البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التكفيريون أسباب النشأة وعوامل الانتشار

الباحث :  د. محمد طي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  57
السنة :  السنة الخامسة عشر ربيع 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  341
التكفيريون
أسباب النشأة وعوامل الانتشار

د. محمد طي(*)

تنتشر ظاهرة التكفير وتتفاقم اليوم في طول العالم الإسلامي وعرضه وتتجاوزه إلى بُلدان المهجر، حيث تُمارس أعمالاً عنفية مسلحة، تؤدِّي إلى القتل الجماعي للمسلمين ولغير المسلمين، تحت شعار الجهاد للقضاء على الكفر والشرك وإقامة حكم الشريعة.
وتستفيد الظاهرة من استعدادٍ لدى المسلمين عامَّة للجهاد في سبيل رفع الظُّلم عنهم، وإقدامهم على بذل الروح في سبيل الدِّفاع عن دينهم، حتَّى أنَّهم قدَّموا مئات (الاستشهاديين!) المتطوِّعين تحقيقاً لذلك، بدءاً من الجزائر إلى العربيَّة السعوديَّة إلى العراق إلى أفغانستان إلى الولايات المتَّحدة إلى لبنان...
وكانت محصّلة أعمالهم حتَّى الآن عشرات آلاف القتلى، يشكِّل المسلمون من بينهم الأكثريَّة الساحقة، ففي العراق كانوا يَقتلون، حسب التقديرات، ما يزيد على خمسة وثلاثين عراقياً مقابل قتلهم أميركيَّاً واحداً. ومبرّرهم في ذلك التكفير بشكل أساسيّ، لا للأجانب فقط، بل وللمسلمين أيضاً، الأمر الذي يُبيح قتلهم وذبح أطفالهم ونسائهم، بواسطة العبوَّات الناسفة أو تفجير الأنفس في التجمّعات، ويَطرحون الدِّفاع عن أهل السنة، إلا أنَّهم لا يتردَّدون في قتلهم، كما يَجري في الجزائر ومصر والسعوديَّة وحتَّى في العراق، ممَّا يدلُّ على أنَّ التبرير غير ذلك، بل
________________________________________
(*) اُستاذ في الجامعة اللبنانية، من لبنان.

[الصفحة - 170]


هو تكفير كافَّة المسلمين أو حتَّى تشريكهم، سواء أكانوا من أهل السنَّة أو من الشيعة، وهذه ظاهرة ليست حديثة، بل عرفها التَّاريخ الإسلاميّ القديم والحديث، وأدَّت إلى سفك دماء المسلمين على أوسع نطاق.
وتقوم هذه الظاهرة على تفسيرٍ معيّن لبعض أحكام الإسلام وتكفير كلِّ من لا يَأخذ بهذا التفسير وهدر دمائهم وسبي ذراريهم وسلب أموالهم.
بدأت الظاهرة مع الخوارج منذ القرن الأوَّل للهجرة، مروراً بأحداث الجزيرة العربيَّة منذ أواسط القرن الثامن عشر حتَّى الثُّلث الأوّل من القرن العشرين، واستؤنفت في الربع الأخير من القرن العشرين، وسنتناول فيما يأتي الجذور التاريخيَّة والمرتكزات العقائديَّة والسياسيَّة التي استندت إليها هذه الظاهرة.
الخوارج
الخوارج حركة خرجت من صفوف جيش الإمام علي بن أبي طالب (عليه ‏السلام) إثر إعلان هدنة التحكيم في معركة صفِّين، وانتشرت فيما بعد في مناطق العراق وجوارها واستمرَّت زمناً طويلاً.
كان قادة الحركة ممَّن وقفوا في معركة صفِّين ضدَّ استمرار الحرب، بعد رفع جيش معاوية المصاحف على الرِّماح، وهدّدوا عليَّاً بالانقلاب ضدّه عندما أمر بأن لا يُعبَأ بهذا العمل لأنَّه مكيدة. ولمَّا وافق مُكرَهاً على التحكيم، ووقّع وثيقته وحاول أن يُعيِّن عبد الله بن عباس ممثّلاً له في هيئة التحكيم مقابل عمرو بن العاص، رفضوا وأجبروه على تعيين أبي موسى الأشعري، ثمَّ انقلبوا على موقفهم وراحوا يُطالبون عليَّاً بنقض وثيقة التحكيم. ولمَّا لم يوافق كفّروه وراحوا يتَّهمونه بتحكيم الرجال في دين الله، ثمَّ توسَّعوا في الجدال إلى طرح أمورٍ كثيرة. كلُّ ذلك وهم يصرُّون على إتيان الفرائض وتحريم المحرَّمات، لكن إلى جانب استباحة دم من لا يُوافِقَهم الرأي.
________________________________________

[الصفحة - 171]


وأهمُّ ما تمسَّك به الخوارج من عقائد:
ـ قولهم إنَّ علياً أخطأ في التحكيم إذ حكّم الرجال في دين الله، وبذلك فقد كفر.
ـ تكفيرهم من لا يُوافقهم الرأي من المسلمين.
ـ إباحتهم قتل المخالفين ونسائهم وذراريهم.
ـ عدّهم من ارتكب كبيرة قد كفر (1)، ولذلك فقد كفّروا الخليفة عثمان بن عفّان بعد السنة السادسة من حكمه لأنَّه آثر قرابته، فلم يَعُد عادلاً (2) .
ويناقشهم علي(عليه ‏السلام) ليجلو ما قد يكون خفي عنهم.
فيقولون: «... إنَّك لم تغضب لربِّك، وإنَّما غضبت لنفسك، فإنْ شهِدت على نفسك أنَّك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين واستأنفت التوبة والإيمان، نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك، وإن تكن الأخرى فإنَّنا نُنابِذَك على سواء..».
فيردّ الإمام(عليه ‏السلام): «أمَّا أن أشهد على نفسي بالضلالة، فمعاذ الله أن أكون ارتبت منذ أسلمت أو ضللت منذ اهتديت، بل بنا هداكم الله من الضلالة واستنقذكم من الكفر وعصمكم من الجهالة، وإنَّما حَكَّمت الحكمين لعلمي بكتاب الله والسنَّة الجامعة غير المفرّقة، فإن حكَمَا بكتاب الله، كنت أولى بالأمر من حكمهما، وإن حكما بغير ذلك، لم يكن لهما عليَّ وعليكم حكم» (3) .
ويعودون إلى إثارة قبول التحكيم، فيعاود الإمام الرد ويُوضِح، فيقول: «ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكراً وخديعة: إخواننا وأهل دعوتنا، استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم. فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان، وأوَّله رحمة وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم والزموا طريقتكم، وعضّوا على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعقٍ نعق، إن أجيب أضلّ، وإن ترك ذلّ. وقد كانت هذه الفعلة، وقد رأيتكم أعطيتموها،
________________________________________
(1)ـ راجع الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، دار السرور - بيروت 1948، ج1 ص170-186.
(2) ـ المرجع نفسه، ص 179.
(3) ـ المحمودي، محمد باقر، نهج السعادة، مؤسسة المحمودي، ج2 ص 338.

[الصفحة - 172]


والله لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها ولا حمّلني الله ذنبها، والله إن جئتها إنّي للمحقّ الذي يُتَّبع، وأنَّ الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته» (4) .
ويردّون على الإمام بقولهم: «نهيتنا عن الحكومة ثمَّ أمرتن». وكأنَّه أمرهم مختاراً!
فيردُّ الإمام: «هذا جزاء من ترك العقدة، أمَّا والله لو أنِّي حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيراً، فإن استقمتم هديتكم وإن اعوججتم، قوَّمتكم، وإن أبيتم تداركتكم، لكانت الوثقى. لكن بمن وإلى من؟ أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي» (5) .
ثمَّ يعود الجدال إلى البداية، فيطرحون كلَّ الأمور من جديد، فيقولون:
علام كنَّا نُقاتِل يوم الجمل؟
- على الحقّ.
- فأهل البصرة؟
- على النكث والبغي.
- فأهل الشام؟
- هم وأهل البصرة سواء.
- فلمَ أجبت معاوية على وضع الحرب؟
- خالفتموني وخفت الفتنة.
- فعُد إلى أمرك.
- أعطيتهم ميثاقاً إلى مدّة، فلا يحلُّ لنا قتالهم حتَّى تنقضي المدّة، وقد أخذنا على الحكمين أن يَحكُمَا بكتاب الله، فإن حكما به، فأنا أولى الخلق بالأمر.
- إنّ معاوية يدّعي مثل الذي تدّعي (6) .
________________________________________
(4) ـ علي بن ابي طالب، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، دار الهدى الوطنية، ج1 ص 201.
(5) ـ المصدر نفسه، ص 260.
(6) ـ المصدر نفسه، ص 309.

[الصفحة - 173]


ثمَّ يُثيرون قصّة الغنائم في البصرة، فيأخذون على علي(عليه ‏السلام) قتل الأنفس ومنع الغنائم، فيسألهم ابن عباس: هل كانوا مستعدِّين أن يأخذوا عائشة في السبي؟ (7) .
ويعود علي(عليه ‏السلام) إلى التوضيح: «والله ما حكّمت مخلوقاً، وإنِّي حكّمت القرآن، ولولا أنّي غلبت على أمري وخُولفت في رأيي، لما رضيت أن تضع الحرب أوزارها بيني وبين أهل حرب الله، حتّى أعلي كلمة الله وأنصر دين الله ولو كره الجاهلون والكافرون» (8) .
ثمَّ يذكّرونه أنّه سمح بمحو لقبه (أمير المؤمنين) في وثيقة التحكيم، فيُحيُلهم إلى موقف النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في صلح الحديبيّة، حيث قَبِلَ الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بمحو لقبه (رسول الله) في وثيقة الصلح (9) .
ولمَّا انتهى التحكيم إلى تلك النتيجة المعروفة حيث لم يتَّفق الحَكَمان على الرجوع إلى الكتاب والسنّة، بل لعب أحدهما بالآخر، حاول علي(عليه ‏السلام) أن يَستعيد الخوارج إلى صفوف جيشه، فقال لهم: «أمّا بعد، فقد جاء ما كنتم تريدون. قد تفرّق الحَكَمان على غير حكومة ولا اتِّفاق. فارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإنِّي أريد المسير إلى الشام». فردُّوا عليه بقولهم: «حتّى تَشهد على نفسك بالكفر» (10) .
وكان علي(عليه ‏السلام) حدّد موقفه من الخوارج بحيث ترك لهم حريَّة الرأي والتجمّع، ولكن شرط ألا يبدأوه بحرب، وطبعاً ألا يُفسدوا في الأرض، وفي هذه الحال يستمرّ في دفع عطائهم (11) .
لم يكن موقف الخوارج نظريّاً فقط، بل هم راحوا يُطبِّقونه عمليّاً، فقد مرَّ بهم، وهم في حروراء، عبد الله بن خبَّاب بن الأرت ابن صاحب رسول الله ومعه زوجته الحامل، فاستوقفوه وأجروا له امتحاناً، سألوه عن الخلفاء الأربعة، ولمَّا وجدوا رأيه مخالفاً لآرائهم، حكموا عليه قائلين: «والله لنقتلك قتلةً ما قتلناها أحد»، ثمَّ أضجعوه على حافّة النهر وذبحوه. وجاؤا بامرأته وبَقروا بطنها، فخرج الجنين فألقوا بهما في جوار الزوج.
________________________________________
(7) ـ عبد الفتاح عبد المقصود، الإمام علي بن أبي طالب، مكتبة التربية، م3 ص 8.
(8) ـ المصدر نفسه، 325.
(9) ـ عبد المقصود، المرجع نفسه.
(10) ـ المحمودي، مصدر سابق، ج1 ص 368.
(11) ـ المصدر نفسه، ص 339.

[الصفحة - 174]


وفي هذه الأثناء سقطت رطبة من نخلة فأمسك بها رجل منهم وهمّ أن يأكلها، فصاح به صاحبه: بغير حلّها وبغير ثمن؟ فلفظه (12) .
ويسألهم علي (عليه ‏السلام) حول قتلهم النفس التي حرَّم الله فيقول: «فإن أبيتم ألا أن تزعموا إنّي أخطأت وضللت، فلمَ تضللون عامّة أمَّة محمّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بضلالي وتأخذونهم بخطأي، وتكفِّرونهم بذنوبي؟ سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم. تخلطون من أذنب بمن لم يذنب».
وردَّاً على تكفيرهم مرتكبي الكبيرة يردّ عليهم الإمام بموقف رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) الذي يَقضي ببقائهم في الإسلام، فيُتابع: «... وقد علمتم أنَّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) رجم الزاني المحصن ثمَّ صلَّى عليه، ثمَّ ورّثه أهله. وقتل القاتل وورَّث ميراثه أهله، وقطع (السارق) وجلد الزاني غير المحصن ثمَّ قسَّم عليهما من الفيء ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بذنوبهم ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام، ولم يُخرِج أسماءهم من بين أهله» (13) .
ولمَّا أصرَّ الخوارج أخبر عليّ (عليه ‏السلام) أنَّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كان أنبأ بحالهم يوم كان يقسِّم فيء حُنين، عندما أتاه ذو الخويصرة التميمي، فقال له: اعدل يا محمَّد، ويكرِّرها ثلاثاً، فيقـول رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «سيخرج من ضئضئ هذا (نسله وعقبه) قوم يَمـرقون من الدِّين كمـا يَمرق السهم من الرميَة، يَخـرجون على حين فُرقةٍ من الناس، تحقِّرون صلاتكم في جنب صلاتهم وصومكم عند صومهم، يقرأون القرآن لا يُجـاوز تراقيهم. آيتهم رجـل أسود مخدّج اليـد، إحدى يديـه كأنها ثدي امرأة... إنّهم شرّ الخـلق والخليقة، يقتلهم خير الخـلق والخليقة، وأقربهم عنـد الله وسيلة».
لذلك، فبعد أن هزمهم عليّ (عليه ‏السلام) في النهروان، أمر أصحابه بالبحث عن الرجل صاحب اليد كثدي المرأة. فعادوا ولم يعثروا عليه، فأمرهم من جديد، وإذا
________________________________________
(12) ـ عبد المقصود، مرجع سابق.
(13) ـ نهج البلاغة، مرجع سابق، م2 ص 3-6.

[الصفحة - 175]


بهم يجدونه، فصاحوا: ذو الثدية. فخرّ الإمام ساجداً، وقال: «صدق رسول الله... الله أكبر الله أكبر» (14) .
استمرّ الخوارج يَخوضون الحروب، وخاصّة حرب العصابات، بعد اغتيالهم عليّاً(عليه ‏السلام)، طيلة عهد الدولة الأمويَّة.
ومع كلِّ ذلك، فإنّ الإمام يُوصي المسلمين بالعدل: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» (15) .
هذه كانت أوّل موجةٍ من التكفيريين، قتلت ما لا يُعدُّ ولا يُحصى من المسلمين، وقتل من رجالها أيضاً ما لا يُعدُّ ولا يُحصى، وهم ما زالوا حتى اليوم في عُمان وفي بعض أقطار المغرب العربيّ، إلا أنهم كفّوا منذ زمن طويل عن حمل السلاح وقتال المسلمين.
الوهابيِّون:
ظهرت الوهابية في الجزيرة العربية بدءاً من منتصف القرن الثامن عشر الميلاديّ، منتصف القرن الثاني عشر الهجريّ، في بلاد نجد على يدي محمَّد بن عبد الوهاب الذي ولد وترعرع في بلدة (العيينة)، ودرس الفقه الحنبليّ في قريته، ثمَّ انتقل إلى مكَّة المكرَّمة فإلى المدينة المنوَّرة فإلى البصرة، ثمَّ عاد إلى الإحساء فإلى حريملاء، حيث استقرَّ والده. فأعلن دعوته سنة 1749م/ 1152هـ، فاستنكرها الناس وحاولوا قتله. فعاد إلى قريته الأصليّة (العيينة). إلا أنَّ حاكمها عثمان بن معمر، طلب منه المغادرة، فغادرها إلى (الدرعيَّة).
في (الدرعيَّة)، عقد محمَّد بن عبد الوهاب اتِّفاقاً مع أميرها (محمَّد بن سعود)، على أن يقوم بالدعوة إلى أفكاره، وأن يُقاتل (محمَّد بن سعود) لنشرها.
في تلك الحقَبة كان التكالب الاستعماريّ على أشدّه، وكانت شواطئ الجزيرة العربيَّة مجالات للتنافس بين القوى الغربيَّة وخاصَّة البرتغاليين والانكليز، لاتِّخاذها
________________________________________
(14) ـ المحمودي، مصدر سابق، ج2 ص407 - 411. راجع كذلك: بخاري، مغازي/ 61، توحيد/ 23، أنبياء/ 6، ومسلم زكاة/ 143 - 146.
(15) ـ نهج البلاغة.

[الصفحة - 176]


محطَّات إلى الشرق، إلى الهند وإلى جنوب شرقي آسيا، ولم تكن هذه القوى، وخاصَّة الانكليز، بعيدة عن كلِّ ما يَجري.
فما هو الفكر الذي حملته الدّعوة وخاضت من أجله الحروب؟
الفكر الوهابيّ
تتمحور أفكار الوهابيِّين الخاصَّة حول مسائل: الشفاعة، الاستغاثة، التوسّل، القَسَم بمخلوقٍ على الله، القَسَم بغير الخالق، استعمال كلمات السيِّد أو المولى أو استعمال كلمة عبد مضافة إلى النبيّ، النذر، البكاء على الميت، تكريم مواليد الأولياء ووفياتهم، النحر والذبح عند القبور، بناء القبور وتجصيصها، اتِّخاذ المساجد على القبور، الإنارة على القبور، الصلاة عند القبر، التبرّك بالقبور، اتِّخاذ الخدم والسَدَنة عند القبور، زيارة قبر الرسول، التبرّك بآثار الأنبياء.
1ـ الشفاعة
ترى الوهابيَّة «أنَّه لا يجوز طلب الشفاعة من النبي(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ولا من غيره، فعلى المسلم ألا يطلب الشفاعة من النبي(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)؛ لأنَّ الله وإن أعطاها محمَّداً(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وغيره من الأنبياء، لكنَّه نهى عن طلبها منهم، ومن يَطلب الشفاعة من محمّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كان كمن يطلبها من الأصنام» (16) .
في هذا الأمر يتمسّك الوهابيَّون بالآيات التي تمنع الشفاعة بالمشركين، ويتركون الآيات التي تُقرِّها للمؤمنين، من مثل قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيم} (النساء، 64) واستغفار الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لهم شفاعة، ويعضد هذا سورة مريم/ 47 و87 وغافر/ 5-9 ونوح/ 28 والأعراف/ 151 وإبراهيم/ 41 والشعراء/ 86 والحشر/ 10 والمنافقون/ 5 ويوسف/ 98 والشورى/ 5 والأعراف 134، إلى جانب ما أُثِرَ عن الرسول من أحاديث في الصحِّاح من مثل قوله(عليهما السلام): «أُعطيت خمساً (منها): الشفاعة، أنا أوَّل شافعٍ وأوَّل مشفَّع» (17) .
________________________________________
(16) ـ الرسائل العملية، 1957، ص 45.
(17) ـ رواه البخاري، تيمم/ 1 ومسلم، مساجد/ 3، والنسائي، غسل/ 26 والدارمي، صلاة/ 111 وابن جنبل 1/301....

[الصفحة - 177]


2ـ دعاء غير الله والاستغاثة
فقد ورد عن الشيخ سليمان النجديّ، وهو من مشايخهم قوله: «نحن نعلم بالضرورة أنَّ النبيَّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لم يشرِّع لأمَّته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، بل نعلم أنَّه نهى عن كلِّ هذه الأمور. وأنَّ ذلك من الشرك الأكبر الذي يُحرِّمه الله ورسوله» (18) .
وفي هذا يَنسى الوهابيِّون أنَّ من يدعُ الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أو الصالحين، لا يكون دعاؤه لهم لأنَّهم شركاء لله، بل لأنَّهم مكرّمون. وأنَّ كبار الصحابة، دعوا الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) واستغاثوا به بعد وفاته، ومن هذا القبيل استنجاد عمر بن الخطاب بعمِّ النبيّ، لا بالنبيّ، عندما عمد إلى صلاة الاستسقاء (19) .
3ـ التوسُّل
عدَّ الوهابية التوسُّل شركاً، حيث جاء على لسان عبد العزيز بن محمَّد بن سعود، «إنَّ الوسيلة ليست إلا أن يُنادي العبد غير الله، ويَطلب حاجته، التي لا يقدر على وجودها (إيجادها) إلا الربّ تبارك وتعالى، ممَّن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً...».
وينسى الوهابيِّون كلّ من توسّل بالنبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في دعائه الله تعالى ليقضي له حوائجه، ومنه قوله(عليهما السلام): «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحقِّ ممشاي هذا إليك، فإنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة...» (20) .
4ـ القسم بمخلوق على الله
كأن تسأل الله بحقِّ فلان مثلاً: من نبيٍّ أو صالح، وقد حرّمه الوهابيِّون، إذ لا حقَّ لمخلوقٍ على الخالق في نظرهم، فقد جاء في الهدية السنيَّة: «أمَّا الأقسام على الله بمخلوق فهو منهيّ عنه باتِّفاق العلماء. وهل هو منهيّ عنه نهي تنزيه أو تحريم على قولين، أصحَّهما أنَّه كراهة تحريم» (21) .
________________________________________
(18) ـ سليمان بن سحمان النجدي، الهدية السنية، مطبعة المنار بمصر، 1342هـ، ص 57.
(19) ـ السمهودي، وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى، طبع مصر، ج2 ص 42.
(20) ـ راجع مسند أحمد 3/21 وابن ماجة، مساجد/ 14.
(21) ـ ص 20.

[الصفحة - 178]


وفي هذا الرأي لا تُقيم الوهابية وزناً لآيات قرآنية تقرّ حقّ المؤمنين على الله تعالى، كقوله جلّ وعلا: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهمْ بِأَنَّ لَهمْ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (التوبة، 111) أو قوله: { كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ } (يونس، 103) أو { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ } (الروم، 47)، هذا إلى العديد من الأحاديث الشريفة كقوله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقَّاً على الله أن يُدخِلَه الجنة» (22) و«حقٌّ على الله عون من نكح التماس العفاف ممَّا حرَّم الله» (23)وكذلك الأحاديث حول «حقِّ الله على العباد وحقُّ العباد على الله» (24) .
5ـ القسم بغير الخالق
الذي يعدّه الوهابية من الشرك، حيث يقول الصنعاني عن (القبوريين) ـ الذين يعظِّمون قبور الأنبياء والصالحين ـ : «الذين حَذوا حذو المشركين حذو القذّة بالقذّة، إنَّهم يُقسِمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حقّ باسم الله تعالى، لم يَقبل منه، فإذا حلف باسم وليّ من أوليائهم، قبلوه وصدقوه، وهكذا كانت عبادة الأصنام...».
وفي هذا تجاهلٌ لكلِّ الآيات التي يُقسم فيها الله تعالى، نفسه، بمخلوقاته كقوله جل من قائل:والعصر، والعاديات، فالموريات، فالمغيرات، والنازعات، والناشطات، والسابحات، فالسابقات،فالمدبرات، والمرسلات، فالعاصفات، والناشرات، فالغارقات، فالملقبات، والذاريات، فالحاملات،فالجاريات، فالمقسمات، والصافات، فالزاجرات، فالتاليات، { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور } {والتين والزيتون * وطور سنين * وهذا البلد الأمين} .
________________________________________
(22) ـ البخاري، جهاد/ 4، مسلم، إمارة/ 46.
(23) ـ السيوطي، الجامع الصغير، ج2 ص33.
(24) ـ بخاري جهاد/ 46، مسلم أيمان/ 48، الترمذي أيمان/ 18، ابن ماجة زهد/ 35.

[الصفحة - 179]


6ـ استعمال كلمة (السيّد) أو (المولى) وإضافة كلمة عبد على اسم النبيّ أو غيره
حيث جاء على لسان عبد العزيز بن محمَّد بن سعود إنَّ (المشركين) ـ أي عامَّة المسلمين ـ يعبّدون أنفسهم، كعبد فلان وعبد فلان (25)، كما أخذ على المسلمين استعمال كلمتيَّ (مولانا) و)سيِّدن)).
أمَّا استعمال كلمة (مولى)، فقد ورد على لسان الخالق عزّ وجلّ في عددٍ كبيرٍ من الآيات مثل: الدخان/ 41، والنحل/ 76، والنساء/ 33، ومريم/ 5، والأحزاب/ 5... إلى عدد كبير جداً من الأحاديث النبويَّة.
وأمَّا استعمال كلمة (سيِّد) فقد ورد هو الآخر في القرآن عن يحيى (عليه ‏السلام) (آل عمران/ 39)كما استعملها الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في حقِّ الحسن والحسين »(عليهما السلام)(26) .
ورغم تحريمهم هذه الألفاظ، كانوا لا يتردَّدون في إسباغها على ملوكهم وأمرائهم، كما هو متداول اليوم من قِبَل السعوديِّين تجاه العائلة المالكة، أو الملوك على الأقلّ. وأبلغ ما ورد مطالع أبيات قصيدةٍ وجهها الشاعر (هارون هاشم رشيد) إلى (فيصل آل سعود) حيث يقول:
مولاي ما أبهاك يوم تمتّعتمولاي هذي الأرض نبع للعطامولاي عشت معزّزاً ومؤيداًمولاي يا أملَ العروبة كلهاالمسجد الأقصى يضج ويسأل
عيني بوجهك ترتجي وتؤملهيهات ينضب نبعها أو يبخلبالله في صدق تقول وتفعلالقدس ترقب والمصلّى يسألأيّان موعدنا المؤمل فيصل وأنَّ كلمة (عبد) فقد وردت غير مرَّة في القرآن الكريم في قوله تعالى مثلاً: {الحُرُّ بِالحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ...} (البقرة، 178) وفي قوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ..} (النحل، 75) أو {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ }(النور، 32)، إضافة إلى ما ورد على لسان الرسول الأعظم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم).
________________________________________
(25) ـ الهدية السنية، ص26.
(26) ـ راجع البخاري، صلح/ 9، فضائل أصحاب النبي/ 22..

[الصفحة - 180]


كما وردت كلمة (العبد) على لسان قادتهم تجاه (الكِبَار) فقد ورد في كتاب (فيصل بن تركي)، في الدولة السعوديَّة الثانية:
«دولتلو رحمتلو، سعادة أفندينا سليم باشا صاري عسكر الجديدة دام إقباله، بعد تقبيل أياديكم الكرام، خلّد الله عليكم الفضل والانعام»..
التوقيع
عبدكم
خاتم فيصل بن تركي (27)
كما جاء في رسالة من عبد العزيز آل سعود إلى الباب العالي:
«عبوديتي وخدماتي لمقام الخلافة العثمانية معلومة عند أولياء الأمور...».
التوقيع:
خادم الدولة العلية، أمير نجد ورئيس عشائره
عبد العزيز آل سعود (28)
وفي برقيَّة وجهها عبد العزيز إلى المندوب البريطانيّ السير برسي كوكس، بمناسبة احتلال الانكليز البصرة، يقول:
« سيديّ برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى دام عزها.
دخول جيوشكم الانكليزية العظيمة للعراق نصر مبين للمسلمين، وعز مكين لنا.
عبوديتنا وخدماتنا لبريطانيا العظمى وولاؤنا لكم إلى الأبد.
خادمكم
أمير نجد وعشائره
عبد العزيز آل سعود
7ـ البكاء على الميت
تحرّم الوهابيَّة البكاء على الميت متذرِّعين بحديثٍ عن عمر يقول: «إنَّ الميت ليعذَّب ببكاء أهله عليه»، لكن عائشة نفت صدور الحديث عن رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)
________________________________________
(27) ـ ناصر السعيد، تاريخ آل سعود، ص 465.
(28) ـ المصدر نفسه، ص 470.

[الصفحة - 181]


وقالت إنَّ عمر «وهَل» (أي سها)، إنَّما قال رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) إنَّه ليعذّب بخطيئته أو بذنبه وأنَّ أهله ليبكون عليه» (29) .
ويُناقض موقف الوهابيَّة قول الله تعالى عن يعقوب(عليه ‏السلام)، وهو نبيّ، إنَّه بكى يوسف{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} (يوسف/ 84). كما يُناقض مواقف رسول الله الذي كان يبكي على من فقدهم، كإبنه إبراهيم (30)، كما بكى عمَّه الحمزة، عندما سمع أنَّ نساء الأنصار يبكون شهداءهم، وقال: «لكن حمزةَ لا بواكيَ له» (31)، كما نعى جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وعيناه تذرفان (32) . وبكى على قبر أمِّه وأبكى من حوله (33) .
8 ـ النذر
يعتبر الوهابيَّة النذر شرك في العبادة، إذ من جملة أسباب الشرك، التقرّب إلى الموتى بالنذور باعتبار أنَّه نوع من العبادة، وصرف شيء من العبادة لغير الله كصرف جميعه (34) .
غير أنَّ النذر على نحو عام لم يكن ممنوعاً في القرآن حيث يقول تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } (الإنسان/ 7). ويتكرَّر هذا المعنى في سور مريم/ 26 و آل عمران/ 35 والبقرة/ 270. فأن تنذر لله وتُهدي الثواب إلى من تشاء، فهذا أمر لم يرد فيه منع، بل إنَّ فاعله مُثاب.
9ـ تكريم مواليد أولياء الله ووفياتهم
يعتقد الوهابيِّون أنَّ من البِدَع المذمومة «الاجتماع في وقتٍ مخصوص على من يَقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقاداً أنَّه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير، فإنَّ ذلك مردود» (35)ويعدّونه من البِدَع.
ويفوت القائلين بهذه الأقوال وأمثالها أنَّ تكريم أولياء الله قد حضّ عليه الذكر الحكيم في العديد من الآيات، التي تأمر بذكر نعمة الله لِمَا أرسله من
________________________________________
(29) ـ البخاري، الجنائز/ 32 ومسلم، جنائز/ 26.
(30) ـ البخاري، الجنائز/ 43.
(31) ـ الهيثمي، مجمع الزوائد، ج6 ص 120 وابن ماجة، جنائز/ 53.
(32) ـ البخاري، فضائل الصحابة/ 25، جنائز/ 4 و43، جهاد/ 7.
(33) ـ أبو داود، جنائز/ 77، وابن ماجة، جنائز/ 49.
(34) ـ الصنعاني، مرجع سابق، ص 12.
(35) ـ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، الهدية السنية، ص 52.

[الصفحة - 182]


الأنبياء(عليهم ‏السلام) لهداية البشر إذ يقول تعالى على لسان موسى(عليه ‏السلام) { يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ } (المائدة/ 20) كما يَقضي الله تعالى بتعظيم بعض الأمور كحرمات الله وشعائر الله، فيقول : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } (الحج/ 32)ويجعل الإبل المصحوبة إلى الحجِّ من شعائر الله {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ }(الحج/ 36)، فهل الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أقل شأناً من هذه البدن؟
وأمَّا أن يُعدّ تكريم رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بدعة، فهو يدلّ على سوء فهم معنى البدعة؛ لأنَّ البدعة تعني أن تأتي في الدِّين بما ليس منه، ممَّا يخالفه، أمَّا ما يوافقه ويُترِجم أحكامه، فذلك سنَّة حسنة، وفي هذا المعنى يردّ الشيخ عبد القادر الاسكندراني على محمّد بن عبد الوهاب بقوله: «واعجباً لمن تلبّس بالبِدَع في غالب أقواله وأعماله وأحواله من حيث لا يَشعر، كيف يُسمّي السنّة بدعة بدعوى أنَّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لم يعملها، مع علمه بقوله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «من سنَّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل به»، فهذا الحديث يَعدّ من سنَّ تكريم الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) والصالحين بالأجر على عملهم هذ (36) .
10ـ النحر والذبح عند القبور
ترى الوهابيَّة في الذبح والنحر عند القبور شرك؛ لأنَّ الناس بذلك يُقرِّبون القرابين لها، كما كان يَفعل أهل الجاهليَّة، حيث يقول الصنعاني في العديد من رسائله: إنَّ نحر النحائر للأولياء شرك. ويَتجاهل الصنعاني وسائر علماء الوهابيَّة أنَّ المؤمن الذي يَنحر عند قبر وليٍّ من الأولياء، يُريد التقرَّب إلى الله تعالى عن طريق التصدّق باللحم على الفقراء والمساكين، ولا يُريد مجرّد النحر، كما كان يفعل اليهود، عندما كانوا يذبحون الأنعام ويُحرِقونها ويرشُّون دماءها على أجزاء من الهيكل، وعادة الذَّبح للأضياف أو للصدقة ممَّا يحثّ عليه القرآن الكريم، فهذا ابراهيم (عليه ‏السلام) يذبح عجلاً لضيوفه، الذين لم يكن يعلم أنهم من الملائكة، إذ يقول
________________________________________
(36) ـ عبد القادر الاسكندراني، النسمة الذكية، مغفل الناشر والتاريخ، ص 5.

[الصفحة - 183]


تعالى: { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } (هود/ 69) كما نحر رسول الله غير مرة.
وأمَّا الاعتراض على المكان، ففي غير محلَّه، فقد ورد عن ثابت بن الضحاك أنَّ رجلاً نذر على عهد رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أنْ يَنحر إبلاً له بـ (بوانة)... فقال النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبَد؟ قالوا: لا. قال: هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله(رضى‏ الله ‏عنهما): «أوفِِ بنَذْرِكَ...» (37) .
11ـ بناء القبور وتجصيصه
منع الوهابيِّون في الدِّيار التي استولوا عليها البناء على القبور وتجصيصها (طلاءها بالجصّ، وهو نوع من الطِّين) والكتابة عليها والبناء فوقها، وهدموا ما كان قائماً. علماً أنَّ بعض القبور التي هُدِمَت في المدينة ومكَّة(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ممَّا كانت مبنيَّة ومجصَّصة أو مكتوباً عليها أو مبنيَّاً فوقها، أو كلُّ ذلك، كانت تعود إلى زمن النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أو الخلفاء، ولم يهدموها، كما أنَّ قبوراً كانت قائمةً في بلاد الشام: بيت المقدس ودمشق وغيرها، ولم يأمر عمر بن الخطاب بهدمها. حتَّى قبر رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) نفسه إنَّما قام في حجرة مبنيَّةٍ كما هو معلوم. فهل كان جميع الحكَّام المسلمين منذ عهد الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) حتَّى اليوم ساكتين على الشرك الممثّل بالممارسات المذكورة؟
ويبرّر الوهابيِّون موقفهم هذا بأحاديث أثبت علماء المسلمون ضعفها، إن لم يكن وضعه (38) .
يبقى أخيراً أنَّ البناء على قبور الصالحين يَحميها، ويذكِّر بفضل أصحابها، ويدعو إلى العبرة الإيجابيَّة. كما أنَّ ما بقيَ من الأبنية فوق قبور المشركين، كأهرام مصر مثلاً، مدعاةٌ إلى العبرة السلبيَّة التي يحثّ عليها القرآن الكريم (39) .
12ـ اتّخاذ المساجد قبور
يقول ابن تيميَّة: «... ورد النهي عن اتِّخاذ القبور مساجد، ولعن الله من يفعل ذلك»، ومن هنا يُعدُّ من يبني مسجداً على قبر مشركاً. علماً بأنَّ قبر النبي(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)
________________________________________
(37) ـ أبو داود، أيمان/ 22.
(38) ـ راجع ابن حجر العسقلاني.
(39) ـ زيارة القبور، طبع المنار - مصر، ص 106.

[الصفحة - 184]


أصبح داخل المسجد، كما هو معروف، منذ خلافة الوليد بن عبد الملك وقد وسَّعه عمر بن العزيز. وقد جاء أنَّ قبر فاطمة بنت أسد، أم علي بن أبي طالب (عليه ‏السلام) موجود في موضع المسجد الذي يُقال له اليوم (قبر فاطمة)، وكان على قبر حمزة بن عبد المطلب مسجد (40) . هذا ولم يُنكِر القرآن اتِّخاذ المساجد على القبور إذ يقول تعالى في قصة أهل الكهف: { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً } (الكهف/ 201).
وإذا كان لنا أن نُحاكِمَ المسألة عقليّاً لعدم ثبوت النصِّ، فهل أنَّ المسلمين بعد تمرّسٍ بالإسلام طيلة القرون المتطاولة، يُمكن أن يشركوا شيئاً أو أحداً في العبادة مع الله، حتَّى يُقال أنَّ بناء المساجد فوق قبور الأنبياء والصالحين هو عبادة لهم؟ إنَّ أيَّ عاقلٍ لا يُمكن أن يُصدِّق هذا الأمر. بل ما يُمكن تصديقه هو أنَّ من وسائل تكريم الصالحين أن تُقام المساجد على قبورهم للصلاة والدعاء.
13ـ الإنارة على القبور
ورد في الرسالة الرابعة بعنوان: (الفواكه العذاب) من (الهديَّة السنيَّة)، بقلم أحمد النجدي: «لعن رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من أسرجها (القبور).. فقد روى ابن عباس أنَّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لعن زائرات القبور والمتَّخذين عليها المساجد والسرج». وقد أثبت علماء الرجال أنَّ سند الحديث مطعون فيه، كما في (تهذيب التهذيب).
فيبقى أنَّ الأمر مباحٌ لعدم ورود نصٍّ يَمنعه. لا سيّما وأنَّ فوائده كبيرة؛ لأنَّ فيه، إلى جانب تكريم الأنبياء والصالحين، إمكانيَّة إيواء للفقراء المتعبّدين ليلاً، كما يُسمَح بقراءة القرآن والدُّعاء في مكانٍ مبارك.
14ـ الصلاة عند القبر والتوجّه إليه عند الدّعاء
تعدّ الوهابيَّة من يصلِّي عند قبر الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أو قبور الصالحين، أو يتوجَّه إليها بالدّعاء، مشركاً، فقد ورد في كتاب (فتح المجيد) أنَّ الصلاة عند القبور تشبَه
________________________________________
(40) ـ السمهوري، مرجع سابق، ج8 ص 88 و105 و115.

[الصفحة - 185]


تعظيم الأصنام. جاء ذلك التزاماً برأي ابن تيمية، الذي يُعلن في رسالة (زيارة القبور) (41)أنَّ الصحابة كانوا، إذا جاءوا قبر الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، سلَّموا، وإذا أرادوا الدّعاء، فلم يكونوا يتوجّهون إلى القبر الشريف، بل يتوجّهون إلى القبلة، بعد أن ينحرفوا عن القبر، غيـر أن الأدلّة تدلّ على عكس ما ذهب إليـه ابن تيميَّة والوهابية، وقد مرَّ معنا الآية الكريمة { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً } والمساجد لا تُتَّخذ لغير الصلاة. فإذا كانت الصلاة في هـذه المواضع شركاً، فما فائدة قيام هذه المسـاجد؟ وإذا كان القرآن يحثّ على الصلاة في بعض الأماكن المباركة، حيث ورد{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } (البقرة/ 125) فإنَّها تُصبح مستحبّةً عند قبور الأنبياء والصالحين.
وقد قطعت السنَّة المطهّرة بجواز الصلاة في الأماكن المباركة، وحضّت بشكل غير مباشر عليها، فقد ورد في الإسراء والمعراج أنَّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) نزل فصلّى في المدينة (التي ستكون دار هجرته) وفي طور سيناء (حيث كلم الله موسى (عليه ‏السلام)) وفي بيت لحم (حيث ولد السيِّد المسيح (عليه ‏السلام)).
كما أنَّ الحجّ تدور بعض مراسمه على آثار هاجر، أمِّ النبيّ إسماعيل (عليه ‏السلام)، وإلى كلِّ هذا أفتى الإمام مالك المنصور العباسي بدلاً من صرف الوجه عن قبر الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أو عن التوجّه إليه في الدّعاء، فقال له: «لمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به» (42) .
وأمَّا الصلاة عند القبور فقد مارسها أجلاّء المؤمنين أيَّام الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، إذ كانت فاطمة (عليها السلام) تزور قبر عمّها الحمزة كلَّ جمعةٍ وتصلّي وتبكي عنده (43) .
أمَّا مسألة الدُّعاء وطلب الحاجات عند القبر، فهي لا تَعني أنَّ المؤمن يَطلب تلبية حاجته من صاحب القبر؛ لأنَّه يُدرِك أنَّ ما من مخلوق يلبِّي الحاجة، بل الله تعالى وحده هو الذي يلبّيها، إنَّما بشفاعة صاحب القبر. ومن يَعتقد غير ذلك فهو يسيء الظنّ بالمؤمنين.
________________________________________
(41) ـ ص 159 وما بعدها، ص 32.
(42) ـ السيوطي، الخصائص الكبرى، ص 228.
(43) ـ السمهودي، وفاء الوفا، ج4 ص 1376.

[الصفحة - 186]


15ـ التبرُّك بالقبور
يحمل الوهابيَّة التبرُّك بقبور الأنبياء والصالحين على الكفر، فقد وصف أحمد النجديّ في الرسالة الرابعة من (الهديَّة السنيَّة) المسلمين، الذين يُمارسون هذا الأمر، بقوله: «هم عندي كفَّار، فهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها والتزامها بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها (تطييبها).. وأخذ تربتها تبرّكاً...».
هذا فيما يأمر القرآن بتعظيم شعائر الله حيث يقول تعالى: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } (الحج/ 32) كما يقول: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } (الحج/ 30). وإذا كانت { إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله } (البقرة/ 158)، وهما من محال سعيَ هاجر، وهي جمـادات، وإذا كانت الإبل المعـدّة للنحر في الحجّ { مِنْ شَعَائِرَ الله } (الحج/ 36)، فلماذا لا تكون قبور الأنبياء من شعائر الله؟
أما مسألة التبرّك بالقبر فقد أيّدها عدد كبير جدّاً من الوقائع:
ففاطمة (عليها السلام) أخذت قبضةً من تراب قبر الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وأخذت تشمّها وتبكي.
وبلال قَدِمَ من الشام في عهد عمر وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) فأخذ يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه (44) .
وفي شرح الشفاء للقاضي عياض أنَّ ابن عمر رؤي يَضع يده على مقعد النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من المنبر ثمَّ وضعها على جبهته.
16ـ في اتِّخاذ الخدم والسدَنَة وإقامة الأعياد عند القبور
يذكر ابن تيمية في (زيارة القبور) (45)أنَّه جاء في السُّنَن عنه(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أنَّه قال: لا تتَّخذوا قبري عيداً وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني.. والحقيقة أنَّ الحديث ورد: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم عليّ تبلغني حيث كنتم» (46) .
________________________________________
(44) ـ ابن الأثير، أسد الغابة، ج1 ص 28.
(45) ـ ص 159.
(46) ـ ابن حنبل، 2/367.

[الصفحة - 187]


وهذا الأمر يعني أن لا يَدفن المسلمون موتاهم في بيوتهم كيلا يكونوا في حالة غمّ بشكلٍ مستمرّ، ولا أن يستمرّوا في الاحتشاد عند قبر الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم). وقد فسّره العديد من العلماء على معاني مختلفة، ليس بينها عدم إتيانه والاحتفال عنده بالمرّة.
أمَّا اتِّخاذ السَدنَة والخدَم الذين يقومون على تنظيف المكان وترتيبه والاعتناء به عندما يكون قبراً فوقه بنيان، كما يقومون بالتنظيم عند زيارة الناس له، فهو أمر مستحبّ ولا حرمة ولا كراهة فيه لسقوط الأدلَّة القاضية بغير ذلك.
17ـ زيارة قبر الرسول (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وقبور الصالحين
تحرِّم الوهابيَّة زيارة القبور بما فيها قبور الأنبياء والصالحين ويُعدِّون ذلك شركاً، وهو يَنسحب على زيارة قبر رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم). فقد قال ابن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم): (47)«قد زيَّن الشيطان لكثيرٍ من الناس سوء عملهم واستزلَّهم عن إخلاص الدين لربّهم إلى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة رضاً غير رضا الله والرغبة إلى غيره، ويشدّون الرحال إلى قبر نبيّ أو صاحب أو صالح أو من يظنّون أنه كذلك».
وهذا الكلام يتناقض مع عدد كبير من الآيات والأحاديث الشريفة، حيث ورد: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً } (النساء، 64) والمجيء يعني السفر للزيارة ليستغفر الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) للقادم إليه. وهذا لا مانع منه بعد وفاة الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم). { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً } (النساء، 100) والهجرة إلى الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) تحتمل زيارته، حيَّاً أو ميتاً، فيما تحتمل وفيها أيضاً سفر.
هذا وفي السنة الشريفة:
________________________________________
(47) ـ ص 257.

[الصفحة - 188]


ـ زار رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) قبر أمِّه آمنة بنت وهب (48) .
ـ قال(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكّر بالآخرة»(49) .
ـ من زار قبري وجبت له شفاعتي.
ـ من حجّ فزارني بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي.
ـ من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي (50) .
18ـ التبرُّك بآثار الأنبياء
تُحرِّم الوهابية التبرُّك بآثار الأنبياء ومنهم رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم). وهم بهذا يَتجاهلون ما أمر به القرآن من تعظيم آثار ابراهيم (عليه ‏السلام) وكذلك زوجته هاجر، بالصلاة في مقام إبراهيم (عليه ‏السلام) والسعي بين الصفا والمروة، كما فعلت هاجر، ومن الذَّبح كما فدى إبراهيم اسماعيل.
أمَّا التبرُّك بآثار النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) فهو أمر مارسه الصحابة في حياة رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كما بعد وفاته، فقد تبرّكوا بوضوء النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) (51) ، وكانوا يَقتسمون شعره (52) ، وغير ذلك من آثاره (53) .
هذه الأفكار انطلق منها الغلاة لتكفير، بل لتشريك كافّة المسلمين، واستحلّوا قتلهم والاستيلاء على أموالهم، فضرّجت الدِّماء أرجاء الجزيرة العربية، ثمَّ العالم الإسلامي، وأصاب رذاذها سائر العالم، ونُسيَت القضايا الكبرى التي تتعلّق بالإسلام والمسلمين وبلادهم وخيراتها، ليُذبح المسلمون رجالاً ونساءً وأطفالاً، ويطرح الإسلام للعالم على أنَّه دين القتل العشوائي والتدمير والانتحار، لا دين المحبّة والتَّسامح والإيثار.
إنَّ هذه الظاهرة كانت، وما زالت، من أخطر ما يواجه المسلمين، وهي يجب أن تنتهي حتَّى تستطيع الأمّة التفرّغ لأعدائها، ونهايتها ليست فقط بالسلاح، بل بنشرِ مبادئ عدالة الإسلام وسماحته بين المسلمين، حتَّى لا يغرَّر بالبسطاء منهم المستعدّين لتقديم أرواحهم فداءً لدينهم، فتضيع دماؤهم هدراً وتتسبّب بدمار الإسلام، بل توظّف في المكان الصحيح وبالطريقة السليمة ضدّ العدوّ الأخطر، العدوّ الصهيونيِّ، الواجب على كل المسلمين أن يُقاوموه، انتصاراً لشعب فلسطين الذي طُرد معظمه من أرضه على أيدي عصبات هذا العدوّ، وما زالت محاولات استئصاله قائمة، لتسهل إقامة الدولة اليهودية على كلّ فلسطين.
________________________________________
(48) ـ الترمذي، جنائز/ 60 وابن جنبل 3/359.
(49) ـ مسلم، جنائز/ 106 أضاحي/ 37، أبو داود، جنائز/ 77، أشربة/ 7، ترمذي، جنائز/ 7، نسائي، جنائز/ 100.
(50) ـ السمهودي، مرجع سابق، ج4 ص1336، جنبل 4/324.
(51) ـ البخاري، الوضوء/ 33.
(52) ـ البخاري، الوضوء/ 40 صلاة/ 94 ومسلم، صلاة/ 253 وابن حنبل 4/307 و308.
(53) ـ راجع المستدرك للحاكم، 3/299 وتاريخ ابن كثير، 7/113.

[الصفحة - 189]