البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التشيّع في قراءات هنري كوربن مراجعة في الأُصول والمبتَنيات

الباحث :  أمداد توران
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  53
السنة :  السنة الرابعة عشر ربيع 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  196
التشيّع في قراءات هنري كوربن
مراجعة في الأُصول والمبتَنيات

أمداد توران (*)

ترجمة: محمد عبد الزراق

توطئة
يرمي هذا المقال إلى التنقيب في نظريّات (هنري كوربن) حول التشيّع، فقد حاول كوربن الربط بين مفهوم التشيّع والنزعة العرفانيّة في إيران، لذا سعى في ذلك إلى رصد نقاط الاشتراك بين التشيّع وتعاليم إيران القديمة. وقد اتّخذ منهجاً خاصاً به يلجهُ من بوّابة (عالم المثال)، وفرض حضور هذا المفهوم على جميع أصعدة الاتِّجاه العرفانيّ في بلاد فارس لا سيّما في مجال التشيّع الاثني عشري، وفسّر الكثير من الظواهر والتعاليم وفقاً لمفهوميّة عالم المثال. وسنتطرّق في بحثنا الحالي إلى ذكر آراء كوربن وتفسيراتهِ لبعض التعاليم الشيعيّة، ومن ثمَّ التعليق عليها بالنقد والتحليل.
لعلّ من أبرز الإشكالات التي تُواجه كوربن في هذا الباب، هو تجاهل أسبقيّة العرفاء أو المتصوّفة العرب في التأسيس لمفهومه (عالم المثال) من قبيل: ابن عربي، أو أسبقيّة الإيرانيين السنة أمثال السهرورديّ. يُضاف إلى ذلك التعارض الموجود في بعض مبتنَيات كوربن لأُسس وعقائد التشيّع، الأمر الذي أفقد بعض تلك الآراء قيمتها العلميّة.
________________________________________
(*)طالب دكتوراه ـ قسم الفلسفة بجامعة طهران.

[الصفحة - 39]


عناصر البحث
مقدّمة
لعلّ المتبادر من عنوان (التشيّع في قراءات هنري كوربن) أن يتناول كوربن الموضوع ـ كسائر المستشرقين ـ بحياديّة تامّة وأساليب منهجيّة حديثة هدفها الحقائق العلميّة والتاريخيّة، لكنّ الواقع يسجّل أمراً مغايراً لهذا كلِّه؛ فبغضِّ النظر عمّا وجّهه من نقود صريحة إلى أساليب النقد التاريخيّ، فإنّ كتاباته إلى جانب شهادات المُعاصرين لـه ومن لهم معه حوارات ولقاءات طويلة، كالعلاّمة الطباطبائيّ (1)، تُشير إلى أنّه لم يكن حياديّاً فحسب، وإنّما كانت آراؤه تصدر عن ميولٍ جامحة وبتأثّر مسبَق ببعض المضامين الشيعيّة، أو ما أدّعى هو شيعيّتها، فنأتْ به كثيراً عن الواقع.
وعلى الرغم من أنّ ظاهرة الانجذاب نحو التعاليم الشرقيّة والإسلاميّة ليس بالأمر الجديد على العلماء الفرنسيين، إلاّ أنّ الاهتمام بالفكر الشيعيّ هو الفصل الجديد الذي تسجّل زيادته ـ دون شك ـ باسم كوربن. كما لا ننسى فضل هذا المستشرق في فتح آفاق جديدة أمام مفكّري إيران الجُدد في دراساتهم عن التشيّع.
ومع ما يحظى به كوربن من حفاوة وإطراء في إيران، علينا أن لا ننسى أنّه ـ كسائر البشر ـ معرّض لميولات ذاتيّة قد تدفعه إلى إبراز ما هو مطلوب في مخيّلته الشخصيّة؛ ولهذا نلحظ في كتاباته مصادرةً لبعض الجوانب الأُخرى في التشيّع ـ كالسياسة والاجتماع ـ على حساب غرضه المنشود أعني البُعد العرفانيّ. هذا بالإضافة للصوَر المشوّشة في أُطروحاته عن العرفان الشيعيّ، وتشبّثه بالنادر الشاذّ من آراء الشيعة أو المخالف للإجماع، والذي قد يدّعي هو بدوره الإجماع فيه وتعميمه على كلّ علماء التشيّع. في حين أنّ هذا النوع من الاختلاف أمر طبيعيّ يحصل لدى سائر المذاهب والتيّارات، لكنّه لا يصلح لأن يُعبّر عن الرأي العام في ذلك المذهب. ولهذا لم نكتف هنا باستعراض آراء كوربن وحسب، بل سجّلنا بعض الملاحظات على ما أثبتناه له من حديثٍ وتصريح، فقارنّا بينها وبين ما ورد في آراء أبرز علماء التشيّع ممّن هم مراجع لعامّة الشيعة.
________________________________________
(1) ـ محمد حسين الحسينيّ الطهرانيّ، توحيد علميّ وعينيّ، 46ـ49، منشورات الحكمة، طهران 1410هـ.

[الصفحة - 40]


عالم المثال، نقطة الانطلاق
لقد أغفلت دراسات كروبن تاريخ العرفان الشيعيّ في العالم العربيّ، فناقشَ ماهيّة التشيّع من خلال (علاقة التشيّع بإيران)، فكانت نقطة البداية في دراساته تتمثّل في (عالم المثال) (2)أو (دنيا المثاليين).
يرى كوربن أنّ ثمّة عنصرٍ ثابت في تسلسل الفكر العرفانيّ في إيران، منذ عصور ما قبل الإسلام وحتّى المتأخِّر منها، وهو عنصر واحد تعاقب في مسمَيّات مُختلفة من قبيل (الخورنة) في فلكيّات الزرادشتيين، و(الإقليم الثامن) أو (عالم المثال) في كتابات علماء الإسلام كالسهرورديّ، والملا صدرا الشيرازيّ، والملا هادي السبزواريّ (3).
و(عالم المثال) هنا ليس هو (عالم المُثُل) الأفلاطونيّة، وإنّما هو الحدّ الفاصل بين عالم المُثل عند أفلاطون والعالم المحسوس، فهو برزخ مزدوج بين الاثنين، سواء في الاتِّجاه التنازليّ (من الوحدة إلى الكثرة)، أو في الاتِّجاه التصاعديّ (العودة من الكثرة إلى الوحدة)، فإن اتَّخذناه من الناحية التنازليّة سيكون برزخنا هو عينه مدينة (جابلقا)، أي عالم المثال المقدَّم على العالم الجسمانيّ، أمّا إذا كان المقصود هو الجانب التصاعديّ فعالمنا سيكون مدينة (جابلسا)، وهي مرحلة عالم المحسوسات. إذن، فجابلسا عالم ما بعد الموت وعالم الأجسام المثاليّة، حيث تظهر في هذا العالم صور كلّ ما هو مكنون في سرائر النفوس، سـواء كانت نوايا خيّرة أو شـريرة، فتتَّخذ ما يناسبها من أشكال ومُثل، وتتجلّى جميع تلك الصور في الجسم المثاليّ وكأنّه مرآتها الصقيلة (4).
لقد أعوزتنا الحلقة المفقودة في سلسلة مراتب الوجود إلى عالم المثال، فهو برزخ بين العالم المحسوس والعالم المعقول، أي أنّه يتوسَّط وجودين هما وجود المعقولات ووجود المحسوسات، فيعمل على الربط بين العالَمين زمنيّاً دون أن يكون لـه تعلّق بأحدهما. ووفقاً لذلك تتجسّم الروح المرتبطة بعالم المعقولات، وتتجرّد المادّة المتعلِّقة بعالم المحسوسات.
________________________________________
(2)ـ قد لا يختلف مفهوم (عالم المثال) كثيراً عمّا هو ثابت في المنظومة الإشراقيّة أو الحكمة المتعالية، وإن تنافى عنهما في بعض الأحيان وتعليقاً على توضيح مفهوم عالم المثال نذكر التعاريف التالية: عالم المثال: ويعرف أيضاً بـ (عالم الخيال) و (عالم البرزخ)، وهو عالم حقيقيّ يأتي عقب مرتبة تجرّد الأرواح، تتراوح فيه صدور الأشياء بين التجرّد والمادّة، ولعالم الخيال درجتان: أ) الخيال المطلق (المنفصل): وله استقلال وجوديّ عن الإنسان وقواه المدركة، ويُطلق عليه أيضاً (المثال المطلق) و(الخيال المنفصل)، ولا تتعدّى إمكاناته في تجسّد الأرواح أو تجرّدها ومشاهدة الذوات المجرّدة صور الأشباح الجسمانيّة. وتكون صور الأشياء فيه دائماً مطابقة للواقع. ب) الخيال المقيّد (المتّصل): وهو المرتبط بقوى البشر الإدراكيّة، وقد يطابق الواقع أحياناً وقد يخالفه في أحيان أُخر، ولهذا تدخل في هذا العالم المحالات، بالإضافة للرؤى وبعض المكاشفات. كما يقسّم عالم الخيال ـ ذلك البرزخ بين الأرواح والأجسام ـ أيضاً إلى (عالم البرزخ والغيب الممكن)، وهو مقدّم على عالم المادة ومسانخ للتجرّد الوجوديّ، وإلى (عالم البرزخ والغيب المحال)، وهو عالم ما بعد الموت، ويأتي مطابقاً لأعمال الإنسان وسنخيّتها. فمن يلج العالم الثاني أي (عالم البرزخ والغيب المحال) لن يكون باستطاعته العودة، من هنا، يكون عالم الخيال والمثال متكفّلاً بتجسّد الأرواح نزولاً، وبتجرّد الأجساد صعوداً. أُنظر: سعيد رحيميان، التجلّي والظهور في العرفان النظري، 280ـ281، نشر مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1376هـ.ش.
(3)ـ داريوش شايكان، هانري كربن، آفاق تفكر معنوي در إسلام إيراني (هنري كوربن وآفاق العرفان في الإسلام عند الإيرانيين)، 83ـ84، ترجمه إلى الفارسيّة باقر برهام، نشر فرزان، طهران 1373هـ.شمسي.
(4) ـ المصدر السابق، 90ـ91.

[الصفحة - 41]


إذن، فدور عالم المثال في سلسلة المراتب الوجوديّة هو خلق تواصلٍ وترابطٍ بين مرتبتين وجوديَّتين أحدهما سابقةٌ له والأُخرى لاحقة (5).
ينطلق كوربن من محطّة عالم المثال مُستكشفاً أربعة مسارات في عرض واحد على صعيد الفكر الإسلاميّ في إيران، وليست تلك المسارات متعاقبة فيما بينها أو مكمِّلة لبعضها الآخر، وإنّما هي عبارة عن أربعة خطوط متوازية تلتقي في الشكل والمضمون، وتتَّحد في الكليّة.
بعبارة أُخرى، يُمكن تشبيهها باللحن الموسيقيّ الواحد الذي من المُمكن عزفه على آلات متعدِّدة. والمسارات هي:
1ـ من النبوّة إلى الولاية.
2ـ من أصالة الماهيّة إلى أصالة الوجود.
3ـ من التخيّل العرفانيّ وحتّى تحقّقه في النفس.
4ـ من العشق الإنسانيّ إلى العشق الربّانيّ.
وينصّ كوربن على إمكانيّة رصد المفاهيم أعلاه في أربعة مصاديق، هي:
1ـ الجانب البيانيّ والحكمة النبويّة، كما في تفسير شمس الدين محمد اللاهيجي على (كلشن راز) للشبستريّ.
2ـ الجانب الفلسفيّ أو الوجوديّ، كما هو عند المُلا صدرا.
3ـ الجانب الروائيّ في قصص الخيال العرفانيّ، كالذي كتبه ابن سينا في حيّ بن يقظان، ورسالة الطير، وحكاية أُبسال وسلامان، أو ما ورد في مؤلَّفات السهرورديّ من قبيل: رنّة جبرئيل، غربة الغريبة ومؤنس العشّاق.
4ـ جانب الحبّ والعرفان، كما في (كشف الأسرار) الذي جمع فيه روز جهان البقليّ الشيرازيّ مكاشفته العرفانيّة في باب تجليّات الجمال الإلهيّ.
وتلتقي المسارات الأربعة في مركز عالم المثال سواء كان عالماً للمستحيلات أو للاستحالة، وفي هذا العالم تتمُّ الحركة بين هذه الاتِّجاهات، حيث يُعتبر كلّ واحد منها مرحلة تحوّل من نشأة إلى أُخرى. ففي مقام الوحي
________________________________________
(5) ـ المصدر السابق، 87.

[الصفحة - 42]


والتنزيل تُعدّ المرحلة اللاحقة بداية جديدة، أي تفسيراً لاتِّجاه الولاية، الذي له وجود في مقابل ماهيّة الأشياء، وهو مفاجأة الحدث على صعيد الرواية النابعة عن حكايتها، أي من صميم الذات، حتّى نصل إلى مرحلة استبدال العشق الإنسانيّ بالعشق الربانيّ. إذن، نحن في كلّ الأحوال أمام مفهومٍ واحد يعني التحوّل والانقلاب الروحيّ، سواء كان الأمر متعلِّقاً بالعودة والبداية، أم استحضار الوجود, أو تجربة ذاتيّة تُفصح عن جوهر الروح، بعبارة أُخرى، إنّ كلّ ذلك حاصل في برزخ عالم المثال.
ويصاحب كلّ اتِّجاه (مرشد) يناسب مع رؤاه ـ سواء كان اتِّجاهاً نبويّاً، أو وجوديّاً، أو روائيّاً، أو على صعيد العشق والعرفان فيتمثّل بصورٍ متعاقبةٍ تبدأ بوجود الإمام، ثم العقل الفعّال، ثم ملك الإشراق، وأخيراً المعشوق الأزليّ (6).
أولاًـ يُمكن استخلاص فحوى كلام كوربن في عبارة: إنّ جميع مسارات العرفان الإيرانيّ تلتقي في نقطة اشتراك إسمها (عالم المثال)، على الرغم من تعدّد الصور وتباينها في المضمون. وكان يجدر بكوربن أن يختصر كلّ ذلك عن طريق الإلهيّات، أو عن طريق نظريّات الوجود عند شيخ الإشراق، وروز جهان البقليّ، ومُلا صدرا، واللاهيجيّ، وما قال به الزرادشتيّون في الوجود، فيُقارن بين هذه الاتِّجاهات البارزة في بلاد فارس، مستوضِحاً نقاط اشتراكها في (عالم المثال).
لكن كروبن فضّلَ الطريق الملتوية على المستويَة، ووقع في جملة مطبَّات، منها جمعه بين المسارات الأربعة دون أن يقدِّم لها عنواناً جامعاً ينمُّ عن وحدتها الذاتيّة، حيث لا يمكن المقارنة بين المقولات المتباينة إلاّ من خلال ما يجمع بينها في مرتبة عليا.
فهل يمكن مقارنة فكرة مُلا صدرا الفلسفيّة في الانتقال من أصالة الماهيّة إلى أصالة الوجود, مع فكرة روز جهان البقليّ في رأيه في الانتقال من العشق الإنسانيّ إلى العشق الإلهيّ، وهي نقلة من ملَكة نفسانيّة إلى أُخرى؟!
________________________________________
(6) ـ المصدر السابق، 93ـ95.

[الصفحة - 43]


كما لم تثبت العلاقة الرابطة بين مرحلة الوحي والتنزيل ـ والذي أقرب ما يكون للمفهوم الهرمنطيقيّ ـ ومرحلة القصص العرفانيّة المتحقِّقة في ذات الإنسان، وهو عبارة عن حركة بين العوالم الروحيّة أو الحصول على التجارب العرفانيّة وفقاً لمفاد تلك القصص والحكايات.
وأدهى من ذلك، الإشكال الوارد على أُسلوبيّة كوربن في طرح النظريّة، فببساطة لا يُمكن تحديد ملامحَ واضحة لعالم المثال عبر هذه المسارات المقدّمة من قِبَله؛ ذلك أنّ عالم المثال عبارة عن مفهوم إلهيّ وجوديّ، وليست المسارات في شيءٍ من ذلك إطلاقاً، بل يُمكن أن تُفسّر من خلال نمط ترتيبها على أنّها مفاهيم تأويليّة، بمعنى التحوّل والانتقال من المعنى الظاهريّ إلى المعنى الباطنيّ، أو مفاهيم استدلاليّة ـ بالمعنى الفلسفيّ للكلمة ـ أو مفاهيم كشفيّة، بمعنى التجارب العرفانيّة المُكتسَبة، أو مفاهيم نفسانيّة، بمعنى الملكات الروحيّة.
ولهذا لا يُمكن ـ مثلاً ـ البتّ في دور عالم المثال خلال مرحلة الانتقال الفكريّ من أصالة الماهيّة إلى أصالة الوجود.
ثانياً ـ لم يكشف كلام كوربن عن المسارات الأربعة إلاّ عن مرحلة واحدة من التحوّل والانتقال، وهو ما يتحقّق في عالم المثال خاصّة؛ في حين أنّ أرباب تلك المسارات السلوكيّة كانوا قد بيَّنوا مراحل عديدة لمساراتهم في مقامات السير والسلوك العرفانيّ، حيث إنّ بين كلّ مرتبة ومرتبة واسطة تربط بين الأسفل والأعلى من المقامات. إذن، فإنْ كان الكلام حول المسار والحركة فهي لابدّ أن تكون متعدِّدة، وعليه لم يذكر كوربن سوى مقامٍ واحدٍ لكلّ مسار، هذا إن سلّمنا بوجود مرحلةٍ أو مقامٍ في كلّ مسار (يُدعى المثال)، بينما أُغفلت المراحل الأُخرى ممَّا يتعلَّق بالعوالم السفلى أو العليا.
فعلى سبيل المثال يستعرض روز جهان البقليّ ـ الذي قدَّم كوربن كتابه (كشف الأسرار) نموذجاً للمسار الرابع ـ أنواع العشق في كتاب (عبهر العاشقين)، فيقول: «أمّا العشق فعلى خمسة أنواع: نوعٌ إلهيّ وهو أعلى المقامات، وخاصّ
________________________________________

[الصفحة - 44]


بأهل التوحيد والمشاهدة؛ ونوع عقليّ وهو في عالم مكاشفات الملكوت، وهو خاصٌ بأهل المعرفة الحقّة؛ ونوع روحانيّ مختصٌ ببني البشر؛ ونوع بهيميّ عائد للأوباش من الناس؛ ونوع طبيعيّ لعامّة الخلق» (7).
يتّضح من ذلك ضرورة قطع أربعة مراحل للعبور من (العشق البهيميّ) إلى (العشق الإلهيّ)، وليس ذلك متحقِّقاً بمجرّد العبور من عالم واحدٍ كعالم المثال.
كذلك تحدّثَ مُلا صدرا ـ الذي أخذه كوربن نموذجاً للمسار الثاني ـ في رحلته من أصالة الماهيّة إلى أصالة الوجود عن أربعة أسفارٍ ذكرها في مطلع كتابه (الأسفار الأربعة)، وهي:
1ـ السفر من الخلق إلى الحقّ.
2ـ السفر بالحقّ في الحقّ.
3ـ السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.
4ـ السفر بالحقّ في الخلق.
إذن كيف سقطت أنواع العشق الخمسة مع الأسفار الأربعة من مقرّرات كوربن واستبدل كلّ ذلك بعالم المثال؟! والتساؤل قد يتجلّى أكثر إذا عرفنا أنّ (عالم العقول) أعلى وأشرف عند مُلا صدرا من (عالم المثال) (8)، كما أنّ العشق الإلهيّ والعشق العقليّ أرفع رتبة في نظر روز جهان البقليّ من الأنواع الأُخرى التي قد يصنِّفها كوربن على عالم المثال أحياناً.
ثالثاً ـ لا يُمكن عدّ عالم المثال من مختصَّات الفكر العرفانيّ في بلاد فارس وحدها؛ فليس العلماء الإيرانيّون هم وحدهم من اهتمَّ بهذا المفهوم بل كان محطّ اهتمام العديد من العلماء في مختلف بقاع العالم الإسلامي، فهذا محيي الدين بن عربيّ الأندلسي وأتْبَاعه كانوا قد تطرَّقوا للموضوع بإسهابٍ، وأسماه ابن عربي بـ (عالم الخيال) و (عالم البرزخ)، وقد كانت نصوص ابن عربي في هذا الباب كافية لتمثِّل كتاباً مستقلاً بقلم محمود الغراب الذي نقل عن محيي الدين قوله: «ليست
________________________________________
(7) ـ روز جهان الشيرازيّ، عبهر العاشقين، 15، نشر منوجهري، طهران 1366هـ . شمسي.
(8) ـ صدر المتألّهين الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة1، 19، تصحيح وتعليق حسن زاده آملي، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، مؤسسة الطباعة والنشر ، طهران 1414هـ.

[الصفحة - 45]


معاني البرزخ من عالم (الغيب في شيء، فكثيراً ما تصدق على الصور الحسيّة، كما أنّها لا تدخل في مفاهيم عالم الشهادة؛ لأنّها معان مجرّدة. ولهذا كان عالم الخيال أوسع العوالم؛ لأنّه يجمع بين عالمين... هما عالم الغيب عالم والشهادة» (9).
أمّا داوود بن محمد القيصريّ ـ الذي يُعدّ من أهم المنظّرين لأفكار ابن عربي ـ فقد صنَّف العوالم الكليّة في الفصل الخامس من شرحه على فصوص ابن عربيّ إلى خمسة:
أـ عالم الأعيان الثابتة.
بـ ـ عالم أرواح الجبروت والملكوت، أي عالم العقول والنفوس المجرَّدة.
جـ ـ عالم المثال.
د ـ عالم الملك.
هـ ـ العالم الإنسانيّ وعالم الحقيقة (الإنسان الكامل)، وفيه تجتمع العوالم (10).
وقد خصّصَ القيصريّ الفصل السادس للبحث في عالم المثال (11).
رابعاً ـ لا يندرج (عالم المثال) حسب فلسفة ابن سينا تحت مفاهيم العرفان أو الإشراق، فلم يذكر المشّائيّون وفي مقدّمتهم ابن سينا الجوهر الحامل لخواصّ المادّة مع تجرّده عنها ـ أعني الجوهر أو الوجود المثاليّ ـ في عداد أقسام الجوهر.
وقد تقرَّر في فلكيّات ابن سينا أنّ واجب الوجود لا يصدر عنه إلاّ وجود واحد هو (العقل الأوّل)، وعنه يصدر العقل الثاني والفلك الأوّل بذاته وجسمه، كما يصدر العقل الثالث عن الثاني مع الفلك الثاني، وهكذا حتّى نصل للعقل العاشر أي (العقل الفعّال) الذي لا يُنتج عقلاً، بل الهيولي في عالم العناصر والصورة الجسميّة المُنطبَعة فيها (12).
من ذلك يتَّضح أنّه لا وجود لعالم المثال بين سلسلة مراتب الوجود في هذه المنظومة الوجوديّة، الأمر الذي قاد بعض الباحثين إلى القول بإنكار ابن سينا لعالم
________________________________________
(9) ـ محمود الغراب، الخيال عاالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، 13، مطبعة نصر، دمشق 1404هـ.
(10) ـ السيد جلال الدين الآشتياني، شرح مقدّمة القيصري على نصوص الحكم، 447ـ 448 و 445، مكتب النشر الإسلامي، قم 1365 هـ . ش.
(11) ـ المصدر السابق، 483 ـ 539.
(12) ـ السيد حسين نصر، الحكماء المسلمين الثلاثة، 33ـ34، شركة سهامي كتابهاي جيبي، طهران 1354هـ.ش.

[الصفحة - 46]


المثال، من قبيل جلال الدين الآشتياني حيث كتب يقول: «حقيقة الأمر أنّ ابن سينا أنكرَ وجود الخيال المنفَصِل، ولم يعتد بالعقلانيّة والبرزخيّة والمثاليّة في تقسيم الطبائع، كما أنكر أيضاً القوّة المتخيّلة وما يسمّى بـ (البرزخ المتَّصل) » (13).
إذن، كيف يُمكن تفسير قصص حيّ بن يقظان ورسالة الطير، وأبسال وسلامان عند ابن سينا وفقاً لعالم المثال كما فعل كوربن؟!
خامساً ـ لم تكن نظريّة كوربن في تصنيف تلك المسارات الأربعة مستوعبةً لجميع اتِّجاهات ومصاديق المذاهب العرفانيّة في بلاد فارس، فلم تُفصح النظريّة عمّا إذا كانت بعض الآثار الأُخرى أمثال: (منازل السائرين) للخواجة عبد الله الأنصاري، و(إحياء علوم الدين) للغزاليّ، و(التمهيدات) لعين القضاة الهمدانيّ و(منطق الطير) للعطار النيشابوريّ، تنطبق عليها الصفات والشروط المُلتزمة عند كوربن أم لا؟ أي أنّها اهتمَّت بعالم المثال أم لم تهتم؟ فإن لم تحتوِ على وجهٍ مشترَكٍ في هذا الجانب ـ وهو الظاهر حسب كوربن ـ إذن، كيف حصل أن غاب موضوع بوزن عالم المثال ولعدّة قرون عن أبرز كتابات المهتَمِّين بالتصوّف والعرفان ليظهر بعد ذلك دفعةً واحدةً على لسان السهرورديّ في القرن السادس؟!
التاريخ القدسيّ
يرى كوربن أنّ التاريخ القدسيّ هو ذلك التاريخ الذي تسمو وقائعه على التجربة والمادّة والمشاهدة، وهو التاريخ الذي لا يُمكن تسجيل حوادثه أو نقدها. حيث إنّ وقائع هذا التاريخ ليست تاريخيّة إلاّ أنّها ليست وهميّة أو أُسطوريّة في الوقت ذاته، وإنّما هي وقائع مثاليّة (imaginal) تحصل في عالم المثال وموطنه النفس الإنسانيّة.
إذن، فكلّ ما يقع في التاريخ القدسيّ له حقيقة واقعيّة في نظر كوربن، لكنّها ليست من باب واقعيّة العالم الجسمانيّ. إنّ وقائع التاريخ القدسيّ وقائع معنويّة بكلّ ما تحمل هذه اللفظة من دلالة. وهي حوادث محلّها ما وراء التاريخ ـ في يوم
________________________________________
(13)ـ الآشتياني، شرح مقدّمة القيصري على نصوص الحكم، 524، مصدر سابق.

[الصفحة - 47]


(ألسْتُ) ـ أو أنّها تظهر في غضون هذا العالم لتتمخّض عنها واقعيّة غيبيّة تعجز عن إدراكها التجربة الماديّة.
يعتقد كوربن باستحالة درك نبوّة الأنبياء وإمامة الأئمّة بعيداً عن نافذة التاريخ القدسيّ، فهو التاريخ الذي يبدَأ من نقطة النبوّة حتّى استكمال الدائرة عند نقطة الولاية، فهو يعود إلى أصلهِ في خاتمة المطاف. إذن، نحن في التاريخ القدسيّ أمام حلَقة دائريّة منذ البداية (النزول) وحتّى النهاية (الصعود) وانغلاق الدائرة. وبما أنَّنا نتحدّث في التاريخ القدسيّ عن عودةٍ إلى نقطة البداية، فلابدّ أن يكون هناك حدّان تعود إليهما حوادث التاريخ المعنويّ، وهما حدّان موطنهما ما وراء التاريخ، وبعهدتهما تحويل التاريخ إلى التاريخ القدسيّ فيمنحانه معنى ذلك. أمّا حدّ البداية ـ حسب كوربن ـ فهو: يوم الميثاق الذي أخذ الله فيه من البشر عهداً بربوبيّته قبل الهبوط إلى (الناسوت)، والحدّ الآخر هو عند ظهور الإمام الغائب، والزمن الحاليّ هو زمن غيبته، ولهذا فإنَّ زمانه يختلف عن زماننا التاريخيّ، وتمثِّل حركة (زمان الغيبة) نحو (الظهور) دائرة الولاية المعقِّبَة لدائرة النبوّة(14).
وقفة نقديّة
أولاً ـ لا يحتمل أن يكون كوربن هنا ـ في أغلب الظنّ ـ بصدد عكس رؤية فرديّة أو مذهب من مذاهب الشيعة، في المقابل نراه يؤسِّس لهيكل فكرته (تاريخ الشيعة القدسيّ) بمجموعة من المفاهيم ليست من الثوابت المتَّفق عليها، فعمد إلى التنقيب في هذا الكتاب أو ذاك من فلسفة وعرفان أو كلام لاستخراج بعض النصوص وتنميقها بالإضافة أو الحذف، ثم ليقدّمها بوصفها من (معتقدات الشيعة) الثابتة. لكن لو جزّأنا مكوِّنات هذه الفكرة واجهتنا مجموعة من المفاهيم من قبيل: (التاريخ القدسيّ)، (قوس النزول والصعود) وأهمُّ من ذلك كلّه مفهوم (عالم المثال) الذي صبّ كوربن جلّ اهتمامه عليه. وهنا نودّ الإشارة إلى مكانة هذا المفهوم في الفكر الشيعيّ وعلاقته بالإمام الغائب:
يمكن القول ـ من خلال مراجعة المصادر الشيعيّة ـ بأنّ (عالم المثال) لم
________________________________________
(14)ـ هنري كوربن، تاريخ الفلسفة الإسلامية، 92 ـ 96، نشر كوير، طهران 1373هـ.ش؛ وانظر له أيضاً الفلسفة الإيرانيّة والفلسفة التطبيقيّة، 30 ـ 32، نشر طوس، طهران 1369 هـ.ش.

[الصفحة - 48]


يكن عند علماء الشيعة قبل القرن الحادي عشر ليمثِّل العالم الفاصل بين المحسوسات والمعقولات، بل إنّهم لم يهتمّوا به كثيراً فيما ناقشوا وقدّموا في كتب الكلام والرواية وتفسيراتهم بخصوص ما في الإنسان ومستقبله من خلال بعض الآيات والروايات. هذا في الوقت الذي كان السهرورديّ ومحيي الدِّين في القرن السادس والسابع قد تطرَّقا لمفهوم عالم المثال في تفسير بعض الحقائق، ولابدّ أن تكون مؤلَّفاتهم تلك قد وصلت بيد علماء الشيعة، إلاّ أنَّنا لم نلحظ استعمالهم لمفهوم (عالم المثال) بمعناه الاصطلاحيّ إلاّ بعد القرن الحادي عشر. ولعلّه يُمكن اعتبار المُلا صدرا (ت/1050هـ) أوّل من أدخل مفهوم (عالم المثال) إلى المنظومة الشيعيّة، ومنذ ذلك الحين بدأت الرسائل تُفرَد للخوض في دراسة عالم المثال وإثباته، فقد ذكر صاحب الذريعة ثلاثة كتبٍ تحمل عنوان (عالم المثال):
أـ إثبات عالم المثال، قطب الدين محمد بن علي الشريف اللاهيجيّ. وقد فرغ من تأليفه سنة (1077) (15).
بـ ـ إثبات عالم المثال، شاه محمد الإصطهباناتي الساكن بشيراز، وقد فرغ من التأليف سنة (1100) (16).
جـ ـ رسالة في عالم المثال، المُلا هادي السبزواريّ، وهو من مدرسة المُلا صدرا الحكَميّة (17).
وعلى الرغم من تأييد جميع مَنْ تخرّج في مدرسة (الحكمة المتعالية) لوجود عالم المثال، لكن كانت هناك مجموعة أُخرى من المتكلِّمين والمحدِّثين لم يرحبوا بالفكرة، أو رفضوها برمّتها، كالعلاّمة المجلسيّ في بحار الأنوار الذي اتَّخذ موقفاً معتدلاً نوعاً ما، عندما رفض في الجزء الخسمين الاستناد إلى مفهوم عالم المثال في تفسير الروايات المتعلِّقة بعالم البرزخ، فكتب يقول: «لا يبعدُ أن يكون في وادي السلام جنّات، وأنهار، ورياض، وحياض، تتمتّع بها أرواح المؤمنين بأجسادهم المثاليّة اللطيفة ونحن لا نراها... وهذا قريبٌ من عالم المثال، أثبته الإشراقيّون من الحكماء والصوفية، لكن بينهما فرق بيّن» (18). لكنّه تشدَّد في موقفه أكثر في الجزء
________________________________________
(15)ـ آقا بزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج1، 96، ط. الثالثة، دار الأضواء، بيروت 1403هـ.
(16)ـ المصدر السابق نفسه.
(17)ـ المصدر السابق، ج 15، 207.
(18)ـ المجلسي، بحار الأنوار ،ج 50، 135، مؤسسة الوفاء ، بيروت 1403هـ.

[الصفحة - 49]


الرابع والخمسين، فقال معقِّباً على بعض ما نقله من آراء للحكماء في باب عالم المثال: «... ما أشبه هذه المزخرفات بالخرافات والخيالات الواهية والأوهام الفاسدة. ولا يتوقّف تصحيح شيءٍ ممّا ذكروه على القول بهذا المذهب السخيف... وأمّا الأجساد المثاليّة التي قلنا بها فليس من هذا القبيل، كما عرفت تحقيقه في المجلّد الثالث، وأكثر أخبار هذا الباب يُمكن حملها على ظواهرها، إذ لم يدرِ أحدٌ سوى الأنبياء والأوصياء ما حول جميع العالم حتّى يحكم بعدمها، وما قاله الحكماء والرياضيّون في ذلك فهو على الخرص والتخمين... قد يستدل على ثبوت عالم المثال بما رواه الشيخ البهائي(رحمه‏ الله) في كتاب (مفتاح الفلاح)، عن الصادق(عليه ‏السلام) أنّه قال: ما من مؤمن إلاّ وله مثال في العرش...
وأقول: وإن أمكن تأويله على ما ذكروه، لكن ليس فيه دلالة على الخصوصيّات التي أثبتوها، ولا على عمومها في كلّ شيء، ونحن لا ننكر وجود الأجسام المثالية وتعلّق الأرواح بها بعد الموت، بل نُثبتها لدلالة الأحاديث المُعتبرة الصريحة عليها، بل لا يبعد عندي وجودها قبل الموت أيضاً... فيسير بها في عوالم الملك والملكوت» (19).
يُمكن تلخيص أفكار المجلسيّ كما يلي:
أ ـ تجاوز آراء الحكماء والمتصوِّفة في إثبات عالم المثال حدود الحدس والتخمين، ولا دليل لديهم من القرآن والسُنّة.
بـ ـ لا تُثبت الروايات سوى وجود أجساد مثاليّة للإنسان.
جـ ـ ليس ثمّة دليلٍ واضحٍ على إثبات صورة مثاليّة لكلّ موجود ماديّ.
ثانياً ـ كان من جملة المفاهيم التي أسَّس عليها كوربن فكرته الجديدة مفهوم عرفانيّ هو (قوس النزول والصعود)، واتَّضح من كلامه أنّ عالم (ألسْتُ) أو (الذرّ) هو نقطة البداية في قوس الهبوط، وأنّ ظهور الإمام الغائب (عج) هو نقطة النهاية في قوس الصعود، وكلا النقطتين متعلِّقتان بعالم المثال، إذن، فهو يرى في عالم المثال المبدأ والمنتهى لقوس النزول والصعود.
________________________________________
(19)ـ المصدر السابق ج54، 354.

[الصفحة - 50]


وقد بينّا في نقدٍ سابقٍ بأنّ مفهوم عالم المثال لم يكن متداولاً عند الشيعة بفلاسفتهم ومتكلِّميّهم ومحدِّثيهم ليؤسّسوا أو يفسّروا بعض معتقداتهم وفقاً له، أو أن يفسّروا بعض الآيات والروايات طبقاً لهذا المفهوم، وهنا نقول: بأنّ تقرير كوربن لمفهوم (قوس النزول والصعود) العرفانيّ لم يكن متماشياً مع الرؤى العرفانيّة والفلسفيّة ـ سنيّة كانت أم شيعيّة ـ، فمبدأ ومنتهى النزول والصعود في رأي العرفاء والحكماء لا يُمكن أن يكون عالم المثال، وإنِّما هو عالم العقل وأعلى من ذلك؛ «لأنّ مراحل قوس النزول عندهم ظهوريّة تبدأ من الوجود المقيّد بالتعيّن (هو الأوّل والظاهر) حتّى تصل إلى أضعف مظاهر الخلقة (عالم الناسوت والأجرام)، أمّا مراحل الصعود فهي تكامليّة تبدأ بالناسوت، فتمتدُّ بفضل فيوضات الحقّ إلى عوالم الملكوت (المثـال)، والجبروت (العقل) حتّى تنتهي إلى الفنـاء في الله» (20).
الفيض الكاشاني هو واحد من عرفاء الشيعة القائلين بتلك الحقيقة (تفوّق مبدأ منتهى نزول وصعود العوالم على عالم المثال)، فكتب في (الكلمات المكوّنة) التي تمثّل في بعض جوانبها واحداً من الشروح الشيعيّة على فصوص الحكم للقيصريّ: «الوجود يبتدي بعد مرتبة الغيب في التعيّن، فينزل من سماء الإطلاق إلى أرض التقيّد مرتّباً من الأشرف فالأشرف إلى أن ينتهي إلى مالا أخسّ منه في الإمكان ولا أضعف، فينقطع عنده السلسلة النزوليّة، ثم يأخذ في العروج كذلك متدرِّجاً، فلا يزال يترقّى من الأرذل إلى الأفضل إلى أن ينتهي إلى الذي لا أفضل منه في هذه السلسلة العروجيّة، فيكون هو بإزاء ما بدأ منه في النزول... وفي المرتبة الأُولى التي يظهر فيها الوجود أولاً بصور الأعيان لا يفتخر في تقوِّمه، ولا في شيءٍ من صفاته وأفعاله إلى شيءٍ سوى مبدعه القيوم جلّ اسمه.
ويسمّى أهل تلك المرتبة على اختلاف درجاتهم بالعقول والأرواح والملائكة المقرّبين... وفي المرتبة الثانية يفتقر في أفعاله وصفاته إلى ما دونه من المراتب. ويسمّى أهلها على تفاوت أقدارهم بالنفوس والبرازخ والملائكة المدبّرين» (21).
________________________________________
(20)ـ سعيد رحيميان، التجلّي والظهور في العرفان النظري: 125، مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1376هـ.ش .
(21)ـ الفيض الكاشاني، كلمات مكوّنة من علوم أهل الحكمة والمعرفة، 65ـ66، ط. الثانية، نشر فراهاني 1360.

[الصفحة - 51]


يتسلسل الفيض الكاشاني في تعداد المراتب النزوليّة حتّى يصل مرتبة المادّة والهيولى، ثم يبدأ بمراتب العروج حتّى يصل إلى مرتبة العقل المُستفاد، ويتوصّل إلى نتيجة مفادها: «فابتدأ الوجود من العقل وانتهى إلى العقل» (22).
لكنّه سرعان ما ينفي عن هذه النتيجة الدقّة اللازمة، فيُضيف:
«وفي الحقيقة من الله البدء وإليه يعود وإلى الله المصير» (23).
تأسيساً على ذلك لن تكون أُطروحة (قوس النزول والصعود) من ثوابت الشيعة فحسب، بل لا تلتقي أيضاً مع رؤى العرفان والعرفاء. وإنّما حيك هذا المفهوم سيء الطالع على أيدي كوربن، أضفاه جلباباً على عقائد الشيعة.
ثالثاً ـ تدلّ عبارات كوربن المنقولة آنفاً وغيرها ممّا سيأتي ذكره على هامش موضوع (الإمام الغائب) على أنّ حياته (عج) أو غيبته وظهوره كلّها ضربٌ من عالم المثال، أي أنّ كوربن يرى في الإمام الغائب موجوداً مثاليّاً. وهذا ما لا يقول به علماء الإماميّة العرفاء ـ فضلاً عن فقهائهم والمتكلِّمين ـ وهو بطبيعة الحال مناقضٌ للأُسس العرفانيّة عند الشيعة، ذلك أنّهم يُثبتون وجود عالم آخر إلى جانب مراتب الوجود الخمس (الأحديّة، والواحديّة، العقل، المثال، الطبيعة) وهو عالم (الإنسان الكامل)، فالإنسان الكامل هو من يجمع بين المراتب الخمس مع كمالاتها؛ وعليه لابدّ لكلِّ مرتبة وجوديّة إنسانٍ كاملٍ، فله وجودٌ في سائر المراتب ومنها عالم الطبيعة في المرتبة الأدنى من عالم المثال والعوالم الأُخرى السابقة.
ومعلوم أنّ عقيدة العرفاء الشيعة لا تعيّن مصداقاً للإنسان الكامل غير الإمام المعصوم في زمانه، والإمام الثاني عشر(عج) في العصر الحاضر، لذا فرؤية العرفان الشيعيّ تفترض وجود الإمام الثاني عشر في جميع العوالم الوجوديّة ومنها عالم الطبيعة نفسه.
إنّ ما قلناه بهذا الصدد ليس جزافاً أو ادّعاءً مسبقاً، وإنّما هذا ما تنصّ عليه كتابات علماء العرفان الشيعيّ بوضوح، كما جاء في كلامٍ للفيض الكاشاني حيث
________________________________________
(22)ـ المصدر السابق، 66.
(23)ـ المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 52]


قال: «لمّا كان المقصود من إيجاد العالم وإبقائه هو الإنسان الكامل والإمام العادل الذي هو خليفة الله في أرضه ـ كما أنّ المقصود من تسوية الجسد خلقه، هو النفس الناطقة ـ وجب أن تخرب الدار الدنيا بانتقال هذا الإنسان الكامل عنها، كما هو حال الجسد بمفارقة النفس له فإنّه يبلى ويفني؛ لأنّ الله سبحانه لا يتجلّى على العوالم الدنيويّة إلاّ بواسطة، فإذا انقطعت هذه الواسطة، فإنّ وصول العون والإغاثة للعوالم الدنيويّة، والتي هي موجبة لبقاء الوجود وكمالاته سوف تنقطع. وبانتقال تلك الواسطة (الإنسان الكامل)، سوف تنتقل الدنيا أيضاً، وسوف يذهب ما كان فيها من المعاني والكمالات إلى الدار الآخرة، وفي هذا الحين تنشقّ السماء وتتكوّر الشمس (فتقوم القيامة) » (24).
ثم يستشهد الفيض الكاشاني بجملةٍ من الرواية، ومنها الرواية عن الإمام الصادق(عليه ‏السلام) من أنّ الأرض لو خلَت من حجّة طرفة عينٍ لساخت بأهلها (25). فهذه العبائر وغيرها تشير إلى أنّ الكاشاني يطبّق مفهوم (الإنسان الكامل) العرفانيّ على ما ورد في الروايات من مفهوم للحجّة والإمام، وأنّ انعدامه على الأرض ـ انعدام الإمام في عالم المادّة والطبيعة ـ مستلزمٌ لهلاك الإنسان وحلول يوم القيامة.
الأئمّة(عليهم ‏السلام)
مظهر أسماء الله وصفاته
يقول كوربن: لا يمكن فهم صفات الأئمة(عليهم ‏السلام) دون أن يُنظر لهم بوصفهم وجودٌ مقدّم على عالم الكون والفساد. وقد بيّن الأئمّة أنفسهم هذه الصفات إبّان ظهورهم على وجه الأرض، حيث نقل لنا الكلينيّ العديد من تلك الروايات في أُصول الكافي.
وقد نصّت أحاديثهم على أنّهم خلفاء الله في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى، وهم أوصياء الرسول وورثته. والقرآن بنفسه يدلّنا على حقيقة الأئمّة وعلمهم، فهم معدن المعرفة، وشجرة النبوّة، ومهبط الوحي والملائكة، وهم ورثة العلم من بعضهم البعض، وعندهم علم جميع الكتب السماويّة، وهم من يعلم باسم الله الأعظم، وعندهم كلّ ما نزلت به الملائكة من علومٍ على الرسل.
________________________________________
(24)ـ المصدر السابق، 130 ـ 131.
(25)ـ المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 53]


ولعلّ هذا الكلام يبلغ ذروته عندما نراجع (خطبة البيان) المنسوبة للإمام الأوّل(عليه ‏السلام) حيث يقول: «أنا وجه الله.. أنا يد الله.. أن جنب الله..، أنا إيليا الإنجيل ووارث العلوم.. » .
ففي الخطبة ـ على اختلاف نقولها ـ نحو (66) صفة من هذا القبيل. وهناك نصوصٌ أُخرى مشابهة للأئمة الأطهار(عليهم ‏السلام) وصفوا أنفسهم فيها بيد الله وعينه ووجهه وغير ذلك، وهذا يدلّ على أنّ المعصومين الأربعة عشر هم تجليّان لله الأُولى على الخلق، حيث إنّ الغاية من خلق الأكوان هو معرفة وأدراك كنه الخالق المحجوب، وهذا ما يتحصّل من خلال الأنوار الأربعة عشر، فهي وجه الله المتجلّي للعباد. فلا يمكن للإنسان أن يعرف الله إلاّ من خلال أسمائه وصفاته، وليست تلك الشهب الأربعة عشر إلاّ مظاهر لتلك الأسماء والصفات (26).
وقفة نقديّة
أنْ يكون الأئمة(عليهم ‏السلام) أسماء وصفات إلهيّة أو مظهراً للأسماء والصفات الإلهيّة، فهذا ليس من معتقدات الشيعة الثابتة، أي أنّه ليس ممّا قالت به علماء ومراجع العقيدة الشيعيّة الحقّة.
وهذا أما لا نجده أيضاً بمراجعتنا لمؤلَّفات علماء الشيعة البارزين على مرّ التاريخ، من قبيل: (الاعتقادات) للشيخ الصدوق، و(تصحيح الاعتقاد) للشيخ المفيد، و(تجريد الاعتقاد) للخواجة نصير الدين الطوسي، و(شرح تجريد الاعتقاد) للعلاّمة الحلي، وصولاً للعصور المتأخرة من قبيل: كتاب (أصل الشيعة وأُصولها) لكاشف الغطاء، و(عقائد الإماميّة) للمظفر. كلّ هذه المصنفات لم تذكر لا من قريب ولا من بعيد ما ينص على أنّ الأئمّة أسماء وصفات إلهيّة.
زد على ذلك أنّ مجرّد وجود روايات عند الشيعة من قبيل ما فسّره كوربن أو حتّى إن كانت هي نصّاً في المعنى، فهذا لا يعني بالضرورة أن يكون مضمونها واحداً من معتقدات الشيعة؛ فما أكثر الروايات التي رُفضت من قبل علماء الإماميّة
________________________________________
(26)ـ تاريخ الفلسفة الإسلامية، 73 ـ 76، مصدر سابق.

[الصفحة - 54]


ليس فقط لضعفها السنديّ وحسب، بل والأهمّ من ذلك مخالفة متنها لصريح القرآن والسنّة المتواترة، وهذا هو المعيار الحقيقيّ في ردّ الرواية أو قبولها، كما سيجيء تفصيله في نقل كلام العلاّمة الطباطبائيّ حيث يقول: «لا تعمل الإماميّة بالروايات المخالفة للقرآن، أمّا الأخبار التي يعلم أمرها في ذلك، فإنّها تطرح جانباً مهما كان وزنها ومحتواها» (27).
لا شكّ في أنّ أُمهات عقائد الشيعة الثابتة هو الاعتقاد بتباين وجود الخالق عن وجود المخلوق، وهي عقيدة مستندة في جوهرها إلى القرآن والروايات المتواترة. فالمخلوق مهما كان مقرباً من الخالق فإنّه لا يصل درجته، ويتجاوز مملكته الربانيّة.
من ذلك نعرف مدى مصداقيّة الروايات التي استند إليها كوربن في طرح أفكاره، فكلّما كانت الرواية منضويَة تحت الإطار القرآني فهي مقبولة حسب الرؤية الشيعيّة، وإلاّ فهي مرفوضة حتّى وإن كانت صحيحة السَند. إذاً، فما كان مرفوضاً لدى الشيعة لا يمكن أن يمثّل معتقدهم العام بشكل من الإشكال.
معرفة الإمام تصون التوحيد من التعطيل والتشبيه
يعتقد كوربن بأنّ معرفة الإمام تصون الموحِّد من الوقوع في محذور (التعطيل) و(التشبيه)، فالقول بالتعطيل يأتي تجنّباً لمنح الأسماء والصفات الإلهية طابعاً بشريّاً، الأمر الذي يؤدّي إلى حجب الحقيقة الإلهيّة في غيبٍ مطلق. نعم، قد يقول الفكر الشيعي بصفة الإله الغيبيّة، لكنّه في الوقت نفسه يرفض تعطيل المعرفة في هذه المرحلة؛ لأنّه يحدّ من إدراك حقيقة الباري، ويلغي اتّصال الإنسان الشخصيّ بربه.
أمّا إذا قلنا باتِّصاف الذات الإلهيّة نفسها بتلك الأسماء والصفات، فإنِّنا سنقع في محذورٍ آخر هو القول بـ (التشبيه) والتجسيم (28).
أمّا لو أنّنا فسّرنا وجود الأئمّة بالمظاهر الإلهيّة، فسيكونون أسماء الله، وبهذا ننجوا من التورّط بالمحذور المزدوج، أي (التعطيل) و (التشبيه) (29).
________________________________________
(27)ـ السيد محمد حسين الطباطبائي، الشيعة في الإسلام، 53 ـ 54، مكتب التبليغ الإسلامي، قم 1348 هـ.ش.
(28)ـ هنري كوربن، عن الإسلام في إيران شواهد روحيّة وفلسفيّة: 366ـ 367، نقله إلى العربيّة نوّاف الموسوي، دار النهار للنشر ـ بيروت 2000م.
(29)ـ المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 55]


وقفة نقديّة
ثمّة علاقة ظريفة في المعتقد الشيعيّ بين معرفة الإمام ومعرفة الله، لعلّ أبرز مصاديقها عندما نقول: ما عرف الله حقّ معرفته إلاّ النبيّ والإمام، وهما من يدلان على كنههِ ـ جلّ وعلا ـ، وكلّ من خاض في أبواب التوحيد بعيداً عن هذين المصدرين فإنّه لا محالة سيقع في محذور (التعطيل) و (التشبيه).
على أنّ هذه العلاقة قد تأخذ بُعداً آخر على صعيد الرؤية العرفانيّة، فعلاوةً على العلاقة القائمة في الجانب المعرفيّ في معناه الحصوليّ، ستكون هناك علاقة أُخرى من ناحية العلم الحضوريّ، أي يتحتَّم على من يطمح إلى رؤية الجمال الإلهيّ بعين البصيرة أن يمرّ أولاً في مراتب سيره وسلوكه بمعرفة ورؤية الإمام الباطنيّة (30). وهذا المعنى ليس بعيداً عن حدود عقائد الشيعة الرسميّة.
أمّا ما ذهب إليه كوربن أخذاً عن بعض عرفاء الشيعة، من القول بأنّ: «الذات الإلهيّة في مقامها الغيبي لا تحمل الصفات، وإلاّ وقع التشبيه، ولهذا لا بدّ من اعتبار الأئمّة صفات إلهيّة»، هذا كلّه مؤسسٌ وفقاً للإلهيّات العرفانيّة القائلة بالتفكيك بين مقام الذات الغيبي أو (غيب الغيوب) ومراتب (الأحديّة)، أي مقام تجرّد الذات عن جميع التعيّنات، وبين (الواحديّة)، أي مقام تعيّن الذات بالأسماء.
ووفقاً لهذا النوع الإلهيّات لن يكون للذات الإلهيّة أيّ إسمٍ أو رسم، فلا تعريف لها بحيث لا يمكن عدّها وجوداً مطلقاً عن جميع القيود؛ لأنّ الإطلاق هو ضرب من التقييد. في هذه المرتبة تسمّى الذات (غيب الغيوب)، وبعد هذه المرتبة التي لا تعيّن فيها يأتي دور التعيّن الأوّل وهو (الأحديّة)، وهو تعيّن يتحقّق بلحاظ إطلاق الذات الإلهيّة من جميع أنواع التعيّن؛ حيث إنّ حقيقة (عدم التعيّن) هنا هي بمثابة طلب التعيين. أمّا إذا كانت الذات الإلهيّة تُلحظ بلحاظ وجود جميع الأسماء سيكون ذلك في وجود الاسم (الواحد)، وهو ما يعبّر عنه بمقام (الواحديّة) (31).
وتنصُّ الإلهيّات العرفانيّة ـ كما سبق ذكره ـ على ضرورة وجود الإنسان الكامل بوصفه مظهراً لسائر الأسماء الإلهيّة، وكما يقول الكاشاني: «فإنّ ظهورها
________________________________________
(30)ـ للعلاّمة الطباطبائي بحث قيّم حول العلاقة بين معرفة الله ومعرفة الإمام عند الشيعة، أُنظر كتابه الشيعة في الإسلام: 121، 124، 152، 154، مصدر سابق.
(31)ـ نقلاً عن أحد عرفاء التشيّع، وهو آية الله السيد أحمد الكربلائي أنظر كتاب السيّد محمد حسين الحسينيّ الطهرانيّ، التوحيد العلمي والعيني، 73، انتشارات الحكمة، طهران 1410هـ.

[الصفحة - 56]


(الأسماء الإلهيّة) في كلّ مظهر ومجلى معيّن إنّما يكون بحسب ذلك المظهر المعيّن لا غير... ويُدرك ذاتها من حيث الجهة الجامعة وهو الإنسان الكامل، فإنّه الجامع بين مظهريّة الذات المطلَقة وبين مظهريّة الأسماء والصفات والأفعال... وهو خليفته عليها... وهو الجامع المتضمِّن لسائر المظاهر المشتمل على جملة المراتب» (32).
وإذا أما أُضيف لمفهوم معرفة الله ومعرفة الإنسان على الطريقة العرفانيّة مقدّمة أُخرى يسلّم فيها عرفاء الشيعة بضرورة كون ذلك الإنسان الكامل واحداً من المعصومين الأربعة عشر، فإنّنا حينها سنخرج بنتيجةٍ مشابهةٍ لما توصَّل إليه كوربن في باب معرفة الإمام والإمامة.
قد تكون فكرة كوربن هنا ـ وخلافاً لسابقاتها ـ أكثر انطباقاً مع بحوث عرفاء الشيعة في باب معرفة الله والإمام، ولابدّ من الإشارة إلى أنّ الفكر الشيعيّ في القرون السابقة لم يكن ليستعمل مفردات عرفانيّة من قبيل: (غيب الغيوب)، (الأحديّة)، (الواحديّة)، (الإنسان الكامل)، في باب معرفة الخالق أو معرفة الإمام، ناهيك من أنّ كتب الشيعة العقائديّة والكلاميّة ـ قديماً وحديثاً ـ لم تكن تصنف هذا النوع من البحوث من العقيدة.
لذا، يجدر بنا أن لا نعمّم القول في نسبة الأفكار العرفانيّة وننسبها إلى التشيّع، كما فعل كوربن، بل الأصحُّ أن تُنسب إلى تيّارات محدودة بين عرفاء التشيّع، مع الاعتراف بظهورها إلى الساحة في بعض العصور وتأثيرها على عالم التشيّع وإن بشكل محدود.
الإمام الغائب
يعتقد كوربن: إنّ فكرة وجود المنجي في عالم الغيب ـ العاري من صفات عالم المحسوسات ـ هي فكرة ذات جذور فارسيّة. وإنّ الإمام مستثنىً من قوانين العليّة التاريخيّة، بوصفه مظهر الصورة الملكوتيّة للحقِّ تعالى، حيث إنّ التاريخ القدسيّ للإمام الثاني عشر(عج) يروي سيرة حياته في عالم وسيطٍ وبرزخ (عالم
________________________________________
(32)ـ الفيض الكاشاني، كلمات مكنونة من علوم أهل الحكمة والمعرفة، 116، مصدر سابق. لا يخفى أنّ للعرفاء استدلالات مختلفة على ضرورة وجود الإنسان الكامل، والاستدلالات المذكورة تثبت حضور الإنسان الكامل في مرتبة (الواحديّة)، وما يتبعها. وهناك استدلالات أُخرى قالت بوجوده في (الأحديّة) وأنظر أيضاً، سعيد رحيمان، التجلّي والظهور في العرفان النظريّ، ص 255 ـ 258، مصدر سابق.

[الصفحة - 57]


المثال)، كما أنّ زمانه أيضاً برزخيّ مثاليّ. ولابدّ لمفهوم (التجلّي) من وجود عالم المثال، هو عالم (الشرق الأوسط) الذي يقدّمه لنا تاريخ الإمام القدسي تحت عنوان (الجزيرة الخضراء) الممتدّة ببحرها الأبيض إلى اللامكان.
ويرى كوربن أنّ جميع ما يُنقل من رؤية بعض الأفراد للإمام(عج) كانت قد وقعت في عالم آخر، لا يملك صفات عالمنا الحسي، من قبيل: حكاية (الجزيرة الخضراء) ذاتها التي يحفّ رحلة زائرها غموضٌ واسع في عالم المثال، ولهذا ليس غريباً أن ينعم الفكر الفارسيّ بشيءٍ من راحة البال في محيط مسيح التشيّع.
إنّ القواعد والأُسس والأفكار التي وضعتها الزرادشتيّة الإيرانيّة قبل اثني عشر ألف سنة، كفكرة المعاد والاعتقاد بوجود منجٍ موعود، تحتّم عليها بالضرورة اليوم أن تسلك مسلك التشيّع.
فالإمام الغائب هو معادلٌ موضوعي لـ (سوشيانت) وهو الشخص الذي حرم هذا العالم من وجوده، لكنّه يبقى حاضراً يُراقب من موضعٍ آخر وسوشيانت الذي سينجي العالم بأسره ليس له وجهٌ مرئيّ، وهو من سلالة زرادشتيّة نطفته حفظت في بحيرة (كانسانويا) بحراسة (ملائكة الضَرَورت)، حتّى يأتي اليوم الذي تغطس فيه فتاة تدعى (إردت فذري) في أعماق تلك البحيرة وتحمل من تلك النطفة!
إنّ الإمام وإن كان غائباً عن الأنظار، لكنّه يبقى حاضراً في قلوب أنصاره؛ ذلك لأنّ عدم وجود الإمام، يعني أن لا يبقى شيء في العالم. إذن، فالإمام في مكانٍ مجهول لا ينتمي لمقولات المكان عندنا، بل يبقى موضعه الإمكان! وعلى الرغم من أنّه خارج عن حدودنا المكانيّة؛ لكنّه يتمتع بمكانٍ وفضاء خاص به. وليس للبشر أن يروه لانغلاق بصيرتهم، فهم عاجزون عن تحصيل مكانه المثالي، وعليه لن يكون ظهوره(عج) حدثاً خارجيّاً، كما تقع الحوادث والوقائع الخارجيّة! بل، سيكون الحدث هو انكشاف مكان الإمام المنتظر للعيان من الداخل (33). لقـد تضمَّنت سيرة الإمام الثاني عش العديد من العناصر الرمزيّة والمثاليّة المرتبطة بولادته وغيبته، وسيبقى النقد
________________________________________
(33)ـ داريوش شايكان، هنري كوربن وآفاق العرفان في الإسلام الإيراني، 156ـ 165، نشر فرزان، طهران. 1373هـ.ش؛ عن الإسلام في إيران مشاهد روحيّة وفلسفيّة، 171ـ 176، مصدر سابق.

[الصفحة - 58]


التاريخي عقيماً في هذا المجال؛ لأنّ الموضوع هو التاريخ القدسيّ ومن هنا، دعا كوربن إلى استحداث طرق فينومنلوجيّة تستظهر نوايا الوجدان الشيعيّ (34).
وفي معرض حديثه العابر عن الغيبة الصغرى والكبرى للإمام يرى كوربن بأنّ مبدأ تاريخ الإمام الغيبيّ يشرع ببداية الغيبة الكبرى، وهو تاريخ لا يخضع لقوانين تاريخيّة الوقائع الماديّة، ولن يُرَ الإمام قبل ظهوره إلاّ في عوالم الرؤيا والشهود واللقاءات الشخصيّة، وهي مشاهدات لا تنقض مفهوم (الغيبة)، ولا تمتّ للماديّة والعينيّة بصلة (35).
لقد منح أرباب المذهب الشيخيّ معنى الغيبة وحضور الإمام الغائب أكثر مصداقيّة، وذلك من خلال توظيفهم لعالم المثال في هذا الجانب، فمشاهدة الإمام الغائب في أرض الملكوت (هورقليا) هي المشاهدة الحقيقيّة له في مكانه الواقعي أي في عالم ما وراء الحس، لذا فهو بحاجة لعضو وأداة خاصّة في إدراكه (36).
وقفة نقديّة
أولاً ـ كانت أكثر الجوانب هزالةً وغرابةً في آراء كوربن هي تلك التي تناول فيها عقيدة الشيعة في الإمام الثاني عشر(عج)، ولا ينبع ذلك من ادّعائه نسبة بعض العقائد للتشيّع فحسب، إنّما الذي زاد في الطين بلّة أنّ ذلك لا ينسجم والمنهج الذي قرّره سلفاً في خوض تحقيقاته في هذا الباب؛ حيث إنّ منهجه التحقيقيّ ـ كما سيأتي كلامه في ذلك ـ يعتمد على دراسة الظواهر، وهو الأُسلوب الذي يكتفي فيه الباحث باستعراض ما يتوصّل إليه دون إصدار حكم في ذلك، لكنّنا سنلحظ تناقضاً بين انطباعات كوربن عن عقائد الشيعة في (المهدويّة)، وواقع تلك العقائد، ومواقف علمائهم في هذا الباب. علاوة على ذلك إنّ أكثر ما يُلاحظ في بحوث كوربن هو إصدار الأحكام، فلو أنّه اختار المنهج (الهرمنيوطيقيّ) لكان أكثر تطابقاً.
محصلة الكلام، أنّ كوربن يرى (عالم المثال) أو (الهورقليا) و (الإمكان) هو موطن إقامة الإمام الغائب، وهو عالم منزّه مكانه وزمانه عن خواصّ العالم الماديّ. وكنّا قد ناقشنا هذا المدّعى من حيث انسجامه وعدمه مع الرؤية العرفانيّة لدى
________________________________________
(34)ـ تاريخ الفلسفة الإسلاميّة، 103ـ 105، مصدر سابق.
(35)ـ المصدر السابق نفسه.
(36)ـ المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 59]


عرفاء الإماميّة، وهناك أثبتنا عدم الانسجام، وهنا نضيف أنّ ذلك لا ينسجم كذلك مع ما عليه الروايات المتعلِّقة بالحجّة (عج)، والتي تمثِّل الاتِّجاه النقليّ في الاعتقاد الشيعيّ، وهكذا الحال بالنسبة للاتِّجاه الكلاميّ.
فعلى صعيد الروايات، فإنّ نصوصها لا تدلّك سوى على وجود حياة دنيويّة للإمام، وذلك من قبيل: الروايات الواردة بخصوص تاريخ ومحلّ ولادته (37)، ونسبه، وصفاته الجسمانية، ومدّة عمره، والأخبار التي تُشير إلى تواجده عند والده، ورؤية الناس له حتّى بعد وفاة والده (38)، وما إلى ذلك من النصوص الدالّة على ظهوره ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
أمّا على صعيد متكلِّمي الشيعة، فإنّ الدلائل والمؤشِّرات تُثبت مخالفتهم للرأي المذكور (حياة الإمام في عالم المثال)، فإنّ العديد من بحوث واستدلالات المتكلِّمين تُشير إلى إجماع سائر المذاهب الكلاميّة على حياة الإمام الماديّة الدنيويّة إبّان غيبته، ولهذا نرى متكلِّمي الإماميّة غالباً ما يدرسون مسألة طول عمر الإمام وإمكانيّة إثبات ذلك بالأدلّة العقليّة والنقليّة (39).
حتّى إنّ بعض العلماء كانوا قد أصدروا رسائل وكتباً مستقلة في هذا الموضوع، من قبيل (البرهان على طول عمر صاحب الزمان) لمحمد بن علي بن عثمان الكراجكي (ت/ 449 هـ).
وخلاصة الكلام في ذلك، إنّ هذه العقيدة باتت من بديهيّات الشيعة ولا تحتاج إلى كثيرٍ من الشرح. لكنّ الذي يدعونا إلى التساؤل هو انطباع كوربن عن عقيدة الشيعة بخصوص موطن الإمام الغائب وتوهّمه القائل بعالم المثال! وقد يكون اطّلاع كوربن على كتب المذهب الشيخيّ هو واحد من الأسباب التي قادته للوقوع في مثل هذا الوهم، حيث جاء في بعض كتب الشيخيّة بأنّ عالم (الهورقليا) هو موطن إقامة الإمام الغائب(عج)، لكنّ واقع الحال وكما يقول الدكتور (أمير معدني): «ليس هناك من يقول بذلك بين علماء الإماميّة سوى اثنين من أتباع الشيخيّة في مدينة كرمان، هما: محمد كريم خان الكرماني، وأبو قاسم
________________________________________
(37)ـ راجع: الكليني، أُصول الكافي، كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب (مولد الصاحب)، ولا يخفى أنّ الكلينيّ كان قد حرّر هذا الموضع عقب كلامه عن مواليد المعصومين الثلاثة عشر، وهو ما يكشف عن اعتقاده بسنخيّة ولادة المهدي مع ولادة سائر المعصومين.
(38)ـ هناك العديد من الكتب التي تناولت موضوع وروايات لقاءات الإمام الحجة، من قبيل ما دوّنه آية الله لطف الله الصافي الكلبايكاني في ثلاثة أبواب مستقلة، منها ما يتعلق بالروايات الواردة في رؤيته على عهد والده، ومنها إبّان الغيبة الصغرى، وأخيراً فيما يتعلق بالغيبة الكبرى. وقد اعتمد الكلبايكاني في نقله على أُمّهات المصادر الشيعية. أُنظر: الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: 355 (في من رآه في في أيام أبيه)، ص 358، (في من فاز برؤيته في الغيبة الصغرى)، ص 412 (في من رآه في الغيبة الكبرى)، منشورات الداوري ـ قم.
(39)ـ الشيخ المفيد، المسائل العشر في الغيبة، 91ـ 105، نشر مركز الأبحاث العقائديّة، قم 1412هـ.

[الصفحة - 60]


الإبراهيميّ، اللذان قدّما عالم (الهورقليا) محلاً لتواجد الإمام الغائب، وهو العالم الذي عبّر عنه كوربن بعالم المثال.
أمّا ما عليه سائر علماء الإماميّة وكتّابهم منذ عشرة قرون وحتّى يومنا هذا فهو اعتقادهم بحضور الإمام في عالم المحسوسات وبجسمٍ محسوسٍ وماديّ» (40).
ثانياً ـ يذهب كوربن إلى أنّ وجود الإمام خارجٌ عن قوانين العليّة التاريخيّة بوصفه المظهر الملكوتيّ لتجلّي الحق، مستدلاً على ذلك بحياة الإمام في إطار عالم المثال. والشاهد على ذلك الأحاديث الواردة في حياة الإمام والقصص التي تروي لنا لقاءه ببعض الناس، فإنّ جميعها منطبعٌ بطابع الإعجاز وخارجٌ عن حدود العالم الماديّ.
لكن رأي الشيعة في الإمام الغائب وعلاقته بقوانين العليّة مخالفٌ تماماً لمذهب كوربن، حيث إنّ الفكر الشيعيّ لا يفرّق بين النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وسائر الأئمة من حيث صدق القوانين الطبيعيّة عليهم وبين الإمام الثاني عشر، فجميعهم متَّحدون من الناحية البدنيّة قانوناً وطبيعةً، وبهذا السبب فإنّ جميع الأئمة أو أغلبهم، باعتقاد الشيعة، أمّا مقتول بالسيف أو مسموم.
وهو الأمر ذاته الذي دعا الإمام الثاني عشر للاحتجاب عن الأنظار خشية البطش به من قبل السلطة، وهذا ما تواترت به روايات الشيعة. (لكنّ كوربن قد يمنح للإمام الأمان بعدم تعرّضه للقتل باعتباره قابعٌ في عالم كعالم المثال وبإمكانه الظهور هناك بحريّة!) أمّا ما يتحدث عنه كوربن من معاجز الإمام الغائب وبعدها الميتافنريقيّ فهذا ليس من مختصّاته وحده، بل أُثرت الكثير من المعاجز عن النبي(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وسائر الأئمّة(عليهم ‏السلام)، وجميعهم ـ حسب النظريّة الشيعيّة ـ خاضعون لقوانين العليّة داخل محيط العالم الماديّ وليسوا من عالم المثال في شيء.
وقد بلغت وفرة هذا النوع من الروايات مبلغاً حَدَا ببعض علماء الشيعة إلى تأليف الكتب والرسائل في جمعها، ككتاب (الخرائج والجرائح) لقطب الدِّين
________________________________________
(40)ـ محمد علي أمير معزّي، التحقيق في أنواع روايات اللقاءات بإمام الزمان في كتاب في أحوال وأفكار هنري كوربن، 74 ـ 75، نشر هرمس، طهران 1379هـ.

[الصفحة - 61]


الراونديّ (ت 573 هـ)، وقد جمع فيه جملة المعاجز المنسوبة للنبيّ (عليهما السلام) والأئمّة ألاثني عشر(عليهم ‏السلام).
ولم يفسِّر الشيعة تلك الحوادث الإعجازيّة بخروج أصحابها عن قوانين الطبيعة وعلّيتها، أو أن يكونوا عاشوا حياتهم في عالم المثال، إنّها تؤمن بعقيدة الشيعة بإعجاز النبي وأهل بيته(عليهم ‏السلام) وتقديمهم ما يفوق العقل الطبيعيّ على الرغم من تواجدهم ضمن عالم المادّة الطبيعيّ.
نورد هنا جانباً من كلام نصير الدين الطوسي ـ نموذجاً عن رأي سائر علماء الشيعة بهذا الخصوص ـ حيث قال في تجريد الاعتقاد وهو واحد من الكتب المدرسيّة: «وطريق معرفة صدقه )النبي( ظهور المعجز على يده، وقصّة مريم وغيرها تعطي جواز ظهوره على الصالحين )من غير الأنبياء( » (41).
وتأييداً للطوسيّ يستشهد العلاّمة الحليّ بقصة (آصف بن برخيا)، وبما تواتر من أخبار عن معاجز أمير المؤمنين وسائر الأئمّة(عليهم ‏السلام)، فيثبت من خلال ذلك إمكانيّة تحقّق الجانب الإعجازيّ لغير الأنبياء (42).
ثالثاً ـ يظهر أنّ كوربن كان قد قدّر أنّ كلّ اللقاءات التي كان يحظى بها الشيعة مع الإمام (عج) كانت تقع في عالم المثال حصراً؛ لأنّه يعتقد أنّ جميع الأخبار الواردة بهذا الخصوص توحي بأنّها كانت تحصل في عالمٍ آخر فاقدٍ لخواصّ المادّة وعالمها كالذي يُستوحى من قصّة (الجزيرة الخضراء). وهنا نشاهد كوربن يُخفق مرة أُخرى عن إدراك الرؤية الشيعيّة بجميع جوانبها؛ حيث تُفرّق الرؤية الشيعيّة بين ثلاثة أنماط من لقاءات الإمام الغائب: (43)
أ ـ المشاهدة وجهاً لوجه بالحاسّة الباصرة، لا البصيرة القلبيّة.
بـ ـ المشاهدة في عالم الرؤيا.
جـ ـ لقاء الإمام في عالم المكاشفات العرفانيّة، وهو النمط الذي يمكن من خلال مفاهيم الفكر العرفانيّ وتجارب العرفاء مقارنته بوقائع عالم المثال.
________________________________________
(41)ـ العلاّمة الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، 350 ـ 351، مؤسسة المطبوعات الدينية ـ قم 1366هـ.ق.
(42)ـ المصدر السابق نفسه.
(43)ـ لقد خضع هذا التقسيم لبعض التصحيح أحياناً، راجع مثلاً كتاب السيّد حسن الأبطحي، لقاءات مع إمام العصر، 11، نشر آل يس، مشهد 1405هـ. ش .

[الصفحة - 62]


ومثالاً للقول بالتفريق بين أنماط الرؤية نذكر مصدرين من المصادر الشيعيّة:
الأوّل: دار السلام، للشيخ محمد العراقيّ (ت/ 1308هـ)، منشورات مسجد جمكران المقدس ـ قم، جاء في الفصل الثاني والثالث والرابع من الباب الثالث العناوين التالية: في مَنْ رآه في عالم اليقظة فعرفهُ، في مَنْ رآه في اليقظة وعرفه لاحقاً، في مَنْ رآه في المنام، كما تحدّث المؤلف في الفصل الأوّل من الخاتمة عن (ذكر بعض المكاشفات في عالم المثال).
الثاني: العبقريّ الحسان في أحوال مولانا صاحب الزمان، آية الله الشيخ علي أكبر النهاونديّ (ت/1369هـ)، نشر حجاز ـ مشهد 1383هـ.ش، أورد فيه تحت عنوان (بركات حضرة وليّ العصر)، تحقيق السيد جواد معلم. وقد اختصّ القسم الأوّل والثاني من الكتاب بـ (التشرّف بلقاء الإمام مباشرة)، والقسم الثالث بـ (المكاشفات)، والقسم الرابع بـ (الرؤيا الصادقة).
ما يهمّنا من ذلك كلّه أنّ قصص لقاءات الإمام، ومنها (الجزيرة الخضراء) (44)، سواء صدقت أم لم تصدق، وسواء كانت الرؤية بالعين المجرّدة أو بالمكاشفة، فإنّها لا تغيّر من واقع المُعتقد الشيعيّ تجاه الأئمّة والإمام الغائب؛ ذلك لأنّ الفكر الشيعيّ لم يؤسس مفرداتهِ وفقاً للقصص والحكايات من قبيل: (الجزيرة الخضراء) التي ظهرت بعد قرون على ولادة التشيّع الإماميّ الاثني عشريّ، وإنّما تأسّس هذا المذهب برصيدٍ من الآيات والروايات المُعتبرة من أُمَّهات المصادر الموثوقة.
رابعاً ـ إنّ مقارنة الإمام الغائب(عج) بـ (سوشيانت) قياسٌ مع الفارق، فالواقع أنّ (سوشيانت) الزرادشتيين الذي لم يولد بعد أشبه ما يكون بالمهديّ عند أهل السنَّة، فكان يجدر بكوربن أن يُشير في تفسيره لـ (الإسلام الفارسيّ) لأوجه الشبه بين المذهب السنيّ وتعاليم إيران القديمة، وهل أنّ الفكر السني الذي حكم إيران حتى زمن الصفويّة تأثَّر بثقافة ودين الزرادشتيين أم لم يتأثر؟ فمثل هذا السؤال هل كان يوجد في أجندة كوربن أم لا؟ وإن كان الجواب بالنفي، فلماذا؟
________________________________________
(44)ـ راجع في الدراسات النقديّة حول قصّة الجزيرة الخضراء كتاب جعفر مرتضى العاملي، الجزيرة الخضراء في ميزان الفقه، نشر بوستان كتاب ـ قم 1381هـ .ش.

[الصفحة - 63]