البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الشيعة في لبنان، تاريخهم ودورهم البدايات حتّى عصر الشهيد الأوّل

الباحث :  الأستاذ الدكتور مصطفى بزي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  62
السنة :  السنة السادسة عشر صيف 1432 هجـ 2011 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  332
الشيعة في لبنان، تاريخهم ودورهم
البدايات حتّى عصر الشهيد الأوّل

الأستاذ الدكتور مصطفى بزي (*)

إنّ معظم أنظمة الحكم التي تداولت السلطة في المنطقة الإسلاميّة والعربيّة، وخاصّة منذ العصر الأمويّ، امتداداً حتّى العصر العباسيّ، وما بعدهما، كانت أنظمةَ حكمٍ مطلق، والكتابات التاريخيّة عن هذه الأنظمة كانت تتمحور حول الخلفاء والسلاطين وحاشيتهم وبلاطهم، كما أنَّ الكتابات التي تحدَّثت عن أنظمة حكم الفاطميين والسلاجقة والأيوبيين وغيرهم، ركّزت على السلاطين والوزراء والأمراء والقادة الكبار والولاة، حيث أنَّ التواريخ ارتبطت بهؤلاء ارتباطاً مباشراً، بينما لم تلق فئات الشعب الأخرى الاهتمام المماثل، مع العلم أنّ الناس، كلّ الناس، هم الذين يصنعون التاريخ بأنفسهم، فهؤلاء هم وقود كلِّ الحروب العسكريّة، وهم الذين يُساقون إلى العمليّات الحربيّة، يخسرون أنفسهم وأرزاقهم وبيوتهم، ويهجّرون من مكانٍ إلى آخر، وتفرض عليهم الضرائب وأعمال السخرة والظلم وغير ذلك.
إنّ مراكز الحكم في المناطق الإسلاميّة كان لها مؤرِّخوها، شعراؤها، أدباؤها، وكتّابها، لكن يُلاحظ أنَّ التركيز في تلك العصور التي شهدت الأحداث التاريخيّة، لم يكن على كلِّ المناطق بنفس المستوى، بل كان التركيز يطال مدناً معينةً، دون أن
يكون أدنى اهتمام بمدنٍ أُخرى.
________________________________________
(*) أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، من لبنان.

[الصفحة - 194]


معظم المناطق اللبنانيّة، ومنها جبل عامل، كان لها دور مهم في سير عمليّة التاريخ، هذا الدور كان يؤدِّي إلى نتائج إيجابيَّة أحياناً، وأحياناً أخرى إلى نتائج سلبيّة، وهذا أمر طبيعيّ؛ لأنَّ أهالي هذه المناطق لم يكونوا اللاعبين الوحيدين على الساحة، فقد كانت هنالك قوى عديدة تتصارع فيما بينها، على أرض هذه المنطقة، وكانت تحاك مؤامرات، وتعقد اتفاقات ومعاهدات، وكلها كانت لها انعكاسات على العمليّات السياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
إنَّ هذه المنطقة، كجزءٍ من بلاد الشام، كانت تتأثَّر مباشرةً بما يحدث في الشام والعراق من جهة، وفي فلسطين امتداداً حتّى مصر من جهةٍ أخرى، خاصة وأنَّ المناطق الجنوبيّة من لبنان، مثَّلت منذ القديم، أحد المعابر للجيوش الآتية من مصر مروراً بفلسطين، باتِّجاه المقاطعات اللبنانية، وخاصّةً منذ أواخر القرن التاسع الميلاديّ، وكذلك باتِّجاه الدول الأخرى.
حين نؤرِّخ للفترة الواقعة بين ما قبيل الحروب الصليبية، امتداداً إلى الحديث عن هذه الحروب، والأدوار التي لعبتها ممالك ودول وإمارات وشخصيّات، واستعراض المعارك والحروب والانتفاضات والثورات التي حصلت، فإنَّنا نحاول رسم صورةٍ واقعيّةٍ للمرحلة التي نؤرِّخ لها، لنؤكِّدَ على حقيقةٍ أساسيّةٍ، سوف تبرز من خلال السياق التاريخيّ، وهي أنَّ المنطقة كانت تقع فريسةً سهلةً بيد الطامعين والمحتلّين، عندما تكون هناك مشاكل وخلافات تعصف داخل الصفِّ الواحد، أو المجموعة الواحدة، بينما تكون المنطقة بمنأى عن الخطر والاجتياح والاحتلال إذا كانت الصفوف متراصّة، والجميع يشاركون في صدّ الغارات والاعتداءات، وقد حفل التاريخ بأحداث كثيرة أبرزت التطاحن على السلطة بين الأمراء والحكام والسلاطين، وحتّى بين الأخوة أنفسهم، والأبناء والزوجات، ولا شك أنّ شهوة السلطة كانت تؤدِّي إلى مزيد من التقاتل والاختلاف الحاد.
إنّ منطقة جبل عامل، وبشكل خاص، عانت من الاحتلال المتعدّد،
________________________________________

[الصفحة - 195]


والاعتداءات الخارجيّة، والصدامات المحليّة، وبالمقابل شهدت المقاومات الباسلة، وخاض سكّانها حركات رفض وعدم رضوخ للمحتلِّين، وشهدت محطّات هامّة في المقاومة والتصدّي، ولعب أهلها وزعماؤها السياسيّون والدينيون أدواراً هامة في هذا المجال.
وجبل عامل هي التسمية التاريخية القديمة، لما قد أصبح يسمى اصطلاحاً بـ(جنوب لبنان)" أو (الجنوب اللبناني) أو (لبنان الجنوبي)، وهذه التسمية تحمل في طياتها معانٍ دينيّة وثقافيّة وإنسانيّة، لا يمكن أن ينساها أبناء هذه المنطقة، على امتداد تاريخها.
ويرتبط باسم جبل عامل رجال كبار، شخصيّات دينيّة متميِّزة، شخصيّات سياسيّة، ثقافية، شعراء، أدباء، مؤرِّخون، وكثير من هؤلاء سمّوا أنفسهم بـ(العاملي)؛ لأنّ هذه العبارة تعطيهم خصوصيّة معيّنة، لا يمكن إلا أن نتوقَّف عندها، حتّى أنّ هنالك أشخاصاً غير عاملين، سكنوا المنطقة، فانتسبوا إليها، أو نُسبوا إليها، لرمزيّة المكان الذي ارتبط دينيّاً بأبي ذر الغفاري، امتداداً إلى علماء كبار، كالشهيد الأوّل والشهيد الثاني وبهاء الدِّين العاملي، إلى آخر هذه السلسلة.
إنّ الأحداث التي نتكلَّم عنها تشمل الشام، صيدا، طرابلس، صور، عكا، صفد، طبرية، الداخل العامليّ كله، إضافةً إلى الجوار العربيّ الذي كان له تأثيره المباشر أو غير المباشر على هذه الأماكن. إنّ منطقة جبل عامل بالذّات اعتبرها المؤرِّخون ملحقةً حيناً بالشام، وحيناً آخر بعكا، وفي أحسن الأحوال بصيدا ثمّ ببيروت لاحقاً.
والحديث عن الناحية السياسيّة والفكريّة بين الفترة الصليبيّة والمملوكيّة، تفرض علينا حكماً التعامل مع واقعٍ تشابكت خلاله قوى سياسيّة عديدة، كان لها تأثير على الواقع، بأشكال مختلفة، وبنسبٍ متباينة، فعندما وصل الصليبيّون إلى المناطق اللبنانيّة من ناحية الشمال، وتوجّهوا مباشرةً من الساحل اللبناني، الذي لم
يفتح أبوابه لهم بكلِّ مدنه، باتِّجاه القدس، هدفهم الرئيس، فإنَّ قوى سياسيَّة
________________________________________

[الصفحة - 196]


وعسكريَّة أخرى كانت لا تزال تؤثِّر في الواقع السياسيّ والعسكريّ للمنطقة، فالسلاجقة موجودون في الجهة الشرقيّة في الشام، والفاطميّون كان لهم وجود بحري أساسي، ثمّ كان دور كبير للأتابكة والأيوبيين الذين كان صراعهم على جبهتين، واحدة فاطميّة، وأخرى صليبيّة، ثمّ كان دور المماليك الذين كان أثرهم فعّالاً، وحصل تداخل مملوكيّ صليبيّ فاطميّ خلال فترة طويلة، هؤلاء المماليك الذين كان لهم دور في هزيمة المغول في أهمِّ المعارك التي جرت بينهما، كما ساهموا فعليّاً في التصدّي للصليبيّين وهزيمتهم في أكثر من واقعة.
إنّنا ونحن نتحدّث عن هذه القوى، لا بدّ لنا من استعراض تأثيراتها الفكريّة والعلميّة؛ لأنّ المسألة العقائدية كانت مؤثِّرة في سير عمليّة تاريخ المنطقة، وفي علاقات القوى السياسية، التي كانت تربط سياستها بخلفيّاتها الدينية، وهناك تغييرات عديدة، وتحوّلات كثيرة حصلت، كانت أسبابها دينيّة وعقائديّة.
تبعاً لما ذكرنا، سنحاول دراسة المرحلة السياسيّة والفكريّة قبيل بدء الحروب الصليبيّة، ثمّ خلا الاحتلال الصليبيّ للمنطقة، امتداداً حتّى نهاية الصليبيّين والفترة المملوكيّة، التي كان الشهيد الأوّل محمد بن مكي الجزينيّ أحد أهمّ شهدائها، شهداء التعصّب والحقد وعدم قبول الرأي الآخر.
الخريطة السياسية قبيل بدء الحروب الصليبية
دور الفاطميّين سياسياً ودينياً
ينتسب الفاطميّون إلى جدّهم الملقّب بالمهديّ، أوّل خلفائهم ببلاد المغرب، وهو عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق(عليه ‏السلام). وهم من فرقة الإسماعيليّة، إحدى فرق الشيعة، ومن المعروف أنّ الإسماعيلية يتماهون مع الإمامية الإثني عشرية (الجعفريّة) في إرجاع الإمامة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه ‏السلام)، امتداداً إلى الإمام جعفر الصادق(عليه ‏السلام)، ثمّ
________________________________________

[الصفحة - 197]


يعدلون بها عن الإمام موسى الكاظم إلى أخيه اسماعيل، ثمّ إلى ابنه محمد، ثمّ إلى ابنه جعفر، ثمّ إلى ابنه محمد، الملقب بالحبيب، ثمّ إلى عبيد الله، الملقّب بالمهدي، أوّل خلفاء الفاطميين، ثمّ إلى ابنه العزيز، فالظاهر، ثمّ المستنصر بالله، وهو خامس خلفائهم بمصر، وهنا يفترق الإسماعيلية إلى فرقتين: إحداهما تقول أنّ الإمامة انتقلت من المستنصر إلى ابنه المستعلي، وأخرى تقول إنّها انتقلت إلى ابنه نزار (1).
في عهد العباسيّين، كان هناك شخص يُدعى أبو عبد الله الشيعيّ، وكان قد وليَ الحسبة في بعض أعمال بغداد، وكان بداية يعتنق الإمامية الاثني عشريّة، واتَّصل بمحمد، المعروف بالحبيب، والد عبيد الله المهدي، فأقنعه بالعدول عن مذهب الإمامية، واعتناق الإسماعيليّة، فاعتنقها، وأخلص لها، وأصبح من أعظم دعاتها.
وذهب أبو عبد الله إلى بلاد المغرب، وراح يبشِّر بالإسماعيليّة (2)، ويمهِّد لخلافة المهدي، فأتبعه بعض أهلها، ولمّا اطمأنّ إلى طاعتهم، وخاصّة عقائدياً ألّف منهم جيشاً، وثار به على الحاكم، وانتزع منه الحكم، وسلّمه إلى المهدي لقمة سائغة، وذلك في نهاية القرن الثالث، وتحديداً سنة 296هـ، وتلقّب المهدي بأمير المؤمنين، وتوفّي بعد ست وعشرين سنة من فعلته، وذلك سنة 322هـ، فآلت الخلافة إلى القائم بأمر الله، الذي حكم أحد عشر عاماً، وتوفي سنة 333هـ (3).
ثمّ تولى الحكم بعده إسماعيل، الملقب بـ(المنصور) الذي مات سنة 341هـ، فآلت الخلافة إلى ولده المعزّ لدين الله، وهو من الخلفاء المميّزين، وكان مثقَّفاً، مولعاً بالعلوم والآداب وحسن التدبير وأحكام الأمور، ويذكر المؤرِّخون أنّ «الأمن كان مستتبّاً في عهده واطمأنّ به الحال، وفكّر أن يعدّ العدّة لغزو مصر، لثروتها وموقعها الجغرافي، الذي يمهّد السبيل لامتداد النفوذ والسيطرة على كثير من الأقطار، بخاصة الشام والحجاز، وكان هذان القطران خاضعين للأخشيديين، حكّام
مصر في ذلك الوقت» (4).
________________________________________
(1)راجع: محمد جواد مغنية: الشيعة والتشيع، دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة للطباعة والنشر، بيروت، لا تاريخ للنشر، ص 160. أيضاً: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج1، القاهرة، بولاق سنة 1270هـ، ص 348 وما بعدها. وابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج1، القاهرة 1303هـ/ 1886م، ص 11.
(2)حول الاسماعيلية راجع: مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاسماعيلية منذ أقدم العصور حتى وقتنا الحاضر، سوريا 1953، ص 84.
(3)ابن الأثير: نفس المصدر، حوادث سنة 333.
(4)محمد جواد مغنية: المرجع السابق، ص 164، راجع أيضاً حول المعزّ: المقريزي: إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الخلفا، نشره الشيال، القاهرة، دار الفكر 1928، ص 185 186.

[الصفحة - 198]


نلاحظ هنا أنّه في ظلّ الأخشيديين كان هناك حكم واحد في المنطقة يتبع سلطتهم، لذلك كانوا في موقع قوي، وهذا ما سنجده أيضاً في فترات أخرى.
وردت المعزّ أخبار من مصر، تفيد بوفاة كافور الأخشيديّ، وذلك سنة 357هـ، فعمد المعزّ فوراً لإعداد جيش، هيأ له المال، وعهد إلى قائده جوهر الصقلي بقيادة الحملة (5)، فسار جوهر بجيشه سنة 358هـ، وصل برقة، ثمّ مضى إلى الإسكندريّة، فدخلها من غير مقاومة، ولمّا وردت أخبار جوهر إلى الفسطاط، تآلف وفد من الأكابر، وفاوضه في تسليم المدينة، وانتهت المفاوضة بكتاب الأمان، لكن فئة من جنود المصريين، الذين كانوا في خدمة كافور، لم يرضوا عن عقد الصلح، فأعلنوا الحرب، ودار القتال، وانتهى إن زال حكم الأخشيديّين والعباسيّين عن مصر، وأصبحت هذه البلاد ولايةً تابعةً للدولة الفاطميّة، التي امتدّت من المحيط الأطلسيّ غرباً، إلى البحر الأحمر شرقاً، ونافست هذه الدولة الفاطميّة الشيعيّة بغداد، حاضرة الدولة العباسيّة السنّية المتداعية، وكان لتلك المنافسة أبعد الأثر في الحضارة الإسلاميّة (6).
وفي سنة 358هـ، وضِعَ جوهر أساس مدينة القاهرة، التي أصبحت عاصمةً للدولة، وكان كلُّ ما فيها شيعي، حتّى الأزهر ولبس السواد والأذان والتدريس والشعائر.
ولمّا أيقن المعزّ أنَّ دعائم الملك قد توطَّدت في مصر والشام، سار إلى مصر، وصل الإسكندريّة سنة 362هـ، وانتقلت العاصمة إلى القاهرة، التي أصبحت مقرّاً للخليفة والخلافة.
لقد حدث في الشام أمرٌ مهم، لكنّه لم يؤثِّر في عضد الدولة الفاطميّة، فقد برز القرامطة هناك، وزحفوا إلى الشام، وانتزعوها من يد نائب الخليفة الفاطميّ،
وتوجّهوا إلى مصر، في محاولة للسيطرة عليها، لكن المعزّ بجيشه كان لهم بالمرصاد، «فأوقع بهم هزيمة منكرة في معركة بلبيس في أواخر سنة 362هـ» (7).
________________________________________
(5)راجع: ابن خلكان: وفيات الأعيان وإنباء أبناء زمان، ج2، بولاق، القاهرة 1299هـ، ص 134.
(6)حسن ابراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية، طبعة 1958، ص 147.
(7)ابن الأثير: المصدر السابق، حوادث 363.

[الصفحة - 199]


لقد أقام الفاطميّون في مصر، بعاصمتها القاهرة، خلافة مستقلة «واستناداً إلى مضمون الدعاية الشيعية، كانوا على يقين بأنّهم وحدهم زعماء الجماعة الإسلاميّة الشرعيّة (بانتمائهم إلى محمد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم))، وكانوا يستهدفون آجلاً إسقاط خلفاء بغداد، إذ كانوا يعدّون ولايتهم زوراً، وعلى عهدهم الذي طال قرنين، عرفت مصر عصر ازدهار» (8).
إنّ ما طرحه هذا الخليفة الفاطميّ المهم، فيما يتعلّق بالصراع مع البيزنطيين، من قدسيّة عمله الجهاديّ ضد هؤلاء، يبرز وكأنّه المنطلق الأساسي لتحرِّكه حيث قال بوضوح تام أنّه «لم يأت إلى الشرق طمعاً في ملك أو جاه، وإنّما للجهاد ووقف خطر البيزنطيّين» (9).
إنّ هذا الطرح كان يبدو هدفاً استراتيجيّاً للفاطميّين، والتركيز على الجهاد كان أحد الأركان الرئيسة في العقيدة الفاطميّة، وهذا ما سيتمّ التعبير عنه عمليّاً في المواجهات الكبيرة مع الصليبيّين.
مات المعزّ سنة 365، وقيل بحقّه كلام كبير، حيث قال عنه ابن الأثير: «كان المعزّ عالماً فاضلاً، جواداً شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة، وإنصاف الرعيّة» (10).
بعد المعزّ تسلّم الخلافة ولده منصور نزار، الملقب بـ(العزيز بالله)، وفي عهده استولى القرامطة على الشام، وزحفوا مرّةً ثانيةً على مصر، فسار إليهم العزيز بنفسه، وقاتلهم وهزمهم، وعني بالشام عناية خاصة، لكن في تلك الفترة حدث ارتباك في الحكم الفاطميّ، ممَّا جعله ينجرّ إلى خضم الصراعات المحليّة، وبعض أسباب هذا الارتباك كان رفض دمشق للتوجّه العقائديّ الفاطميّ، وظهور استقلاليّة حمدانيّة في
حلب (الدولة الحمدانيّة)، لا تتناسب أيضاً مع توجّهات الدولة الفاطميّة، وإزاء هذا الأمر الخطير الداخليّ، سار العزيز بالله إلى حلب، عاصمة هذه الدولة الحمدانيّة، التي ما إن شعر قادتها أنّ الفاطميِّين توغّلوا في الشام، فإنّهم تحالفوا مع باسيل
________________________________________
(8)تاريخ الكنيسة المفصّل المجلد الثاني، نقله إلى العربية الأب صبحي حموي اليسوعي، ط1، دار المشرق 2002، ص 168.
(9)ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج1، دار الكتب المصرية، لا تاريخ للنشر، ص 72.
(10)ابن الأثير: المصدر السابق، حوادث 365، وأيضاً محمد عبد الله عنان: الحاكم بأمر الله، ط2، ص 79.

[الصفحة - 200]


الثاني امبراطور القسطنطينية، وهذا أمر مسيء، حيث تمّ الاستقواء بالبيزنطيّين ضدّ المسلمين، فحصلت معركة بين العزيز والإمبراطور، الذي أمدّ حلب بالعساكر، لكن كانت الهزيمة من نصيبهم. عقائدياً، «عني العزيز بالله مثل أبيه بنشر المذهب الشيعيّ، وحتّم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق هذا المذهب، كما قصر المناصب الهامّة على الشيعة، وأصبح لزاماً على الموظّفين السنيّين الذين تقلّدوا بعض المناصب الصغيرة، أن يسيروا طبقاً لأحكام المذهب الاسماعيليّ» (11).
تولّى الخلافة بعد العزيز بالله الذي توفّي سنة 386هـ (الحاكم بأمر الله) «الذي ترك سياسة التعصّب للمذهب الفاطميّ، واتّبع سياسة التسامح مع الطوائف، وأخيراً ظهوره بمظهر القلق والتذبذب، لكن مع إقرار الأمن، والقضاء على الفوضى» (12).
وتَعتبر المراجع الكنسيّة أنّ الحاكم «كان متعصّباً في معاملة المسيحيين، (تدابير تمييزيّة، وتخريب بعض الكنائس، ومنها كنيسة القبر المقدّس في القدس)، ممّا كان له أثر في انطلاق الدعوة إلى الحملة الصليبيّة بعد قرنٍ من الزمن، لكن هذه الدعوة لم يكن لها أي مبّرر، بقدر ما أسرع خليفته إلى إلغاء التدابير التي اتّخذها سلفه الحاكم، والتي رأى فيها المؤرّخون المسلمون أنفسهم تعديات هي من عمل رجل مجنون» (13).
دخول الفاطميّين إلى جبل لبنان
عندما بدأت دولة الفاطميّين غزو المنطقة بقصد احتلالها، تعرّضت المدن الساحليّة لغزو بحريّ مرَّات عديدة من الفاطميّين فالعباسيّين، وبالعكس.
وبعد سقوط الشام بأيدي الفاطميين سنة 359هـ، سنة 969م (14)، بدأت هذه الدولة تعمل لبسط نفوذها على المناطق اللبنانيّة كافّة. وظهر أنّ هناك قوّتين أساسيّتين تتنافسان للسيطرة على المنطقة، وهما القوّة البيزنطيّة، التي كانت تأمل في الوصول إلى بيت المقدس للسيطرة عليها، والدولة الفاطميّة التي قوي نفوذها،
________________________________________
(11)نقلاً عن محمد جواد مغنية: المرجع السابق، ص 167.
(12)نفس المرجع، ص 168، وعنان: المرجع السابق، ص 103، وحسن ابراهيم حسن: المرجع السابق، ص 168.
(13)تاريخ الكنيسة: المرجع السابق، ص 168.
(14)استسلمت صور للقائد الفاطمي جعفر بن فلاح سنة 359هـ/ 969م: ابن تغري بردي: المصدر السابق، ج4، ص 55.

[الصفحة - 201]