البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

اُصول الدين بين التقليد والاجتهاد «القسم الثاني»

الباحث :  الشيخ محمّد هادي آل راضي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  51
السنة :  السنة الثالثة عشر خريف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  166
اُصول الدين بين التقليد والاجتهاد
«القسم الثاني»

الشيخ محمّد هادي آل راضي (*)

الفصل الأوّل
في حكم التقليد في اُصول الدين
لا شكّ في عدم جوازه ووجوب النظر والمعرفة عند علمائنا(رضي الله عنهم)، بل عند جميع العلماء إلاّ من شذّ. قال العلاّمة في الباب الحادي عشر: «أجمع العلماء كافّة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية وما يصحّ عليه وما يمتنع عنه والنبوّة والإمامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد» (1)، وقال الشهيد الثاني في رسالة حقائق الإيمان: «إعلم أنّ العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر، وأنّها لا تحصل بالتقليد إلاّ من شذّ منهم» (2)، وقد حكي مثله عن غيرهما كالفاضل المقداد (3)، والقوشجي (4)، والآمدي (5)، والحاجبي (6)من العامة. بل، أصبح ذلك من المسلّمات التي لا يعتريها الريب.
نعم، هناك خلاف في أنّ وجوب المعرفة هل هو عقلي أو شرعي؟ فذهب العدلية إلى الأوّل، والأشاعرة إلى الثاني، وهذا الخلاف مبنيّ على الخلاف في قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين.
________________________________________
(*)أُستاذ الدراسات العليا في حوزة النجف الأشرف، من العراق.
(1)الباب الحادي عشر : 3 ـ 5.
(2)حقيقة الإيمان : 22.
(3)شرح الباب الحادي عشر (النافع يوم الحشر) : 3.
(4)اُنظر شرح تجريد الاعتقاد : 260 ـ 263.
(5)الإحكام 4: 223.
(6)المنتهى في شرح أحكام الآمدي للحاجبي : فصل جواز التقليد في الاُصول.

[الصفحة - 9]


وقد تقدّم أنّ الأصل في ذلك هو الآيات القرآنية الكثيرة التي تنهى عن اتّباع الغير وتقليده في اُصول الدين، مثل قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (المائدة: 104)، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170)، ومثل قولـه تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (الغاشية: 17)، وغير ذلك مما دلّ على النهي عن متابعة الغير في الدين، وعلى وجوب النظر والاستدلال، لكن ليس المقصود بذلك أنّ هذه الآيات هي الدليل على عدم الجواز في المقام؛ وذلك لأنّ هذه المسألة عقلية صرفة تطرح قبل فرض أيّ شيء يتعلّق بالدين، بل يراد من خلال ما تفرزه هذه المسألة من لزوم المعرفة ونحوه إثبات الدين واُصوله ـ كما سيأتي ـ وإنّما المقصود أنّ هذه الآيات هي المنبّهة والمرشدة إلى ما يدركه العقل من عدم جواز التقليد في المقام، ووجوب النظر والاستدلال والمعرفة.
ومنه يظهر أنَّ المراد بالتقليد في عنوان المسألة، هو نفس ما نهى عنه في هذه الآيات الشريفة، أي المتابعة والانقياد للغير من دون اطّلاع، بل لمجرّد أنَّ الغير قاله أو فعله.
هذا وقد استدلّ على وجوب المعرفة والنظر وعدم جواز التقليد في المقام بأُمور:
الدليل الأوّل: الإجماع
كما تقدّم نقله، وفيه:
أوّلاً:إنَّ المسألة عقلية ولا يكون الإجماع حجّة فيها، وبعبارة أخرى أنّ المسألة (وجوب المعرفة) تطرح قبل فرض حجّية الإجماع، فلا معنى للاستدلال به فيها. نعم، بعد ثبوت جملة من اُصول الدين كالتوحيد والنبوة والإمامة، والأدلّة الواردة عنهم ـ المثبتة لحجّية الإجماع ـ حينئذ يصحّ الاستدلال به على وجوب المعرفة في مسائل عقائدية أخرى.
________________________________________

[الصفحة - 10]


ثانياً:عدم تحقّق صغرى الإجماع وإن ادّعاه أكثر من واحد؛ وذلك لأنّ ظاهر كلام مدّعي الإجماع أنّ معقده هو وجوب المعرفة القطعية بالدليل، وأنَّ الجاهل بالمعرفة كذلك خارج عن الإسلام. والظاهر أنّ هذا وإن كان رأياً لكثير من العلماء إلاّ أنّه ليس مجمعاً عليه، فالمعروف أنّ الشيخ الطوسي يرى كفاية الجزم، بل الظنّ من التقليد في الاُصول مع كون النظر واجباً مستقلاً لكنّه معفوّ عنه، كما سيأتي نقل كلامه في العدّة، كما أنّ جماعة من المحقّقين ذهبوا إلى كفاية الظنّ مطلقاً، أي ولو من التقليد في المقام، منهم المحقّق الأردبيلي وصاحب المدارك والشيخ البهائي والمجلسي والمحدّث الكاشاني وغيرهم، وقد اختار جملة من المتأخّرين كفاية الجزم ولو من التقليد، منهم الشيخ الأنصاري، فمع وجود هؤلاء كيف يمكن دعوى الإجماع المذكور.
الدليل الثاني: وجوب شكر المنعم
وهو حكم عقليّ وله تقريبان:
التقريب الأوّل:ما ذكره الشهيد الثاني في حقائق الإيمان، قال «ثمّ استدلّ بوجوب شكر المنعم عقلاً، وشكره على وجه يليق بكمال ذاته يتوقّف على معرفته» (7)وذكره غيره، وهو ظاهر في أنَّ قضية وجوب المعرفة ليست ممّا يحكم بها العقل مستقلاًّ، وإنّما تجب المعرفه لكونها مقدّمة للشكر الواجب عقلاً، حيث لا يتحقّق إلاّ بها كما ذكر. فوجوبها أشبه بالوجوب الغيري. وتوضيح التوقّف أنّه مع ترك طلب المعرفة لا يتمكّن المكلّف من شكر المنعم؛ لأنّ شكره لا يكون إلاّ بعد معرفته.
ثمّ إنَّ المراد بالشكر ـ على ما ذكروه ـ هو صرف النعمة فيما خلقت لأجله ـ على ما صرّحوا به ـ بأداء ما هو وظيفة كلّ نعمة مثل السمع والبصر وهكذا.
التقريب الثاني:إنَّ المعرفة بنفسها مصداق للشكر الواجب بحكم العقل، باعتبار أنَّ المولى سبحانه وتعالى مستجمع لجميع صفات الكمال فيستحقّ أن يعرف، فنفس المعرفة شكر للمنعم، بل هي من أفضل مراتب الشكر كما ذكره بعضهم باعتبار أنَّ الشكر وسائر مقامات الدين لها مراتب ثلاثة: علم وحال وعمل، فمعرفة المنعم من
________________________________________
(7)حقيقة الإيمان : 24.

[الصفحة - 11]


الأوّل، والتخضّع لـه قلباً من الثاني، وصرف النعمة فيما خلقت لأجله من الثالث، فمعرفة المنعم من مراتب الشكر، بل من أفضلها.
وقد نوقش في هذا الدليل بكلا تقريبيه:
المناقشة الأُولى:أنّه لا يستقيم إلاّ على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين، وأنّ العقل يدرك اُموراً بقطع النظر عن الشارع.
المناقشة الثانية:أنّ الاستدلال بهذا الحكم العقلي يتوقّف على إحراز صغراه، أي وجود منعم، والمفروض أنّ الكلام قبل ثبوت وجوده، بل يراد الاستدلال بذلك على وجوب النظر والاستدلال لإثبات وجوده.
ويمكن دفع كلّ منهما:
أمّا الأُولى:فإنّها وإن كانت تامّة إلاّ أنّ الكلام مبنيّ على ذلك.
وأمّا الثانية:فبأنَّ الاستدلال لا يتوقّف على ما ذكر، بل يكفي فيه احتمال وجود المنعم؛ وذلك لأنَّ العقل الحاكم بوجوب شكر المنعم وقبح تضييع حقّه لا يفرّق بين صورة العلم وصورة الاحتمال، بمعنى أنَّ ما يدركه العقل هو وجوب الشكر حتّى لا يلزم الوقوع في القبيح وهو تضييع حقّه على تقدير وجوده، فإنَّ الإنسان التارك للمعرفة يحتمل ذلك قطعاً.
الدليل الثالث: وجوب دفع الضرر المحتمل
فإنّه مع ترك النظر وتحصيل المعرفة يحتمل الوقوع في الضرر الأُخروي، ودفعه واجب وهو لا يكون إلاّ بالمعرفة والنظر، فتجب لذلك. وهو حكم عقليّ فطريّ.
وهذان الحكمان العقليّان ـ وجوب شكر المنعم، ووجوب دفع الضرر ـ يختلفان ملاكاً، فإنَّ ملاك الأوّل ملاحظة حقّ المنعم فيمنع العقل من تضييع حقّه بترك شكره ومعرفته، في حين أنَّ ملاك الثاني ملاحظة جانب حال العبد لئلاّ يقع في الضرر والعقاب بترك الشكر والمعرفة.
وهناك عدّة نقاط ينبغي ذكرها في المقام:
________________________________________

[الصفحة - 12]


النقطة الأُولى
إنَّ المعرفة الواجبة الثابتة بالدليل الثالث أوسع دائرة ممّا يثبت بالثاني؛ وذلك لأنّ ما يثبت بالثاني هو وجوب معرفة المنعم، وهو لا ينطبق إلاّ على بعض المسائل الاعتقادية، أي التوحيد، أي معرفة الصانع وتوحيده وصفاته، وأما النبوّة والإمامة فضلاً عن المعاد فلا يمكن الاستدلال على وجوب المعرفة فيها بهذا الدليل، أمّا المعاد فواضح، وأما النبوّة والإمامة فلعدم توقّف شكر المنعم الحقيقي على معرفة الأنبياء والأئمّة وعصمتهم وسائر ما يذكر في مباحث النبوّة والإمامة.
نعم، ذكر بعض المحققّين كون الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) وسائط نعمه وآلائه سبحانه وتعالى على الناس، فيجب شكرهم المتوقّف على معرفتهم (8).
وذكر المحقّق الأصفهاني وجهاً آخر لوجوب معرفتهم بهذا الدليل حاصله، إنَّ شكر المنعم على الوجه المعيّن من قبله لا يعلم إلاّ من قبلهم؛ لأنّهم وسائط التشريع لقصور النفوس البشرية عن تلقّي الوحي الإلهي بلا واسطة هؤلاء. فشكر المنعم الحقيقي سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب له لا يمكن معرفته للناس إلاّ من طريقهم(عليهم السلام)، فلا بدّ من معرفتهم حتّى يمكن أداء شكر المنعم على الوجه المطلوب (9).
والذي يفهم من كلماتهم هو أنَّ المراد من النعم التي يجب شكر معطيها هي نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة الحواسّ ونحوها، وأنَّ المراد بالشكر هو صرف النعمة فيما خلقت لأجله وتحقيق الهدف الذي يتوخّاه المنعم من تلك النعم. وبناء على ذلك، فنحن لا نفهم ما استدلّ به على وجوب معرفة الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) بكونهم وسائط نعمه وآلائه جلَّ وعلا، فيجب شكرهم المتوقّف على معرفتهم، وذلك:
أوّلاً:كما أشار إليه المحقّق الأصفهاني، أنّه مناف بظاهره للتوحيد في الفعل المستلزم لرؤية وسائط النعمة بمنزلة الآلات وأنّه لا منعم في الحقيقة سواه، فيكون رؤية النعمة منهم وشكرهم على حدّ شكر المنعم الحقيقي شركاً بالمنعم بما هو منعم (10).
ثانياً:إنّ الواسطة المذكورة إما أن يكون المراد بها أنّهم مجاري فيض الوجود،
________________________________________
(8)كفاية الاُصول : 329 ـ 330.
(9)مُنتهى الدراية 5: 104؛ نهاية الدراية 2: 379 ـ 380.
(10)نهاية الدراية 2: 379.

[الصفحة - 13]


أو إمّا بمعنى أنّهم الغاية المقصودة من الوجود والإيجاد. وعلى كلا التقديرين فهذه الوساطة بما لا يدركها عقل الإنسان الفطري حتّى يحكم بوجوب شكرهم على أساس ذلك خصوصاً ونحن نتكلّم عن حكم العقل قبل فرض الشرع والشارع، فمن أين نعلم أنّهم كذلك حتّى نحكم بوجوب شكرهم.
نعم، يمكن أن يقال إنَّ الشكر الذي يحكم العقل بوجوبه هو صرف النعمة فيما خلقت لأجله، فلا بدّ من معرفة الغاية والهدف من إعطاء تلك النعمة، ولا يمكن ذلك إلاّ من نفس المنعم سبحانه وتعالى، وحيث إنّه لا طريق لنا إلى ذلك مباشرة فلا بدّ من التفتيش والبحث عن وسائطه الذين يجعلهم رسلاً إلى خلقه لإبلاغهم ما يريد منهم، وبذلك تثبت وجوب معرفة هؤلاء لتوقّف أداء الشكر بهذا المعنى على ذلك. ولعلَّ هذا هو مقصود المحقّق الأصفهاني بكلامه السابق.
وعلى كلّ حال، فدليل وجوب دفع الضرر المحتمل أوسع دائرةً من دليل وجوب شكر المنعم، لعدم شمول الأخير لواحد من اُصول الدين وهو المعاد جزماً سواء شمل النبوّة والإمامة أم لا.
ثمّ إنَّ المحقّق الأصفهاني ذكر: «إنّ شكر المنعم علماً وحالاً وعملاً وإن كان تعظيماً للمنعم وإحساناً إليه إلاّ أنّه لا يثبت به إلاّ مجرّد الحسّ واستحقاق المدح على فعله بمراتبه، وليس ترك كلّ تعظيم وإحسان قبيحاً إلاّ إذا كان ظلماً من حيث كونه كفراناً» (11)، والظاهر أنّ مراده أنّ الحسن في المقام لا يلازم الوجوب.
وفيه:
إنّ الشكر والإحسان ليس لـه مراتب حتى يقال إنّ ترك بعض مراتبه ليس قبيحاً، فلا يكون واجباً بالمعنى المقصود في المقام، بل الشكر ـ كما تقدّم ـ يكون بتحقيق الهدف الذي يتوخّاه المنعم من النعمة، والظاهر أنّ إدراك العقل لذلك إنّما هو باعتبار أنّ من حقّ المنعم صرف النعمة فيما خلقت لأجله، فترك ذلك يكون سلباً لهذا الحق واعتداءً على المنعم وظلماً له، فيكون قبيحاً من هذه الجهة. وعليه، فترك الشكر دائماً قبيح؛ لأنّه ظلم.
والحاصل:إنّ الحكم بالحسن إذا كان بنكتة الحق الثابت للمنعم وأنّ ترك
________________________________________
(11)نهاية الدراية 2: 377 ـ 378.

[الصفحة - 14]


الشكر سلب لحقّه، فيكون ظلماً قبيحاً كان معنى ذلك الوجوب واللزوم.
النقطة الثانية
إنّ ما يثبت بهذين الدليلين ـ الثاني والثالث ـ مباشرة وإن كان هو وجوب المعرفة وتحصيل العلم واليقين، إلاّ أنه يمكن أن يستدلّ بهما على وجوب الاعتقاد والتديّن بما يُعلم وذلك باعتبار أنّ تحصيل المعرفة بدون الاعتقاد والتديّن يحتمل فيه عدم أداء الشكر الواجب للمنعم، كما يحتمل فيه الضرر الأُخروي، وذلك لأنّا نحتمل أنّ الاعتقاد والتديّن دخيل في الشكر الواجب، بمعنى أنّ الشكر بالنحو المعيّن من قبل المنعم والذي يفترض كونه صرف النعمة فيما خلقت لأجلها يحتمل أن لا يكفي فيه مجرّد تحصيل العلم واليقين ما لم ينضم إلى ذلك الاعتقاد والتديّن، كما أنّه مع عدم الاعتقاد والتديّن يحتمل الضرر الأُخروي فيجب دفعه.
بل، قد يقال بحصول الجزم باعتبار الاعتقاد وعدم كفاية المعرفة ـ بناءً على ما تقدّم من الفرق بينهما ـ فإنّ ما يراد من المكلّف ليس مجرّد العلم بالشيء واليقين به، بل يراد به الاعتقاد والانقياد، بل في الحقيقة أنّ هذا هو المطلوب الحقيقي في باب الأديان والشرايع، بمعنى أنّه على تقدير وجود صانع وخالق ونبوّة... الخ، فالمطلوب من المكلّف ليس معرفة هذه الأُمور ونحوها فقط، بل اتخاذ ذلك عقيدة ودين.
والحاصل:إنّ وجوب كلٍّ من المعرفة والاعتقاد يمكن إثباتهما بهذين الدليلين.
النقطة الثالثة
إنّ الدليلين المتقدّمين ـ الثاني والثالث ـ وإن أُدرجا في الدليل العقلي إلاّ أنّه يمكن أن يفرّق بينهما، فإنّ وجوب شكر المنعم من أحكام العقل العملي، أي إدراك العقل أنَّ هذا الشيء ممّا ينبغي أن يعمل ومرجعه ـ كما ذكرنا ـ إلى إدراك العقل وجود حقّ للمنعم وهو حقّ الشكر، وإنّ تضييع هذا الحقّ بترك المعرفة قبيح؛ لأنّه ظلم وتعدٍّ على صاحب الحقِّ.
ولذا يحكم العقل حكماً لزوميّاً بلزوم المعرفة كمقدّمة للشكر الواجب، وأما لزوم دفع الضرر المحتمل فالظاهر أنّه ليس من الأحكام العقلية بالمعنى السابق، إذ لا
________________________________________

[الصفحة - 15]


يُلزم العقل بدفع الضرر المقطوع فضلاً عن المحتمل، وإنّما الضرر مقطوعاً كان أو محتملاً ممّا تقتضي جبلّة الإنسان وفطرته الفرار منه فلا يقدم عليه، وليس معنى ذلك وجود حكم عقلي زائداً على ذلك بالإلزام، ولذا فإنّ الإقدام على محتمل الضرر أو مقطوعه ليس مورداً لذمّ أو عقاب آخر غير العقاب والضرر المحتمل أو المقطوع. نعم، لا إشكال في أنّ ما ذكرنا يكفي لدعوة المكلّف لتحصيل المعرفة فراراً عن الضرر المحتمل.
الدليل الرابع: الأدلّة السمعية من الكتاب والسنّة
وهي كثيرة مثل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، أي ليعرفون كما فسّرت بذلك، وكذا كلّ الآيات القرآنية التي تنهى عن التقليد ومتابعة الآباء والأُمّهات في المسائل العقائدية، والآيات التي تأمر بالتفكّر في الخلق والآيات الإلهية في الآفاق وفي أنفسهم، مثل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء} (الأعراف: 185)، وقوله: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}(الغاشية: 17 ـ 20)، وقوله: {فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً* ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً* فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً* وَعِنَباً وَقَضْباً} (عبس: 24 ـ 28)، وقوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} (النساء: 82).
وأمّا السنّة فهي أيضاً كثيرة، مثل صحيحة معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم أحبُّ ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ ما هو؟ فقال: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة» (12)، ومثل عمومات طلب العلم وأنّه فريضة على كلِّ مسلم، بل عمومات وجوب التفقه في الدين فإنّها بعمومها تشمل المسائل الاعتقادية، ولذا استدلّ الإمام(عليه السلام) بآية النفر على وجوب الفحص عن الإمام بعد مضي الإمام الذي قبله، كما في صحيحة يعقوب بن شعيب قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): إذا حدث على الإمام حدثٌ، كيف يصنع النّاس؟ قال: أين قول الله عزَّ
________________________________________
(12)وسائل الشيعة 4: 38 ح 4453.

[الصفحة - 16]


وجلَّ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(التوبة: 123)، قال: هُم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الّذين ينتظرونهم في عذر، حتّى يرجع إليهم أصحابهم» (13).
وفي صحيحة عبدالأعلى قال: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام): عن قول العامّة: إنَّ رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) قال: مَن مات وليس لـه إمام مات ميتة جاهليّة، فقال: الحقُّ والله، قلت: فإنَّ إماماً هلك ورجلٌ بخراسان لا يعلم مَن وصيّه لم يسعه ذلك؟ قال: لا يسعه إنَّ الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيّه على من هو معه في البلد وحقُّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم، إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} » (14).
ومثلها صحيحة محمّـد بن مسلم. قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): أصلحك الله بلغنا شكواك وأشفقنا، فلو أعلمتنا أو علّمتنا من؟ قال: إنّ عليّاً(عليه السلام) كان عالماً والعلم يتوارث، فلا يهلك عالمٌ إلاّ بقي من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله، قلت: أفيسع النّاس إذا مات العالم ألاّ يعرفوا الّذي بعده؟ فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا ـ يعني المدينة ـ وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، إنَّ الله يقول: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122). قال: قلت أرأيت من مات في ذلك؟ فقال: هو بمنزلة من خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله. قال: قلت: فإذا قدموا بأيّ شيء يعرفون صاحبهم؟ قال: يعطى السكينة والوقار والهيبة» (15).
ولا شكّ في دلالة بعض هذه الأدلّة على وجوب المعرفة والنظر، وإنّما الكلام يقع في جهات:
الجهة الأُولى
هل يصحّ الاستدلال بالأدلّة السمعية المذكورة على وجوب تحصيل المعرفة؟ فإنّه يبدو لأوّل وهلة عدم صحّة ذلك، باعتبار أنّ الاستدلال بها إنّما يكون لفرض إثبات وجوب المعرفة في اُصول الدين، أي إنّه يفترض قبل الشرع والشارع وسائر
________________________________________
(13)اُصول الكافي 1: 378 ح1، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام.
(14)اُصول الكافي 1: 378 ح2، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام.
(15)اُصول الكافي 1: 379 ح3، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام.

[الصفحة - 17]


الأُمور الأخرى، فكيف يصحّ الاستدلال بها في ذلك المقام والحال أنّه لم يثبت بعد ما تكون حجيّتها موقوفة عليه أي اُصول الدين؟
وبعبارة أخرى، إنّ صحّة الاستدلال بها موقوف على ثبوت اُصول الدين في الجملة، فلا معنى للاستدلال بها على وجوب المعرفة في تلك الاُصول، فإنّه دور ظاهر.
ويمكن أن يقال إنّ ما ذكر وإن كان تامّاً إلاّ أنّه إنّما يمنع من الاستدلال بالأدلّة السمعية على وجوب المعرفة في بعض المسائل لا في جميعها، مثلاً الاستدلال بها على وجوب المعرفة في مسألة المعاد ونحوه ممّا لا محذور فيه بعد فرض ثبوت التوحيد والنبوّة وسائر المسائل الاعتقادية التي تكون دخيلة في حجّية هذه الأدلّة السمعية. ولا يلزم من ذلك دور لوضوح أنّ صحّة الاستدلال بها موقوفة على ثبوت تلك المسائل الاعتقادية، وما يراد إثباته بها هو وجوب المعرفة في مسألة اعتقادية أخرى. نعم، الاستدلال بها على وجوب المعرفة في تلك المسائل التي تتوقّف على ثبوتها حجيّة هذه الأدلّة السمعية لا يخلو من محذور، فلاحظ.
والحاصل:إنّه يمكن تقسيم المسائل الاعتقادية إلى قسمين:
القسم الأوّل:ما يتوقّف على ثبوته حجّية وصحّة الاستدلال بالأدلّة السمعية.
القسم الثاني:ما لا يتوقّف على ثبوته حجّية وصحّة الاستدلال بالأدلّة السمعية.
ومثال القسم الأوّل:مثل وجود الصانع ونفي بعض الصفات عنه، مثل الكذب فإنّه يتوقّف على ذلك صحّة الاستدلال بقوله كما أنّ صحّة الاستدلال بالقرآن يتوقّف زائداً على ذلك، على إثبات صحّة القرآن وكونه كلام الله المنزّل على النبّي(صلي الله عليه و آله و سلم)، وهكذا تمامية الاستدلال بقول الأنبياء يتوقّف على إثبات نبوّتهم، فلا يصحّ الاستدلال بقولهم على وجوب المعرفة، وهكذا الاستدلال بقول الأئمّة(عليهم السلام) يتوقّف على إثبات إمامتهم، وكذا عصمتهم وهكذا.
وهذا القسم من المسائل هي التي لا يصحّ الاستدلال منها بالأدلّة السمعية للزوم الدور ونحوه.
ومثال القسم الثاني:مثل مباحث المعاد وكذا الإمامة، فإنّه لا يتوقّف على
________________________________________

[الصفحة - 18]


صحّة الاستدلال بالأدلّة السمعية الواردة فيها ثبوتها والفراغ عنها حتى يلزم الدور، وإنّما يتوقّف على ثبوت المسائل من القسم الأوّل.
وعلى هذا الأساس، فالإنسان المكلّف إذا فرغ عن إثبات التوحيد، أي وجود الخالق وعدله وتنزّهه عن الصفات الرديئة، وعن إثبات نبوّة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وعصمته، أمكن لـه الاستدلال بأقوالهما على وجوب المعرفة، فيستدلّ بالآيات القرآنية وسنّة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على وجوب المعرفة في المعاد والإمامة ونحوها.
نعم، عرفت أنّ الاستدلال بالقرآن وبالروايات الواردة عن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) يحتاج إلى إثبات صدور ذلك عنهم، فلا بدّ من إثبات ذلك بالدليل حتّى يصحّ الاستدلال بها.
ثمّ إنّ هذا الدليل هو الدليل الوحيد عند الأشاعرة في المقام؛ وذلك لأنّهم يرون أنّ وجوب المعرفة ليس عقليّاً، بل شرعي، وذلك بناءً على رأيهم في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين، حيث ينكرون ذلك ويرون أنَّ الحسن والقبح ليس من الأُمور الذاتية في الأفعال ـ والتي يدركها العقل ـ بل هما تابعان للشارع، فالحسن ما حسّنه الشارع، وكذا القبيح.
الجهة الثانية
إنَّ الأدلّة السمعية قد تفيد العلم في بعض الأحيان، وقد لا تفيد إلاّ الظنّكما هو الغالب، أمّا باعتبار السند أو باعتبار الدلالة، فهل يصحّ الاستدلال بها ـ في الموارد الخاصّة المتقدّمة ـ مطلقاً أو إذا أفادت العلم؟ والجواب عن ذلك يرتبط بتنقيح أنّ مسألة وجوب المعرفة، هل هي من المسائل الفرعية أو من المسائل الأُصولية الاعتقادية؟ فإن قلنا بأنّ المسألة فرعية شرعية جاز الاستدلال بهذه الأدلّة مطلقاً، وأمّا إذا قلنا إنّها من الاُصول وقلنا بعدم جواز العمل بالظنّ في الاُصول، فلا يصحّ الاستدلال بهذه الأدلّة إلاّ إذا أفادت العلم.
ولا يبعد أنّها مسألة فرعية لانطباق ضابطها عليها، وهي أنّ المطلوب فيها العمل والجري الخارجي لا الاعتقاد والتديّن، فإنّ المكلّف إذا تمّت عنده الأدلّة السابقة ـ على وجوب تحصيل المعرفة ـ لا يطالب بأن يعتقد بذلك ويتديّن به، بل هو مطالب بالعمل خارجاً على تحصيل المعرفة. ومن الواضح أنّ الاستدلال على الوجوب في
________________________________________

[الصفحة - 19]


المسألة ـ بالأدلّة العقلية السابقة ـ لا يعني ولا يلازم كونها غير فرعية لإمكان الاستدلال على المسائل الفرعية بالأدلة العقلية، مثل حرمة الظلم، ووجوب العدل، فلاحظ.
نعم، لا بدّ من افتراض حجّية هذه الأدلّة حتّى يمكن الاستناد إليها لإثبات وجوب المعرفة.
هذه هي الأدلّة المذكورة في كلماتهم لإثبات وجوب المعرفة، وقد عرفت تمامية بعضها وخصوصاً الأدلّة العقلية. وعليه، فلا شكّ في وجوب المعرفة في الجملة.
الفصل الثاني
في تحديد المعرفة الواجبة
ويقع البحث في نقاط:
النقطة الأُولى
هل مفاد الأدلّة المتقدّمة وجوب تحصيل المعرفة في جميع المسائل الاُصولية أو في بعضها؟ وعلى الثاني فما هو المناط في ذلك؟
ذكر الشيخ الأنصاري تقسيماً للمسائل الاعتقادية حاصله أنّها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل:ما يجب على المكلّف الاعتقاد والتديّن به غير مشروط بحصول العلم كالمعارف، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات الواجب المطلق فيجب.
القسم الثاني:ما يجب الاعتقاد والتديّن به إذا اتفق حصول العلم كبعض تفاصيل المعارف (16).
ثمّ إنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ المقصود من عدم وجوب الاعتقاد والتديّن في مسائل القسم الثاني ـ إلاّ على تقدير حصول العلم ـ هو عدم وجوب الاعتقاد التفصيلي الذي يكون عن علم عادة، وأمّا الاعتقاد الإجمالي الذي يجتمع مع الشكّ
________________________________________
(16)الرسائل 1: 555 ـ 556.

[الصفحة - 20]


وعدم العلم فقد يلتزم بوجوبه في هذا القسم، فيقال إنّ المكلّف يجب عليه أن يعتقد بمسألة القضاء والقدر مثلاً ـ مع عدم العلم ـ بالواقع على ما هو عليه، وكذا في بقية المسائل وهذا هو الاعتقاد الإجمالي، فلو فرض قيام دليل على وجوب الاعتقاد في بعض هذه المسائل مع فرض عدم وجوب المعرفة كان معنى ذلك لزوم الاعتقاد الإجمالي المشار اليه.
والحاصل:إنّ ما ذكرناه من عدم وجوب الاعتقاد في هذا القسم، إلاّ على تقدير حصول العلم، لا ينافي الالتزام بوجوب الاعتقاد فيه قبل حصول العلم؛ لأنّ المراد من الأوّل الاعتقاد التفصيلي الذي لا يكون إلاّ مع العلم، ومن الثاني الاعتقاد الإجمالي الذي يكون مع الشكّ فلاحظ.
وهذا التقسيم معناه أنّ ما يجب فيه تحصيل المعرفة هو خصوص القسم الأوّل، وأمّا الثاني فلا يجب فيه تحصيل المعرفة وإنمّا يجب الاعتقاد التفصيلي أو التديّن به على فرض حصولها، ومراده من المعارف التي يجب فيها تحصيل المعرفة هي:
1 ـالاعتقاد بوجوب الواجب الجامع للكمالات المنزّه عن النقائص (17).
2 ـالاعتقاد بنبوّة نبيّنا محمّـد(صلي الله عليه و آله و سلم).
3 ـالاعتقاد بإمامة الأئمّة(عليهم السلام) والبراءة من أعدائهم.
4 ـالاعتقاد بالمعاد الجسماني (18).
وأمّا ما عداها فلا يجب فيها ذلك، بل قد لا يجب منها حتّى الاعتقاد على تقدير حصول العلم. نعم، لا يجوز إنكارها مع فرض حصول العلم بها؛ لرجوعه إلى تكذيب الرسالة.
وذكر صاحب الكفاية أنّ ما يجب فيه تحصيل المعرفة عقلاً هو خصوص الثلاثة الأُولى، وأمّا ما عداها فلا يجب فيه ذلك إلاّ إذا دلَّ الدليل الشرعي على وجوب العلم به (19).
وحكي عن المحقّق الكركي قوله: «يجب على كلّ مكلّف...أن يعرف الاُصول الخمسة التي هي أركان الإيمان... بالدليل لا بالتقليد، ومن جهل شيئاً من ذلك لم ينتظم في سلك المؤمنين واستحقّ العقاب الدائم مع الكافرين» (20).
________________________________________
(17)هناك من علمائنا من لم يذكر العدل؛ لأنّه أدخله تحت أصل التوحيد والاعتقاد بوجوب الواجب الجامع للكمالات ومنها العدل.
(18)الرسائل 1: 568.
(19)الكفاية : 330.
(20)رسائل المحقّق الكركي 1: 60.

[الصفحة - 21]


وقال العلاّمة في الباب الحادي عشر: «أجمع العلماء كافّة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية، وما يصحّ عليه وما يمتنع عنه، والنبوّة والإمامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد»(21).
والذي يظهر من مجموع هذه الكلمات وغيرها أنّ مدرك ما ذكروه هو الأخبار، وأنّ اختلاف الأخبار أو اختلاف فهمها من قبل علمائنا هو السبب في جميع ما ذكروه من الاختلاف في النتائج.
توضيح ذلك:أنّك عرفت أنَّ الدليل على وجوب المعرفة هو عبارة عن حكم العقل بالمعنى المتقدّم والأدلّة السمعية.
أمّا العقل
فهو إمّا وجوب شكر المنعم وإمّا لزوم دفع الضرر الأُخروي المحتمل.
أمّا الأوّل (وجوب شكر المنعم):فقد عرفت أنّ ما يثبت به هو خصوص وجوب معرفة المنعم الحقيقي سبحانه وتعالى، وأمّا وجوب معرفة ما عدا ذلك ـ من المسائل الاعتقادية ـ فلا يثبت بهذا الدليل، إذ لا يتوقّف عليها شكر المنعم الواجب عقلاً. نعم، معرفة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)والإمام(عليه السلام) قد يثبت وجوبها بهذا الدليل باعتبار أنّهم المبلّغون عنه، وأنّ أداء الشكر الواجب للمنعم الحقيقي يتوقّف على ذلك، لما تقدّم من أنّ الشكر يراد به صرف النعمة فيما خلقت لأجله. ومن الواضح أنّه لا يمكن معرفة الهدف والغاية من خلق النعم ـ حتّى يمكن للمكلّف أن يصرف النعمة فيه ـ إلاّ من قبله سبحانه وتعالى، وحيث لا طريق لنا إلى معرفة ذلك منه مباشرة، فلا بدّ من معرفة الوسائط الذين انتخبهم للتبليغ حتّى نتمكّن من أداء الشكر الواجب.
إذن، ما يثبت بهذا الدليل هو وجوب المعرفة في الاُصول الثلاثة، أي التوحيد والنبوّة والإمامة، إلاّ أنّ ما يجب ليس هو معرفة جميع التفاصيل المذكورة في هذه الاُصول، بل خصوص ما يرتبط بأداء شكر المنعم.
وأما الثاني (لزوم دفع الضرر المحتمل):فقد عرفت أيضاً أنّه يثبت به وجوب المعرفة في دائرة أوسع ممّا يثبت بالدليل الأوّل، فكلّ مسألة يكون في ترك تحصيل المعرفة بها احتمال الضرر والعقاب تجب فيها المعرفة بمقتضى هذا الدليل.
________________________________________
(21)الباب الحادي عشر : 3 ـ 5.

[الصفحة - 22]


وهذا الضابط قد يشمل مسائل كثيرة، وهذا يواجه مشكلة عدم التزام بعض الأعلام إلاّ بوجوب المعرفة في مسائل محدودة من مسائل الاُصول الثلاثة المتقدّمة.
والصحيح:إنّ هذا الدليل العقلي بشكل عامّ إنّما يصحّ التمسّك به لإثبات الوجوب في مورد حيث لا يوجد دليل في نفس ذلك المورد يدلّ على عدم الوجوب، فإنّ هذا الدليل ـ لو وجد ـ يعتبر مؤمّناً من الضرر والعقاب، أي أنّه رافع لموضع حكم العقل، أمّا بالورود إذا كان الدليل قطعياً، أو بالحكومة إذا كان حجّة بالتعبّد. والوجه في ذلك واضح، فإنّ موضع القاعدة العقلية هو احتمال الضرر وهو يرتفع بمثل هذا الدليل. وعليه، ففي محلّ الكلام إذا فرض وجود ما يدلّ على عدم وجوب المعرفة ـ فيما زاد على الاُصول الثلاثة ـ كان هذا الدليل مانعاً من الرجوع إلى حكم العقل لإثبات الوجوب فيما زاد على ذلك، وسيأتي استعراض الأدلّة على عدم وجوب المعرفة في ذلك.
وأمّا الأدلّة السمعية
أمّا قولـه تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، فنلاحظ على ذلك:
1 ـلم يرد تفسير العبادة في الآية بالمعرفة في شيء من رواياتنا، فراجع البرهان وغيره، وذكر المحقّق الأصفهاني أنّه مأخوذ من تفاسير العامّة (22).
2 ـإنّ الآية بناء على هذا التفسير لا تدلّ على أكثر من وجوب معرفته سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنَّ النون في (ليعبدون) نون الوقاية لا نون الجمع حتى يقال بإطلاقه من حيث حذف المتعلّق؛ وذلك لأنَّ نون الجمع سقطت بدخول الناصب المقدّر (أنّ) ومعنى الآية ليعبدوني، فلا تدلّ إلاّ على وجوب معرفته سبحانه وتعالى.
وأمّا الآيات الناهية عن التقليد والآيات الآمرة بالنظر والتدبّر في الخلق ـ وأمثال ذلك ـ فالظاهر أنَّ المراد بها النظر في آيات الله الدالة على وجوده وقدرته وعظمته سبحانه وتعالى، وكذا الآيات الناهية عن التقليد، فإنّها واردة في هذا السياق، أي أنّها تنهاهم عن التقليد وتأمرهم بالنظر والتدبّر، فهي على أفضل الأحوال تشمل أصلين من الاُصول الخمسة، أي التوحيد والنبوّة دون ما عداها.
________________________________________
(22)نهاية الدراية 3: 429.

[الصفحة - 23]


وأمّا آية النفر فهي ظاهرة، بل صريحة في الوجوب الكفائي للتفقّه، وهذا يمكن الالتزام به في الأحكام الشرعية الإلهية، وأمّا في المسائل الاعتقادية فالوجوب للمعرفة منها عيني، فإنَّ المدّعى أنّه يجب على كلّ مكلّف تحصيل المعرفة، فلا يصحّ الاستدلال بها في المقام.
مضافاً إلى أنَّ الآية الشريفة ظاهرة في الحجّية التعبّدية لقول المنذر المتفقّه في الدين، وهذا لا يتلائم مع التفقّه في اُصول الدين.
إلاّ أنّه بالرغم من ذلك، فهناك روايات صحيحة السند استدلّ فيها الإمام(عليه السلام) بالآية على وجوب معرفة الإمام(عليه السلام) بعد مضيّ الإمام الذي قبله، ممّا يستلزم كون الآية شاملة لاُصول الدين مثل ما رواه في الكافي بسند صحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): «إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: اين قول الله عزَّ وجل:{فلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122)، قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع اليهم أصحابهم» (23).
ومثلها صحيحة محمّـد بن مسلم. قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): أصلحك الله بلغنا شكواك وأشفقنا، فلو أعلمتنا أو علّمتنا من؟ قال: إنّ عليّاً(عليه السلام) كان عالماً، والعلم يتوارث، فلا يهلك عالمٌ إلاّ بقي من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله، قلت: أفيسع النّاس إذا مات العالم ألاّ يعرفوا الّذي بعده؟ فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا ـ يعني المدينة ـ وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، إنَّ الله يقول: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122)، قال: قلت أرأيت من مات في ذلك؟ فقال: هو بمنزلة من خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله. قال: قلت: فإذا قدموا بأيّ شيء يعرفون صاحبهم؟ قال: يعطى السكينة والوقار والهيبة» (24).
والصحيح:إنّ الآية وإن كانت دالّة على أصل وجوب المعرفة، إلا أنّها لا إطلاق فيها بالنسبة إلى ما يجب معرفته من المسائل الاعتقادية حتّى تدلّ على
________________________________________
(23)اُصول الكافي 1: 378.
(24)اُصول الكافي 1: 379 ـ 380 ح3.

[الصفحة - 24]


وجوب المعرفة مطلقاً؛ وذلك لأنّ الآية بصدد بيان الوسيلة التي يتحقّق بها التفقّه الواجب، وأنّه يحصل بأن ينفر جماعة من كلّ فرقة ولا يلزم نفر الجميع، وليست بصدد بيان الموارد التي يجب فيها النفقة والمعرفة حتّى يتمسّك بإطلاقها. نعم، القدر المتيقّن منها هي الإمامة باعتبارها مورد الرواية وكذا التوحيد والنبوّة بالأولوية، وأمّا ما عدا ذلك فلا دلالة لها على وجوب المعرفة فيه.
وأما عمومات طلب العلم ونحوه، فقد ظهر جوابها ممّا تقدّم، فإنّه لو سلّم دلالتها على وجوب المعرفة، فلا إطلاق فيها حتّى يتمسّك به لإثبات وجوب المعرفة في جميع المسائل؛ وذلك لأنّها بصدد الحثّ على طلب العلم، وليست في مقام بيان ما يجب العلم به فلاحظ.
وأما صحيحة معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم أحبُّ ذلك إلى الله عزَّ وجل ما هو؟ فقال: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة» (25)، فنلاحظ فيها ما يلي:
1 ـإنّ دلالتها على أصل وجوب المعرفة محلّ مناقشة؛ وذلك لأنّ كون المعرفة أفضل من الصلاة لا يلازم وجوب المعرفة، فإنّ الأفضلية بمعنى الأكثرية ثواباً وأجراً وهي لا تلازم الوجوب، ولذا كان السلام أفضل من الجواب مع كونه مستحبّاً والجواب واجباً، وكذا إبراء المعسر من الدَين أفضل من إنظاره به، مع أنّ الثاني واجب والأوّل مستحبّ.
2 ـلو سلّم دلالتها على أصل وجوب المعرفة، فلا إطلاق فيها بحيث يدلّ على وجوب المعرفة في جميع المسائل؛ وذلك لأنَّ المراد بالمعرفة فيها المعرفة المعهودة وهي معرفة الله سبحانه وتعالى، أو هي مع معرفة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، فلا تشمل ما عدا ذلك خصوصاً مع جعلها أفضل من الصلاة فلاحظ.
ويظهر من مجموع ما تقدّم أنّه لم يدلّ دليل لا من العقل ولا النقل على وجوب المعرفة فيما زاد على الاُصول الخمسة. وعليه، فما عدا ذلك لا تجب فيه المعرفة، وأمّا نفس الاُصول فالمتيقّن من الأدلّة السابقة هو التوحيد والنبوّة والإمامة، وأمّا المعاد فقد عرفت أنّ مقتضى لزوم دفع الضرر المحتمل وجوب
________________________________________
(25)وسائل الشيعة 4: 38 ح 4453.

[الصفحة - 25]


تحصيل المعرفة به، بل وبغيره ممّا يحتمل فيه الضرر بترك تحصيل المعرفة، إلاّ أنّك عرفت أيضاً أنّ ذلك موقوف على عدم قيام دليل على عدم وجوب المعرفة فيه. ومن هنا، لا بدّ من استعراض الأدلّة التي تدلّ على ذلك، وهي عبارة عن:
الدليل الأوّل
السيرة بدعوى أنّا نعلم بالوجدان جهل كثير من الناس بالمعاد، وخصوصاً الجسماني منه من أوّل البعثة إلى يومنا هذا، ومع هذا جرت السيرة على ترتيب أحكام الإيمان والإسلام عليهم، وهذه السيرة ممضاة من قبل المعصوم؛ لأنّها معاصرة له ولم يردع عنها.
وفيه أوّلاً:إنّ هذه السيرة غير مسلّمة؛ وذلك لأنَّ أكثر الناس يعلمون بالمعاد ويعتقدون به. نعم، قد يجهلون تفاصيله مثل كونه جسمانياً، وليس واضحاً أنّ هذه الخصوصيات تجب فيها المعرفة بحيث إنّ عدم العارف بها ـ لا المنكرـ يخرج عن الإيمان كما هو مقتضى وجوب المعرفة.
والحاصل:إنَّ دعوى جهل أكثر الناس أو معظمهم ـ بالمعاد ـ مجازفة. نعم، إذا اُريد من الجهل عدم العلم به من طريق النظر والاستدلال فقد يكون تاماً، إلاّ أنّك ستعرف أنّ العلم كذلك ليس شرطاً في الإيمان، بل يكفي مطلق العلم والاعتقاد حتى إذا حصل من التقليد.
وثانياً:احتمال أنّها ناشئة من قلّة المبالاة بالدين وعدم الاهتمام به، ومثلها لا يستكشف منها الإمضاء من قبل المعصوم(عليه السلام).
الدليل الثاني
خلوّ الأخبار الواردة ـ في مقام تحديد الإيمان وتفسيره ـ عن ذكر المعاد، فقد ادّعى المحقّق الإشتياني في حاشيته على الرسائل ذلك قائلاً: «وعدم ذكره في خبر من أخبار الباب ربّما يشهد على عدم كونه أصلاً مستقلاًّ وكونه من فروع تصديق النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)» (26).
وفيه:إنّه مذكور في غير واحد من أخبار الباب كما سيأتي.
ويظهر من مجموع كلماتهم في المقام أنّهم اختلفوا في المعاد، هل هو من
________________________________________
(26)بحر الفوائد 1: 282.

[الصفحة - 26]


القسم الأوّل الذي يجب فيه تحصيل المعرفة ثمّ الاعتقاد والتديّن به، أو أنّه من القسم الثاني. فمن جعله من شرائط الإيمان والإسلام فظاهره إدراجه في القسم الأوّل؛ لأنّ جعله شرطاً في الإيمان يلازم كون المكلّف مطالباً بتحصيل المعرفة به لتوقّف الإيمان والإسلام عليه فيجب. وأمّا من جعله كسائر الأُمور الثابتة عن الله أو عن الرسول، وأنّ الاعتقاد به كالاعتقاد بسائر ما ثبت عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، يكون معتبراً من الإيمان، بمعنى أنّه إذا ثبت وحصلت المعرفة به وجب الاعتقاد به، فظاهر ذلك إدراجه في القسم الثاني، ويكون حينئذ من الضروريّات ولوازم الاعتقاد بالنبوّة وفروعها، وليس أصلاً مستقلاًّ. نعم، هو من أوضح الضروريّات الدينية التي يصعب جدّاً افتراض عدم الاطّلاع عليها بالنسبة للإنسان المؤمن بالشرايع السماوية.
والظاهر أنّ أكثر علمائنا ذهب إلى الأوّل، بل ظاهرهم الاتفاق على ذلك إلاّ من شذ، والوجه في ذلك دلالة النصوص الشرعية على اعتباره في الإيمان والإسلام، كما سيأتي.
ومنه يظهر أنّه يمكن أن نستدلّ على أصل المطلب، أي تحديد ما يدخل في القسم الأوّل وما هو الضابط فيه، بهذه الأخبار، فإنّ هناك ملازمة بين جعل شيء شرطاً ومعتبراً في الإيمان والإسلام، وبين وجوب المعرفة فيه، أي كونه من القسم الأوّل؛ وذلك لأنَّ المكلّف مأُمور بالإيمان بلا إشكال، فإذا توقّف على الاعتقاد بشيء والتديّن به وكان الاعتقاد به يتوقّف على معرفته وجب عليه تحصيل ذلك حتّى يكون مؤمناً، كما أنّ عدم ذكر شيء في تلك الروايات الواردة في مقام التحديد، يعني ويلازم عدم وجوب معرفته إلاّ إذا فرض قيام دليل خاصّ يدلّ على وجوب المعرفة فيه، وإن لم يكن من شرائط الإيمان فيكون ممّا تجب فيه المعرفة مستقلاً كما ادّعي ذلك في خصوص المعاد الجسماني.
ثمّ إنّه لا بدّ من الالتفات إلى أنَّ الالتزام بوجوب المعرفة في هذه الاُصول الخمسة لا يعني ولا يلازم كونها مأخوذة في الإسلام في مقابل الكفر، بحيث يحكم بكفر منكرها، بل بعضها يؤخذ كذلك كالتوحيد والنبوّة والمعاد ـ على قول ـ ، وبعضها يؤخذ قيداً في الإيمان بالمعنى الأخصّ كالإمامة والعدل. كلّ ذلك تبعاً للأدلّة،
________________________________________

[الصفحة - 27]


حيث دلّت الأدلّة المتظافرة على عدم دخل الإيمان بالإمامة وكذا العدل في حدّ الإسلام، بل حكمت الروايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) بإسلام سائر طوائف المسلمين المنكرين لهذين الأصلين أو لأحدهما. وعلى هذا الأساس اعتبر هذان الأصلان من الاُصول المذهبية لا من اُصول الدين.
وهذا التقسيم لا ينافي وجوب المعرفة في الجميع؛ لأنّا نؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى كما فرض الإسلام على البشر فرض عليهم الإيمان بالمعنى الأخصّ، فيجب على كلّ مكلّف امتثال ذلك، وهو لا يكون إلاّ بالمعرفة والتحقيق والنظر في كلّ ما يكون دخيلاً في الإسلام وفي الإيمان بالمعنى الأخصّ.
والحاصل أنّ هناك مقامين.
المقام الأوّل:بيان حقيقة الإسلام والأُمور المعتبرة في تحقّقه على نحو يكون تخلّفها أو تخلّف واحد منها موجباً للكفر، وهنا لا إشكال في اعتبار الإيمان بالله سبحانه والإيمان بالنبوة في الإسلام، كما لا إشكال في عدم اعتبار الإيمان بالإمامة وكذا العدل فيه (27). وأمّا الإيمان بالمعاد فقد عرفت جريان النزاع فيه، وأنّ الصحيح اعتباره على حد اعتبار الإيمان بالأصلين المتقدّمين.
المقام الثاني:في وجوب المعرفة وتحديد مواردها، وقد تبيّن ممّا تقدّم وجوبها في جميع الاُصول الأربعة ـ عدا المعاد ـ وإنّ أحد الأدلّة على ذلك هو نفس الأدلّة الدالّة على اعتبارها في الإسلام أو في الإيمان بالمعنى الأخصّ؛ لأنّ معنى ذلك أنّ الإنسان لا يكون مسلماً أو مؤمناً بالمعنى الأخصّ إلاّ إذا آمن وأذعن بها، وهو لا يكون إلاّ بعد معرفتها والاطلاع عليها، فتجب المعرفة مقدّمة للإسلام أو الإيمان بالمعنى الأخصّ.
وأمّا المعاد، فان قلنا بكونه دخيلاً في الإسلام ـ كما هو الصحيح ـ جرى فيه الدليل السابق أيضاً، وإلاّ أمكن الاستدلال على وجوب المعرفة فيه بالآيات والروايات والأدلّة العقلية، كما سيأتي.
هذا وقد عرفت سابقاً إمكان الاستدلال بالأدلّة السمعية على وجوب تحصيل المعرفة ببعض المسائل الاعتقادية، مثل المعاد ونحوه، فراجع.
________________________________________
(27)نعم، هما معتبران في الإيمان بالمعنى الأخص، ولذا اعتبرا من اُصول المذهب.

[الصفحة - 28]


والأدلّة الدالّة على شرطية المعاد في الإيمان والإسلام، عبارة عن آيات وروايات:
أمّا الآيات، فهي كثيرة، مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (التوبة: 4)، ومثل: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (البقرة: 166)، وقوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...} (التوبة: 19)، وقولـه تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}(النساء: 59)، وقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} (النساء: 136)،
وكذا قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً* ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} (الإسراء: 97 ـ 99)، وقوله:{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} (العنكبوت: 19)،
وقولـه تعالى:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ* أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} (يس: 78 ـ 81)، وقال: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ* وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون* وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}(الجاثية: 32)، وقولـه تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى* أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (القيامة: 36 ـ 40)، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى }
________________________________________

[الصفحة - 29]


{أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج* ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور}(الحج: 5 ـ 7)، وغيرها كثير حتّى قيل إنّ بعضهم قام بإحصاء ما يرجع إلى المعاد في القرآن فبلغ زهاء ألف وأربعمئة آية (28).
وما يمكن الاستدلال به من هذه الآيات في محلّ الكلام ينقسم إلى عدّة طوائف:
الطائفة الأُولى:ما ذكر فيها الإيمان بالمعاد مقترناً بالإيمان بالله سبحانه، مثل قولـه تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (النساء: 59)، وقوله تعالى:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (التوبة: 19)، وغيرها كثير، فقد ورد ذلك في ما يقارب خمسةً وعشرين آية.
ومن الواضح أنَّ هذه الطائفة ليست دالّة على المطلوب ـ وإن استدلّ بها السيّد الخوئي(قدس سره)(29)ـ لأنّ مجرّد عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله سبحانه لا يدلّ على كونه كالإيمان بالله دخيلاً في الإيمان والإسلام على نحو يحكم بكفر منكره، ولذا عطف في بعض هذه الآيات الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيّين على الإيمان بالله واليوم الآخر، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (البقرة: 177)، من دون أن يكون ذلك موجباً لدخول الإيمان بالملائكة مثلاً في حدّ الإسلام والإيمان.
الطائفة الثانية:ما عبّر فيها عن إنكاره بالكفر به، مثل قوله تعالى: {اِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون} (يوسف: 37)، وقوله: {الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} (فصلت: 7)، ونحو ذلك، بدعوى أنَّ المراد بالكفر منها هو الكفر الاصطلاحي، فتدلّ على كفر منكر المعاد.
________________________________________
(28)الاِلهيات 4: 165؛ رسالات ومقالات : 46.
(29)راجع فقه الشيعة 3: 98.

[الصفحة - 30]


وفيه:
إنَّ هذه الآيات ليس مفادها الحكم بكفر منكر المعاد حتّى يصحّ الاستدلال بها، بل مفادها الإشارة إلى جماعة لا يؤمنون بالآخرة، كما أنّهم لا يؤمنون بالله ولا يؤتون الزكاة، وأمّا ما هو حكم ذلك وماذا يترتّب على عدم الإيمان بالآخرة، فهذا ممّا لم تتعرّض له الآيات إطلاقاً.
وبعبارة أخرى، أنَّ المراد بالكفر في هذه الآيات هو معناه اللغوي، أي الجحود والإنكار، فمفاد الآية الأُولى مثلاً هو إنّي تركت ملّة قوم لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون بالآخرة، فكيف يستفاد منها الحكم بكفرهم؟
الطائفة الثالثة:ما ورد فيها الإشارة إلى الكفّار بعنوان الذين لا يؤمنون بالآخرة الظاهر في أنّ إنكار الآخرة يوجب الكفر، مثل قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً} (الإسراء: 40)، وقوله: {اِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى}(النجم: 27).
وفيه:
إنّ غاية ما يدلّ عليه ذلك هو أنّ الكفّار المشار إليهم في هذه الآيات لا يؤمنون بالآخرة، وليس بها دلالة واضحة على أنّ عدم إيمانهم ذاك هو السبب في الحكم بكفرهم وتوصيفهم بالكفّار حتّى يستفاد من ذلك دخل الإيمان بالآخرة في الإسلام.
الطائفة الرابعة:ما دلّ على التلازم بين الكفر بالآخرة وبين الكفر بالله سبحانه أو بالنبوّة، مثل قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون}(الزمر: 45)، فإنّها ظاهرة في أنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة لا يؤمنون بالله، وإنّما يؤمنون بالذين من دونه.
وقوله: {اِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} (النحل: 22)، وظاهرها أنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة ينكرون الوحدانية.
________________________________________

[الصفحة - 31]


الطائفة الخامسة:ما دلَّ على إنذار من لا يؤمن بالآخرة بالعذاب المتوعّد به في الكفر الأصلي، مثل قوله تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}(الجاثية: 34)، وقوله: {اِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ} (النمل: 5)، وغيرها.
وفيه:
إنّ ذلك ثابت في موارد لا يحكم بها بالكفر قطعاً، مثل قوله تعالى: {اِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} (النور: 19)، وقوله: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} (فاطر: 10)، وقوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء: 93)، وغيرها كثير.
والصحيح:إنّ هذه الطائفة وكذا الطائفة الرابعة لا يكاد يثبت بها المطلوب في المقام، وهو دخول الإيمان بالمعاد في حدّ الإسلام والإيمان، بحيث يكون منكره محكوماً بالكفر وخارجاً عن الإسلام كمنكر التوحيد والنبوّة، وبالتالي يجب فيه تحصيل المعرفة، على ما تقدّم؛ وذلك لأنّ غاية ما يثبت بهذه الآيات ـ لو سلّم دلالتها ـ هو الحكم بكفر منكر المعاد واستحقاقه العذاب المتوعّد به الكافر بأصل التوحيد والنبوّة، إلاّ أنّ هذا وحده لا يكفي لإثبات صحّة القول الأوّل المتقدّم؛ لإمكان أن تثبت هذه الآثار من الكفر واستحقاق العذاب الخاصّ حتّى على القول الآخر الذي يعدُّ الإيمان بالمعاد من جملة الضروريّات الدينية، فإنَّ هذه الضرورة تختلف عن سائر الضروريّات في كونها من الأُمور البديهية والواضحة في الدين، بحيث لا يمكن تصوّر إنسان مؤمن بالتوحيد والنبوّة من دون الإيمان بها، ولا معنى لافتراض الشبهة ونحوها فيها، وهذا معناه أنَّ إنكار المعاد يستلزم دائماً إنكار أحد الأصلين الداخلين في حدّ الإسلام والإيمان، فيكون الحكم بكفر منكر
________________________________________

[الصفحة - 32]


المعاد واستحقاقه العذاب الخاصّ على القاعدة، وإن لم يلتزم بكون المعاد شرطاً في الإيمان والإسلام، فلاحظ.
وأمّا الأخبار، ففي رسالة حقائق الإيمان للشهيد الثاني عن النبّي(صلي الله عليه و آله و سلم) أنّه سأل جبرئيل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله ورسله واليوم الآخر» (30).
وفي كتاب الطرائف عن عيسى بن المستفاد عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألت أبي جعفر بن محمّـد (عليهما السلام) عن بدء الإسلام، كيف أسلم عليّ(عليه السلام)، وكيف أسلمت خديجة (عليها السلام)، فقال أبي(عليه السلام): إنّهما لَمَّا دعاهما رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) فقال: يا عليّ ويا خديجة إنَّ جبرئيل عندي يقول لكما: إنَّ للإسلام شروطاً وعهوداً ومواثيق فابتديا بما شرط الله عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له في ملكه ولم يلده والد... ونشهد أنّ الله يحيي ويميت... ويبعث من في القبور...» (31).
وفي أمالي الصدوق عن عبدالعظيم الحسني قال: «دخلت على سيدي علي بن محمّـد(عليهما السلام) فلمّا بصر بي قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّاً، قال: فقلت له: يا ابن رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) إنّي اُريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضيّاً ثبتُّ عليه حتّى ألقى الله عزّ وجلّ، فقال(عليه السلام): هات يا أبا القاسم، فقلت: إنّي أقول أنّ الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين حدّ الإبطال وحدّ التشبيه، وأنّه ليس بجسم... وأقول أنّ المعراج حقّ، والمسائلة في القبر حقّ، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ... وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور... فقال(عليه السلام): هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده ...»(32).
وفي البحار عن جعفر بن محمّـد (عليهما السلام) في كيفية تعليم رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) حمزة شرايع الإسلام وشروط الإيمان، فقال(صلي الله عليه و آله و سلم): «يا حمزة تشهد أن لا إله إلاّ الله مخلصاً، وأنّي رسول الله تعالى بالحق، قال حمزة: شهدت. قال(صلي الله عليه و آله و سلم): وأنّ الجنّة حق وأنّ النار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها...» (33).
وفي البحار عن الصدوق عن حمزة ومحمّـد ابني حمران قالا: «اجتمعنا عند أبي عبدالله(عليه السلام) في جماعة من أجلّة مواليه وفينا حمران بن أعين فخصّنا في
________________________________________
(30)حقيقة الإيمان : 36.
(31)طُرف من الأنباء والمناقب : 115 ، الطرفة الأُولى.
(32)أمالي الصدوق : 419 ح 557.
(33)بحار الأنوار 22: 279 ح 32 ، و65: 395 ح 41.

[الصفحة - 33]


المناظرة وحمران ساكت، فقال له أبو عبدالله(عليه السلام): ما لك لا تتكلّم يا حمران، فقال: يا سيّدي آليت على نفسي ألاّ أتكلّم في مجلس تكون فيه، فقال أبو عبدالله(عليه السلام) إنّي أذنت لك في الكلام فتكلّم، فقال حمران: أشهد أن لا إله إلاّ الله... وأنّ محمّـداً عبده ورسوله... وأشهد أنّ الجنّة حقّ وأنّ النّار حقٌّ، وأنّ البعث بعد الموت حقٌّ، وأشهد أنّ عليّاً حجّة الله على خلقه..... فقال أبو عبدالله(عليه السلام): فمن خالفك على هذا الأمر كان زنديقاً، فقال حمران: وإن كان علويّاً فاطميّاً، فقال أبو عبدالله(عليه السلام): وإن كان محمّـدياً علويّاً فاطميّاً» (34).
وفي رجال الكشّي عن عمرو بن حريث قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): «جعلت فداك ألا أقصّ عليك ديني الذي أدين الله به، قال: بلى يا عمرو، قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّـداً عبده ورسوله، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور.. الحديث» (35).
ومن المطمئنّ به وجود غيرها وهو متروك للبحث والتفتيش.
نعم، هناك روايات كثيرة واردة في ذكر ما يعتبر في الإسلام والإيمان لم يذكر فيها المعاد، وقد يقال إنّه يستفاد من ذلك عدم كون المعاد ممّا تجب فيه المعرفة، بل يكون من فروع تصديق النّبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، وبالتالي لا يكون أصلاً مستقلاًّ من اُصول الدين.
والجواب:
أوّلاً:إنَّ هذه الروايات لا يستفاد منها ذلك بسبب شدّة اختلاف الروايات الواردة في هذا المقام، كما لا يخفى على من لاحظها.
وثانياً:إنَّ عدم ذكر المعاد في هذه الأخبار لا يكشف عن عدم وجوب المعرفة فيه؛ وذلك لإمكان أن يكون عدم ذكره لأجل الاعتماد على اندراجه في أصل التوحيد والنبوّة ـ على أساس أنّه من أهمّ ما جاء عن الله ـ ولعلّ الروايات التي اعتبرت الإقرار بما جاء من عند الله ـ في الإيمان إشارة إلى ذلك ـ أو اندراجه في النبوّة باعتبار أنّه ممّا ثبت عن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) جزماً، بحيث إنّ الاعتقاد بهما يلازم الاعتقاد به بحيث لا يمكن عادة فرض الإيمان
________________________________________
(34)بحار الأنوار 66: 3 ح 4.
(35)رجال الكشي 2: 717 ح 792.

[الصفحة - 34]


بالله والرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) مع عدم الإيمان بالمعاد، فإذا وجب الاعتقاد بهما وجب الاعتقاد به.
وعلى كلّ حال، فإن كفى ذلك في إثبات وجوب المعرفة في المعاد الجسماني فبها، وإلاّ يكفينا دليل لزوم دفع الضرر المحتمل، فإنّ احتمال الضرر بترك المعرفة في المعاد موجود بالوجدان نتيجة هذا الاهتمام الكبير من القرآن والسنّة والعلماء ـ بمسألة المعاد ـ فيجب دفعه بتحصيل المعرفة.
والحاصل:إنّ مقتضى الأدلّة المتقدّمة هو وجوب تحصيل المعرفة باُصول الدين الخمسة، إلاّ أنّ ما يجب معرفته ليس كلّ المسائل المذكورة في علم الكلام المرتبطة بهذه الاُصول، فقد ذكر علماؤنا(رضي الله عنهم) أنّه يكفي:
1 ـفي التوحيد، التصديق بكونه موجوداً، وواجب الوجود لذاته، والتصديق بصفاته الراجعة إلى صفتي العلم والقدرة، ونفي الصفات الراجعة إلى الحاجة والحدوث، وأنّه لا يصدر منه القبيح.
2 ـفي النبوة، معرفة شخص الْنّبي بالنسب والتصديق بنبوّته، وأنّه صادق أمين معصوم من الخطأ والاشتباه.
3 ـفي الإمامة، معرفتهم بنسبهم المعروف، والتصديق بأنّهم أئمّة يهدون بالحقّ، وأنّ الله سبحانه قد فرض طاعتهم.
4 ـفي المعاد، التصديق بالمعاد الجسماني، وأنّ الله يبعث من في القبور.
وعليه، فهذه هي الأُمور التي تندرج في القسم الأوّل الذي تجب فيه المعرفة ثمّ الاعتقاد والتديّن.
وأمّا ما عدا المسائل المتقدّمة ممّا يشمل جميع المسائل الاعتقادية الأخرى غير ما تقدّم في القسم الأوّل، مثل تفاصيل البرزخ، والمعاد، والقضاء والقدر، والأمر بين الأمرين، والتعطيل والتفويض، وكيفية الحشر، وإمكان الرؤية والتجسيم، وغير ذلك فيمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأوّل
ما ثبت من الدين بالضرورة ويدخل في ضروريّات الدين، مثل السؤال في القبر والحساب، والصراط المستقيم، والجنّة والنار، وأحوال المبدأ والمعاد
________________________________________

[الصفحة - 35]


الأخرى، فهل يشترط في الإيمان التديّن والاعتقاد بهذه المسائل أم لا؟ ذكروا في المقام ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوّل:الاشتراط، فالمكلّف لا يكون مؤمناً إلاّ إذا تديّن والتزم بهذه الأُمور.
الاحتمال الثاني:عدم اشتراط التديّن بها واشتراط عدم إنكارها، فالمنكر لها فقط يخرج عن الإيمان سواء علم بها أم لا.
الاحتمال الثالث:عدم اشتراط التديّن وعدم اشتراط عدم الإنكار إلاّ إذا علم بكونها من الدين.
وقد تبيّن ممّا تقدّم بطلان الأوّل، لما تقدّم من عدم وجوب تحصيل المعرفة إلاّ في المسائل الأساسية المتقدّمة. وعليه، فلا يجب فيها الاعتقاد والتديّن مطلقاً حتّى تجب المعرفة مقدّمة له، هذا وقد نسب إلى المشهور القول الثاني، ولذا حكموا بكفر منكر الضروري مطلقاً، أي سواء علم بكونه كذلك أم لا، بل ادّعى العلاّمة ـ على ما حكي عنه ـ الإجماع على ذلك في النهاية والتذكرة (36).
وذهب كثير من المحقّقين المتأخّرين إلى الثالث، مثل صاحب كشف اللثام (37)، والمحقّق الأردبيلي (38)، والشيخ الأنصاري (39)، وغيرهم. ولازم القول الثالث هو عدم وجوب الاعتقاد بهذه المسائل حتّى بعد العلم بها. نعم، لا يجوز إنكارها بعد العلم باعتبار أنّ ذلك مساوق لإنكار الرسالة وتكذيبها، وهو يستوجب الكفر بلا إشكال.
وتحقيق ما هو الصحيح من هذه الاحتمالات، وتفسير معنى ضروري الدين وضروري المذهب يحتاج إلى إفراد بحث مستقلّ له لعلّنا نتوفّق له إن شاء الله في القريب العاجل.
والمهمّ فيما يرتبط بهذا البحث عدم وجوب المعرفة إلاّ فيما عرفت من المسائل.
القسم الثاني
ما لم يثبت من الدين بالضرورة، مثل مسألة التجسيم والرؤية، والتفويض،
________________________________________
(36)أورد الإجماع العلاّمة في الباب الحادي عشر : 3 ـ 5 و52 ـ 54.
(37)كشف اللثام 9: 346.
(38)مجمع الفائدة والبرهان 13: 199.
(39)فرائد الاُصول 1: 567 ـ 569 ، علماً إنّه أورد الاحتمالات الثلاثة جميعاً أيضاً.

[الصفحة - 36]


والجبر والاختيار، والأمر بين الأمرين، وخلق القرآن، وأمثال ذلك. والظاهر أنّه لا إشكال في عدم وجوب الاعتقاد والتديّن بها كشرط في تحقّق الإيمان والإسلام، كما لا يجب فيها تحصيل المعرفة. نعم، لا يجوز إنكارها بعد العلم بها.
ويظهر من ذلك أنّه لا خصوصية لهذا القسم، فإنَّ هذا الحكم ـ أي عدم جواز إنكارها بعد العلم بها ـ يثبت لكلّ ما جاء به الشارع سواء كان من المسائل العقائدية أو الأحكام الشرعية، بل حتّى الأخبار بالموضوعات الخارجية، فإنّه بعد العلم بورودها من الشارع لا يجوز إنكارها؛ لاستلزام ذلك تكذيب الرسالة.
النقطة الثانية
قد اتضح ممّا تقدّم أنَّ المعرفة بمسائل القسم الأوّل من شرائط الإسلام والإيمان بالمعنى الأخصّ، بل الإسلام والإيمان عبارة عن الاعتقاد بجملة هذه الاُصول المتقدّمة، فمن ترك الاعتقاد بها أو ببعضها بتركه المعرفة يكون خارجاً عن حريم الإيمان أو عن حريم الإسلام.
نعم، المعروف عن الشيخ الطوسي أنّه يرى عدم شرطية المعرفة في الإسلام والإيمان، ولذا نسب إليه القول بكفاية الجزم، بل الظنّ من التقليد مع كون النظر واجباً مستقلاًّ لكنه معفوّ عنه، وبعد المراجعة وجدنا أنَّ الشيخ يذكر هذا الكلام في موضعين من كتاب العدّة:
الموضع الأوّل:في فصل ذكر الخبر الواحد وجملة من القول في أحكامه، حيث قال: «وأمّا ما يرويه قوم من المقلِّدة فالصحيح الذي أعتقده أنّ المقلِّد للحقّ وإن كان مخطئاً في الأصل معفوٌ عنه، ولا حكم فيه بحكم الفسّاق...» (40).
الموضع الثاني:في فصل ذكر صفات المفتي والمستفتي وبيان أحكامهما، حيث قال: «على أنّ الذي يقوى في نفسي أنّ المقلِّد للحقّ في اُصول الديانات وإن كان مخطئاً في تقليده غير مؤاخذ به وأنّه معفوٌّ عنه» (41).
________________________________________
(40)العدّة 1: 132.
(41)العدّة 2: 731. [الصفحة - 37]
والمراد بالمقلِّدة من يقلِّد غيره في الاُصول، ويظهر من كلامه أنّ المعرفة ـ في المسائل الاعتقادية ـ ليست شرطاً في الإيمان، وأنَّ المقلِّد فيها وإن كان مخطئاً، حيث يجب عليه تحصيل المعرفة، إلاّ أنّه معفوٌّ عنه وغير مؤاخذ بخطئه.
وهذا معناه أنّ الشيخ الطوسي يوافق المشهور في وجوب المعرفة، ويخالفهم في كونها شرطاً في الإيمان، بمعنى أنّه يرى أنّ الإيمان يكفي فيه مطلق الاعتقاد ولو كان ظنّياً ناشئاً من التقليد.
ويحتمل أن يكون مراد الشيخ هو عدم شرطية المعرفة الحاصلة من النظر والاستدلال العقلي لا عدم شرطيّتها مطلقاً، بمعنى أنّه يشترط المعرفة والعلم في الإسلام والإيمان ولا يقيّدها بمعرفة خاصّة، بل مطلق المعرفة تكفي في تحقّقهما، سواء حصلت من الاستدلال العقلي أو من التقليد. نعم، المعرفة الخاصّة واجبة إلاّ أنّها ليست شرطاً، وتاركها ليس مؤاخذاً ولا معاقباً.
ويؤيّد هذا الاحتمال قوله بعد كلامه في الموضع الأوّل: «وذلك لأنّه لا يمتنع أنّ يكون هؤلاء ـ المقلِّدة ـ أصحاب الجمل وقد حصلت لهم المعرفة بالله تعالى... وإنّما الواجب عليهم أن يكونوا عالمين وهم عالمون على الجملة، فما يتفرّع عليه الخطأ فيه لا يوجب التكفير ولا التضليل» (42)، فإنّه ظاهر في أنّ المقلِّدة حصلت لهم المعرفة بالله تعالى، وأنّهم عالمون بالاُصول، وعليه فلا يصحّ أن ينسب إليه كفاية الظنّ من التقليد ـ كما في رسائلالشيخ الأنصاري (43). نعم، هو يرى كفاية الجزم واليقين مطلقاً وإن حصل من التقليد فلاحظ. كما أنّه يرى وجوب المعرفة الخاصّة مستقلاًّ مع العفو، وهذا الاحتمال ليس بذلك البعيد، بل اختاره كثير من المحققين.
والتحقيق أنّ هنا عدّة أُمور لا بدّ من تفصيلها:
الأمر الأوّل:أنّ المعرفة الخاصّة الحاصلة من الاستدلالات العقلية هل هي شرط في الإيمان أم لا؟
الأمر الثاني:هل هي واجبة على نحو الاستقلال؟
الأمر الثالث:هل يكفي تحصيل الظنّ في المسائل الاعتقادية؟
________________________________________
(42)العدّة 1: 133.
(43)فرائد الاُصول 1: 567 ـ 569.

[الصفحة - 38]


والمنسوب للشيخ الطوسي أنّه يجيب بالنفي في الأوّل والإيجاب في الباقي، والذي احتملناه من رأيه أنّه يجيب بالنفي في الأوّل والثالث وبالإيجاب في الثاني.
والمنسوب إلى المشهور أنّهم يجيبون بالإيجاب في الأوّل والنفي في الباقي.
والصحيح هو الجواب عن الكلّ بالنفي، والذي يعني كفاية مطلق الجزم وإن حصل من التقليد وفاقاً لجملة من المحقّقين، وذلك لأمرين:
الأوّل:السيرة المستمرّة من زمان النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)إلى زماننا هذا على ترتيب أحكام الإيمان والإسلام على من علم واعتقد وآمن بالاُصول المعروفة من دون تفتيش عن أنّ علمه ومعرفته وبالتالي اعتقاده هل حصل له من الاستدلال والنظر، أو من التقليد والمتابعة، بل يمكن أن نقول بأنّ السيرة منعقدة على ذلك حتّى مع العلم بأنّ اعتقاده لم يكن عن استدلال، بل عن تقليد؛ وذلك لأنّ كثيراً من الناس في جميع العصور هم من المقلِّدة، بمعنى أنّهم يتابعون الغير في اعتقاداتهم مع حصول الجزم واليقين بذلك، خصوصاً إذا عرفنا أنّ زمان التكليف بالمعرفة يبدأ مع زمان البلوغ أو قبله، وهذا يعني أنّ النساء يكلّفن بالمعرفة إذا أكملن التاسعة من العمر، وهو سنّ لا يسمح عادة بالنظر والاستدلال في الاُصول الاعتقادية. وهذه السيرة تكون كاشفة عن وجود الدليل الشرعي على جواز التقليد في الاُصول إذا حصل منه القطع والمعرفة.
الأمر الثاني:إطلاق الأدلّة السابقة، بمعنى أنّ الأدلّة السابقة الدالّة على اشتراط الاعتقاد والإذعان بهذه الاُصول في الإسلام والإيمان ليس فيها ما يشير إلى تقييد ذلك، بخصوص ما يحصل من النظر والاستدلال، وكذا ما يدلّ على وجوب المعرفة يدلّ على وجوبها مطلقاً من دون فرق بين حصولها من الاستدلال والنظر أو من شيء آخر.
هذا وقد يناقش فيما تقدّم بأُمور:
أوّلاً ـإنّ المعرفة الواجبة في الاُصول لا تحصل بالتقليد.
وفيه:إنّ الواجب في العقائد هو الجزم والاعتقاد، ولم يدلّ الدليل على أكثر من ذلك، وهذه الأُمور تحصل بالتقليد كما تحصل بالنظر والاجتهاد كما هو المشاهد بالوجدان.
________________________________________

[الصفحة - 39]


ثانياً ـإنّ ما ذكر ينافي ما تقدّم من الأدلّة الدالّة على وجوب تحصيل المعرفة من النظر والاستدلال، مثل الآيات والأخبار الناهية عن التقليد، وكذا الآيات الآمرة بالنظر والاستدلال والتدبّر.
وفيه:إنّ الآيات الناهية عن التقليد لا تنافي ما ذكرنا، وذلك لأنّ المراد من التقليد فيها هو التقليد الذي لا يوجب العلم والمعرفة، وعلى ذلك تحمل كلمات علمائنا المانعة من التقليد، وذلك بعد ملاحظة ما يلي:
1ـإنَّ معظم هذه الآيات تنهى عن تقليد الآباء في إنكار الصانع والشرك به، وحيث إنّ هذه القضية من الواضحات التي كادت تصل إلى حدّ البديهيّات، فقول الآباء لا يوجب الجزم واليقين عادة، بل لا يوجب حتّى الظنّ.
2ـإنَّ الآيات تستنكر عليهم ظاهرة التعصّب والمتابعة العمياء، ومن الواضح أنّ هذا لا يناسب افتراض حصول المعرفة من التقليد.
3ـإنّ بعض هذه الآيات تصرّح بقوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (المائدة: 104)، ممّا يعني أنّ تقليدهم مجرّد تعصّب ومتابعة؛ لأنّه يتحقّق حتّى مع فرض عدم علم الآباء أساساً.
وأمّا الآيات الآمرة بالنظر والاستدلال، فقد أجاب بعضهم: بأنّ الأمر بذلك لأجل عدم حصول المعرفة والعلم بالتقليد غالباً لا من جهة عدم كفاية العلم بالحق من غير نظر واستدلال، فهو إرجاع إلى ما يتيسر غالباً سيّما في مسألة وجود الصانع الذي دلّ عليه تمام ما في الآفاق والأنفس (44).
وحاصله:إنّ ذكر المعرفة الحاصلة من النظر والاستدلال في هذه الآيات ليس لخصوصية في ذلك، بل لأنّه الفرد المتيسّر غالباً لعموم الناس، فلو حصلت المعرفة من طريق آخر فلا مانع من ذلك.
ويمكن تقريبه بأنّ هذه الآيات تأمر بالنظر والتدبّر في آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، ولا شكّ في دلالة ذلك على كفاية تحصيل المعرفة عن طريق النظر والاستدلال، وأمّا انحصار تحصيل المعرفة بذلك فلا، إذ لا مفهوم لها أصلاً.
نعم، تخصيص المعرفة الخاصّة بالذكر لعلّه لنكات خاصّة من قبيل شدّة
________________________________________
(44)بحر الفوائد 1: 288.

[الصفحة - 40]


الاهتمام بالنظر والاستدلال لتحصيل المعارف وتعويد الناس على ذلك. نعم، الآيات وحدها لا تكفي لإثبات كفاية الجزم الحاصل من التقليد كما لا يخفى، بل لا بدّ من إثبات جوازه بدليل، وقد عرفت قيام الأدلّة على ذلك.
ثالثاً ـإنّ ما ذكر ينافي الإجماع المنقول عن العلاّمة وغيره الدالّ على وجوب المعرفة الخاصة.
وفيه:ما تقدّم من مناقشة مثل هذا الإجماع.
وعليه، فالظاهر صحّة ما ذهب إليه جمع من المحقّقين من كفاية الجزم والمعرفة القطعية مطلقاً، أي ولو حصلت من التقليد (45).
وقد يقال بأنّ حصول الجزم واليقين ـ من النظر والاستدلال في الاُصول ـ نادر جدّاً، وذلك لكثرة الشبه الحادثة في النفس والمدوّنة في الكتب، بحيث يصعب الجواب عنها للدارسين والمحقّقين، فكيف بالإنسان العادي الذي يريد تصحيح عقائده.
وهذا الكلام غير مقبول؛ وذلك لأنّ المقصود في المقام ليس وجوب تحصيل المعرفة واليقين عن طريق الاشتغال بالبراهين الفلسفية المعقدة المدوّنة في كتب الحكمة والكلام، بل يراد به مطلق الدليل الذي يوجب ركون النفس واطمئنانها ولو كان دليلاً بسيطاً مثل دليل (البعرة تدل على البعير)، ونحوه ممّا يدركه الإنسان العادي بفطرته. وبناءً عليه، فتحصيل المعرفة واليقين من النظر والاستدلال ليس نادراً، بل هو الشائع بين الناس، كيف وقد حثّ الشارع المقدّس من خلال الآيات التي تأمر بالنظر والتدبّر في آيات الله والأخبار كذلك، على تحصيل المعرفة من ذلك الطريق، ومن الواضح أنّ هذا ينافي فرض صعوبة تحصيله وسلوكه على غالب الناس.
نعم، تقدّم أنّه لا يفهم من هذه الأدلّة انحصار طريق المعرفة الواجبة به، بل هو أحد الطرق الموجبة لحصول المعرفة، ومنه يظهر أنّ المعرفة التي تحصل عند معظم الناس هي إمّا حاصلة لهم من خلال النظر والاستدلال البسيط الفطري أو حاصلة لهم من خلال التقليد، وكلٌّ منهما موجود ومحسوس بالوجدان وهو يكفي في صحّة الاعتقاد، وفي حصول الإيمان.
________________________________________
(45)فرائد الاُصول 1: 555.

[الصفحة - 41]


النقطة الثالثة
هل تكفي في المقام المعرفة الظنّية؟
نسب إلى جملة من علمائنا المحقّقين القول بكفاية الظنّ مطلقاً، أي سواء حصل من النظر والاستدلال أم من التقليد (46).
أقول:الكلام تارةً يقع في كفاية الظنّ في القسم الأوّل من المسائل الاعتقادية وأخرى في القسم الثاني، أمّا القسم الأوّل أي ما تجب فيه المعرفة فالكلام يقع في أمرين:
الأمر الأوّل:في جواز الاكتفاء بالظنّ وعدم تحصيل الجزم واليقين.
الأمر الثاني:في حكم ذلك من حيث الإيمان والكفر.
أمّا بالنسبة إلى الأمر الأوّل
فتارةً نفترض التمكّن من تحصيل العلم واليقين، وأخرى نفترض عدم التمكّن.
أمّا إذا فرض التمكّن، فالظاهر عدم جواز الاكتفاء بالظنّ، فالشخص المتمكّن من تحصيل الاعتقاد الجزمي اليقيني بوجود الصانع، أو بنبوّة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) لا يجوز له الاكتفاء بالظنّ مع تجويزه احتمال المخالفة والخطأ، والسرّ في ذلك أنّ كل الأدلّة المتقدّمة الدالّة على وجوب تحصيل المعرفة في هذا القسم هي ظاهرة، بل صريحة في المعرفة الجزمية التي لا يعتريها الريب والتردّد، مثلاً دليل وجوب شكر المنعم يدلّ على ذلك؛ لأنّ المكتفي بالظنّ في المقام يحتمل أنّ ما يأتي به اعتماداً على الظنّ ليس أداءً لشكر المنعم الواجب مع فرض تمكّنه من أدائه يقيناً، وكذا الكلام في دليل لزوم دفع الضرر المحتمل، فإنّه إنّما يحرّك نحو تحصيل المعرفة العلمية الجزمية التي لا يوجد معها احتمال الضرر، دون المعرفة الظنّية التي يوجد منها احتمال المخالفة وبالتالي احتمال الضرر.
والحاصل:إنّه مع فرض التمكّن من الفرار عن الضرر جزماً فالعقل لا يكتفي بما هو أقلّ من ذلك، بل يدفع الإنسان نحو الفرار الجزمي اليقيني.
________________________________________
(46)فرائد الاُصول 1: 555 ، حكاه عن العلاّمة والشيخ الطوسي اللذين بدورهما نسباه إلى الأخباريين.

[الصفحة - 42]


وأمّا الأدلّة السمعية، فلأنّ كلّ العناوين الواردة فيها لا تنطبق على الظنّ، مثل الإقرار والمعرفة والاعتقاد واليقين والتفقّه والتصديق والشهادة والإيمان، أو نحو ذلك. بل، إنّ القرآن الكريم قد نهى عن اتباع الظنّ في الاُصول، قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (الجاثية: 24)، وقوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} (النساء: 157)، وقوله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً} (يونس: 36)، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالّة على ذلك.
وأمّا مع فرض عدم التمكّن من تحصيل العلم واليقين لغفلة أو لقصور وعجز عن ذلك، إمّا لعدم الاستعداد الذاتي أو لصعوبة المطالب وغموضها، فلا شكّ في أنّه لا يكلّف بتحصيل الاعتقاد الجزمي لعدم القدرة بالفرض، فتكليفه بذلك تكليف بغير المقدور، وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، وإنّما الإشكال وقع في:
أوّلاً:تحقّق هذا الموضوع خارجاً، أي هل يوجد في الخارج إنسان قاصر وعاجز عن تحصيل العلم والمعرفة في هذه المسائل الاُصولية؟
والصحيح:هو وجود الجاهل القاصر العاجز عن تحصيل العلم بالنسبة إلى بعض المسائل الداخلة في القسم الأوّل، مثل الإمامة والنبوّة، أي نبوّة هذا وإمامة ذاك، فإنّ المشاهد بالوجدان وجود الجاهل القاصر بالنسبة إلى ذلك، أمّا لغموض المطلب أو لقصور في الاستعداد أو للغفلة وعدم الالتفات. نعم، بالنسبة إلى مسألة وجود الصانع قد يقال بعدم وجود الجاهل القاصر، فإنّه مع أدنى التفات من الإنسان إلى نفسه وحدوثه بعد العدم يحصل له العلم بوجود الخالق له.
ويدلّ على ذلك الأخبار الكثيرة الدالّة على وجود الواسطة بين المؤمن والكافر، بل النصوص مصرّحة بوجود العاجز عن تحصيل المعرفة، وأنّه معذور، وأنّه متروك لرحمة الله سبحانه عسى أن تشمله (47)، ويكفي قوله تعالى: {اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً} (النساء: 98 ـ 99).
________________________________________
(47)الكافي 2: 381.

[الصفحة - 43]


وثانياً:في وظيفته في حال الجهل وعدم العلم، فهل يجب عليه تحصيل الظنّ أو يجب عليه التوقّف فيما لا يعلمه من الاُصول؟
الظاهر أنّه لا دليل على وجوب تحصيل الظنّ عليه، فإنّ المقام ليس من قبيل الفروع التي يجب فيها العمل بالظنّ مع انسداد باب العلم؛ وذلك لأنّ المقصود هناك العمل ولا معنى للتوقّف فيه، وأمّا في المقام فالمقصود الاعتقاد فإن عجز عنه فلا دليل على وجوب تحصيل الظنّ، بل الدليل على عدم جوازه وهو الآيات الناهية عن القول بغير علم وأنّ الظن لا يغني من الحقّ شيئاً.
وأمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني
أي من حيث الإيمان والكفر فنقول:
الظاهر أنّه لا إشكال في كفر المتمكّن من تحصيل المعرفة والتارك لها لا عن عجز، وذلك لعدم تحقّق الاعتقاد منه بالاُصول الاساسية التي يعتبر الاعتقاد بها من الإيمان.
هذا إذا فرض كونه شاكّاً مع عدم إقراره ظاهراً بما هو معتبر في الإسلام، وإلاّ فيحكم عليه بالإسلام إذا اكتفينا في ذلك بالإقرار الظاهري، حتّى مع عدم الاعتقاد الباطني، وهو محلّ كلام لا يسع المجال لذكره، وربّما سنتعرّض له فيما يأتي.
وأمّا إذا فرض كونه ظانّاً بالحقّ، فهل يحكم عليه بالكفر أم لا؟ هذه المسألة جعلت مبنية على تحقيق معنى الكفر، وأنّه هل هو عبارة عن عدم الإيمان فقط، أو أنّه يشترط فيه مضافاً إلى ذلك الجحود، فعلى الأوّل يحكم عليه بالكفر لعدم إيمانه، وعلى الثاني لا يحكم عليه بالكفر لعدم كونه جاحداً باعتبار فرض ظنّه بالحقّ؟
ويستدلّ على القول الأوّل بأمرين:
الأمر الأوّل:الروايات الدالّة على كفر الشاكّ وغير المؤمن مطلقاً، مثل صحيحة ابن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «من شكّ في الله وفي رسوله(صلي الله عليه و آله و سلم) فهو كافر»(48).
________________________________________
(48)الكافي 2: 386 ح 10.

[الصفحة - 44]


وصحيحة منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): من شكّ في رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)؟ قال: كافر، قلت: من شكّ في كفر الشاكّ فهو كافر؟ فأمسك عنّي فردّدت عليه ثلاث مرّات فاستبنت في وجهه الغضب» (49).
وصحيحة أبي بصير قال: «سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن قول الله عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم} (الأنعام: 82) قال: بشكّ (50).
وصحيحة بكر بن محمّـد عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إنّ الشكّ والمعصية في النار ليسا منّا ولا إلينا» (51).
الأمر الثاني:النصوص الدالّة على حصر المكلّف في المؤمن والكافر، مثل قوله تعالى: {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِن} (التغابن: 2). ممّا يعني أنّ من لم يؤمن فهو كافر، سواء جحد أم لا.
ويستدلّ على القول الثاني بأمرين أيضاً:
الأمر الأوّل:الأخبار الدالّة على تقييد كفر الشاكّ وغير العالم بالجحود، مثل صحيحة محمّـد بن مسلم قال: «كنت عند أبي عبـد الله(عليه السلام) جالساً عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبـد الله: ما تقول فيمن شكّ في الله فقال: كافر يا أبا محمّـد، قال: فشكّ في رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)؟ فقال: كافر، قال: ثمّ التفت إلى زرارة فقال: إنّما يكفر إذا جحد» (52).
ومثل رواية زرارة عن أبي عبـد الله(عليه السلام) قال: «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا، لم يكفروا» (53). ومثله رواية عبدالرحيم القصير (54).
الأمر الثاني:الروايات الدالّة على ثبوت الواسطة بين الكفر والإيمان، مثل صحيحة عمر بن أبان قال: «سألت أبا عبـد الله(عليه السلام) عن المستضعفين فقال: هم أهل الولاية، فقلت: أيُّ ولاية؟ فقال: أما إنّها ليست بالولاية في الدين ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثه والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار ومنهم المُرْجَوْن لأمر الله عزَّ وجلَّ» (55).
وصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في قول الله عزَّ وجلّ: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله}(التوبة: 106)، قال: «قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة
________________________________________
(49)الكافي 2: 387 ح 11.
(50)الكافي 2: 399 ح 4.
(51)الكافي 2: 400 ح 5.
(52)الكافي 2: 399 ح 3.
(53)الكافي 2: 388 ح 19.
(54)الكافي 2: 27 ح 1.
(55)الكافي 2: 405 ح 5.

[الصفحة - 45]


وجعفر وأشباههما من المؤمنين، ثمّ إنّهم دخلوا في الإسلام فوحّدوا الله وتركوا الشرك ولم يعرفوا الإيمان في قلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنّة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار، فهم على تلك الحال إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم» (56).
والصحيح:إنّه لا بدّ من تحقيق معنى الإيمان وما يقابله بلحاظ النصوص الشرعية، ثمّ الجواب عن السؤال المطروح في المقام.
لا إشكال في أنّ الإيمان والإسلام يستعمل في النصوص الشرعية بعدّة معاني ولهما عدّة اطلاقات:
فالإسلام يطلق غالباً ويراد به التلفّظ بالشهادتين والإقرار الظاهري وإن لم يقترن بالإذعان القلبي، وأثره يظهر في الحياة الدنيا من حقن الدم والمال، وجواز النكاح، واستحقاق الميراث ونحو ذلك من الآثار، وقد يطلق ويراد به الاستسلام والانقياد التامّ فيكون بمعنى الإيمان في بعض إطلاقاته.
وأمّا الإيمان، فهو يستعمل في النصوص الشرعية في عدة معان:
منها:الاعتقاد والتصديق القلبي بالاُصول الاعتقادية.
ومنها:الاعتقاد المتقدّم مع ضمّ فعل الواجبات الثابت وجوبها من القرآن، وترك الكبائر التي توعّد عليها بالنّار. ولذا اُطلق الكافر في بعض الروايات على تارك الصلاة والزكاة، ودلّت بعض الأخبار على عدم إيمان الزاني والسارق.
ومنها:الاعتقاد المتقدّم مع ضمّ فعل جميع جبات، وترك جميع المحرّمات.
ومنها:ما تقدّم مع فعل المندوبات، وترك المكروهات.
وقد يطلق على غير ذلك من المعاني.
قال الشهيد الثاني (رحمه الله) في رسالة حقائق الإيمان «إنّ الإيمان شرعاً إمّا أن يكون من أفعال القلوب فقط أو من أفعال الجوارح فقط أو منهما معاً.
فإن كان الأوّل، فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب الأشاعرة وجمع من متقدّمي الإمامية ومتأخّريهم ومنهم المحقّق الطوسي(رحمه الله) في فصوله.
________________________________________
(56)الكافي 2: 407 ح 1.

[الصفحة - 46]


وإن كان الثاني، فإمّا أن يكون عبارة عن التلفّظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب الكرّامية أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضاً ونفلاً، وهو مذهب الخوارج وقدماء المعتزلة والعلاّف والقاضي عبـد الجبّار، أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة.
وإن كان الثالث، فهو إمّا أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدِّثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره، فإنّهم قالوا إنّ الإيمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، ونسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان، وهو مذهب المحقّق الطوسي(رحمه الله) في تجريده» (57).
ويظهر من هذا النصّ وغيره أنّ الإمامية لها ثلاثة أقوال في تفسير الإيمان:
1 ـالتصديق القلبي بجملة الاُصول الاعتقادية، وهو مذهب جماعة من متقدّمي الإمامية ومتأخّريهم.
2 ـالتصديق المتقدّم مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو مذهب المحدّثين من علمائنا.
3 ـالتصديق المتقدّم مع الإقرار باللسان، وهو مذهب المحقّق الطوسي في التجريد.
وتشترك هذه الأقوال في اعتبار التصديق القلبي في الإيمان، ويختلف الأوّل عن الباقي في الاكتفاء بذلك، في حين أنّ اختلاف الثاني عن الثالث فيما يضاف إلى التصديق، فالثاني يضيف العمل الخارجي من فعل الطاعات والثالث يضيف الإقرار باللسان.
ثمّ إنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ الكلام في الإيمان الواقعي عند الله سبحانه وتعالى بحيث يصير المتّصف به مؤمناً في نفس الأمر لا الظاهري الذي يتحقّق به الإسلام في ظاهر الشرع والذي به تحقن الدماء، وتحلّ به المناكح، والمواريث، وهو
________________________________________
(57)حقيقة الإيمان : 15 ـ 18.

[الصفحة - 47]


الذي يطلق عليه الإسلام أحياناً، إذ يكفي فيه التلفّظ بالشهادتين مع عدم إنكار الاُصول الأساسية وإن لم يذعن بذلك في قلبه، فالمتحقّق فيه هو صورة الإيمان لا واقعه، وكلامنا في حقيقة الإيمان وهويّته.
وبعبارة أخرى:إنّ الإقرار بالشهادتين بلسانه يعتبر مرتبة من مراتب الإيمان، وتترتّب عليه آثار كثيرة في عالم الدنيا من حقن الدم، والمناكحة، والتوارث وغير ذلك، وفي هذا المقام لا يفرّق بين علمنا بمطابقة اعتقاده واقعاً لما أقرَّ به ظاهراً وبين عدم علمنا بذلك، فإنّه في كلّ ذلك تترتّب تلك الآثار.
نعم، هناك كلام وخلاف في صورة العلم بعدم المطابقة، كما إذا فرض العلم بكون اعتقاده الواقعي مخالفاً لما أقرَّ به ظاهراً، وحاصله أنّه هل يكفي في الإسلام وترتّب الآثار المتقدّمة مجرّد الشهادتين وعدم الإنكار ظاهراً حتّى مع عدم الاعتقاد الباطني، أو أنّه لا بدّ مع ذلك من احتمال المطابقة، أي احتمال الاعتقاد على طبق الشهادتين وما أقرّ به ظاهراً؟
قد يستدلّ للأوّل بأُمور:
1 ـقوله تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات: 14)، بدعوى أنّها ظاهرة في تحقّق الإسلام منهم بالرغم مع عدم الاعتقاد القلبي والباطني، وهذا معناه أنّه لا يعتبر في الإسلام إلاّ الإقرار الظاهري باللسان، سواء قارنه الاعتقاد الباطني بما أقرَّ به أم لا.
نعم، محلّ الكلام هو ما إذا قارنه الاعتقاد بالخلاف، إلاّ أنّ الظاهر شمول الآية له.
2 ـصحيحة محمّـد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الإيمان إقرار وعمل، والإسلام إقرار بلا عمل» (58).
أي أنّ الإسلام إقرار بالشهادتين ونحوها وإن لم يعمل وفق إقراره.
3 ـمرسلة عبدالله بن مسكان، فإن قوله(عليه السلام) فيها: «فمن أقرَّ بدين الله فهو مسلم، ومن عمل بما أمر الله عزَّ وجلَّ به فهو مؤمن» (59).
________________________________________
(58)الكافي 2: 24 ح 2.
(59)الكافي 2: 38 ح 4.

[الصفحة - 48]


4 ـمعتبرة سماعة، حيث ورد فيها: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام..» (60)فإنّ المراد بالتصديق بالرسول، هو التصديق الظاهري بقرينة المقابلة مع الإيمان، فلاحظ.
ويدلّ عليه أيضاً أنّه لا إشكال في أنّ جماعة المنافقين في صدر الدعوة قد طبّقت عليهم أحكام الإسلام وترتّبت عليهم الآثار السابقة، مع العلم بأنّهم لا يعتقدون بما أظهروه، بل يعتقدون بخلافه. والآيات القرآنية الواردة في المنافقين تكاد تكون صريحة في عدم إيمانهم، وأنّهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام.
وقد يقال في مقابل ذلك أنّ المستفاد من الأدلة أنّ الاكتفاء بالشهادتين في تحقّق الإسلام إنّما هو باعتبار أنّهما أمارة على الاعتقاد القلبي وكاشفةً عنه، فالمناط في الإسلام على المنكشف لا الكاشف، ومن الواضح أنّ الأمارية إنّما تعقل في صورة الاحتمال والشكّ. وأمّا مع الجزم بعدم الاعتقاد، فلا معنى للاكتفاء بالشهادتين، ويؤيّد ذلك أنّ الإسلام هو التصديق ـ كما أشارت إليه بعض الروايات ـ وهو لا يتحقّق في المقام.
والصحيح هو الأوّل، وذلك لما تقدّم من ترتيب أحكام الإسلام على المنافقين في زمن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) ولم يحكم عليهم بالكفر مع أنّهم يعتقدون خلاف ما أظهروه، كما يشهد به الآيات الشريفة الواردة في حقّ المنافقين، مثل قوله تعالى: {اِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرسول الله وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (المنافقون: 1).
وأمّا ما ذكره المحقّق الآشتياني من أنّ المنافق كافر مطلقاً، غاية الأمر اقتضاء المصلحة عدم ترتّب آثار الكفر عليه، والتعامل معه معاملة المسلمين في الصدر الأوّل (61)، فهو ممّا لا دليل عليه، حيث لم يثبت كون ذلك التعامل حكماً مقطعيّاً محدوداً بفترة زمنية معيّنة، بل لعلّ الثابت هو العكس، كما تشهد به سيرة الأئمّة(عليهم السلام) وتعاملهم مع حكّام عصرهم من الأمويّين وغيرهم مع أنّ بعضهم كان يبطن الكفر.
وعليه، فلا فرق في هذا المقام بين علمنا بالمطابقة وبين علمنا بعدم المطابقة.
ثم إنّه في المقابل إذا فرض عدم الإقرار الظاهري بالشهادتين فلا تترتّب
________________________________________
(60)الكافي 2: 25 ح 1.
(61)بحر الفوائد 1: 282.

[الصفحة - 49]


أحكام الإسلام المتقدّمة، حتّى إذا علمنا باعتقاده الحقّ والواقع، والسرّ في كلّ ذلك هو أنّ الأدلّة دلّت على أنَّ موضوع هذه الآثار هو مرتبة معيّنة من الإيمان يعبّر عنها بالإيمان الظاهري، أو الإسلام أو الإقرار ونحو ذلك، فمتى ما تحقّقت تترتّب تلك الآثار، ومتى ما انتفت انتفت أيضاً.
ثم إنّ نفس الكلام السابق يقال في الإقرار بما يعتبر في الإيمان بالمعنى الأخصّ، بمعنى أنّه يكفي في ترتيب آثار الإيمان بالمعنى الأخصّ ـ في هذه الدنيا ـ الإقرار الظاهري بما يعتبر فيه، سواء علم بالمطابقة أم لا، بل حتّى مع العلم بعدم المطابقة، كما أنّه مع عدم الإقرار لا تترتّب تلك الآثار، فلاحظ.
ثم إنّ اعتبار التصديق في الإيمان ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، فإنّ الإيمان لغة عبارة عن التصديق ـ كما في الصحاح (62)وغيره (63)ـ ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} (يوسف: 17)، وقوله تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران: 53)، ومنه يظهر أنّ الإيمان يتعدّى باللام وبالباء، وقد جمع بينهما قوله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} (التوبة: 61).
والظاهر أنّ الإيمان والتصديق بالمعنى اللغوي قد يكون بالقلب وقد يكون باللسان، فالأوّل يتحقّق بالإذعان بكون الشيء مطابقاً للواقع، والثاني بإظهار ذلك والإقرار به بلسانه فقط، فإنّه تصديق لغةً أيضاً.
نعم، الإيمان بمعناه الشرعي الاصطلاحي لا يتحقّق إلاّ بالتصديق القلبي، ولذا اتفق علماؤنا (رضوانه الله تعالى عليهم) على عدم تحقّقه بمجرّد التلفّظ بالشهادتين أو بضم أفعال الجوارح، ويشهد لذلك قوله تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات: 14)، وهو شاهد على ما تقدّم من الفرق بين الإيمان الظاهري (الإسلام) وبين الإيمان الحقيقي الذي مركزه القلب والباطن، وكذا قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 8)، حيث نفى عنهم الإيمان مع كونهم مقرّين باللسان.
________________________________________
(62)الصحاح 5: 271.
(63)لسان العرب 12: 294.

[الصفحة - 50]


والحاصل:إنّ الإيمان الشرعي يعتبر فيه التصديق القلبي بلا إشكال، وإنّما الكلام في اعتبار شيء آخر معه، فقد ذهب جملة من علمائنا إلى اعتبار فعل الجوارح من الطاعات أيضاً في الإيمان، واستدلّ على ذلك بطائفتين من الأخبار:
الطائفة الأُولى:ما دلَّ على دخل ذلك في الإيمان، وهي كثيرة منها صحيحة أبي بصير قال: «كنت عند أبي جعفر(عليه السلام) فقال له سلام: إنّ خيثمة بن أبي خيثمة يحدّثنا عنك أنّه سألك عن الإسلام فقلت له: إنّ الإسلام من استقبل قبلتنا وشهد شهادتنا ونسك نسكنا ووالى وليّنا وعادى عدوّنا فهو مسلم، فقال: صدق خيثمة، قلت: وسـألك عن الإيمان فقلت: الإيمان بالله والتصديق بكتاب الله وأن لا يعصي الله، فقال: صدق خيثمة» (64).
وصحيحة جميل بن درّاج قال: «سألت أبا عبـد الله(عليه السلام) عن الإيمان فقال: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّـداً رسول الله، قال: قلت: أليس هذا عمل؟ قال: بلى، قلت: فالعمل من الإيمان، قال: لا يثبت له الإيمان إلاّ بالعمل، والعمل منه» (65).
وغير ذلك من الأخبار الكثيرة التي جمعها العلاّمة المجلسي في البحار في باب: «إنّ العمل جزء الإيمان وأنّ الإيمان مبثوث على الجوارح» (66).
الطائفة الثانية:ما دلّ على عدم إيمان مرتكب بعض المعاصي، مثل قوله تعالى في آية الحجّ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97).
وكذا معتبرة محمّـد بن حكيم قال: «قلت لأبي الحسن(عليه السلام): الكبائر تخرج من الإيمان، فقال: نعم، وما دون الكبائر، قال رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم): لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن» (67).
ومعتبرة عبيد بن زرارة قال: «دخل ابن قيس الماصر وعمر بن ذر وأظن معهما أبو حنيفة على أبي جعفر(عليه السلام) فقال له أبو جعفر(عليه السلام): يابن قيس أمّا رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) فقال: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت» (68).
وصحيحة عبيد الأخرى قال: «سألت أبا عبـد الله(عليه السلام) عن الكبائر...... إلى أن قال: إنّ تارك الصلاة كافر يعني من غير علّة» (69)، وغير ذلك من الأخبار.
________________________________________
(64)الكافي 2: 38 ح 5.
(65)الكافي 2: 38 ح 6.
(66)بحار الأنوار 66: 19 ـ 149 باب 30.
(67)الكافي 2: 284 ح 21.
(68)الكافي 2: 285 ح 22.
(69)الكافي 2: 279 ح 8.

[الصفحة - 51]


والجواب:إنّه يلزم من دخل العمل ـ بالطاعات في حقيقة الإيمان ـ الحكم بعدم إيمان مرتكب المعصية أو الحكم بكفره، ولا يمكن الالتزام بذلك جزماً، لاتفاق الإمامية على أنّ العاصي الفاسق لا يخرج بذلك عن الإيمان، وعلى ذلك جرت سيرة أصحاب الأئمّة والعلماء وغيرهم من المتشرّعة، حيث إنّهم يتعاملون مع العصاة ومرتكبي الذنوب معاملة المؤمن واقعاً وظاهراً.
قال المحقّق الطوسي في التجريد: «والفاسق مؤمن لوجود حدّه فيه» (70).
وقال العلاّمة في شرح التجريد معلّقاً على الكلام السابق: «اختلف الناس ها هنا، فقالت المعتزلة إنّه لا مؤمن ولا كافر وأثبتوا له منزلة بين المنزلتين .... والحقّ ما ذهب إليه المصنّف وهو مذهب الإمامية... من أنّه مؤمن» (71).
واستدلّ لذلك بالآيات الظاهرة في مغايرة العمل بالطاعات للإيمان، مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ...} (التغابن: 9) وقوله تعالى: {اِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات} (الفرقان: 70) وغيرها فإنّ مقتضى العطف المغايرة، وكذا قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} (الأنبياء: 94)، أي حال كونه مؤمناً وهو أيضاً يقتضي المغايرة بين العمل والإيمان.
واستدل له أيضاً بالإجماع على اشتراط الإيمان في سائر العبادات، وهو يستلزم المغايرة، إذ لا يعقل أن يكون الشيء شرطاً لنفسه.
واستدلّ له أيضاً ببعض الأخبار مثل صحيحة فضيل بن يسار قال: «سمعت أبا عبـد الله(عليه السلام) يقول: إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب، والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء....» (72).
وصحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «سمعته يقول: الإيمان ما استقرَّ في القلب وأفضى به إلى الله عزّ وجلّ وصدّقه العمل بالطاعة لله والتسليم لأمره.....» (73)، وغير ذلك من الأخبار.
وعليه، فلا بدّ من حمل الأخبار السابقة ـ الظاهرة في دخل العمل في الإيمان ـ على ما لا ينافي ما تقدّم، ولعلّ أحسن الوجوه هو حملها على الإيمان الكامل، وذلك
________________________________________
(70)تجريد الاعتقاد : 309.
(71)كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 578.
(72)الكافي 2: 26 ح 3.
(73)الكافي 2: 26 ح 5.

[الصفحة - 52]


لما عرفت من أنّ الإيمان يستعمل في النصوص ويراد به عدّة معان تمثّل درجات مترتّبة من الإيمان، فالدرجة العالية منه يعتبر فيها ما لا يعتبر في سواها، وهكذا، لاحظ قولـه تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(النساء: 65)، فإنّ هذه الأُمور المذكورة في الآية ليست معتبرة إلاّ في الدرجات العالية من الإيمان، والتارك لها أو لبعضها لا يخرج عن أصل الإيمان جزماً. وعليه، يمكن حمل هذه الأخبار على درجة معيّنة من الإيمان يشترط فيها العمل بالجوارح مضافاً إلى التصديق القلبي.
ويمكن تنزيل الأخبار الدالّة على كفر تارك الصلاة، وعدم إيمان الزاني ونحو ذلك، على هذا المعنى من الإيمان، فلاحظ.
وهناك وجه آخر يمكن حمل الأخبار عليه، وحاصله جعل العمل في هذه الأخبار مجرّد شاهد ومصدّق للإيمان من دون أن يكون دخيلاً في حقيقته، ويشهد له صحيحة حمران المتقدّمة، حيث جعل العمل فيها مصدّقاً للإيمان، وكذلك رواية ابن البختري، حيث ورد فيها: «ولكنّ الإيمان ما خلص في القلب وصدّقه الأعمال» (74). وعليه، فالعمل مجرّد شاهد على التصديق والإيمان، كما يعتبر الإقرار باللسان كذلك.
هذا وقد أشارت بعض الروايات إلى أنّ الحكم بكفر تارك الصلاة إنّما هو لأجل الاستخفاف باعتبار عدم وجود داع له، فقد روى في المحاسن بسنده عن ابن صدقة قال: «سمعت أبا عبـد الله(عليه السلام) وسئل ما بال الزاني لا تسمّيه كافراً وتارك الصلاة قد تسمّيه كافراً؟ وما الحجّة في ذلك؟ قال: لأنّ الزاني وما أشبهه إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة وأنّها تغلبه، وتارك الصلاة لا يتركها إلاّ استخفافاً بها....» (75).
وأمّا مذهب المحقّق الطوسي من أنّ الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان، فقد استدلّ عليه بقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} (النمل: 14)، حيث أثبت للكفّار الاستيقان النفسي وهو التصديق القلبي، فلو كان الإيمان هو التصديق القلبي فقط لزم اجتماع الكفر والإيمان وهو باطل جزماً، وهذا يدلّ على عدم كفاية التصديق القلبي في تحقّق الإيمان، كما أنّ قوله تعالى:{قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ}
________________________________________
(74)معاني الأخبار : 187 ح 3.
(75)قرب الإسناد : 47 ح 154.

[الصفحة - 53]


(الحجرات: 14). يدلّ على عدم كفاية الإقرار باللسان، حيث نفى عنهم الإيمان بالرغم من وجود الإقرار باللسان (76).
والجواب:إنّك عرفت أنّ الكلام في الإيمان الواقعي الذي يصير المتصف به مؤمناً واقعاً وفي نفس الأمر، وحينئذ نقول إنّ مفاد الآية الاُولى هو ثبوت الكفر للجاحد، أي لمنكر الآيات وإن علم بها واستيقنتها نفسه، وهذا نقول به، إلاّ أنّه لا يعني اعتبار الإقرار باللسان في الإيمان، وإنّما يعني أنّ الإيمان الذي هو التصديق القلبي مشروط بعدم الجحد والإنكار، ولا ملازمة بين ذلك وبين اشتراط الإقرار لثبوت الواسطة بينهما، فإنّ الشخص إذا حصل له التصديق القلبي الجزمي بالاُصول العقائدية وهو بعد لم يقرَّ بها بلسانه ولم يجحدها كذلك، فإنّ الآية لا تدلّ على كونه كافراً كما لا يخفى.
والحاصل:إنّ الجحود والإنكار جعل علامة على الكفر، كما يقال ذلك في الاستخفاف بالشرع، وكذا وطئ المصحف، فإنّ كل ذلك علامات على الكفر شرعاً من دون أن يلزم من ذلك إدخال الإقرار باللسان المقابل للجحود في حقيقة الإيمان.
نعم، الحكم بالإيمان الظاهري مشروط بالإقرار والتلفّظ بكلمات الإيمان حيث لا يعلم إلاّ بالإقرار ونحوه، وقد ذكرنا قبل ذلك أنّ فعل الطاعات يمكن إدخاله في هذا، بمعنى أنّه مجرّد علامة وشاهد على الإيمان من دون أن يكون دخيلاً فيه.
والمتحصّل من جميع ذلك أنّ الإيمان الواقعي عبارة عن التصديق القلبي بجملة الاُصول الاعتقادية. نعم، يشترط فيها أمران:
الأوّل:الجزم واليقين.
الثاني:عدم الجحود والإنكار ونحو ذلك، ممّا اعتبره الشارع كاشفاً عن عدم الإيمان.
ويدلّ على اعتبار الأوّل أُمور:
منها:إنّ التصديق القلبي يلازم الجزم واليقين، إذ لا تصديق مع التردّد والظنّ. نعم، التصديق الظاهري قد يجتمع معهما.
ومنها:النصوص الدالّة على عدم كفاية الظنّ فضلاً عن الشكّ في الاُصول الاعتقادية، مثل الآيات الكثيرة الناهية عن التعويل على الظنّ والاكتفاء به في الاُصول.
ومنها:الروايات الكثيرة الدالّة على كفر الشاكّ، مثل صحيحة منصور بن حازم،
________________________________________
(76)كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 577.

[الصفحة - 54]


وصحيحة أبي بصير، وصحيحة بكر بن محمّـد (77)المتقدّمة. بناءً على أنّ المراد بالشكّ فيها المعنى اللغوي الشامل للظنّ والشكّ الاصطلاحي.
ومنها:ما دلّ على عدم اجتماع الإيمان مع الريب والتردّد، مثل قوله تعالى: {اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا...} (الحجرات: 15).
ومنها:الأخبار التي تفسّر الإيمان بالإقرار، والشهادة، والمعرفة ونحو ذلك، وهي ظاهرة في الجزم واليقين.
ويدلّ على اعتبار الثاني ما تقدّم من الأدلّة الدالّة على كفر الجاحد وإن كان عنده يقين ومعرفة، كقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} ، وغيرها.
هذا هو معنى الإيمان الواقعي، وأمّا الكفر المقابل له فهو عبارة عن عدم الإيمان فيمن من شأنه أن يكون مؤمناً، فالتقابل بينهما تقابل الملكة والعدم، وقد صرّح بذلك كلّ من المحقّق الطوسي والعلاّمة في التجريد وشرحه (78)، وكذا الشهيد الثاني في رسالته حيث قال: «عرّفه جماعة بأنّه عدم الإيمان عمّا من شأنه أن يكون مؤمناً، سواء كان ذلك العدم بضدّ أو لا بضدّ...» (79)، ومعنى ذلك أنّ الكفر بمعنى عدم الإيمان والمعرفة قد يتجسّد باعتقاد خلاف الحقّ والواقع، وهو المعبّر عنه بالجهل المركّب، وقد لا يتجسّد بذلك، بل هو مجرّد عدم إيمان ومعرفة بالله سبحانه وتعالى وبما تجب معرفته، وهو الجهل البسيط. فالكفر تارةً يكون بنفس عدم الإيمان، وأخرى يكون بما يضادّ الإيمان بالحقّ والواقع. وعليه، فالكفر يشمل:
1 ـمن لم يعتقد بما يعتبر في الإسلام مع اعتقاد الخلاف.
2 ـمن لم يعتقد بما يعتبر في الإسلام مع الشكّ.
3 ـمن لم يعتقد بما يعتبر في الإسلام مع الظنّ بالخلاف أو بالوفاق.
4 ـمن اعتقد بما يعتبر في الإسلام جازماً إلاّ أنّه جحد ذلك.
وشمول الكفر للأقسام الثلاثة الأُولى واضح في ضوء ما تقدّم من أنّه يعتبر في الإيمان الجزم واليقين بالوفاق. وأمّا شموله للرابع فأيضاً كذلك، وذلك لما تقدّم من أنّ الإيمان مشروط بعدم الجحد والإنكار، بل بعدم كلّ ما اعتبره الشارع شاهداً وعلامة على الكفر ولو لمصالح خاصّة، مثل الاستخفاف ووطئ القرآن ونحو ذلك.
________________________________________
(77)الكافي 2: 387 ح 11 و 2: 369 ح 4 و 2: 400 ح 5.
(78)تجريد الاعتقاد : 309؛ كشف المراد : 577.
(79)حقيقة الإيمان : 64.

[الصفحة - 55]


إذا اتضح ذلك نعود إلى أصل المسألة، وهي حكم المتمكّن من تحصيل المعرفة التارك لها لا عن عجز إذا كان ظانّاً بالحقّ، فهل يحكم عليه بالكفر أم لا؟
والجواب
نعم، يحكم بكفره، لما عرفت من أنّ الإيمان هو التصديق القلبي الجزمي بجملة الاُصول الاعتقادية، وأنّ الكفر عبارة عن عدم الإيمان فيمن من شأنه أن يكون مؤمناً، وهو هنا متحقّق فإنّ مثل هذا الشخص ليس مؤمناً ولا معتقداً فيكون كافراً، هذا إذا لم يقرّ ظاهراً بما هو معتبر في الإسلام، وإلاّ فلا يحكم عليه بالكفر كما تقدّم.
نعم، إذا فسّرنا الكفر بالجحود والإنكار، بحيث يكون التقابل بينه وبين الإيمان تقابل الضدّين لا النقيضين ـ كما تقدّم ـ أشكل الحكم بكفره؛ لعدم كونه جاحداً بالفرض، إلاّ أنّك عرفت أنّ الكفر هو عدم الإيمان، وأنّ الجحود جعل شرعاً علامة عليه من دون أن يدور الكفر مداره وجوداً وعدماً.
ثمّ إنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ الحكم بالكفر في المقام وأمثاله، إنّما يكون فيما إذا فرض الشكّ أو الظن بجميع الاُصول الاعتقادية أو باُصول الدين خاصّة، وأما إذا فرض ذلك في خصوص اُصول المذهب، كالإمامة فلا يكون موجباً للكفر، بل للخروج من المذهب خاصّة.
وأما غير المتمكّن من تحصيل اليقين والمعرفة لغفلة أو قصور وعجز، فهل يحكم عليه بالكفر أو لا؟
والجواب
إنّه تارةً يفترض عدم إقراره ظاهراً بما هو معتبر في الإسلام، وأخرى يفترض إقراره بذلك، فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل:في غير المتمكّن من تحصيل المعرفة مع عدم إقراره ظاهراً بما يعتبر في الإسلام.
وهذا العاجز تارةً يفترض جاهلاً بسيطاً، وأخرى جاهلاً مركّباً بأن يعتقد خلاف الحقّ.
________________________________________

[الصفحة - 56]


أمّا الجاهل البسيط، فالظاهر أنّه لا إشكال في عدم كونه مؤمناً لعدم التصديق المعتبر في الإيمان ـ كما تقدّم ـ من دون فرق بين أن يكون العجز وعدم التمكّن من جهة ثبوت ذلك في الصنف كالمجانين والأطفال، أو من جهة عدم الاستعداد الخاصّ بهم كبعض الرجال أو النساء المتخلّفين، أو من جهة البعد عن محيط المعرفة بحيث لا تخطر في بالهم هذه الأُمور. فهل يحكم عليه بالكفر؟
الظاهر لا، لما تقدّم من أنّ الكفر يقابل الإيمان مقابل الملكة والعدم، فالكفر ليس هو عدم الإيمان مطلقاً، بل عدمه فيمن من شأنه أن يكون مؤمناً، فالكافر هو غير المؤمن مع افتراض أنّه متمكّن من الإيمان، ومن الواضح أنّ المفروض في المقام عدم التمكّن من تحصيل المعرفة والإيمان.
نعم، لو قلنا أنّ الكفر هو عدم الإيمان مطلقاً، أي أنّ التقابل بينهما تقابل النقيضين ـ أمكن الالتزام بكفر العاجز الجاهل في المقام.
وأمّا الجاهل المركّب الذي يعتقد خلاف الحقّ والواقع، فالظاهر أيضاً أنّه لا إشكال في عدم إيمانه، كما أنّه ينبغي عدم الحكم عليه بالكفر لنفس ما تقدّم سابقاً. وهذا الذي قلناه يستفاد من الروايات الدالّة على أنّ المستضعف ليس بمؤمن ولا كافر، وهي كثيرة مثل:
صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «المستضعفون الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً، قال: لا يستطيعون حيلةً إلى الإيمان ولا يكفرون، الصبيان وأشباه عقول الصبيان من الرجال والنساء» (80).
وصحيحة عمر بن أبان قال: «سألت أبا عبـد الله(عليه السلام) عن المستضعفين فقال: هم أهل الولاية، فقلت: أي ولاية؟ فقال: أمّا إنّها ليست بالولاية في الدين، ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفار، ومنهم المرجون لأمر الله عزّ وجلّ»(81)... وغير ذلك من الروايات.
هذا وقد فسّر المستضعف بأنّه: الذي لا يعرف اختلاف الناس، كما في صحيحة أبي بصير: «من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف» (82).
ومن الواضح أنّ هذه الروايات تشمل كلاًّ من الجاهل البسيط والمركّب، بل لا
________________________________________
(80)الكافي 2: 404 ، باب المستضعف ح 2.
(81)الكافي 2: 405 ، باب المستضعف ح 5.
(82)الكافي 2: 405 ، باب المستضعف ح 7.

[الصفحة - 57]


يخلو المستضعفون ممّن يعتقد خلاف الحقِّ والواقع؛ لقصوره عن تصوّر حقٍّ سواه وعدم التفاته.
ثمّ إنّ ما تقدّم إنّما هو بحسب الواقع ونفس الأمر، وأمّا بحسب الظاهر فحيث أنّ المفروض فيه عدم الإقرار الظاهري بما يعتبر في الإسلام، فلا تترتّب عليه آثار وأحكام الإسلام، لما تقدّم من أنّها آثار الإقرار الظاهري، فمع عدمه تنتفي تلك الآثار.
والحاصل:إنّ العاجزـ مع عدم إقراره بما يعتبر في الإسلام ـ ليس كافراً ولا مؤمناً في الواقع ونفس الأمر، فلا تترتّب عليه آثار الكفر الواقعي ولا آثار الإيمان الواقعي. وأمّا بحسب الظاهر، فلا يحكم عليه بالإسلام ولا تترتّب عليه أحكامه.
المقام الثاني:في غير المتمكّن من تحصيل المعرفة مع إقراره ظاهراً بما يعتبر في الإسلام. والظاهر أنّه يحكم عليه بالإسلام، لما تقدّم من كفاية الإقرار الظاهري في ترتيب آثار الإسلام من حقن الدم، والمناكحة، والتوارث ونحوها.
وأمّا في الواقع ونفس الأمر، فهو ليس مؤمناً ولا كافراً لما تقدّم من أنّه غير قابل لملكة (الإيمان)، فلا يصدق عليه عدمها (الكفر).
ولا فرق في هذه النتائج بين الجاهل البسيط والجاهل المركّب.
الفصل الثالث
في مناشئ المعرفة
لا يخفى أنّ مناشئ المعرفة بشكل عامّ عبارة عن:
1 ـالعقل، والمراد به في المقام مدركات العقل النظري ممّا لا يدخل في الضروريّات والبديهيّات، مثل أنّ الإثنين أكثر من الواحد، واستحالة اجتماع النقيضين، لعدم تصوّر وقوع الخلاف في هذه المسائل، فلا بدّ أن يراد بها الأدلّة العقلية التي فيها شيء من النظر والاستدلال والراجعة إلى البرهان ونحوه.
2 ـالتجربة، وهي لا تصلح منشأ للمعرفة في المقام، لعدم خضوع المعارف العقائدية إلى التجربة والإدراك الحسّي.
________________________________________

[الصفحة - 58]


3 ـالأدلّة السمعية، ويتّضح الحال فيها من خلال النقاط التالية:
أ ـلا يجوز الاعتماد عليها في الاُصول الأساسية، مثل وجود الصانع ووحدانيته، وثبوت نبوّة النّبي(صلي الله عليه و آله و سلم) وعصمته، ونحو ذلك، ممّا يلزم من الاستدلال عليها ـ بالأدلّة السمعية ـ الدور والمصادرة ونحو ذلك، فإنّ جعل الدليل السمعي دليلاً وحجّةً يتوقّف على الإيمان بتلك الاُصول الأساسية، فإذا استدلّ بها عليها كان معناه توقّف الإيمان بتلك الاُصول على تلك الأدلّة، وهذا معناه الدور.
ب ـبعد تحصيل المعرفة بالاُصول الأساسية من الاعتقاديّات ـ عن طريق الاستدلال والبرهان العقلي ـ يمكن الاستدلال على ما عداها بالأدلّة السمعية من الكتاب والسنّة، فإنّه بعد ثبوت وجود الصانع، ونبوّة النّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وعصمته وغير ذلك، لا مانع من الاستدلال بالكتاب وبقول النّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على جملة من المعارف، مثل القضاء والقدر، والمعاد،ومسائل الإمامة، وما بعد الموت، ويوم القيامة ونحو ذلك، فإنّه لا يلزم من ذلك أي محذور عقلي كما لا يخفى.
ج ـالمراد بالسنّة في المقام: هو قول النّبي(صلي الله عليه و آله و سلم) وما يشبهه، فإنّه الثابت حجّيّته بمجرّد ثبوت العصمة ونحوها، وأمّا الأخبار والروايات الحاكية عن السنّة، فإنّ الاستدلال بها يحتاج إلى إثبات الصدور وجداناً وهو ليس متيسّراً غالباً، وأما إثباته تعبّداً، فهو وإن كان ممكناً إلاّ أنّه لا يوجب المعرفة العلمية، وإنّما يوجب المعذّرية والمنجّزية، وليست هي المطلوبة في المسائل الاعتقادية، بل المطلوب فيها العلم واليقين والمعرفة.
د ـ ليس معنى الاكتفاء بالأدلّة السمعية في بعض المسائل الاعتقادية هو عدم وجوب الاعتقاد فيها، بل الظاهر وجوب الاعتقاد بما تدلّ عليه تلك الأدلّة السمعية بعد فرض حصول القطع به.
والحاصل:إنّ المسائل الاعتقادية التي يطلب فيها الاعتقاد والتديّن يجب فيها ذلك بعد العلم بثبوتها، سواء كان دليلها العقل والاستدلال البرهاني، أو كان دليلها الكتاب والسنّة فيما يصحّ فيه ذلك.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 59]