البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

اُصول الدين بين التقليد والاجتهاد «القسم الأوّل»

الباحث :  الشيخ محمّد هادي آل راضي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  50
السنة :  السنة الثالثة عشر صيف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  209
اُصول الدين بين التقليد والاجتهاد
«القسم الأوّل»

الشيخ محمّد هادي آل راضي (*)

مقدمة
لا إشكال بين علمائنا في جواز التقليد في المسائل الفرعية (فروع الدين) وعدم جوازه في المسائل الاعتقادية (اُصول الدين)، وهذا معناه أنَّ أيَّ مكلَّف لا بدَّ أن يكون مجتهداً وصاحب نظر في المسائل الاعتقادية، فاعتقاده باُصول الدين والمسائل المرتبطة بكلّ واحد منها لا بدَّ أن يستند إلى دليل ومدرك بحيث إذا سئل ما هو الدليل على وجود الصانع أو نبوّة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أو إمامة الإمام(عليه السلام) أو المعاد أو العدل فإنّ عليه أن يذكر دليله الذي أورثه القناعة والمعرفة بذلك، ولا يجوز أن يعتمد على الغير في الاعتقاد بهذه الأُمور كما هو الحال في فروع الدين، فإنّ المكلّف المقلِّد يستند إلى مجتهده في معرفة أحكامه الشرعية من دون أن يعلم الدليل عليها.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة هو أنّه هل المسلمون المكلّفون بالتكاليف الشرعية هكذا أم أنّهم مقلّدون؟
من نعرفهم من المكلّفين وخصوصاً المستضعفين منهم وحديثي العهد بالبلوغ هل هم مؤمنون بعقائدهم واُصول دينهم عن دليل، وأنّهم بعد إعمال نظر واستدلال آمنوا واعتقدوا بهذه المسائل أم أنّهم مقلّدة في الفروع والاُصول؟ أي أنهم نشؤوا في محيط ومجتمع يؤمن بهذه الأُمور فأصبحوا مؤمنين تأثّراً بالأجواء المحيطة بهم.
________________________________________
(*)أُستاذ الدراسات العليا في حوزة النجف الأشرف، من العراق.

[الصفحة - 24]


هذه مشكلة لا بدَّ من دراستها والتفكير في إيجاد الحلول لها.
وممّا يزيد المشكلة تعقيداً أنّ علماءَنا الأبرار(رضي الله عنهم)، بل علماء المسلمين ظاهراً حكموا بعدم إيمان المقلِّد في اُصول الدين وعدم كونه معذوراً به:
قال العلاّمة في الباب الحادي عشر: «أجمع العلماء كافّة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية وما يصحّ عليه وما يمتنع عنه والنبوّة والإمامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد».
ثمّ قال: «فلا بدَّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحد من المسلمين، ومن جهل شيئاً من ذلك خرج عن ربقة المؤمنين واستحقّ العقاب الدائم» (1).
فالاعتقاد الناشئ من النظر والاستدلال في اُصول الدين هو المحقّق للإيمان في مقابل الكفر، ومع عدمه فلا إيمان.
وهذا البحث نقسّمه إلى مقدّمة وفصول، أمّا المقدّمة فهي تشتمل على عدّة أُمور:
الأمر الأوّل
المعروف أنّ اُصول الدين خمسة: التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد، إلاّ أنّ بعض العلماء جعلها أربعة بحذف العدل منها، ولا إشكال في كون العدل من المسائل الاعتقادية عند جميع علمائنا، فليس معنى حذفها من اُصول الدين أنّه ليس منها، بل الخلاف السابق إنّما هو في إفراد العدل بالذكر مع أنّه داخل في الأصل الأوّل أي التوحيد، فإنّ من جملة مباحثه البحث عن صفاته سبحانه وتعالى، والعدل من جملة صفاته الفعلية، والظاهر أنَّ السرَّ في إفراده بالذكر هو أنّه مورد النزاع المعروف بين الأشاعرة المنكرين للعدل كصفة من صفاته وبين غيرهم المؤمنين به والذين سمّوا بالعدلية لأجل ذلك، وهو عنوان عام يشمل المعتزلة والإمامية وغيرهم.
وقد أفرز هذا النزاع مباحث مهمّةً جدّاً وأساسية في اُصول العقائد، مثل مباحث التحسين والتقبيح العقليّين، ومباحث الجبر والاختيار، والمستقلاّت العقلية، والقضاء والقدر، والخير والشر، وغير ذلك من المباحث المتفرّعة على العدل كصفة من صفاته تعالى، فلأهميّة هذه المباحث وكثرتها فصل علماؤنا(رضي الله عنهم) العدل عن أصل
________________________________________
(1)الباب الحادي عشر : 3 ـ 5.

[الصفحة - 25]


التوحيد، وهكذا فعل المعتزلة ظاهراً.
ولعلّ هناك نكتة أخرى استدعت هذا الفصل، هي أنّ العدل والمباحث المتفرّعة عنه صارت مثار شُبَه وإشكالات كثيرة لا من قبل المتخصّصين وأهل الفنّ فقط، بل هي مثارة حتّى من عوام الناس، فكثير من الناس يفكّر في مسائل الجبر والاختيار والقضاء والقدر والخير والشرّ وهكذا، وكأنّ هذا استدعى الفصل المذكور.
وعليه، فالأصحّ ما عليه مشهور علمائنا من جعل الاُصول خمسة ثانيها العدل، فإنّه مضافاً إلى عدم لزوم أيّ محذور من هذا الفصل ـ كما تقدّم ـ هناك نكات أشرنا إليها تقتضي الفصل، ونضيف إليها أنّ الفصل أصبح شعاراً على الانتماء لمذهب العدلية، فإذا أضفنا أصل الإمامة صار علامة على الانتماء إلى مذهب الشيعة الإمامية.
إنّ الاُصول الأساسية عند جمهور المسلمين ثلاثة، وعند المعتزلة أربعة، وعندنا خمسة، وأمّا اُصول الدين فهي عند الجميع ثلاثة: التوحيد والنبوّة والمعاد، وهي التي يدور الإيمان في مقابل الكفر مدار الاعتقاد بها، والباقي اُصول مذهبية.
ثمّ إنّ حصر الاُصول في الخمسة ليس توقيفيّاً، وإنّما هي عناوين تندرج ضمنها المسائل الاعتقادية المناسبة لذلك العنوان، بمعنى أنّ العلماء لاحظوا أنّ هناك جملة من المسائل الاعتقادية ترتبط بمسألة التوحيد فعبّروا عن تلك المسائل بأصل التوحيد، وهكذا في الباقي. إذاً فهي مجرّد عناوين تشير إلى المسائل المبحوثة تحت ذلك العنوان، ولذا قلنا: إنه لا بأس بعزل مجموعة من مسائل التوحيد تحت عنوان آخر كالعدل فيما إذا كان هناك سبب يبرّر ذلك.
الأمر الثاني
إنَّ الضابط في كون المسألة اُصولية عقائدية هو كون المطلوب فيها الاعتقاد والتديّن الذي هو عمل نفسي جوانحي، ويكون الاعتقاد بها دخيلاً في الإيمان بالمعنى الأعمّ أو في الإيمان بالمعنى الأخصّ، فكلّ مسألة لا يطلب فيها أوّلاً وبالذات إلاّ الاعتقاد باطناً والتديّن ظاهراً، ويكون ذلك دخيلاً في الإيمان، فهي مسألة اعتقادية قد يجب فيها تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال، ولا يجوز فيها التقليد.
ولا شكّ في وجود الضابط في مباحث اُصول الدين المتقدّمة، فمسألة وجود
________________________________________

[الصفحة - 26]


الصانع وتوحيده وصفاته الثبوتية والسلبية وكذا العدل والنبوّة والإمامة والمعاد، كلّها المطلوب فيها أوّلاً وبالذات الإيمان والاعتقاد وإن كان قد يترتب عليها العمل في بعض الأحيان، فإنّه يترتّب على الاعتقاد ببعض المسائل العقائدية الانقياد العملي والتحرّك خارجاً، مثل الاعتقاد بإمامة إمام مثلاً، فإنّه يترتّب عليه وجوب امتثال تعاليمه وتشريعاته، وهذا بخلاف المسألة الفقهية، فإنّ المطلوب فيها أوّلاً وبالذات هو العمل، ولذا فإنّ الغرض يتحقّق فيها بمجرّد العمل وإن كان غافلاً عن مسألة الاعتقاد والتديّن بتلك المسألة.
ثمّ إنّ هذا الضابط هل هو موجود في كلِّ مسألة ذكرت في المباحث الاعتقادية؟ الظاهر أنّه كلّ، بمعنى أنّ بعض ما يذكر هناك مثل تفاصيل البرزخ وعذاب القبر، وتفاصيل الصراط والميزان، وتفاصيل الجنّة والنّار وغير ذلك ممّا لا تنطبق عليها ضابطة المسألة الاعتقادية، إذ ليس المطلوب فيها الاعتقاد، ولا يكون عدم الاعتقاد بها وعدم معرفتها مضرّاً في صدق الإيمان المقابل للكفر.
نعم، لا يبعد الالتزام باشتراط عدم الإنكار بالنسبة إلى ما علم من هذه المسائل، لرجوعه بحسب الحقيقة إلى إنكار النبوّة ونحو ذلك من دون فرق بين الضروريّات وغيرها، فكلّ من أنكر ما علم وروده في الدين مع التفاته وتوجّهه إلى ذلك يخرج عن الإيمان، سواء كان ذلك الشيء من ضروريّات الدين أم لا.
إلاّ أنّ هذا لا يختصّ بالمسائل العقائدية، بل يجري في غيرها، كالأحكام الشرعية التكليفية والوضعية الواقعية والظاهرية وتشخيص موضوعاتها شرعاً، بل حتّى الإخبار عن حال الأمم السابقة وخصوصيّات أنبيائهم ونحو ذلك، فإنّ إنكار كلِّ واحد من هذه الأُمور مع العلم بورودها من الشارع المقدّس ومع الالتفات يساوق إنكار النبوّة وتكذيب الشارع المقدّس.
والحاصل: إنَّ هناك مسائل تفصيلية ترتبط بالمسائل العقائدية لا تجب فيها المعرفة وتحصيل العلم، كما لا يجب فيها التصديق والتديّن على فرض حصول العلم، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه النقطة.
________________________________________

[الصفحة - 27]


الأمر الثالث
ما هو المراد من التقليد المحرّم في المسائل الاعتقادية؟ هل هو نفس التقليد الجائز في المسائل الشرعية الفرعية أم غيره؟
لا يخفى أنّ محتملات التقليد في المقام عديدة:
الاحتمال الأوّل
أن يراد به التقليد المصطلح في فروع الدين، أي: الأخذ بقول الغير من دون دليل وإن لم يورث قوله الظنّ بالواقع، بل حتّى مع الظنّ بخلافه.
ويؤيّد هذا الاحتمال: المقابلة بين التقليد في الاُصول وبينه في الفروع في كلماتهم.
ويبعّد إرادة هذا المعنى أنّ موضوع المسائل العقائدية هو الاعتقاد ولا يعقل اجتماعه مع الشكّ فضلاً عن الظنّ بالخلاف، فإنّ أدنى مرتبة الاعتقاد الظنّ، والتقليد بهذا المعنى غير معقول في المسائل الاعتقادية حتّى يقع الكلام بينهم في جوازه أو عدم جوازه.
الاحتمال الثاني
أن يراد به العمل بالظنّ كما نقل عن الشيخ البهائي في حاشية الزبدة (2)من أنّ النزاع في جواز التقليد وعدمه يرجع إلى النزاع في كفاية الظن وعدمها، وتوضيح ذلك: إنّ الموجود في كلماتهم مسألتان:
المسألة الأُولى:جواز التقليد في اُصول الدين.
المسألة الثانية:جواز الاكتفاء بالظن في المسائل العقائدية وعدم لزوم تحصيل العلم والمعرفة والجزم.
والشيخ البهائي كأنّه يرجع الأُولى إلى الثانية، فالخلاف في جواز التقليد عنده هو نفس الخلاف في جواز الاكتفاء بالظنّ.
وفيه:إنَّ المسألتين منفصلتان، فليست الأُولى عين الثانية ولا هي مترتّبة عليها، بل الظاهر أنّ النسبة بينهما العموم من وجه، فإنّ المناط في الأُولى عدم جواز التقليد أو جوازه سواء حصل معه القطع واليقين أو لم يحصل سوى الظنّ، كما أنَّ مناط
________________________________________
(2)فرائد الاُصول 1: 573.

[الصفحة - 28]


المسألة الثانية جواز أو عدم جواز الاكتفاء بالظنّ في الاعتقادات سواء حصل من التقليد أو حصل من إعمال النظر والاستدلال، فلا معنى لإرجاع الأُولى للثانية.
الاحتمال الثالث
أن يراد به ما يحصل به العلم من دون استدلال، بمعنى أنّ النزاع إنّما هو في أنّه هل يجب الاستدلال البرهاني في الاُصول العقائدية أو يكفي مطلق الاعتقاد الجزمي وإن كان حاصلاً من تقليد الآباء والأُمّهات؟ والثاني هو المراد من التقليد في هذه المسألة.
وفيه:إنّ هذا لا يناسب الاتفاق تقريباً على عدم جواز التقليد في المقام، مع أنّ الكثير من علمائنا ذهب إلى كفاية الاعتقاد الجزمي وإن لم يحصل من الاستدلال البرهاني، فإنّ هذا يناسب القول بجواز التقليد لو صحّ هذا الاحتمال.
والظاهر أن المراد من التقليد هو نفس المعنى العرفي، أي المتابعة والاقتداء بالغير لا لدليل، بل لمجرّد أنّ الغير فعل ذلك أو قاله، وهذا هو المراد من المنهي عنه في الآيات الكثيرة التي تذمّ متابعة الآباء والأُمّهات، مثل قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}(الزخرف: 22)، وقوله: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (الشعراء: 74)، وقوله: {قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} (المائدة: 105)، وغيرها من الآيات الواردة في مقام الإنكار والنهي عن تقليد الغير ومتابعته من دون فحص واطلاع.
بل، الظاهر أنّ أصل هذا البحث ـ أي التقليد في اُصول الدين ـ وأساسه هو هذه الآيات الشريفة التي تنعى على أولئك الذين يتمسّكون بعقائد آبائهم ويصرّون عليها من دون أن يفهموا أو يحاولوا فهم هذه العقائد من خلال النظر والاستدلال.
وعليه،فالتقليد الوارد في كلمات علمائنا(رضي الله عنهم) في هذه المسألة يراد به نفس ما استنكره المولى سبحانه وتعالى على أولئك القوم المقلِّدة في الاُصول، وقد أطلق عليه علماؤنا التقليد، إذ لا يوجد لفظ يعبّر عن هذا المعنى أفضل من هذه الكلمة.
فليس المراد بالتقليد في المقام هو نفس التقليد المذكور في الفروع بمعناه الاصطلاحي، بل المتابعة العمياء من دون أن يقترن بها أيّ نظر وتأمّل واستدلال.
________________________________________

[الصفحة - 29]


ولذا اتفق الكلّ تقريباً على عدم جواز التقليد بهذا المعنى وإن اختلفوا في بعض التفاصيل.
ومنه يظهر أنّ القوم لم يجروا على معنى واحد للتقليد يكون هو المحور لكلامهم، بل فسّره كلّ جماعة بمعنى يختلف عمّا فسّرته به الأخرى، ولذا يمكن جعل النزاع بينهم أو بين بعضهم ـ على الأقلّ ـ لفظياً.
الأمر الرابع
في بيان معنى بعض المصطلحات التي ترد في البحث:
1 ـ الإيمان والتديّن وعقد القلب: جميعها بمعنى الاعتقاد كما سيتبين.
2 ـ المعرفة: والمراد بها هنا العلم واليقين، فإذا قيل: يجب تحصيل المعرفة في اُصول الدين، فمعناه يجب تحصيل العلم واليقين فيها.
3 ـ التصديق العلمي: والظاهر أنّ المراد به أيضاً العلم في قبال التصديق الظنّي.
4 ـ الاعتقاد والتصديق: المراد بالتصديق العلمي أو الجزمي في كلماتهم هو العلم والمعرفة، وأمّا التصديق على الاطلاق فالمراد به الاعتقاد والتديّن وعقد القلب ونحو ذلك، ويوجد خلاف في تشخيص المراد به في المقام:
القول الأوّل:ذهب إليه جماعة من علمائنا وهو أنّ الاعتقاد مغاير للتصديق العلمي بالمعنى المتقدّم/ وأنّ المراد به شيء آخر وراء العلم والمعرفة، وفُسّر بعقد القلب والالتزام النفسي بما علم به، وممّن ذهب إلى ذلك شارح المقاصد (3)، والمحقّق الدواني، وكذا الغزالي، وغيرهم على ما حكي(4)، وكذا ذهب إليه الشيخ الأعظم، وصاحب القوانين، فالشيخ في تقسيمه لمسائل اُصول الدين جعل التصديق العلمي مقدّمة وجودية للاعتقاد تارة، ومقدّمة وجوبية أخرى ـ كما سيأتي ـ وهذا ظاهر في المغايرة (5).
وأما صاحب القوانين فقد صرّح بذلك بقوله: «والحاصل أنّ محض العلم لا يكفي، وإلاّ لزم إيمان المعاندين من الكفار الذين كانوا يجحدون ما استيقنت به أنفسهم كما نطقت به الآيات» (6)، وهو المراد من بعض الآيات مثل قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (النمل: 14)، فإنّها ظاهرة في وجود
________________________________________
(3)شرح المقاصد 2: 251.
(4)بحار الأنوار 66: 30 ـ 32.
(5)فرائد الاُصول : 555 ـ 556؛ وبحر الفوائد 1: 274.
(6)قوانين الاُصول 2: 183؛ وبحر الفوائد 1: 374.

[الصفحة - 30]


اليقين والتصديق العلمي عند هؤلاء الكافرين مع عدم الإيمان وعقد القلب والتديّن المسمّى بالاعتقاد.
القول الثاني: ذهب إليه وخالفهم في ذلك بعض المحقّقين مثل الشهيد الثاني في رسالة (حقائق الإيمان) (7)، والعلاّمة المجلسي (8)، والمحقّق الآشتياني (9)، حيث ذهبوا إلى اتحادهما وأنّه لا يوجد شيء وراء التصديق يسمّى بالاعتقاد، وأنّ التصديق المذكور هو عين عقد القلب على المعلوم لا تغاير بينهما أصلاً. نعم، اعترف بعضهم بوجود شيء آخر وراء العلم والتصديق وهو الرضا وطيب النفس في مقابل الاستنكاف والاستكبار القلبي، وذكر أن الرضا المذكور معتبر في بعض مراتب الإيمان؛ لأنه ذو درجات ومراتب كما تدل عليه الروايات.
ولا يخفى أنّ البحث ليس بحثاً لغويّاً حتّى نراجع قواميس اللغة لتحديد المعنى، بل هو أشبه بالبحث الوجداني، فهل نجد ـ بعد التأمّل في وجداننا ـ بعد العلم شيئاً آخر يعبّر عنه بالاعتقاد وعقد القلب والتدين ونحو ذلك أم لا؟
وقد يقال: إنّ التأمّل يؤيّد القول الأوّل (المغايرة)، مثلاً نحن نعلم برأي الأشاعرة في العدل الإلهي إلا أنّنّا لا نعتقد به وإنّما نعتقد برأي العدلية، وهكذا فقد يحصل العلم بشيء من دون الاعتقاد به، وقد يصبح الإنسان عالماً، بل متخصّصاً في الفكر الماركسي أو الإشتراكي إلاّ أنّه لا يعتقد به.
ويؤيّد ذلك أو يدلّ عليه أُمور:
الأمر الأوّل: النصوص الشرعية الدالة على التغاير، مثل آية: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}(النمل: 14)، وكذا قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (البقرة: 89)، فإنّها ظاهرة في تحقّق المعرفة منهم مع الكفر بما عرفوه، وهو يلازم عدم الإيمان والاعتقاد ومعناه التغاير.
الأمر الثاني: الحكم بكفر من كان عالماً بالحقّ، مثل فرعون وأمثاله، فإنّه لو كانا متحدين لم يكن وجه للحكم بكفره.
الأمر الثالث: تعلّق التكليف بالاعتقاد، فإنّه لو قلنا بالاتحاد لم يعقل تعلّق الوجوب به؛ لأنّ العلم والتصديق من الأوصاف الاضطرارية كسائر الإدراكات، فإنّه
________________________________________
(7)حقيقة الإيمان : 13 ـ 15.
(8)بحار الأنوار 66: 32 ولاحظ الصفحات: 146 ـ 149.
(9)بحر الفوائد 1: 275 ـ 276.

[الصفحة - 31]


بعد حصول مقدماته يكون ضروريّاً لا مجال للاختيار فيه فلا يتعلّق به التكليف. وعليه، فلا بدّ أن يراد بالاعتقاد ـ الذي تعلّق به الوجوب قطعاً ـ شيء آخر غير العلم، ولا بدّ أن يكون اختيارياً فعلاً للقلب حتّى يعقل تعلّق التكليف به.
والصحيح هو القول الثاني (الاتحاد) وأنّ ما ذكر ـ من دعوى شهادة الوجدان بالتغاير ـ ناشئ من الخلط بين العلم التصوّري والعلم التصديقي، فإنّ الاعتقاد يغاير العلم بمعنى التصور بلا إشكال، فإنَّ الإنسان إذا توجّه إلى قضية ما مثل العالم حادث أو النار حارّة، فإنّه في البداية يتصوّر موضوع القضية ومحمولها، فيكون عالماً بها على مستوى التصوّر وهذا غير الاعتقاد جزماً، أمّا إذا فرضنا أنّه لاحظ النسبة بين الموضوع والمحمول وأذعن بها وصدّقها ـ وهو لا يكون إلاّ بعد الاستدلال وإقامة البرهان ـ فإنّه يكون عالماً بالقضية على مستوى التصديق وهذا هو الاعتقاد وليس شيئاً آخر غيره، فالاعتقاد وعقد القلب والإيمان بقضية يعني الإذعان بها وهو عبارة عن التصديق العلمي بالشيء. نعم، إذا اُريد بالعلم والمعرفة نفس التصوّر بلا تصديق، فهو يغاير الاعتقاد والإيمان جزماً، إلاّ أنّه ليس مراداً لهم، ولذا عبّروا عن العلم في كلماتهم بالتصديق العلمي.
ومنه يظهر عدم صحّة ما ذكر كشاهد على التغاير من أنّنا قد نعلم بالمذهب الماركسي بكلّ تفاصيله إلاّ أنّنا لا نعتقد به؛ وذلك لأنَّ العلم الموجود في المقام هو علم تصوّري لا تصديقي، وهو مغاير للاعتقاد بلا إشكال، وأمّا العلم على مستوى التصديق ـ وهو الذي يدعى اتحاده مع المعرفة ـ فهو غير موجود في هذا المثال، وإلاّ فسنكون ماركسيّين فلاحظ.
ثمّ إنّه ذكر بعضهم أنّ الإيمان في اللغة هو التصديق، وهو المراد بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِين} (يوسف: 17)، وقوله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} (التوبة: 61)، وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (آل عمران: 114)، والتصديق بالمعنى اللغوي قد يتحقّق بالإذعان فيكون شيئاً مطابقاً للواقع، وقد يتحقّق بإظهار كونه كذلك باللسان أو غيره، فمعنى التصديق بالله إمّا الإذعان بوجوده وتوحيده وغير ذلك من صفاته أو الإقرار بذلك... فظهر أنّ
________________________________________

[الصفحة - 32]


التصديق المذكور في الأخبار والإيمان ـ الذي هو بمعناه ـ ليس هو عين ما يقوله أهل الميزان من أنّه قسم من العلم المنقسم إلى التصوّر والتصديق، إذ هو من صفات القلب لا محالة، لكون العلم المقسِّم له كذلك وليس هو قابلاً للنزاع بأنّه من صفات القلب أم لا، ولا إشكال في ذلك أصلاً (10).
وفيه:إنّ النزاع المذكور في أنَّ الإيمان من صفات القلب أم لا؟ لا يصلح دليلاً على التغاير بينه وبين التصديق العلمي لعدم الخلاف في كون الأخير من صفات القلب؛ وذلك لأنّ الظاهر أنّ سبب النزاع هو اختلافهم في معنى الإيمان، فهو بمعنى يكون من أفعال القلوب فقط، وبمعنى آخر من أفعال الجوارح فقط، وبثالث يكون فعلاً لهما معاً، وإلى الأوّل ذهب جمع من متقدّمي الإمامية ومتأخّريهم، وإلى الثاني ذهبت الكرّامية والخوارج وغيرهم، وإلى الثالث ذهب جماعة من الإمامية وغيرهم، فإنّه من الواضح أنّ من يختار الثاني لا يرى الإيمان من صفات القلب، في حين أنّ القائل بالأوّل يراه كذلك، ومثل هذا النزاع لا يمكن جعله دليلاً على التغاير بين الإيمان والتصديق العلمي، لوضوح أنّه على القول الأوّل من أفعال القلب كالتصديق العلمي، ولعلّه كذلك على القول الثالث، فتأمّل.
وأمّا ما ذكر من المؤيّدات ـ من قال بالتغاير ـ فهي غير تامّة:
أمّا المؤيّد الأوّل،فإنّ الجحود في الآية الشريفة لا يعني ولا يلازم عدم الاعتقاد حتى يجعل ـ مع ما فرض في الآية من وجود اليقين ـ دليلاً على التغاير، بل المراد بالجحود هو الإنكار الظاهري الذي يجتمع مع الاعتقاد والتصديق والعلم. قال في معجم مقاييس اللغة: «ومن هذا الباب الجحود وهو ضدّ الإقرار، ولا يكون إلاّ مع علم الجاحد به أنّه صحيح...» (11)، فإنّه صريح في اجتماع الجحود مع العلم بصحّة الشيء الذي هو الاعتقاد. وقال صاحب كتاب العين فيه: «الجحود ضد الإقرار كالإنكار» (12)، ومن الواضح أنّ الإنكار يجتمع مع الاعتقاد بالشيء الذي أنكره. وعليه، فالآية الشريفة ليس فيها دلالة على التغاير إلاّ إذا قلنا بالملازمة بين الجحود وعدم الاعتقاد، وهي غير تامّة مهما فسّرنا الاعتقاد، لكون المراد من الجحود الإنكار الظاهري الذي يجتمع حتّى مع الاعتقاد بالمعنى الذي فسّروه به، أي عقد القلب والإيمان ونحو
________________________________________
(10)إيضاح الفرائد: 634.
(11)معجم مقاييس اللغة 1: 426.
(12)كتاب العين 3: 72.

[الصفحة - 33]


ذلك، كما يحصل ذلك في حالات التقية فينكر الإنسان ما يؤمن ويدين به.
وأمّا المؤيّد الثاني،فيظهر جوابه مما تقدّم، فإنّ الحكم بكفر أمثال هؤلاء لا ينحصر تفسيره بعدم الاعتقاد والإيمان حتّى يجعل دليلاً على التغاير، بل يمكن أن يكون من أجل فقدان سائر الشرائط المعتبرة في الإيمان غير الاعتقاد، فإنّ الإيمان ليس مجرّد الاعتقاد، بل مع إظهار التديّن به أو عدم إنكاره ظاهراً. وبعبارة أخرى إنّ الكلام في الحكم بالكفر على فرعون وأمثاله ممّن هو عالم بالحقّ، ومن الواضح أنّه في هذا المقام لا يكفي في الحكم بإيمان شخص مجرّد اعتقاده القلبي من دون إبرازه خارجاً أو مع إبراز ما ينافيه ; فالحكم بكفر هؤلاء لا يدلّ على عدم اعتقادهم.
وأمّا المؤيّد الثالث،فإنّه يمكن فرض تعلّق التكليف بالاعتقاد وان كان اضطرارياً بناء على الاتحاد، فإنّه يكفي في صحّة تعلق التكليف بالشيء كونه مقدوراً بالواسطة، والاعتقاد بمعنى العلم والتصديق الجزمي وإن لم يكن مقدوراً مباشرة إلاّ أنّه مقدور بواسطة القدرة على مقدّماته المؤدّية إليه.
هذا والذي يشهد به التأمّل الصادق هو أنّهما متغايران وإن هناك شيئاً آخر وراء العلم والتصديق الجزمي نعبّر عنه بالإيمان والاعتقاد وعقد القلب ونحو ذلك، ويمكن الاستدلال على ذلك بتحقّق الاعتقاد والإيمان بالشيء من دون علم ويقين كما هو الحال في الاعتقاد الاجمالي ـ كما سيأتي ـ أي الاعتقاد بالواقع على ما هو عليه من دون علم به، وهو المتحقّق في اعتقاد كثير من المؤمنين ببعض خصوصيّات البرزخ والساعة ونحو ذلك من دون علمهم بهما، فإنَّ هذا وحده وإن لم يحقّق الإيمان شرعاً لعدم كفاية الاعتقاد الإجمالي في جميع المسائل الاعتقادية، إلاّ أنّه يكفي لإثبات عدم الاتحاد وإمكان انفكاك العلم عن الاعتقاد والإيمان اللغوي.
وهذا معناه في الحقيقة أنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، فهما يتحدان في العالم باُصول الدين مع تديّنه بها وعقد قلبه عليها، ويفترق العلم في العالم الجاحد والمنكر لما يعلم به {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} (النمل: 14)، ويفترّق الاعتقاد في غير العالم إذا اعتقد بالواقع على ما هو عليه.
ويشهد للتغاير أنّ التديّن والاعتقاد يراد به في المقام اتخاذ الشيء ديناً وعقيدةً،
________________________________________

[الصفحة - 34]


ولا شكّ في أنّه غير العلم والتصديق الجزمي، فالإنسان يعلم بالشيء ثمّ بعد ذلك قد يتّخذه ديناً وقد لا يتّخذه. نعم، لو اُريد بالاعتقاد مجرّد الإذعان بالشيء، فهو متّحد مع العلم والتصديق كما تقدّم.
وأمّا الآية الشريفة، فالظاهر أنّ أصل الاستدلال بها ـ في المقام ـ لا يخلو من مصادرة، فإنّه إن قلنا بالاتحاد وعدم وجود شيء آخر وراء العلم يسمّى بالاعتقاد فالجحود لا يلازم عدم الاعتقاد، بل قد يلازم الاعتقاد بمعنى العلم كما نصّ عليه اللغويون، وإن قلنا بالتغاير وإنّ الاعتقاد شيء آخر غير العلم يصدر من المكلّف باختياره، وهو عقد القلب على المعلوم واتخاذه ديناً وعقيدةً، فالجحود حينئذ لا يجتمع مع الاعتقاد هذا ويلازم عدمه، إذ كيف يمكن للإنسان الذي اعتقد بشيء ودان به واتخذه عقيدةً أن يجحده وينكره حقيقةً ـ كما هو ظاهر الآية ـ لا مجرّد لقلقة لسان، وذلك باعتبار أنّ الآية تتحدّث عن فرعون وأتباعه الذين جحدوا الآيات التي جاء بها موسى(عليه السلام) حقيقةً وقاتلوه على ذلك، بخلاف الجحود في موارد التقية ونحوها {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} (النمل: 106)، فإنّه يجتمع مع الاعتقاد حتّى بناء على التغاير، فلاحظ، فإنّه لا ينبغي قياس حالة التقية بالآية الشريفة التي هي محلّ الاستدلال.
والحاصل:إنّ الجحود يجتمع مع اليقين بلا إشكال، وأمّا مع الاعتقاد فهو مبنيّ على القول بالتغاير والاتحاد، فلا يجتمع على الأوّل ويجتمع معه على الثاني، فالاستدلال بالآية على التغاير ـ أي وجود اليقين وانتفاء الاعتقاد ـ مبنيّ على التغاير، وهذا هو معنى المصادرة.
النتيجة
إنّ التديّن معتبر في الإيمان بلا إشكال،وأمّا الاعتقاد فإن أُريد به نفس التديّن فهو مغاير للمعرفة، وإن أُريد به شيء آخر غير التدين وغير المعرفة فنحن ننكر وجود حالة في النفس وراء المعرفة تسمّى بالاعتقاد.
ثمّ إنّه لا يبعد كون النزاع المذكور لفظيّاً، بمعنى أنّ الكلّ يتّفقون على وجود حالة أخرى في القلب غير العلم والإذعان والتصديق، وهذه الحالة معتبرة في الإيمان
________________________________________

[الصفحة - 35]


كما سيأتي ـ وهي حالة التديّن والالتزام بما علمه وأذعن به، وأمّا وجود حالة أخرى غير العلم والإذعان وغير التدين والالتزام فهو منفي من قبل الكل، ومنشأ توهّم الخلاف أنّ الاعتقاد المطلوب في المسائل الاعتقادية ما هو؟ هل هو نفس التديّن والالتزام أو شيء آخر غيره؟ فالقائلون بالتغاير فسّروه بالتديّن والالتزام، ولا شكّ في مغايرته بهذا المعنى للعلم والتصديق، في حين أنّ القائلين بالاتحاد فسّروه بالحالة الوسطى ولذا أنكروه وقالوا بأنّ الاعتقاد نفس العلم ولا يوجد شيء آخر وراءه يسمّى بالاعتقاد، فتأمّل.
ـ للبحث صلة ـ
* * *
________________________________________

[الصفحة - 36]