الشراب المسكر على نبيذ العنب.
وقول القران في السورة 26 الآية 226 "يقولون ما لا يفعلون" تنطبق بشكل أو بآخر على الشعراء. فالواقع الذي يصورها لنا الشعر ببهائه المنسوج من نسمات الصباح وصفاء الشمس لا تعبر عن الحقيقة. فالمثل التي يتحلى بها الشعراء تختلف في الحقيقة باختلاف الشعوب. يرى المقدسي في (قرح) أنه أهم مكان تجاري بعد مكة، ولا يعدها أهم ثاني مدينة في البلاد. لكن أهمية قرح للنشاط التجاري قديمة ونستطيع أن نثبتها من خلال بعض الأبيات الشعرية عند ياقوت. عبد الله بن جحش لم يسم (أمير المؤمنين) بل الثابت أن محمدا أمرَّه على الجند.
وعليه فسيد لا يعني أميرا في الشعر القديم، وحتى القادة اللذين كانوا قد تقلدوا مناصب عليا لم يكونوا يحملون لقب أمير المؤمنين إلا ما ندر. ولا أجد من التاريخ القول أن الكاهن يخاطب الناس ب (يا عبادي) وهم يخاطبونه ب (يا ربنا) لأن هذا ليس إلا تعبير عن نظرة المسلمين تجاه الوثنيين. وربما لا نجد حتى ولو حديثا واحدا صحيحا عما نقل بخصوص الكهنة.
ومفردة (أحلام) في بيت الفرزدق، لا أستطيع أن أقول شيء عنها سوى أني أوافق الكاتب أنها جمع (حلم) وليست جمع (حلم) بكسر الحاء. كما أن تحريم الموسيقى لم يكن منشأه تلك الموسيقى العربية الأصيلة البسيطة، بل أنها إنما حرمت لاستيراد تلك الموسيقى الآلية واللفظية ذات الطابع الشهواني التي جاءت من بيزنطة وبلاد فارس والتي ازدهرت بادئ ذي بدء في المدينة إبان العصر الأموي. وقد حاول المتعصبون اجتثاث المسبب من خلال إصدار منع عام للموسيقى، وهذا يشابه ما يفعله القساوسة من منع رجال الدين من مشاهدة المسرحيات التي قد تفتنهم وتضر بنفسيتهم. و لم يكن لتحريم الموسيقى أي أثر يذكر في القرون الأولى، وهذا ما نستشفه من كتاب الأغاني.
أما ما يخص الحديث الذي يسرده (لامنس) في صفحه 284 والذي يلعن فيه محمد أولئك الذين يتباهون بالنسب فلا صحة له حاله حال الآلاف من أشباهها، لأن هذا الحديث لا يعبر إلا عن وجهة نظر مدرسة أو زعيم مدرسة، وواضعه لم يكن عربيا قحا بل هو أحد الموالي. لماذا نذهب إلى عدم أصالة أبيات سنان بن أبي حارثة وليس حارثة بن أبي سنان؟ بعض ما سرده لامنس من أبيات يحتاج إلى مراجعه. فهناك إخلال ببعض القواعد الشعرية واللغوية والمعنى كما هو الحال في (ولو عرفت ...). وهناك الكثير من هذه الأخطاء الصغيرة التي وردت في كتاب لامنس لكنها ليست بتلك الأهمية. والكتاب بصورة عامة إنجاز مفرح.
(*) جامعة البصرة / مركز دراسات البصرة والخليج العربي.
* هوامش *
([1]) تستعمل مفردة (حجاز) للإشارة إلى كامل هذا الإقليم، والذي عاصمته المدينة، أنظر على سبيل المثال المقدسي/69. فمكة لم تكن جزءا من الحجاز، كما أورد ذلك البلاذري13/7/10, إنما هي جزء من تهامة, كما ذكر الطبري/الجزء الثاني/845, أضف إلى ذلك الشواهد القديمة التي ساقها ياقوت.
([2]) أخبرني (هوبر) مرة حين كنا نشرب من ماء مدينتنا (شتراسبورغ) إن مثل هذا الماء لا تجده في كل المنطقة العربية.
([3] ) المقصود في زمن الكاتب.
([4]) أي تحت سن الثانية عشر.
([5]) المقصود هو أن هذه الأعداد أكثر بكثير من الأعداد الحقيقة.
([6]) الكامل في التاريخ/ ص 349.
([7]) أنظر: ابن هشام/ ص 433.
([8]) أنظر: ابن هشام 810.
([9]) أي حالة الكرم والشجاعة.
([10]) كما حدث بين الوهابية وآل سعود.
***