البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القضاء والقدر دراسة مقارنة بين الفلسفة وعلم الكلام الإمامي «القسم الثاني»

الباحث :  الشيخ عقيل البندر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  50
السنة :  السنة الثالثة عشر صيف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  393
القضاء والقدر
دراسة مقارنة بين الفلسفة وعلم الكلام الإمامي
«القسم الثاني»

الشيخ عقيل البندر (*)

تمهيد
تقدّم معنا في القسم الأوّل دراسة وتحليل أبرز نظريّات علماء الكلام الإماميّة في مسائل القضاء والقدر، وفي هذا القسم سيرى القارئ الكريم نفس المسائل التي ذكرت في القسم الأوّل، ولكن في قراءة تحليليّة أُخرى لنظريّات الحكماء الشيعة وبيانات لأبرز آرائهم في هذه المسائل.
الجذور التأريخيّة للمسألة
شغلت حرّية الإنسان واختياره العقل البشري منذ عصور قديمة، وقد حاول في تلك العهود أن يجد حلولاً ناجعة لهذه الإشكاليّة.
ويعدّ حكماء الإغريق أوّل من تناول بحث الحريّة والإرادة لفعل البشر، وتبرير الأفعال الأخلاقية عن طريق الإيمان بذلك.
ولعلّ أوّل من فتح هذا الباب من الفلاسفة هو أرسطوطاليس (323 ق.م)، فذهب إلى أنّ الفضيلة لا تتحقّق إلاّ بالفعل الاختياري، وأنّ المدح والذمّ لا يصحّان إلاّ عند الاختيار (1). ثمّ بيّن معنى الاختيار والقصد الذي عبّر عنه هناك بالاختيار المدبّر، وذلك في الباب الثالث من كتابه الأخلاق(2).
ومنذ ذلك العصر، عكف الحكماء على هذه المسألة الشائكة بالبحث والتحليل حتّى تعدّدت المذاهب وتنوّعت الآراء، وقد عقدنا هذا القسم لمعرفة مجموعة مهمّة
________________________________________
(*)باحث في الحوزة العلمية، من العراق.
(1)علم الأخلاق إلى نيقوماخوس1 :365/ الكتاب الثالث، الباب الأوّل.
(2)المصدر السابق:275 وما بعدها، الباب الثالث.

[الصفحة - 194]


من هذه الآراء في مسائل متنوّعة على صعيد الحكماء الشيعة، فجاء هذا القسم، كما في القسم الأول، على مباحث:
المبحث الأوّل
معنى القضاء والقدر عند الحكماء الإماميّة
المعنى اللغوي
كما تعرّض المتكلِّمون سابقاً إلى المعنى اللغوي للقضاء والقدر، رأينا ذلك موجوداً عند الحكماء أيضاً، لكن من الملاحظ أنّ بعض التعاريف قد لا تكون ذات صياغات تعريفيّة كما نجدها في بعض الكتب أو في بعض كلمات الفلاسفة والحكماء المعاصرين.
يقول المحقّق الطوسي (597 ـ 672هـ): «والقضاء والقدر إن ؟أُريد بهما خلق الفعل لزم المحال، أو الإلزام صحّ في الواجب خاصّة، أو الإعلام صحّ مطلقاً» (3).
فالمعنى الأوّل:هو الخلق {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات} (سورة فصّلت: 12)، فهذا المعنى وإن كان صحيحاً لغوياً، إلاّ أنّه باطل; لأنّه يفضي إلى الجبر وهو باطل عنده ـ كما سيأتي ـ لذلك قال: «.. إن أُريد بهما خلق الفعل لزم المحال).
والمعنى الثاني:الحكم والإلزام {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} (سورة الإسراء: 23); أي وجب وألزم، وهو صحيح بحقّه سبحانه فقط.
والمعنى الثالث:هو الإعلام: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ..} (سورة الإسراء: 4); أي أعلمناهم وأخبرناهم، وهو صحيح بحقّ الله سبحانه وبحقّ غيره.
وكذلك ما وجدناه في كتب بعض فلاسفة الإماميّة المتأخّرين، كالسيّد العلاّمة الطباطبائي (1321 ـ 1402هـ) حيث جعل القضاء على قسمين، وهما:
الأوّل:القضاء التكويني، واستدلّ عليه بقوله تعالى: {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ( سورة البقرة: 117)، وقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ} ( سورة السجدة: 12).
________________________________________
(3)نصير الدين الطوسي، تجريد الاعتقاد: 200.

[الصفحة - 195]


والثاني:هو القضاء التشريعي، واستدلّ عليه بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} ( سورة الإسراء: 23) (4).
وما نريد قوله هنا أنّه كما اعتمد المتكلِّمون المعاني اللغوية في بيان القضاء والقدر كذلك اعتمدها الفلاسفة، دون خلاف جوهري، ولكن قد يظهر الخلاف في المفهوم الاصطلاحي لمعنى القضاء والقدر بين المدرستين.
المفهوم الفلسفي للقضاء والقدر
يرى أكثر الفلاسفة أنّ معنى القضاء اصطلاحاً هو وجود الأشياء في العالم العقلي بصورة الإجمال والإبهام، والقدر بوجودها مفصّلة مبيّنة في الأعيان، ولكن اختلفوا في شرح ذلك وبيانه.
وكيف كان الأمر، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ القضاء صفة ذاتية قديمة بقدم الذات، وبعضهم ذهب إلى أنّها صفة فعليّة، كما عليه أكثر المتأخّرين الإماميّة من الفلاسفة.
وعند النظر إلى البيان المتقدِّم ـ وإلى البيانات التالية للفظتي القضاء والقدر ـ نجده مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بصفة العلم، كما سيتّضح ذلك لاحقاً أكثر، والتي ـ أي صفة العلم ـ يعدّها أكثر الفلاسفة صفةً ذاتية (5).
قال نصير الدِّين الطوسي: «إنّ القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة ومجملة على سبيل الإبداع. والقدر عبارة عن وجودها في موادّها الخارجيّة بعد حصول شرائطها مفصّلة واحداً بعد واحد، كما جاء في التنزيل في قوله عزّ من قائل: {وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم} (سورة الحجر: 21). والجواهر العقليّة وما معها موجود في القضاء والقدر مرّة واحدة باعتبارين، والجسمانية وما معها موجودة فيها مرّتين» (6).
فالقضاءـ في نظر النصير الطوسي(رحمه الله) ـ : هو أنّ كون الموجودات بما لها من صور وهيئات حاصلة ومتحقّقة بصورة الإجمال في العالم العقلي، وهو ما يلي عالم الذات بعيداً عن العالم المادّي وفضائه.
________________________________________
(4)الطباطبائي الميزانفي تفسير القرآن 13 : 72.
(5) وهو مذهب النصير الطوسي، كما سيأتي، والملاّ صدرا في الحكمة المتعالية6 : 179، خلافاً لما ذهب إليه ابن سينا، حيث أثبت لله علماً زائداً على ذاته؛وراجع في ذلك: نصير الدين، شرح الإشارات3 : 302، وقد ردّ الطوسي عليه أيضاً في: 306ـ 307.
(6)شرح الإشارات3 : 317، وهذا التعريف شرح لتعريف الشيخ الرئيس هنا، يرتضيه المحقّق الطوسي.

[الصفحة - 196]


وقد قال ذلك بناءً على ما تبنّاه من أنّ العلم بالجزئيّات بالنسبة إلى الله لا يكون إلاّ على الوجه الكلّي، ويكون إدراكاً في العالم العقلي، وبذلك لا يكون الواجب موضوعاً للتغيّر والتبدّل، إذ لو أدرك الجزئيات بما هي مقبولة ومتغيّرة لزم حصول النقص والتبدّل في الذات (7).
من هنا، صحّح النصير القول بأنّ صفة العلم ذاتية دون أن يرد عليه الإشكال المتقدِّم.
وأمّا القدر:فعلى رأيه هو تشخيص تلك الموجودات المجتمعة في العالم العقلي، وخروجها منه إلى حيّز الوجود عند تلبّس الموادّ بصورها وبعد تحقّق الشروط والقوالب اللاّزمة للوجود الخارجي.
ثمّ عقّب على ذلك أنّه مع صدق هذين المعنيين تكون الجواهر الأُولى والعقول المجرّدة موجودة بمرتبة واحدة، ولكن باعتبارين هما: الإجمال والتفصيل، حيث لا يوجد في عالم التجرّد إلاّ العلّة التامّة، ولعدم تعاقب الصور على المواد هناك، بل لا حاجة إلى المعدّات والعلل.
وأمّا الصور والأعراض الجسمية والجسمانية ـ كما يقول ـ فهي موجودة في القضاء والقدر بمرتبتين ودرجتين:
إحداهما:في عالم القضاء، وهو عالم الإجمال والكلّيات.
وثانيتهما:في عالم القدر، وهو عالم التفصيل والتشخّص واتّحاد الصور بالمواد.
هذا، ولكن صدر المتألّهين (1050هـ) رفض هذا التعريف وأنكر على من أخذ به، فقال: «وأمّا القضاء فهي عندهم عبارة عن وجود الصور العقلية بجميع الموجودات، فائضة عنه تعالى على سبيل الإبداع دفعة بلا زمان، لكونها عندهم من جملة العالم وهي من أفعال الله المبائنة ذواتها لذاته» (8).
ثمّ قال معرّفاً للقضاء: «وعندنا صور علميّة لازمة لذاته بلا جعل وتأثير وتأثّر، وليست من أجزاء العالم، إذ ليست لها حيثيّة عدميّة ولا إمكانات واقعيّة، فالقضاء الربّانية ـ وهي صورة علم الله ـ قديمة بالذات باقية ببقاء الله» (9).
________________________________________
(7)شرح الإشارات3 : 316.
(8)الملاّ صدرا، الحكمة المتعالية6 : 291 ـ 292.
(9)المصدر السابق نفسه; وراجع: الملاّ صدرا، تفسير القرآن الكريم2 : 195.

[الصفحة - 197]


فما ظهر من كلمات النصير الطوسي التي تعكس نظر الشيخ الرئيس في معنى القضاء والقدر، من أنّ صفة القضاء صفة فعليّة داخلة في العالم، جاء مرفوضاً عند مدرسة الحكمة المتعالية، حيث اعتبرها الملاّ صدرا صفة ذاتية خارجة عن العالم، معتبراً القضاء مرتبة ثانية ـ بعد العناية ـ من مراتب العلم الإلهي (10).
وقد لا يرد ـ بناءً على تعريف الشيخ الرئيس في كتابه الرسالة العرشية للقضاءـ إنكارُ صدر المتألّهين عليه، حيث قال في تعريف القضاء: «علمه تعالى المحيط بالمعلومات مبدعاته ومكوّناته» (11).
وأمّا القدر، فقال ـ الملاّ صدرا ـ في معناه: «وأمّا القدر: فهو عبارة عن وجود صور الموجودات في العالم النفسي السماوي على الوجه الجزئي مطابقة لما في موادّها الخارجيّة الشخصيّة مستندة إلى أسبابها وعللها واجبة بها لازمة لأوقاتها المعيّنة وأمكنتها المخصوصة...» (12).
وخالف السيّد العلاّمة الطباطبائي(رحمه الله) ما قاله الملاّ صدرا في معنى القضاء، فجعلها من الصفات الإلهيّة الفعلية منتزعة من الفعل، وبالتالي جاء تفسيره الفلسفي للقضاء مختلفاً تماماً عمّا ذكره عميد مدرسة الحكمة المتعالية، فهو وإن كان جارياً مجرى الملاّ صدرا في تحديد مراتب العلم الثلاث (العناية، القضاء، القدر)، ولكن خالفه في بيان مفهوم القضاء الإلهي، وما يلازمه من معاني.
قال في النهاية: ـ بعد تعريف العناية ـ : «وأمّا القضاء: فهو بمفهومه المعروف جعل النسبة التي بين موضوع ومحموله ضروريّة موجبة، فقول القاضي مثلاً في قضائه ـ فيما إذا تخاصم زيد وعمرو في مال أو حقّ ورفعا إليه الخصومة والنزاع وألقيا إليه بحجّتيهما ـ المال لزيد والحقّ لعمرو، إثبات المالكيّة لزيد وإثبات الحقّ لعمرو إثباتاً ضروريّاً يرتفع به التزلزل والتردّد الذي أوجده التخاصم والنزاع قبل القضاء وفصل الخصومة (...) وإذا أخذ هذا المعنى حقيقيّاً بالتحليل غير اعتباري، انطبق على الوجوب الذي يتلبّس به الموجودات الممكنة من حيث نسبتها إلى عللها التامّة، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد...» (13).
ثمّ قال: «فالقضاء قضاءان: قضاءٌ ذاتي خارج من العالم، وقضاء فعليّ داخلٌ فيه» (14).
________________________________________
(10)الحكمة المتعالية 6: 292.
(11)مفهوم الخير والشرّ في الفلسفة الإسلاميّة: 176.
(12)الحكمة المتعالية 6: 292 ـ 293; وراجع تفسير القرآن الكريم2 : 195.
(13)الطباطبائي، نهاية الحكمة: 356 ـ 357.
(14)المصدر السابق: 357.

[الصفحة - 198]


وهو ما شرحه في تفسير الميزان بقوله: «ولمّا كانت الضرورة هي تعيّن أحد الطرفين وخروج الشيء عن الإبهام، كانت الضرورة المنبسطة على سلسلة الممكنات من حيث انتسابها إلى الواجب تعالى الموجب لكلّ منها في ظرفه الذي يخصّه قضاءً عامّاً، كما أنّ الضرورة الخاصّة بكلّ واحد منهما قضاء خاصّ به منه، إذ لا نعني بالقضاء إلاّ فصل الأمر وتعيينه عن الإبهام والتردّد» (15).
ثمّ قال: «ومن هنا يظهر أنّ القضاء من صفاته الفعليّة وهو منتزع من الفعل من جهة نسبته إلى علّته التامّة الموجبة له».
فالسيّد العلاّمة اعتبر القضاء صفة فعليّة خلافاً لما ذهب إليه المتألّه الشيرازي، معتمداً في ذلك على تفسير القضاء بوصول الأمر إلى حدّ الضرورة، معتبراً أنّ هذا الحدّ هو الذي يعني القضاء، عندما يكون منتسباً إلى العلّة التامّة والتي يكون بعدها حتماً لازماً.
وقال في تعريف القدر: «فهو ما يلحق الشيء من كمّية أو حدّ في صفاته وآثاره، والتقدير ما يلحقه من الصفات والآثار تعييناً علميّاً يتبعه العمل على حسب ما تسعه الأسباب والأدوات الموجودة»(16).
مراتب العلم السابقة على وقوع الفعل
ينقسم الوجود إلى أربعة عوالم كلّية:
1 ـ عالم الأسماء والصفات، ويسمّى بعالم اللاهوت.
2 ـ عالم التجرّد التامّ، وهو عالم العقل والروح، ويُقال له: عالم الجبروت أيضاً.
3 ـ عالم المثال ويُطلق عليه عالم الخيال والبرزخ، ويسمّى بعالم الملكوت أيضاً.
4 ـ عالم المادّة والطبيعة، ويُقال له: عالم الناسوت (17).
وما نريد معرفته هنا هو في أيّ مرتبة تقع مرتبة القضاء والقدر من هذه العوالم المذكورة؟ وبالتالي هل هناك علم ومراتب تسبق الفعل أو لا؟
قبل الإجابة عن ذلك لا بدّ من تقديم مقدّمة، وهي أنّه قد اتّفق الفلاسفة على أنّ المادّة والهيولى الأُولى فيها استعدادات متعدّدة قابلة لصور متفرّعة وتشخّصات
________________________________________
(15)تفسير الميزان13 : 73.
(16)نهاية الحكمة: 358.
(17)الطباطبائي، الرسائل التوحيدية ـ رسالة الوسائط: 122.

[الصفحة - 199]


كثيرة، وكلّما اقتربت من الصور والمشخّصات قلّت تلك الاستعدادات وتقلّصت الإمكانات، وما أن تتلبّس هذه المادّة بصورة معيّنة حتّى تتعيّن ويمتنع الإبهام، فحقيقة وجود المادّة هو القوّة والاستعداد، وحقيقة وجود الصورة هو التشخّص والفعليّة.
فالإنسان مثلاً قبل صورته الإنسانية هذه كان علقة وقبل ذلك كان نطفة، وقبل هذه الصور كان مركّباً غذائياً وقبله كان مركّباً نباتياً... حتّى نصل إلى مرحلة واسعة من الاستعداد والقوّة لقبول صور متعدّدة وإمكانات متكثّرة (18).
من هنا قال السيّد العلاّمة: «... فجميع الوجودات التي يتركّب منها عالم الأجسام ويستقرّ عليها نظامه أُمور ثابتة بهذا النظر غير قابلة للتغيّر، وإنّما تقبل التغيّر لا في أنفسها، بل بقياس بعضها إلى بعض ونسبته...» (19).
ويمكن أن نعرف من ذلك أنّ عالم الأجسام الذي هو العالم المادّي فيه نظامين أحدهما يقبل التغيّر والآخر ليس كذلك، فحينما تتعيّن المادّة وتتشخّص بالصورة المنطبقة عليها، تكون المادّة عند ذلك غير قابلة للتغيّر إلى صورة أُخرى، وهذا النظام يوازي ما في عالم المثال والمجرّدات من الثبوت وعدم التغيّر، مقابل ذلك هناك نظام آخر في العالم المادّي يقبل التغيّر والتحوّل، وقد يطلق عليه التحوّل والتغيّر النسبي.
قال السيّد العلاّمة: «وبالجملة، فهذا النظام الجسماني بأجزائه» نظام غير قابل للتغيّر، مثل النظام في عالمي المثال والعقل المجرّد، غير أنّ في ضمنه نظاماً آخر لقبول التغيّر غير مؤثر قوّته في فعليّته» (20).
الآن يمكن الجواب عن السؤال المتقدِّم، وهو أنّ هناك مرتبتين سابقتين على وقوع الفعل، وكلتا هاتين المرتبتين تقعان في العالم المادّي وهو مشمول لما قبله من العوالم، كما ستأتي الإشارة إليه، وهاتان المرتبتان هما: القضاء وهو الذي لا يقبل التغيّر، والقدر الذي يقبله. لذا، عرّفهما العلاّمة الطباطبائي هنا بتعريفين قد يكونان أوجز ممّا عليه في كتابه نهاية الحكمة، قال:
«فتبيّن من جميع ما مرّ أنّ لوجود الحوادث مرتبتين سابقتين عليها: مرتبة لا تقبل التخلف عن الوقوع والتغيّر عن ذلك، وهو الذي نسمّيه بالقضاء الحتم، ومرتبة تقبل التخلّف والتغيّر كمرتبة مقتضياتها وعللها الناقصة والاستعدادات، وهي التي
________________________________________
(18)الرسائل التوحيدية ـ رسالة الأفعال: 72.
(19)المصدر السابق: 73.
(20)المصدر السابق: 74.

[الصفحة - 200]


نسمّيها بالقدر، وهو القابل لوقوع المحو والإثبات وهو البداء» (21).
وبالرجوع إلى كلامه(رحمه الله) عندما قال: «وحيث ثبت بالبرهان اشتمال عالم المثال لنظام هذا العالم بجميع تفاصيلها واشتمال العقل المجرّد لتفاصيل عالم المثال، ففيهما من تفاصيل نظام هذا العالم المادّي قسم يقبل التغيّر في مرتبة وقوعه في عالم المادّة، وقسم لا يقبل التغيّر بتاتاً، وحيث إنّ عالم المثال شبح ومثال لعالم العقل المجرّد، كان ثبوت الحكم بقسميه بالحقيقة هناك، فافهم وأحسن التأمّل فيه» (22).
يظهر من هذا الكلام أنّ محلّ القضاء بالإضافة إلى القدر هو العالم العقلي، كما ذهب النصير الطوسي خلافاً لصدر المتألِّهين الذي قال بأنّ القضاء صفة ذاتية، ولعلّه إلى هذا الخلاف أشار بقوله: «فافهم وأحسن التأمّل فيه».
المبحث الثاني
في الإرادة والقدرة والمشيئة
يعدّ بحث الإرادة من البحوث المعقّدة التي دارت بين الحكماء، فقد اختلفوا في حقيقتها وجواز اتّصاف الباري الأعلى بها، ولا عجب من بعضهم عندما ينكر هذه الصفة، كما يظهر ذلك من كلمات شيخ الإشراق (549 ـ 587 هـ)، حيث يمنع من لحوق هذه الصفة بالذات المقدّسة (23).
ونلاحظ اختلافهم أيضاً في الإرادة هل هي من الصفات الفعليّة أو من الصفات الذاتيّة؟ فقال بعض: إنّها من الصفات الذاتيّة، وبعض آخر ـ كما عليه أكثر المتأخّرين المعاصرين ـ أنّها من الصفات الفعليّة.
ثمّ إنّهم اختلفوا في معناها ـ كما اختلف المتكلِّمون من قبل ـ هل هي المخصّص في الإيجاد أو هي الداعي نفسه أو غيره؟ أو أنّ هذه الصفة من توابع العلم ومعنى من معانيه؟
وقد يكون رأي النصير الطوسي (597 ـ 672هـ) من أقرب الآراء إلى المدرسة الكلاميّة، حيث عدّ اتّصاف الله سبحانه بهذه الصفة إنّما هو من باب الاعتبار والمجاز، وليس وصفه بذلك حقيقة، فيعتبر(رحمه الله) أنّ هذه الصفة من توابع العلم ومشتقّاته، كما
________________________________________
(21)المصدر السابق نفسه; وراجع في ذلك أيضاً: أُصول الفلسفة3 : 429 ـ 432.
(22)الرسائل التوحيدية ـ رسالة الأفعال: 74 .
(23)شهاب الدين السهروري، رسالة في اعتقاد الحكماء: 24.

[الصفحة - 201]


هو الحال بالنسبة إلى صفة الإدراك وغيرها «علمه تعالى: بأنّ في الإيجاد أو في الترك مصلحة يسمّى إرادة، وعلمه بالمدركات يسمّى إدراكاً، وعلمه بالمسموعات والمبصرات يسمّى سمعاً وبصراً، وهو باعتبارها يسمّى مريداً ومدركاً وسميعاً وبصيراً» (24).
وبناءً على اعتبار الإرادة صفة له سبحانه، فهي لا تتّحد في المعنى مع إرادة المخلوقات لا سيّما الإنسان «الإرادة في الحيوان هو شوق إلى حصول المراد أو داع يدعو إلى تحصيله لما يتخيّل أو يتعقّل من ملائمته...» (25).
وبما أنّ هذا الوصف غير جائز بحقّ الباري سبحانه وصفه العقلاء بهذه الصفة بما يلائم ذاته وحضرته من القداسة والتنزيه، ومن هنا يؤكّد النصير(رحمه الله) اعتباريّة هذه الصفة.
قال(رحمه الله): «ولمّا كان دأب العقلاء أن يصفوا بارئهم بما هو أشرف طرفي النقيض، وحسبوا أنّ كلّ ما يوجد بإرادة يكون أشرف عمّا يصدر الفعل عنه من غير إرادة، فوصفوه بالإرادة، وهي أخصّ من العلم ومترتّبة عليه; لأنّ كلّ ما لا يعلم لا يمكن أن يراد، وقد يعلم ما لا يُراد» (26).
بيدَ أنّ صفة الإرادة وإن كانت اعتبارية بالمعنى الذي أسلفناه عنه إلاّ أنّه قد ذكر لها معنىً قد يكون مختلفاً فيه عن بقيّة المعاني التي ذكرها الفلاسفة والتي سيأتي بعضها.
فقال: «وتخصيص بعض الممكنات بالإيجاد في وقت يدلّ على الإرادة، وليست زائدة على الداعي وإلاّ لزم التسلسل أو تعدّد القدماء» (27).
وقال في قواعد العقائد ـ عند استعراضه لبعض الصفات الإلهيّة ـ : «ومنها أنّه مريد، وذلك لأنّ صدور بعض الممكنات عنه دون بعض، وصدور ما يصدر عنه في وقت دون وقت يحتاج إلى مخصّص، والمخصّص هو الإرادة، وهو الداعي...» (28).
ثمّ قال ليؤكّد رجوع هذه الصفة إلى العلم: «والإرادة المتعلِّقة ببعض الممكنات دون بعض تقتضي وجوب المريد عالماً مميّزاً» (29).
إذن، سواء كانت صفة الإرادة ثابتة بحقّه سبحانه حقيقةً أو لا، فهي تعني عند المحقّق النصير أنّها صفة مخصّصة ومرجّحة لإيجاد بعض الممكنات دون بعض، بمعنى أنّ الخالق سبحانه إذا أراد إيجاد بعض الممكنات تخصّصت ورجحت
________________________________________
(24)نصر الدين الطوسي، فصول العقائد: 8.
(25)نصر الدين الطوسي، شرح مسألة العلم: 41.
(26)المصدر السابق نفسه.
(27)تجريد الاعتقاد: 192; وراجع تلخيص المحصل: 170.
(28)النصير الطوسي، قواعد العقائد: 55 ـ 56.
(29)المصدر السابق: 58 .

[الصفحة - 202]


وظهرت إلى الوجود، هذا المعنى هو الذي يسمّى بالإرادة، وليست الصفة قديمة; للزوم تعدّد القدماء وليست حادثة كما ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة (30); لأنّه يلزم التسلسل (31)، بل هي نفس الداعي والباعث للإيجاد والتحقّق، ومعنى ذلك هو أن تكون الإرادة نفس المخصّص والمرجّح لإيجاد بعض الممكنات وتحقّقها دون غيرها.
مقابل ذلك فسّر فلاسفة آخرون الداعي ـ الذي هو عين الإرادة عندهم ـ بالعلم بالنظام الأصلح، ومن ثمّ جعلوا الإرادة عين الذات.
إلى ذلك ذهب صدر الدِّين الشيرازي (1050هـ) في (رسالة أجوبة المسائل) عندما فرّق بين الإرادة في الإنسان والإرادة بما هي صفة لذات الحقّ سبحانه «الإرادة فينا شوق متأكّد يحصل عقيب داع هو تصوّر الشيء الملائم تصوّراً ظنّياً تخيّليّاً أو علميّاً، موجب لانبعاث القوّة المقتضية لحركة العضلات الآليّة والأعضاء اليدويّة لأجل تحصيل ذلك الشيء. وفي الواجب تعالى لبراءته عن الكثرة والنقص ولكونه تامّاً وفوق التمام تكون عين الداعي، وهو نفس علمه بنظام الخير في نفسه المقتضي له» (32).
ثمّ عطف على ذلك مفسِّراً: «فإرادته تعالى للأشياء أي مريديّته لها عند هذه الطائفة هي كون ذاته تعالى بحيث يفيض عنه صور الأشياء معقولة له، مشاهدة عنده، مرضيّاً لديه، على نظام هو أتمّ النظامات الممكنة خيراً وكمالاً...» (33).
يرى الملاّ صدرا تبعاً للشيخ الرئيس ـ الذي سيأتي لكلامه تفصيل أكثر في المبحث الثالث (34)ـ أنّ الإرادة والمشيئة ثابتة بالحقيقة لا بالمجاز وهي صفة ذاتيّة، كما هو حال العلم والقدرة.
قال(رحمه الله): «فالمشيئة المتعلِّقة بالجود والإفاضة عين ذاته بذاته بلا تغاير بين الذات والمشيئة، لا في الواقع ولا في الذهن، فالذات هي المشيئة والمشيئة هي الذات» (35).
هذا هو رأي صدر المتألّهين في الإرادة على ما وجدناه في كتبه، وعلى ذلك تدور رحى آرائه في بحوث الإرادة، كما سيأتي إيضاح ذلك.
________________________________________
(30)شرح الأُصول الخمسة: 440.
(31)تقدّم ذلك في المبحث الثاني من القسم الأوّل عن العلاّمة الحلّي(رحمه الله).
(32)رسائل فلسفي ـ رسالة أجوبة المسائل : 135.
(33)المصدر السابق: 136.
(34)لمعرفة رأيه هناك راجع النجاة في المنطق والإلهيّات: 106 ـ 107; وكذا الإلهيّات من كتاب الشفاء: 393 ـ 394.
(35)الحكمة المتعالية 6 : 309.

[الصفحة - 203]


وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك بعض الإضافات والمعاني رافقت ذكر الإرادة في كتبه الأُخرى، فوصف الإرادة في أحد المواضيع بالمحبّة والابتهاج (36)، وفي موضع آخر ذكر أنّها صفة مرجّحة (37)، وفي آخر وضح الإرادة بقيد التخصيص (38).
وهنا يُقال: إنّ ذلك لا يعني أنّ الملاّ صدرا بذكر هذه المعاني أنّه قد تنازل عن معنى الإرادة الذي ذكره أوّلاً، فقد تعدّ هذه المعاني والإضافات بيانات وقيود توضيحيّة لمعنى الإرادة، ولذلك نجد معنى الإرادة الذي هو العلم بالنظام الأصلح مجاوراً لما ذكره من هذه المعاني، بل سيذهب(رحمه الله) إلى أبعد من ذلك بعيداً عن محلّ النزاع، خارجاً عن الأثنينيّة والدائرة الضيّقة، حينما يقرّر أنّ الإرادة حقيقة واحدة مشكّكة موجودة في الخالق والمخلوق، كما سيأتي بيان أكثر لذلك.
وخالف في ذلك بعض الفلاسفة المتأخّرين، معتبراً أنّ الإرادة صفة فعليّة منتزعة من مقام الفعل لا من مقام الذات، بل هي غير العلم ولا تنطبق عليه، إذ يرى أنّ التعريف الذي ذكره الفلاسفة، وهو علمه تعالى بالنظام الأصلح، غير تامّ «فإنّ الذي نعقله من معنى الإرادة التي عندنا لا يتضمّن معنى العلم.... فالحقّ أنّ الإرادة منتزعة من مقام الفعل» (39).
ولربما ظهر من كلامه: أنّ إطلاق الإرادة على الله سبحانه من باب المجاز والاستعارة، وقد أنكر(رحمه الله) على بعض الحكماء كون العلم مصداقاً للإرادة «وإنّما الشأن كلّ الشأن في أخذهم علمه (تعالى) مصداقاً للإرادة، ولا سبيل إلى إثبات ذلك فهو أشبه بالتسمية» (40).
فينتهي إلى أنّ الإرادة صفة فعليّة «والإرادة المنسوبة إليه (تعالى) منتزعة من مقام الفعل، إمّا من نفس الفعل الذي يوجد في الخارج، فهو إرادة ثمّ إيجاب ثمّ وجوب ثمّ إيجاد ثمّ وجود، وإمّا من حضور العلّة التامّة للفعل، كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعل: (إنّه يريد كذا فعلاً )» (41).
بناءً على ذلك قال(رحمه الله): «ويمكن أن يُراد بالإرادة الفعليّة وحقيقتها توافق الأسباب المقتضية للشيء وتعاضدها على وقوعه» (42).
من هنا، يكاد يصل العلاّمة الطباطبائي إلى عدم وصفه سبحانه بهذه الصفة؛ لأنّه
________________________________________
(36)الملاّ صدرا، تفسير القرآن الكريم6 : 412.
(37)المصدر السابق3 : 46.
(38)المصدر السابق: 264.
(39)حاشية الحكمة المتعالية 6 : 352 ـ 353.
(40)نهاية الحكمة: 362.
(41)المصدر السابق: 264.
(42)الميزان في تفسير القرآن 13 : 59; وحاشية الحكمة المتعالية 6 : 353.

[الصفحة - 204]


يجعلها عين فعله، وذلك عندما يفرّق بين إرادة الإنسان وبين إرادة الخالق سبحانه، حيث فسّر الإرادة في الإنسان بأنّها صفة تلازم الشعور والإضافة بما هي صفة عارضة عليه خارجة عن ذاته، والله تعالى منزّه عن ذلك، بل إنّ إرادته هي عين فعله.
قال: «... فإنّ المشيئة معنى يوصف به الإنسان إذ اعتبر كونه فاعلاً شاعراً بفعله المضاف إليه، وإذا تمّت فاعليّته، بحيث لا ينفكّ عنه الفعل سُمّي هذا المعنى إرادة، وعلى أيّ حال هو وصف خارج عن الذات طارئ عليه، ولذلك لايتّصف تعالى بها، كاتّصافه بصفاته الذاتية كالعلم والقدرة; لتنزّهه عن تغيّر الذات بعروض العوارض، بل هي من صفات فعله المنتزعة من نفس الفعل أو من حضور الأسباب عليه» (43).
ثمّ قال: «فقولنا أراد الله كذا معناه: إنّه فعله عالماً بأنّه أصلح أو أنّه هيّأ أسبابه عالماً بأنّه أصلح...»(44).
رؤية الفلاسفة في تعلّق إرادته تعالى بإرادة الإنسان
من أهمّ المسائل التي تعرّض لها الفلاسفة في مباحث الإلهيّات بعد مسألة وجود الله هي مسألة الإرادة الإنسانيّة ومدى ارتباط إرادة الخالق بهذه الإرادة، حيث تُجيب هذه القضيّة عن سؤال مهمّ طالما تساءل عنه أفراد البشر، وهو: هل أنّ الإنسان مجرّد أداة لتطبيق حتميّة مرسومة لا يمكنه فعل غير ما قدّر الله وأراد؟ وبالتالي يكون مخلوقاً مسيّراً مسلوب الإرادة والاختيار، أو أنّ المسألة غير ذلك؟
وسنتعرّض إلى هذه المسألة بشكل أوضح، وسيكون الجواب عنها بصورة مفصّلة عندما نتعرّض لرأي الفلاسفة في مسألة خلق الأفعال، للقرب الشديد بين المسألتين.
ولكن نقول هنا بشكل عام: إنّ الفلاسفة الإماميّين عالجوا هذه المسألة بناءً على النظرة الوسطيّة والمذهب المحايد في موضوع القضاء والقدر، فذهب بعض الفلاسفة إلى ما ذهب إليه مشهور المتكلِّمين، من أنّ إرادة الله لفعل الإنسان تعني أمره به، كما ذهب إلى ذلك النصير الطوسي(رحمه الله) «وأمّا إرادته لأفعال عبيده فهو أمرهم بها» (45)، عندما تعرّض إلى صفة قدرة الذات المقدّسة على فعل القبيح، على أنّ الله سبحانه
________________________________________
(43)الميزان في تفسير القرآن14 : 364.
(44)المصدر السابق نفسه.
(45)فصول العقائد: 15.

[الصفحة - 205]