البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

بشارة النبي الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في التوراة والإنجيل وإشكاليّة التحريف

الباحث :  نظيرة غلاب
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  58
السنة :  السنة الخامسة عشر صيف 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  294
بشارة النبي الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في التوراة والإنجيل
وإشكاليّة التحريف

نظيرة غلاب (*)

أن يُقال يَكاد لا يخلو كتاب في الإلهيَّات الإسلاميَّة من التحدُّث عن بشارة الأنبياء السابقين بنبوَّة نبيِّنا محمَّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، بل عَدّت بشارة النبي السابق بالنَّبي اللاحق أحد الأدلَّة التي اعتمدها علم الكلام في البُرهان على صدق ادِّعاء النبوَّة بعد المعجزات، سندهم في هذا الآيات القرآنيَّة المتعدِّدة (1).
ومن خلال وجود هذه الآيات الكريمة سعى العديد من المفسِّرين والباحثين المُصلِحين إلى إثبات وجود هذه البشارة في الكتابَين السابقين دافعهم في هذا إثبات صحّة القرآن وأنه منزَّل من عند الله جلَّ وعلا. كما أنَّها إحدى الوسائل والأدوات المسلَّمة في جدالهم ومحاججتهم لأهل الكتاب. خصوصاً وأنَّ الآية من سورة الصف تتحدَّث عن أنَّ النبي عيسى(عليه السلام) قد ذكر النَّبي الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بالاسم ممّا لم يَعد معه مكان للشكِّ والترديد: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (الصف، 6).
فما موضوع هذه البشارة التي يتحدَّث عنها القرآن. وهل نستطيع العثور على بشارة بنفس هذا الظهور في التوراة والإنجيل، أم أنَّ البشارة يجب تفسيرها بنحوٍ آخر؟
________________________________________
(*) باحثة في علوم القرآن والحديث، من المغرب.
(1) البقرة/ 146؛ الأنعام/ 20؛ الأنعام/ 114؛ الأعراف/ 15؛ الصف/ 6.

[الصفحة - 117]


نصّ الآيات
الآيات التي تحدَّثت عن البشارة هي كلٌّ من:
الأولى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } (البقرة، 46، والأنعام، 20).
الثانية: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ } (الأنعام، 114).
الثالثة: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ } (الأعراف، 157).
الرابعة: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } (الصف، 6).
بالنسبة للآية الأولى والثانية فظاهرهما جليّ في أنَّ أهل الكتاب يَعرفون أنَّ هذا القرآن وهذه الحقائق التي يرونها أمام أعينهم حقيقة وحياً منزَّلاً. كما أنَّهم يَعرفون أنَّ محمّداً(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) الرسول الخاتم والنبيّ المرسل. هذه المعرفة التي أتت عن طريق تملكِّهم للكتاب، حيث تجد التأكيد على أهل الكتاب دون غيرهم في هاتين الآيتين، فلم يَذكر قريش أو غيرهم من الأقوام مع تعدّدهم ولكن خصَّ بالمعرفة أهل الكتاب: اليهود والنصارى.
واليهود بالذَّات يَعرفون أشدَّ المعرفة ويميِّزون تمييز اليقين بين النبيّ المرسَل وبين من ادّعى النبوّة فريَةً، وهذه المعرفة تأتَّت لهم ـ أهل الكتاب ـ دون غيرهم ليس لأنَّ كتابهم يَحمل علامات خاصَّة لهذا الرسول أو لأنَّ كتابهم تحدَّث عن وشمٍ أو طابعٍ يَكون في الجسد الطاهر للنبيّ الخاتم. ولكن لأنَّهم من طول معاشرتهم لأنبياء عديدين تعاقبوا عليهم كان المشترَك لديهم جميعاً: سلوكيَّات وأخلاق خاصَّة لا يتّصف بها إلا نبيٌّ مرسَل أو وليٌّ مصطَفَى.
________________________________________

[الصفحة - 118]


أخلاقيَّاتٌ تتجلَّى في سلوكيَّات يوميَّة وملازمة لهم حتَّى صارت بمثابة الوشم المطبوع على جبين الأنبياء يَعرفون به أين ومتى حلَّوا. سلوكيَّات تتلخَّص في عدم السجود لصنمٍ آدميَّاً كان أو شَعراً أو حجراً. رفضهم للظلم ولو كان ذلك الرفض عقابه الموت والقتل، دفاعهم عن كلِّ المستضعَفين في الأرض، حبسهم للخلق ومناصرتهم للحقِّ. إلى غيرها من السلوكيَّات التي نُجمِلها في القول إنَّها أخلاق قرآنيَّة كاملة. نعم هكذا يَعرف أهل الكتاب صدق دعوى الأنبياء ويميِّزونها عن غيرها؛ لأنَّها القاسم المشتَرَك بين جميع الأنبياء والمرسلين وإن اختلفت النبوَّة في الأشديَّة حين يُضاف إليها مقام الإمامة. فإنَّها حتماً تكون أعلى وأكثر إشعاعاً.
والقرآن يؤكّد على هذا النوع من المعرفة ويقارنها بمعرفتهم لأبناءهم للخشية في طريق حصول هذه المعرفة. فمعرفتهم لأبناءهم ليس لأنَّهم يعملون علامات أو وشماً ولكن المعرفة في السلوك والمعاملة. فمعرفتهم بأبناءهم معرفة حضوريَّة. الأبناء حاضرين بذواتهم أمام الآباء، كذلك سلوكيَّات الأنبياء غير خفيَّة عليهم لكثرة تردّدها عليهم.
يبقى إذن الموضوع محصوراً في الآيتين الأخيرتين حيث نجدهما يَتَحدَّثان عن البشارة بشيءٍ خاص لم يُشارك فيه جميع الأنبياء. الأولى النبيّ الأميّ والثانية اسمه أحمد. فهل لهذه البشارة بهذا الشكل تواجد في التوراة والإنجيل؟
قد يكون الجواب الأوَّل بهذا الشكل: إنَّه لا داعي للبحث عن هاتين البشارتين في التوراة والإنجيل ما دام القرآن قد تحدَّث عن تعرّضهما للتعريف ومن السذاجة البحث عن هذه البشارة لأنَّ اليهود خصوصاً والمسيحيين لن يَتركوا دليلاً يُدينهم فهم لطالما نفوا نبوَّة نبيِّنا الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) فكيف يَتركون ما يُكذِّب قولهم ويُثبت براءة النَّبي الأكرم من الادِّعاء الكاذب والقرآن في أكثر
________________________________________

[الصفحة - 119]


من موضع يَتحدَّث عن تحريفهم كتاب وكلام الله. قال تعالى: {مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} (المائدة، 41) إلى غيرها من الآيات.
نعم هذه الآيات تتحدَّث عن التحريف إلا أننا لا نستطيع من خلالها الإدلال إلا على نوعٍ من التحريف وهو التحريف المعنويّ وليس اللفظيّ، أي إنّهم يفسِّرون العهدين على غير وجههما الحقيقيّ. هناك روايات توضِح أكثر ما ذهبنا إليه من بينها على سبيل المثال: عن الإمام محمَّد بن علي الباقر (عليه السلام): «وكان من نَبْذِهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه» (2). وهذا ما ذهب إليه الشيخ معرفة حيث قال: «قلت: ليس في القرآن ما يدلُّ على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل تحريفاً بهذا المعنى المصطلح (تبديل النصّ أو الزيادة فيه أو النقص)، وإنَّما هو تحريف معنويّ أي تفسير الكلام على غير وجهه» إلى جانب هذا فهناك آيات قرآنيَّة متعدّدة تتحدَّث عن تصديق عيسى للتوراة أوّلاً وعن تصديق النبي الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) للتوراة والإنجيل. هذه الآيات «مصدِّقاً لِمَا بين يديه من التوراة والإنجيل» (3) آيات تشبَّثَ بها علماء اللاهوت المسيحيّ لإثبات سلامة التوراة والإنجيل من التحريف.
نعم هذه الآيات (آيات التصديق) تتحدَّث عن تصديق النبيّ للتوراة والإنجيل ولكن ظاهر الآيات يُخبِر عن شيءٍ آخر «مصدِّقاً لِمَا بين يديه»، ويذكر العلامة البلاغي في تفسيره أنَّ هذا الاصطلاح «لِمَا بين يديه» في اللغة العربيَّة يَعني ما سَبَقَ أي التوراة والإنجيل، وأنَّ تصديقهما متجلٍ في تصديقه(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) للثَوابت التي دَعت إليها والمتمثِّلة في الدَّعوة إلى الله سبحانه وعلا. فبدْأ من آدم ختاماً بمحمَّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لم يَحِدْ واحدٌ منهم عن الدعوة إلى التوحيد إلى الله الواحد إلى المدبِّر الواحد. وهذه الكتب وإن أُضيف إليها أو بالأحرى أُضيفت إلى ما يُناقض التوحيد من ادِّعاء أنَّ عزيرٌ ابن الله أو ادّعاء أن المسيح ابن الله... لكن يبقى نور التوحيد.
________________________________________
(2) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، ج 8 ص 53.
(3) معرفة، هادي، صيانة القرآن من التحريف، ص 122.

[الصفحة - 120]


التوحيد هو القاسم المشتَرَك في جميع دعوات الأنبياء والمرسلين، لم يَحد واحد منهم عن هذا الصراط المستقيم. والتوحيد هو الركن الأساس الذي قامت عليه التوراة والإنجيل. فكلُّ شيءٍ بدايته التوحيد، وإنْ أُضيف إلى بعض أقسام هذه الكُتب شيءٌ آخر كالتثليث مثلاً، ومن يَقرأ التوراة والإنجيل يطَّلع على هذه الحقيقة الثابتة. ففي سفر التثنية الإصحاح الرابع 4/35: «إنَّك قد أريت لتعلَم أنَّ الربَّ هو الإله ليس آخر سواه». وفي الإصحاح الخامس 5/6: «أنا هو الربُّ إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبوديَّة». وفي الإصحاح السابع 7/7: «لا يَكن لك آلهة أخرى». أمَّا في /8: «لا تضع لك تمثالاً منحوتاً صرّة ما ممَّا في السماء من فوق وما في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض». /9: «لا تمجدهنّ ولا تعبدهنّ لأنّي أنا الربُّ إلهك إله غيور»... إلى غيرها من عبادات تدعو إلى عبادة الله الأحد الفرد الصمد كما في سفر أشعياء الإصحاح 43 و44 و45. أمَّا في إنجيل يوحنَّا والذي له خصوصيات سنتعرض لها فيما بعد. فقد جاء فيه في الإصحاح 17: «وهذه هي الحياة الأبديَّة أن يعرِّفك أنت الإله الحقيقيّ وحدك».
وهناك رأيٌ ثانٍ للعلامة الطباطبائي مفاده أنَّ عبارة مصدِّقاً لِمَا بين يديه من التوراة والإنجيل تُشير إلى أنَّ تصديق النبيّ محمّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) للعهدين ليس على سبيل الاطلاق والكليّة؛ لأنَّ (من) تُفيد البعض والجزئيَّة، والمراد البعض من التوراة والإنجيل. وليس مصدِّقاً لما في كليَّتهما، ولعلّه رحمة الله عليه استند على آية {الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ} (آل عمران، 24) وهو تعبيرٌ حقيقيٌ باعتبار أنَّ ما عندهم هو قسط من التوراة والإنجيل (4).
نرجع بعد هذا إلى السؤال الرئيس أين توجد هذه البشارة؟ خصوصاً وأنَّها تتحدَّث عن هذه البشارة بكلِّ صراحة لا يَنفع معها تأويل.
________________________________________
(4) الطباطبائي، السيد محمد حسين، تفسير الميزان، ج 3 ص 124.

[الصفحة - 121]


هناك بحوث عديدة كُتِبَت في هذا الموضوع، وجميعها تُصرّ على أنّ كلمة (فارقليطا) تَعني هذه البشارة. إنَّ هذا اللفظ فارقليطا يُعادل في لغة الإنجيل مفردة أحمد. إلا أنَّ المتتبِّع لهذه الكلمة بهذا المعنى لا يَجد لها أثراً. وربَّما يعود السبب في ذلك إلى كون الأناجيل التي وَصَلت إلى أيدي الناس هي باللغة اليونانيَّة وأنَّ فارقليطا هي لفظة سريانيَّة وليست يونانيَّة، فهل كان النبيّ عيسى (عليه السلام) الذي أُرسِلَ إلى قوم بني إسرائيل العبرانيِّين يتكلَّم السريانيَّة أم العبريَّة أم اليونانيَّة.
إن تتبّعنا الأمر تاريخيَّاً فالسريانيَّة هي لغة السوريين قبل ظهور المسيح بآلاف السنين، وأمَّا الآراميَّة فهي لغة الكنعانيِّين قوم إبراهيم الخليل (عليه السلام). ولا فرق بين الآراميَّة والسريانيَّة بحيث أن الآراميَّة هي تسمية إثنية، وأمّا السريانيَّة فهي تسمية جغرافيَّة نُسبت إلى سوريا. والسريانيَّة نسبة في الأصل إلى سريانا وسريون وشريان أي جبل حرمون أو لبنان الشرقيّ، والآراميَّة نسبة إلى آرام بن سام بن نوح. فالآراميَّة السريانيَّة كانت اللغة الشائعة في فلسطين خاصّةً في الجليل زمن المسيح، وبها تكلَّم المسيح ووالدته العذراء. جاء في سفر التثنية: «وإذا دخلت الأرض فخُذ من أوائل كلِّ ثمر الأرض... وامض إلى المكان الذي يَختاره الربّ... ثمَّ تجيء وتقول بين يديّ الربّ إلهك: إنّ أبي كان آرامياً تائهاً فهبط مصر ونزل هناك...».
أمَّا عن كونه أُرسِلَ إلى اليهـود وهم يتكلَّمون العبـريَّة فليس بصحيح؛ لأنَّ اليهود قبل السبي كانوا يتكلَّمون الكنعانيَّة، والكنعانيَّة والآراميَّة من أصلٍ واحدٍ. أمَّا بعد عودتهم من سبي بابل وبعد أن عاشروا خلال السبي الفنيقيِّين طوال تلك المدَّة فقد عدلوا عن لغتهم إلى الآراميَّة خصوصاً وأنَّ الفينيقيِّين تغلَّبوا عليهم حضاريَّاً فغلبت الآراميَّة على يهود الخليل. وحين أُرسِلَ إليهم المسيح تكلَّم بلسانهم ولسان أمّه وهو الآراميَّة، والإنجيل لا زال يَحتوي على
________________________________________

[الصفحة - 122]


كلمات آراميَّة لم تغيَّر إلى اليوم مثل: (مرتا، بيت عنبا، برنابا، برابا وبيت حسدا وحقل دما وصراخ المسيح على الصليب: ايلى ايلى)، وقد بَقيت الآراميَّة في فلسطين والجليل إلى حدود القرن العاشر وبها كتَبَ اليهود التلمود وترجمات التوراة.
ولمَّا تُرجِمَت الأناجيل إلى اليونانيَّة ثمَّ وضع معادل لفارقليطا وهو باركيلتيوس، وجاء في قاموس strong لأصول الكلمات باليونانيَّة أنَّ الكلمة هي لpê÷ntosΠ وتنطق parkletos ومعناها An intercessor, consoler: advocate, conforter ومعناها محامي أو شفيع أو معزي، واختارت الترجمة العربيّة المعزي كذلك الترجمة اليونانية لإنجيل يوحنَّا اختارت المعزي. وفي بعض الترجمات اللاتينية يَختارون the helper = المساعد.
وللتقارب الواقع بين parakletos و periclyte وقع الاشتباه وpericlyle مشتقَّة من الحمد والثناء ونجد تقارباً للكلمتين من حيث النُطق ومن حيث الكتابة فإنجيل يوحنَّا حتماً كان مكتوباً فيه periclyte ولكن النَّاسخين اختلط عليهم الأمر فكتبوا سهواً أو عمداً parakletos وهذا احتمال أوّل، أمَّا الاحتمال الثاني فربَّما كان يوحنَّا قد كتب معنى أحمد وترجمها إلى المعزي حيث أنَّ المعزي في مصيبة المسيح كان هو النبيّ الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) خصوصاً مع وجود شاهدٍ في الإنجيل على أنَّ من عادتهم ترجمة الأسماء إلى المعاني. ففي إنجيل يوحنَّا الإصحاح الأول /43: «فجاء به إلى يَسوع وقال أنت سمعان بن يونا أنت تُدعى صفا، وصفا هي بمعنى بطرس». فشمعون بن نون حواريّ المسيح ما دُعي يوماً بغير بطرس، وبطرس كما وجدنا معنىً لصفا وهي الصخرة الصلبة في العربيَّة. من هنا فإنّ من المحتمل أنَّه بدل أحمد جاء بمعنى المعزي. وفي بعض الاستعمالات الشفيع. وذكرت دائرة المعارف الكتابيَّة أنَّ المخطوطات السريانيَّة لا تزال تستخدم كلمة (فرقليط) ولا تترجم الكلمة، كذلك النسخ
________________________________________

[الصفحة - 123]


العبريَّة لا تزال تستخدم فرقليط ولا تستعمل معادلها في العبرية منهم (= بمعنى معزّي).
وفي سفر يوشع: «من عمل حسنة تكون له فارقليطا فهي تحمل معنى شفيع وليس معزي. كما أنَّ رسائل يوحنَّا وخاصّة الأولى وردت فيها لفظة فارقليطا: «إنْ أخطأ أحدٌ فلنا فارقليطا عند الأب يسوع المسيح البار».
أمَّا المعزّي المعادلة لـ باركيلتيوس parakletos فقد جاءت أربع مرات في إنجيل يوحنَّا، ومرَّة في رسائله. وهذه المواقع من إنجيل يوحنَّا هي:
الأولى: الإصحاح الرابع عشر /14: «وأنا أطلب من الأب فيُعطيكم معزياً آخر ليمكُثَ معكم إلى الأبد. /16: روح الحق الذي لا يستطيع لعالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأمَّا أنتم فتعرفونه لأنَّه ماكث معكم ويكون فيكم. 41/ 36: وأمَّا المعرّف الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم».
الثاني: الإصحاح الخامس عشر: «متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب الروح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي».
الثالث: الإصحاح السادس عشر 16/7: «لكنّي أقول لكم الحقّ أنّه خير لكم أن أنطلق لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي ولكن إن ذهبت أرسله إليكم».
فالنَّاظر في كملة المعزّي المعادِلة في الآراميَّة ـ لغة المسيح ـ إلى فارقليطا يجد أنّها متى وردت تتحدَّث عن الفترة بعد حياة المسيح على هذه الأرض. وأنَّ شرط مجيء هذا الفارقليط = المعزّي هو أن يَذهب المسيح. نعم هذه هي النقاط التي يحتجُّ بها المفسِّرون المسلمون على وجود البشارة بالنبيّ الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في التوراة والإنجيل. ولكن العديد من النقاط لا تبقى واردة هنا وهي:
________________________________________

[الصفحة - 124]


أوّلا، أنّ المعزي المطروح في مجموع هذه الإصحاحات نُعِتَ بأنَّه الروح القدس.
ثانياً، إنَّ المسيح هو من سيُرسِله (الذي سأرسله أنا إليكم) ومعلوم لدى جميع المسلمين أنَّ النبوّة مـراتب في الأشديَّة ونبيِّنـا الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أفضل الأنبياء والمرسلين، فكيف يكون المسيح هو الذي يرسله والحال أنّه أفضل مرتبة منه؟
ثالثاً كيف يكون المقصود بالمعزّي نبيٌ وقد قال المسيح حسب إنجيل يوحنَّا: «روح الحقّ الذي لا يَستطيع العالم أن يقبله لأنَّه لا يراه ولا يعرفه» كيف العالم لم يرَ نبيِّنا ومن في العالم لم يعرفه.
رابعاً، «لأنَّه ماكث معكم ويكون فيكم» ونحن نعلم أنَّ الفاصلة بين النبيِّ عيسى (عليه السلام)، ونبيِّنا الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) تقريباً ستَّة مائة سنة فكيف يكون معهم هؤلاء الذين خاطبهم عيسى (عليه السلام)، ويكون فيهم.
خامساً، لوسلَّمنا جدلاً أنَّ اسم أحمد الذي بشَّر به عيسى والمذكور في القرآن المُراد به فارقليطا أو pariclyle والتي حرّفت إمَّا سهواً أو عمداً إلى parakletos ولكن ما بال هذه البشارة اختصّ بها إنجيل يوحنَّا دون غيره؟ لماذا لم يذكرها إنجيل متّى أو مرقس أو إنجيل لوقا. والكلُّ يَعلم أن الإنجيل مكوّن من عهدين testaments العهد القديم، وهو مجموعة مكوّنة من ثلاث أقسام: التوراة والأنبياء والمكتوبات. والعهد القديم هو القسم الذي يؤمِن به اليهود والذي كُتِبَ في الأصل بالعبريَّة، ولكن وبأمرٍ من بطليموس فيلادلفوس حاكم مصر في القرن الثالث قبل الميلاد تُرجِمَ العهد القديم إلى اليونانيَّة.
والعهد الجديد the New testament والذي كُتِبَ في الأصل باليونانيَّة والمتكوّن من إنجيل متَّى إنجيل مرقس، إنجيل لوقا وإنجيل يوحنّا ومجموعة
________________________________________

[الصفحة - 125]


من الرسائل والكتب منها كتاب في موقف الحواريين والمسيحيين من ادِّعاءات بولس و13 رسالة لبولس و3 ليوحنا و3 لبطرس وواحدة ليعقوب وواحدة ليهودا.
والنقطة المهمة في أناجيل العهد الجديد هو ذلك الاختلاف في البنية العقائدية لهذه الأناجيل فإنجيل متَّى، مرقس ولوقا تختلف في الجانب العقائديّ عن إنجيل يوحنّا ورسائل يوحنّا. وفي الأناجيل الثلاثة معاً لا وجود لدعوى ألوهيّة المسيح، بل هو عبد الله، ابن لله بالمعنى التشريفيّ من حيث أنَّه يبلِّغ رسالات ربِّه، والمسيح إنسان صِرف، بل النَّاظر في أوّل إصحاح من إنجيل متى يجد سلسلة من الأنساب فيها يُنسب عيسى إلى داود النبيّ. أمَّا إنجيل يوحنَّا بالإضافة إلى رسائله ورسائل بولس فهو الوحيد الذي تفرَّد بذكر التثليث: فالمسيح شريك لله في الألوهيَّة والله تجسَّد في المسيح وحلَّ في الأرض ليكون فداءاً للمؤمنين من خطيئة آدم، وأنّه ابن الله وله ما للأبناء من آباءهم، إلى غيرها من الادِّعاءات التي نستحي من ذكرها كقصَّة ملء أجران بماء وبطلب من مريم العذراء، قام المسيح وحوَّل الماء خمراً لذّة للشاربين وبات في عرس كانت صفته الخمر والمجون... أفليس غريباً أن تَرِد البشارة في هذا الإنجيل، وأن لا ترد في إنجيل متّى ولوقا ومرقس وهما مع القرآن مشتركان في نظرتهم للمسيح من أنَّه كان إنساناً يأكل القديد ويمشي بين الناس.
كيف نبحث عن البشارة في إنجيل لم يُكتَب إلا في النصف الأوّل من القرن الثاني بعد الميلاد ومن كتبه لم يكن من حواريّي عيسى المدّعى أنّه (يوحنَّا الصيَّاد)، بل كما ذكر (عزيز فهيم) في كتابه (المدخل إلى العهد الجديد): «إنَّ سوى الله لا أحد يعلم من كتب إنجيل يوحن». بل الأدهى أنَّ إنجيل يوحنَّا كباقي الأناجيل الأخرى لا علاقة له بالحواريين ولا بثقافة
________________________________________

[الصفحة - 126]


الحواريِّين، بل من كتَبَ إنجيل يوحنَّا ـ كما أثبتت حركة نقد الكتاب المقدّس في القرن التاسع عشر الميلادي ـ إنسانٌ يجب أن يكون يونانيَّاً؛ لأنَّ المستوى الأدبيّ لإنجيل يوحنّا وكما لغيره لا يتأتَّى إلا لِمَن كانت اللغة اليونانيَّة لغته الأم. بل من كتَبَ إنجيل يوحنَّا يجب أن يكون على اطِّلاع برسائلَ بولس، ويفصله يوحنَّا بمدَّة نصف قرن عن بولس فكيف يَكتب يوحنَّا الحواريّ عقائد بولس في المسيح وهو لم يَره ولم يُعاشره أولَم يكن الأولى أن يكتب يوحنَّا عقائد الوصيّ يوشَع بن نون (بطرس).
كيف تأتَّى ليوحنَّا الاطِّلاع على الفلسفة اليونانيَّة ليُثبِتَ بها التثليث ويُثبِتَ عقائده بمـا عرفتـه اليونان من استعمـال للبرهـان. كيف نبحث عن البشـارة في هذه الأناجيل والمسيحيِّون يَنفون أن يكون المسيح قد أتى بكتاب: فهو الربّ، والربُّ نزل الأرض بنفسه، فهل يُعقَل أن يأتي الربُّ بكتابٍ وقد أتى ليَفدي المسيحيين بنفسه، ويرفع عنهم عقل التشريعات كما يرفع عنهم وزر ما اقترفه آدم.
نعم البحث والتتبّع العلمي هو من الأمور المرغوبة عقلاً ونقلاً، ولكن حين يَكون للبحث فائدةٌ تُرجَى، أمَّا أن يكون البحث لصالح إنجيل يوحنَّا وغيره من الأناجيل بشقَّيْهَا العهد القديم والعهد الجديد من دون أن نصل إلى فائدة لنا فهذا ما لا يرضاه لا العقل والنقل. فبإثبات وجود البشارة في إنجيل يوحنَّا بالخصوص نثبت سلامته من التحريف ولكن سلامة مَنْ ومِمَّا... وهم يؤمنون بأنّه لا كتاب لعيسى، وحركة النقد أثبتت أنَّ تلك الكتب لم تُكتَب إلا بعد المسيح بأكثر من قرن وبأيدي متعدِّدة.
ولكن الرويّة مطلوبة بشكل آكد في هذا المجال، أمّا بالنسبة للموضع الأول، فأولاً لم يذكر القرآن أنَّ هذه البشارة في هذه الأناجيل التي كانت زمان
________________________________________

[الصفحة - 127]


النبيّ وما هو الموجود اليوم، بل قال في التوراة والإنجيل. فيُحتمل أنَّ اسم أحمد الذي بشَّر به المسيح جاء في السنَّة القوليَّة، وهذا الرأي اختاره الشيخ معرفة. وأمّا بالنسبة للموضع الثاني فبغضِّ النظر عن كلِّ ما قلناه فنجد لزاماً علينا تتبُّع أمر البشارة في التوراة والإنجيل.
جاء في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر: «أُقيمُ لهم نبياً من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلِّمهم بكل ما أوصيه به». /19: ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلَّم به باسمي أنا أطالبه».
ففي هذا الإصحاح موسى (عليه السلام) يبشِّر بنبيٍّ له خصوصيَّات:
أوَّلها: أنَّه يكون مثله.
ثانيها: أنَّه يكون من بني إخوتهم.
بالنسبة للأوَّل فلا أحدَ من أنبياء بني إسرائيل ادَّعى أنَّه مثل موسى (عليه السلام)، فلا أحدَ أتى بشريعةٍ كما أتى موسى بشريعة، فكلُّ من أتى بعده كان يتَّبع شريعة موسى (عليه السلام)، وحتَّى النبي عيسى (عليه السلام) ما أتى بشريعةٍ، وإنَّما أتى بمجموعةٍ من الأخلاقيَّات وقال بنفسه: أنَّه متمِّمٌ لشريعة موسى.
الخصوصيَّة الثانية أنَّه من بين إخوانهم سيكون هذا النبيّ المبشَّر به، وكما نعرف أنَّ بني إسرائيل بعدما ألقوا بيوسف النبيّ (عليه السلام) في البئر كانت اللعنة في إخوته، وكانت هذه اللعنة متجسِّدة في أنَّ العداوة والبغضاء بين نسليّ إخوة يوسف سارية ونارها لا تنطفئ. وقد كان بنو إسرائيل يَبغض بعضهم بعضاً ولا يَعترف البعض بأخوَّة الآخر، بينما كانوا يُكنِّون الحبَّ والاحترام لإخوانهم من إسماعيل، ويَطلبون أخوَّتهم. فهذه البشارة بيَّنت أنَّه أي النبيّ المبشَّر به لا يكون من بني إسرائيل ولكن من اخوانهم من نسل إسماعيل.
________________________________________

[الصفحة - 128]


كما أنَّ في إنجيل يوحنَّا الإصحاح الأوَّل /1: «وهذه هي شهادة يوحنَّا حين أَرسل اليهود من أُورشليم كهنةً ولاويِّين ليسألوه من أنت. /20: فاعترف ولم يُنكِر وأقرَّ أني لست أنا المسيح. /41 فسألوه إذا ماذا ايليا أنت فقال لست أنا النبيّ»، والذي يهمَّنا ليس ما جاء في إنجيل يوحنَّا فلا شرعيَّة له، ولكن ما فسَّره مفسِّرو الكتاب المقدَّس حيث قالوا إنَّ اليهود أرسلوا اللاويين والكَهَنَة إلى أورشليم إلى يحيى النبيّ، ليسألوه أهو النبيّ المبشَّر به عندهم، فاعترف أنَّه ليس المسيح، فسألوه ثانية إذاً ماذا إيليا (الياس)، فأجابهم لا لست الياس فسألوه ثالثة أأنت النبيّ؟ فأجابهم أنّه ليس هو. وقد أحال مفسِّرو الكتاب المقدَّس عبارة: «النبي أنت» إلى ذلك النبيّ الذي بشَّر به موسى (عليه السلام) في سفر التثنية السابق ذكره. كما يُلاحظ أنَّ ذلك النبيّ كان معروفاً في الأوساط اليهوديَّة وخاصَّة أوساط الكهنة (اللاويين) لدرجة أنَّ مجرَّد إشارة بسيطةٍ تَفي بالغرض ولا داعي إلى التصريح باسمه وكنيته، ولو كان ذاك النبيّ هو إسحاق أو الياس أو المسيح، كان إسحاق أوّل من يؤكِّد ذلك أو يَنفيَه.
تبقى مسألةٌ أُخرى على غاية من الأهميَّة هي أنَّ الإنجيل الذي أتى به عيسى (عليه السلام) والذي يَحمل تلك البشارة لم يَعد له أثر خصوصاً أنَّ التاريخ أثبَتَ أنَّ الأناجيل الموجودة من زمن النبيِّ الأكرم وحتَّى يومنا هذا لم تكن سوى من تأليف أُناسٍ آخرين وفي زمن متأخِّر عن الحياة الأرضيَّة للمسيح (عليه السلام).
وهناك دليلٌ تاريخيٌ آخر يَحتاج إلى الحديث كثيراً ولكن نذكره هنا على سبيل التلميح تاركين البحث فيه إلى فرصة أخرى بإذن الله. وهو مسألة قدوم مجموعات من اليهود والنصارى على الجزيرة العربيَّة. وانتقالهم من أُورشليم إلى الجزيرة العربية، إلى قومٍ لا تربطهم بهم ديانة أو معتَقَد. ولا أخاله إلا بحثاً عن تلك البشارة وتتبُّع آثارها وربَّما يكون دليلنا القرآنيّ على هذا قوله تعالى:
________________________________________

[الصفحة - 129]


{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ } (البقرة، 89) فأهل الكتاب كانوا قبَل بعث النبيِّ الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) يَستفتحون على أهل المدينة بأنَّه سوف يأتي نبيٌ في ذلك المكان ومن أولئك القوم، وتاريخيَّاً لا تفسير لهجرة أهل الكتاب إلى يَثرب سوى انتظارهم لذاك النبيّ.
الهوامش
________________________________________

[الصفحة - 130]