البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأرض والتربة الحسينية

الباحث :  تأليف العلاّمة محمّد الحسين كاشف الغطاء قدس سره (1294 ـ 1373 هـ) تحقيق رباح كاظم الفتلي
اسم المجلة :  تراثنا
العدد :  71
السنة :  السنة الثامنة عشرة رجب ـ ذو الحجّة 1423 هـ. ق
تاريخ إضافة البحث :  February / 16 / 2016
عدد زيارات البحث :  384
الأرض والتربة الحسينية
تأليف
العلاّمة محمّد الحسين كاشف الغطاء قدس سره
(1294 ـ 1373 هـ)

تحقيق
رباح كاظم الفتلي


(299)












مقـدّمة التحقيق :
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد خير الأنام ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الكرام .
أمّا بعد ..
لقد أجمعت الأُمّة على أنّ أفضل مكان للسجود هو الأرض ؛ بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لقد جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » (1) .
وهو محلّ اتّفاق ؛ لقولَي الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « السجود على الأرض أفضل ؛ لأنّه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزّ وجلّ » ..
و : « السجود على الأرض فريضة ، وعلى غير الأرض سنّّة » (2) .
وهنا يلاحظ أنّ الجميع ـ بدون استثناء ـ متّفقين على أنّ السجود على الأرض هو الأفضل .


(1) انظر : صحيح البخاري 1|149 ح 2 وص 190 ح 98 ، صحيح مسلم 2|63 ـ 64 ، سُـنن الترمذي 2|131 ح 317 ، سُـنن أبي داود 1|129 ح 489 ، سُـنن النسائي 2|56 ، مسند أحمد 2|240 و250 .
(2) الوسائل 5|367 ح 1 و2 باب 17 إستحباب السجود على الأرض .

(300)




ولكن عندما نلاحظ مناخ الجزيرة العربية آنذاك ، وما تحمله من الطقس الحارّ وارتفاع درجات الحرارة والجفاف الذي كان يسود أجواؤها ، ممّا يعني صعوبة السجود على رمضائها ، حاول كثير من الصحابة إيجاد منفذ للتخلّص من السجود على هذه الأرض الحارّة ، فكان أكثر الصحابة يحتفظون بأشياء مرتبطة بطبيعة الأرض ، فبدؤوا بأخذ الحصى والاحتفاظ به لحين موعد صلاتهم ؛ وذلك لدفع الضرر الحاصل من السجود على الأرض السـاخنة ، لذا أصبحت هي البديـل في سجودهم ، وقد صرّح بذلك كثير من الصحابة ، منهم : جابر بن عبدالله ، وأنس بن مالك ، وغيرهم ..
فقد قال جابر بن عبدالله : « كنت أُصلّي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فآخذ قبضة من الحصى ليبرد في كفّي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدّة الحـرّ » (1) .
وقال أنس بن مالك : « كنّا نصلّي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه » (2) .
وعن ابن عمر : « مُطرنا من الليل فخرجنا لصلاة الغداة ، فجعل الرجل يمرّ على البطحاء ، فيجعل في ثوبه من الحصباء فيصلّي عليه ... » (3) .
فثبت لنا هنا أنّه يمكن أن نأخذ شيئاً من الأرض شرط الطهارة بديلة لها ، وتكون حاضرة معنا في حلّنا وترحالنا ؛ والكلّ يعلم أنّ الحصى


(1) راجع : مسند أحمد 3|327 ، المستدرك على الصحيحين 1|309 ح 701 ؛ وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وأقرّه الذهبي في التلخيص ، السُـنن الكبرى 2|105 ؛ وفيه :
قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكفّ ، ووضعها للسجود عليها .
(2) السُـنن الكبرى 2|106 .
(3) السُـنن الكبرى 2|440 .

(301)


والحجر والرمل هي من مسمّيات الأرض أيضاً ، ويصحّ للمسلم السجود عليها .
وقد ذكر ابن سيرين أنّ (مسروق بن الأجدع) كان يأخذ في أسفاره لبنة يسجد عليها (1) .
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخُمرة (2) فيسجد عليها (3) .
من هنا تتّضـح الصورة ؛ إذْ لم يكن عمل (التربة) وليدة العصور المتأخّرة ، بل كانت منذ الصدر الأوّل للإسلام .
إنّ الأصل واحد في كلّ المذاهب ، ولكن من دوّن السُنّة والتاريخ ، وكتب في مجال الفروع والأُصول حاول أنْ يُجزّئ بعض المفاهيم العقائدية ، ويصوّرها حسب الهوى ، بل ربّما حسب الوضع السائد آنذاك لمصلحة فردية يُراد بها الخروج عن مسار النهج الإسلامي .
وإنّ الخوض في مسألة المسجد والسجود ، والتعامل معها وفق الشروط والمفاهيم التعبّدية التي جاءت بها السُنّة النبويّة ؛ صعبة التطبيق في عالمنا الحاضر ؛ بسبب قلّة الوعي الفقهي .
ولكي تكون هنالك فريضة متكاملة علينا أن نفهم أنّ الأُسس والقواعد التي تمّ تأسيسها منذ بداية البعثة النبويّة وإلى يومنا هذا هي نفسها ، ولم يتمّ تغيير ولو جزء بسيط لمفهوم هذه الفقرة أو تلك ، ولكن


(1) مصنّف ابن أبي شيبة 2|172 ح 1 و 3 .
(2) الخُمرة : حصير صغير من سعف النخل يُتّخذ للصلاة ؛ انظر : لسان العرب 4|213 مادّة « خمر » .
(3) إرشاد السّاري لشرح صحيح البخاري 2|48 .

(302)




بقي السؤال عالقاً في أذهان الكثير : لماذا نبحث مثل هكذا موضوع ، ونحن نعلم أنّ الأرض هي أساس الطهارة ؟
فهنا يجب أنْ نجد بديلاً للتراب ؛ لأنّ الحياة قد اختلفت كثيراً وتطوّرت بسبب متطلّبات العيش ، وسهّل هذا التطوّر الكثير من الأُمور ، واختلف فيها الكثير ـ والاختلاف واضح كما مرّ آنفاً ـ ولكن ليكتمل نصاب قضية ما ـ خصوصاً ونحن في هذا البحث ـ يجب إيجاد محلّ طاهر لوضع الجباه عليه حين السجود دون الابتعاد عن مسمّى التراب ، وهذا لا يكتمل إلاّ أن نأخذ من التراب نفسه ونعمل منه شيئاً يحافظ بدوره على الصفات التي تتمتّع بها الأرض ، فبدأ ظهور الألواح الطينيّة الطاهرة ، والتي تسمّى في عصرنا الحاضر : « التُربة » .
وهنا يبدأ الحوار : لماذا تمّ اختيار التراب ، دون سواه ، لكي تكون تربته صالحة لعمل هذه التربة ؟ وأيّ تراب يمكن أن نعمل منه هذه الأقراص ؟
قد يقال : لماذا صُنعت هذه الأقراص ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد على الحصير ، وتارةً يسجد على الخُمرة ، وتارةً يباشر الأرض بجبهته الشريفة (1) ؟
ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لم يسجد على الفراش أو السجّاد ، والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير وأمثالها ، فليس هنالك دليل يسوّغ السجود عليها ، بل الأدلّة بخلاف ذلك ؛ لأنّ الغاية منه هو الخضوع


(1) انظر : صحيح البخاري 2|223 ح 242 ، سُـنن الترمذي 2|153 ح 332 ، مسند أبي يعلى 12|311 ح 6884 وص 448 ح 7018 ، المعجم الكبير 23|351 ح821 و822 .

(303)





والتذلّل لله تعالى ، ولا سيّما أنّ الصلاة هي عماد الدين .
وقد قيل للإمام جعفر الصادق عليه السلام : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز ؟
قال عليه السلام : لا يجوز السجود إلاّ على الأرض ، أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لبس .
فقال له : جعلت فداك ، ما العلّة في ذلك ؟
قال عليه السلام : لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يكون على ما يُؤكل ويُلبس ؛ لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الّذين اغترّوا بغرورها ، والسجود على الأرض أفضل (1) .
إذاً لا يمكن السجود على ما مرّ ذكره إلاّ على الأرض ، أو ما أنبتت غير مأكول أو ملبوس .
وكثير ممّن يحاول أن يدسّ السمّ ويكفّر المذهب الشيعي يقول : إنّ الشيعة يعبدون شيئاً يسجدون عليه !
ونقول : إنّ الشيعة في سجودهم يسجدون على قطعة من تراب طاهرة ، ولا يسجدون لها ، حسب المفهوم الخاطئ ، وليس كلّ مسجود عليه معبوداً ، وإلاّ لكان الساجد على السجّاد عابداً له .
علماً بأنّ الشيعة لم تعدّ السجود على التربة من واجبات صلاتهم ، والدليل على ذلك سجودهم في الحرم المكّي ، أو مسجد الرسول ، على أرضيتهما المقدّسة ، والأرضية هذه مفروشة بالبلاط ، وكما قلنا سابقاً تعدّ


(1) علل الشرائع 1|37 ح 1 باب 42 .

(304)






من مسمّيات الأرض ؛ فيجوز السجود عليها .
وبعد هذا المطاف نعود ونقول : أهنالك مانع بأن نصنع بديلاً لتراب الأرض تتواجد فيها صفات الطهارة كافّة ، ويكون سبباً لاطمئنان المسلم بصحّة سجوده في صلاته ؟!
والجواب : لا مانع من ذلك ؛ ولهذا وجدت « التربة الحسينية » ؛ إذ أنّها بما تحمله من قدسية الأرض المأخوذة منها من ناحية ، واجتماع الشروط التعبّدية فيها من ناحية أُخرى ، صارت البديل الأمثل لتراب الأرض .
ولو تمعّن المسلم لوجد أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ذكر هذه التربة في أكثر من مورد ، وقد أقبل بها جبرئيل ، وأخبره بأنّ ابن ابنته يقتل بها ، وقد أعطى الرسول هذا التراب إلى أُمّ المؤمنين السيّدة أُمّ سلمة وصرّته ، كلّ هذا ذكره أصحاب التواريخ والسير (1) .
إذاً لماذا لا تكون لهذه الأرض قدسيّة خاصّة ؟! وما المانع لو جُعل منها شيء يبقى على مدى التاريخ ، مذكّراً بما جرى لعترة الرسول من بعده في طفّ كربلاء ، ويكون شاهداً وحاضراً للأجيال على مرّ السنين ، لكي تبقى هذه الجريمة البشعة عالقة في الأذهان ، والتي ارتكبت في فترة مظلمة من تاريخ الأُمّة الإسلامية .
إنّ العلاّمة كاشف الغطاء قدس سره قد أحاط بالموضوع من جميع جوانبه ، وجعل طرحه مبنيٌّ على الأُسس والقواعد العلمية والفقهية ، متعرّضاً لمفهوم


(1) مسند أحمد 1|243 وص 283 وج 3|242 ، و3|265 وج 6|294 ، المعجم الكبير 3|108 ـ 110 ح 2819 ـ 2822 ، العقد الفريد 3|368 ـ 369 ، دلائل النبوّة 6|468 ـ 470 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ : 231 ـ 234 ح 1 ـ 6 ..
وسيأتي تمام البحث في صفحة 352 وما بعدها .

(305)



الأرض من الجانب العلمي ، وتكوين الكواكب السيّارة ، وارتباط بعضها ببعض ، إضافة إلى ربط المفهوم العلمي بالمفهوم الفقهي ، وبالنتيجة ظهر هذا الأثـر القيّم ؛ ليكون دليلاً واضحاً لمَن أراد أن يفهم ويدرك هذه الحقيقة .

(306)


















حياة المؤلّف (1)

مولده ونشأته :
ولد الإمام الشيخ محمّد الحسين بن الشيخ عليّ بن الشيخ محمّد رضا ابن الشيخ موسى بن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء ، في محافظة النجف عام 1294 هـ|1876 م .
نشأ بها على أبيه ، فقرأ مقدّمات العلوم من نحوٍ وصرفٍ ومنطق ومعانٍ وبيانٍ ، وتوسّع في طلب العلوم ، فقرأ كثيراً من العلوم التي ابتعد عن قراءتها كثير من أبناء العرب ، كالهيئة والفلك والحساب والحكمة والكلام ، وتتلمذ في دراسة الفقه والأُصول على أساتذة عصرهم ، كالإمام اليزدي والخراساني والفقيه ملاّ رضا الهمداني ـ صاحب المصابيح ـ والسيّد محمّد الأصفهاني ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي ، وفي العلوم الأُخرى على الميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي ، والشيخ أحمد الشيرازي ، والشيخ محمّد رضا النجف آبادي ، وغيرهم من مشاهير العلماء المختصّـين .
كان ذو شخصية فذّة ، فقد جُمعت فيه كثيراً من النواحي التي عزّ أن تُجمع في فقيه أو في زعيم ديني ، فكان من بيئة دينية أنجبت الفقهاء والعلماء والأُدباء ، كان متواضعاً ، شيّق الحديث ، وفيّاً .
يجمع إلى جانب علميّته ، قوّة البيان العجيبة والقريحة الأدبية اللامعة ، فكان يسترسل في حديثه كأنّه حفظه عن ظهر قلب ، وعندما يكتب فكأنّه


(1) اختُصرت من موسوعة شعراء الغري 8|99 ـ 191 .

(307)





ينقل شيئاً مسطوراً دون أن يمرّ عليه أو يقرأه ثانياً ، وكثيراً ما يملي المقالات ذات الشأن ، أو هي موضع المناقشة والاختلاف دون أن يكون لأحد عليه أي إيراد أو نقد .

أُسلوبه وآراؤه :
كان ـ قدّس سرّه ـ يجمع بين قوّة الأُسلوب في التحرير ، وعلوّ الكعب في الخطابة والبيان ؛ فقد كانت خطاباته واندفاعاته في التعبير عن القصد كالماء الذي ينحدر من شاهق دون أن يتأمّل في الكلام ، وعندما يتكلّم لا يأتي بألفاظ شعبية ، فصيح القول ، يستحضر الأمثال العربية والكلمات المأثورة ، والحديث النبوي الصحيح ، ويمتاز بظاهرة بارزة كونه يتذكّر الحوادث البعيدة ، ويشخّص الأزمنة البائدة ، ويستحضر الوقائع .
مارس حياة طبيعية ؛ فقد كان يعطي دروسه في ديوانه ، ويقابل الوافدين عليه وذوي المصالح ، ويفصل بين المتخاصمين ، كان يقرأ ويكتب كثيراً ، وكان يؤمُّ الجماعة في الحرم الحيدري ، ويخرج منه إلى حلقته العلمية ، فيلقي درساً في الفقه ، وهو جالس على المنبر ، وقد أحاط به تلامذته الّذين سمح لهم بمناقشتـه والاستـزادة من التوضيـح إذا أشـكل عليـه الأمـر ، هكـذا هي أيام الشيخ قدس سره ، وهذه الأعمال لا يستطيع أن يقوم بها الشاب بجسمه القوي ، فضلاً عن شيخ ، غير أنّه يصدق عليه قول القائل :
وإذا حـلّ للهداية قلبٌ نشطت للعبادةِ الأعضاءُ

وقد أدخل على الفقه كثيراً من التطوّر وأوجد كثيراً من القواعد ؛ ورسالته الأخيرة التي عنونها بـ : سؤال وجواب كفلت في آخرها هذه الآراء ،

(308)





بالإضافة إلى أنّه كان ينتزع كثيراً من الفروع من ذوق عربي سليم قد ارتكز على فهم نصوص الأخبار والروايات التي يستنبط منها الحكم الشرعي .
ويمتاز بالجرأة في إعطاء الرأي الذي يراه قد ارتكز على الحجّة وسـانده العقل ، في حيـن أنّ خصومـه الّذين قد وقـفوا له بالمرصـاد كانوا لا يستطيعون مقاومته إلاّ بالهمس والتحولق .
ومن آرائه الفقهية السليمة التي عني بها قبل أكثر من أربعين عاماً ، فتواه بصحّة الزواج بالعقد الدائم من الكتابية ، في حين أن غيره كان لا يقرّه إلاّ عن طريق العقد المنقطع ، وقد أخذ بهذا الرأي في أواخر أيّـامه السيّد أبو الحسن الأصفهاني رحمه الله ، وغيرها من الفتاوى .
والحق أنّ الإمام كاشف الغطاء قدس سره كان أجرأ أهل عصره في إعطاء الأحكام .
وكان يرى منذ أن نشأ أنّ التساوي يجب أن يسود البشر لئلاّ يصبح الناس وقد شعروا بالفروق البعيدة ، والقبلية الرعناء ، فقال في مطلع قصيدة لـه :
بنو آدم إنّا جــميعاً بنو أب عهدتكم شتّى الحزازات بينكم لحـــفظ التآخي بيننا وبنو أُمِّ وما بينكم غير التضارب بالوهمِ


السلوك الاجتماعي :
كان الشيخ قدس سره من العظماء الّذين ارتفعوا في سلوكهم وتواضعهم مع ارتفاعهم عن الوسط الذي يعيشون فيه ، فكان يخضع للحجّة ، ويؤيّد البرهان ، ويؤمن بالمنطق الرزين إذا وجده عند جليسه ، وسعة صدره بلغت حدّاً عالياً ، فهو يتفاوض مع أيّ إنسان يثق به ، فقد صادمه مجتمعه مصادمة

(309)





عنيفة ، وحاربه فريق من أهل العلم حرباً استمرت زمناً ليس بالقليل ، والسر معروف لدى من عاصره .
وكـان الذنـب الذي يجده خصمـه فيه هو أنّه مع كونه أعلم أهل زمانه غير أنّه لا يعطي المال ، وينسبون له المثالب عن طريق المغالطة ، ويغرون بها العوام فيصطادون جملاً من خطبه ويوجهونها في غير الغرض الذي قيلت فيه ..
ومنها : « دينارك كدمك ، فاجر دمك في عروقك » وهذه جملة قالها ضمن خطبة ألقاها في مسجد الكوفة عند رجوعه من المؤتمر الإسلامي بفلسطين .
فكانوا يصمونه بالبخل الحادّ ، ويسمّمون أفكار الناس عليه ، في حين أن اعتداده بنفسه كان قد بلغ الذروة ، فهو لا يجد كفؤاً له من الناحية العلمية ، كما لم يجد له كفؤاً من الناحية القبلية .
وبهذا تأزّم الوضع على كثير من المتعاظمين الّذين لم يبق من رصيدهم سوى التغنّي بمجد الآباء ، ولكنّه وهو الطود الذي يُلجأ إليه عند الفزع ، كان لا يتقاعس عن ردّ أي غائلة تداهمهم ، وكلّ حملة تشنّ عليهم من الخصوم ، مع أنّ خيرهم لغيره وعِبْأهم على ظهره ، وبهذا كان يُصعد زفراته ويقول : « إنّ ما أُشاهده ليؤكّد لي ما يقصّه التاريخ من شذوذ وظلم من مناصرة البسطاء ، وخذلان العلماء ، ولست بأوّل قارورة » .

مواقفه الوطنية :
لم يشغله التأليف في الدين عن حفظ ثغور المسلمين وكرامتهم ؛ بل راح يسعى لحفظها أيضاً ..

(310)






ففي عام 1335 هـ | 1916 م ذهب مع السيّد محمّد اليزدي ورعيل من العلماء إلى الكوت للجهاد ضدّ قوات الإنكليز .
وعندما تأسّس الحكم الوطني وتركّز ، كان شعوره يماشي الفكرة الوطنية ، ويحرص على إنمائها ، ويساند الجيل الذي تيقّظ لمسايرة النهضة الحديثة التي تمثّلت في أفكار وتصميم الملك فيصل الأوّل بفتح المدارس ونشر العلوم وتنوير الأذهان .
وقد وجد الفريق الناهض في شخصه ترحيباً وتشجيعاً ، فلمّا أحسّ المستعمر بعواقبه ، وتسهيله الصعاب للمواطنين أخذ يبثّ سمومه بإيجاد الفروق الطائفية والعداء بين أفراد الشعب ، وفق خطّته المرسومة : (فرّق تسد) .
سعى قدس سره للقضاء على هذا الداء الذي أحسّ به قبل غيره ، فكافحه بقلمه السيّال ، وروحه الطاهرة ، وخطبه الخالدة ، وبذلك كان موضع ثقة عقلاء الفريقين الّذين أدركوا الخطر من انتشار هذه الروح .
وفي عام 1935 أطفأ فتنة عبد الرزّاق الحصان ، التي قام لها الجنوب وعشائره ، والمظاهرات التي قامت واستمرّت فترة ، فكان إطفاؤها على يـده .
كما أطفأ أيضاً ثائرة عشائر الفرات على أثر استقالة وزارة المدفعي وتشكيل وزارة الهاشمي ؛ إذ اجتمع عنده زعماء الديوانية والرميثة والناصرية وسوق الشيوخ لإبرام ميثاق يتضمّن تخفيض الضرائب ، والعناية بعمران البلاد ، ونبذ الطائفية وإدخال الشيعة في الوظائف .
وفي عام 1952 م كان موقفه متميّزاً من المظاهرات التي حدثت في النجف في عهد وزارة نور الدين محمود ، والتي أوجبت احتلال النجف من




(311)



قبل الجيش الوطني ، فكان منشوره ونداؤه البلسم الشافي للفريقين المتخاصمين . لم يكن مقتصراً موقفه الوطني على بلده العراق وحسب ، بل عبر بإحساسه إلى القضايا القومية ؛ فلقد اشترك في الحركات الوطنية مع أحرار سوريا كالشيخ أحمد طبارة ، وعبد الكريم الخليل ، وعبد الغني العريس ، وغيرهم ، وكان هذا عند تواجده في ربوع سوريا .

رحـلاتـه :
في عام 1329 هـ | 1911 م سافر إلى حجّ بيت الله الحرام ، ومن مكّة توجه إلى دمشق ، ومنها إلى بيروت ، ومكث في ربوع سوريا ومصر ثلاث سنوات ، واشترك في الحركات الوطنية مع أحرار سوريا .
وفي عام 1332 هـ وقبل إعلان الحرب العالمية الأُولى بشهرين تقريباً عاد إلى العراق عن طريق حلب ودير الزور ودخل النجف .
وفي عام 1931 م عقد المؤتمر الإسلامي في القدس ، وبعد دعوات متكرّرة من لجنة المؤتمر توجّه في كانون الأوّل من السنة المذكورة ، وائتمّ به في الصلاة على الطريقة الجعفرية جميع أعضاء المؤتمر البالغ عددهم 150 عضواً من أعيان العالم الإسلامي ، وخلفهم جمّ غفير من أهالي فلسطين يناهز عددهم 120 ألف ، وكان ذلك ليلة المعراج 27 رجب | 6 كانون الأوّل في المسجد الأقصى .
وفي 20 تموز عام 1933 م ـ أوّل ربيع الأول 1352 هـ توجّه إلى إيران عن طريق كرمنشاه ، ورجع عن طريق البصرة ، وقد مكث بها نحو ثمانية أشهر متجوّلاً في المدن المهمّة يدعو للدين والتمسّك به ، ويخطب

(312)







باللغة الفارسية كخطيب منهم ، واجتمع مع رضا شاه بهلوي مرّتين متواليتين برغبة من الشاه .
سافر صيف عام 1366 هـ إلى (كرند) القرية التي تقع بين كرمنشاه وخانقين قرب حدود العراق ، ونزل ضيفاً على الميرزا حسين احتشامي .
وسافر عام 1367 هـ إلى طهران ، ونزل ضيفاً على الحاج حسين ملك التجّار صـاحب المكتبة الشهيـرة ، ومنهـا توجـه إلـى خراسان لزيارة الإمام الرضـا عليه السلام . وفي عام 1368 هـ توجّه إلى لبنان للمعالجة ، ونزل ضيفاً على الزعيم يوسف بك الزين ، ثمّ استضافه أحمد بك الأسعد .
سافر عام 1369 هـ إلى خراسان ، واجتمع في طريقه بطهران مع الشاه محمّد رضا بهلوي . وفي 12 جمادى الأُولى من عام 1371 سافر إلى كراجي عن طريق البصرة ، ورجع إلى بغداد في 22 جمادى الآخرة .
وفي 17 شباط 1952 م سافر لحضور المؤتمر الإسلامي في كراجي ، وقد لقي حفاوة من حكومة الباكستان ، وألقى خطبة خالدة .

أدبـه وشاعريّتـه :
الإمام كاشف الغطاء من أُولئك العلماء القلائل الّذين تفوّقوا في الأدب وسموا في علوم الدين ، وقد بدأ النظم بقوله : « إنّ قريحة الشاعر كعين الماء ، إنْ استعملت فارت ، وإنْ أُهملت غارت » .
ومن أشعاره ، وصفه لقرية (كرند) حيث هاج إحساسه الأدبي فانطلق يغرّد بقصيدة تعرب عن خواطر عميقة في حياته ، نظمها قبل وفاته بعشر

(313)






ساعات ، منها :
يــا بديع الجمال في كلّ قلب قد سقتنا تــلك الشمائل كأساً إنّ هـــذا الوجد بحرٌ ولكن ولـــهذي الأكوان لبّ ولكن ولهذي الـــحياة معنىً ولكن نور ذاك الجمال أودع حــمره فسكرنا ولم نذق قــطّ خـمره أين من في الوجود يسبر قعـره مـــا عرفنا حتّى لحاه وقشره علّنا بالـمــمات نعرف سرّه

كما برع في فنّ الموشّحات ، ونظم الكثير ، وكان ذلك في عهد الشباب مجارياً أروع الموشّحات الأندلسية ، وفي ديوانه المخطوط فصل خاص فيه مجموعة فاخرة ، ونثبت هنا

نموذج منها ، هو قوله :
غردي بـالبـشر يا ورق الهنا واخطبي فيه بأنواع الغـنــا وأدر يا ساقي الـخمر الكؤوس في معانٍ رقصت فيها النفوس أشرقت فيه وللأنس شمـوس< /nobr> ناعس الأجفان ساجي المـقل أسبــبل الفرع كليــل أليل إنْ مـشى اهتّز اهتزاز الأسل يا خليليّ إلى الكرخ اذهــبا فوق وجنا خلّفت ريح الـصبا وإذا ما الليل أرخى الحــجبا وارتقي مــنبر أغصان الكثيب وأخرسي كلّ مغــنٍّ وخـطيب للندامى من عـــصير الطرب بنعيم ليـــس بالــمسـتلب وبدت أقداحها كالـــــشهب حرج الخلخال جوّال الــوشاح فوق وضّاح جبــين كالصباح بقوام فيييه بــدر التــمّ لاح بي ففي وادي طواهـا أربــي خلّفها داني الخطا وهـو كــبي رفعت الخفّ مرخـى الحـجب


(314)






لم يكتفِ قدس سره بهذه الأشعار بل تعدّاها ليرثي الأئمّة المعصومين ، ومن قصيدة يرثي بها الإمام الحسـين عليه السلام ، هذا مطلعها :
دع الدنـيــا فمــا دار الفناء متى تصفو وتصفيك اللــيالي تروقـك في مسرّتها صبــاحاً تناهى كلّ ذي أمل فهــــلاّ بأهل للمــــودّة والصفـاءِ وقـد كوّنت من طين ومــاءِ وتطـرق بالمساءة في الـمساءِ لعينـك يا شباب من انتــهاءِ


وأُخرى قوله :
خذوا الماء من عيني والنار من قلبي ولا تحسبوا نيران وجدي تنــطفي ولا أنّ ذاك السيل يبـرد غلّـتـي ولا تحملوا للــبرق منّاً ولا السحبِ بطوفان ذاك المدمع السـافح الغربِ فكــم مدمع صـبّ لذي غلّة صبِّ


وقصيدة أُخرى :
في القلب حــرّ جوىً ذلك توهّجه أُفدي الأُلى سحراً أسرى بهم ظعن ركب على جنّة المأوى معرســه مثل الحسين تضيق الأرض به فلا الدمع يــطفيه والذكرى تؤجّجــه وراه حاد من الأقــدار يزعجــه لكن على مــحن البلــوى معرّجه يدري إلى أين مأواه ومـولجــه ؟!

ونقتطف هذه الأبيات من قصيدة طويلة يرثي بها الإمام عليّ بن الحسـين الأكبر عليه السلام :
هو الوجد يذكيه الجوى في الجوانح لآل عليٍّ يوم سيمــــوا بفادحٍ فساروا سراعاً لــلمنايا موارحاً أهابوا إليها سيّداً بعد سيّــــد ِفيجري بمنهل الدمـوع السوافــحِ له عقمــت أُمّ الرزايــا الفوادحِ تهبُّ بجــرد للطـــعان موارحِ وخفّوا إليهــا صـالحاً إثر صالحِ


(315)

وله وقفة على تدمر :
عِبر لـــو وراءهن اعتبـارُ أي آي يتلو لنا غابـر الـــ كلّ يوم يتلو عليـنـا عظـات كم على هـذه البســيطة من دمّرته الأيـام حتّى عـلى (تد وادّكار لو يــــنفع الادّكارُ ـدهر ولكن على العقول غبارُ قدمت في حدوثها الأعصــارُ حرّ صنع فيه العقول تــحارُ مر) يأتي الفنا ويـقضي الدمارُ


وله قصيدة : « ألا هذه مصر » ، وهذه بعض أبيات منها :
هواي إلى مصر ألا هذه مــصر تمطّى علَيَّ البرّ والبحرُ دونهــا وقلت لها : يا نفس عزمك والسرى أُجشّمها أخطار كلّ مهــــولة أعود الرجا ذاوٍ وعود الهوى نضـرُ فما عاق عزمي البرّ عنها ولا البحرُ وصبرك والحلى وسعــيك والعمرُ تماوت فيـها الموت وانذعر الذعرُ


وله : « بين الغرام والسياسة » :
حاكم جار واســـتبد يشــربُ الماء بالروا كم سنى لحظة عــينه قد أعان العدى علــيَّ لا يــفي بالذي وعـدْ ء ويسقينـي الـــثمدْ وفؤادي لـه ســـجدْ ولم يبـــقِ لـي عددْ

وقال : « العلم سرّ الحياة » :
طبت يا علم مذ تضوّعت نشرا بك تحيى النفوس فلـتحي إنّي قد أنرت الآفاق شرقـاً وغرباً فملأت الصدور طيباً وبشـرا لا أرى للـحياة غيرك سـرّا وسبرت الأكوان برّاً وبحـرا
وله : « ساعة الوداع » :
سر على اليــمن والشرف ودع النـــــفس والكلف


(316)
أيّــُهـــا الظاعن الذي سر معافى كــــما تشا فلك الفـــــوز بالهنا أخذ القــــلب وانصرف ناعم البال والـــــكنف ولـــــنا بعدك الأسف
وقال : « الجمال عذاب » :
ســـئمت حياتي بهذا النفق يقلّبني موج هذي الـــصر فكم ذا الــعناء وكم ذا القلق ف فلا للنــجاة ولا للغـرق
وله أيضاً من أشعاره المعروفة : « لامية العرب » :
إلى كم ترامى بي المنى والمنازل وما لي لا أنفكّ إلاّ مـــقسّمـاً وما لك يا قــلبي كأنّك طايـر
وتقذف بي لجّ المنايا المــناهلُ مقـــيم لبانات وجسمي راحلُ وما لك في الدنيا سوى الهمُّ طائلُ
وله : « عزمات العرب » ، بعثها إلى أمين الريحاني :
يا عزمات العرب البواسل قومي فلا موضع للقعود أو أنت رعيت الملك في شبابه هي لحلّ هذه الــمشاكل يسكن غلـي هذه المراجل حتّى احتملته على الكواهل
ونختم باب أشعاره بقصيدة : « شعري وشعوري وعواطفي لطائفي » ، يقول فيها :
بني آدم إنّا جمـــيعاً بنو أب رأيتكم شتّى الحزازات بيــنكم فلا حجب فيكم تمدّ على حجىً وقد عـطفتني باللطايف نحوكم فاهديتكم بالودِّ نصــحي قائلاً وألّفت بين اسمي ورسمي راجياً لـحفظ التآخي بيـــننا وبنو أُمِّ وما بينكم غير التـضاربُ بالوهمِ ولا حزم مــنكم تشدّ على حزم عواطف جنس لم تزل علّة الضمِ عليكم سلامي دايباً ولكم سلمــي حياتها إن بات تحت الثرى جسمي


(317)





آثاره العلمية :
لقد انتشرت آثاره العلمية في أكثر بقاع الأرض ، منها المطبوع ومنها ما زال مخطوطاً ، وهي متنوعة ، فقد كتب في جميع المجالات العلمية والفقهية والأدبية وغيرها ، وإليك بعضها :
1 ـ الدين والإسلام .
2 ـ المراجعات الريحانية .
3 ـ أصل الشيعة وأُصولها .
4 ـ الآيات البيّنات .
5 ـ الأرض والتربة الحسـينية ؛ الذي هي موضوع بحثنا .
6 ـ حاشية على التبصرة للعلاّمة الحلّي .
7 ـ وجيزة الأحكام .
8 ـ حاشية على سفينة النجاة ، لأخيه .
9 ـ سؤال وجواب .
10 ـ دائرة المعارف العليا ، مجموع الفتاوى .
12 ـ تنقيح الأُصول .
13 ـ حاشية على العرشية ورسالة الوجود ، للملاّ صدر الدين الشيرازي .
14 ـ حاشية على العروة الوثقى .
15 ـ تعليقات على سحر بابل ، ديوان السيّد جعفر كمال الدين الحلّي .
16 ـ العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية .

(318)



17 ـ تعليقات على الفتنة الكبرى ، للدكتور طه حسين .
18 ـ مختارات من شعر الأغاني .
وغيرها كثير ، وليس الغرض هنا أن ندوّن كلّ ما كتبه يراعه الصافي ، بل التنويه بمؤلّفاته القيّمة ، علماً بأنّ المخطوط منها أكثر من المطبوع ، وسيرى النور إنْ شاء الله تعالى .

وفاتـه :
توفّي في صباح الاثنين 18 ذي القعدة 1373 في (كرند) ونقل جثمانه إلى بغداد ، ومن ثمّ إلى كربلاء ، ثمّ إلى مثواه الأخير في النجف ، ودفن بمقبرة خاصة له بوادي السلام .
وقد أقيمت على روحه الفاتحة من قبل الأُسرة الكريمة في مسجدهم ، واستمرّت الفواتح إلى يوم الأربعين ، كما استمرّت الوفود تتقاطر من مختلف أنحاء القطر ، ورثاه الخطباء والشعراء .
هكذا طوى الفقيد صفحة مشرقة بالعظمة ، والأعمال الصالحة ، والخدمات الإسلامية الجليلة ، رحم الله فقيدنا وأدخله فسيح جنّته ..

هذه الرسالة وسبب كتابتها :
هي بحث في موضوع لا يخصّ الطائفة الشيعية فحسب ، وإنّما هو بحث فقهي لكلّ من أراد أن يجد جواباً ؛ ليقف على حقيقة ثابتة في هذا المجال ..
فقد تطرّق فضيلته إلى حقائق ثابتة ، متوسّعاً في بحثه هذا عن مطلق الأرض ، وما تحويه من خيرات ، وتحدّث أيضاً عن قدسية هذه الأرض

(319)




بنحو فلسفي وديني وأدبي وتاريخي ، حتّى وصل إلى قدسية تربة معيّنة في أرض مقدّسة ، تكلّم عنها الأنبياء وخصّوها بخصائص دون غيرها .
وقد كُتب هذا البحث بناءً على طلب الأديب أحمد بدران ، الذي يعمل مترجماً في مديرية الميناء في البصرة ؛ إذ كتب رسالة إلى سماحته يخبره فيها عزم بعض المستشرقين الإنجليز تأليف دائرة معارف كبرى يضمّنها المنقول والمعقول ، وهو يريد تاريخاً حقيقياً شاملاً لجميع نواحي التربة الحسينية لدرجه في دائرة المعارف هذه ، ويريد أن تتّضح لديه فكرة سجود الإمامية على هذه التربة ، وتزويده بما يحتاج من معلومات عن تاريخ هذه التربة الحسينية ، وكيف نشأت ؟ وهل كان لها تاريخ من قبل ؟ وغيرها من التساؤلات ، وكان قد استشار ـ قبل ذلك ـ فضيلة السيّد عبّـاس شـبّر الحسيني في مَن يتمكّن من تلبيه طلبه ، فأشار عليه بمراسلة سماحته في الموضوع ..
وكان السيّد عبّـاس شـبّر قد كتب رسالة إلى سماحة العلاّمة الشيخ يعلمه بطلب الأديب المترجم ، ويطلب منه إنجاز هذا البحث الفقهي .
وردت نصوص هذه الرسائل جميعها في طبعة الكتاب المعتمدة في التحقيق ، وهي طبعة مؤسّـسة الأعلمي للمطبوعات في بيروت | لبنان سنة 1401 هـ ـ 1981 م .

أُسلوب التحقيق :
لقد طبعت هذه الرسالة أربع مرّات من قبل ، وكانت في كلّ مرّة تطبع على ما كانت عليه ، ولا تعدو كونها نسخة واحدة يتكرّر طبعها ، ولم يتمّ تحقيقها ، وقد وفّقنا الله تعالى لأن نقوم بتحقيقها وفق الأسلوب الحديث ،

(320)






فقمنا بتقطيع النصّ وتقويمه ، وتخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، وترجمة بعض الرجال ، الّذين وردت أسماؤهم في المتن .
يضاف إلى هذا فقد تمّ تصحيح الأخطاء المطبعية والإملائية قدر المستطاع ، ووضعنا ما أضفناه بين معقوفين.
وفي الختام نقول : إنّ الكمال لله من قبل ومن بعد ، ولأهله .
اللّهمّ وفّقنا لمرضاتك ، ويسّر أمرنا ، واحشرنا مع الصالحين ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
وإليك نصّ الرسالة التي سطّرها يراع تميّز بالصدق وقول الحقيقة .
ربـاح كاظـم الفتلـي
دمشـق ـ السيّدة زينب عليها السلام
20 جمادى الآخـرة 1423 هـ
مولد السيّدة الزهراء عليها السلام