البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مقاصد العقائد وسبل تحصيلها

الباحث :  نور الدين أبو لحية
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  63
السنة :  السنة السادسة عشر خريف 1432 هجـ 2011 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  1255
مقاصد العقائد وسبل تحصيلها

نور الدين أبو لحية (*)

إنَّ المقصد الأعلى للإسلام بشريعته وعقيدته هو الوصول بالإنسان إلى مرتبة (أحسن تقويم)، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين، 4). وهذه المرتبة العالية تستدعي تقويم جميع أركان الإنسان ولطائفه، لأنَّه لا يمكن أن يكمل وفيه نقصٌ من ناحيةٍ من النواحي. ذلك أنَّ هذا النقص يجعل صاحبه كالأعوج والأعرج الذي يتمتّع ببعض الجوارح، ويتألَّم بفقد بعضها.
ولهذا أمر الله تعالى بالدخول في السلم كافَّة كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (البقرة، 208).
وبتحليل الإنسان نجد أنَّه مجموعةُ معارف ذهنيَّة، ومجموعة عواطف وجدانيّة، ومجموعة سلوكات ظاهريّة.
وبتحليل الأحكام الشرعيَّة التي هي مظنَّة تحقيق الكمال الإنسانيِّ نجد أنَّ الأحكام الفقهيَّة منها لا تستطيع وحدها أن تلبِّي حاجات الإنسان في جميع النواحي، ذلك أنَّ اختصاصها الأعظم هو بالأعمال الظاهرة للإنسان، والأعمال الظاهرة وحدها لا تكفي لتحقيق حاجات الكمال الإنسانيّ.
وقد شهد بهذا العجز السلف والخلف. وقد ذكر أبو حامد الغزاليّ الكثير من
________________________________________
(*) كاتب وأستاذ جامعي، من الجزائر.

[الصفحة - 135]


الآثار عن السلف الدَّالة على ذلك، ثمَّ علَّل ذلك بأنَّ الفقه يقتصر نظره ـ حسب استعمال الفقهاء له ـ على الظواهر والدنيا. وهو بذلك لا يكفي لصناعة الإنسان الكامل.
يقول في ذلك: «فإن قلت لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا، فاعلم أنَّ الله عز وجل أخرج آدم (عليه ‏السلام) من التراب، وأخرج ذريَّته من سلالةٍ من طين، ومن ماءٍ دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام ومنها إلى الدنيا ثمَّ إلى القبر ثمَّ إلى العرض ثمّ إلى الجنّة أو إلى النار فهذا مبدؤهم وهذه غايتهم وهذه منازلهم، وخلق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزوّد، فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطَّل الفقهاء، ولكنَّهم تناولوها بالشهوات، فتولَّدت منها الخصومات، فمسَّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالم بقانون السياسة، وطريق التوسّط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلِّم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمري إنَّه متعلِّق أيضاً بالدّين لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا، فإنَّ الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتمّ الدّين إلا بالدنيا، والملك والدِّين توأمان فالدِّين أصل والسلطان حارس وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع ولا يتمّ الملك والضبط إلا بالسلطان وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه» (1).
وعقَّب على من يتصوَّر أنَّ هذا خاصٌّ بأحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخصومات، وأنَّ الحكم بهذا لا يستقيم فيما يشتمل عليه نظر الفقيه في أحكام العبادات أو في أحكام العادات من المعاملات، فقال: «اعلم أنَّ أقرب ما يتكلَّم الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام، فإذا تأمَّلت منتهى نظر الفقيه فيها علمت أنَّه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر» (2).
________________________________________
(1)أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 1، ص 17، دار المعرفة، بيروت.
(2)م. ن، ج 1، ص 18.

[الصفحة - 136]


ثمَّ فصَّل وجوه قصور نظر الفقيه في هذه النواحي، فقال: «أمَّا الإسلام فيتكلَّم الفقيه فيما يصحُّ منه وفيما يفسد وفي شروطه وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان، وأمَّا القلب فخارج عن ولاية الفقيه لعزل رسول الله (عليه ‏السلام) أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال: (هلا شققت عن قلبه) (3) للذي قتل من تكلَّم بكلمة الإسلام معتذراً بأنَّه قال ذلك من خوف السيف، بل يحكم الفقيه بصحِّة الإسلام تحت ظلال السيوف مع أنّه يعلم أنَّ السيف لم يكشف له عن نيّته، ولم يدفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة... وأمَّا الآخرة فلا تنفع فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها وليس ذلك من الفقه وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاض في الكلام والطبّ وكان خارجاً عن فنِّه» (4).
وهكذا الأمر في كلام الفقيه في الصلاة «فالفقيه يفتي بالصحَّة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلاً في جميع صلاته من أوَّلها إلى آخرها، مشغولاً بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير، وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة كما أنَّ القول باللسان في الإسلام لا ينفع، ولكنَّ الفقيه يُفتي بالصحّة أي أنَّ ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير، فأمَّا الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرّض له الفقيه، ولو تعرّض له لكان خارجاً عن فنِّه» (5).
وهكذا سائر الأعمال، فإنَّ الفقه فيها مع حرمته وأهميّته وضرورته لا يستطيع أن يفي بتحقيق الكمال الإنسانيّ الذي هو الغرض الأكبر للشارع.
ولهذا، فإنَّ من القصور الكبير اعتقاد أنَّ مقاصد الشريعة خاصَّة بالفقه وحده. ذلك أنَّ هذا الاعتقاد يتولَّد عنه تصوّر اختصار الدّين في الفقه، مع أنَّ الدِّين أعمق وأوسع من أن يُختصر في الفقه.
ويتولَّد عنه كذلك تصوّر أنَّ الأبواب الأخرى من الدِّين كالعقائد والأخلاق لا علاقة لها بالمقاصديّة، وهو خطأ كذلك، ذلك أنَّ كلَّ بابٍ من أبواب الدِّين لم
________________________________________
(3)مسند أحمد، ج 5، ص 200، حديث 22088، مؤسسة قرطبة، القاهرة؛ صحيح البخاري، ج 5، ص 183، حديث 4269، مكتبة الرشد، السعودية، الرياض 1423هـ ـ 2003م، الطبعة الثانية؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 67، حديث 190، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(4)إحياء علوم الدين، ج 1، ص 18.
(5)م . ن.

[الصفحة - 137]


تراع مقاصد الشارع فيه لن يؤدِّي بحالٍ من الأحوال إلى حقيقة الكمال الإنسانيّ التي هي مراد الشارع كما ذكرنا.
وكمثالٍ على ذلك، فإنَّ الله تعالى عندما ذكر غايته من خلق السموات والأرض وما فيهما من العجائب علَّل ذلك بتحصيل نوعٍ من المعرفة الإيمانيَّة، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}(الطلاق، 12).
فلو لم يؤدِّ ما ذكره الله تعالى من هذه الأمور إلى هذه المعرفة، فإنَّ المقصد الشرعيَّ لم يتحقَّق.
وهكذا في باب الأخلاق والتعبديّات، فقد ذكر الله تعالى أنَّ الرهبانيَّة انحرفت بأصحابها من النصارى عندما لم يراعوها حقَّ رعايتها، قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد، 27).
ولذلك فإنَّ التأمّل في جميع ما كُتِبَ في أبواب الدِّين من الفقه والعقائد والأخلاق يدلُّ على أنَّ دخناً كثيراً أصابها نتيجة عدم مراعاة مقاصد الشارع منها. ولهذا صارت عاجزةً عن تحقيق ما أراده الشارع من الإنسان.
وبما أنَّ حديثنا عن العقائد، فإنَّ ما أصابها ربما يتجاوز ما أصاب غيرها. ذلك أنَّه تولَّى البحث فيها أو عرضها في بعض الأحيان أو في كثير من الأحيان من لا يعي مقاصد الشرع منها، فحوَّل من حقائق الإيمان جدلاً فارغاً أو خرافات لا تنتج إلا إنساناً مشوَّشاً مملوءاً بالانحرافات.
وهذا ما يدعو إلى ضرورة البحث في كلِّ بابٍ من أبواب العقائد والنظر إلى مقاصد الشارع منه، بل والاهتمام به بقدر ما اهتمَّ به الشارع من غير أن نزيد على ذلك أو ننقص.
________________________________________

[الصفحة - 138]


انطلاقا من هذا نحاول أن نبيِّن في هذا البحث مقاصد الشارع من مسائل العقائد المختلفة، وقد وجدنا من خلال الاستقراء أنَّها ثلاثة: مقاصد عرفانيّة، ومقاصد وجدانيّة. ومقاصد سلوكيّة. والقرآن الكريم ـ كما سنرى ـ يُشير إليها جميعاً.
وقد أشار الغزاليّ في كتابه (المقصد الأسنى) إلى هذه المقاصد الثلاثة عند بيانه لكيفيَّة إحصاء أسماء الله الحسنى، وبيّن صلتها بتحقيق الكمال الإنسانيّ الذي هو المقصود الأعظم للشارع، فقال: «اعلم أنَّ من لم يكن له حظٌّ من معاني أسماء الله عزّ وجل إلا بأن يسمع لفظه ويفهم في اللغة معنى تفسيره ووضعه ويعتقد بالقلب وجود معناه في الله تعالى فهو مبخوس الحظِّ نازل الدرجة، ليس يحسن به أن يتبجَّح بما ناله، فإنَّ سماع اللفظ لا يستدعي إلا سلامة حاسَّة السمع التي بها تُدرَك الأصوات، وهذه رتبة تشارك البهيمة فيها... وأمَّا فهم وضعه في اللغة، فلا يستدعي إلا معرفة العربيّة، وهذه رتبة يُشارك فيها الأديب اللغويّ، بل الغبيّ اللغويّ البدويّ... وأمَّا اعتقاد ثبوت معناه لله سبحانه وتعالى من غير كشفٍ فلا يستدعي إلا فهم معاني الألفاظ والتصديق بها، وهذه رتبة يُشارك فيها العاميّ بل الصبيّ، فإنَّه بعد فهم الكلام إذا أُلقي إليه هذه المعاني تلقَّاها وتلقَّنها واعتقدها بقلبه وصمّم عليها... وهذه درجات أكثر العلماء فضلاً عن غيرهم. ولا ينكر فضل هؤلاء بالإضافة إلى من لم يشاركهم في هذه الدرجات الثلاث، ولكنّه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين» (6).
ثم بيَّن أنَّ حظوظ المقرَّبين الذين فهموا مقاصد العقائد من معاني أسماء الله تعالى ثلاثة: « الحظُّ الأول: معرفة هذه المعاني على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتَّى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ، وينكشف لهم اتِّصاف الله عزَّ وجل بها انكشافاً يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي يُدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهر... الحظّ
________________________________________
(6)المقصد الأسنى، الجفان والجابي، ص 45، قبرص، الطبعة الأولى، 1407 ـ 1987.

[الصفحة - 139]


الثاني من حظوظهم استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجهٍ ينبعث من الاستعظام ما يشوِّقهم إلى الاتِّصاف بما يمكِّنهم من تلك الصفات ليقرَبوا بها من الحقِّ قرباً بالصفة لا بالمكان، فيأخذوا من الاتِّصاف بها شبهاً بالملائكة المقرّبين عند الله عزّ وجل.. الحظُّ الثالث السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلّق بها والتحلي بمحاسنها، وبه يصير العبد ربانيَّاً، أي قريباً من الرب تعالى» (7).
انطلاقاً من هذا، فقد قسَّمت البحث إلى ثلاثة مباحث، كلُّ مبحث يختصّ بمقصدٍ من المقاصد، نذكره، ونذكر معه كيفيّة تحصيله:
المبحث الأول: المقاصد العرفانيَّة
وهذا المقصد هو أوَّل المقاصد وأهمُّها باعتبار أنَّ جميع المقاصد تنطلق منه، فالإنسان كما يقال (ابن أفكاره)... ولهذا، فإنَّ القرآن الكريم يذكر من وظائف الرسل عليهم الصلاة والسلام وظيفة التعليم والبيان، ويؤسِّس عليها سائر الوظائف، قال تعالى: {كَما اَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزِكيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة، 151). وقد جاء هذا المعنى في كلٍّ من الآيات (129) من سورة البقرة و(164) من سورة آل عمران و(2) من سورة الجمعة.
وهكذا فإنَّ القرآن الكريم حينما يذكر الحقائق العقَديَّة يذكرها بصيغة الأمر بالعلم، قال تعالى:{فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ} (البقرة، 209)، وقال: {وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيء عَليمٌ} (البقرة، 231)، وقال: {وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ} (البقرة، 233)، وقال: {اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيي الاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها}(الحديد، 17)، وقال: {وَاعْلَمُوا اَنَكُمْ اِلَيْهِ تُحْشَرونَ} (البقرة: 203)، وقال: {فَاعْلَمُوا اَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبين} (المائدة، 92)، وقال: {اِعْلَمُوا اَنَّما الْحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ }
________________________________________
(7)م. ن.

[الصفحة - 140]


{وَلَهْوٌ} (الحديد، 20).
والقرآن الكريم يذكر أنَّ العلم الحقيقيَّ الكامل هو منبع الإيمان، قال تعالى: {وَيَرَى الَّذينَ اُوتُوا الْعِلْمَ اَلذي اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدي اِلى صِراطِ الْعِزيزِ الْحَميد} (سبأ، 6)
وهو منبع الخشوع والخضوع لله تعالى، قال تعالى: {اِنَّ الذين اُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ اِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخرُّونَ للاَذْقانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِنا لَمَفعولا} (الإسراء، 107 ـ 108)، وقال: {فَاُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى} (طه، 70)، وقال: {وَلَيَعْلَمَ الَّذينَ اُوتُوا الْعِلْمَ اَنهُ الْحَقُ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤمِنوا بِهِ فَتُخْبتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} (الحج، 54)
بل إنَّ القرآن الكريم يذكر أنَّ المرء كلَّما ازداد رسوخه في العلم والمعرفة كلَّما ازداد إيمانه وتذكّره، قال تعالى: {والراسَخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِنا وَما يَذّكّرُ اِلاّ اُولُوا الاَلْباب} (آل عمران، 7)، فالآية الكريمة تنصُّ على الصِّلة العظمى بين العلم والإيمان، بل تصرّح بأنَّ الأوعى والأعلم هو الأرسخ في الإيمان والتسليم.
والعلم والمعرفة بحسب النصِّ القرآنيّ هو منبع التقوى والخشية من الله والتي يتولَّد عنها بعد ذلك كلُّ خيرٍ، قال تعالى: {اِنَّما يَخْشى الله مِن عِبادِهِ الْعُلَماءُ} (فاطر، 28).
ولهذا فإنَّ القرآن الكريم يذكر من مقاصد البيان تحصيل التقوى، قال تعالى: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلناسِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ} (البقرة، 187). فهذه الآية تدلُّ بوضوح على أنَّ الله يبيّن الآيات كمقدمة لإثارة عقول وقلوب الناس، والإثارة سبيل إلى التقوى.
والقرآن الكريم يبين أن المعرفة الإيمانية هي منشأ الزهد الذي هو مقام أعلى
________________________________________

[الصفحة - 141]


من مقام التقوى، قال تعالى: {وَقالَ الَّذينَ اُوتوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها اِلاّ الصابِرُونَ} (القصص، 80)
وهكذا بتأمُّل القرآن نجد أنَّه يعتبر المعرفة هي المنطلق الذي يبدأ به الإيمان، بل يذكر أنَّه كلَّما ازدادت هذه المعرفة ورسخت كلَّما ازداد صاحبها إيماناً وصلاحاً ورقيّاً في سلَّم الكمال الإنسانيّ.
وهذا بمفرده يدلُّ على خطورة المقولة القائلة إنَّنا نحتاج إلى العمل أكثر من حاجتنا إلى العلم؛ ذلك أنَّ العلم قد يؤدِّي في عالم النفس والوجدان، بل في عالم الواقع الخارجي ما يعجز العمل الظاهر وحده أن يؤديه، ولهذا فضّل (عليه ‏السلام) العالم على العابد، فقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» (8).
وهذا التفضيل أساسه أنَّ العابد منشغلٌ بالأعمال الظاهرة، قاصر عن طلب المقامات العالية، والتي لا يؤدِّي إليها إلا العلم والمعرفة.
انطلاقاً من هذه الحقائق القرآنيَّة حول دور المعرفة الإيمانيَّة في تحصيل ثمار الإيمان نتساءل عن ضوابط هذه المعرفة؛ لأنَّه لا يمكن أن تؤتي المعرفة ثمارها الصحيحة إلا إذا كانت مؤسَّسة على المنهج العلميِّ الصحيح.
وانطلاقاً من القرآن الكريم نجد أنَّ للمعرفة الصحيحة شرطين: اليقين والصدق.
فاليقين وحده لا يكفي دون صدق، فقد يتيقّن المرء في عقائد منحرفة. وصدق المعرفة وحدها لا يكفي ما لم يتيقَّن صاحبها فيها؛ لأنَّها تتحوَّل إلى مجرَّد كلمات يقولها بلسانه دون أن يكون لها وجود في كيانه.
1ـ اليقين
والمراد به ـ في الاصطلاح الشرعي ـ العلم الجازم بحقائق الإيمان، بحيث لا
________________________________________
(8)سنن الترمذي، دار الغرب الإسلاميّ، الحديث رقم 2685، بيروت، سنة النشر 1998م، قال الترمذي: حديث غريب.

[الصفحة - 142]


يتطرَّق إلى العارف أدنى شك في المعرَّف، بل تكون معرفته به أشدّ من معرفته بنفسه التي بين جنبيه.
وقد كان البحث في هذا الجانب هو ما دفع المتكلِّمين إلى البحث التفصيلي في الشبهات وأنواع الاعتراضات للردِّ عليها، ونصرة الحق، ولا ضرر فيها من هذا الجانب لمن احتاج إلى ذلك.
ولكنّ الضرر على من تصوّر أنّه لا يعرف الله إلا بعد الخوض فيما خاض فيه المتكلِّمون من أدلّة؛ لأنّه سيتيه بالدليل عن المدلول، بل قد يلتزم بالدليل ما لا يصحّ التزامه، كما وقع في ذلك الكثير من متكلّمي المسلمين.
والأخطر من ذلك كله أن يتحوّل الإيمان بالله جدلاً لسانيّاً فارغاً لا روحاً تبعث الحياة في وجدان صاحبها وسلوكه.
ولهذا اشتدّ تحذير السلف الصالح من صناعة المتكلّمين، واشتدّ فيه فقهاء الإسلام الكبار في النهي عنه لما رأوا من آثاره الاجتماعيّة.
والسرّ في ذلك أنَّ أكثره جدل لا يعمِّق الإيمان في النفس، ولهذا قال الغزاليّ عن علم الكلام بعدما طلب البحث فيه عن الحقيقة: «فصادفته علماً وافياً بمقصوده غير وافٍ بمقصودي» (9).
فهو وافٍ بمقصودهم من حيث حراسة الدِّين من الشُبَه، ولكنَّه غير وافٍ بمقصود من طلب حقيقة الإيمان.
وهو لهذا التحديد الوظيفيّ لعلم الكلام يرى أنَّ المرتبة الإيمانيّة للمتكلِّمين لا تختلف عن مراتب العوامّ، ولهذا ينصح المتكلِّم بقوله: «فليعلم المتكلِّم حدَّه من الدين، وأنَّ موقعه منه موقع الحارس في طريق الحجّ، فإذا تجرَّد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج، والمتكلِّم إذا تجرَّد للمناظرة والمدافعة، ولم يسلك طريق الآخرة لم يكن من جملة علماء الدّين أصلا»، ثم يعقِّب على ذلك بقوله:
________________________________________
(9)الغزالي، المنقذ من الضلال، المكتبة الثقافيّة، بيروت، تحقيق: محمد محمد جابر، ص87.

[الصفحة - 143]


«وليس عند المتكلِّم من الدين إلا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام، وإنَّما يتميَّز عن العامي بسرعة المجادلة والحراسة» (10).
ولذلك ينتقد الغزالي الطريقة التعميمية في عرض مسائل العقيدة بالمناهج الكلاميّة لما تُثيره من شبهات وتشكيكات، ويرى أن يُقتصر على البلاد التي تقلّ فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب على العقائد المعروفة دون التعرّض للأدلّة إلى أن تقع الشبهة، وحينذاك تذكر الأدلّة بقدر الحاجة، فإن كانت البدعة شائعة، وخيف على العوام أن يخدعوا بها، فلا بأس من عرض الأدلة وتعميم العلم بها بحسب الحاجة إلى ذلك (11)، أمَّا في غير تلك المواضع فإنَّ الغزالي يرى حرمة خوض العوامّ في علم الكلام (12).
ولهذا، فإنَّ البديل الذي يرسمه الغزالي للعامّة وللنشء هو ما عبَّر عنه بقوله ـ بعد ذكره لعقيدة مختصرة ـ : «اعلم أنّ ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدَّم إلى الصبـي في أوّل نشوءه ليحفظه حفظاً ثمّ لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً؛ فابتداؤه الحفظ ثمّ الفهم ثمّ الاعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك ممّا يحصل في الصبـي بغير برهان» (13).
فالطريق ـ كما يرسمه الغزالي ـ هو التلقين، فالحفظ وحده كافٍ في تقرير كثيرٍ من الأمور من غير حاجة إلى تفاصيل الأدلَّة العقليّة، والتي قد لا تزيد المتعلِّق بها غير المزيد من الشبهات.
وقد علَّل الغزالي هذا، فقال: «فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أوّل نشوه للإيمان من غير حاجة إلى حجّةٍ وبرهان»
وبعد التلقين ـ والذي هو بمثابة البذر ـ ينصح الغزالي بتعهده بالسقي والتقوية، قال: «نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرّد التقليد غير خالٍ عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنّه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقي إليه فلا بدّ من تقويته وإثباته في نفس الصبـيّ والعامّي حتَّى يترسَّخ ولا يتزلزل» (14).
________________________________________
(10)الغزالي، الإحياء، ج 1، ص23.
(11)الغزالي، الإحياء، ج1، 98.
(12)الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص173، 174.
(13)الإحياء، ج 1، ص94.
(14)الإحياء، ج1، ص94.

[الصفحة - 144]


والطريق إلى ذلك ليس بالجدل، قال: «وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام».
وإنّما بأنوار العبادة، قال: «بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه. ويشتغل بوظائف العبادات فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخاً بما يقرع سمعه من أدلّة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيئاتهم في الخضوع لله عز وجل والخوف منه».
ولهذا نشأ ما يسمى بـ (المعرفة)، وهي مصطلح يعني العلم بالله لا عن طريق الاستدلال العقلي، وإنَّما عن طريق اليقين الإيماني، الذي يستشهد بالله على الله، ويبرهن بالله على الله. وهنا يتجلّى الفرق العظيم بين إيمان من عاش يبحث عن البراهين على الله، وبين الذي بدأ حياته مع الله.
ولهذا «أجمع العارفون على أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل لأنه محدث والمحدث لا يدل إلا على مثله».
وقد سمَّى الغزالي هذا اليقين (علم المكاشفة) وعرَّفه بأنَّه عبارة نورٌ يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة.
وهذا هو الفرق الأساس بين علم الكلام والمعرفة أو علم الإيمان، فالعلم بحث واستدلال، والمعرفة شهود وعيان، والعلم مكابدة وشك، والمعرفة راحة ويقين.
العارف يرى ما يؤمن به ويعيشه، أمَّا العالم أو طالب العلم فيكتفي بأن يبحث عن أدلّةِ ما يسمع عنه، وقد يحجب بالأدلة عن المدلول، وبالطريق عن الغاية.
وفي الوقت الذي يقلب فيه العالم صفحات الكون ليستدلّ به على ربِّه،
________________________________________

[الصفحة - 145]


ينطلق العارف من ربِّه ليستدلَّ به على الكون، قال ابن عطاء الله: «الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ، وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه، فمن رأى الكونَ ولم يشهدْهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ، وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار».
2ـ الصدق
ونريد به مطابقة العقيدة لما جاءت به النصوص؛ لأنَّ مصدر العقيدة الأوَّل ـ كما ذكرنا سابقاً ـ هو الوحي، أمَّا العقل فهو مدعِّم للوحي وأداة من أدواته.
ولهذا، فإنَّ كل من يحاول أن ينافس الوحي في تقرير العقائد يُردُّ قوله، فالغيب لا يعلمه إلا من كشف الله له حجبه، وليس ذلك لغير المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم. ولهذا، فإنَّ الكثير من العقائد ـ وفي الأبواب المختلفة منها ـ يحتاج إلى زيادة تمحيص لتحقيق الحقّ منها وتمييزه عن الباطل.
وهذا يستدعي زيادة على ما ذكرنا من حفظ النصوص من التحريف الذي يُخرجها عمَّا سيقت له إلى التثبّت في النقول المختلفة سواء ما ورد منها منسوباً إلى رسول الله (عليه ‏السلام) أو ما ورد منسوباً للصحابة أو التابعين ومن بعدهم؛ لأنَّ التساهل في النقول هو الذي أدّى إلى إلزام الناس بعقائد لا دليل يؤيِّدها، بل إنَّها في أحسن أحوالها أسطورة من الأساطير أو خرافة من الخرافات يزداد معتقدها باعتقادها جهلاً لا علماً.
وقد طال التلفيق النصوص الظنيّة، فوضعت الأحاديث لتساهم في تأكيد ما قرَّره العقل أو الذوق من تحريف لمعاني العقيدة في الله وفي عوالم الله.
ولا بأس من إيراد مثال على هذا في هذا الجانب نرى من الوجوب التحذير منه ومن أشباهه، وهو كتاب (إبطال التأويلات)، وهو نموذج عن الكتب التي تحاول وصف الله، كما يصف أحدنا أيّ شخص من البشر (15).
________________________________________
(15)لم نكن لنهتم بالتنبيه إلى ما في هذا الكتاب من مخاطر على العقيدة الإسلاميّة لولا انتشاره من جديد، بعد أن كاد يندثر بسبب مبالغة العلماء في جميع العصور في التحذير منه. وقد صنَّف أبو يعلى كتابه هذا في أوائل القرن الخامس الهجري في بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، لكن الكتاب ما شاع وذاع خبره إلا سنة (429هـ) لما ضجّ علماء بغداد لظهور هذا الكتاب ولافتتان بعض الجهال بما فيه، وقد سجل ابن الأثير في الكامل في التاريخ )8/16( هذه الواقعة في أحداث سنة (429هـ) فقال: >وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنّه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً». ثمّ قال في أحداث سنة (459هـ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: >وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وعنه انتشر مذهب أحمد، وكان إليه قضاء الحريم ببغداد بدار الخلافة، وهو مصنّف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك». وقد ذكر الذهبي الحادثة في سير أعلام النبلاء )18/90( في ترجمة أبي يعلى فقال: >وجمع كتاب (إبطال تأويل الصفات) فقاموا عليه لما فيه من الواهي والموضوع». وقد نبَّه العلماء إلى خطر هذا الكتاب، فقال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد: >لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يُغسل إلى يوم القيامة»، انظر: دفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص10. وقد ألّف بعض المعاصرين كتاباً في التحذير منه سماه (التَّحْذِيْرَات مِنْ كِتَاب إِبْطَالِ التَّأْوِيْلاَت).

[الصفحة - 146]


وصاحبه لا يتورَّع عن إيراد الموضوعات في كتابه مع أنّه خصّصه لصفات الله تعالى، وهي من أعظم أبواب الاعتقاد، وسنذكر أمثلةً عنها في محلها من هذا المبحث.
فصاحب الكتاب ـ مثلاً ينفق صفحات كثيرة من الكتاب (16) ليثبت هذه الأوصاف لله تعالى: (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب).
وقد شحنها بالروايات الموضوعة، وينصُّ على أنَّ من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة فهو (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم يقول: «وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه؛ لأنّنا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتاً ونفساً؛ ولأنّه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش..» (17).
وهو ينطلق من قوله (عليه ‏السلام): «إنّ الله خلق آدم على صورته»، يصف الله تعالى كما يصف أي بشر من البشر.
ويرجع إلى أهل الكتاب في ذلك، فينقل عن كعب الأحبار أنّه قال: «إنّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطٍ على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه» (18)، ثمّ يعتبر هذا الإفك حقيقةً عقديّةً، يدلِّل لها بالرواية الواهية التالية: «آخر وطأة وطئها ربّ العالمين بوَجّ»، ثمّ يذكر قول كعب الأحبار: «وَجّ مقدس، منه عَرَجَ الرب إلى السماء يوم قضى خلق الأرض».
ويعلِّق على هذه الترهات بقوله: «اعلم أنّه غير ممتنع على أصولنا حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنّ ذلك على معنى يليق بالذات دون الفعل».
________________________________________
(16)القاضي أبو يعلى الفراء، إبطال التأويلات، ج 1، ص 133، دار إيلاف الدولية، الكويت.
(17)م. ن، ج 1، ص 146.
(18)م. ن، ج 1، ص 202.

[الصفحة - 147]


وينقل عنه أنَّه قال لمن سأله أين ربنا: «هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى»، ثمّ يعلِّق عليها بقوله: «اعلم أنّ هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأنّ له رجلين كما له يدان، وأنّه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها». ويدلِّل على هذا بهذه الرواية الموضوعة: «إنّ الله لمّا فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنّها لا تصلح لبشر».
ومن الجانب الآخر ـ جانب الانحراف الوجدانيّ ـ نجد الأحاديث المدعِّمة للشرك بكلِّ صوره، ومن ذلك هذا الحديث الباطل: «لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه» (19).
فهذا الهراء الباطل ـ المشتهر بين العامّة ـ يفتح باب الشرك على مصراعيه فيجعل ميزان الاعتقاد هو النفع، فكلُّ من اعتقد في شيء وظنّه نافعاً حتّى لو كان حجراً جعله الله كذلك، وكلُّ من أتاه نفع من عقيدة ما كان هذا اعتقاداً صحيحاً.
ويعزل حديث آخر أهل العلم من الحديث في الدّين ليحلَّ بدلهم العجائز، فينسب إلى رسول الله (عليه ‏السلام): «عليكم بدين العجائز» (20).
وفي مقابل هؤلاء: الوضَّاعون الذين أرادوا شَيْن النبي (عليه ‏السلام)، فوضعوا الأحاديث التي تحيله (عليه ‏السلام) طبَّاخاً أو طبيب أعشاب يصف من الدواء ما يصح وما لا يصحّ، ومن ذلك: (ربيع أمتي العنب والبطيخ)، ومنه (ومن أكل فوله بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلها)، و(الباذنجان شفاء من كلِّ داء)، و(الباذنجان لما أكل له)، و(أكل السمك يذهب الجسد) (21).
وهذه الأحاديث هي التي يستغلها الطاعنون في رسالة رسول الله(عليه ‏السلام). والكتب التبشيرية مملوءة بمثل هذه السخافات.
أمَّا عوالم الغيب، العوالم التي يصوِّرها القرآن الكريم، وتصوِّرها السنَّة
________________________________________
(19)قال ابن تيمية: موضوع، وقال الشيخ علي القاري: قال ابن القيم: >هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار» وقال ابن حجر العسقلاني: >لا أصل له ونحو من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأخذ به إيماناً به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك» انظر تعليق ناصر الدين السلسلة الضعيفة، ج 1، ص 67، مكتبة المعارف، الرياض.
(20)ذكره الشيخ علي القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، ص 248، دار الأمانة ومؤسسة الرسالة، 1391 هـ ، 1971م. وقال بعده: قال السخاوي: لا أصل له بهذا اللفظ، وقال الزركشي: رواه الديلمي عن ابن عمر بلفظ >إذا كان آخر الزمان واختلف الأهواء فعليكم بدين البادية» وسنده واه بل قال الصنعاني موضوع.
(21)انظر تنزيه الشريعة، ص 235ـ 267، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة : الثانية، 1981.

[الصفحة - 148]


الصحيحة تصويراً جميلاً يجعل القلب يهفو متطلِّعاً إليها، فتنحرف بها هذه النصوص الباطلة انحرافاً عظيماً.
وقد دخل للأسف الكثير من الخرافات إلى باب الغيبيّات تحت مظلَّة النقل من أهل الكتاب إحساناً للظنِّ بهم، أو تحت مظلة الأحاديث المنكرة والمعلولة والموضوعة، أو تحت مظلَّة العقل الذي تعدَّى طوره وحقيقته ووظيفته، أو تحت مظلَّة الكشف الذي يختلط فيه الوهم بالحقيقة، أو تحت مظلات أخرى كثيرة ليس بينها مصدر معصوم.
فلذلك، يُمكن اعتبار كلّ ما لحق هذا العالم الغيبي من غير أدلّةٍ معصومة ضرباً من الخرافة لا يصح أن يمتلئ به عقل المؤمن ولا ضميره.
والأمثلة على دخول الخرافة هذه العوالم الغيبيّة كثيرة، منها ـ مثلاً ـ الخرافات التي نُسجت حول الملائكة الموكلين بالعرش، والتي تلبّست بلباس الحديث الشريف، فذكرت أنّهم (ثمانية أملاك على صورة الأوعال)، وأنَّ (لكل ملك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس)، و(أنّ فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش).
وقد رويت هذه الأساطير ـ للأسف ـ في كتب التفسير المعتمدة، وهي مما يحرص العامة على مثله، وهي خرافات لا حظَّ لها من العلم، ولا حظ لراويها وملفقها من الذوق.
المبحث الثاني: المقاصد الوجدانية
ونريد بها مقصداً مهمّاً من مقاصد الشارع من المعارف العقديَّة، وهو تحوّلها من عالم الذهن إلى عالم الوجدان والنفس... فتنفعل النفس بالمعارف العقديَّة وتتلَوَّن بألوانها.
________________________________________

[الصفحة - 149]


ويُشير إلى هذه الناحية من مقاصد العقائد قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد، 28). ففي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أنّ المعارف الإيمانية تجعل القلب مطمئناً مرتاحاً سعيداً.
ففي المرحلة الأولى تبدأ المعرفة بمعانٍ عقليّة لها وجود ذهنيّ فقط، أمّا في هذه المرحلة فتتحوَّل المعارف إلى كيانٍ نفسيٍّ له تأثيره بعد ذلك في جميع مناحي الحياة.
ويُمكن تقسيم المقاصد المرتبطة بهذه الناحية إلى ناحيتين:
الناحية النفسيّة: وهي دور العقائد في تشكّل النفسيّة السوِية الممتلئة بالطمأنينة والسلام.
الناحية الذوقيَّة: وهي درجة أعلى، ونعني بها تذوّق الحقائق الإيمانيّة والعروج من خلالها في سلّم المعرفة بالله.
وسنحاول أن نعرض باختصار لهاتين الناحيتين في هذا المبحث:
1ـ الناحية النفسيّة:
ويُشير إليها بوضوح موعظة رسول الله (عليه ‏السلام) لابن عباس والتي يقول فيها: «يا غلام إنِّي أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعِنْ باللَّه، واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف» (22). ففي هذه الموعظة إشارة لكلِّ ما يملأ النفس طمأنينةً وسلاماً.
ولهذا يخبرنا القرآن الكريم أنَّه لا يشعر بالأمن الحقيقيّ إلا المؤمن الذي شغل قلبه بالله، ولم يشتَّت قلبه بين الشركاء، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(الأنعام، 82)، وفي ذلك إشارة
________________________________________
(22)مسند أحمد، ج 1، ص 293، حديث 2669، وج 1، ص 303، حديث2763، وسنن الترمذي حديث 2516، وقال: حديث حسن صحيح.

[الصفحة - 150]


إلى أنَّ مصدر المخاوف هو الشرك، واشتغال القلب بغير الله.
وكلَّما اشتدَّ الشرك وعظم عظمت المخاوف، وكلَّما نقص الشرك أو تلاشى نقصت المخاوف أو تلاشت، فمعرفة الله والتوجّه إليه هو برّ الأمان.
والإيمان هو كهف الله الذي يقي من يلجأ إليه من كلِّ معارف الرعب التي ينفخها الشيطان في صدره.
وقد أخبر تعالى في آيةٍ أخرى أنَّ الشرك هو مصدر الرعب، وأنّه عقوبة إلهيّة تقتضيها طبيعة الكفر، فقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (آل عمران، 151)، فقد أخبر تعالى أنَّ مصدر خوفهم هو شركهم بالله.
وفي مقابل ذلك ذكر الله تعالى مواقف المؤمنين الصادقين الذين ملأوا قلوبهم بالله، فرزقهم الأمن التام، والسكينة المطلقة، فهذا إبراهيم (عليه ‏السلام) وحده في الأرض يوحِّد الله، ووحده في الأرض يعبد الله، وتدعوه غيرته على أن يُعبَدَ غير الله، ورأفته على الجاهلين بالله، فيتحدّى قومه، ويتحدّى الأرض معهم، فيحطِّم الأصنام من غير خوفٍ ولا وجل، وهو يدرك المصير الذي يتعرَّض له من يحطِّم تلك الأوثان.
ولكن إبراهيم (عليه ‏السلام) انشغل بالله، وبجوار الله عن كلِّ المخاوف التي يتذرّع بها الخلق، وعندما خوفه قومه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها، قال متعجباً: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنعام، 81).
فإبراهيم (عليه ‏السلام) في ذلك الموقف كان يقارن بين القوَّة الوهميّة التي يستند إليها قومه، والقوَّة الوهميّة التي كانوا يتصوّرون أنّهم يملكونها، وبين قوَّة الله تعالى فأخبر أنّ قومه أولى بالخوف منه.
________________________________________

[الصفحة - 151]


وقد عقَّب الله تعالى على قول إبراهيم (عليه ‏السلام) مقرِّراً هذه الحقيقة المطلقة، ومقنِّناً هذه السنّة الإلهيّة التي لا تتخلَّف، فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(الأنعام، 82)
وعلى خطى إبراهيم (عليه ‏السلام) سار أصحاب محمّد (عليه ‏السلام): {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران، 173).
وسنحاول هنا ـ باختصار ـ تبيان دور الإيمان في الوقاية من ثلاث مخاوف كبرى، هي في أصلها أمّ المخاوف ومنبعها:
أ ـ الموت
فالموت هو الشبح الأكبر الذي يملأ القلب بالمخاوف، فيتوزَّع منه الخوف لنفس الإنسان وسلوكه ومواقفه، شعر بذلك أو لم يشعر.
ولا يقي من أذى هذا الشبح، بل لا يقتله إلا الإيمان بالله المحيي المميت، وبحقائق الآخرة، التي تجعل الموت رحلةً سعيدةً ينتقل بها الإنسان إلى عوالم أكمل وأجمل.
أمَّا العلم الأوّل، فيخلِّص الإنسان من عبوديّة المخاوف لكلِّ القوى التي مثَّلها النمرود عندما قال:{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (البقرة، 258)، وحينها ينطق المؤمن بما نطق به سعيد بن جبير عندما هدده الحجاج بالقتل فقال له: «لو علمت أنّ الموت والحياة في يدك ما عبدت إلهاً غيرك».
أمّا العلم الثاني، فيلطف من العلم الأوّل؛ لأنَّه يُحيل الموت باباً من أبواب السعادة، أو هو ـ بتعبير النورسي ـ بمثابة التقاعد الذي يناله الإنسان بعد أن تستنفذ جميع قواه العمليّة. يقول بديع الزمان: «إنَّ الموت ليس عدماً، ولا اِعداماً، ولا فناءً، ولا لعبة العبث، ولا انقراضاً بالذّات من غير فاعل، بل هو تسريح من العمل، من
________________________________________

[الصفحة - 152]


لدن فاعل حكيم، وهو استبدال مكان بمكان، وتبديل جسم بجسم، وانتهاءٌ من وظيفة، وانطلاق من سجن الجسم، وخلق منتظم جديد وِفقَ الحكمة الإلهيّة» (23).
أمّا ما بعد الموت، فهو المحل الذي يلقى المؤمنَ فيه كلُّ ما هفت إليه نفسه في الدنيا وقصرت عنه يداه، فهو الباب الذي تنفتح من كوَّته الأماني، وتتحقّق الرغبات، فهو قدوم على الله، ومن لا يحب القدوم على الله؟
ب ـ الرزق:
وهو الشبح الثاني من أشباح الخوف، وهو الذي يحوِّل من يعبده أو يشرِكُ بالله فيه إلى عبدٍ لكلِّ من يملك ديناراً أو درهماً، فلا يهنأ له عيش، ولا يستقرّ له سكن، بل يصير محلاً لتنزّلات الشياطين، يقول الغزالي: «وذلك لأنّ الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ويقول إن لم تحرص على الجمع والادِّخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى احتمال الذل في السؤال فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفاً من الفقر ويضحك عليه في احتماله التعب نقداً مع الغفلة عن الله لتوهم تعب في ثاني الحال وربما لا يكون وفي مثله قيل:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافه فقر فالذي فعل الفقر» (24).
أمّا المؤمن، فقد وقي من هذا الخوف، ووقي من نتائجه، لأنه يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوّة المتين، فكلُّ رزق هو رزقه، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ} (يونس، 59).
وهذا الأمن النفسيُّ الذي يستشعره من علم أنّ الرزق بيد الله هو الذي يجعل يديه لا تمتدّان بالرغبة إلا إلى الله.
ج ـ تقلّبات المقادير:
الشبح الثالث من أشباح الخوف، هو التقلّبات التي تُصيب الحياة، فتملؤها زهواً وسروراً، أو كدراً وأحزاناً، وهي تقلّبات ينسبها أكثر الناس للزمن كما
________________________________________
(23)المكتوبات، دار الآفاق الجديدة، بيروت، المكتوب العشرون، الكلمة السابعة.
(24)الغزالي، الإحياء، ج 3، ص243.

[الصفحة - 153]


ينسبون تقلّبات الشتاء والصيف للشمس والأرض والكواكب، وكما ينسبون جميع الأشياء لأربابها الوهميين، الأسماء التي لا مسميات لها.
لكنّ المؤمن يرى في هذه التقلّبات رسائل ربّانية يتعرّف من خـلالها إلى ربِّه، فيجعل من الكون وما يجري فيه من أنواع التدابير محراباً من محاريب الخشوع لله.
ونرى القرآن الكريم ينسب الأيام لله، قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الجاثـية، 14)
ولهذه المعرفة قيمة كبيرة في التخفيف من وقع البلاء، فمن عرف أنَّ البلايا من مولاه وسيده الذي هو أرحم به من والدته ووالده، كيف يستثقل البلاء أم كيف يخافه؟!
2ـ الناحية الذوقيّة:
ويُشير إليها قوله (عليه ‏السلام)، وقد سئل عن قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ..} (الزمر، 22)فقال: «إنّ النور إذا دخل في القلب اتّسع وانفسح» (25).
فالقلب ـ كما ينصّ هذا الحديث ـ يتّسع وينفسح وينشرح بنور الإيمان، كما يضيق وينكمش بظلمة الإلحاد والشك والنفاق، كما قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام، 125).
وهذا الاتِّساع والانفساح علامة على استقرار الإيمان في القلب، وعروج صاحبه في معارج المعرفة بالله، وقد أخبر (عليه ‏السلام) عن علامات ذلك فقال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً» (26).
________________________________________
(25)سنن سعيد بن منصور، ج5، ص88.
(26)مسند أحمد، ج 1، ص 208، حديث 1778، صحيح مسلم، ج 1، ص 46، حديث60.

[الصفحة - 154]


وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّ المعاني الإيمانيّة في مرحلتها الوجدانيّة تتحوَّل إلى طعام وشراب يذوقه صاحبه ويتنعَّم به. وقد ورد هذا بصيغٍ مختلفة منها قوله (عليه ‏السلام): «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبُّ إليه ممّا سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (27).
بل إنّ الحديث يُشير إلى أنّ هذه المعاني الذوقيّة الإيمانيّة قد يستغني بها صاحبها عن كثيرٍ من الطعام والشراب، ففي الحديث لمَّا نهى (عليه ‏السلام) أصحابه عن الوصال، وقالوا: إنّك تواصل، قال: «إنّي لست كهيئتكم إنّي أُطعم وأُسقى»، وفي لفظ: «إنّي أظلّ عند ربي يطعمني ويسقيني»، وفي لفظٍ: «إنّ لي مطعماً يطعمني وساقياً يسقيني» (28).
وقد عقَّب ابن القيم على هذا الحديث بقوله: «وقد غلظ حجاب من ظنَّ أنَّ هذا طعامٌ وشرابٌ حسيّ للفم، ولو كان كما ظنّه هذا الظانّ لما كان صائماً، فضلاً عن أن يكون مواصلاً، ولما صحَّ جوابه بقوله: «إنّي لست كهيئتكم» فأجاب بالفرق بينه وبينهم، ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حساً لكان الجواب أن يقول: «وأنا لست أواصل أيضاً»، فلمَّا أقرَّهم على قولهم (إنّك تواصل) عُلم أنّه كان يمسك عن الطعام والشراب، ويكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسيّ» (29).
وهذا المعنى المقاصديّ من العقيدة يقتضي منهجاً خاصاً يختلف عن المنهج الذي يحقّق المقاصد العرفانيّة، فهذا المنهج يعتمد على كثرة ذكر الله.. كما قال رسول الله (عليه ‏السلام) مشيراً إلى ذلك: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذرعاً وإن تقرب إلي ذرعاً تقربت منه باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة» (30).
________________________________________
(27)مسند أحمد، ج 3، ص103، حديث 12025، صحيح البخاري، ج 1، ص10، ص16، وفي ج 9، ص 25، حديث 6941.
(28)مسند أحمد، ج 3، ص 8، حديث 11070؛ وفي ج 3، ص 87، حديث 11844، وصحيح البخاري، ج 3، ص 48، حديث 1963، وفي ج 3، ص 49، حديث 1967.
(29)مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج 3، ص 88.
(30)صحيح البخاري، حديث 7405؛ صحيح مسلم حديث 6902.

[الصفحة - 155]


ففي هذا الحديث إشارة إلى دور الذكر في رحلة العروج والتقرب إلى الله.
المبحث الثالث ـ المقاصد السلوكيّة
ونريد بها تحوّل الإيمان من معانٍ عقليّة وأذواقٍ وجدانيّة إلى حياةٍ عمليّة تظهر على الجوارح في عالم الفرد والمجتمع.
ولهذا، فإنّ القرآن الكريم عندما يذكر الأخلاق العالية يربطها بالمؤمنين، كما قال تعالى في أوّل سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (المؤمنون، 11)
فالسورة الكريمة تبدأ بتقرير الفلاح للمؤمنين، ثمّ تصفهم بعد ذلك بما تصفهم به من صفات تشمل جميع العلاقات، مع الله، ومع النفس، ومع الخلق.. وكأنّها تقول: إنّ الأساس في صلاح هذه العلاقات جميعاً هو ذلك الإيمان العميق بالله.
وهذا من الحقائق البديهيّة، فالإيمان المقيّد بضوابط الشرع المراعي لمقاصده هو المدرسة التربويّة الكبرى التي تجعل الإنسان غير محتاجٍ إلى أيِّ رقابةٍ غير رقابته الإيمانيّة.
وقد نبّه جمال الدّين الأفغاني إلى هذا الأثر الإيماني مشيراً إلى قصور القانون عن توفير الحصانة الأخلاقيّة، فقال: «ليس بخافٍ أنَّ قوَّة الحكومة إنَّما تأتي على كفِّ العدوان الظاهر، ورفع الظلم البيّن، أمّا الاختلاس والزور المموّه والباطل المزيّن والفساد الملوّن بصبغ من الصلاح، ونحو ذلك ممّا يرتكبه أرباب
________________________________________

[الصفحة - 156]


الشهوات، فمن أين للحكومة أن تستطيع دفعه؟ وأنّى يكون لها الاطِّلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس ومطويّات الخيانة ومستورات الغدر حتّى تقوم بدفع ضرره؟
على أنَّ الحاكم وأعوانه قد يكونون، بل كثيراً ما كانوا ويكونون، ممّن تملكهم الشهوات، فأيُّ وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم المتسلّطة على عقولهم؟ وأي غوث ينقذ ضعفاء الرعايا وذوي المسكنة منهم من شره أولئك المتسلطين وحرصهم؟» (31).
وفلسف الدكتور محمد عبد الله درّاز ذلك وعلّل له، فقال: «لا قيام للحياة في الجماعة إلا بالتعاون بين أعضائها، وهذا التعاون إنَّما يتم بقانون ينظّم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته. وهذا القانون لا غنى له عن سلطان نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس، ويمنع انتهاك حرماته.
ونقرّر أنّه ليس على وجه الأرض قوّة تكافئ قوّة التديّن، أو تدانيها في كفالة احترام القانون وضمان تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.
والسرّ في ذلك أنّ الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحيّة بأنّ حركاته وتصرّفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا في عنقه، ولا يجري في دمه ولا في عضلاته ولا في أعصابه، وإنّما هو معنىً إنسانيّ روحـانيّ اسمه الفكرة والعقيدة. ولقـد ضلَّ قوم قلبوا هذا الوضع، وحسبوا أنّ الفكر والضمير لا يؤثِّران في الحياة المادية والاقتصادية بل يتأثران بها» (32).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة عندما ذكر تأثير الإيمان في الردع عن القتل في الوقت الذي لم يكن هناك شرطة ولا سجون ولا إعدام، فقال تعالى ذاكراً قصة ابني آدم بالحق: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ }
________________________________________
(31)رسالة الرد على الدهريين، ص72.
(32)من كتاب ( الدين ) للدكتور محمد عبد الله دراز.

[الصفحة - 157]


{مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِين} (المائدة: 27 ـ 28).
وسنحاول هنا باختصار عرض الأركان الكبرى للعقائد، وبيان كيفيَّة عرضها لتُحقِّقَ هذا الركن من أركان المقاصد العقديّة.
وهذه الأركان هي ما وردت الدلالة عليه في مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}(البقرة: من الآية 177)، وقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة، 285)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدا} (النساء، 136)
وقد ذكر (عليه ‏السلام) الأركان الأساس للإيمان، فقال: «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (33).
وانطلاقاً من هذا، قسَّم علماء التوحيد قضايا الإيمان إلى ثلاثة أركان هي الإلهيَّات، والنبوَّات، والسمعيَّات، أو هي الإيمان بالله، وبالرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وبعالم الغيب.
ولهذا التقسيم أهميّة كبرى بسبب اختلاف مناهج التعامل مع كلِّ ركنٍ من هذه الأركان.
________________________________________
(33)مسند أحمد، ج 1، ص27، حديث184؛ وصحيح مسلم، ج 1، ص 29 حديث3.

[الصفحة - 158]


وسنحاول في هذا المبحث تبيان أهمّ ما ينبغي تعليمه من هذه الأركان لتؤدِّي العقائد مقاصدها الشرعيّة.
1ـ الإيمان بالله
وهو أوّل عنصر من العناصر التي تتشكَّل منها الشخصيَّة السوية؛ لأنَّ هذا الإيمان هو الذي يوجِّه السلوك، ويحصِّنُ الاعتقادات، ويضبط نوازع النفس.
ولهذا قال رسول الله (عليه ‏السلام) معلِّماً لابن عباس، وقد كان حينها لا يزال طفلاً صغيراً: «يا غلام إنّي أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك؛ احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
والقرآن الكريم نصَّ على رعاية هذا الجانب ابتداء من مرحلة الطفولة، فقال تعالى حاكياً عن التربية النموذجيّة للقمان (عليه ‏السلام):{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
والتربية الإيمانيَّة في هذا الجانب تركِّز على أمرين أساسين كلاهما مما وردت النصوص بالتركيز عليه، باعتبارهما أساس العقائد، هما:
التوحيد:
لأن أساس كل العقائد هو التوحيد، كما أن منبع كل الانحرافات هو الشرك. ولهذا كانت الدعوة للتوحيد ـ بمعناه العميق الشامل ـ هي أساس دعوة الرسل ـ عليهم السلام ـ، كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (الزخرف: 45)، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
أسماء الله الحسنى:
وهي المعرفة الثانية بعد التوحيد، وإن كان التوحيد في حقيقته جزء منها، ولكنّه لأهميّته، ولما تعرّض له من تحريف، أُفرِدَ بتلك الأهميّة الخاصة.
________________________________________

[الصفحة - 159]


وأسماء الله تعالى هي المعارف التي أذن الله تعالى فيها لوسائل إدراكنا البسيطة أن تتعرَّف بها إلى كمالات الألوهيّة، وهي لذلك من الأهميّة بحيث لا يمكن مقارنتها بأيِّ معرفةٍ من المعارف الأخرى؛ لأنَّ كلَّ ما في الكون أثر من آثار أسماء الله.
وهي لذلك أبواب علاقتنا بالله؛ لأنّ لكلِّ اسم من أسماء الله دلالته الخاصة التي تتطلّب عبوديّتها الخاصّة.
ولهذا علَّمنا تعالى أن ندعوه بأسمائه الحسنى، مستشفعين بها إليه، ومتوسطين بها لديه، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف، 180).
وذلك لأنّ الدعاء ـ في أصله ـ مقتضىً من مقتضيات المعرفة بالله، فالمعرفة بأسماء الله وصفاته العليا هي التي تدعو إلى الثقة فيه، وهي التي تدعو إلى سؤاله.
وقد اهتمّ الغزالي في كتابه الجليل (المقصد الأسنى) بالبعد التربويّ لأسماء الله الحسنى، فكان يذكر عند نهاية شرح كلِّ اسمٍ حظَّ العبد السلوكيِّ منه، فهو يعتبر لكلِّ صفةٍ من صفات الله تعالى أو اسم من أسمائه أثره الخاص به، والذي لا يمكن للإنسان الحصول عليه إذا لم يستولِ على قلبه معنى ذلك الاسم أو تلك الصفة، وهو معنى الإحصاء الذي ورد في قوله (عليه ‏السلام): «إنّ لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة» (34).
2ـ الإيمان بالنبوَّات
وهو العنصر الثاني من الأركان الأساس للإيمان، ولذلك امتلأت آيات القرآن الكريم بالثناء عليهم وذكر قصصهم وأحوالهم لتملأ القلوب محبّةً لهم وإجلالاً، وتشحن الطاقات قدوة وسلوكاً، فيعيش المؤمن في صحبة النماذج الطاهرة الرفيعة، فيترفع من خلالها إلى الآفاق العليا من الكمال الإنساني.
________________________________________
(34)مسند أحمد، ج 2، ص 258، حديث7493. وصحيح البخاري، حديث 2736 و7392؛ وصحيح مسلم، حديث 6906.

[الصفحة - 160]


وخير مصدر ـ بل يكاد يكون المصدر الوحيد للتعرّف إلى حقيقة الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ هو القرآن الكريم، فهو الكتاب المؤرِّخ لحياتهم المرشد لكمالهم المصحح للأخطاء الكثيرة والتحريفات العظيمة التي لحقتهم.
انطلاقاً من هذا سنذكر هنا بعض الآثار التربويّة للإيمان بالرسل، وما يستدعيه من طرق التعريف بهم، وما ينبغي احترازه من ذلك:
القدوة:
ويُشير إلى هذه الناحية المهمَّة الناتجة عن الإيمان الصحيح بالرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام، 90)، فالغرض الأوَّل من الإيمان بالرسل إيماناً يولِّد المحبَّة في قلوب أصحابه هو اتِّخاذهم نماذج يُقتدى بها، وأنواراً يُهتدى بهديها.
وذلك لأنَّ المعارف تظلّ أرواحاً مجرَّدة قد لا تجد من يلتفت إليها حتَّى تجد الأجساد الطاهرة التي تمثِّلها، فتخرج من عالم المثال إلى عالم الواقع.
وكمثالٍ على ذلك تمثيل الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لدور التجرُّد والإخلاص في التعامل مع الله، وهذا ما تبرهن عليه خطبهم لأقوامهم في القرآن الكريم، والتي يحرص القرآن الكريم على ذكرها وتكرارها لتصبح محلَّ نظر المقتدي، فلا يتيه بالحوادث عن مواضع القدوة، قال تعالى على ألسنتهم: {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} (هود، 51)، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (يس، 21)، وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس، 72).
ولهذا كان رسول الله (عليه ‏السلام) يستحضر مواقف الأنبياء ليُعيد إحياءها من جديد، فكان يستحضر في المواقف المختلفة ما حصل لإخوانه من الأنبياء. عن عبد اللّه
________________________________________

[الصفحة - 161]


بن مسعود قال: قسَّم رسول اللّه (عليه ‏السلام) ذات يوم قسماً فقال رجل من الأنصار: إنَّ هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه، قال، فقلت: يا عدو اللّه أما لأخبرنَّ رسول اللّه (عليه ‏السلام) بما قلت، فذكرت ذلك للنبي (عليه ‏السلام) فاحمرّ وجهه ثمّ قال: «رحمة اللّه على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (35).
وفي موقف آخر قال (عليه ‏السلام): «أقول كما قال أخي يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} »(يوسف، 92) (36).
وهكذا يصبح الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ مصابيح تضيء للمهتدين، وتبصِّرهم الطريق الصحيح،
وهذه الصفة تقتضي عصمة الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وتقتضي اقتصار المربِّي على هذه العصمة، وذلك لأنَّ تصوير الإثم في تصرُّفات الأنبياء ـ كما تفعل بعض كتب التفسير والمواعظ ـ ينزع منهم الثقة، ويجعلهم محلاً للنقد، وهو ما قد يُتذرَّع به لسلوك سبيل المعصية بحجَّة أنَّ الأنبياء مع مكانتهم الرفيعة وقع منهم الخطأ.
3ـ الإيمان بعالم الغيب
عوالم الغيب ـ في أصلها ـ هي العوالم التي خفيت على المؤمن، أو التي لا تستطيع وسائل الإدراك العاديّة التعرّف إليها، أو التي جاءت النصوص المعصومة بالدلالة عليها، وهي بذلك تشمل كلَّ قضايا الإيمان، كما قال تعالى في وصف المؤمنين: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة، 3).
وأخبر أنَّ المؤمنين الصادقين لا يحول بينهم وبين الخوف من الله أو التعامل الإيمانيّ معه كونه غيباً عن حواسهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ}
________________________________________
(35)مسند أحمد، ج 1، ص 436 حديث 4148.
(36)النسائي، السنن الكبرى:ج6، ص382، حديث 11298.

[الصفحة - 162]


{بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة، 94)، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء، 49)، وقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (يس، 11).
وهذا لأنَّ أصل التكليف يقتضي الغيب، فلو أنَّ قضايا الإيمان كان دليلها الحس ووسائل الإدراك العاديَّة لما كان هناك أيُّ تكليفٍ بالإيمان بها.
ولكن عالم الغيب أو السمعيَّات ـ كمصطلح ـ قُصِرَ على ما لا يُمكن الاستدلال عليه بالعقل المجرَّد، وما كان في نفس الوقت في حيِّز الإمكان، فتخرج أبواب الألوهيّة والنبوّات لانسجام العقل مع النصوص في الدلالة عليها.
فلذلك يُكتفى في مثل هذه المسائل بالأدلّة المعصومة، ويُعزل العقل عن البتّ فيها بقول أو بدليل إلا دليل الإمكان، ولهذا قال تعالى بعد ذكر كثيرٍ من الأخبار والقصص: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (آل عمران، 44)، وقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود، 49)، وقال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} (يوسف: 102).
ولهذا الإيمان تأثيره النفسيّ والتربويّ الكبير على الإنسان، بل إنَّه ينقله من عالم البهيميّة الذي تُلقيه فيه غرائزه وأهواؤه إلى عالم الإنسانيّة الرفيع، يقول سيد قطب: «والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يُدرِك إلا ما تدركه حواسّه، إلى مرتبة الإنسان الذي يُدرِك أنَّ الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيِّز الصغير المحدَّد الذي تدركه الحواس ـ أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس ـ وهي نقلة بعيدة الأثر في تصوّر الإنسان لحقيقة الوجود
________________________________________

[الصفحة - 163]


كله ولحقيقة وجوده الذاتيّ، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرةٍ وتدبير. كما أنَّها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيِّز الصغير الذي تدركه حواسّه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقَّى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أنَّ مداه أوسع في الزمان والمكان من كلِّ ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود» (37).
ويردّ على المفكِّرين المعاصرين الذين يتصوَّرون الإيمان بعوالم الغيب نوعاً من الهروب من الواقع، فيقول: «لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكنّ جماعة المادّيين في هذا الزمان، كجماعة المادّيين في كلِّ زمان، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى.. إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا (تقدّمية) وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إيّاها، فجعل صفتهم المميزة، صفة: الذين يؤمنون بالغيب» (38).
وبعد هذا، فإنَّ الآثار العظيمة للإيمان بالغيب لا تتحقَّق إلا إذا لقيت طرحاً سليماً من المربي. ونرى أنّنا خصوصاً في هذا العصر بحاجة إلى طرح مثل هذه القضايا طرحاً علمياً؛ لأنّ العقليَّة المعاصرة لا تسلِّم للشيء من غير أن تجد ما يبرهن عليه.
نعم إنّ قضايا الإيمان بالغيب لا يمكن إدراكها بالحسِّ المجرَّد، ولا بوسائل الإدراك العاديّة، ومع ذلك، فإنّ للعقل مجالاً فيها، إمَّا في التعرّف إلى إمكانيّة وجودها، أو في تصوُّر ما يحمله الإيمان بالغيب من حقائق.
أما مجال التعقّل، فالقرآن الكريم يُبرهن على الغيب بالأدلّة العقليّة الكثيرة، فيبرهن على البعث والقيامة بما يريه في الإنسان والأرض من آثار تدلّ على قدرة الله المطلقة بإعادة الحياة، فالله هو المبدئ المعيد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ}
________________________________________
(37)سيد قطب، في ظلال القرآن، ج1، ص 39.
(38)م. ن، ج1، ص40.

[الصفحة - 164]


{مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج، 5)
فالله تعالى يستدلّ بقدرته المطلقة على نقل الإنسان من طورٍ إلى طور على قدرته على البعث الذي هو في حقيقته لا يعدو أن يكون طورا من أطوار حياة الإنسان الممتدّة.
ومثل ذلك عالم الملائكة وغيره من العوالم الغيبيّة التي خلقها الله، كما خلق الإنسان. يقول سيد قطب: «ونسأل: ماذا عند أدعياء العقليّة العلميّة، من علمهم ذاته، يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمَّى بالملائكة، وإبعاده عن دائرة التصوّر والتصديق؟ ماذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك؟
إنَّ علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياةٍ من نوعٍ آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى، يختلف تركيب جوِّها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها... فلماذا يجزمون بنفي هذه العوالم، وهم لا يملكون دليلاً واحداً على نفي وجودها؟
إنّنا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا، ولا إلى قول الله سبحانه! إنّما نحاكمهم إلى علمهم الذي يتَّخذونه إلهاً... فلا نجد إلا أنَّ المكابرة وحدها ـ من غير أيِّ دليلٍ من هذا العلم ـ هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار غير العلميّ! لمجرَّد أنَّ هذه العوالم غيب. لقد نرى حين نناقش هذه القضيّة أنّ الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا العلم اليوم بوجودها ؛ حتّى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون» (39).
ويقول النورسيّ مبيِّناً علميَّة الإيمان بالملائكة: «إنَّ الكرة الأرضيَّة وهي واحدة من الأجرام السماويّة، على كثافتها وضآلة حجمها، قد أصبحت موطناً لِمَا
________________________________________
(39)م. ن، 1044.

[الصفحة - 165]


لا يُحدّ من الأحياء وذوي المشاعر، حتّى لقد أصبحت أقذر وأخسّ الأماكن فيها منابع ومواطن لكثير من الأحياء، ومحشراً ومعرضاً للكائنات الدقيقة. فالضرورة والبداهة والحدس الصادق واليقين القاطع جميعاً تدلّ وتشهد بل تعلن أنّ هذا الفضاء الواسع والسموات ذات البروج والأنجم والكواكب كلها مليئة بالأحياء وبذوي الادراك والشعور» (40).
وهكذا، فإنَّ المربِّي الصادق لا يكتفي بتقرير الحقائق الغيبيّة مجرّدةً، يكلِّف بها عقل المتلقّي تكليفاً، بل يحاول أن يلطِّفها ويقوِّي رسوخها بما يبثّه من أدلّة، فإنَّ إبراهيم (عليه ‏السلام) مع علمه بقدرة الله المطلقة على الإحياء طلب من الله ما يزيد هذه الطمأنينة قوّةً ورسوخاً، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة، 260)
أمّا مجال التصوّر، فإنَّ الكثير من قضايا الإيمان الغيبيّ يُمكن قياسه على ما خلق الله في الأرض من ظواهر، من باب تقريب عالم الغيب من عالم الحس، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة، 25)أي يشبه الشكل الشكل، ولكن الطعم غير الطعم، ومثل ذلك قوله (عليه ‏السلام) في ذكر سدرة المنتهى: «فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر» (41).
* * *
________________________________________
(40)الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون.
(41)مسند أحمد، ج 3، ص148، حديث12533؛ وج3، ص153، حديث 12586؛ وصحيح مسلم، ج1، ص 99، حديث330.

[الصفحة - 166]