البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحياة السياسية الشيعية مطالعة في تجربة الإمام الرضا(عليه السلام)

الباحث :  أ. نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  49
السنة :  السنة الثالثة عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  328
الحياة السياسية الشيعية
مطالعة في تجربة الإمام الرضا(عليه السلام)

أ. نبيل علي صالح (*)

المبحث الأول: معاصرته للعهد العباسي
تعتبر دراسة الأوضاع السياسية ـ ومجمل التّطورات الاجتماعية لمرحلة الحكم العباسي التي عاصر جزءاً منها الإمام الرضا(عليه السلام) ـ فرصة مهمة لكشف الكثير من الملابسات والتعقيدات التي أحاطت بطبيعة عمل وحركة الإمام(عليه السلام)، وتجسّدت من خلالها المشكلة والمحنة السياسية العامة للأُمّة ـ ممثلة برموزها العظام من الأئمة(عليهم السلام) ـ في علاقتها مع نظامها السياسي المستبد القائم.. حيث رأينا المعاناة الكبيرة لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) في ظل ضغوطات الحكم العباسي (1)، والسجل الحافل لحكامه في مجال العبث بمقدرات الأُمّة، والتلاعب المجنون بإمكانياتها وخيراتها الوافرة التي صرفوها على مواقع اللهو والطغيان النفسي والسلوكي(2).
إنَّ دراسة الواقع السياسي ـ الذي عاصره الرضا(عليه السلام) ـ يقدم لنا صورة حية عن طبيعة الحراك السياسي الذي مارسه(عليه السلام) في سياق بروزه كموقع سياسي أصيل للأُمّة على صعيد دعوته إلى الإصلاح والتغيير باتجاه المبادئ والقيم الإسلامية الحقيقية القائمة على الحق والعدل والتسامح.
لقد غلبت على هذه الفترة من تاريخنا الإسلامي مظاهر التنوع والتلون والتعدد في طبيعة الأفراد والمواقف والأحداث والمعطيات السياسية، والمكونات الثقافية والاجتماعية. لذلك كان لا بد من وجود أساليب سياسية واجتماعية عملية وواقعية
________________________________________
(*)باحث وكاتب، من سورية.
(1) نستثني منها جزئياً فترة الانفراج القصيرة التي عاشها الرضا(عليه السلام) أيام الخليفة المأمون.
(2) للوقوف على مظاهر ومواقع الهدر، ومختلف أساليب ووسائل التبذير والإسراف، يمكن مراجعة المصادر التالية: ـ كتاب الأغاني للأصفهاني. ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير 6: 293 ـ 295، دار صادر ـ بيروت 1965. ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي: 286، مطبعة السعادة ـ مصر 1952. ـ مروج الذهب للمسعودي 3: 316 .

[الصفحة - 310]


جديدة ـ على صعيد الإمام(عليه السلام) ـ لكي يستطيع(عليه السلام) السير من خلالها في إطار حركته الدعوتية الهادفة، وبث القوة الروحية المعنوية والمفاهيمية في داخل الأُمّة، ومواجهة تعقيداتها السياسية الكبيرة، ومحاولة إعادة المجتمع الإسلامي المسترخي إلى طريق التوازن والوعي والاعتدال في خط الجهاد النفسي والعملي، باعتبار أنَّ الأُمّة عندما تواجه مشاكل وتحديات خطيرة ومعقدة تتصل بطبيعة وجودها ومصيرها تستوجب الحل الفوري، فإنها تحتاج إلى من يبين لها الطريق وينورها على حقيقة هذه التعقيدات وعلى الاحتمالات المتعددة النابعة منها، وبالتالي يرشدها إلى اتباع الأساليب الأفضل والأضمن، والمواقف والالتزامات الأكثر قدرة على تحقيق أهداف الأُمّة، وتحديد مصائرها وآمالها بما يضمن السلامة والأمان.
وفي هذا الإطار سعى الرضا(عليه السلام) إلى إيجاد مواقع عملية دقيقة لمجمل تحركه الاجتماعي والسياسي (3)الهادف إلى الحفاظ على نقاوة وأصالة رسالة الأُمّة، وربما يكون قبوله بولاية العهد أحد هذه القنوات البديلة التي اعتمدها(عليه السلام) من أجل تحقيق بعض المكاسب والإنجازات للأُمّة والمجتمع الإسلامي، وحماية المفاهيم الأصيلة للإسلام في العقيدة والشريعة، ومحاولة فتح الساحة الإسلامية كلها على واقع التجربة الإسلامية الصحيحة (4)ليبين للناس ـ من خلال ذلك ـ ما كان يراه ضرورياً ومناسباً مما تنازع فيه المتنازعون، وتخاصم حوله المتخاصمون.. ليضع الحقيقة بين الناس ليحكموا على هذا الطرف أو ذاك، بالرغم من أنه(عليه السلام) لم يشأ أبداً أن يكون في الموقع الذي يتحمل فيه تبعات الوضع السلبي القائم، والممارسات الفظيعة التي كانت ترتكبها القيادات السياسية الحاكمة باسم الإسلام آنذاك (5). وقد عبر الإمام(عليه السلام) عن رفضه الحاسم لذلك بقوله: «وأنا أقبل ذلك على أني لا اُولّي أحداً، ولا أعزل أحداً،
ولا انقض رسماً، ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً» (6).
المبحث الثاني: مواقف الإمام (عليه السلام) من حكام عصره
عاصر الإمام الرضا(عليه السلام) ـ بشكل أساسي ـ ثلاثة من خلفاء وملوك العباسيين: هارون، والأمين، والمأمون. ويمكن تقسيم الوضع السياسي العام في الفترة التي عاش
________________________________________
(3) نؤكد هنا على أن الإمام الرضا(عليه السلام) لم يتحرك سياسياً بالمعنى الاصطلاحي الحركي الراهن للكلمة.. ولكن السلطات السياسية الرسمية الحاكمة آنذاك كانت تشعر بأنَّ وجود الإمام(عليه السلام) ـ مجرد وجوده ـ في أي موقع من مواقع الحياة، فيه نوع من الممارسة السياسية المضادة والمخالفة لتوجهاتها السياسية وأساليبها في الحكم وإدارة الدولة. وربما يكون هذا الانفعال النفسي ـ الذي كان يعتري السلطات الحاكمة آنئذٍ ـ حالة وشعوراً صادقاً بعدم شرعية وجودها. لذلك فهي تخشى من الشرعية الجماهيرية والامتداد الشعبي الواسع الذي كان يتمتع به الإمام الرضا(عليه السلام)، الأمر الذي كان يدفعها باستمرار إلى اتّباع اُسلوب القمع والضرب بالحديد والنار على أية حركة ثقافية أو سياسية أو اجتماعية كان يمارسها(عليه السلام) ـ أو أتباعه ـ في هذا الموقع أو ذاك.
(4) لقد استثمر الرضا(عليه السلام) هذا الأمر تماماً منذ البداية، حيث اعتبر أنَّ في موقف المأمون ما يثبت أحقية أهل البيت(عليهم السلام) بالولاية.. يقول(عليه السلام): «الحمد لله الذي حفظ ما ضيع الناس، ورفع منا ما وضعوه، حتى لقد لعنّا على منابر الكفر ثمانين عاماً، وكتمت فضائلنا، وبذلت الأموال في الكذب علينا، والله يأبى لنا إلاّ أن يعلي ذكرنا ويبين فضائلنا». راجع: عيون أخبار الرضا 2: 162.
(5) كي لا يظن أحد بأن الإمام(عليه السلام) ـ المشرف عموماً على جهاز الدولة ـ هو الذي يصدر القرارات، ويعطي الأوامر ، ويدبر الأُمور، ويتدخل في شؤون الخاصة والعامة .
(6) عيون أخبار الرضا 2: 148؛ نور الأبصار: 143؛ الإرشاد للمفيد: 360؛ الكافي للكليني 1: 487؛ روضة الواعظين: 224؛ أعلام للورى: 320.

[الصفحة - 311]


فيها إمامنا(عليه السلام) مع هؤلاء الحكام إلى مرحلتين، الاُولى: مرحلة حكم المهدي والهادي والرشيد، والثانية: مرحلة حكم المأمون.
المرحلة الاُولى: وقد شهدت توترات سياسية واجتماعية كبرى على صعيد الحكم وممارسة السلطة في طبيعة العلاقة بين الأُمّة ورجالاتها وسلطاتها.. أي أنها كانت مرحلة متوترة وقاسية وضاغطة على أهل البيت(عليهم السلام) نتيجة تعرضهم المتواصل للكيد والتنكيل والملاحقة من قبل السلطات العباسية الحاكمة.
وقد شاهد الإمام الرضا(عليه السلام) باُم عينيه محنة أبيه الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) وهو ينقل من سجن إلى آخر، ويلاحق من قبل حكومة الرشيد وموسى الهادي، ويضيق عليه، حتى شهدنا نهاية المحنة في واقعة فخ، ومذبحة أهل البيت فيها، واستشهاد الحسين بن علي بن الحسن، ومصادرة أموالهم (7)، وإدخالهم السجون والمحابس في عهد موسى الهادي وقطع رؤوسهم (8)، ووضعها في اسطوانات مجوفة (9).
ومن المعروف تاريخياً أنَّ كل تلك الأحداث العنيفة كانت تجري على مرأى ومسمع إمامنا الرضا(عليه السلام). ولما استشهد والده الإمام الكاظم(عليه السلام) وانتهت الإمامة إليه بقي(عليه السلام) وحيداً في مواجهة زعماء الملك العضوض.
وسنقصر حديثنا هنا عن معاصرة الإمام لعهد المأمون.
في عهد المأمون (10)
أسفرت المعارك التي جرت بين أهل البيت الواحد (حروب الاخوة الأعداء) عن فشل الأمين، ومن ثم مقتله وانتهاء حكمه، وصعود نجم أخيه المأمون، وتسلمه لعرش الإمبراطورية العباسية.
وقد اعتقد الناس بأن عهد الهدوء والراحة والسكينة قد بدأ مع مجيء خليفة جديد. ولكن الرياح لم تجر كما اشتهاها أبناء الأُمّة. فقد باشر المأمون ـ بعيد استلامه الفعلي للسلطة ـ بحملات ملاحقة واسعة ضد كل الفئات والتيارات المناوئة لحكمه، وأمعن في ضربهم، وإعدام أصحابها وقادتها. وبذلك تم القضاء على كل تلك الاضطرابات والفتن، مما وفر لـه (للمأمون) الأجواء المناسبة لتوطيد حكمه، وإحكام
________________________________________
(7) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: 102، مصدر سابق؛ وبحار الأنوار للمجلسي 49: 210.
(8) راجع: تاريخ الطبري 6: 320.
(9) رسائل أبي بكر الخوارزمي، (رسالته إلى شيعة نيسابور): 78، طبعة 1312 هـ ؛ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ المظفر 1: 34.
(10) عرف عن المأمون دهاؤه، وحنكته السياسية، وقدرته على التلون والمجاملة. جاء في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه 1: 123 ما يلي: «بيّن المأمون للفضل بن سهل أن أخاه الأمين كان يستطيع أن ينتصر عليه، لو أنه أرسل إلى أهل البلاد التي يحكمها يخبرهم: أنه قد رفع عنهم الخراج إلى سنة (…) فحينئذ، إن لم يقبل المأمون، قامت الدنيا ضده، وإن قبل لم يجد ما يعطي الجند، فيقومون ضده وفي كلا الحالتين يكون النصر للأمين، لو وقعت بينهم الحرب. فحمد الفضل ربه على أنه لم يهتد الأمين، وأتباعه إلى هذا الرأي».

[الصفحة - 312]


علاقته مع الفرس بتزوجه من بوران بنت الحسن بن سهل.
عاش الإمام الرضا(عليه السلام) سنواته الأخيرة في عهد المأمون. وقد اعتبرها(عليه السلام) من أسوأ الأيام التي مرت عليه في حياته كلها، وذلك بسبب كثرة المضايقات والضغوطات التي كانت تمارسها ضده الحكومة المأمونية ـ إذا صح التعبير ـ بالرغم من تظاهر رئيسها المزيف بالولاء المطلق لآل البيت(عليهم السلام)، وتنكرها لأساليب العنف والقمع والانتقام التي ارتكبت بحقهم في العهود السابقة (11).
لقد وعى الرضا(عليه السلام) حقيقة الدوافع والأفكار التي كانت تجول في خاطر المأمون وجلاوزته، وأدرك خلفيات وأبعاد ما يكمن وراء تظاهر المأمون بموالاته وحبه للإمام(عليه السلام) خصوصاً بعد استدعاء المأمون له إلى خراسان.
جاء في كتاب (عيون أخبار الرضا) للشيخ الصدوق، نقلاً عن السجستاني أنه قال: لما ورد البريد بإشخاص الرضا(عليه السلام) إلى خراسان، كنت أنا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، فكان يقف على القبر مودعاً باكياً، ويخرج، ثم يرجع إليه، فعل ذلك مراراً، ويعلو منه البكاء والنحيب، وتقدمت إليه وسلمت عليه وهنأته فرد عليَّ السلام، وقال: «زدني فإني اخرج من جوار جدي رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) وأموت في غربة».
لقد كانت علاقة الإمام الرضا (عليه السلام)بالمأمون ـ قبل وأثناء ولاية العهد، وحتى استشهاده ـ متوترة باستمرار. وكانت تتقلب ما بين مد وجزر، بالرغم من محاولات المأمون إظهار محبته له وللأئمة(عليهم السلام)، وسعيه باتجاه عقد مجلس النظر والحوار التي كان يجمع فيها (المأمون) المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام) ليكلمهم عن فضائل الإمام علي(عليه السلام)، مستدلاً على أحقيته بالخلافة، وأفضليته بالحكم والقيادة (12).
لقد كان من المنطقي جداً أن تنتهي تلك العلاقة المتوترة والشائكة بين إمامنا(عليه السلام) والمأمون إلى طريق مسدود بسبب الاختلاف الجذري في وجهات النظر، وأساليب العمل (13)، وقبل ذلك اختلاف وعي ورؤية كل واحد منهما لقضايا الحياة والإسلام والحكم والقيم .. الخ.
ويمكننا ملاحظة ذلك بشكل أساسي من خلال حادثة العيد عندما طلب
________________________________________
(11) اعتاد المأمون على اتّباع مختلف وسائل وأساليب التصفية والقتل المنظم ضد كل شخص يشعر (المأمون طبعاً) بأنه يشكل خطراً على مصالحه وعرشه. وقد رأينا كيف قتل الفضل، وبكى عليه. ثم قتل أخاه الأمين. وسنرى كيف سيغتال الإمام الرضا(عليه السلام) ثم يبكي عليه بكاءً شديداً، و… مما يدل على دهائه ومكره الشديدين . وبالرغم من كل ذلك فقد كان يطلب من الفضل باستمرار أن يشيع عنه الزهد والتقوى والورع، ففعل. (راجع: تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان 4: 261). وبالإضافة إلى ذلك كان المأمون ولعاً باللهو، والمتع، والملذات، والتبذير، وشرب الخمر. (راجع: العقد الفريد3 : 254؛ الحضارة الإسلامية لجاك س. ريسلر: 108).
(12) كان الإمام الرضا(عليه السلام) واعياً تماماً ـ كما قلنا ـ لطبيعة نوايا ودوافع المأمون. وقد تحدث عن ذلك إلى بعض أصحابه قائلاً: «لا تغتروا بقوله، فما يقتلني والله غيره، ولكنه لا بد لي من الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله». (راجع: عيون أخبار الرضا2: 183؛ سفينة البحار 49: 189).
(13) لقد أدى ذلك في مرات كثيرة جداً إلى قيام الرضا(عليه السلام) بنقد سوء تصرف المأمون بشؤون العباد البلاد . يقول أبو الصلت: «وكان الرضا(عليه السلام) لايحابي المأمون من حق، وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله، فيغيظه ذلك ويحقد عليه ولا يظهر له. ولما أعيته الحيلة قتله بالسم». (بحار الأنوار 49: 135؛ مسند الإمام 1: 77؛ عيون أخبار الرضا 2: 153). أما الشيخ المفيد فقد أورد في إرشاده: 315 أمثلة عديدة عن مواعظ ونقديات الرضا(عليه السلام) للمأمون، حتى إنه قال له ذات مرة: «اتقِ الله في اُمّة محمد (صلي الله عليه و آله و سلم)، وفكر في إصلاح أمرهم». (راجع مسند الإمام 1: 74).

[الصفحة - 313]


المأمون من الإمام(عليه السلام) أن يركب ويحضر العيد، لكن الإمام اعتذر عن ذلك بناء على الشروط المسبقة والمتفق عليها بينهما في بداية قبوله(عليه السلام) بولاية العهد، الأمر الذي أثار حفيظة المأمون، فزاد في الطلب وألح في الأمر. وهنا علق الإمام قائلاً له: «اعفنِ وإلاّ تعفني أخرج كما يخرج رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)»، فأجابه المأمون: «اُخرج كما تحب. وكان الناس يتوقعون حينها أن يخرج عليهم الإمام الرضا (عليه السلام) على هيئة الملوك، وبآداب ورسوم خاصة، إلاّ أنهم دهشوا لما رأوه خرج حافياً وهو يكبر. فسقط القادة عن دوابهم، ورموا بخفافهم ،وانطلقوا خلف الإمام. وكان الإمام يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفة ويكبر.
وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل: «يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع». فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن(عليه السلام) بخفه فلبسه ورجع (14).
المبحث الثالث: الإمام الرضا(عليه السلام) وولاية العهد
دفعت ظروف الاضطهاد والتنكيل والمطاردة والقمع ـ التي أبدعها وزاولها ملوك العباسيين، واعتبروها خطاً ونهجاً أساسياً في حكمهم ـ العلويين إلى المباشرة بتنظيم أنفسهم، وإعلان تحركهم الثوري المسلح ضد السلطة العباسية التي كان المأمون ممثلها (الشرعي؟!) آنذاك.
لقد حاول الثوار العلويون استثمار فرصة الارتباك والخلل وحالة اللااستقرار في طبيعة الأوضاع والأجواء السياسية والاجتماعية العامة التي سادت خلال فترة الانتقال غير السلمي للسلطة من الأمين إلى أخيه (وغريمه) المأمون. وعلى هذا الأساس تفجرت الثورات والانتفاضات المسلحة أيام المأمون في كل حدب وصوب (15)، وألهبت ـ مواقع كثيرة في أرجاء الدولة العباسية ـ بالثورات المسلحة التي رفع قادتها رايات الجهاد والرفض، ومعهم الطليعة الواعية من العلماء والمحدثين (16).
في هذا الجو الضاغط والمشحون بالعنف والثورات.. كيف تحرك المأمون؟! وما هي ردود أفعاله على تحديات واقعه الساخنة؟!
________________________________________
(14) الكافي 1: 490؛ عيون أخبار الرضا 2: 265؛ روضة الواعظين: 277.
(15) كان من أبرز هذه الثورات التي حدثت في عهد الإمام الرضا(عليه السلام): أ ـ ثورة ابن طباطبا عام 200 هـ التي اجتمع حول قائدها أنصار وجيش كبير قوامه عشرة آلاف مقاتل، دخلوا مع العباسيين في معارك ومناوشات عديدة انتهت بنتائج مأساوية خطيرة. حيث قتل قائد الثورة وحمل رأسه إلى المأمون ،ونصبت جثته على جسر بغداد بعد أن دامت حركته مدة عشرة أشهر فقط. (راجع: الكامل في التاريخ لابن الأثير 6: 302؛ مقاتل الطالبيين للأصفهاني: 531). ب ـ ثورة محمد ابن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) بالمدينة المنورة. (مقاتل الطالبيين: 534). ج ـ حركة إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام). (مقاتل الطالبيين: 534؛ الكامل في التاريخ 6: 300).
(16) لم يُظهر الإمام الرضا(عليه السلام) ـ مع ما له من مقام ديني رفيع ومرموق ـ أي تحرك، ولم يعلن رأيه الصريح أمام الناس بشأن تلك الثورات؛ لأنه كان يعلم مسبقاً بطبيعة النتائج التي ستؤول إليها تلك الحركات.

[الصفحة - 314]


في الواقع عاش المأمون وضعاً قلقاً ومضطرباً نتيجة ما لاقاه من ضغوط عملية صعبة وواسعة من خلال أمرين اثنين، الأول: الصراع المرير ـ الذي اشتعل بينه وبين أخيه الأمين ـ على العرش العباسي، والثاني: قيام الانتفاضات والثورات العلوية ضد حكمه في كل أنحاء الدولة.
لقد قادت الحنكة السياسية، والمكر الواقعي، وعمق التفكير بطبيعة الأحداث، المأمون إلى نتيجة مفادها: أنه ولكي:
1 ـ يأمن الخطر الذي بدأ يحاصره من خلال وجود شخصية الرضا (عليه السلام)الفذة.
2 ـ ويمتص نقمة المجتمع الغاضب.
3 ـ ويخفف من وطأة الضغوط الشعبية المتزايدة ضد نهجه الظالم، على طريق إخماد الثورات والانتفاضات المشتعلة.
4 ـ ويكسب مزيداً من الأنصار والأتباع إليه، ويحصل ـ بالتالي ـ على اعتراف من العلويين بشرعية الخلافة.
5 ـ ويقف بقوة في وجه التيار الثوري العلوي المتعاظم نتيجة سياسات الإرهاب وسفك الدماء، وتضييع أموال الدولة وثروات الأُمّة، وفساد الإدارة، واضطراب الأمن.
6 ـ وبالتالي لكي يحافظ على وجوده السياسي في الحكم كأعلى رأس في الدولة العباسية، ويقوي دعائم سلطته.. فماذا عليه.. ؟! ليس عليه إلاّ أن:
أ ـ يهادن السادة العلويين، أي يدجّنهم ويحتويهم من خلال اتّباع سياسة المكر والدهاء.
ب ـ ويتقرب من رموزهم وقادتهم.
ج ـ ويعترف لهم بحق الولاية والحكم.. وبالتالي يوهم الناس ـ من أجل كسب رضاهم وودّهم ـ بأنه بريء كلياً من تلك الأعمال والممارسات الظالمة التي ارتكبتها السلطات العباسية بحق أهل البيت(عليهم السلام).. ولكن، كيف السبيل إلى ذلك؟!
لقد قرر المأمون أن يهيئ الأجواء، ويمهد الطرق لولادة مشروع سياسي خاص يهدف إلى تطويق حركة الرضا(عليه السلام) قبل أن تبدأ (باعتباره الإمام المعصوم الثامن
________________________________________

[الصفحة - 315]


المفروض الطاعة والقائد البارز الذي يمثل أهل بيت النبوة في عصره)، وذلك من خلال التقرب منه، وادّعاء موالاته وأحقيته بالولاية والخلافة..
في هذه الظروف التاريخية الصعبة نشأت فكرة ولاية العهد. أي مبايعة (17)المأمون للرضا(عليه السلام) بالخلافة وولاية العهد من بعده. وانطلق المأمون بعد ذلك لتنفيذ خطته، وقام بمشاورات عديدة (مع كبار القوم عنده، من أهل الخبرة والدراية بالشؤون العامة (18)انتهت إلى ضرورة عرض الولاية على الرضا(عليه السلام)، فإذا رفض ذلك يجب تهديده بالقتل (19).
وعلى هذا الصعيد تحدثنا كتب التاريخ (20)عن قيام المأمون بعرض الخلافة على الإمام الرضا(عليه السلام) أولاً (21)، لكنه(عليه السلام) رفض قبولها أشد الرفض، وبقي المأمون مدة يحاول إقناعه بالقبول، فلم يفلح. وقد ورد أن محاولاته هذه استمرت في مرو وحدها أكثر من شهرين والإمام(عليه السلام) يأبى عليه ذلك (22)، وكان(عليه السلام) يجيب المأمون بما يكره.
لكن الإمام(عليه السلام) الذي لم يكن مقتنعاً أبداً بهذا الأمر، قبل ـ تحت وطأة التهديد بالقتل ـ بولاية العهد المشروطة بعد أكثر من شهرين من المحاولات الحثيثة التي قامت بها شخصيات كثيرة كان على رأسها رجاء بن أبي الضحاك. وكانت البيعة له(عليه السلام)في السابع من شهر رمضان عام 201 هـ. .
ونسجل هنا أبرز الروايات، ( وأقوال الباحثين ) الدالة على عدم قناعة الرضا(عليه السلام) بالولاية:
1 ـ جاء في كتاب مقاتل الطالبيين للأصفهاني: «… فأرسلهما (يعني الفضل والحسن ابني السهل) إلى علي بن موسى، فعرضا ذلك (يعني ولايته العهد) عليه، فأبى، فلم يزالا عليه، وهو يأبى ذلك، ويمتنع منه.. إلى أن قال أحدهما: (والله، أمرني بضرب عنقك، إذا خالفت ما يريد ؟؟)، ثم دعا به المأمون، وتهدده، فامتنع، فقال لـه قولاً شبيهاً بالتهديد. ثم قال له: إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك، وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بدّ من قبول ذلك) (23).
2 ـ يروي آخرون: (أن المأمون قال له: يا بن رسول الله، إنما تريد بذلك (يعني بما أخبره به عن آبائه من موته قبله مسموماً ) التخفيف عن نفسك، ودفع هذا
________________________________________
(17) أثارت هذه الخطوة من المأمون الدهشة والحيرة والسخط لدى العائلة العباسية، ووصل أمرها مع المأمون إلى حد إعلان بعض أفراد العائلة الثورة ضد المأمون، ومبايعتهم لعم المأمون (إبراهيم بن المهدي). لكن ذلك لم يستمر طويلاً بسبب ظهور الأُمور وانكشافها على حقيقتها، عندما رد المأمون على هؤلاء، وصارحهم ببواطن الأُمور، قائلاً: «أما ما كنت أردت من البيعة لعلي بن موسى الرضا(عليه السلام) فما كان ذلك مني إلاّ أن أكون الحاقن لدمائكم والذائد عنكم باستدامة المودة بيننا وبينهم، وإن تزعموا أنني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة، فإني في تدبيركم والنظر لكم ولعقبكم وأبنائكم من بعدكم، وأنتم ساهون لاهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد لكم». إنه يؤكد لهم استمرارية الخلافة في أبناء العباس، والدفاع عنها، والوقوف في وجه المضاعفات والمؤامرات التي كانت تحاك ضده. (راجع: سيرة الأئمة الأثني عشر للحسني 2: 384 نقلاً عن بحار الأنوار).
(18) قيل: إن الأمر قد اقتصر على الفضل بن سهل ، وشقيقه الحسن.
(19) راجع بهذا الخصوص رواية علل الشرائع؛ وأيضاً ومقاتل الطالبيين: 562 ـ 567 .
(20) استدعى المأمون الإمام الرضا(عليه السلام) إلى خراسان لعرض الولاية عليه. وبعد مراسلات ومكاتبات تدل على رفض الإمام لهذا الأمر، لم يجد الرضا(عليه السلام) بداً من تلبية دعوة المأمون فور المضي إلى خرا سان. وفعلاً غادر(عليه السلام) بيت الله متوجهاً إلى خراسان، وكان يقابل في كل مدينة أو بلد ينزل بها بمنتهى الحفاوة والتقدير والإجلال. وعندما مر بمدينة نيسابور أحاط به علماء كثر، وعندما رآه الناس المحتشدون وهو بتلك الهيبة والرزانة التي تحكي هيئة جده رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) تعالت أصواتهم بالتهليل والتكبير مشفوعة بالأسى والبكاء، وقد ضجت البقعة بالبكاء، فنادى العلماء والحفاظ: (معاشر الناس أنصتوا، وعوا ولا تأذوا رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) في عترته). وألقى الإمام(عليه السلام) على العلماء حديثاً شريفاً ( الحديث الذهبي) فقال: «سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي قول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين يقول: سمعت النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) يقول: لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي». ولما مرت الراحلة نادى أهل نيسابور فقال: «ولكن بشروطها، وأنا من شروطها». (راجع: عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 135. ويقال بأنه قد كتب هذا الحديث ما ينيف على عشرين ألف من العلماء والحفاظ). ثم بعد ذلك وصلت القافلة إلى خراسان، وأمر المأمون باستقبال الرضا(عليه السلام) استقبالاً رسمياً حافلاً. وكان هو ـ وكبار المسؤولين وقادة الجيوش ـ في مقدمة المستقبلين. فصافح الإمام بحرارة، وخصص له داراً فخمة، وعني به عناية فائقة.
(21) البداية والنهاية 10: 250؛ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 384؛ الآداب السلطانية: 217.
(22) عيون أخبار الرضا 2: 149؛ بحار الأنوار 49: 134.
(23) مقاتل الطالبيين: 562 ـ 563؛ إرشاد الشيخ المفيد: 310 .

[الصفحة - 316]


الأمر عنك، يقول الناس: إنك زاهد في الدنيا.. فقال الرضا(عليه السلام): «والله، ما كذبت منذ خلقني ربي عزّ وجلّ، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني أعلم ما تريد؟!». فقال المأمون: وما أريد ؟! قال(عليه السلام): «الأمان على الصدق»، قال لك الأمان، قال(عليه السلام): «تريد بذلك أن يقول الناس: إن عليَّ بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟!». فغضب المأمون، وقال له: إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه. وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم: لئن قبلت ولاية العهد، وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت، وإلاّ ضربت عنقك..) (24).
3 ـ وقال الرضا(عليه السلام) في معرض رده على سؤال وجهه إليه الريان عن سر قبوله لولاية العهد: «.. قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خُيّرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل.. » إلى أن قال: «ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إجبار وإكراه ، بعد الإشراف على الهلاك… الخ» (25).
4 ـ أما بالنسبة للباحثين فإن معظمهم يؤكد على رفض الإمام(عليه السلام) لهذا الأمر، وكراهته له، واستيائه منه.. وأنه(عليه السلام) قد اُجبر على سلوك طريق القبول بالولاية تحت وطأة التهديد بالقتل (وضرب العنق).
يقول أحمد أمين: «..واُلزم الرضا بذلك ، فامتنع، ثم أجاب.. » (26).
وقال القندوزي: «أنه قبل ولاية العهد، وهو باكٍ حزين.. » (27).
وقال المسعودي: «.. فألح عليه (يعني المأمون)، فامتنع، فأقسم، فأبر قسمه» (28).
من الواضح هنا أن موافقة الإمام الرضا(عليه السلام) على استلام (مسؤوليات؟!) ولاية العهد، قد جاءت محمولة على شروطه الخاصة التي كشفت عن عدم رغبته الضمنية بهذا الأمر. وهذه الشروط هي:
1 ـ لا يولي أحداً.
2 ـ لا يعزل أحداً.
3 ـ لا ينقض رسماً.
4 ـ أن يكون مشيراً من بعيد في شؤون الدولة (29).
وفعلاً أجاز المأمون هذه الشروط التي تتصادم مع مصالحه الدنيئة، وتفضح
________________________________________
(24) مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب 4: 363؛ عيون أخبار الرضا 2: 140؛ أمال الصدوق: 42؛ علل الشرائع 1: 238 …الخ.
(25) علل الشرائع 1: 231؛ البحار 49: 130؛ روضة الواعظين 1: 268؛ أمالي الصدوق: 72 … الخ.
(26) ضحى الإسلام 3: 294.
(27) ينابيع المودة: 284.
(28) إثبات الوصية: 205.
(29) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 19. ويمكن مراجعة نص الوثيقة في مصادر تاريخية كثيرة من أهمها: صبح الأعشى للقلقشندي 9: 391 ـ 393؛ مآثر الإنافة في معالم الخلافة 2: 325 ـ 336؛ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 293؛ مسند الرضا(عليه السلام) 1: 102 ـ 107: وسفينة البحار 49: 148 ـ 158؛ بالإضافة إلى المناقب وتذكرة الخواص لابن الجوزي؛ والمجالس الشيعية؛ و … الخ .

[الصفحة - 317]


نواياه السياسية الخبيثة المبيتة، وبدأ بإعلان هذا النبأ العظيم (ولاية العهد)، وأمر بنشره في أرجاء الأُمّة الإسلامية.
وجلس المأمون يوم الخميس في ديوان الخلافة، وأمر وزيره الفضل بن سهل أن يخرج للناس، ويعلن لهم عن قرار المأمون، ورأيه في الإمام الرضا(عليه السلام)، وعزمه على البيعة بولاية العهد من بعده، وأنه سماه «الرضا»، وأبلغهم أن المأمون يأمر بإبدال الشعار العباسي ـ لباس السواد ـ بالشعار الأخضر ولبس الثياب الخضر. وأعلن لهم عن عزم الخليفة عن صرف مرتب سنوي كامل بهذه المناسبة السعيدة، ثم طلب منهم أن يعودوا في الخميس القادم ليبايعوا الإمام الرضا(عليه السلام). وجلس المأمون وإلى جانب الإمام الرضا(عليه السلام) في الموعد المحدد للبيعة . وأقبل القواد والوجهاء والقضاة وهم يلبسون الملابس الخضر.
وفي بعض تفاصيل البيعة أمر المأمون ولده العباس ليكون أول المبايعين. فقام وبايع الإمام الرضا(عليه السلام) بولاية العهد. فرفع الرضا(عليه السلام) يده وقد جعل باطنها إلى الناس وظاهرها مقابل وجهه فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة، فقال له: «إن رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) هكذا كان يبايع، فبايعه الناس (30)».
وهكذا تمت المراسيم والاحتفالات بالبيعة التي لم يشهد التاريخ الإسلامي مثيلاً لها كما قال المؤرخون. وتوافد بعدها الشعراء والأدباء والخطباء والمهنئون (31). وبذلت الأموال والعطايا والمرتبات. وتمت البيعة كما ذكرنا في رمضان سنة إحدى ومئتين للهجرة.
خطبة الإمام الرضا(عليه السلام) وأحوال ما بعد البيعة
تحدث الإمام(عليه السلام) بعد أن انتهت البيعة بكلمات وجيزة ومعبرة تفيض بالمسؤولية والوعي، وتحمل في داخلها حقيقة موقفه من مسألة الحكم، وعلاقته مع السلطة من حيث انسجامه أو عدم انسجامه معها.
قال(عليه السلام) بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إن لنا عليكم حقاً برسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) ولكم علينا حقاً به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم» (32). وخطبة الإمام خير دليل
________________________________________
(30) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 564؛ الإرشاد: 311.
(31) ذكر المدائني أنه لما جلس الرضا في ذلك المجلس بجانب المأمون وهو لابس تلك الخلع، والخطباء يتكلمون ، وتلك الألوية تخفق على رأسه، نظر أبو الحسن الرضا(عليه السلام) إلى بعض حواريه الحاضرين ممن كان يختص به، وقد داخله من السرور ما لا عليه يزيد، وذلك لما رأى، فأشار إليه الرضا(عليه السلام) ، فدنا منه وقال له في اُذنه سراً: «ألاّ تشغل قلبك بشيء مما ترى في هذا الأمر، ولا تستبشر فإنه لا يتم».
(32) مقاتل الطالبيين: 564؛ في رحاب أهل البيت للسيد محسن الأمين 4: 121؛ الإرشاد للشيخ المفيد: 311.

[الصفحة - 318]


على موقفه وعدم قناعته بمستقبل البيعة، لذا أورد حين خطابه إشارة دقيقة: «فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم» ولم يكلم الناس بشيء، ولم يتحدث بلسان رجل الحكم والسلطة، فما كان يقرها في نفسه. ولا يريد أن يضفي على حكم المأمون صفة الشرعية بجعل نفسه نائباً له ووصياً لملكه (33).
وبعد ذلك استمر المأمون يتابع الإجراءات العملية المتممة للبيعة مؤكداً من خلالها أهمية موقع الإمام الرضا(عليه السلام) (ظاهرياً فقط). فأمر بإصدار النقود التي نقش عليها اسمه الشريف(عليه السلام). وأصدر قراراته إلى كل الولاة والأعيان في أنحاء الدولة بضرورة ذكر اسم الإمام(عليه السلام) على المنابر في خطبة الجمعة، وتأكيد ولايته للعهد. وفعلاً اُعلنت البيعة للإمام من على منبر رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) في المدينة المنورة.
ومن أجل أن يضفي المأمون الطابع الشخصي للعلاقة مع الرضا(عليه السلام) ـ بهدف تضليل الرأي العام، من خلال محاولة إقناعه بحسن نواياه وصدق مساعيه واتجاهه السياسي الذي سار عليه واختاره مع الإمام الرضا(عليه السلام) ـ قام بتزويج ابنته (اُم حبيب) من الإمام(عليه السلام)، وعقد للإمام محمد الجواد ابن الإمام الرضا(عليه السلام) على ابنته الثانية اُم الفضل.
أهم ردود الأفعال التي صدرت تجاه البيعة
تباينت مواقف وردود وأفعال الناس تجاه هذا الحدث الكبير، الذي اعتبره الكثيرون منهم حدثاً غريباً وغير مألوف إطلاقاً. إذ كيف يوافق المأمون ـ هذا الخليفة العباسي الذي أشادت اُسرته العباسية أركان حكمها على الدماء والصراعات والتناقضات ـ على نقل الخلافة ومواريث السلطة، وتسليم اُمور الدولة، وشؤون الحكم إلى شخص ينتمي إلى النهج والخط المناقض تماماً لتوجهاتها السياسية والثقافية والاجتماعية..؟!
لقد ردّ الرضا(عليه السلام) من جانبه على استفسارات أنصاره ومحبيه وأتباعه، وأظهر لهم حقائق هذه الواقعة.
أما على مستوى المأمون فقد ارتفعت أصوات كثيرة معلنة الاحتجاج والرفض الشديد لهذا الأمر. وكان من بين هؤلاء الرافضين قادة ورموز بني العباس. وقد أكدنا
________________________________________
(33) سيرة الأئمة الأئني عشر ، الحسني 2: 471 مؤسسة البلاغ.

[الصفحة - 319]


سابقاً أن أول من أثارهم وأدهشهم ذلك المشروع هو الحسن بن سهل، أحد أهم وزراء ومستشاري الخليفة المأمون (34).
سؤال وجواب:
ما هي الرهانات الفكرية والعملية التي أراد الإمام الرضا(عليه السلام) تحقيقها، والعمل على إنجازها في سياق قبوله بولاية العهد (الشكلية)؟!
لقد قام الرضا(عليه السلام) ـ خلال المدة الزمنية التي قضاها في ولاية العهد ـ بالكثير من المهام والأعمال العلمية والثقافية، والإنجازات السياسية (غير المباشرة). واستطاع ـ في الوقت نفسه ـ أن يهيئ الأجواء المناسبة لإظهار دقائق الفكر الإسلامي الأصيل، وذخائر مبادئه الصافية في الفقه، والشريعة، والكلام، والفلسفة، والتفسير. وقد ركز(عليه السلام) في حركته الفكرية العملية ـ بعد استلامه ولاية العهد ـ على رهانات أخلاقية وعلمية وسياسية، يمكن ملاحظتها ومتابعتها من خلال ما يلي:
1 ـ الرهان العلمي والأخلاقي
وجد الإمام الرضا(عليه السلام) ـ بحسب ما نعتقد ـ أن قبوله بولاية العهد يمكن أن يساهم في تحقيق بعض المكاسب الإيجابية للخط الإسلامي المستنير الممثل بأهل البيت(عليهم السلام)، ويعطيه بعض الدفع والقوة على المستوى الثقافي، كان بأمس الحاجة إليه في ظل ظروف شائكة، ومناخات سياسية واجتماعية ضاغطة، كانت تعمل وتتحرك عكس الأهداف والتوجهات التي سعى إليها هذا الخط الأصيل.
فعلى المستوى الاجتماعي العام كان(عليه السلام) يعمل على تعليم الناس وتثقيفهم ، وربطهم ـ نفسياً وفكرياً ـ بالمبادئ والقيم الإسلامية الأساسية الواعية التي التزم بها وعبّر عنها أهل بيت النبوة(عليهم السلام) في كل سلوكهم الاجتماعي والسياسي والثقافي. وقد لاحظنا سلامة هذا التوجه من خلال الإمام نفسه (35)، وكذلك من خلال أصحابه وأتباعه وشيعته الذين أصبحوا ـ في ما بعد ـ أكثر قدرة ووعياً على التعامل مع قضايا الواقع والحياة والإنسان، والقيام بالمناظرات والحوارات العلمية الواسعة مع جميع القوى والتيارات. أما على المستوى الشخصي(العام) (36)، فقد رأينا كيف استفاد الإمام(عليه السلام) استفادة قصوى في إبراز شخصيته العلمية الغنية والكفوءة التي قدمت أفضل
________________________________________
(34) ذكرنا سابقاً في أحد الهوامش رد فعل العباسيين على بيعة الإمام(عليه السلام)، عندما قاموا بمبايعة إبراهيم ابن الخليفة المهدي ولياً للعهد، وقد كان هذا الرجل معروفاً بولعه الشديد للغناء والطرب وحسن المنادم. (راجع: الكامل في التاريخ، ابن الأثير 6: 327؛ وفيات الأعيان لابن خلكان 1: 39 و 3: 270).
(35) جاء في كتاب نثر الدرر: «أن المأمون قال للرضا(عليه السلام): يا أبا الحسن أخبرني عن جدك علي بن أبي طالب بأي وجه هو قسيم الجنة والنار، فقال(عليه السلام): «يا أمير المؤمنين ألم ترو عن أبيك، عن آبائه، عن عبد الله بن عباس أنه قال : سمعت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول: «حب علي إيمان وبغضه كفر»، قال: بلا، قال الرضا(عليه السلام): «بذلك كان قسيم الجنة والنار»، قال له المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم). (راجع: سيرة الأئمة الثني عشر، الحسني2: 402).
(36) نحن لا نقصد من خلال استخدامنا لكلمة «الشخصي» هنا أن الإمام(عليه السلام) كان يهدف من وراء عمله العلمي إلى بناء مجد شخصي على حساب الإسلام والمسلمين، ولكن نريد بذلك أن نؤكد أن هذه المناظرات والندوات ـ التي كانت تعقد باستمرار خلال ولايته للعهد ـ قد قدمته(عليه السلام) بصفة صاحب مشروع ونهج علمي وثقافي كبير، يرتكز على مبادئ وقواعد الإيمان الديني الإسلامي ، وأبرزته كقائد رسالي فذ استطاع أن ينفع الناس بالإسلام (أكثر مما انتفع هو) من خلال وجوده الشخصي كولي للعهد بالرغم من رفضه المطلق لهذه الولاية (الشكلية). لكن الأمر الذي يبقى حاضراً في ذهنية الأجيال اللاحقة باستمرار هو أنَّ الإمام الرضا(عليه السلام) قد دعا إلى الإسلام العقلاني الإنساني، وحاول أن يؤصل ثوابته وأركانه في ذهنية الأُمّة بالرغم من وجود أزمات سياسية واجتماعية عاشها(عليه السلام).

[الصفحة - 320]


وأعظم الخدمات للإسلام الرسالي من خلال تلك المناظرات والندوات والجلسات الحوارية التي كانت تجري برعاية المأمون، وبمشاركة لفيف كبير من العلماء والمفكرين المنتسبين لمختلف التيارات والعقائد الدينية والدهرية.
روى الطبرسي في احتجاجه، في تفسير الإمام(عليه السلام) لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أنه قال: «مشرقة تنتظر ثواب ربها»، وأضاف إلى ذلك أن النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) كان يقول: «قال الله جلّ جلاله: «ما آمن بي من فسر كلامي برأيه، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني، ومن رد متشابه القرآن إلى محكمه، هدي إلى صراط مستقيم». ومضى الإمام(عليه السلام) يقول: «من شبّه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر (37)» .
2 ـ الرهان الاجتماعي ـ السياسي
كان الإمام الرضا(عليه السلام) إنساناً واعياً ومدركاً تماماً لخلفيات وخبايا واقع اُمته الحضاري، لذلك لم يستطع هذا الواقع الضاغط ـ بكل فكره ورموزه وشخصياته ـ أن يخضع روحه وعقله، أو يهز قراره وإرادته، ولم تتمكن القيم السكونية (حب الاسترخاء والراحة والدعة) من الدخول إلى جوه وطبعه النفسي الخاص.
لقد وجد(عليه السلام) نفسه في واقع سياسي معقد ومرتبك، وشديد التنوع (بالمعنى السلبي طبعاً)، فحاول أن يفهمه ويحلله من موقع وعيه هو، لا من موقع سلبيات الواقع ذاته.
وكان من الطبيعي جداً أن يعمل الرضا(عليه السلام) على مواجهة هذا الواقع المنحرف عن خط الإسلام، والمفروض على الأُمّة بطريقة حركية غير مباشرة، تقوم على معيارين أساسيين في رفض أو قبول الحكم السياسي القائم:
1 ـ المعيار الأول: يتعلق بالجانب التثقيفي المعرفي في رفض التعاون مع أي نظام حاكم ظالم لا يستمد شرعيته من إجماع الأُمّة (رفض ولاية الحاكم الجائر بالمطلق).
2 ـ المعيار الثاني: يتعلق بالجانب الحركي والواقعي في التعاون مع النظام الحاكم تحقيقاً للمصلحة الإسلامية العليا (القبول المؤقت بولاية الجائر).
________________________________________
(37) راجع: سيرة الأئمة الاثني عشر، الحسني 2: 460 .

[الصفحة - 321]


فعلى صعيد المعيار الأول: ثبت الرضا(عليه السلام) في أذهان أصحابه وشيعته فكرة عدم جواز معاونة الظالمين، ورفض مساعدة السلطان الجائر المنحرف، وعدم الارتباط به وبرموزه مهما كانت التحديات (38). يقول(عليه السلام) لسليمان الجعفري (وقد سأله عن أعمال السلطان): «يا سليمان.. الدخول في أعماله، والعون له، والسعي في حوائجه عديل الكفر» (39).
ويقول(عليه السلام) لأحد أصحابه: «.. يا زياد لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة أحب أليَّ من أن أقدم لأحد منهم عملاً، أو أطأ بساط رجل منهم.. » (40).
ويقول(عليه السلام) عن آبائه، عن رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم): «من أرضى سلطاناً بما يسخط الله خرج من دين الله عزّ وجلّ» (41).
ويتأكد هذا الموقف المبدئي الصحيح أكثر فأكثر من خلال استعراضنا لموقف ورأي الرضا(عليه السلام) من انتفاضات وثورات العلويين ضد الحكم السياسي الظالم. حيث لم ينظر(عليه السلام) نظرة سلبية إلى تلك التحركات الثورية من حيث طبيعة المبدأ الثوري ذاته، وما يختزنه في داخله من مناهضة للظلم ورفض العدوان والطغيان والجور والباطل، بل كان(عليه السلام) ـ كغيره من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ـ يبارك كل ثائر على الظلم والظالمين (حتى ولو لم ينجح عسكرياً) إذا كانت ثورته ـ طبعاً ـ ضمن الحدود المشروعة، لصالح الأُمّة (42)؛ لأن الثورة النزيهة ـ في الغالب ـ تكشف للشعوب زيف الحكام، وتفضح واقعهم الكريه وممارساتهم الظالمة بحق الأُمّة، وتترك وراءها فئة تحس بالظلم والتجاوزات وتحاسب عليهما، وأحياناً تضطر الحاكم إلى تصحيح سلوكه ووسائل حكمه إلى حدٍّ ما (43).
إن الاعتراض الوحيد الذي وجهه الإمام(عليه السلام) إلى بعض الثائرين العلويين هو احتجاجه وإدانته لسلوكهم الناري أحياناً ضد المجتمع، ولانخداعهم ببعض الأصوات التي كانت تهتف باسمهم فيدّعون ما ليس لهم، ويخرجون للثورة بدون تخطيط وتنظيم، ومن دون وجود هدف أو مصلحة عليا للأُمّة (44)، وبالتالي يكون نصيبهم القتل، والتشريد، ووضع المجتمع في مواجهة خاسرة مع نفسه.
وقد لاحظنا كيف عبر الإمام الرضا(عليه السلام) عن رفضه الحاسم لكل تجاوزات أخيه
________________________________________
(38) هذا المنطق ـ الرافض بالمطلق إعطاء أي شرعية لأنظمة الاستبداد والظلم في أي زمان ومكان ـ لم يكن يعني بالضرورة عدم وجود استثناءات أو بدائل واقعية لكيفية التعامل مع أولئك الظلمة بما يضمن المحافظة على الخطوط الإسلامية الأساسية.
(39) وسائل الشيعة 6: 138.
(40) انظر: الاستبصار للطوسي 6: 333 . والذي يجدر ذكره هنا هو أن هذا الحديث نفسه ينسب للإمام الكاظم(عليه السلام).
(41) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 66.
(42) جاء في رواية عيون أخبار الرضا، عن محمد بن يزيد النحوي، عن أبيه أنه قال: إن المأمون وهب جرم زيد بن موسى إلى أخيه الرضا(عليه السلام) وقال لـه: يا أبا الحسن لأن خرج أخوك وفعل ما فعل، فلقد خرج قبله زيد بن علي وقتل، ولولا مكانك مني لقتلتك، فليس ما أتاه بصغير. فقال الإمام الرضا(عليه السلام): «يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي بن الحسين فإنه من علماء آل محمد (صلي الله عليه و آله و سلم)، غضب لله عزّ وجلّ، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: «رحم الله عمي زيداً، أنه دعا إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول بالكناسة فشأنك، فلما ولي قال جعفر بن محمد: ويل لمن سمع داعيته فلم يجبه». فقال له المأمون: يا أبا الحسن أليس قد جاء فيما ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء، فقال الإمام الرضا(عليه السلام): «إن زيد بن علي لم يدع ما ليس لـه بحق، وأنه كان أتقى لله من ذلك، إنه قال: «أدعوكم إلى الضامن من آل محمد، وكان زيد والله ممن خطب بهذه الآية: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ». (راجع: سيرة الأئمة للحسني2: 401). ونلاحظ بعد دراسة هذه الرواية أن الإمام(عليه السلام) يركز على معنى الثورة الواعية المستنيرة التي تقوم على أساس وجود أهداف إسلامية واضحة، وتمارس أعمالاً شرعية منظمة (نموذج ثورة زيد بن علي) ويدافع(عليه السلام) عنها بقوة، ويعتبرها ثورة تقوى لله.
(43) سيرة الأئمة الاثني عشر للحسني 2: 398 .
(44) لقد كانت معظم تلك الثورات انفعالية ساذجة، ومليئة بالتناقضات الذاتية، حتى من قبل قواعدها الشعبية الملتزمة بها، ولذلك كانت النتائج التي أدت إليها هذه الثورات سلبية وأحياناً كارثية، ولم تقدم أية خدمة للمجتمع. وبطبيعة الحال يعود سبب إخفاق معظم تلك الثورات ـ في وعيها وسلوكها ـ إلى انعدام الإدراك الكامل، والوعي الموضوعي الواقعي بأهداف وغايات الدولة الإسلامية والإيمان بواقعيتها وأهميتها التاريخية.

[الصفحة - 322]


زيد الملقب «بزيد النار»، حيث وقف منه ـ ومن عدوانه على المجتمع (45)ـ موقفاً سلبياً متصلباً.
إننا نعتقد أن تحريم الرضا(عليه السلام) اللجوء إلى (والتعاون مع) السلطات والأنظمة الجائرة لم ينطلق من حالة نفسية مزاجية ارتبطت بطبيعة الأجواء المتشنجة التي عاشتها اُمتنا الإسلامية خلال ذلك التاريخ، ولكنه انطلق في إطار صيغة سياسية عملية كانت تهدف إلى تأكيد وتجذير حالة الرفض النفسي والعملي للكيانات الظالمة اللاشرعية من خلال العمل المتواصل على توعية الأُمّة وتثقيفها تربوياً ومعرفياً وسياسياً وعقائدياً على معنى الحكم العادل، ومعنى الحكم الظالم.
أما بالنسبة للمعيار الثاني (التعاون المؤقت مع ولاية الجائر) (46)فقد انطلق إمامنا(عليه السلام) على هذا المستوى، بكل ما لديه من طاقات، حيث سلك طريق الدعوة إلى الإسلام، وترسيخ أبعاده المعرفية والعقائدية في ذهنية الأُمّة، بما في ذلك التوعية العقائدية والتثقيف السياسي بالإسلام (بصورة غير مباشرة طبعاً) من دون أن يسمح لنفسه (ولغيره من الأصحاب والشيعة) بأن يكون جزءاً من الواقع السياسي القائم ـ في نظر الإمام(عليه السلام) ـ على ضوابط واُسس غير شرعية.
وقد اعترض البعض على قبول الإمام(عليه السلام) بالولاية، ورضاه بالتعاون مع نظام المأمون (بالرغم من أنه لم يفعل ذلك مطلقاً) قائلين: يكفي أن اسمك قد ذكر معهم حتى تصبح جزءاً منهم؟! فقال(عليه السلام): «الأنبياء أفضل أم الأوصياء؟!» قالوا: الأنبياء. قال(عليه السلام): «السلطان المشرك أسوأ أم السلطان المسلم الفاسق؟» قالوا: السلطان المشرك. قال: «أيهما أشد، الذي يتعاون طالباً بذلك، أم الذي يفرض عليه ذلك؟!» قالوا: الذي يطلبه. فقال(عليه السلام): «كان يوسف الصديق نبياً، وعزيز مصر كان كافراً مشركاً، ويوسف طلب بنفسه: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55).
فقد أراد أن يأخذ موقعاً بحيث يحسن الاستفادة من ذلك الموقع، إضافة إلى أن عزيز مصر كان كافراً والمأمون مسلم فاسق. لقد كان يوسف نبياً، وأنا وصي نبي، هو طلب ذلك، وأنا اُجبرت على ذلك (47).
________________________________________
(45) راجع بعض أعمال زيد وتجاوزاته ـ وروايات اُخرى عنه ـ في كتاب: سيرة الأئمة الاثني عشر للحسني 2: 396 .
(46) قلنا بأن الأئمة (عليهم السلام) كانوا ـ من جهة اُولى ـ ينهون بشدة عن التعاون والتقارب مع الجهاز السياسي (وغير السياسي) الحاكم لبني اُمية وبني العباس.. بينما كانوا ـ من جهة ثانية ـ يعطون رخصاً شرعية لبعض الأفراد تقضي بالإمضاء والموافقة على انخراطهم في جهاز هذه الدولة أو تلك، من أجل تحقيق بعض المصالح والأهداف الإسلامية العليا المتصلة بمصير وجود الأُمّة، ومحاولة تخفيف بعض المظالم والشرور عن كاهل المجتمع الإسلامي. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر: علي بن يقطين، أو إسماعيل بن بزيع… حيث توجد روايات وأقوال كثيرة تثني وتمدح هذين العاملين في خط الله، وأمثالهما من قبيل: أن هؤلاء من أولياء الله الأول». ولزيادة الإطلاع على موضوعية «ولاية الجائر» يمكن مراجعة كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري.
(47) مرتضى مطهري، سيرة الأئمة(عليهم السلام) : 187، دار الهادي، ط. 2.

[الصفحة - 323]


المبحث الرابع: المضامين العملية العامة لسيرة الإمام الرضا(عليه السلام)
في المجال السياسي ـ الاجتماعي (تأملات عامة وقراءة معاصرة):
يمكن لتجربة الإمام الرضا(عليه السلام) في الجانب السياسي ـ وفي غيره من الجوانب طبعاً ـ أن تضع بين أيدينا وعياً سياسياً مباشراً حول كيفية التعامل والمشاركة (أو عدم المشاركة) في الواقع اليومي المباشر للحكم السياسي الخاص بهذا النظام أو ذاك.
إن تلك المسألة خاضعة ـ في تصوري ـ لمدى توافر المؤهلات النوعية العالية لدى الفرد الملتزم (من وعي والتزام فكري وعملي راسخ، إرادة علمية خيرة، صبر إيجابي متوثب… الخ) القادرة على تحقيق المصلحة الواقعية الإسلامية.
لكن، لا بدّ لهذا النوع من «الدخول والمشاركة في نظام الحكم» من أن يكون محكماً ومضبوطاً بشكل كلي (قبول سلبي)، كما أن الامتناع عنه، ورفض شرعية وجوده (رفض إيجابي) لابد أن يأتي مدروساً ومنظماً. ونلاحظ ـ ضمن هذا الاتجاه ـ أنه على الرغم من وجود كل التعقيدات والضغوطات التي يمكن أن تحيط بطبيعة الانخراط في العمل السياسي للنظام العام، يبدو لنا أن سلبيات التعامل المضبوط مع الأنظمة الحاكمة غير الشرعية أفضل بكثير من كل إيجابيات الانعزال عن الواقع، والركون إلى الزوايا المهملة، والبقاء بعيداً خارج إطار آلية الحكم وتداول السلطة (إذا كان هناك مجال لتداولها طبعاً).
وهذا الكلام لا يعني بالضرورة أنه يجب علينا أن ندخل عميقاً إلى التفاصيل الدقيقة الآلية الحكم ومفاصل النظام السياسي الداخلة والخارجة ككل ـ وما يرتبه من رضى نفسي وعملي بكل الأحداث والقضايا والمسائل المتحركة على هذا المستوى، وإمضاء شرعية وجود النظام الحاكم الظالم والمستبد بكل أجوائه ومواقعه ـ ولكنه يعني ضرورة دراسة هذه التفاصيل، ووعي حقيقتها، والوقوف مطولاً أمام ملابساتها وظروفها، ومن ثم إعطاء الرأي السديد (إيجاباً أو سلباً) بشأنها.
من هنا، يمكننا أن نعتبر هذا الدخول المباشر ـ أو غير المباشر ـ إلى بعض مواقع وأجواء النظام السياسي القائم (أي نظام سياسي غير إسلامي الهوية والطرح والامتداد) خطوة اُولى على طريق تهيئة الظروف وملاءمة الأوضاع لتنمية وعي
________________________________________

[الصفحة - 324]


الإنسان المسلم بإسلامه، وقضاياه السياسية والاجتماعية والثقافية.
وقد أدى الإمام الرضا(عليه السلام) هذا الدور الرسالي الكبير على خروجه، واستطاع ـ بالرغم من التحديات القاسية التي واجهته ـ إجلاء الغموض واللبس عن كثير من المفاهيم والتصورات الإسلامية الأصلية، وعرضها بأروع الصور، وأنقى المضامين، وأنصع البيانات، وذلك بهدف الحفاظ على طهارتها وأصالتها ونضارتها في ذهنية المجتمع وذاكرة الأُمّة.
إن قبول الإمام الرضا(عليه السلام) بولاية العهد، ونزوله (48)إلى أرض الواقع المليء بالأشواك والحفر ـ في إطار تمـسكه بإسلام الأُمّة والجماهير، وسعيه لخدمة مبادئه الرسـالية وأنظمتها الفكرية والعملية ـ يمكن أن يقدم لأبناء الجيل الحاضر درساً تاريخياً مفيداً في ما يتعلق بكيفية استلهام حركية الإمام(عليه السلام) في كيفية تعامله مع الواقع والظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية. ونستطيع أن نعبر عن ذلك في النقاط التالية:
1 ـ العمل على تحديد مشكلات واقعنا العربي والإسلامي المعاصر الذي يعج بالسلبيات والانقسامات (49). أي محاولة فهم أسباب الأزمة الحضارية والهزائم المتلاحقة لمجتمعاتنا العربية الإسلامية، كما حدد وفهم الرضا(عليه السلام) أزمة مجتمعه وظروف عصره الذي عايشه بكل قسوته وقلقه.
2 ـ التركيز على أهمية ودور منظومة القيم الأخلاقية الإسلامية المتبصرة والمنفتحة على الحياة في قيادة مجتمعاتنا إلى شاطئ وبر الأمان، وإنقاذها من أزماتها المتوالية، وإيقاظها من سباتها العميق الذي طال أمده، ومحاولة إرجاعها إلى الساحة العالمية لكي تمارس دورها الحضاري الرائد إلى جانب باقي حضارات وثقافات العالم.
وهذا الأمر مرتبط ـ إلى حد كبير ـ بمسألة الأخلاق نفسها، وإيماننا بأنها لا يمكن أنْ تفرض من فوق بقوة الأدوات السياسية (وغير السياسية) المعروفة، ولا بقهر القوانين الإدارية والمراسيم الحقوقية، ولكنها تأتي إلى حيز التطبيق من خلال توعية الناس والمجتمع، والعمل المستمر على تعميق صلتهم الروحية بالله تعالى، وبقيمهم
________________________________________
(48) إننا نعتقد أنه من الضروري والمفيد جداً لحركية الإسلام أنْ ينفتح الفقيه المسلم على شؤون المجتمع كله، ويتصل بكل قضاياه الخاصة والعامة؛ لأنَّ ذلك هو الذي يمكن لـه أنْ يحمي المبادئ والقضايا الأساسية العامة من الذاتية والتفرد، ويعطي للفقيه مساحة واسعة، ورؤية شاملة للواقع، ويحميه من الوقوع في الخطأ. كما أنه يحمل الأُمّة مسؤولية قراراتها المرتبطة بالفقيه والمرجع من خلال مشاركتها معه في صنع هذه القرارات.
(49) سنتناول لاحقاً إحدى أهم المشكلات القائمة، وهي مشكلة القبلية السياسية والثقافية، وعقلية المصلحة والانتفاع الشخصي، وغياب إرادة الإصلاح والتغيير، بالإضافة إلى أهمية دور الإسلام في مواجهة هذه النزعة القبلية والطغيان السياسي باعتبارها من الظواهر المرضية التي لا تزال تفعل فعلها السلبي في داخل اجتماعنا الديني والسياسي.

[الصفحة - 325]


الدينية المعنوية العملية، باعتبار أنَّ للأخلاق والمعنويات الإسلامية ثمـاراً حقيقية يمكن أنْ تبلور الوعي الجمالي بالحياة والإنسان، وتعرز حـس الانشداد في داخله (الميل الروحي والمفاهيمي) نحو المبدأ والمثل الأعلى (الله تعالى) مطلق الكون والوجود والحياة.
وهذه مسألة مهمة جداً ينبغي تحديد مسؤولياتنا تجاهها، خصوصاً في ظل وجود تيارات وقوى ثقافية وسياسية علمـانية راهنة يدعي معظمها امتلاك أفـكار ومعارف ومعطيات ثـقافية (غير إسـلامية) قادرة وحدها ـ كما تدعي ـ على استلام زمام المبادرة الفعّالة الخاصة بتمثل وتحقيق قيم النهوض والتنمية في مجالنا السياسي والاجتماعـي الإسلامي، وذلك من خلال بث وزرع قيم ثقافية وسياسية مختلفة من دون تمحيص أو تدقيق.
3 ـ تعزيز النقد البنّاء في حركة المجتمع الإسلامي، يقول الإمام الرضا(عليه السلام): «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإنْ عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه» (50). إنَّ دراسة هذا النص تفيدنا في تحديد رؤية الإمام(عليه السلام) لمسألة النقد، وذلك من خلال التأكيد على ضرورة تعميق الروح النقدية على المستويين: الذاتي الداخلي، والموضوعي الخارجي، في مفاصل اجتماعنا السياسي والمدني الإسلامي الحالي، وإعلاء كلمة العقل، وترسيخ مبدأ العقلانية الواقعية، والعمل على إيجاد تربته المناسبة. وذلك من أجل الكشف عن حقيقة أزمات(51)الواقع المعاصر الذي نحياه ونعايشه بإيجابياته وسلبياته، وتحليل ظروفه وأحواله المختلفة، وأخذ العبر والدروس منه، بحيث يقودنا ذلك إلى ضرورة تجديد الروح الإسلامية، والعقل الإسلامي، والانفتاح على العالم والحياة، واعتماد مبدأ الاجتهاد والتجديد، والروح العلمية المجردة، والرؤية الموضوعية للذات والإنسان وللعالم بشكل دائم.
ولذلك عندما يصبح حق التدخل، والنقد والمحاسبة، والأمر بالمعروف، ومعارضة السلطة الظالمة، ومواجهة السلطان الجائر والفاسد، من الواجبات الأساسية (52)التي يجب العمل على تركيزها في واقع وحركة الأُمّة (53)، فلا يمكن
________________________________________
(50) راجع اُصول الكافي 2: 203؛ الاختصاص للشيخ المفيد: 51، باب 4. قد يظن البعض أن هذا الحديث مختص بالجانب العاطفي الوجداني (النفسي) من حياة الإنسان؛ لأنه يحضه على التزام النقد والمحاسبة على صعيده الذاتي فقط، ولكننا نؤكد ـ بالرغم من اعتقادنا بالصحة النسبية لهذا الرأي الذي يتم تداوله في بعض الأوساط التي تعتبر أن الدين (الإسلامي خصوصاً) هو مجرد علاقة روحية بين العبد وخالقه، ولا علاقة له بالحياة والواقع ـ على أنَّ المراد منه أيضا ًممارسة الإعداد الروحي والبناء الأخلاقي الإسلامي المتين ، وتوعية الإنسان المسلم ، كجزء أساسي من مسيرته التكاملية نحو تمثل قيم الإسلام العادل وتحقيق تشريعاته ومبادئه في الحياة كلها، في السياسة والاجتماع والاقتصاد و … الخ. فبناء النفس وتنمية الروح (والأخلاق المعنوية الذاتية) هو أساس بناء وتنمية الواقع الخارجي؛ ليكون بالتالي تغيير ما بالنفس هو الأساس لتغيير ما بالواقع . من هنا جاء تركيز الإسلام على ضرورة تعميق منهج وخط الإعداد الروحي عند الإنسان المسلم (الجهاد الأكبر)؛ ليكون ذلك مقدمة لازمة حيوية لتغيير الحياة والواقع في الاتجاه الذي يحقق كرامة الإنسان وعدالة الوجود.
(51) قلنا سابقاً: إنَّ سيطرة العقلية القبلية على قطاعات واسعة من أجهزة الحكم السياسي العربي والإسلامي بكل أجوائه وامتداداته، تشكل إحدى أهم المسببات الرئيسة لأزمات واقعنا المتلاحقة التي تكبله وتمنعه من الانطلاق نحو مواقع العمل والإنتاج، وترهن وجوده لصالح نزعات طغيانية ذاتية ليس لأصحابها من هم سوى تكريس مصالحهم وأهوائهم، على حساب الدولة والأُمّة ككل. وقد وعدنا القارئ العزيز بدراسة هذه القضية في مبحث لاحق، ونحن لا نزال على وعدنا. لكننا نجد هنا ضرورة الإشارة إلى أن امتداد جذور هذه الأزمة ـ التي تعصف بمجتمعاتنا الإسلامية اليوم ـ قد أدى إلى بناء حداثة غربية مشوهة وغير نظيفة في تلك المجتمعات. لذلك ليس هناك من أمل للخروج من هذه الأزمة العميقة (وحداثتها المزيفة الكسيحة) إلاّ بتوجيه سهام النقد الموضوعي إلى الجذور النفسية والفكرية التي أنتجت وولدت هذه الحداثة ، وتهيئة شروط جديدة لتجاوزها، والخروج من أخطارها العقيمة. والواجب يقتضي منا ـ في هذا المجال ـ العمل على إنجاز ما يلي: 1 ـ نقد الدولة الوطنية الحديثة بالذات، في مفهومها ، ومصدر قيمها. 2 ـ نقد عقيدة ارتباط التقدم التاريخي بالدولة. 3 ـ نقد فكرة تعظيم دور الطليعة الحزبية المغلقة، والإدارات القائمة، وفضح تضخيمها لأجهزة القمع والضبط والردع والكبت، بوسائلها الخاصة والعامة التي أصبحت استراتيجية سياسية وثقافية عامة للدولة الوطنية (والقومية) العربية الحديثة، بحيث بات معدل بناء السجون والمعتقلات، والمنافي الصحراوية، ومعسكرات المراقبة والتجميع، ونقاط التفتيش، وأجهزة المخابرات، أكبر بكثير من معدل بناء المستشفيات والمدارس ومرافق الخدمات الاجتماعية الأُخرى.
(52) من الطبيعي أن يكون هذا الواجب أساسياً وليس ثانوياً خصوصاً مع توافر كم هائل من النصوص الإسلامية التي تفيض بمعاني وتعابير المعارضة والنقض والمساءلة، الأمر الذي يفتح المجال الواسع أمام نظرية الاجتماعي والسياسي للإسلام لكي تتأسس على قيم النقد والمحاسبة والمعارضة البناءة للحكم القائم.
(53) العلامة السيد محمد حسن الأمين، مجلة الشاهد، عدد: 41، ص 80 .

[الصفحة - 326]


الحديث بعد ذلك عن مشروع الدولة الشمولية وسلطتها المستقلة والمنفصلة عن المجتمع والأُمّة. أي التي تقوم على نفي أي دور لأفراد المجتمع في تداول السلطة، وعدم اعتبار الأُمّة مصدراً للحكم والسلطة، مما يفقد هذه السلطة شرعية الوجود في الوجدان المجتمعي الشعبي.
إن السلطة القائمة (أية سلطة) لا تصبح شرعية في وجودها وعملها (وتحظى برضا الأُمّة والشعب) إلاّ عندما تقوم على احترام حق المجتمع في معارضة توجهاتها المختلفة، ونقد سياساتها العملية، بحيث يكون هذا الحق سلطة قانونية موازية لسلطة الدولة نفسها.
من هنا، نجد أنه من الضروري جداً العمل ـ على هذا المستوى ـ باتجاهين اثنين يكمل أحدهما الآخر، ويلازمه:
الأول: اتجاه التأويل، أي تأويل النصوص الإسلامية لمصلحة تعزيز سلطة المجتمع وحرية الفرد والجماعة، وتثبيت حق النقض والاعتراض والتصويت والتصحيح. وحتى الثورة على الحاكم الجائر وتغييره. وإلى ما هنالك من حقوق هائلة على نحو لا يخرج هذه النصوص عن دلالاتها الحية الصريحة (54).
الثاني: تنظيم واجب التبليغ والدعوة في المجال الإجرائي والعملي، من خلال إعادة النظر في مهمة المبلغ نفسها، وذلك بالعودة إلى الينابيع والأصول التي أعطى لهذه المهمة الرسالية صفة السلطة الموازية، وإقامتها على قاعدة الحرية والمسؤولية ، وعلى مبدأ (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، بحيث يكون لكل فرد من أفراد المجتمع والأُمّة ـ مادام يمتلك حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ سلطة عامة هي سلطة النقد غير المحصورة، والتي تطال كل الدوائر في المجتمع وفي الدولة. وبهذا المعنى فكل فرد هو عضو فعال في السلطة، ومسؤول أمام الله والمجتمع، عليه القيام بواجب ومسؤولية ممارسة أشكال النقد والمعارضة المختلفة في كل حقول التوجيه الروحي والمادي إعلاءً لقيم الأُمّة وأهدافها الرسالية العليا.
من هنا، نجد أهمية الربط بين الممارسات النقدية المسؤولة التي يقوم بها الدعاة والمبلغون وبين المؤسسات الأهلية القائمة في المجتمع، وما يرتبط فيها من
________________________________________
(54) لقد حصرت السلطات السياسية القائمة في عالمنا الإسلامي (منذ تاريخها الماضي وحتى الآن) مهمة التبليغ بأشخاص قامت بتعيينهم، بمراسيم قانونية، وخصصت لهم رواتب من خزينتها، ونظمت لهم مجالات العمل والدعوة والتبليغ. وقد أدى ذلك إلى تقليص الشعور لدى الأفراد والجماعات بواجب المشاركة في نشر الدعوة والقيام بمهمة التبليغ والنقد، وبالتالي تراجع حس المسؤولية الفردية والمجتمعية تجاه انحرافات هذه السلطة، ومؤسساتها وأشخاصها عن نهج الإسلام وتشريعاته. فصار الوعظ ترفاً، والواعظ موظفاً عند السلطة السياسية وخادماً لها، ومنفذاً لسياساتها (وأحياناً كثيرة مدافعاً عن صنميتها). ولعل التقليد الذي زرعه النظام الأموي على يد معاوية في داخل الاتجاه التبليغي السلطوي ـ إذا صح التعبير ـ في تكريس فقرة من خطبة الجمعة للنيل من الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وشتمه علناً على امتداد حقبة طويلة من العصر الأموي، وتعميم ذلك على امتداد رقعة العالم الإسلامي، هو أبلغ دليل على العلاقة العضوية بين مشروع تنظيم الوعظ، والهدف السياسي النفعي (الذرائعي) لهذا التنظيم. وقد أفضى هذا الأجراء (إجراء تحويل التبليغ والنقد والدعوة إلى وظيفة ومهنة خاصة للسلطة السياسية نفسها) إلى تعطيل سلطة المجتمع، وانحصار ممارسة الواقع السياسي بأشخاص ورموز السلطة القائمة، وانفصال الدولة عن الأُمّة .ولا يزال هذا الانفصال مكرساً وقائماً حتى عصرنا الراهن. ويبدو لنا أن السجال الدائر حالياً حول مفهوم الشورى والديموقراطية (وما يتفرع عنهما من حقوق النقد والمعارضة.. الخ) ليس إلاّ مظهراً لحسرة مكبوتة وكامنة في وجدان الإنسان المسلم، وهي حسرة أننا كنا من أوائل من سبق لإطلاق وتأسيس هذا النموذج السياسي (المدني) في ترسيخ حق النقض والمساءلة والاعتراض، ثم لم نعمل به، بل بقي صامتاً طوال قرون طويلة. وهنا يجب ألاّ ننسى أن مشروع السلطة التاريخي الذي نجح في إنجاز فصل السلطة عن المجتمع، والإبقاء على النموذج السابق طي الكتمان العملي ـ إذا صح التعبير ـ لم يمنع المجتمع من ممارسة واتّباع أساليب مختلفة للتعبير عن رفضه الحاسم لتلك السياسات الظالمة. وما الممانعات المضيئة على صورة الثورات والانتفاضات (ومن أبرزها ثورة الحسين) في وجه استبداد السلطة عبر تاريخنا، سوى ثمرة من ثمار تلك المعطيات المشار إليها.

[الصفحة - 327]


هيئات وقوى وتيارات تناهض (وتجاهد) من أجل تحديث المجتمع السياسي، وتعميم الحريات السياسية للفرد والمجتمع ، والداعية إلى مبدأ تداول السلطة وإصلاحها واسترداد شرعيتها، وإرجاعها إلى قلب الأُمّة؛ لأنَّ في هذا الربط بين مهمة المبلغ وبين المهمات الاجتماعية والسياسية الحيوية تجديداً لدور المبلغ في مجال ترسيخ الحس النقدي لدى أبناء المجتمع وممارسة حق المعارضة، واستنقاذاً لهذا الدور من هامشيته التاريخية، ووضعاً له في موضعه الطبيعي من حياة الناس وهمومهم الجدية والمصيرية.
4 ـ إن أية دعوة رسالية تستهدف ترسيخ قيم العدل والحرية والانتماء لله تعالى لا بد أن تواجه بمصاعب وتحديات جمة من قبل الكافرين والحاقدين والظالمين (تماماً كما وُوجه الإمام الرضا بأمثال هؤلاء). لذلك يجب على العاملين السائرين في هذا الطريق الصعب والطويل، أن يشعروا جدياً بأن العمل في سبيل الله يكلف صاحبه كثيراً من الدموع والدماء، وهو بالتالي ليس نزهة يرفه فيها عن نفسه هنا وهناك.
وبهذا المعنى لا يعود العمل الرسالي الإسلامي مجرد صرخةً في فضاء المساجد، أو دعوة (دينية) ساذجة خالية من أي عقل يفكر، أو إحساس يعي، أو معنى يتحرك، ولكنه ـ كما هو في مفهومه الحقيقي الأصيل ـ أن تقف في ساحة الحياة لتنظر في مواقعها وأوضاعها الظاهرة والمخفية، ولتدرس كل انحرافاتها، وتعمل على التخلص منها بوعي وثقة وثبات. ثم تنطلق بعملية المواجهة الصادقة ضد كل أنواع الظلم ومختلف نماذجه وأساليبه سواء على المستوى الفردي في علاقتك مع نفسك وعلاقات الأفراد بعضهم البعض، أو على المستوى الاجتماعي في علاقة الجماعات مع بعضها، وفي أوضاع الحكم والحاكمين، وعلاقة الحكم القائم بالشعب، وعلاقات الدول ببعضها.
إن الإنسان الرسالي الذي يريد أن يصل إلى هذه المرحلة المتقدمة من الوعي الفاعل والمنتج، لابد أن يؤسس بنيانه وكيانه النفسي والعملي على قيم التقوى والمحبة والتسامح، لكي يكون بمقدوره تحمّل كل الضغوط والمشاكل بصلابة وعزيمة، فلا ينحني
________________________________________

[الصفحة - 328]


أمامها بضعف واهتزاز، بل يحاول أن يقتحمها بقوة وتصميم على النصر والفوز الأكيد.
إذن، المطلوب من الإنسان الرسالي هو:
ـ أن يقف مع الإنسان المستضعف والأُمّة المستضعفة قلباً وقالباً، ووعياً وسلوكاً وحركة ، فيتحسس آلام الناس المستضعفين ، ويلامس معاناتهم، ويعايش قضاياهم الخاصة والعامة، ويتحمل في سبيلهم كل أنواع التحديات والمشاكل النفسية والعملية.
ب ـ أن يربي الأُمّة ويصوغها رسالياً وعقائدياً بالمستوى الذي تستطيع فيه أن تملك قوة الموقف، وصلابة المبدأ والإرادة لتزيل الحاكم إذا طغى، وتجبّر، وظلم. وتزيله من مواقعه التي يريد الوصول من خلالها إلى مصالحه الخاصة.
ج ـ أن يمتلك ثقافة الحياة والعصر الذي يعيش فيه؛ ليكون قادراً على امتلاك اُسس التعامل معها، بتنوعاته وأحواله المختلفة. من أجل فهم ودراسة شروط ومناخات إدخال الإسلام إلى ذهنية العالم المعاصر بالطريقة التي تحقق له الكثير من النتائج الإيجابية على المستوى الروحي والمفاهيمي.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 329]