البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأمر بين الأمرين السند والدلالة

الباحث :  عقيل البندر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  58
السنة :  السنة الخامسة عشر صيف 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  622
الأمر بين الأمرين السند والدلالة

عقيل البندر (*)

تُعدّ مسألة القضاء والقدَر من العقائد المهمَّة لدى المسلمين، وهي من القضايا التي نَطق بها القرآن الكريم في غير آيةٍ من آياته الشريفة على اختلاف المعاني المُستفادة منها، كقوله تعالى : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ...} (الإسراء: 23)، وقوله تعالى: {وَاللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ ...} (غافر : 20)، وقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ ...} (الإسراء: 4)، مضافاً إلى ما ورد في الموروث النبويّ والإماميّ الدَّال على هذا الأمر.
ورغم كلِّ ذلك نجدهم قد اختلفوا اختلافاً حاداً في تفسير حقائقه ونتائجه، ولم يكن هذا الموضوع بعيداً عن الجدل الفكريّ الذي فرَضَ نفسه منذ عصر ما قبل الإسلام والى عهودٍ قريبةٍ؛ لما له من بُعدٍ دقيقٍ ناظرٍ إلى قضيَّةٍ حسَّاسةٍ ومهمَّة لدى الفكر البشريِّ بوجهٍ عامٍ والإسلاميّ على وجه الخصوص وهي حريَّة الإنسان وحقيقة صدور أفعاله عنه.
فانقسم المسلمون في الفعل الصادر عن الإنسان إلى ثلاث فرق مشهورة: مجبِّرة ومفوِّضة وعدليَّة.
فذهب الأشاعرة إلى أنَّ الفعل الصادر مخلوقٌ في الإنسان من قِبَل الله تعالى،
________________________________________
(*) كاتب وباحث من الحوزة العلمية، من العراق.

[الصفحة -84]


وهو القول بالجبر: «وهو الحمل على الفعل والاضطرار إليه بالقهر والغلَبة وحقيقة ذلك هو إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون لهم القدُرة على دفعه والامتناع من وجوده» (1).
وذهب المعتزلة إلى أنَّ الإنسان هو الخالق لفعله، وهو القول بالتفويض : «وهو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم مع ماشاءوا من الأعمال) (2).
وذهبت الفرقة الثالثة إلى القول بالاختيار، وهو برزخٌ بين القولين السابقين عبر نظريَّتهم المشهورة بـ (الأمر بين الأمرين) وهي المسألة التي يدور حولها موضوع هذا المقال تفسيراً ودلالةً وسنداً.
الدليل على القول بالأمر بين الأمرين
تفرَّد الشيعة الإماميَّة في حلَّهم لعقدة الجبر وحريَّة الإنسان ومعالجتهم للصراع القائم بين المسلمين بخصوص مفهوم الإرادة ومسألة الاختيار البشريِّ وفكّهم لإشكاليَّة القضاء والقدر الإلهيّ من خلال هذه النظريَّة التي تُعدّ حلا وسطاً ونظراً محايداً إذا قيست بالأطروحات والآراء الأخرى.
وجذر هذا المذهب هو الرواية المشهورة عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: « لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين، قال: قلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: مثل ذلك رجلٌ رأيته على معصيةٍ فنهيتَه فلم ينتهِ فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يُقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية» (3).
وهذه الرواية هي السبيل الذي سلكه أكثر المتكلِّمين ومعظم الفلاسفة إلى جانب المحدِّثين والإخباريين من الشيعة الإماميّة لردِّ الجبر والتفويض وتفسير الاختيار الذي قصدوه.
________________________________________
(1) ـ المفيد ، عبد الله بن محمَّد، تصحيح اعتقا دات الإماميَّة، ص 46، تحقيق: حسين دركاهي، دار المفيد، بيروت ، الطبعة الثانية : 1993م.
(2) ـ المصدر نفسه.
(3) ـ الكليني، محمَّد بن يعقوب، أصول الكافي، باب الجبر والقدر، ج 1، ص 179، دار الأسوة، قم، إيران ، الطبعة الأولى، 1418.

[الصفحة -85]


دلالة الرواية والتفسير الإمامي لها
ذكر المتكلِّمون الإماميّون وبعض الفلاسفة عدَّة بيانات لهذه النظريَّة، وهنا نورد بيانين منها للوقوف على دلالة هذه الرواية ومعناها:
الأوَّل: إنَّ الله مسبِّب للفعل والإنسان مباشرٌ له وهو ما يَظهر من كلمات الشيخ المفيد والسيِّد المرتضى والمحقِّق الطوسي والسيِّد الخوئي.
قال الشيخ المفيد: «والواسطة بين هذين القولين )الجبر والتفويض( إنَّ الله تعالى أقدَر الخلق على أفعالهم ومكَّنَهم من أعمالهم وحدَّ لهم الحدود في ذلك ورسَم لهم الرسوم ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوِّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسَنها ونهاهم عن قبيحها. فهذا الفصل بين الجبر والتفويض على مابينَّاه» (4).
وتقريب ذلك على ما بيَّنه السيِّد الخوئي: «إنَّ الفعل الصادر من العبد له نِسبَتين واقعيّتين إحداهما نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته، وثانيهما نسبته إلى الله تعالى باعتباره مُعطي الحياة والقدرة في كلِّ آنٍ بصورةٍ مستمرّةٍ حتَّى تلبّس الإنسان وقيامه بممارسة الفعل (5).
الثاني: إنّ الفعل يُنسب إلى الله والإنسان بالحقيقة، وربَّما يكون هذا التفسير أعمق وأدقّ من التفسير المتقدِّم حسب ما يراه أصحابه كصدر المتألِّهين والعلامة الطباطبائي، باعتباره تفسيراً عرفانيّاً فلسفيّاً قائماً على العقل والشهود (6).
وبيان هذا التفسير هو أنَّ الفعل كما هو صادر من الإنسان باختياره وإرادته وكامل قـواه بالحقيقة والواقع، كذلك هو فعـل الله قـد حصل بإرادته أيضاً، فهو فعل الله من حيث هو فعـل الإنسان وفعـل الإنسان من حيث هـو فعل الله؛
________________________________________
(4) ـ المفيد ، عبد الله بن محمَّد ، تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 47.
(5) ـ الخوئي ، أبو القاسم ، أجود التقريرات، ج 1، ص 141، تحقيق ونشر : مؤسسة صاحب الأمر، قم، الطبعة الأولى، 1419.
(6) ـ الملا صدرا ، محمَّد بن إبراهيم ، مجموعة رسائل فلسفيَّة ،ص 316، دار إحياء التُّراث العربيّ، بيروت ، الطبعة الأولى : 2001. وراجع، الطباطبائي، محمَّد حسين، الرسائل التوحيديّة، ص 107، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية : 1415.

[الصفحة -86]


ولذلك صرَّحوا بأنَّ الإنسان مجبورٌ من حيث هو مختار ومختار من حيث هو مجبور (7).
ولكن بالإمكان أن نسجّل ملاحظةً على هذا القول مع الأخذ بعين الاعتبار نفس الرواية المتقدِّمة وفحواها ولاسيَّما بالنسبة للمثال الذي ذكره الإمام (عليه السلام)، وهذه الملاحظة ترجع إلى أنَّ دلالةَ الرواية أقرب إلى التفسير الأوَّل؛ لأنَّ المثال المذكور يُعطي لصاحب المعصية الحريَّة والاختيار دون أن يَنسب الفعل إلى الناهي عنها، بل لعلَّ المُستفاد من الرواية شيءٌ آخر وهو الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية دون سوى ذلك، وبالتالي يرجع ما ذُكر من التفاسير والمعاني إلى ضمِّ رواياتٍ أُخرى وفهمٍ آخر لحقيقة الجبر والاختيار.
وبعبارةٍ أُخرى، إنَّ هناك حلاً وسطاً بين القول بالجبر والقول بالتفويض تبنَّته مدرسة أهل البيت(عليهم ‏السلام) يتمثَّل بالقول بالأمر بين الأمرين، والذي يعني أنَّ لله سبحانه نصيبٌ من فعل الإنسان كما أنَّ للأخير نصيبٌ منه أيضاً، رغم الاختلاف الذي وقع بين أعلام الإماميَّة في توجيه ذلك حسب الأسس النظريَّة التي يتبنَّونها.
حديث الأمر بين الأمرين, وقفة سنديَّة
على الرغم من اعتماد المذهب الإماميّ ـ شبه الكليّ ـ على هذه الرواية في بلوَرة النظريَّة الوسطيَّة والحياديَّة إزاء معضلة القضاء والقدر والجبر والتفويض، ولكنَّنا لم نجد لهم بحثاً ـ على ما يبدو ـ في الخلفيَّة السنديَّة لها ولم يعالجوها على المستوى السندي بملاحظة رجال سندها؛ لإثبات صحَّتها أو ضعفها من هذه الناحية.
وما نَصبُوا إليه هنا هو ملاحظة السلَّم السنديّ لهذه الرواية ومعرفة طبيعة
________________________________________
(7) ـ المصدر نفسه.

[الصفحة -87]


حالها من هذا الجانب. بدايةً لقد وردت الرواية المتقدِّمة في كتب الإماميَّة والتي ورد فيها ذكر عبارة (الأمر بين الأمرين) بسنَدين ، وهما على النحو التالي:
السند الأوَّل: الموجود في كتاب الكافي (8) والتوحيد (9) والبحار (10) ونور البراهين (11)، فلو أخذنَا السند الذي أورده الصدوق في توحيده باعتباره يتناول أغلب الرجال التي ذكرتها الكتب الأُخرى ، وهو كما يلي:
«علي بن محمَّد بن عمران الدقَّاق، عن محمَّد بن أبي عبد الله الكوفيّ، عن الخُنيس بن محمَّد، عن محمَّد بن يحيى الخزَّاز، عن المفضَّل بن عمر ، عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:...» الرواية.
أمَّا الراوي الأوَّل، فهو مجهول لم يُذكر في كتب الرجال سوى ما أشار إليه السيِّد الخوئيّ أنَّه من مشايخ الصدوق (12).
وأمَّا الراوي الثاني، وهو الراوي الذي يَبدأ به سند الكافي، فقد وثَّقه النجاشيّ، ولكن ذكر أنَّه يَروي عن الضعفاء وكان يقول بالتشبيه (13).
وأمَّا الراوي الثالث ، فلم نجد له أثراً في كُتب الرجال، وبذلك يكون غايةً في المجهوليَّة وبه يكون الراوي مهملا، إلا أنَّ البعض يَذهب إلى وجود التصحيف بينه وبين الحسين بن محمَّد بن الفضل، الأمر الذي يَدعمه سند الكافي حيث أهمل الخُنيس بن محمَّد، وذكر الحسين بن محمَّد، وهو ثقة عند النجاشي (14)
وأمَّا الراوي الرابع ، فهو ثقة عند النجاشيّ أيض (15).
وأمَّا الراوي الخامس، فقد ضعَّفه النجاشيّ (16)، وكذلك العلامة في خلاصة الأقوال (17)، وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذا الرجل فيه نقاشٌ عريض في كُتب الرجال وبحوث الجرح والتعديل، ويُمكن معرفته عند الرجوع إليها.
________________________________________
(8) ـ الكليني، محمَّد بن يعقوب، أصول الكافي، ص، 179.
(9) ـ الصدوق، محمَّد بن علي، التوحيد، ص 362، تحقيق : السيّد هاشم الحسيني ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ـ إيران ، 1387 ( بدون رقم الطبعة).
(10) ـ المجلسيّ، محمَّد باقر، بحار الأنوار، ج 2، ص 237، تحقيق : جماعة من العلماء، دار التّعارف، بيروت ، الطبعة الأولى، 2001.
(11) ـ الجزائري، نعمة الله، نور البراهين، ج 2، ص 204، مؤسسة النشر الإسلاميّ، الطبعة الأولى، 1417.
(12) ـ الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج 12، ص 277ـ 278، تحقيق : لجنة التحقيق ، الطبعة الخامسة : 1413.
(13) ـ النجاشي ، أبو العباس بن علي الأسديّ، رجال النجاشيّ، ص 373، مؤسسة النشر الإسلاميّ (جماعة المدرسين)، قم ، الطبعة الخامسة : 1416. وراجع العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال، ص 265، المطبعة الحيدريّة، النجف الاشرف ، الطبعة الثانية : 1381. وكذا الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج 16، ص 178.
(14) ـ النجاشي ، أبو العباس بن علي الأسديّ، رجال النجاشي، ص 56ـ 57.
(15) ـ المصدر السابق، ص 359 ؛ غير أنَّ السيّد الخوئي اكتفى بذكر اسمه عن كتاب الفهرست للشيخ الطوسي، انظر معجم رجال الحديث، ج 19، ص 40.
(16) ـ المصدر السابق، ص 416 .
(17) ـ الحلّي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال، ص 407 .

[الصفحة -88]


السند الثاني: ما ذكره صاحب الفصول المهمَّة، وهو كما يلي : «عن تميم بن عبد الله، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن يزيد بن عمر بن معاوية الشاميّ، قال دخلت على عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فقلت له: يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال : «لا جبر ولا تفويض ... » الرواية (18).
ويُمكن أن تٌعدّ هذه الرواية ضعيفة أيضا، فقد ضعّف العلامة الحلي تميم بن عبد الله (19)، مضافاً إلى أنَّ أحمد بن علي الأنصاري مجهول لم نعثر عليه في كُتب الرجال، هذا أقلّ ما يُقال بحقِّ السند الثاني لهذه الرواية.
وإذا كان سنديَّ الرواية المتقدِّمة بهذا الشكل ورجالها بهذه الدَّرجة من التوثيق حسب ما يراه أعمدة الجرح والتعديل الإماميَّة فهل يُمكن القول بأنَّ الرواية صحيحة ؟؟ إذ أنَّ الرواية تكون ضعيفة بوهن أحد الرجال في السند ، فكيف إذا سرى الضعف والوهن إلى أكثر من راوٍٍ واحد؟!
من هنا فالقول بضعف الرواية له وجهه المبرر له، إلا أن يُقال: إنَّ ضعف السند مجبورٌ بعمل المشهور، أو يُقال : إنَّ رجال السند في هذه الرواية هم من مشايخ الصدوق ـ لو سلمنا بصحَّة ذلك طبعاً ـ ومشايخ الصدوق ثقات، أو يقال : إنَّ هناك مبنىً لا يٌناقش في سند الروايات التي تعني بالمطالب العقائديَّة والأحاديث المتعرِّضة لأصول الدين ولا يبحث عن حال الرجال الناقلين لها، وعليه تُعدّ مسالة (الأمر بين الأمرين) وما يتعلَّق بها من مسائل عقائديَّة أُخرى ثابتةً بغضِّ النَّظر عن الطبيعة السنديَّة لهذه الرواية، والتعليق هنا متروك لأهل الفنِّ والاختصاص.
________________________________________
(18) ـ الحرِّ العامليّ، محمَّد بن الحسن، الفصول المهمّة في أصول الأئمَّة، ج 1، ص239، تحقيق : محمَّد حسين القائيني، مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا، الطبعة الاولى : 1418.
(19) ـ العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال، ص 329.

[الصفحة -89]


ذكر الأمر بين الأمرين على لسان أمير المؤمنين علي (عليه السلام)
بعد عرضنا للرواية المتقدِّمة عن الإمام الصادق (عليه السلام) والتعرّف على حال دلالتها وطبيعة سنديها، نقف مرةً أُخرى على رواية ثانية جاء فيها ذكر (الأمر بين الأمرين) أيضاً، وهي النظريَّة التي تبنَّتها الإماميَّة في حلِّ معضلة الجبر.
جاءت هذه الرواية في كُتبٍ متعدِّدةٍ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد ساد فيها سندٌ واحدٌ عُرف في كتب الحديث، فجاء في كتاب التوحيد وفق الترتيب التالي: «أبي رحمه الله )والد الصدوق(، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا أحمد بن محمَّد بن عيسى، عن محمَّد أبي خالد البرقيّ، عن عبد الملك بن عنترة الشيباني، عن أبيه عن جدِّه، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرْني عن القدَر، قال (عليه السلام) بحرٌ عميقٌ فلا تَلِجه، قال أخبرني عن القدَر، قال(عليه السلام): طريق مظلم فلا تسلكه ...» الرواية (20).
يُذكَر أنَّ الشيخ الصدوق نقلها خاليةً من عبارة (أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض) ولكن في حدود تتبِّعي أنَّ الذي أورَد هذا المقطع في هذه الرواية هو العلامة المجلسيّ في البحار وعنه أخذ من تأخّر عنه (21).
اللحاظ الدلاليّ في هذه الرواية
يبدو أنَّ هذه الرواية وأمثالها كانت ومازالت من الأدلَّة التي تمسَّك بها بعض المحدِّثين والمتكلِّمين الإماميَّة للبرهنة على النهي عن الحديث والاستغراق في القضاء والقدر، حيث رأوا أنَّ فحوى هذه الروايات هو النهي عن الغوْر والتعمّق في مسألة قضاء الله وقدره معتبرة إيَّاه سراً وعلماً من علومه سبحانه لا يُدركه ولا يَنال شأنه كلَّ أحد.
وكانت المدرسة القميَّة المتمثِّلة بالشيخ الصدوق وجمعٍ من المحدِّثين
________________________________________
(20) ـ الصدوق، محمَّد بن علي، التوحيد، ص 365.
(21) ـ المجلسيّ، محمَّد باقر، بحار الأنوار، ج 5، ص 57.

[الصفحة -90]


آنذاك قد أخذت بهذه الروايات واعتمدت عليها، ونتج عن ذلك القول بالنهي المذكور.
في مقابل ذلك ذهبت مدرسة بغداد وعلى رأسها الشيخ المفيد إلى طرح هذه الروايات وعدم الاعتماد عليها، وبالتالي لم يَمنعوا الكلام في هذه المسألة، بل انتقدوا المدرسة القميَّة انتقاداتٍ لاذعةٍ لأخذهم بمثل هذه الروايات.
قال الشيخ الصدوق: «والكلام في القـدَر منهيٌّ عنه، كمـا قال أمير المؤمنين(عليه السلام) لرجلٍ قد سأله عن القدَر، فقال: بحرٌ عميقٌ فلا تَلِجه ...» (22).
وقد ناقش الشيخ المفيد هذه الرواية وأمثالها من وجهين:
الأوَّل : الطعن في سند الرواية فقال : «والذي ذكره أبو جعفر (رحمه‏ الله) قد جاء به حديث غير معمولٍ به ولامرضيِّ الأسناد والأخبار الصحيحة بخلافه ...) (23).
وقد يتَّجه ضعف السند عند ملاحظة بعض رجال الرواية المتقدِّمة، حيث يُلاحظ أنَّها جاءت عن عن طريق عبد الملك بن عنترة عن أبيه عن جدِّه، وهي ضعيفة بأبيه وجدِّه بسبب الجهل بحالهما، حتَّى أنَّ صاحب معجم رجال الحديث ذكر عنترة ولم يصفه بشيء (24).
الثاني: بعد التسيلم بصحَّة هذه الروايات ووثاقة سندها ناقش الشيخ المفيد في دلالتها على المدَّعى بما يلي:
1ـ قد تكون هذه الروايات دالةً على النهي الإرشاديّ وليس على النهي التكليفيّ، من حيث أنَّ مضامين القضاء والقدر هي مضامين عميقة وصعبة والتعمّق فيها قد يُضلّ الإنسان ويِحرِفه، خصوصاً أنَّ بعض الروايات تصف القضاء والقدر بأنَّه بحر عميق ووادٍ مظلم، مضافاً إلى ذلك أنَّه لو كان محرَّماً لم نجد الأئمة يُجيبون عليه ويعلِّمونه لمن سألهم (25).
________________________________________
(22) ـ الصدوق، محمَّد بن علي، التوحيد، ص 365. وراجع له أيضاً، اعتقادات الإماميّة، تحقيق عصام السيّد، دار المفيد ، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية : 1993.
(23) ـ المفيد، عبد الله بن محمَّد، تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 42.
(24) ـ الخوئي ، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ج 14 ، ص 181.
(25) ـ المفيد، عبد الله بن محمَّد، تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 57.

[الصفحة -91]


ومن هنا قد نجد طريقاً للتوفيق بين كلام الشيخ الصدوق وردِّ الشيخ المفيد ، فقد يَكون النهي الذي ذهب إليه الأوَّل خصوصاً أنَّه لم يفصِّل فيه كثيراً، وربَّما كان كلامه مبهماً في علاجه للموضوع هو النهي الإرشاديّ الذي يراه الثاني أيضاً ويفسِّر الرواية وفق ذلك، وبالتالي ينتفي الخلاف من الأصل.
2ـ إنَّ النهي الموجود في هذه الروايات خاصٌ بمن لا يَستطيع ولا يتحمَّل مطالب القضاء والقدر، وأمَّا من له القدرة على فهمها واستيعابها فلا يَشمله النهي المذكور، وعليه يُمكنه الخوض في تلك المسائل (26).
وإذا كان الحديث حول هذه الرواية يَجري بهذا السياق وهو دلالتها على النهي عن الغور في هذه المسائل، أو عدم دلالتها على ذلك، فسيكون الاستدلال بها على المدَّعى وهو حلحلة معضلة الجبر عبر نظريَّة (الأمر بين الأمرين) ضعيفٌ، بخلاف الرواية المتقدِّمة عن الإمام الصادق (عليه السلام) التي تُعالج هذه القضيَّة بصورةٍ مباشرةٍ وتتعرَّض إلى مفاصلها وتداعياتها ـ بغضِّ النَظر عن الإشكاليات التي رافقتها ـ لأنَّها على الأقل فسَّرت (الأمر بين الأمرين) عبر المثال المذكور.
هل استطاع الإماميَّة علاج موضوع الجبر؟!
سواء صحَّ سند الرواية أم لا، وسواء أمكنت استفادة الدلالة على المدَّعى منها أم لم يمكـن ذلك، يبقى المذهب الوسط والرأي المُحـايد، وهو ليس جبراً ولا تفويضاً بل الأمر الذي بينهما من إبداعات الفكر الإماميّ وروائعه والمستوحى من مدرسة أهـل البيت (عليهم ‏السلام)، والقول المشهور لدى علمـاء الفلسفة والكلام الإمامييّن عندما جعلوه حجر الأساس والقاعدة الأمّ التي تدور عليها رحى أبحاث مسألة القضاء والقدر، كبحث خلق الأفعال والهداية
________________________________________
(26) ـ المصدر السابق.

[الصفحة -92]


والإضلال وحتَّى مسألة الإرادة.
ويسوغ لنا القول هنا: إنَّ الإماميَّة استطاعوا الحفاظ على الاعتقاد بسلطان الله وجبروته وكمال قدرته وتصرّفه المطلق في الكون من جهةٍ، وأن يُعطوا للإنسان الحريَّة في اختيار أفعاله وممارسة مآربه ليكون مسؤولا عنها من جهةٍ أُخرى ، دون أن يسلكوا طريق الجبر أو التفويض.
وإذا كان مفهوما الجبر والتفويض واضحين إلى حدٍ كبيرٍ، فينبغي الاعتراف بأنَّ الأمر الذي بينهما والذي ورد في حديث الإمام جعفر بن محمَّدٍ الصادق (عليه السلام) لازال يشوبه شيء من الغموض والتشويش، وإذا كان موقف الإماميَّة مؤتلِفاً ومتَّحداً من حيث المبدأ إزاء هذا الأمر إلا أنَّ تعدّداً وتنوعاً في المباني والآراء يطفو عند تفسيرهم له، الأمر الذي قد يزيد المسألة تعقيداً وغموضاً أكثر.
ولعل قراءة الأصول والقواعد النظريَّة لمدرسة الحكمة والكلام الإماميّ وتعدّد الرؤى والمناهج لهاتين المدرستين وأساليب تعاطيهما في تفسير هذا الأمر يكشف جانباً من هذا الغموض، ولمعرفة حجم هذه الرؤى والمناهج التي تبنَّاها أعلام الإماميَّة لا بد من الغوض في بحثٍ أوسع إلا أنَّنا نُشير إلى ذلك إشارةً سريعةً.
أمَّا أهل الكلام، فيرفضون مذهب الجبر بكلِّ صوَره وأشكاله ولا يقولون به، بل يقولون بالاختيار الذي يعني عندهم حريَّة الإنسان في اختيار الفعل، وهو صادر عنه وهو مسؤول عنه، الأمر الذي يؤكِّد عليه المنهج الكلاميّ ويحول دون كلِّ الشُبُهات المُثارة حوله، اعتماداً على الأصول التي اعتمدها من قبيل حاكميَّة قانون الحسن والقبح العقليّ الذّاتيّ على فعل الله، وأنَّ أفعاله تعالى يجب أن تكون معلَّلةً بالأغراض، وعليه كان العدل عندهم هو تنزيه الله عن أفعال الإنسان وأعماله،
________________________________________

[الصفحة -93]


فحيث صدرت منه بإرادته واختياره صحَّ منه تعالى مجازاته ثواباً على الطاعة وعقاباً على المعصية (27).
وأمَّا أهل الحكمة والفلسفة من الإماميَّة ، فهم يؤكِّدون على جهةٍ أُخرى وهي أنَّ فعل الله لا يُعلَّل بغرضٍ ولا يصدر لداعٍ، بل إنَّما غرضه ذاته ومراده نفسه، والقاعدة التي قال بها المتكلِّمون غير حاكمةٍ على فعل الله سبحانه وتعالى وإنَّما تخصُّ أفعال الآدميين.
وبالجملة: إنَّ كلَّ القيود والحدود التي طوّق المتكلِّمون بها فعل الله وسلطانه هي مرفوضةٌ لدى الفلاسفة ولا اعتبار لها عندهم، وخلصوا إلى تفسير (الأمر بين الأمرين) برفض التفويض رفضاً قاطعاً فقبلوا الاختيار بحدود ضيّقة، حيث جعلوا الإنسان بحكم المضطرِّ كما هو مذهب ابن سين(28)، أو أنَّ الاختيار الذي يتَّصف به هو عين الجبر ، وهو مذهب صدر المتألِّهين (29).
وبناء على ذلك تكون دائرة الاختيار الإنسانيِّ التي رسمها الفلاسفة أضيق وأصغر من الدَّائرة التي رسمها المتكلِّمون؛ لأنَّ المدرسة الأولى قيّدت فعل الإنسان في حين قيَّدت المدرسة الثانية فعل الله.
________________________________________
(27) ـ راجع المطهريّ، مرتضى، ص 65ـ 66، تعريب عبد المنعم الخاقاني، مؤسسة النشر الإسلاميّ، ق ، الطبعة الخامسة : 1416.
(28) ـ ابن سينا ، أبو علي الحسين بن عبد الله، التعليقات، ص 50، تحقيق وتقديم : عبد الرحمن بدوي، مكتب الإعلام الإسلاميّ، قم.
(29) ـ الملا صدرا ، صدر الدِّين محمَّد بن إبراهيم ، الحكمة المتعالية، ص 374 دار إحياء التّراث العربي، بيروت ، الطبعة الرابعة : 1990.

[الصفحة -94]