البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القضاء والقدر دراسة مقارنة بين الفلسفة وعلم الكلام الإمامي «القسم الثالث»

الباحث :  الشيخ عقيل البندر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  51
السنة :  السنة الثالثة عشر خريف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  343
القضاء والقدر
دراسة مقارنة بين الفلسفة وعلم الكلام الإمامي
«القسم الثالث»

الشيخ عقيل البندر (*)

تمهيد
ذكرنا في القسمين السابقين آراء مجموعة من المتكلِّمين ومجموعة أُخرى من الفلاسفة في مسائل متعدّدة حول موضوع القضاء والقدر والجبر والاختيار وغيرها، ولا يخفى أنّ الحكماء يختلفون في طرح هذه المسألة منهجاً وتحليلاً.
وما نريده هنا هو بيان أوجه الفرق وأوجه الاتّفاق بينهما من خلال النظر إلى محتوى القسمين السابقين، وعليه سيكون منهج هذا القسم هو نفس منهج القسمين السابقين من حيث طرح نفس المباحث المطروحة هناك، غايته يتمّ التركيز بشكل مباشر على المقارنة بين نظريّات وآراء المدرستين، وبالتالي تمكّننا هذه المقارنة من الفصل بين منهج هاتين المدرستين، واللّتين تعدّان من أبرز وأوسع المدارس الإسلاميّة. وسنحاول أيضاً عرض أبرز الأُسس والمباني التي اعتمدها كلّ واحد من هذين الفريقين، حيث سيتّضح للقارئ الكريم أنّ الأُصول التي اعتمدها المتكلِّمون مختلفة عن تلك التي اعتمدها الفلاسفة، وهو سبب رئيس في الاختلاف في بعض النتائج، التي ستتمّ المقارنة المذكورة بينها. وهذا القسم هو الذي يتكفّل القيام بهذه المهمّة.
________________________________________
(*)باحث في الحوزة العلمية، من العراق.

[الصفحة - 167]


ويمكن تقسيم المقارنات المذكورة في هذا البحث إلى نوعين:
النوع الأوّل:مقارنات منهجيّة عامّة بين المدارس الفلسفيّة والكلاميّة في القضاء والقدر. وهذه المقارنات كما يلي:
1 ـ إنّ المنهج الذي اتّبعه المتكلِّمون هو منهج تكاملي مؤلَّف من المنهج العقلي والمنهج النقلي، بل استفاد بعضهم من المنهج النقلي فقط، كما عن الشيخ الصدوق الذي استفاد من المنهج النقلي في جميع المسائل الأربع المتقدِّمة.
في حين استفاد الفلاسفة من المنهج العقلي بشكل واضح واستفاد بعضهم من المنهج الوجداني الشهودي; كما حصل ذلك عند الملاّ صدرا حينما بيَّن رأيه في الإرادة والجبر والاختيار.
2 ـ يمكن القول: إنّ بحث القضاء والقدر عند مدرستي الكلام والحكمة الإماميّة مرّا بمراحل تصاعدية أو نقل بسلّم ارتقائي، فمن ناحية علماء الكلام بدأ البحث روائيّاً وتنصيصيّاً على يديّ الشيخ الصدوق، ثمّ ارتقى نقليّاً وعقليّاً على يديّ الشيخ المفيد والسيّد المرتضى، ثمّ جاء العلاّمة الحلّي ليؤكّد الضرورة العقلية في إثبات الاختيار.
وهكذا وجدنا التطوّر والتقدّم الذي بدا واضحاً على يديّ صدر المتألّهين عندما رفض رأي الشيخ الرئيس والآراء الأُخرى في تفسير الإرادة والجبر والاختيار، وهكذا ما ظهر من العلاّمة الطباطبائي من معالجته لمسألة الجبر والاختيار وردّه على الآراء المادّية الحديثة.
3 ـ لو أخذنا الجبر بمعناه المتعارف لوجدنا الطرح الفلسفي في بحث القضاء والقدر أقرب إليه من المنهج الكلامي، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار نظرية الشيخ الرئيس وصدر المتألّهين في تفسير الاختيار، بينما كان الطرح الكلامي بعيداً عن الجبر، بل كان واضحاً في إعطاء الحريّة الكاملة للإنسان في تقرير مصيره، لا سيما على رأي السيّد المرتضى الذي صرّح بأنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله.
4 ـ الأُسلوب والبيان في طرح بحث القضاء والقدر وما صاحبه من مسائل كان سهلاً ـ إلى حدٍّ ما ـ عند قراءة آراء المتكلِّمين الشيعة، بخلافه عند قراءة آراء
________________________________________

[الصفحة - 168]


الحكماء، حيث كان البحث يمتاز ـ إلى حدٍّ كبير ـ بالصعوبة والتعقيد في بيان هذا البحث وطرحه.
النوع الثاني:مقارنات تفصيليّة مورديّة بين المدارس الفلسفيّة والكلاميّة في القضاء والقدر.
ونعالج هنا أبرز نظريات الفريقين في المسائل التي استعرضناها سابقاً بشكل تفصيلي، وهي على مباحث.
المبحث الأوّل
موقف المتكلِّمين والفلاسفة من حقيقة القضاء والقدر
في البداية ينبغي الإشارة إلى أنّ المعاني اللغوية التي يُراد لها أن تكون كذلك للقضاء والقدر تداولها المتكلِّمون والفلاسفة على حدٍّ سواء، ولا يوجد هناك فرق جوهري ينبغي ذكره.
والذي يمكن الإشارة إليه ـ في محاولة لمعرفة الفرق بين المدرستين هنا ـ هو المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر، وما يلازم هذين الاصطلاحين من معان وألفاظ، كالهداية والإضلال أو بحث الإرادة، ستأتي الإشارة إليها ضمن المباحث القادمة.
إنّ ما يظهر من كلمات بعض المتكلِّمين المتقدِّمة أنّ نظام القضاء والقدر هو نظام داخل في عالم الإمكان متّصل به، فهو ـ عندهم ـ نظام فعلي دائماً، وهو على مساس واتّصال بسلوك الإنسان، وإمكانية اختياره. وعلاقة الله سبحانه بذلك إنّما هي بالأمر بالطاعة والنهي عن المعصية.
فالقدر:هو علم الله بمقادير الأفعال وحدودها وأسبابها وعللها.
والقضاء:هو الإلزام بالطاعة والأمر بها، والنهي عن الطاعة والزجر عنها.
وهذا واضح ممّا تقدّم من كلماتهم، فالصدوق(رحمه الله) قال: «إنّ قضاء الله ـ عزّ وجلّ ـ في المعاصي حكمه فيها ومشيئته في المعاصي نهيه عنها، وقدره فيها علمه بمقاديرها ومبالغها». وقريب من ذلك ما ذكره المفيد وغيره من المتكلِّمين (1).
ثمّ إنّ المتكلّمين حينما تعرّضوا إلى تفسير حقيقة القضاء لم نجدهم يضعونه
________________________________________
(1)تقدّم ذلك في المبحث الأوّل من القسم الأوّل.

[الصفحة - 169]


في مراتب العلم الإلهي أو أحد مصاديقه ومعانيه، ولم يصرّحوا بأنّ لـه علاقة واضحة بهذه الصفة. اللّهمَّ إلاّ أن يفهم ذلك من الروايات التي استعرضها الشيخ الصدوق مستدلاًّ بها على النهي عن الخوض والتعمّق في معاني القضاء والقدر باعتباره سرّاً من أسرار الله وحرزاً من حرزه وسابقاً في علمه (2)، خصوصاً أنّه جعل العلم أحد معاني القضاء اللغوية (3).
في مقابل ذلك سعى الفلاسفة سعياً حثيثاً إلى جعل القضاء أحد مراتب العلم الإلهي وإن اختلفوا في تفسير ذلك، فبعضهم جعلها عبارة «عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الإيداع»، كما هو موقف الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسي في شرح الإشارات. وإن كان يظهر من كلام المحقّق في التجريد أنّه موافق لمذهب المتكلِّمين، حيث قال: «إنّ القضاء بمعنى الإلزام».
والبعض الآخر يذهب إلى أبعد من ذلك فيرى أنّ القضاء صفة ذاتيّة قديمة بقدم الذات: «وعندنا صور علميّة لازمة لذاته (...) وليست من أجزاء العالم (...) فالقضاء الربّانية قديمة بالذات باقية ببقاء الله»، وهو ما ذهب إليه صدر المتألّهين.
وأمّا البعض الثالث، فهو وإن وافق بعض الفلاسفة في جعل القضاء أحد مراتب العلم إلاّ أنّه خالفهم في كون صفة القضاء صفة فعليّة، وهو بذلك وإن وافق المتكلِّمين إلاّ أنّه خالفهم في تفسير معنى القضاء، حيث إنّه في بيانه يعتمد على قانون الضرورة والإمكان والعلّة التامّة والعلّة الناقصة، فيعتبر الأوّل هو معنى القضاء والثاني هو القدر، وهو مذهب السيّد الطباطبائي: «وأمّا القضاء فهو بمفهومه المعروف جعل النسبة التي بين موضوع ومحموله ضروريّة موجبة (...) وإذا أُخذ هذا المعنى حقيقيّاً بالتحليل غير اعتباري انطبق على الوجوب الذي يتلبّس به الموجودات الممكنة من حيث نسبتها إلى عللها التامّة، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» (4).
وبعد استعراض آراء الفلاسفة في بيان المفهوم الفلسفي للقضاء والقدر يمكن أن يتّضح الفرق بين نظرهم ونظر المتكلِّمين، خصوصاً إذا لاحظنا فيلسوفاً من طراز صدر المتألّهين، فبينما يحرص المتكلِّمون ومن يرى منهجهم من الفلاسفة على كون القضاء صفة فعليّة داخلة في عالم ونظام الإمكان، يسعى الملاّ صدرا مقابل ذلك على
________________________________________
(2)أُنظر المبحث السابق نفسه.
(3)أُنظر المبحث السابق نفسه.
(4)راجع المبحث الأوّل من القسم الثاني.

[الصفحة - 170]


جعلها أحد الصفات الذاتية الخارجة من العالم.
من هنا، نعلم أنّ حدّة الخلاف بين المدرستين تتّضح في تفسير حقيقة القضاء، وليس في حقيقة القدر، حيث يكاد يتّفق الجميع أنّ نظام القدر خاضع لتأثير الزمان والمكان والسبب والمسبّب، ولا يتعدّى الخلاف بين المتكلِّم والفيلسوف حدّ الأُسلوب والبيان، ولا يصل إلى الخلاف والفرق الجوهري.
وعلى هذا يكون الفعل الإنساني بقضاء الله وعلمه السابق منذ الأزل خلافاً لما يفهم من عبارات أهل الكلام، حيث يكون معنى قضاء الله في خلقه وتأثيره عليهم راجعاً إلى أمره بالطاعة ونهيه عن المعصية.
المبحث الثاني
موقف المتكلِّمين والفلاسفة من حقيقة الإرادة
مرَّ بنا سابقاً موقف مدرسة الكلام ومدرسة الفلسفة الإماميّتين من الإرادة، وتعرّضنا ـ عند دراستنا الماضية لهذا المبحث ـ لعدّة أُمور نوجزها بما يلي:
الأمر الأوّل: معنى الإرادة الإنسانية.
الأمر الثاني: معنى الإرادة الإلهيّة.
الأمر الثالث: حقيقة تعلّق إرادة الله بإرادة الإنسان وفعله.
والذي يهمّنا في هذا المبحث هو معرفة رأي المدرستين في الأمر الثاني والثالث، وتسليط الضوء على الفروق المهمّة بين الرأيين.
وأمّا الحديث عن الأمر الأوّل،فيمكن أن يكون من النقاط المشتركة بين المتكلِّم والفيلسوف، حيث إنّ الإرادة الإنسانية ـ مع صرف النظر عن علاقتها بإرادة الله ـ تعتبر عندهم من الكيفيّات والعرض النفساني الذي يطرأ على ذات الإنسان تبعاً للدواعي والأسباب، وهو يدعو إلى تصوّر الشيء الملائم للطبع (5).
وكلا المدرستين تتّفقان على أنّ هذا المعنى غير جائز ومُحال على ذات الله سبحانه (6).
بناءً على ذلك ينحصر جهدنا في هذا المبحث على بيان الفرق بين رأي المدرستين في الأمر الثاني والثالث، فنقول:
________________________________________
(5)راجع المبحث الثاني من القسم الأوّل والثاني.
(6)أُنظر المبحث السابق نفسه.

[الصفحة - 171]


أوّلاً: حقيقة الإرادة الإلهيّة
يمكن القول من خلال ما تقدّم عن بعض المتكلِّمين أنّ اتّصاف الباري عزّ وجلّ بصفة الإرادة إنّما هو من باب المجاز والمسامحة، وليس الاتّصاف على وجه الحقيقة، ولذا قالوا: «إنّ إرادة الله لفعله هي نفس الفعل»، وقد ظهر ذلك من كلام السيّد المرتضى والشيخ المفيد والعلاّمة الحلّي (7).
ثمّ إنّهم قالوا إنّ معنى الإرادة وحقيقتها هو تخصيص الفعل في وقت دون آخر تبعاً للمصلحة الداعية إلى إيجاده، وإن اختلفوا في لحوقها بصفة العلم، كما عليه الشيخ المفيد، أو عدم لحوقها بها، كما عليه العلاّمة الحلّي (8). ومنعوا أن تكون قديمة أو حادثة، وإن خالف السيّد المرتضى في ذلك معتبراً تحقّقها على سبيل الحدوث عند تعلّقها بالفعل (9).
هذا وقد ذهب بعض الفلاسفة إلى ما ذهب إليه المتكلِّمون من أنّ لحوق هذه الصفة بالله سبحانه إنّما هي من باب المجاز والتسمية وليس من باب الحقيقة، كما يظهر ذلك من كلمات النصير الطوسي والعلاّمة الطباطبائي، ولكن ذهب الأوّل إلى كونها راجعة إلى صفة العلم، خلافاً للثاني.
وقد وافق الأوّل المتكلِّمين في كون الإرادة صفة مميّزة ومخصّصة لتحقّق الفعل، بخلاف الثاني ـ الذي جزم بكون الإرادة صفة فعليّة ـ حيث ذهب إلى أنّ حقيقة الإرادة هو توافق الأسباب المقتضية للشيء وتعاضدها على وقوعه.
هذا، وقد ذهب الشيخ الرئيس والملاّ صدرا إلى كون الإرادة صفة حقيقيّة، وليس الباري متّصف بها مجازاً واعتباراً، بل إنّ الله مريد حقيقة، وعلى هذا أثبتا كون هذه الصفة منتزعة من حاق الذات وليس من مقام الفعل «إنّ المشيئة والقدرة هي عين الذات من دون مغايرة بين الذات والمشيئة»، وعليه، جعلوا الإرادة نفس الداعي بمعنى نفس العلم بالنظام الأصلح (10).
وبملاحظة رأي العَلَمين الأخير نعرف افتراق المنهج الأوّل الذي قال به أهل الكلام عن المنهج الثاني الذي قال به الفلاسفة.
________________________________________
(7)راجع المبحث الثاني من القسم الأوّل.
(8)أُنظر المبحث السابق نفسه.
(9)الملخّص في أُصول الدِّين: 343.
(10)راجع المبحث الثاني من القسم الثاني.

[الصفحة - 172]


ثانياً: حقيقة تعلّق إرادة الله بإرادة الإنسان
أجمع المتكلِّمون على أنّ إرادة الله متعلّقة بإرادة الإنسان وفعله على حال الاختيار، وأنّ علاقتها بإرادته إنّما هي بأمره بالطاعة ونهيه عن المعصية، وهو عين المعنى المتقدِّم في القضاء، وإن اختلفت عبائرهم في ذلك، فعبّر الشيخ الصدوق: «بأنّ مشيئة الله تعالى وإرادته في الطاعات الأمر بها والرضا، وفي المعاصي النهي عنها بالزجر والتحذير».
وعبّر المفيد مثل ذلك بإضافة قيد الاختيار في الطاعة والمعصية.
وإلى جانب ذلك عبّر الشريف المرتضى بأنّ تعلّق إرادة الله بفعل العبد هو إرادة بلوى واختبار وليس قسر وإجبار. وفرّق بعد ذلك بين إرادة الله للفعل وإرادة العبد له، فقال: «القوّة على الإرادة فعل الله والإرادة فعل العبد».
وعلى ذلك سار العلاّمة الحلّي معتبراً استقلال العبد في إرادته أمر ضروريّ وبديهي «وهل يشكّ عاقل في أنّه مريد...» (11).
بناءً على ذلك، نفهم أنّ هناك إرادة له سبحانه في الفعل سواء كانت على سبيل الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية أو على سبيل البلاء والاختبار، وبناءً على ذلك تكون الإرادة صفة فعليّة، ومقابل ذلك نفهم من كلماتهم أيضاً أنّ هناك إرادة واختيار لهذا الإنسان مستقلّة في الفاعليّة عن إرادته سبحانه، ولذا أثبت المتكلِّمون الاختيار والحريّة للإنسان، وسيتّضح ذلك أكثر عندما نصل إلى المبحث الثالث.
ولكن اختلف الفلاسفة، فذهب بعضهم إلى أنّ حقيقة هذه العلاقة هي الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وهو مذهب المحقّق الطوسي، فقال: إنّ إرادة الله تعالى لأفعال عبيده هو أمرهم بها.
وقريب من ذلك ذهب العلاّمة الطباطبائي، فإنّه وإن أثبت العلاقة الوثيقة بين الإرادة الإلهيّة وإرادة الإنسان لكنّه قيّد إرادة الله لفعل الإنسان باختياره وإرادته «وأمّا تعلّق الإرادة الواجبيّة بالفعل مع كون الإنسان مختاراً فيه، فإنّما تعلّقت الإرادة الواجبيّة بالفعل مع كون الإنسان مختاراً فيه...».
ولذا، وجدا طريقاً إلى أنّ الإرادة للطاعة وهي فعل الإنسان أمره بها ومشيئته في
________________________________________
(11)راجع في ذلك المبحث الثاني من القسم الأوّل.

[الصفحة - 173]


المعصية نهيه عنها.
هذا، ولكن يبقى المعارض الأبرز للمنهج الكلامي هو الشيخ الرئيس وتبعه في ذلك صدر المتألّهين، فبناءً على ما تقدّم من أنّ الإرادة عندهم صفة ذاتية لله ثابتة لـه بالحقيقة، ذهبوا إلى أنّ إرادة الله وإرادة الإنسان متّحدتين وهما عبارة عن إرادة واحدة تختلف اختلافاً مشكّكاً، قويّة في الخالق ضعيفة في المخلوق (12).
وبناءً عليه، يصعب ـ إذا لم ينعدم ـ تشخيص مذهب الاختيار الذي مرّ عن المتكلِّمين، وتكاد تنعدم كلّ استقلاليّة للإنسان في حريّة الإرادة، فالمتكلِّمون الذين حرصوا على الدفاع عن الإرادة الإنسانية وعن الاختيار، يحرص الفلاسفة من جهة أُخرى على الحفاظ على عموميّة الإرادة الإلهيّة وإطلاقها واندكاك إرادة الإنسان في إرادة الله سبحانه.
والمتكلِّمون وإن أثبتوا الإرادة والقدرة العامّة له تعالى، لكن نجد إلى جانب ذلك محاولة دؤوبة لعدم جعل إرادته تعالى ملزمة ومقيّدة لحريّة العبد وإرادته.
في مقابل ذلك يصرّ الفلاسفة على جعل إرادة الإنسان متلاشية ومضمحلة في إرادة الله، حذراً من دخول النقص وسريان الحدوث إلى الذات المقدّسة، فليس في الوجود شأن إلاّ وهو شأنه ولا إرادة إلاّ إرادته، بل لا يريد إلاّ ذاته ونفسه.
المبحث الثالث
موقف المتكلِّمين والفلاسفة من مسألة خلق الأفعال وحقيقة الجبر والاختيار
ذكرنا سابقاً نظر الجانبين في تفسير هذه المسألة، وبيّنا آراء أعلام كلّ مدرسة منهما، وفي هذا المبحث نحاول بيان الموقف الأبرز والوجه الكلّي لكلٍّ من مدرسة الكلام ومدرسة الفلسفة، في محاولة جادّة لغرض عرض نقاط الاتّفاق والخلاف بين المدرستين. وسيكون بحثنا ضمن ثلاث نقاط رئيسة:
________________________________________
(12)راجع في ذلك المبحث الثاني من القسم الثاني.

[الصفحة - 174]


أوّلاً: جذور النظرية عند المدرستين
ذكر الشهيد مطهّري في كتاب العدل الإلهي أنّ المتكلِّمين عندما آمنوا بقاعدة الحُسن والقبح العقلي ذهبوا إلى أنّ الله لا يفعل القبيح ولا يترك الحسن، وعلى ذلك أثبتوا أنّ هناك استحقاقاً للإنسان على الله بعدم ظلمه وفعل الحسن بحقّه (13).
أمّا الفلاسفة، فقد اعتبروا مسألة الحسن والقبح العقلي مسألة متأخّرة عن فعل الحقّ سبحانه، جارية بحقّ المخلوقين، فخرّجوا فعل الله عن هذا القانون (14).
وعلى هذا فهم يقولون بالعدل ولكن لا على أساس هذه القاعدة، ولكن على أساس أنّ أيّ موجود يأخذ من الوجود وكماله المقدار الذي يستحقّه، وبذلك ذهبوا إلى أنّ الإنسان لا يملك الحقّ تجاه الله بمعنى إعطاء الحقّ قضاءً للدَّين وما شابه، بل إنّ فعله لا يعلّل بغرض، فلا غرض له وراء ذاته ولا حقّ لغيره عليه (15).
وهذه الأُصول التي ذكرها الأُستاذ المطهّري، والتي أشرنا إليها في مطاوي بحوثنا السابقة (16)، قد أثّرت في اتّخاذ المواقف حيال مسألة الجبر والاختيار، كما سنتعرّض إلى ذلك في المسألتين الآتيتين.
ثانياً: الكلام في فاعل الفعل
يرى المتكلِّمون أنّ الفعل الصادر من الإنسان هو فعله وهو الذي قام به بمحض إرادته واختياره، وعلاقة الفعل وارتباطه بالله سبحانه إنّما هو بالعلم بمقادير الفعل وحدوده وعلله وأسبابه، على ما يذهب إليه الصدوق(رحمه الله) في بعض كتبه، وهكذا الشيخ المفيد معتبراً أنّ الإنسان هو الذي أوجد الفعل باختياره، وذهب السيّد المرتضى إلى أبعد من ذلك مسمِّياً الإنسان خالق للفعل، والله إنّما أعطى القوّة والإرادة على ذلك، وقد حكم العلاّمة الحلّي بضرورة ذلك (17).
ويظهر من كلمات الفلاسفة أنّ الله شريك في الفعل وفي صدوره فكما ينسب الفعل حقيقةً إلى الإنسان كذلك يُنسب إلى الله سواء كان فاعلاً بعيداً كما هو رأي المحقّق الطوسي في بعض كلماته، أو أنّ الفعل هو فعل الإنسان وعينه فعل الله من دون فصل أو تأويل كما هو مذهب الملاّ صدرا بعدم لحاظ القيد والعلاّمة الطباطبائي
________________________________________
(13)العدل الإلهي: 64.
(14)المصدر السابق: 64 ـ 65.
(15)المصدر السابق: 73 ـ 74.
(16)أشرنا إلى ذلك في المبحث الثالث من القسم الأوّل والثاني.
(17)راجع في ذلك المبحث الثالث من القسم الأوّل.

[الصفحة - 175]


بلحاظ قيد الاختيار.
فكما أنّه ليس في الوجود شأن إلاّ هو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلاّ وهو فعله، لا بمعنى أنّ فعل زيد ـ مثلاً ـ ليس صادراً عنه، بل بمعنى أنّ فعل زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز، فهو فعل الله بالحقيقة... (18).
وبناءً على ذلك، يمكن أن نوجز الفرق بين مذهب المدرستين هنا: بأنّ الفاعليّة التي أثبتها الفلاسفة لله في التأثير في الفعل الصادر من الإنسان أوسع وأكبر من الفاعليّة التي أثبتها المتكلِّمون، حيث تصرّ المدرسة الأُولى على أنّ الفعل الصادر لا ينسب إلى الإنسان فقط، بل إلى الله أيضاً بصورة حقيقيّة، بينما تذهب المدرسة الثانية إلى أنّ الفعل الصادر هو فعل الإنسان فحسب بالحقيقة لا بالمجاز، وارتباط ذلك الفعل به سبحانه على سبيل التأثير غير المباشر بإعطاء القوّة عليه.
ثالثاً: الجبر والاختيار
هناك كلام للشهيد محمّد باقر الصدر(رحمه الله) حرّر فيه الفرق بين النزاع الدائر بين المتكلِّمين والنزاع الدائر ـ كذلك ـ بين أعلام الفلسفة، وهذا الكلام وإن كان لا يختصّ بالخلاف الموجود بين أعلام الفلسفة والكلام الإماميّين، إلاّ أنّه يشملهم، حيث وجدنا أنّ هناك تطابقاً إلى حدٍّ كبير بين كلامه(رحمه الله) وبين ما قدّمناه عند استعراض كلماتهم السابقة.
يرى السيّد الشهيد أنّ روح البحث في هذه المسألة عند المتكلّمين يرجع إلى البحث في تشخيص وتعيين فاعل الأفعال الصادرة من الإنسان، هل أنّ فاعلها هو الله أو الإنسان أو الاثنان معاً؟
أمّا روح البحث لدى الفلاسفة، فيرجعه(رحمه الله) إلى صفة الفعل وعنوانه، فإنّ الفعل سواء صدر من الإنسان أو من الله أو منهما معاً هل صدر على سبيل الاختيار أو الجبر؟
ولذا، يعالج السيّد الشهيد هذه المسألة وفق المنهج الفلسفي لا وفق المنهج الكلامي، معتبراً أنّ النتيجة التي ينتهي إليها المتكلِّمون لا تقطع السؤال ولا تكفي ـ وحدها ـ لحسم المسألة (19).
________________________________________
(18)راجع في ذلك المبحث الثالث من القسم الثاني.
(19)بحوث في علم الأُصول 2 : 27 ـ 28. وكذا منهج الأُصول3 : 93 وما بعدها.

[الصفحة - 176]


فالمتكلِّمون وإن قالوا بالاختيار، ولكن وبحسب ما قرأنا كلماتهم فيما مضى، رأينا أنّهم يعالجون هذه القضيّة اعتماداً على أنّ الإنسان موجد وصانع لفعله، وقد صدر عنه دون غيره، خصوصاً وأنّ أكثر المتكلّمين يعنونون هذه المسألة (بخلق الأفعال) أو (إنّا فاعلون)، فركّزوا تركيزاً مباشراً على فاعليّة الإنسان وتأثيره (20).
أمّا إذا رجعنا إلى كلمات الفلاسفة المتقدّمة، لاسيّما كلام الشيخ الرئيس والملاّ صدرا والسيّد العلاّمة، فإنّهم وإن تعرّضوا إلى فاعل الفعل، لكنّهم يعالجون هذه المسألة بعد تحرير مسألة الجبر والاختيار، فيرى ابن سينا أنّ المختار الحقيقي هو الله والإنسان مختار بالمجاز. وعليه، يكون مختاراً بحكم المضطرّ؛ لأنّه ينتهي إلى الاختيار الحقيقي الأزلي، ويرى بعده الملاّ صدرا أنّ إرادة الإنسان ـ التي هي تعبير آخر عن الاختيار ـ هي نفسها إرادة الله، لكن الأُولى ضعيفة والثانية غير متناهية في القوّة إلى أن وصل إلى أنّ الإنسان مجبور من حيث هو مختار، ومختار من حيث هو مجبور (21).
وعالج السيّد العلاّمة هذه الإشكاليّة عن طريق تحرير موضوع الإمكان والضرورة، معتبراً أنّ اختيار الإنسان أحد الشروط والمقدّمات الأساسيّة لحصول الإيجاب والضرورة، وبدونه يكون صدور الفعل ممكناً لا موجباً (22).
وعلى ما تقدّم يمكن أن يُقال: إنّ المتكلِّمين عالجوا المسألة بناءً على تحرير موضوع فاعليّة الفعل ومقوّماته، والفلاسفة عالجوها على أساس البحث في صفة فاعل الفعل وعنوانه.
بين الجبر والاختيار
إلى هنا نريد أن نعرف ما هو المتحصّل من موقف المدرستين، هل أنّ الفروق المذكورة تصل إلى حدّ أنّ أحدهما يذهب إلى القول بالجبر والآخر يقول بالاختيار؟ أو أنّ الأمر غير ذلك؟
يمكن القول: إنّ كلاًّ من المتكلّمين والفلاسفة الشيعة يقولون في موضوع القضاء والقدر والجبر والاختيار بالأمر بين الأمرين ويحلّون هذه المسألة عن طريق الموقف الوسطي المحايد، ولكن الكلام يقع في التعريف بهذا الموقف وبيانه.
________________________________________
(20)راجع المبحث الثالث من القسم الأوّل.
(21)راجع المبحث الثالث من القسم الثاني.
(22)راجع المبحث الثالث من القسم الأوّل.

[الصفحة - 177]


أمّا أهل الكلام، فيرفضون مذهب الجبر بكلّ صوره وأشكاله ولا يقولون به، بل يقولون بالاختيار الذي يعني عندهم حريّة الإنسان في اختيار الفعل وهو صادر عنه وهو مسؤول عنه، وذلك هو الذي يؤكّد عليه المنهج الكلامي، ويحول دون كلّ الشبهات المُثارة عليه، اعتماداً على الأُصول التي اعتمد عليها من قبيل حاكميّة قانون الحسن والقبح الذاتي العقلي على فعل الله، وأنّ أفعاله معلّلة بالأغراض، وعليه كان العدل عندهم هو تنزيه الله عن أفعال الإنسان، فحيث صدرت عنه بإرادته واختياره صحَّ منه تعالى مجازاته أمّا ثواباً أو عقاباً.
وأمّا أهل الحكمة والفلسفة، فهم يؤكّدون على جهة أُخرى وهي أنّ فعل الله لا يعلّل بغرض إنّما غرضه ذاته، والقاعدة التي قال بها المتكلِّمون غير حاكمة على فعل الله، بل هي مختصّة بأفعال الآدميّين، وبالجملة: إنّ القيود والحدود التي أثبتها المتكلِّمون في فعل الله وسلطانه كلّها مرفوضة لدى الفلاسفة، وعليه فسّروا الأمر بين الأمرين برفض التفويض رفضاً قاطعاً، وابتعدوا ـ قليلاً ـ عن القول بالجبر، فجعلوا الإنسان بحكم المضطرّ، أو أنّ الاختيار الذي يتّصف به هو عين الجبر، فتكون دائرة الاختيار أضيق من الدائرة التي رسمها المتكلِّمون.
ثمّ إنّ الفلاسفة اهتمّوا اهتماماً كبيراً بسلطان الله تعالى وسعة فاعليّته وتأثيره في الأفعال وسراية قدرته وإرادته في كلّ تفاصيل الكون، والمتكلِّمون وإن قالوا بذلك إلى حدٍّ ما، ولكن أعطوا قدراً للإنسان في الفاعليّة والتأثير، وحيّزاً أوسع في الحرية والاختيار، لذلك يمكن القول: إنّ الفلاسفة عزّزوا مكانة الله في الخلق، والمتكلّمين عزّزوا مكانة الإنسان في حضرة الله تعالى.
ولعلّ الخلاف بين المتكلِّمين والفلاسفة في موضوع الجبر والاختيار وما يلحق به من مسائل راجع إلى الاختلاف في فهم أصل المسألة، والتفاوت إنّما يؤول إلى تباين الرؤية بين الفيلسوف والمتكلِّم، فالأوّل يرى أنّ المقصود من هذه المسألة هو الله، بينما يرى الثاني أنّ المقصود منها هو الإنسان لذا يدافع الأوّل عن الله بينما يدافع الثاني عن الإنسان.
ولعلّه إلى ذلك يرجع كلام صدر المتألّهين: «إذا تقرّر هذا فلنرجع إلى تحقيق
________________________________________

[الصفحة - 178]


الجبر والقدر، فأقول: إنّ نسبة أفعال العباد كلّها إلى الله، إن وقع من العارف المحقّق، فهو حقّ وصواب، وإن وقع من الجاهل المتكلّم، فهو باطل وخطأ، وكذا تنزيه الله عنها جميعاً، إن وقع من السابقين الأوّلين الحكماء الشامخين والعرفاء الراسخين، فهو أدب وتجريد، وإن وقع من الحكيم الباحث والمتكلِّم القوّال من أهل الاعتزال، فهو سوء أدب وتعطيل..» (23).
وعلى هذا قد يجوز القول: إنّ الاختلاف المدّعى بين المتكلِّم والفيلسوف اختلاف ليس على مفهوم متّحد، حيث وإن كان الموضوع واحداً إلاّ أنّ كلٍّ منهما له مفهوم يختلف عن الآخر في إدراك وتفسير الموضوع المتّحد، وبناءً على ذلك يفهم المتكلِّمون منه أمراً فيرتّبون عليه الأدلّة والنتائج، ويفهم الفلاسفة ـ مقابل ذلك ـ منه شيئاً آخر، ثمّ يبنون عليه آراءهم، فيصلون إلى النتائج التي لا تلتقي بالضرورة مع النتائج التي وصل إليها المتكلِّمون، إذ حتّى لو اتّفق الفريقان في المقدّمات، لكن قد تكون النتائج مختلفة، فلو قال الفيلسوف بالجبر ـ مثلاً ـ أو بمعنى يقرب منه، فإنّه ليس بالضرورة يريد الجبر الذي ينفيه المتكلِّم.
المبحث الرابع
موقف المدرستين من حقيقة الهداية والإضلال
عند قراءة كلماتهم بخصوص هذه المسألة يمكن أن تكون المقارنة بين آرائهم ضمن النقاط التالية:
أوّلاً: معنى الهداية والإضلال
لقد اتّفق المتكلِّمون وكما سيأتي ذلك من بعض الفلاسفة على أنّ الهداية معناها الإشارة ونصب الدلالة والبيان، أو ربما عبّر البعض منهم أنّها النجاة.
والإضلال بخلاف ذلك، فهو يعني عندهم الإشارة إلى خلاف الحقّ أو الهلاك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المتكلِّمين عندما يتعرّضون لمعاني هذه المسألة، كان دأبهم وتأكيدهم على تحقيق وتحصيل المعاني الصادقة في حقّه تعالى من الهداية
________________________________________
(23)تفسير القرآن الكريم3: 285.

[الصفحة - 179]


والإضلال دون غيرها، وهو البحث التالي الذي سنذكره، أو يؤكّدون على رفع شبهة الجبر، التي تمسّك بها المجبّرة عن طريق الآيات القرآنية المتعرّضة لذلك (24).
من هنا، لم نجد في كلماتهم بياناً مستقلاًّ أو تعريفاً موحّداً إلاّ بما يؤول إلى ما ذكرناه، والذي يرجع بالأصل إلى تعابير ومعان لغويّة.
وأمّا الفلاسفة فقد ذهب بعضهم إلى ما ذهب إليه المتكلِّمون من المعاني التي ذكرناها (25)، ولكن ذهب بعض آخر إلى أنّ للهداية تعريفاً اصطلاحيّاً مستقلاًّ وله بُعد آخر غير المعنى الذي تداوله المتكلِّمون وهو ما يوصل إلى الكمال الثاني، معتبرين أنّ الخلق هو الكمال الأوّل والهداية هي الكمال الثاني، كما عليه الشيخ الرئيس والملاّ صدرا «إنّ الهداية هي ما يسوق الشيء إلى كماله الثاني الذي لا يحتاج إليه في أصل وجوده وبقائه» (26).
ولم نجد تعريفاً للإضلال عند الفيلسوفين الأخيرين، وسيأتي تعليل ذلك.
ثانياً: ما يصدق من المعاني في حقّه تعالى
لمّا قبل المتكلّمون منهج التأويل والتوجيه للآيات القرآنية، فسّروا لفظيّ الهداية والضلالة الواردين في الآيات الشريفة بمعاني مختلفة عن ظاهرهما، وذلك أنّ أكثر معاني الهداية عندهم تصدق في حقّه تعالى، إمّا بمعنى أنّ الله هو الذي نصب الدلالة وبيَّن الأحكام والشرائع، أو بمعنى الإشارة إلى الحقّ والإرشاد إليه، وإمّا بمعنى هداية المؤمنين إلى الجنّة وهو الجزاء والثواب عندهم، وهذه المعاني لا إشكال في صدقها عليه تعالى حسب ما يرون.
وأمّا حقيقة الإضلال، فهو لا يصحّ في حقّه تعالى إلاّ بمعنى الإهلاك والعقوبة التي تترتّب على فعل العصاة جزاءً على ما فعلوا (27).
وعلى هذا حرّرت هذه المدرسة بحث الهداية والإضلال من نفق الجبر والإلزام.
إلى جانب ذلك، كان منهج بعض الفلاسفة واضحاً بقبول طريقة التفسير وأُسلوب التأويل، فكانوا رافضين لمنهج القبول بظاهر الآيات الشريفة، كما هو ظاهر
________________________________________
(24)راجع المبحث الرابع من القسم الأوّل.
(25)راجع المبحث الرابع من القسم الثاني.
(26)أُنظر المبحث السابق نفسه.
(27)راجع المبحث الرابع من القسم الأوّل.

[الصفحة - 180]


من كلمات المحقّق الطوسي والعلاّمة الطباطبائي(رحمهما الله)، وعليه كان المنهج المتّبع عندهم في ذلك هو المنهج الكلامي، فصحّحوا بعض المعاني بحقّه تعالى دون غيرها (28).
ولكن جاء ذلك مرفوضاً عند صدر المتألّهين معتبراً أنّ كلّ المعاني التي قال بها المتكلِّمون والفلاسفة غير صحيحة، وإنّما الصحيح هو أنّ الواقع والمراد له سبحانه هو الهداية فحسب، والذي يجوز ويصدق بحقّه وبحضرته هو الهداية دون شيء آخر، ومعنى في حقّه تعالى، هو أنّ الله أفاض الهداية وهي دلالة موصلة إلى الكمال (29).
وأمّا الإضلال فهو أمر عدمي لا وجود له إلاّ بالتبع والعرض، ولذا كان صدر المتألّهين قد رفض كلّ المعاني التي قال بها المتكلِّمون سواء كانت للهداية أو للإضلال، معتبرها وجوه ظنّية قابلة للاحتمال (30).
ثالثاً: هل تعني الهداية والإضلال الجبر؟!
يمكن الجواب عن ذلك ـ بناءً على ما تقدّم ـ بأنّ تفسير الهداية والإضلال في حقّه تعالى لا يوصل إلى القول بالجبر، لاسيّما على رأي المتكلِّمين وبعض الفلاسفة، حيث يبدو الأمر واضحاً; لتصريحهم بذلك.
ولكن يمكن القول إنّ المنهج في الوصول إلى ذلك مختلف، فإنّ السبيل الذي سلكه صدر المتألّهين هو المنهج العقلي الشهودي، بخلاف الطريق الذي سار به المتكلِّمون وهو منهج التأويل والتفسير.
وبالجملة، فالذي قال بتأويل الآيات وصرفها عن ظاهرها خلص من شباك الجبر ورواسبه، والذي منع ذلك ورفض ذلك المنهج، قد يُقال بحقّه إنّه قائل بالجبر ولكن ليس جبراً متعارفاً عند أهل الكلام، بل لعلّه جبراً فلسفيّاً حسب ما قيل (31).
النتيجة
وممّا تقدّم من مقارنات وموازنة في هذا القسم يمكن أن نصل إلى ما يلي:
1 ـيرى المتكلِّمون وبعض الفلاسفة أنّ قضاء الله فعليّ دائماً، فهو يعني أمره
________________________________________
(28)راجع المبحث الرابع من القسم الثاني.
(29)أُنظر المبحث السابق نفسه.
(30)أُنظر المبحث السابق نفسه.
(31)الإلهيات2 : 303.

[الصفحة - 181]


تعالى بالطاعة ونهيه عن المعصية، وعليه يكون داخلاً في العالم، بينما ذهب بعض الفلاسفة أنّه قضاء خارج عن العالم وأحد صور العلم، بل ذهب البعض منهم إلى أنّه ذاتي قديم بقدم الذات.
2 ـاتّفق المتكلِّمون أنّ علاقة إرادة الله تعالى بأفعال الإنسان هي الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، ونفس اتّصافه سبحانه بهذه الصفة مجازي غير حقيقي، بخلاف بعض الفلاسفة، فذهبوا إلى أنّ الاتّصاف حقيقي واختلافها بين الخالق والمخلوق بالشدّة والضعف.
3 ـذهب الفلاسفة إلى أنّه تعالى شريك للإنسان في صدور الفعل، وإن اختلفوا في توجيه ذلك، والمتكلِّمون ذهبوا إلى أنّ الفعل صادر من الإنسان فقط، والله سبحانه معطي القوّة على الفعل، ولذا قال المتكلِّمون بالاختيار الصرف حين صدور الفعل، وقالت الفلاسفة بالاختيار المقيّد بالجبر.
4 ـ الهداية هي النجاة، ونصب الدلالة والإضلال عكس ذلك عند المتكلِّمين، لكن رفض بعض الفلاسفة ذلك; معتبراً أنّ المراد له سبحانه هو الهداية، والإضلال أمر عارض لا يتحقّق إلاّ عند إعراض الإنسان عن طريق الهداية نفسه.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 182]