البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

انتظار المنقذ في الثقافة الشيعية بين الفرضية والادعاءات

الباحث :  د. محمد حسين حبيب
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  49
السنة :  السنة الثالثة عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  174
انتظار المنقذ في الثقافة الشيعية
بين الفرضية والادعاءات

د. محمد حسين حبيب (*)

تبوأت ظاهرة الانتظار مكاناً بارزاً في الفكر الإنساني الذي حاول أن يشطر هذه الظاهرة شطرين: الأول غيبي، والثاني علمي. ومن جراء هذا الانشطار توقف بعضهم بإزاء هذه الظاهرة بمحاولة الفرض وطريق الاستدلال المرتبط بما هو غيبي تارةً، وعلمي تارةً أُخرى. وبعضهم الآخر اتخذ من الظاهرة نفسها واجهة ( ادعائية ) نظراً للمساحة الكبيرة التي تبوأها الانتظار بين الأوساط المجتمعية كافة، لذا جاء (الادّعاء) من بعضهم بأنه ذلك المنتظر على وفق الفرص والإمكانيات المتوفرة، والأهداف المبيّتة سلفاً لهذا الادّعاء.
محاولة الفرض قدمها (ناجي النجار) بفرضيته التي فحواها بأنّ (مثلث برمودا) هو المنطقة التي يعيش فيها الإمام الغائب المهدي المنتظر، وبطريقة الإعجاز الإلهي، لما تمتع به هذا المثلث من شهرة عالمية حتى غدا لغزاً محيّراً من الألغاز المستعصية على العلم الإنساني، نتيجة للحوادث الغريبة التي تقع للطائرات أو السفن المارة من خلاله.
أمّا الادعاء فجاء نتيجة لحالة الانتعاش التي مرت بها ظاهرة الانتظار على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي، الأمر الذي أدى بالضرورة الى ادعاء عدد من الأشخاص بأنهم ذلك المنقذ المنتظر أو بأنهم يعلمون الغيب بموعد ظهوره بالزمان والمكان، وكان لهم في ذلك المآرب والأغراض الذاتية النفعية. وما بين الفرض والادعاء شكل الانتظار لدى عدد من الحركات الجماعية محطة خلاص آمنة حين
________________________________________
(*)ناقد ومخرج مسرحي، من العراق.

[الصفحة - 338]


استندوا إلى قهر الأنا فيهم والذاتية، وصولاً لآصرة جماعية توحدهم بالكون وبالوجود الإنساني برمته.
نبدأ مع الفرضية (1)ومثلث برمودا، وهل هو فعلاً المنطقة التي تأوي المهدي المنتظر ومن معه؟
يقع مثلث برمودا جغرافياً في المحيط الأطلسي، وهو عبارة عن بقعة كبيرة «ويقع هذا المثلث قريباً من أحد أذرع المحيط الأطلسي الغربية وهو البحر الكاريبي محصوراً بين جزر برمودا وجزر فلوريدا وجزر بورتوريكو والبهاما، مشكّلة بذلك مثلثاً وهمياً تبلغ مساحته 770 الف كيلو متر مربع، أي بقدر مساحة العراق مرتين…» (2).
سمّي هذا المثلث نتيجة لحوادثه المفزعة بتسميات عديدة دالة على الخوف والهلع واللعنة والعجز عن اكتشاف السر، من هذه المسميات نذكر : مثلث الشيطان، ومثلث الموت، وبحر الاشباح، ومقبرة الأطلسي، وبحر السفن المفقودة، وبحر الرعب، ومقبرة السفن، و(المثلث الإلهي)، وهذه التسمية الأخيرة لها ارتباط بالفرضية التي سنتحدث عنها، والمرتبطة بالمهدي المنتظر، حيث يفترض النجار أن هذه المنطقة هي التي يعيش فيها الإمام الغائب هو وأعوانه وناسه، فكيف اُفترضَت هذه النظرية؟ وما السبل والأدلة التي تقوّمها؟
وقبل أن يطرح النجار فرضيته يستعرض ست فرضيات علمية حاولت حل اللغز العجيب مثل : فرضية الشذوذ المغناطيسي، وفرضية المطبات الهوائية والمائية، وفرضية الاشعاعات النووية، وفرضية الذبذبات فوق الصوتية، وفرضية الشلالات البحرية، وفرضية الشقوق في قاع المحيط(3). ثم يطرح النجار فرضيته بوصفها فرضية سابعة، عساها أن تكون حلاً لمشكلة المثلث على حدّ قوله، وسَمّى فرضيته هذه بـ (فرضية الجزيرة الخضراء ) (4)، وإلى جانب فرضيته يفترض أيضاً أنّ ما نسمع به من الصحون والأطباق الطائرة، بوصفها لغزاً محيراً آخر، وغيرها من الأشياء والأجهزة الطائرة، ما هي إلا من ممتلكات سكان هذه الجزيرة الخضراء، المنقطعين إلى إلاخلاص لله «بعد ان تركوا مجاورة القوم الذين غضب الله عليهم، وعاشوا مع الامام الحجة(عجل الله تعالي فرجه الشريف) ..» (5).
________________________________________
(1) «الفرضية Hypothesis هي عبارة عن استنباط يعتمد على جملة حقائق نستطيع من خلالها استنتاج وجود الشيء أو معرفة سبب الظاهرة دون وجود البراهين الموضوعية لذلك ... وينبغي على (الفرضية) أن تعبر عن شيء محتمل الوقوع ، بمعنى آخر أن الفرضية تتسم بصفة الاحتمالية ..». إحسان محمد الحسن، موسوعة علم الاجتماع:490ـ491 ، ط. الأُولى، الدار العربية للموسوعات ـ بيروت 1999.
(2)ناجي النجار، الجزيرة الخضراء وقضية مثلث برمودا:25، ط. الثالثة، دار البلاغة ـ بيروت 1999.
(3) للمزيد ينظر : المصدر السابق :81 ـ 91. يشير الباحث الى أنّ الطبعة الأُولى كانت عام 1979 في بغداد.. مع الإشارة إلى المصادر العديدة الاخرى المختصة بالموضوع نفسه نذكر منها : (مثلث برمودا) للعالم الأمريكي تشارلز بيرلتز، و(الزوار الغامضون) للعلامة برنسلي ليبوير ترينج، و (الكوا من الخفية) للعالم الامريكي ايفان لي سندرسن، و (كوكبنا المسكون) للباحث جون اكيل، و (مثلث برمودا والأطباق الطائرة) لرياض مصطفى، و (مثلث برمودا بين الحقيقة والخيال) اوليفر لورانس. ولمعرفة المزيد من الحوادث مثل : أُختفاء سفينة روسالي 1840، واختفاء اليخت كوينمار 1956، والمقابلات التي اجريت مع من شهدها ينظر الجزيرة الخضراء : 57.
(4) الجزيرة الخضراء: «جزيرة يسكنها الإمام المهدي(عجل الله تعالي فرجه الشريف) مع أهل بيته والمُخلِصين من أصحابه ، زارها الشيخ علي بن فاضل في نهاية القرن السابع الهجري وحدثنا عنها في قصته …». للمزيد ينظر : ناجي النجار ، المصدر السابق :92. هذه القصة هي التي اعتمدها النجار لوضع فرضيته.
(5)ناجي النجار، مصدر سابق: 171.

[الصفحة - 339]


لقد انطلق النجار في وضع فرضيته من مبدأ أنّ العلم لا زال في بداية الاكتشافات، وأنّ العلم ما زال مشحوناً بالمواد الخفية، وأنّ في الأسرار المستودعة فيه وجودات حية تعيش على الأرض، ولا يحس بها ابناء إلأرض، تعيش عليها ومصونة بطاقات تخفيها عن عيون الناظرين، وتحفظها عن فضول الباحثين عن خفايا هذا الكون، ويعتقد الهاشمي، أنّ مؤلف ألف ليلة وليلة لم يشذ في تفكيره عن الحقيقة حينما صور له خياله الواسع (طاقية الإخفاء)، وكيف أنها تحجب لابسها عن العيون، فهو يقول : «فإنّي انتظر ذلك اليوم الذي يلبس البشر فيه تلك الطاقية، كما انتظر اليوم الذي يكتشف فيه العلم المادة التي تصرع مادة الاخفاء فيها، وليكن الإمام الغائب يعيش في ذلك الجو وهو مصون بمادة الاخفاء يعيش في عالمه المستور فيرانا ولا نراه» (6).
إنّ ( مادة الإخفاء ) هي فرضية أُخرى استند إليها النجار في فرضيته، محاولاً اكتشاف المادة التي تصرع مادة الإخفاء ليتوصل إلى نتيجة مفادها أنّ الإمام الغائب ومَن معه قد يكونونَ يرتدون تلك الطاقية السحرية البعيدة عن التصور العلمي والعقلي لها.
صحيح أنّ العلم لا يمكن أن يحسم كل شيء بسهولة وخاصة الأشياء غير المؤكدة علمياً، ولكن «روح الفن، وروح الاستهداء بالحدث الخارق، والمكان المقدّس من شأنها أن تدفع الآخرين لأن تنسج حوله ما يربطه بمفهوم القداسة، وما يرتبط به من غيبيات وخوارق لا يدركها العقل المجرد » (7). ولعل النجار استند في فرضيته إلى هذا المفهوم، حيث إنّ (الجزيرة الخضراء) بوصفها مكاناً قد أضفى عليها القداسة : شخصاً ومكاناً وعقيدة مهدوية.
لقد أشار كولن ولسن إلى أنّ «أول من أدرك أنّ وراء هذه الحوادث لغزاً مخيفاً هو صحفي يدعى (فنسنت كادس) الذي كتب مقالة عام 1964 في مجلة (اركوسي) الأمريكية تحت عنوان (مثلث برمودا المميت).. » (8).
لقد أشار كولن ولسون إلى نموذج واحد من الحوادث التي وقعت فعلاً في مثلث برمودا، فيذكر انه :
________________________________________
(6)محمد جمال الهاشمي، مشكلة الإمام الغائب وحلها:27، مطبعة النجف ـ النجف الأشرف 1958.
(7)فاروق خورشيد اديب، الأُسطورة عند العرب، جذور التفكير وأصالة الإبداع:50، سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت، العدد 284لسنة 2002.
(8)كولن ولسن، موسوعة الالغاز المستعصية، :35، ترجمة : مالك فاضل البديري،ط.الأُولى، الأهلية للنشر والتوزيع ـ عمان ـ الأُردن 1994.

[الصفحة - 340]


«بعد ظهيرة الخامس من كانون الأول (ديسمبر) 1945 أقلعت خمس قاصفات طوربيد (افنجر) من قواعدها في فورث لودردال ـ ولاية فلوريدا ـ في رحلة استطلاع جوية عادية لمدة ساعتين فوق الأطلنطس بقيادة الرائد جارلس تيلور يرافقه أربعة طيارين تحت التدريب، كان القصد من ورائها زيادة عدد ساعات طيرانهم دون مُشرف … في الساعة 3.45 تسلم برج المراقبة رسالة من القائد تيلور : (حالة طوارئ يبدو اننا ظللنا طريقنا لا نرى أرضاً يابسة أُكرر لا نرى أرضاً يابسة … )، إلى جانب عدم تحديد الموقع وأجهزة الطائرات أصابها الجنون.. وإرسال فريق إنقاذ … ولم تمض سوى ثلاث وعشرين دقيقة حتى أومضت السماء من جهة الشرق ببريق وهاج لبرهة واحدة، تلاشى بعدها الطيارون الخمسة و (مارتن ماركس) إلى الأبد. لقد اختفوا تماماً كما اختفت قبلها السفن والطائرات في المنطقة التي عرفت بـ(مثلث الشيطان) أو مثلث برمودا» (9).
ويشير الباحث إلى تناول الأشرطة السيمية العالمية في أفلامها هذا اللغز المحير، مثل الفلم السوفيتي (المغامرات الجديدة للقبطان فرونجل) ضمن أفلام الخيال العلمي وغيرها إلى جانب عدد كبير من الكتب والدراسات التي توقفت كثيراً وملياً أمام هذا اللغز المحير (10).
مما تقدم يرى الباحث، أنّ فرضية النجار فرضية قريبة من التأمل الفلسفي، ومحاطة بنفس أُسطوري متخيل، وأنها في الوقت نفسه بعيدة عن التفسير العلمي والعقلي، مع اعتراف الباحث بوجود (الغيبيات) التي تمتلك مسوغات غيابها، ومعجزات اغراضها، وقداسة نواياها، إلى جانب تيقن الباحث من أنّ « الفرض يتطلب في حالات كثيرة وضعاً فيه قدراً من الخيال والتأمل» (11)؛ ليشكل بداية للفرضية جدير بها أن تنتهي هذه الفرضية إلى إيجاد مقوماتها العلمية ودلائلها وسبل الارتقاء باثباتاتها القريبة من العلم والعقل والبعيدة عن التأمل والخيال، إلاّ أنّ النجار في فرضيته كان متأملاً خيالياً منحازاً إلى إيمانه بطريقة لم يستطع جراءها التوصل إلى تقديم أدلة ثبوتية تدعم الفرضية، وتوسّع مديات الإيمان التي تحيط بها.
أمّا ما يتعلق بمسألة (الادّعاء) التي جاءت نتيجة لحالة الانتعاش التي أحاطت
________________________________________
(9)المصدر السابق: 33-34.
(10)للمزيد ينظر : اوليفر لورانس، مثلث برمودا بين الحقيقة والخيال، ترجمة : تركي إبراهيم ط. الأُولى، دار أُسامة للنشرـ عمان ـ الأُردن 1998.
(11) السيد نفادي، السيموطيقا وعلاقتها بالفلسفة والعلم عند كارب:70، مجلة عالم الفكرـ الكويت، العدد 1، مجلد 31 لسنة 2002. ويرى السيد نفادي «إنّ الفرض لا يتأسس عن طريق التأمل الفلسفي، وإنّما عن طريق مناهج العلماء القادرين على تحقيق هذا الفرض أو ذاك، وبالوسائل العلمية المتعارف عليها فيما بينهم. وصحيح كذلك أنّ التقدم الذي يحرزه الإنسان في المعرفة إنّما يعزى إلى العلم أكثر مما يعزى إلى التأمل الفلسفي، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من القول إنّه في حالات كثيرة يتطلب وضع الفرض قدراً مناسباً من الخيال والتأمل..»، ويستشهد نفادي بفرضيات علمية سابقة تحققت بعد فرضها، مثل : «فرض مركزية الشمس الذي قال به ارسطرخس الساموسي كمقابل لفرض مركزية الأرض الذي قال به أرسطو وبطليموس أو النظرية الذرية عند اليونانيين القدماء». انظر المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 341]


بظاهرة الانتظار على مرّ العصور المتعاقبة كما أسلفنا، فلقد أخذ بعض الناس ـ باختلاف عصورهم وجنسياتهم وأديانهم ومعتقداتهم ـ الادّعاء … على أنهم (المنقذ المنتظر)، مستغلين انتشار الفكرة التي أصبحت ظاهرة عامة يعتقد بها الجميع، ومستغلين وضعاً معيناً يمّر به الناس اقتصادياً كان أو سياسياً او اجتماعياً، باحثين عن شهرة وتبوّء مكانة مهمة من أجل أهداف ـ على الأغلب منها ـ شخصية ليس إلاّ. والقسم الآخر لم يدّع لنفسه، بل راح يتنبأ بموعد ظهور المسيح مثلاً باليوم والشهر والسنة، أمّا القسم الثالث فاستند إلى انتظار المنقذ المخلص بوصف ذلك بشارة نبوية أكدتها الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة أولاً. وثانياً: اعتمادهم على تحقق عدد من العلامات المروية والمسندة الملموسة منها والمحسوسة التي تمهد لظهور المنقذ المنتظر، كالذي هو حاصل فعلاً مع المسلمين الشيعة الإمامية الاثني عشرية في انتظار محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام. يذكر أحمد سوسة أنه «.. في عام 640م ادّعى شاب يهودي من بيت آراميا من قرية الفلوجة بالعراق أنه المسيح المنتظر، وقد تجمّع حوله حوالي 400 شخص من مختلف المهن، وحرقوا ثلاث كنائس وقتلوا عمدة المنطقة. ولما بلغ خبر هذا المسيح وأعوانه أرسلت السلطة ثلة من الجيش اعملت فيهم بطشاً وتقتيلاً، وقُبض على المسيح المنتظر وأُعدم..»(12).
ومن أُولئك الأدعياء في الشرق الإسلامي خلال القرون الوسطى، دجال ظهر في الشام في آخر خلافة عمر بن عبد العزيز وأول خلافة يزيد الثاني (720 - 724)م، وآخر من بلدة شيرين ادّعى أنه المسيح المنتظر، ووعد بأنّه سيحقق معجزة استعادة فلسطين. وفي القرن نفسه ظهر يهودي آخر من أصفهان يدعى عبيد الله أبو عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، ابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أُميّة مروان بن محمد(744-750م)، وقال: إنّ عودة فلسطين لن تتم إلاّ بالقتال، وأعدّ جيشاً من اليهود، وقد عاشت حركته مدة من الزمن في عهد السفاح، إلاّ أنّ الخليفة المنصور قضى على الحركة، وهزم جيش اليهود، وفر أبو عيسى باتجاه الشمال (13).
أمّا قورش الأول الذي ظهر في إيران، سنة 586 ق.م «يريد أن يؤسس
________________________________________
(12)أحمد سوسة: 199.
(13)للمزيد ينظر : المصدر السابق: 199-200.

[الصفحة - 342]


إمبراطورية على أنقاض الإمبراطورية الكلدانية المتداعية، فساعده أُولئك اليهود الحاقدون واعتبروه مخلّصاً ربانياً لهم، ووصفوه بأنّه المسيح المنتظر... أمّا هذا المسيح المنتظر فقد أعطى لليهود وعداً بالعودة إلى فلسطين، يشبه وعد بلفور في العصر الحديث. وهكذا أصبح للقوم كيان في فلسطين في ظل هذا الاستعمار القديم...» (14).
من جانب آخر أسهمت بعض الحركات العالمية بانتظار موعد الخلاص الأخير، لكنها حاولت أن تكون خارج دائرة الادّعاء، مقتربة من تصورات اعتقادية قاطعة ذات طابع يؤمن بأزلية واستمرار الانتظار وحتمية وقوع الهدف المنتظر. من هذه الحركات : حركة New age ( العصر الجديد ) التي أسّسها شخص يُدعى شارل تازه رسل (1852 ـ 1916م)، وهو تاجر من مدينة بتسبرغ، هذه الحركة لا تحمل تصورات حول هلاك العالم، وتعوض عن هذا النقص بشوق جارف إلى عالم جديد مسالم وسعيد … ويقولون إنّ الشيء الرئيس للإنسان هو قهر أناه الفردية والتوحّد مع الوعي الكوني العام … كما يؤمن أتباع هذه (الحركة) إيماناً شديداً بأنّ عدداً متزايداً من البشر سيسير على طريق الكشف الداخلي، طريق الخلاص، وسينشأ عالم جديد أكثر جمالاً من العالم الحالي متى تم تخطي الأنا والتوحّد مع الوعي الكوني (15).
أمّا مؤسسهم (رسل)، فيؤمن أنّ الربّ « اصطفى مجموعة من المبشرين قد كانت تنبأت بعودة المسيح عام (1872- 1873م) عندما مر الموعد دون عودته، قال رسل الذي كان قد شرع يُصدّر في هذه الأثناء مجلة (فخ تورم، أي برج المراقبة): إنّ عام 1914م سيشهد فناء جميع الممالك، وبداية الفردوس الأرضي، الذي هو ملكوت المسيح، وعندما لم يحدث هذا بدوره، أرجأه إلى عام (1915 و1916م)، وأخيراً إلى عام (1918م)، لكنه قد فارق الحياة قبل الموعد النهائي » (16)، ومع ذلك يفترض بالهلاك الأخير أن يكون قد تم عام 1975م، كان هذا محض تخمين، كما أعلنت القيادة المركزية للشهود الذين بلغ عددهم خمسة ملايين ونصف المليون عضواً عام 1995م، وما زالوا يواصلون بإصرار انتظار (نهاية نظام الأشياء)، ويثقون كل الثقة بحتمية انتقالهم إلى الفردوس الأرضي (17).
والأمثلة كثيرة على هذه الحركات والأسماء ممن ادّعت موعد تحقق ظهور
________________________________________
(14)حسن ظاظا، الشخصية الاسرائيلية:41، مجلة عالم الفكرـ الكويت، العدد 4 لسنة 1980.
(15)للمزيد ينظر : تسمر لينغ: 209-210.
(16)المصدر السابق: 210.
(17)المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 343]


المنتظر أو خمّنت ظهوره المستقبلي، ولا يمكن التوقف عندها جميعاً لكثرتها، ولكننا نرى أهمية تعداد قسم منها :
1 ـ سيرنوس، ظهر في سورية، 720 - 723م.
2 ـ اليهودي داود بن الروحي، في بلدة العمادية شمال العراق، 1160م (18).
3 ـ مليثور هوفمان، المتوفى 1543م.
4 ـ جماعة المبشرين باليوم السابع الأمريكية المنشأ لمؤسسها الواعظ وليام ميلر (1782-1849) م.
5 ـ بيرنت روثمان (19).
6 ـ الدجال صايد بن صايد يخرج من أصبهان تعرف (باليهودية) (20).
7 ـ ثورة الحرم المكي الشريف (21)في مطلع 1400هـ في السعودية (22).زيادة على تنبؤات نوستراداموس بالمهدي …
وأخيراً يشير الباحث إلى (عملية الانتحار) بوصفها خلاصاً ينتظره من اعتقد بها، وهم أتباع حركة (معبد الشمس) التي ظهرت في فرنسا في تسعينات القرن الماضي، حيث «تحتل عناوين الصحف أخبار المجموعات التي يقتل أفرادها أنفسهم بطرق فضيعة، لاعتقادهم أنها ستنجيهم يوم هلاك العالم، الوشيك جداً، ربما كانت دوافع هؤلاء مختلفة في التفاصيل، لكنها تشترك جميعها في انتظار الانتقال إلى عالم أفضل وقابل للتحسين الدائم،.. » (23)إلى جانب تصورات هؤلاء الغرائبية والمشوهة والمحاطة بنزعات إيمانية أميركية إلى جانب أشياء أُخر. وهناك أمثلة عديدة على هذه الانتحارات الجماعية (24).
بعد كل ما ورد يحق لنا أن نتساءل: ما الأسباب الكامنة وراء مثل هذه الادّعاءات الفردية والجماعية والسلوكيات المتوهمة من هؤلاء جميعاً؟ هل كانت استهجاناً للفكرة الانتظارية أو تحبباً إليها ؟ هل اعتقد هؤلاء جميعاً بالفكرة اعتقاداً قاطعاً بعيداً عن الإيمان، الأمر الذي جعلهم في مرحلة نفسية من التهيؤات وأحلام اليقظة والهذيان إلى جانب سلوكيات لا معقولة كالموت العمد والادّعاء وتزييف الحقائق؟
________________________________________
(18)للمزيد ينظر : أحمد سوسة، مصدر سابق: 72 و 200.
(19)للمزيد ينظر : تسمر لينغ: 151-153 و 210.
(20)للمزيد ينظر : السيد مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي: 44.
(21) حدث اقتحام للحرم المكي الشريف في مطلع عام 1400هـ بقيادة محمد بن عبد الله القرشي، حيث سيطر أنصاره على الحرم، وأذاع معاونه (جهيمان) من داخله بياناً دعا فيه المسلمين إلى بيعة هذا القرشي، باعتباره المهدي المنتظر الذي بشّر به النبي محمد(صلي الله عليه و آله و سلم)، واستمر احتلال الحرم عدة أيام، ولم تستطع الحكومة السعودية التغلب عليهم إلاّ بعد استدعائها فرقة (كوماندوس) خاصة من إحدى الدول.
(22)للمزيد ينظر : علي الكوراني:13.
(23)تسمر لينغ، مصدر سابق: 210-211.
(24)للمزيد ينظر : المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 344]


يبدو إنّ المساحة التي تبوأتها ظاهرة انتظار المنقذ المخلّص وعلى مرّ العصور وباختلاف المذاهب والاعتقادات الدينية، جعلت من هؤلاء يبحثون عن أهمية لأنفسهم وسط هذه الظاهرة التي شغلت الناس ـ ولا زالت ـ قروناً عديدة على مرّ الزمن.
فضلاً عن اعتقاد بعضهم أنّه عن طريق الادّعاء ربما يتمكن من الوصول إلى أطماع شخصية، وتحقيق رغبات نفعية تنقله من واقع أليم إلى واقع أكثر رفاهية لغرض إشباع غرائزه بطريقة احتيال سهلة.
في ضوء ما تقدم، نرى أنّ (الفرضية) قد تفشل في تقديم أدلتها وبراهينها، ولا سيما في خطواتها الأُولى، وأنّ (الادّعاء) قد يُعرف منذ بدايته المزيفة أو في آخرها، وأنّ التصورات الجماعية البعيدة عن الإيمان بالثابت الغيبي قد تبقى في دوامة لا نهاية لها، إلاّ أنّ النتيجة برمتها كانت تعزيزاً لظاهرة انتظار المنقذ، وتدعيم فاعليتها المستمرة على المجتمع الإنساني أينما حلّ في مكان وزمان معينين.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 345]