البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ظاهرة التكفير: عوامل النشأة وطرق العلاج

الباحث :  الدكتور الشيخ محمّد شقير
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  56
السنة :  السنة الرابعة عشر شتاء 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  880
ظاهرة التكفير:
عوامل النشأة وطرق العلاج

الدكتور الشيخ محمّد شقير (*)

إنَّ ظاهرة التكفير المنفَلِت، واحدةٌ من أخطر الظواهر التي تُعاني منها أمّتنا الإسلاميَّة، والتي ساهمت إلى حدٍ بعيدٍ في إضعاف عُرى الوحدة بين المسلمين، والتي كانت السبب في تمزيق المجتمعات الإسلاميَّة وإحلال التنازع فيها بدل التَّعاون، والفُرقة بدل الوحدة (1) .
ولذا، كان من الأهميَّة بمكانٍ الوقوف عند هذه الظاهرة لاستجلاء أسبابها والعوامل التي ساهمت في نشأتها، باعتبار أنَّه لا يُمكن تقديم أي رؤية لعلاج هذه الظاهرة،إذا لم تكن لدينا المعرفة الكاملة والصحيحة بتلك الأسباب؛ لأنَّ أي عمليَّة علاج للظاهرة لن تكون مُجديَة، إذا لم تركّز جهودها على الأسباب التي أدّت إليها، فعلاج الظاهرة جذريَّاً يكمُنُ في علاج أسبابها التي انتجتها، وأيُّ علاجٍ لأعراضها ـ رغم أهميَّته ـ لن يستأصلها من أساسها وجذورها؛ ومن هنا كانت ضرورة التركيز على الأسباب التي أدّت إلى استيلاد ظاهرة التكفير المنفَلِت، وذلك كمقدِّمة لتقديم رؤية علاجيَّة لها.
يُجمل الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائيّ أسباب التكفير في العصر الحاضر بما يَلي:
________________________________________
(*) باحث وأستاذ جامعي، من لبنان.
(1)- انظر: الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الخميني، إعداد مركز الإمام الخميني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، بيروت، 2007م، ط1، ص 14 18.

[الصفحة - 113]


أ ـ الاضطهاد السياسيّ: حيث يتناول تاريخ الاضطهاد السياسيِّ الذي عانى منه المسلمون وصولاً إلى عصرنا الحالي، حيث نتَجَ عن ذلك الميل إلى تكفير الحُكَّام ورجالات الدولة وأهل السلطة.
ب ـ فقدان الثِّقَة بالعلماء الرسميِّين: أي علماء البلاط وفقهاء السلاطين الذين اتَّخذوا من علمهم مطيَّةً للتزلّف إلى السلطان ونيل ما لديه من حُطَام، فكانت النتيجة أن فُقِدَت الثِّقة بهؤلاء العلماء وانعدم تأثيرهم في أبناء الأمَّة، وهذا ما استدعى إقبال أبناء الأمَّة بأنفسهم على القرآن والسنّة متجاوزين أولئك العلماء، مع ما لذلك من محاذير سوف تتضّح فيما يلي.
ج ـ محاولة أخْذِ الأحكام من القرآن مباشرةً: حيث إنَّ فهم القرآن الكريم فهماً صحيحاً غير مغلوط، يَحتاج إلى المعرفة بجملةٍ من العلوم ذات الصِّلَة وإلى توفّر الاستعداد العلميِّ الخاصّ، وإلا سوف يكون الاستنباط والفهم غير موافقٍ لمُراد القرآن الكريم، وخصوصاً إذا ما تناول ذلك الفهم قضايا خطيرة مثل قضيَّة الإيمان والكفر، وما يُمكِن أن يترتّب عليها من تكفيرٍ لشرائحَ كبيرة من المسلمين وعامَّة الناس، بل والخوض في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
دـ الخلط بين الكُفْر الأصغر والكُفْر الأكبر: حيث إنَّ لفظَ الكفر قد ورد كثيراً في القرآن الكريم والسنّة، ولكنَّه لم يأتِ دائماً بمعنى الخروج من الإسلام، وهو الكفر الأكبر، بل أتى أيضاً بمعنى كفْر النِعم مثلاً، وهو من الكفر الأصغر، ولذا، فإنَّ الخلط بين هذين الكفرين يؤدِّي إلى التوسّع في دائرة الكفر وبالتالي استسهاله، ويقود إلى الخطأ في إطلاق حكم الكفر الأكبر على كثيرٍ من المسلمين، لينتهي الأمر إلى ارتكاب أعمال تنافي الدين وصريح القرآن والسنّة.
هـ ـ التعلّق ببعض ما قاله سيّد قطب والمودودي: إذ إنَّ بعض ما جاء في كتابات هذين الرجلين يُفهَم منه إخراج الكثير من المسلمين من الإسلام والحكم بكفرِهم. ولذا، لا بدّ من التوقّف عند العديد ممّا قاله هذان الرجلان والتأمّل فيه
________________________________________

[الصفحة - 114]


مليَّاً، ومحاولة عرضه على الكتاب والسنّة، حتَّى إذا تبيّن خطؤه فينبغي ردَّه وعدم القبول به، والخطأ في الفهم ليس عزيزاً على علماء الأمَّة ومفكِّريه (2) .
وهنا لا بدّ من مناقشة تلك الأسباب لمعرفة إلى أي مدىً تُساهِم في قضيَّة التكفير، أو إذا كان من ملاحظة أو نقدٍ يُمكن أن يُوجَّه إليها.
أمّا فيما يرتبط بالاضطهاد السياسيَّ فيُمكن القول إنَّه وإن شكّل في بعض المجتمعات الإسلاميَّة عاملاً مساعداً في إنتاج ظاهرة التكفير، لكنَّه لم يُعطِ النتيجة نفسها في مجتمعاتٍ إسلاميَّة أُخرى؛ بل حتَّى في تلك المجتمعات نفسها التي استولَدت ظاهرة التكفير، نجد أنَّ جماعاتٍ وفئاتٍ أُخرى لم تنزلِق إلى قضيَّة التكفير رغم وقوعها تحت وطأة الاضطهاد والقمع السِيَاسيَّيَن؛ وهو ما يدلُّ على أنَّ الاضطهاد السياسيّ ليس سبباً رئيسيَّاً في إنتاج ظاهرة التكفير، وإن كانت جميع أشكال الاضطهاد أو القمع السياسيِّيَن تستولد كبتاً واحتقاناً اجتماعيَّاً ونفسياً وسياسياً... قد ينفجر عنفاً دينيَّاً أو غير دينيّ، لكنَّه في أحيان عديدة قد يتوسَّل بالدينيّ لتبرير العُنف الذي يقوم به وشرعنته.
أمَّا فقدان الثِّقةِ بالعلماء الرسميِّين، فيُمكن القول إنَّ هذا الأمر قد يصّح فيما لو كان جميع العلماء الرسميِّين على درجةٍ عاليةٍ من الوعي والورع الدينيِّين. لكن ماذا لو كان بعض هؤلاء العلماء ممَّن ينزلقُ إلى ممارسةِ شكلٍ أو آخرَ من التكفير ولو المستَتِر منه، وليس بالضرورة أن يُمارس هذا التكفير تِجَاه الحكّام وأرباب الدولة، بل قد يُمارس ذلك تِجَاه فئاتٍ أُخرى من المسلمين، وخصوصاً إذا ما كانت الصِّراعات السياسيَّة تدفع بأولئك الحكّام إلى استنبات جميع ألوان العصبيَّات والتي منها المذهبيَّة، فيُصبح ـ والحال هذه ـ أولئك العلماء الرسميِّين إحدى أهمّ أدوات الصِّراع السياسيِّ، وخصوصاً أنَّ الحكّام هم أولياء نعمتهم، وأنَّ أرزاقهم ـ كما يَعتقدون ـ بيدهم، وهذا ما نَلحظه في العديد من الأنظمة، حيث تحوّل العالم فيها إلى صوت للفتنةِ ومستنهِضٍ للعصبيَّة، يَنطق بها ما كان للسلطان غرضٌ بها، حتَّى إذا بدّل غرضه تغيّر منطِقَه (3) .
________________________________________
(2)- التكفير: جذوره، أسبابه، مبرّراته، دار المنارة، جدّة، 1992م، ط3، صص 45 141.
(3)- مقالات على طريق الوحدة الإسلامية، إعداد جمعية علماء البقاع، دار المحجَة البيضاء، بيروت، 2008م، ط1، ص 289.

[الصفحة - 115]


وفيما يرتبط بأخْذِ الأحكام من القرآن مباشرةً، فلا بدّ من القول أنَّ إشكاليَّة الفهم للنصِّ الدينيِّ لا تكمن فقط في القرآن الكريم، بل تشمل أيضاً السنَّة؛ لأنَّ من يتوسَّع في التكفير لا يستند فيما يذهب إليه إلى القرآن الكريم فقط، بل هو يَستند أيضاً إلى السنّة ويَعتمد على العديد من الروايات ذات الصِّلَة، والتي يُقدِّم لها تفسيراً يَنسجم مع ما يراه من التوسّع في التكفير. صحيحٌ أنَّ الفهمَ الصحيح للقرآن الكريم يحتاج إلى زادٍ وافرٍ من العلوم والمقدِّمات ذات الصِّلة، لكن الأمر نفسه يَنطبق فيما يرتبط بالسنّة، وإنَّ من يُمارِسَ نوعاً من التعسّف في تفسير القرآن الكريم، يُمارِس الأمر نفسه فيما يرتبط بالسنّة، وبالتالي لا فرق بين القرآن الكريم والسنّة فيما يرتبط بإشكاليَّة التوسّع في التكفير واستسهاله.
رأي القرضاوي في أسباب ظاهرة التكفير
يُرجع الشيخ القرضاوي أسباب ظهور تيَّار التكفير إلى ما يلي:
أـ انتشار الكفر والرِدَّة الحقيقيَّة جهرةً في مجتمعاتنا، وممارستهم للكفر والردّة بكلِّ جرأةٍ واستخدام وسائل الإعلام في نشر الكُفر دون زاجرٍ من أحد.
ب ـ التَّساهل الذي يُبديه بعض العلماء مع هؤلاء الكَفَرة، وعدّهم في المسلمين، مع أنَّهم خارجون عن الإسلام.
ج ـ ممارسة الاضطهاد لحاملي الفكر الإسلاميِّ والتضييق عليهم.
دـ عدم تعمّق العديد من الشباب ـ ممّن يُمارِس التكفير ـ بالإسلام، وقلّة معرفتهم فيه وفي فقهه وأصوله وعلومه (4) .
وفي مقام مناقشة هذه الأسباب، لا بدّ من القول:
أولاً، فيما يرتبط بانتشار الكفر والرِدَّة الحقيقيَّة في مجتمعاتنا الإسلاميَّة، فهو ما سوف يؤدِّي تلقائيَّاً إلى تصنيف كلِّ من كفَرَ أو ارتَدَّ في خانة الكفر والرِدَّة، ولكن الكفر الذي تنطبق عليه ضوابط الشرع وقواعد الدِّين مجاله محدودٌ جداً، مقارنةً مع ما يذهب إليه دُعاة التكفير أو التكفيريِّون، ولذا سوف يكون من يُصنَّف
________________________________________
(4)- القرضاوي، ظاهرة الغلو في التكفير، ص 18 19 (عن: الشيباني رضوان أحمد شمسان، الحركات الأصولية الإسلامية في العالم الغربي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005م، ط1، ص242).

[الصفحة - 116]


في دائرة الكفر ـ بناءً على تلك الضَّوابط والقواعد ـ قليلٌ جداً مقايسةً مع ما يذهب إليه أولئك، وهذا المستوى لا يُبرِّر ظهور تيَّار من التكفير الذي يُمارَس تِجَاه الكثير من المسلمين، ويُخرج الكثير من المجتمعات الإسلاميَّة ومذاهبَ إسلاميَّة بأكملِها من الإسلام.
ولذا، فإنَّ تحّول التكفير إلى تيَّارٍ يَجرف في وحوله الكثير من المسلمين والمُجتمَعات الإسلاميَّة يَكمن بشكلٍ أساسٍ في أسبابَ أُخرى. وكون النصِّ الإسلاميِّ (القرآن والسنّة) قد تحدّث عن الكفر لا يبرّر ظهور هذا التيَّار التكفيريّ الجارِف، وتوسّعه غير المنضبِط في التكفير، واستسهاله واستسهال ترتيب آثاره عليه.
ثانياً، وفيما يرتبط بالسَّبب الثاني، يُمكن القول إنَّ التَّساهل الذي قد يُبديِه بعضٌ من العلماء مع من يَخرج من الإسلام ويرتدَّ عنه ليلتحق بالكفر، نتيجته جعل أولئك العلماء في دائرة النَّقد أو النُّصح أو غير ذلك؛ وليس أمراً ضروريَّاً ولازماً لذلك التساهل أن يَتمَّ التوسّع في التكفير، والتفلّت من كثيرٍ من ضوابطه بما يُؤدِّي إلى إطلاق العنان لأحكام التكفير بحقِّ الكثير من المسلمين وإخراجهم من ربقة الدِّين.
ثالثاً، في موضوع ممارسة الاضطهاد لحاملي الفكر الإسلاميِّ، لا بدّ من القول إنَّه ليس أمراً ضروريَّاً أن يترتّب عليه ظهور التكفير أو التوسّع فيه واستسهاله؛ لأنَّ هذا الاضطهاد قد يترتّب عليه انفعالات نفسيَّة أو رَدّات فعلٍ ما تدخل في إطار الدِّفاع عن النفس في مقابل هذه السلطة أو تلك، ومعاملتها بالمثل أو غير ذلك، لكنَّه لا يَرتقي إلى درجةٍ يكون معها مسبِّباً للتكفير ومولِّداً له؛ أي قد يكون هذا الاضطهاد الذي تُمارسه السلطات تِجَاه الإسلاميِّين والتضييق عليهم عاملاً مساعداً على ظهور التكفير أو التوسّع فيه، وليس سبباً منتِجَاً لظاهرته وللتفلِّت من قواعده وضوابطه.
________________________________________

[الصفحة - 117]


الدكتور رضوان الشيباني
ويُضيف د. رضوان الشيباني أسبـاباً أُخرى لظهور تيَّـار التكفير يُمكن اختصارها بما يلي:
أ ـ عدم وجود مرجعيَّة دينيَّة يُمكن أن تكون محلَّ قبولٍ من جميع الأطراف والتيَّارات الإسلاميَّة، وتكون مستقلّة عن السلطة وتأثيرها عليها ممّا يُؤدِّي إلى الإنفلات في تفسير النصوص الدينيَّة (القرآن والسنّة)، وهو ما يقود إلى أكثر من فهمٍ خاطئ، كما في موضوع التكفير.
ب ـ غياب تيَّار الاعتدال في الحركات الإسلاميَّة، حيث لا يجد لنفسه قبولاً، لا من قِبَل السُّلطة، ولا من قِبَل العديد من تلك الحركات الإسلاميَّة نفسها.
ج ـ غياب الشورى (الديمقراطيَّة) وانقلاب بعض الحكَّام عليها، ممّا حدا بتلك الحركات الإسلاميَّة إلى ممارسةِ العُنف كخيارٍ بديلٍ عن الخيار الدِّيمقراطيّ.
دـ الوعود التي يُطلِقها الحكّام بتطبيق الشريعة الإسلاميَّة، ثمَّ نكثِهم بهذه الوعود، ممّا أدَّى إلى عدم الوثوق بهؤلاء الحكّام (5) .
وفي مقام مناقشة ما ذكره من أسباب، ينبغي القول:
أولاً، فيما يَرتبط بعدم وجود المرجعيَّة الدينيَّة الواحدة والمستقلَّة، فلا بدّ من القول إنَّ هذا الموضوع له أثرٌ كبير فيما خصّ قضيَّة التكفير والتوسّع فيه والانفلات من ضوابطه؛ لأنَّ من شأن تلك المرجعيَّة ـ فيما لو وجدت ـ أن تكون بمستوى متقدِّم من الزَّاد العلميِّ في العلوم الإسلاميَّة والزَّاد الخُلُقيّ من الورع والتقوى وغير ذلك، ممّا يجعل آراء تلك المرجعيَّة أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ؛ لكن يجب أن نَعطف الكلام عندها إلى تلك المرجعيَّة نفسها والشروط التي يجب أن تتوفّر فيها والمواصفات التي يجب أن تنطبق عليها، حتَّى تكون أكثر قدرةً على مقاربة النصِّ الدّيني مقاربة صحيحة، وأقرب تعبيراً عن فحوى ذلك النصّ دون أن تشتري به ثمناً قليلاً، أو تأخذها في الله لومة لائم، وأبعد عن التأثر بأية كوامنَ أو
________________________________________
(5)- م ن، ص 242 243.

[الصفحة - 118]


خلفيَّة ثقافية أو اجتماعيَّة أو تاريخيَّة... تدفع باتِّجاه ممارسة أكثر من إسقاط على النصّ الدّيني، وخصوصاً في موضوع العصبيَّات الطائفيَّة والمذهبيَّة، ومحاولة تلبّسها باللباس الدّيني والتعبير عن نفسها من خلال التكفير وغيره.
ثانياً، وفيما خصّ تيَّار الاعتدال في تلك الحركات، يجب أن نرى معيار ذلك الاعتدال، وأين يتبدَّى؟ هل يتبدَّى في الموقف من الحكّام، أم المجتمعات المتجانسة مذهبيَّاً، أم المختلفة مذهبيَّاً أو طائفيَّاً... ولذا، يجب أن نقِفَ بدايةً عند مفهوم الاعتدال ومعاييره لنملك أولاً، الأدوات المعرفيَّة لتقييم تلك الحركات الإسلاميَّة وصلاحيَّة دخولها في وصف الاعتدال أو عدمه؛ لنرى بعدها الفضاء الذي يَظهر فيه ذلك الاعتدال.
ثمَّ إنَّ جُلَّ ما يُمكن أن يؤدِّي إليه تغييب تيَّار الاعتدال، هو الدَّفع باتِّجاه التشدّد سواءً على مستوى الممارسة أو اللغة أو المواقف... وإفساح المجال أكثر أمام التيَّارات المتشدِّدة، ممَّا يؤدِّي إلى إيجاد بيئةٍ أكثر استعداداً لممارسة العنف سواءً على المستوى السياسيّ أو غير السياسيّ؛ وليس من الضروريِّ أن يقود ذلك إلى ممارسة التكفير سواءً منه المذهبيّ أو السياسيّ أو الاجتماعيّ، باعتبار أنَّ موضوع التكفير يَرتبط أساساً بإشكاليَّةٍ فكريَّةٍ وثقافيَّةٍ ومنهجيَّة، نعم يُمكن أن يكون تغييب تيَّار الاعتدال على مستوى مضاعفاته عاملاً مساعداً على ظهور التكفير وانتشاره.
ثالثاً، وفي غياب الشورى (الديمقراطيَّة) وانقلاب الحكّام عليها، لا بدّ من القول بدايةً، أنَّه توجَد مفارقات عديدة بين الشورى والديمقراطيَّة، وليسا مفهومين مترادفين. نعم إنَّ انقلاب بعض الحكّام على نتائج الخيار الديمقراطيّ ـ فيما لو كان لصالح الحركات الإسلاميَّة ـ قد يؤدِّي إلى سيادة العنف بين السلطة وتلك الحركات الإسلاميَّة، وهذا ما حصل في العديد من الدول الإسلاميَّة؛ لكن ليس من الضروري عندها أن تُبادر تلك الحركات ـ كردِّ فعلٍ على عدم إعطائها السلطة ـ إلى ممارسة التكفير؛ لأنَّها قد تلجأ إلى العنف من أبوابٍ أُخرى غير التكفير، كأن
________________________________________

[الصفحة - 119]


يكون العنف ـ بنظرها ـ هو المدخل الوحيد للحصول على حقِّ مزاولة السلطة أو غير ذلك، نعم قد تتحوّل ممارسة الإقصاء السياسيّ وغير السياسيِّ لتلك الحركات إلى عاملٍ مساعدٍ يَدفع تلك الحركات إلى الوقوع في إشكاليَّة التكفير، سواءً لتلك السلطة أو غيرها.
أمَّا القول بأنَّ ممارسة الإقصاء السياسيِّ عن السلطة لتلك الحركات الإسلاميَّة يؤدِّي بالضرورة إلى التكفير (أي إنّه سببٌ مباشر وضروري للتكفير)؛ فهو كلام غير صحيح، ولا تُساعد عليه الوقائع، حيث مورس أكثر من إقصاء سياسيٍّ تِجَاه بعض الحركات الإسلاميَّة ـ رغم أنَّ نتيجة العمليَّة الديمقراطيَّة كانت لصالحها ـ ولم تقع في إشكاليَّة التكفير، ولذلك لا يُمكن الارتقاء بموضوع الإقصاء السياسيِّ إلى أبعدَ من كونه عاملاً مساعداً، فيما لو توفَّرت الأسباب الأساسيَّة والحقيقيَّة لاستنبات التكفير وظاهرته.
أمَّا في الوعود التي يُطلقها الحكَّام بتطبيق الشريعة الإسلاميَّة، ثمَّ ينكثون بتلك الوعود؛ فينبغي القول إنَّ هذا لا يؤدِّي بالضرورة إلى التكفير وتحولّه إلى ظاهرة، وما نقصده هنا تلك الدائرة من التكفير التي ترتبط بالجانب الاعتقاديّ، وتُخرِج من الإسلام؛ نعم بناءً على توسعة أو سِعَة مفهوم الكفر يُمكن أن ينطبق على هذا المورد أو غيره، لكن لا يكون المقصود به الكفر الاعتقاديّ، إنَّما يكون المقصود به متعلَّق آخر من متعلَّقات الكفر، وليس هو المقصود ببحثنا هذا.
نعم يُمكن القول إنَّ سوء تعامل السلطة مع الحركات الإسلاميَّة، سواءً على مستوى الاضطِّهاد أو نكث الوعود في موضوع الشريعة وغيرها أو تهميش التيَّارات المعتدِلَة فيها؛ كلّ ذلك لا يُمكِن عدّه سبباً أساسيَّاً ولازماً، يؤدِّي بالضرورة إلى جنوح تلك الحركات إلى ممارسة التكفير المُنفَلِت واستخدامه كسلاحٍ في مواجهة تلك السلطة، إنَّ جلّ ما يؤدِّي إليه تعامل السلطات والحكومات مع الحركات الإسلاميَّة هو أن يتحوّل هذا التعامل ـ والذي يَختزِن الكثير من الاضطِّهاد وعدم الاعتراف ـ إلى عاملٍ مساعدٍ بشكلٍ أو آخرَ على الوقوع في إشكاليَّة التكفير.
________________________________________

[الصفحة - 120]


ولذلك نجد من الحركات الإسلاميَّة من لم يقع في ذلك التكفير رغم ما لَقيَِه من اضطِّهاد وتهميشٍ، حتَّى أصبح محلاً للنقد أو الاتِّهام بأنَّه قصَّر في موضوع التكفير، وكان يجب أن يعمَدَ إلى إخراج أولئك الحكّام من الملِّة إلى دائرة الكفر. ومن هنا يُحاول الشيخ القرضاوي تقديم دفاعه عن الإخوان المسلمين الذين اتُّهِموا بأنَّهم لا يُسارِعون إلى تكفير الحكّام الذين لا ينفّذون شرع الله تعالى ولا يحكمون بما أنزله الله تعالى؛ ويرى بأنَّ الأخوان لهم أصول يرجعون إليها في تقييم الحكّام والحكم عليهم وأنَّهم لا يَخرجون عن هذه الأصول في تعاملهم مع أولئك الحكّام، والتي منها أنَّ التكفير أمرٌ خطيرٌ يترتّب عليه جملة من الآثار الخطيرة، بأن يَتمَّ إخراجه من الإسلام ويفرَّق بينه وبين زوجه ويُهدَر دمه ويَحلُّ قتله، ولذلك لا يَجوز التساهل في قضيَّة التكفير وإطلاق الأحكام على عواهنها دون الاعتماد على الأدلّة القاطعة والبراهين الواضحة. ثمَّ يَعضد ما قاله بما ذكره الأستاذ البنّا من عدم تكفير مسلمٍ أقرّ بالشهادتين وعمل بمقتضاها برأيٍ أو معصيةٍ. ويذكر أيضاً بأنَّ التضييق في التكفير هو الاتِّجاه الذي يتبنّاه المحقّقون من علماء الأمّة من جميع مذاهبه (6) .
ملاحظات عامّة حول ظاهرة التكفير
يبدو ممَّا تقدَّم أنَّ العديد من الأفكار التي طُرِحَت حول أسباب التكفير حاولت مقاربةَ الموضوع ـ وبشكلٍ أساسيّ ـ من زاوية علاقة الحركات الإسلاميَّة بالسلطة أو الحكَّام، ليُطرَح السؤال تالياً حول الأسباب التي تدعو تلك الحركات إلى تكفير الحكَّام أو المجتمع الذي نعيش فيه، والذي يَقبل بأولئك الحكَّام... لكن توجَد مجالاتٌ أُخرى للتكفير ترتبط بالتكفير المذهبي أو الطائفيّ (الدّيني) (7) ، حيث يَعمَد البعض إلى تكفير مذاهب إسلاميَّة بأكملها ليُخرج مئات الملايين من المسلمين إلى دائرة الكفر، الذي يُبيح له ـ باعتقاده ـ هدر دمهم وممارسة كلِّ أعمال القتل بحقِّهم.
________________________________________
(6)- الأخوان المسلمون، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2001م، ط1، ص 357 358.
(7)- لا نريد في هذا البحث الخوض في إشكالية العلاقة مع الآخر الديني (غير المسلم)، وإن كانت إشكالية التكفير الذي يتبنَاه بعض أولئك التكفيريين تنال من الآخر الديني، بمعنى أنها ترتب جواز القتل على مجرد أنه غير مسلم.

[الصفحة - 121]


كما نجد أحياناً نوعاً من الخلط بين التطرّف والتكفير، كما بيَن الأسباب والعوامل حيث أنَّه وتحت عنوان «أسباب بروز ظاهرة التطرّف» ذُكر أنَّ عواملَ عديدة شاركت في بروز ظاهرة التطرّف والتكفير، وعُدَّ منها وجود التحدِّي الصهيونيّ في فلسطين، ووجود التحدِّي الأميركيّ والغربيّ وغزو بلاد المسلمين، والإعلام الغربيّ والصهيونيّ المسيء إلى الإسلام والمسلمين، وضعف المُمانعة لدى الحكَّام العرب والمسلمين تِجَاه المشروع الأمريكيّ والإسرائيليّ وانخراطهم فيه، وضبابيَّة موقف كِبَار علماء الإسلام (إلا القليل منهم) في تحديد الموقف من ذلك المشروع وأفعاله وأدواته وأساليبه، وأيضاً تركيز العلماء الرسميِّين على واجبات الأمَّة وإهمالهم لواجبات الحكَّام، والاضطِّهاد وسوء المعاملة التي تُلاقيها الحركات الإسلاميَّة من قِبَل الأنظمة في العالَمين العربيِّ والإسلاميِّ، وأيضاً استقالة كِبَار العلماء من مهامِّهم في توجيه الشباب المسلم، حيث أصبح هؤلاء الشباب يتلقَّون الفتاوى من قليلي الزَّاد في العلوم الشرعيَّة عبر الإنترنت وغيره، فأصبح هو المرجِع في توجيه أولئك الشباب (8) .
وهنا لا بدَّ من القول أنَّه فرقٌ بين التطرّف والتكفير، إذ ليس كلَّ تطرّفٍ بتكفير، فمن التطرّف ما يكون غير دينيّ؛ حيث إنَّ التطرّف الذي يُمارَس قد يكون في إطاره السياسيّ أو الاجتماعيّ وغيره، فليس من الضروريّ أن يكون التكفير أداةً للتطرَّف؛ كما ليس كلُّ تكفيرٍ تطرَّفاً، إذ إنَّ التكفير حقيقةٌ دينيّةٌ وليس فقط إسلاميَّة، لكن ما يُؤخَذ على بعض تلك الجماعات التكفيريَّة هو ممارستها للتكفير المُنفَلِت والتوسّع فيه واستسهاله واستسهال إخراج الكثير من المسلمين من الإسلام وترتيب آثاره عليه...
كما يُلحظ على ما تقدَّم التركيز على جملةٍ من العوامل الخارجيَّة التي ساعدت على نوعٍ من التطرّف أو التكفير، مع أنَّ الأسباب الأساسيَّة تكمن في مكانٍ آخر، فلو لم يكن لدينا قابليَّة على مستوى التُّراث والفكر والمنهج والبيئة الاجتماعيَّة وغيرها؛ لممارسة ذلك التكفير، ما كان لينمو ويترعرع في ثقافتنا ومفاهيمنا
________________________________________
(8) مجلة الوحدة الإسلامية، تجمَع العلماء المسلمين في لبنان، السنة السادسة، العدد 67، تموز 2007م، د. حلاق عبد الله، ظاهرة التطرَف الإسلامي في نظرة غير نمطية وسبل المعالجة، ص 8- .

[الصفحة - 122]


كمسلمين، ولذلك حريٌّ بنا أن نعود إلى الأسباب الأساسيّة التي تؤدِّي إلى وقوع البعض في التكفير المُنفَلِت، وممارسته بشكلٍ إجراميّ حتَّى داخل الإجتماع الإسلاميّ نفسه، هذه الأسباب التي تَعمل مجتمعةً على دفع بعض الأفراد أو الجماعات إلى الوقوع في فتنة التكفير؛ حيث يمكن أن نُجمِلَ تلك الأسباب بما يلي:
أسباب ظاهرة التكفير
أـ وجود تراثٍ تكفيري كبيرٍ تكوَّن على مدى عقودٍ بل قرونٍ من الزمان، نتيجة تداخل عوامل وأسباب عديدة أهمُّها ما يرتبط بالجانب السياسيّ، وتأثّر الجانب الدِّيني ببعض الظروف والعوامل السياسيَّة، ممَّا أدَّى إلى تشكّل كمٍ من ذلك التُّراث الذي يُكفِّر العديد بل الكثير من المسلمين، بمعنى أنَّه يُخرِجَهم من الإسلام، ليُبيحَ لنفسه القيام بمختلف أعمال القتل والإجرام بحقِّهم. وهذا ما قادَ إلى إيجاد تصدَّعات قويَّة في جسد الأمَّة الإسلاميَّة والمجتمعات الإسلاميَّة، مع ما أفرخه ذلك التُّراث من حقدٍ وعصبيَّات ومفرداتٍ ثقافيَّة لا تألو جهداً في النخر في وحدة الأمَّة الإسلاميَّة ومِنعَتها وقوَّتها.
إنَّ تقديم ذلك التُّراث التكفيريّ والإعلاء من شأنه، كان على حساب كتاب الله وسنَّة رسوله، ممَّا أدَّى إلى إنزال القرآن الكريم عن منزلته التي أنزله الله تعالى فيها، بكونه المصدر الأساسيّ والأوَّل الذي يَجب أن نعود إليه لفهم معالم الدِّين وشريعة ربِّ العالمين، وهو ما أدَّى أيضاً إلى إخراج السنَّة من الرُتبَة التي جعلها الله تعالى فيها؛ كلُّ ذلك لحساب ما سطَّره بعضٌ من الرجال، الذين يُمكِن أن يكونوا قد تأثَّروا بهوىً، أو ضلّوا عن هدىً، أو كان لهم فهمهم للدّين والشريعة الذي يَحتَمِل الخطأ؛ حيث أصبح تراث أولئك الرجال وما سطَّروه في مصنَّفاتهم هو المرجع على حساب القرآن الكريم والسنَّة، في حين أنَّ الله تعالى قد أمرنا بالرجوع إلى كتابه وسنَّة نبيِّه، وليس إلى ما قاله فلان أو علان مهما علا شأنه أو ذاع صيته.
________________________________________

[الصفحة - 123]


ب ـ من الأسباب الأساسيَّة ما يرتبط بالمنهج الذي يُعتَمَد في فهم الدِّين، أي في فهم القرآن الكريم والسنَّة، حيث إنَّ البعض يُمارِس أكثر من عمليَّة إسقاط معرفيّ على القرآن الكريم والسنَّة، نتيجةً لتأثّره بتُراثٍ تكفيريّ أو ثقافةٍ تحتضن فعل العنف والتكفير، وبالتالي هو لا يسعى إلى فهم النصِّ الدّيني كما يُريد ذلك النصّ أن يَنطق به، وإنَّما يسعى لتبرير ما لديه من آراء وقناعات من خلال الرجوع إلى ذلك النصِّ، أي هو لا يُقدِم على النصِّ ليَفهَمَ وليفقَهَ، بل هو يُقدِم عليه ليبرِّرَ ويُسوِّغَ ما فهِمَه مسبَقاً من تراثٍ ومصنِّفٍ لفلان أو فلان من الرجال.
وفي هذا الحال لا يبقى القرآن والسنَّة الأساس الذي يَعتمد عليه لمحاكمة هذا التُّراث أو ذاك، بل يُصبحُ الملجَأ الذي يُقصَد لإضفاء الشرعيَّة على أفكارٍ محسومةٍ سلفاً، ويضحى الأساس عندها ذلك التُّراث الذي يتحكَّم في فهم القرآن الكريم والسنَّة، ليُمارِسَ أكثر من تعسّف في فقه النصوص الدينيّة وفهمِهَا.
كما أنَّ من عيوب ذلك المنهج الذي يَعمل على إعادة إنتاج الفهم التكفيريّ، أنَّه يَفتقِدُ إلى الحسِّ النقديّ للتُّراث، وهو ما أفقده القُدرَة على تلمّس عيوب ذلك التُّراث ومواضع الخلل فيه، ولعلَّ السبب يَكمُن في تعظيمه المفرِط للتاريخ والتُّراث، والذي حرَمَه من ممارسة ذلك النقد، والذي هو المدخل الضروريّ لتجاوز الهيمنة الفكريَّة التي يُمارسها ذلك التُّراث على العقول والثقافة، ممَّا يؤدِّي إلى اجترار فتنة التكفير وثقافتها.
إنَّ المطلوب هو تنقية التُّراث وتنظيفه من كلِّ ما علَقَ به من فطريَّات وشوائب، والتي لعبت العوامل السياسيَّة وغير السياسيَّة على إدخالها في ذلك التُّراث الإسلاميّ؛ وإلا فإنّه ما لم يُنقّى سيبقى ذلك التُّراث يجترّ نفسه فِتَناً وتفريقاً وتمزيقاً في جسد الأمَّة الإسلامية وبين جميع أبنائها.
ج ـ من الأسباب الأساسيَّة أيضاً ما يرتبط بالبيئة الثقافيَّة والاجتماعيَّة وغيرها، من تقاليدَ وعاداتٍ وأعرافَ ومفاهيمَ سائدةٍ وظروف سياسيَّة ولربَّما أيضاً مناخيَّة...
________________________________________

[الصفحة - 124]


وما تُنتجه من عوامل ومؤثِّرات تربويَّة، تجعل مجتمعاً ما أقرب إلى تقبّل فكرة العنف وممارسته، وأكثر استعداداً لتلقّف أو اجترار أيّ ثقافةٍ أو فكرةٍ تختزن فعل القسوة وممارسة الإلغاء تِجَاه الآخر، ولربَّما تكون تلك البيئة الثقافيَّة والاجتماعيَّة، وتلك الظروف والأوضاع بطريقةٍ تُعطي نتيجةً مختلفةً.
وبشكلٍ أوضح، فإنَّ مجتمعاً يُعاني من الفقر والاضطهاد والجهل والإنغلاق، قد يكون أقرب ليس فقط إلى تلقّف ثقافةِ التكفير وممارستها، بل أيضاً إلى إعادة إنتاج تلك الثَّقافة واجترارها وضخِّها وتسويقها، بل سوف يكون أقرب إلى تحميل هذه الثقافة ـ التي تكون في هذا الحال بمثابة الخلفيَّة التي سوف تتحكَّم في فهمه ـ للنصِّ بل وأيضاً للمنهج الذي يَعتمد.
العلاج، طرق عملانيَّة
إنَّ هذه الأسباب التي ذكرنا تتكاتف فيما بينها لإنتاج ثقافة التكفير وفقه التكفير، حتَّى أضحت السِمَة الأساسيَّة لبعض الجماعات هي تكفير للمسلمين وهدر دمائهم (9) ، ولذا، فإنَّ علاج ظاهرة التكفير وثقافته يتطلَّب أولاً العودة إلى أسبابه التي تُنتِجه، حيث إنَّ علاج هذا الظاهرة وتعبيراتها يتطلَّب بدايةً علاج أسبابها، وهو يكمن في ما يلي:
أولاً: يجب أن يُعمَد إلى ذلك التُّراث التكفيريّ بهدف تشريحه وتفكيكه ونقده، ومحاولة تعريته من أي نظرةٍ قداسويَّة تهدف إلى جعله متعالياً على النقد، إذ إنَّ هذا التُّراث تشكَّل في معظمِه متأثِّراً بظروف ومعطيَات غير صحيَّة، سياسيَّة أو غير سياسيَّة، وبخلفيَّات ثقافيَّة لا يُمكن الإدِّعاء بكونها خاليةً تماماً من شوائب غير إسلاميَّة، وهو ما أدَّى إلى إنتاج تُّراثٍ مشوَّه في العديد من مفاصله ومعطيَاته، وتُّراثٍ هجينٍ في العديد من أفكاره ومضامينه، والتي منها قضيَّة التكفير لعموم المسلمين أو الكثير منهم. ولذلك لا يُمكن علاج ظاهرة التكفير المُنفَلِت، ما لم يُعمَد إلى تعطيل ذلك التُّراث التكفيريّ وتفكيك ألغامه، التي ما
________________________________________
(9)- انظر: المالكي حسن بن فرحان، داعية وليس نبياً، دار الرازي، عمان الأردن، 2004م، ط1، ص 133 137.

[الصفحة - 125]