البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

لبنات التفسير السلفي بين النفي والإثبات

الباحث :  د. الشيخ فتح الله نجارزادگان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  46
السنة :  السنة الثانية عشر صيف 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  272
لبنات التفسير السلفي بين النفي والإثبات

د. الشيخ فتح الله نجارزادگان (*)

ترجمة: محمد عبد الرزاق

مدخل
لا شك أن ما هو محرز من مفهوم «التفسير السلفي» هو ذلك التفسير المستند إلى روايات وآراء الصحابة والتابعين، ولعل ابن تيمية هو أول من قعّد للفكرة في سياق بحثه عن الأُطر الكفيلة بإثبات مبتنياته في الفكر السلفي بشكل عام. ولا بدّ في نقد هذا النوع من التفاسير من الولوج عبر قنوات الارتكاز التأسيسية لها، وهي عبارة عن: البراهين المقدمة، إثبات الحجية لتفسير الصحابة والتابعين، تقييم آرائهم، التفاوت المعرفي بين طبقات الصحابة والتابعين في فهم مقاصد القرآن، دعوى نفي التعارض بين آراء السلف، فكرة ترجيح الدليل النقلي على الدليل العقلي، والتفويض على التأويل.
إذا ما تأملنا في هذه المرتكزات لمسنا عن كثب نقاط الضعف فيها، الأمر الذي يؤدي ـ بطبيعة الحال ـ إلى سلب التفسير السلفي المنهجية والقداسة معاً.
أُسّس التفسير السلفي ـ حسب دعوى أصحابه ـ على أقوال وآراء الصحابة والتابعين، وتصدق كلمة «السلف» اصطلاحاً على صحابة النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) وصدر التابعين لهم. إن التطرف في تبني آراء السلف في موضوع تفسير القرآن ومنحها ضرباً من القداسة، والتأكيد على التزامها وترسيخها بأصلب الحروف خشية الإعراض عنها واللجوء إلى التفسير بالرأي، كل ذلك يدلنا على تأصل النزعة السلفية عند هذه الفئة،
________________________________________
(*) اُستاذ مساعد بجامعة طهران، متخصّص في علوم القرآن والحديث، من إيران.

[الصفحة - 178]


وتمسكها بالتفسير السلفي بشكل مفرط. ومنشأ هذا التزمّت كامن في الاعتقاد بأولوية آراء السلف، وقربها من مصدر الوحي، وبوصفهم قبل كل شيء الجيل الطليعي بين علماء الإسلام المبرزين؛ حيث يرى السلفيون أن كل ما ينقله الصحابة عن النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ـ سواء في التفسير وغيره ـ معتبر لا تعمّد للخطأ في أخذه من مصدر التشريع، وأن ما ينبعث من آرائهم الخاصة لابد وأن يكون له جذور في الصميم الديني، مع استحالة تفردهم بالآراء الذاتية أو التجاوز على حدود الدين المرسومة لهم، وهذا منطبق على التابعين أيضاً مع تأخر مرتبتهم عن مرتبة الصحابة. يقول ابن تيمية في آراء كل من مجاهد بن جبر وقتادة التفسيرية، وهما من التابعين:
«وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسّروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسّروه بغير علم أو من قبل أنفسهم» (1).
هذه هي فكرتهم في التابعين، فكيف بالصحابة أنفسهم؟! إذن، هم من باب أولى أن يكونوا مصونين أيضاً من التفسير بالرأي أو بغير العلم. ويظهر أن ابن تيمية كا ن منطلقه من الفكرة ذاتها عندما نظّر أول مرة في كتابه (مقدمة في اُصول التفسير) للاتجاه السلفي في التفسير، كما سيمر بنا. وعلى هذا الأساس جاء تقسيمه للتفاسير بين المقبول منها، وهو ما حضرت فيه آراء السلف بقوة، وبين ما هو مبتدع ـ حسب قوله.
ثم جاء من بعده السلفيون يقتفون آراءه بحذافيرها علّهم يتقمصون مواقفه في مثل هذه المؤلفات نشراً لرؤاه في هذا الباب. ولعل مما يقع في مقدمة النقود الموجهة للأُسس الكلامية في الفكر السلفي إلغاؤها مدخلية أهل البيت(عليهم السلام) في هذا الغرض بعد عصر الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، وهي ظاهرة ضربت عميقاً في مصداقية المدرسة السلفية، وهو موضوع بحاجة إلى دراسة مستوعبة.
نعود إلى الأركان التي اعتمد عليها التنظير للتفسير السلفي، ومن خلالها نستكشف الهفوات الكامنة وراءها:
1ـ البرهنة وفرض الحجية بالنسبة لتفسير الصحابة والتابعين.
2ـ تحديد آرائهم الواردة وتقييمها.
3ـ التفاوت المعرفي بين طبقات الصحابة والتابعين.
________________________________________
(1) مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 47، دار مكتبة الحياة ـ بيروت.

[الصفحة - 179]


4ـ دعوى نفي التعارض بين تلك الآراء.
5ـ فكرة ترجيح الأدلة النقلية على الأدلة العقلية، والتفويض على التأويل.
أولاًـ البراهين والحجج
يزعم السلفيون بالإجماع على أن مصادر التفسير بعد القرآن (تفسير القرآن بالقرآن) والسنة النبوية ترسو على آراء الصحابة (2). في حين ليس هناك حديث نبوي في مصادر أهل السنة يؤيد حجية قول سائر الصحابة في باب التفسير، ولهذا لم يلتمس عماؤهم هكذا روايات في هذا المجال (3).
لقد اعتمد أهل السنة في ذلك على الأدلة العقلية الاعتبارية، وهي أدلة مكررة متّحدة السنخية، قوامها انطباع القوم عن أصحاب الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) في تواجدهم حوله عند نزول الوحي. وهذا ما أشار إليه ابن كثير (ت/774هـ) في مقدمة تفسيره أخذاً عن اُستاذه ابن تيمية إن لم تكن العبارات منقولة بالنص أحياناً: «وحينئذٍ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. منهم عبدالله بن مسعود... وحبر الأُمّة عبد الله بن عباس...» (4).
وهذه عبارة متوفره نصاً عند ابن تيمية في (مقدمة في اُصول التفسير) (5).
ثم جاء دور الدكتور الذهبي بعد سبعة قرون ليسجل النص ذاته مع تغيير طفيف قال فيه: «ولاحتمال أن يكونوا سمعوه من الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم») (6).
ويذهب الدكتور الذهبي إلى أبعد من ذلك، وعلى ذلك تبعه الدكتور منيع عبد الحليم محمود تحت عنوان: (رسم المنهج السلفي للتفسير): «لقد شهد الصحابة الوحي والتنزيل وأسباب النزول، ولهم المعرفة بالناسخ والمنسوخ، كما استوحوا مما لا يمكن أن يؤخذ إلاّ عن النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)؛ ولأنهم إن فسروا برأيهم فرأيهم أصوب؛ لأنهم أدرى الناس بكتاب الله» (7).
وينسب الكاتب الفكرة إلى الاتجاه السلفي عند ابن تيمية معلياً من شأنها. وكتب ابن تيمية يقول:
________________________________________
(2) المصدر السابق: 40.
(3)ويستدل البعض بإطلاق حديث:«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم، اهتديتم ». (اُنظر: الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، البيهقي: 181، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1406هـ؛ الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض 2: 53، دار الفكر ـ بيروت 1409هـ. لكن هذا الحديث مضافاً إلى ضعف سنده واعتراف أهل السنة (كأحمد بن حنبل، والبزار، والدارقطني، وابن عبد البر، وابن عساكر، وابن الجوزي، والذهبي، وابن قيم الجوزية، وغيرهم) بوضعه، فإن في دلالته كذلك محل نظر. ثم هنالك صعوبة في الاقتداء بجميع الصحابة للتعارض الحاصل في أقوالهم أحياناً. وللمزيد اُنظر: الإحكام في اُصول الأحكام، ابن حزم 5: 642 و 6: 810، تحقيق أحمد شاكر، مطبعة العاصمة؛ التقرير والتحبير في شرح التحرير، ابن أمير الحاج 3:99، والذي نقل عن أحمد بن حنبل، والبزار حكمهما بوضعه؛ جامع بيان العلم، ابن عبد البر 2: 89 ـ 90؛ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ على الأُمّة، ناصر الدين الألباني السلفي 1: 78، ح58 ط. الخامسة.
(4) تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) 1: 3، ط. بيروت 1402هـ؛ وانظر أيضاً المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي 1: 50، تحقيق عبد السلام عبد الشافي، بيروت 1413هـ.
(5) مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 40، مصدر سابق.
(6) التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبي 1: 277، دار الكتب الحديثة ـ مصر، ط. الثانية 1396هـ.
(7) المصدر السابق 1: 96؛ مناهج المفسّرين، عبد الحليم محمود منيع: 206، ط. بيروت.

[الصفحة - 180]


«... ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله(صلي الله عليه و آله و سلم)، فمن خالف قولهم وفسّر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً» (8).
أما الدليل الثاني عند أهل السنة كابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فيقول: إن الرسول قد شرح لأصحابه معاني القرآن (9). ويحتمل أن يكون الحاكم النيشابوري (ت/405هـ) كان سابقاً لابن تيمية في طرح الفكرة (10).
الدليل الثالث هو عبارة عن حديث نقله ابن مسعود:
«كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهنّ حتى يعلم معانيهن والعمل بهنّ» (11). وعندما جاء الشاطبي ليقسم مراتب علم المفسرين في طبقات، وضع الصحابة والتابعين في اُولاها بوصفهم الراسخين في العلم، نافياً إمكانية مقارنة الآخرين بهم (12). ويذكر أصحاب هذا الرأي شخصيات من التابعين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة ، الأمر الذي يفضلهم على سائر المفسرين كمجاهد بن جبر (ت/102هـ) الذي يقول:
«عرضت المصحف على ابن عباس، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها» (13). وفي ذلك يقول سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به»، ولهذا اعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وأحمد بن حنبل وغيرهم، ونقلوا عنه الكثير (14). ثم يقيّم ابن تيمية دور التابعين ومكانة مجاهد في التفسير فيقول:
«ومن التابعين من تلقى جمع التفسير عن الصحابة ، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، اُوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها...
والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال» (15).
ورداً على مقولة شعبة بن الحجاج وغيره التي تقول: «أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟».
قال ابن تيمية:
«يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا الصحيح، أما إذا
________________________________________
(8) مقدمة في اُصول التفسير: 38، مصدر سابق.
(9) المصدر السابق: 9؛ أعلام الموقعين عن ربّ العالمين، ابن قيم الجوزية 1: 11، ط. دلهي ـ الهند 1313هـ.
(10) نقلاً عن البرهان في علوم القرآن، الزركشي 2: 157، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة ـ بيروت.
(11) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري 1:27، ط. بيروت 1408هـ؛ مقدمة في اُصول التفسير: 9 و41؛ البرهان في علوم القرآن، الزركشي 2: 157.
(12) نقلاً عن محاسن التأويل (تفسير القاسمي)، محمد القاسمي 1:166، ط. دار الفكر ـ بيروت 1398هـ.
(13) مقدمة في اُصول التفسير: 10 و44.
(14) اُنظر المصدر السابق نفسه.
(15) المصدر السابق: 10 ـ 11.

[الصفحة - 181]


اجتمعوا على الشيء، فلا يرتاب في كونه حجة»، حيث يمتنع تفسيرهم القرآن برأيهم أو دون علم(16).
مناقشة أدلة حجية قول الصحابي في التفسير
لا بدّ قبل مناقشة هذه الأدلة من التمييز بين نمطين:
الأول: قول الصحابي بوصفه راوياً للتفسير.
الثاني: قوله التابع لاجتهاده في التفسير، أو ما يصطلح عليه بالحديث «الموقوف، والأثر».
النمط الأول:
فإن كان البحث في النمط الأول، خضع قوله للشروط المفترضة في سائر الأحاديث من دراسة للسند والدلالة، وذلك للأسباب التالية:
أ) لعدم إحراز عدالة جميع الصحابة، ولابدّ من التحقق من عدالة كل راو للحديث. وإن كان أهل السنة يقولون بعدالة جميع الصحابة (17). على أن هذا المبنى قد خضع للمناقشة أيضاً لدى بعضهم وفقاً للنصوص القرآنية والقرائن التاريخية (18).
ب) لوجود أحاديث متواترة عن الرسول ورد فيها النهي عن الكذب عليه: «لا تكذبوا عليّ..»(19)، هذا على عهده(صلي الله عليه و آله و سلم) (20)، وأما بعده فقد وقع الكذب فعلاً، فإن كان هذا الحديث موضوعاً لا صحة له، فإن ذلك يثبت بشكل آخر الحقيقة ذاتها، وهي وجود حالات الوضع أو الكذب على الرسول.
ج) ثمة تفاوت ملموس في مستويات تصديق أقوال الصحابة، لا سيما فيما بين بعضهم البعض؛ فكان عمر بن الخطاب يصدق عبد الرحمن بن عوف، بينما يقول لأبي موسى الأشعري: إئت بِمن يشهد معك (21).
د) يذعن بعض الصحابة بأن ليس كل ما يروونه عن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) مسموعاً منه مباشرة؛ كما ورد عن البراء بن عازب (22).
هـ) كثيراً ما يخطّئ وينتقد الصحابة بعضهم البعض؛ كما ورد من تخطئة عائشة لحديث ابن عمر في منع البكاء على الميت (23).
________________________________________
(16) المصدر السابق: 46 و47.
(17) اُنظر: الخصائص الكبرى، السيوطي 2: 267؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1: 3، مصدر سابق؛ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني 1: 14، ط. بيروت؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16: 297، دار الكتاب ـ بيروت 1405هـ
(18)الصحابة في القرآن والسنة والتاريخ، مركز الرسالة: 5 ـ 110، ط. مركز الرسالة ـ قم 1419هـ ؛ الإيضاح، ابن شاذان: 229، تحقيق جلال الدين الحسيني الأرموي، نشر جامعة طهران؛ الإفصاح في الإمامة، الشيخ المفيد: 40 ـ 41، ط. المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد 1413هـ؛ شرح المقاصد، التفتازاني 5: 130 ـ 311، تحقيق عبد الرحمن عميرة، منشورات الشريف الرضي ـ قم 1409هـ؛ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، السيد علي خان الشيرازي: 9 ـ 41، مؤسسة الوفاء ـ بيروت 1986.
(19) صحيح البخاري 1: 203، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت؛ تفسير القاسمي (محاسن التأويل) 1: 179، مصدر سابق.
(20) اُنظر: نهج البلاغة، الخطبة 210؛ الإحكام في اُصول الأحكام، ابن حزم 2: 582، المكتب الإسلامي ـ دمشق 1407هـ؛ أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو ريه: 65، أنصاريان ـ قم 1416هـ.
(21) أضواء على السنة المحمدية: 73.
(22)مسند أحمد بن حنبل 2: 410 التحقيق بإشراف شعيب الإرناؤوط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1414هـ، حيث جاء فيه: عن البراء قال: ما كل الحديث سمعناه من رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، كان يحدثنا أصحابنا عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل. وفي سند آخر قال: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولكن حدثنا أصحابنا، وكانت تشغلنا رعية الإبل.
(23) اُنظر: المستصفى في علم الأُصول، الغزالي: 122، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1417هـ؛ أضواء على السنة المحمدية: 76، مصدر سابق.

[الصفحة - 182]


كل هذه الشواهد التاريخية والقرائن الحالية تكشف عن واقع الحديث المنقول عن الصحابي ـ في التفسير وغيره ـ بوصفه رواية مأثروة لابدّ وأن تخضع للنقد والتحليل سنداً ودلالة بغية التأكد من صدورها، فإن مجرد النقل عن الصحابي لا يمنح الرواية الاطمئنان التوثيقي بسلامة صدورها ووصولها، إلاّ أن يكون الخبر متواتراً أو محفوفاً بالقرائن القطعية، فيعدّ بياناً للنص القرآني. علاوة على ذلك، ثمة عقبات جمة تعترض طريق هذه الروايات على صعيد الإثبات، من قبيل ما حدث من منع لتدوين الأحاديث بما يناهز قرناً ونصفاً من القرن عند أهل السنة، وهي قضية من أبسط تداعياتها طروء التغيير والتلاعب على نصوص الأحاديث (24)، والإشكالية في تزايد أكثر عندما نسمع إقرار أهل السنة بوجود ظاهرة الوضع في الأحاديث المنسوبة للصحابة في تفسير القرآن الكريم.
يقول الدكتور الذهبي: «ولا يغتر بكل ما ينسب لهم من ذلك؛ لأن في التفسير كثيراً مما وضع على الصحابة كذباً واختلاقاً» (25).
ولهذا نجد أحمد بن حنبل يقول: ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي (26). ولأحمد الخولي بحث في هذا الباب جدير بالاهتمام (27).
النمط الثاني:
أما إذا كان قول الصحابي معبراً عن وجهة نظره في تفسير إحدى الآيات، فستكون الضرورة أكثر إلحاحاً في إخضاع الرواية للنقد والتحليل، وذلك للأدلة التالية:
أ) يذهب فهد الرومي وآخرون ـ خلافاً لابن تيمية ـ إلى أن ليس كل ما قاله الصحابة في التفسير فهو عن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، وأنه لم يلقنهم جميع معارف القرآن وعلومه.
يقول القرطبي: «فإن الصحابة رضي الله عنهم قد قرؤوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، ويشهد بذلك دعاؤه لابن عباس حين قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، فان كان التأويل مسموعاً كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك، وهذا بيّن لا إشكال فيه» (28). وعلى ذلك يتفق البغدادي (29)، وأيده ابن عاشور، حيث قال: «وقد سأل عمر بن خطاب أهل العلم عن
________________________________________
(24)اُنظر: تدوين السنة الشريفة، محمد رضا الجلالي: 481ـ 549، مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم 1418هـ؛ منع تدوين الحديث أسباب ونتائج، السيد علي الشهرستاني: 504ـ505، مؤسسة الإمام عليّ ـ قم 1418هـ.
(25) التفسير والمفسرون، الذهبي 1: 273، مصدر سابق.
(26) اُنظر المصدر السابق 1:47.
(27) دائرة المعارف الإسلامية، أحمد الخولي 7:353، مقالة التفسير.
(28) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1:33، دار الكتاب ـ بيروت 1405هـ؛ محاسن التأويل، القاسمي 1: 166، مصدر سابق.
(29) لباب التأويل في معاني التنزيل (تفسير الخازن)، علي البغدادي الخازن 1: 5، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415هـ.

[الصفحة - 183]


معاني آيات كثيرة، ولم يشترط عليهم أن يرووا له إلاّ ما بلغهم في تفسيرها عن النبي(صلي الله عليه و آله و سلم») (30).
من هنا ينشأ التفاوت المعرفي والإدراكي لدى الصحابة في فهم معنى الآية، وهو قد ينطوي في بعض الأحيان على لون من التضاد أيضاً خلافاً لابن تيمية، بدليل عمل كل واحد من الصحابة باجتهاده الخاص، هذا من جهة.
ومن جهة اُخرى ليس بين الروايات ما ينص على عصمة الصحابة (31).
ويجمع علماء الشيعة على أن اجتهاد الصحابي في التفسير وغيره ليس حجة على الآخرين. يقول العلامة الطباطبائي في معرض تفسير الآية: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44):
«وفي الآية دلالة على حجية قول النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) في بيان الآيات القرآنية.. ويلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر وغيره، وأما سائر الأُمّة من الصحابة أو التابعين أو العلماء فلا حجية لبيانهم، لعدم شمول الآية وعدم نص معتمد عليه يعطي حجية بيانهم على الإطلاق... أما قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، فقد تقدم أنه إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة»(32).
ب) إقرار علماء السنة بوجود التفاوت المعرفي في فهم الصحابة لمعاني الآيات القرآنية، وأن المفسرين هم الطبقة النادرة بين اُولئك الصحابة، وليس الكل (33). فليس جميع الصحابة لهم القدرة على الفهم التام والاستنباط السليم من العلوم، فإن ذلك مما يخالف الحقائق التاريخية والعلمية.
ج) ثمة إشكاليات اُخرى على صعيد الإثبات، حيث إن من جملة مصادر تفسير الصحابة هم أهل الكتاب، مما يستلزم بطبيعة الحال تسرب الإسرائيليات إلى أقوالهم، لا سيما على عهد خلافة عمر كما يذكر ابن كثير من خبر بعض الرواة ككعب الأحبار، ممن وفرت له الظروف المؤاتية دسّ إسرائيلياته بين نصوص الصحابة وغيرهم «فجعل يحدث عمر عن كتبه... فربما استمع له عمر فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الأُمّة ـ
________________________________________
(30) التحرير والتنوير، ابن عاشور 1: 32، الدار التونسية للنشر ـ ليبيا.
(31) اُنظر: تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة: 102 نقلاً عن منع تدوين الحديث، السيد علي الشهرستاني: 334ـ335، مصدر سابق.
(32) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي 12: 278، منشورات جماعة المدرسين ـ قم.
(33) اُنظر: لباب المحصل في اُصول الدين، ابن خلدون 1: 446، تحقيق د. رفيق العجم، ط. بيروت 1986م؛ التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبي 1: 59 ـ 60، مصدر سابق.

[الصفحة - 184]


والله أعلم ـ حاجة إلى حرف واحد مما عنده» (34). وقد جاء عن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) نهيه عمر عن الرغبة في أهل الكتاب (35).
وحسبك في هذا المجال بحوث الأُستاذ معرفت. وفي (التفسير والمفسرون) أفرد الذهبي بحثاً في الإسرائيليات في أكثر من مئتي صفحة (36).
وهكذا بالنسبة للتابعين، فقد نصت غالبية كتب التراجم والرجال على عدم توثيقهم بشكل مطلق، كما قيل عن الضحاك بن مزاحم (ت/105هـ): «في جميع ما روى نظر» (37). والضحاك من المشهورين بأمر التفسير، كذلك الحال بالنسبة لعطية بن سعد (ت/111هـ)، والسدي الكبير، ومحمد بن سائب الكلبي، والسدي الصغير، ومقاتل بن سليمان، وكلهم من التابعين الرواة في قضايا تفسير الآيات (38).
تأسيساً على ذلك، تكون أقوال الصحابة معتبرة ـ إن نقلت بأسانيد صحيحة ـ سواء كانت في أحداث صدر الإسلام التاريخية، أو في الحكاية عن تقاليد الجاهلية وعاداتها، أو فيما يتعلق بأسباب النزول وتفسير الآيات، لا سيما فيما يتعلق ببيان المعاني اللغوية فيها؛ إذ هم أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وهو ما يعين المفسر في الوصول إلى المتداول من معاني اللغة عند نزول الوحي (39)، حتى وإن احتمل عدم مطابقة ذلك المعنى لما يُصطلح عليه في أصل اللغة.
ولا بدّ من عرض استنباطات علماء الصحابة في التفسير على القرآن والسنة، حالها في ذلك كحال سائر آرائهم واجتهاداتهم، فإن تطابقت قُبلت، على أن واقع الأمر يشير إلى قلة ما وردنا عنهم من روايات تفسيرية (40)، فهي في إحصاء (كنز العمال) حوالي 544 حديثاً (41)، وبحذف التكرار يصل العدد إلى 350 حديثاً فقط.
ثانياً ـ مناهج التفاسير وقيمتها
يقدم السلفيون تفسير ابن جرير الطبري في الطبقة الأُولى؛ لتمسكه بآراء السلف (42)، مع أن الطبري يكثر من الاستشهاد بروايات التابعين ممن جُرحوا من قبل الرجاليين، مضافاً لنقله الكثير عن أهل الكتاب. لكن ذلك مدفوع في الفكر السلفي بما يفترضه من حصانة مطلقة للتابعين، وتجويز النقل عن أهل الكتاب برواية عن الرسول مفادها: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(43).
________________________________________
(34) اُنظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4: 17، مصدر سابق؛ سير أعلام النبلاء 3: 489ـ490 رقم 111، التحقيق بإشراف شعيب الإرناؤوط، بيروت 1406هـ.
(35) مسند أحمد بن حنبل 23: 349 ح15156، مصدر سابق.
(36) التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، محمد هادي معرفت 2: 79 ـ 310، ط. الجامعة الرضوية ـ مشهد 1377هـ. شمسي.
(37) اُنظر: تحفة الأحوذي في شرح الترمذي، المباركفوري 3: 197، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1410هـ.
(38) المصدر السابق نفسه.
(39) فضائل القرآن، القاسم بن سلام: 45، تحقيق وهبي سليمان الخارجي، ط. بيروت 1411هـ.
(40) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي 1:4، مصدر سابق.
(41) كنز العمال، المتقي الهندي 2:52ـ352، تصحيح صفوة السقا، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1405هـ.
(42)مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 37و51، مصدر سابق؛ التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي 1:208، مصدر سابق؛ ابن جرير الطبري ومنهجه في التفسير، محمد بكر إسماعيل: 42، دار المنار ـ القاهرة 1411هـ.
(43) تفسير ابن كثير 4:221، مصدر سابق.

[الصفحة - 185]


وقد ذكر الطبري في معرض حديثه عن قصة هاروت وماروت روايات تنسب سحر اليهود للنبي، كذلك ذكر في الآية (52) من سورة الحج اُسطورة الغرانيق دون تفنيدها أو نقدها، كل هذا وغيره لم يمنع تفسير الطبري من تبوُّءٍ هذه المكانة بين التفاسير؛ وليس ذلك إلاّ لأن مثل هذه الأفكار لها اُصولها في روايات السلف ، الأمر الذي لا يضعف موقفه وحسب، بل يعد من نقاط القوة أيضاً، ويأتي بعده بالدرجة الثانية تفسير ابن كثير؛ لأنه ـ حسب الذهبي:
«إعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف» (44).
أما ما يقع على الطرف النقيض من هذه الفكرة الصائبة عند أتباع المذهب السلفي، فهو أن كل تفسير لا يستند في اُصوله على مأثور السلف، هو تفسير بالرأي ضال ومضل. ويرى ابن تيمية أن تفسير المعتزلة في حمل معاني الآيات على الآراء بدلاً من حمل الآراء على معاني الآيات، لم يأت إلاّ نتيجة لإعراض المعتزلة عن آراء السلف، ويقول:
«والمقصود أن مثل هؤلاء ـ المعتزلة ـ اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، لا في رأيهم، ولا في تفسيرهم» (45).
وقال في موضع آخر: «وأما (الزمخشري) فتفسيره محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات، والرؤية، والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد الكائنات، وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من اُصول المعتزلة» (46).
وكان قد سبقه في الهجوم على تفاسير الاعتزال أبو الحسن الأشعري الذي عدها تفاسير بالرأي الباطل الضال، فقال معللاً ذلك:
«لا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن أهل بيته الطيبين، ولا عن السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين» (47).
وتابع ابن تيمية في إصدار الحكم ذاته تلميذه ابن القيم (48). أما وجهة نظر المعاصرين في السلفيين فنجدها مستوحاة بشكل أو بآخر من الرؤى التي بلورها ابن تيمية، فمثلاً جاء في (التفسير والمفسرون):
«يقع الخطأ كثيراً في التفسير من بعض المتصدرين للتفسير بالرأي، الذين
________________________________________
(44) التفسير والمفسرون، الذهبي 1:441، مصدر السابق.
(45) مقدمة في اُصول التفسير: 35، مصدر سابق.
(46) المصدر السابق: 51.
(47) التفسير والمفسرون، د. الذهبي 1: 385، مصدر سابق.
(48) أعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية 1:78، مصدر سابق.

[الصفحة - 186]


عدلوا عن مذاهب الصحابة والتابعين، وفسروا بمجرد الرأي والهوى» (49).
لقد بذل الذهبي قصارى جهده في هذا الموضوع ليس إلاّ لغرض التماس السبيل في إلصاق هذه الفكرة بتفاسير الشيعة، لا سيما الروائية منها، فكتب يقول:
«وفي تلك الأحاديث وهذه الآثار ما يخالف تعاليمهم مخالفة صريحة، لذا كان بدهياً أن يتخلص القوم من كل هذه الروايات، إمّا بطريق ردّها، وإمّا بطريق تأويلها. والردّ عندهم سهل ميسور»(50).
وليس بعيداً عنه رأي الدكتور فهد الرومي الذي حاول إفراغ أمالي ابن تيمية والذهبي وغيرهما في تقييمه المعرفي لتفسير الميزان مرة واحدة، فأفصح بشكل جلي عمّا يدور في خلجاته من نزعة سلفية عميقة، ومنها صاغ فكرة مفادها: أن مذهب الإمامية في إقصاء أقوال الرسول التفسيرية هو الذي زاد من هزالة تفاسيرهم وهشاشة ركائزها (51)؛ لأن الصحابة هم المتلقي الوحيد عن الرسول، وعنهم تناقل سائر المسلمين تفسيره الآيات القرآنية، فالرسول هو الطريق المؤدي إلى شرح القرآن، والصحابة هم الوسيلة في قطع ذلك الطريق، وما خرج عن هذه الوسيلة إنما هو انحراف وجهل بالحقائق (52).
في الواقع اقتصر فهد الرومي على تقديم مدّعاه في إعراض الشيعة عن روايات الصحابة في التفسير، ولجوئهم إلى وضع الروايات لسد هذا الفراغ (53)، بينما كان حرياً به أن يستعرض دليل الطباطبائي في نفي الحجية عن تفسير الصحابة والتابعين، وليس الروايات المنقولة عنهم (54)، أو أن يتناول وجهة نظره حول كمية أقوالهم في التفسير (55).
ثم إن كان في انعدام النص الروائي حاجة إلى الوضع لدى تفاسير الشيعة؛ لكان ذلك أكثر انطباقاً على تفاسير أهل السنة، فكما يقول الطباطبائي وغيره من الشيعة والسنة ـ كما سيمر بنا ـ إن أبرز ما تتسم به أقوال الصحابة في التفسير هي قلتها، وهو أمر يقودهم حسب نظرية الرومي إلى وضع الأحاديث على الصحابة!
وقد نسي الرومي نفسه؛ حيث كان في صدد تقييم تفسير الميزان معرفياً بوصفه أهم تفاسير الشيعة، حسب اعترافه، لكنه عدّ بحث صاحب الميزان في نفي تحريف القرآن (56) من تقية المؤلف!! فما الدليل الذي يمكن أن يقدمه في مثل هذا النوع من الاتهام؟ في حين هو يرى أن تفسير الميزان جاء ممنهجاً وفق معتقدات التشيع، بل
________________________________________
(49) التفسير والمفسرون 1: 281، مصدر سابق.
(50) المصدر السابق 2: 37.
(51) إتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، عبد الرحمن فهد الرومي 1: 250، ط. 1407هـ.
(52) المصدر السابق: 250ـ251.
(53) المصدر السابق: 252.
(54) اُنظر: الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي 12: 278، مصدر سابق.
(55) المصدر السابق 1: 5.
(56) المصدر السابق 12: 104 ـ 133.

[الصفحة - 187]


بطابع من التطرف أيضاً (57).
إذن، مع اعترافه هذا هل بإمكانه أن يقدم دليلاً من (الميزان) حرفت فيه معاني الآيات بغية مطابقتها للعقائد الشيعية؟ وإخال ردّ الكاتب عن هذا السؤال كفيلاً بالكشف عن مدى مصداقية هذا المدعى، وهو القائل: «لم أنتقد منهج الشيعة في التفسير بدافع الضغينة والتعصب» (58).
المسألة الأُخرى التي يمكن من خلالها استكشاف منهجية ابن تيمية وأتباعه في تقييم التفاسير، هي في حكمه على تلك التفاسير بالضلال والبدعة، وتعمية الحقائق، والكلام بالطبع عن تفاسير أهل السنة التي أثبتت روايات من السلف وضعت مبتنياتهم الكلامية في مواقف حرجة، من قبيل: الروايات المتعددة في خبر تصدق الإمام عليّ(عليه السلام) بالخاتم أثناء الركوع، وفيه إثبات لولايته (59)، وقد أحصت بعض المصادر طرق وأسانيد نقل هذا الخبر في (26) سنداً (60)، منهم عدد كبير من الصحابة أمثال: الإمام عليّ، عبد الله بن عباس، أبو رافع المدني، عمار بن ياسر، أبو ذر الغفاري، أنس بن مالك، جابر بن عبد الله، المقداد بن الأسود، عبد بن سلام، ومن التابعين أمثال: سلمة بن كهيل، عتبة بن أبي الحكم، السدي، مجاهد... كل هؤلاء فسروا الآية (55) من سورة المائدة بحادثة التصدق بالخاتم (61)، لكن مع هذا كله ادّعى ابن تيمية اتفاق أهل العلم على أن الحديث من الموضوعات على الصحابة (62)!! ثم عرّج على التفاسير التي نقلت الخبر كتفسير الثعلبي موجهاً أشد الطعون لها بالقول:
«أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعات.. ولذلك يقولون هو كحاطب ليل.. ولهذا لما كان البغوي عالماً بالحديث، أعلم به من الثعلبي والواحدي، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبي، لم يذكر في تفسيره شيئاً من الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي.. وأما أهل العلم الكبار، أهل التفسير من تفسير محمد بن جرير الطبري، وبقي بن مخلد، وابن أبي حاتم و.. فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات.. بل، ولا يذكر مثل هذا عند ابن حميد، ولا عبد الرزاق» (63)، وقد سلم بهذا الحكم الكثيرون من أتباع ابن تيمية (64)، وهو حكم مخالف للحقائق من جهة، وكاشف عن مدى التعصب في
________________________________________
(57) إتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 1: 394، مصدر سابق.
(58) المصدر السابق 1:250.
(59) الإفصاح في الإمامة، الشيخ المفيد: 134، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد 1413هـ؛ الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى 2:217ـ268، تحقيق السيد عبد الزهراء، مؤسسة الصادق ـ طهران 1410هـ.
(60) اُنظر: شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني 2: 209 ـ 248 الأحاديث 216 ـ 240، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ومجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ طهران 1411هـ/1990م.
(61) اُنظر: التفسير التطبيقي (فارسي)، فتح الله نجارزادگان: 285ـ 286، المركز العالمي للدراسات الإسلامية ـ قم 1383هـ. شمسي.
(62) اُنظر: مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 3، مصدر سابق؛ منهاج السنة النبوية، له أيضاً 3: 3ـ4، نشر مكتبة الرياض الحديثة.
(63) منهاج السنة النبوية 3: 3 ـ 4.
(64) اُنظر: التفسير والمفسرون، د. الذهبي 2: 109، مصدر سابق؛ اُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ناصر القفاري 2: 679، ط. 1415هـ.

[الصفحة - 188]


الأفكار من جهة اُخرى، وذلك واضح مما يأتي:
أـ لم يقل أحد عن الثعلبي بأنه (حاطب ليل)، بل هناك إجماع لدى كل من ترجم له على تميز شخصيته وقيمتها العلمية (65).
ب ـ لقد نقل البغوي الحديث نفسه عن ابن عباس الصحابي، والسدي التابعي، خلافاً لمدعى ابن تيمية (66).
ج ـ يعد تفسير الطبري ـ كما مرّ بنا ـ من أجل التفاسير في الوسط السلفي، وقد نقل سبب نزول الآية بخمسة أسانيد كلها في عليّ(عليه السلام)، ثلاثة منها نصّ في المعنى، واثنان بدلالة محرزة(67). ولابن أبي حاتم أيضاً نقل بسندين (68).
دـ وقد نقله السيوطي في الدر المنشور عن (عبد بن حميد)، و(عبد الرزاق) عن ابن عباس (69)، وهكذا ابن كثير عن عبد الرزاق (70).
إذن، كيف نفى ابن تيمية رواية علماء التفسير الكبار من أمثال الطبري وابن أبي حاتم وابن حميد وعبد الرزاق لهذا الحديث (71)؟!! ويظهر من ذلك، أن هذه محاولات في طريق طمس الحقائق وتعمية السبل، وهو ما نلمسه في موضع آخر لدى آراء ابن تيمية في حديثه عن تفسير آية{...وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} ، فشكك بالأحاديث التي نصّت على أن الهادي في الآية هو عليّ(عليه السلام)، وقال بأنها من الروايات الموضوعة، وأن أهل العلم مجمعون على ذلك، في حين أنها مروية بأسانيد متعددة عند السيوطي ـ من المفسرين السلفيين ـ وكذا الطبري، وابن أبي حاتم الرازي وغيرهم (72)، ومن هذا القبيل مصاديق عديدة لا مجال لحصرها.
ثالثاً ـ تفاوت الصحابة والتابعين في فهم معاني القرآن
يسلّم أهل السنة ـ بشكل عام ـ والسلفيون ـ بشكل خاص ـ بتفاوت الصحابة المعرفي في فهمهم معاني الآيات، وهي حقيقة لا مناص لهم منها. لكن، كيف طبقوا هذه النظرية على مصاديقها؟ لقد صنفوا الخلفاء الراشدين في الطبقة الأُولى لتميزهم عن الآخرين بالعلم التام والصحيح (73)، لكن هذا الحكم ينأى عن الواقعية فيما يخص الخلفاء الثلاثة، ولا يعدو أن يكون من الجزاف والتعصّب. وقد التمسوا في ذلك مبررات عديدة إضافة لما قدّموه في تبرير رجوع عمر في التفسير إلى أهل الكتاب، وما
________________________________________
(65) وفيات الأعيان، ابن خلكان 1: 79، تحقيق إحسان عباس، منشورات الرضي؛ طبقات الشافعية، السبكي 4: 58 رقم 267، تحقيق محمد الحلو، دار إحياء الكتاب العربي ـ بيروت؛ الوافي بالوفيات، الصفدي 7: 306 رقم 3299، دار صادر ـ بيروت 1402هـ؛ طبقات المفسرين، السيوطي: 17، دار الكتب العلمية ـ بيروت؛ غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري 1: 100 رقم462، مكتبة الخانجي ـ مصر 1353هـ.
(66) معالم التنزيل (تفسير البغوي)، البغوي 2: 47، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، بيروت 1407هـ.
(67) تفسير الطبري 6: 186، مصدر سابق.
(68) تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن أبي حاتم الرازي)، ابن أبي حاتم الرازي، تحقيق أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية ـ بيروت 1419هـ.
(69) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي 3: 105، دار الفكر ـ بيروت 1403هـ.
(70) تفسير ابن كثير 2: 71، مصدر سابق.
(71) للتوسع في الحديث المرفوع، راجع: التفسير التطبيقي، فتح الله نجارزادگان، مصدر سابق.
(72) اُنظر: الدر المنثور، السيوطي 4: 608، مصدر سابق.
(73) اُنظر: مقدمة في أصول التفسير: 40، مصدر سابق؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1: 3، مصدر سابق؛ التفسير والمفسرون، الذهبي 1: 96، مصدر سابق.

[الصفحة - 189]


تسبب ذلك في نشر الإسرائيليات ـ كما مرّ بنا.
فإذا سألنا عن خلفية موقف الخليفة الأول من معنى (الكلالة)، والخليفة الثاني من معنى (الأبّ)، قالوا: «كان بعض السلف يتوقفون فيما ليس لهم فيه علم» (74)، في حين لم يعرف عن عليّ(عليه السلام) أنه سئل ولم يجب، أو أنه رجع في معرفة الأُمور إلى أهل الكتاب.
وإذا ما سألنا عن قلة ما وصلنا في التفسير عن الخلفاء الثلاثة مقارنة بأحاديث الإمام عليّ(عليه السلام)، قالوا ـ ومنهم الذهبي ـ«فأبو بكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم في التفسير إلاّ النزر اليسير.. ويرجع السبب في ذلك إلى تقدم وفاتهم، واشتغالهم بمهام الخلافة والفتوحات، أضف إلى ذلك وجودهم في وسط أغلب أهله علماء بكتاب الله، واقفون على أسراره، عارفون بمعانيه وأحكامه..» (75). لكن هذه تعليلات واهية، والحقيقة شيء آخر؛ لأن عثمان كان بعيداً عن مهام الخلافة مدة ثلاثة عشر عاماً، وعمر لثلاثة أعوام، وكانت آراء وأقوال عليّ(عليه السلام) التفسيرية تصدر إبان السنوات الخمس من عمر خلافته.
إذن، فالمؤشرات تدلنا إلى واقع محرز ـ كما نصّت عليه بعض روايات صحيح البخاري ـ وهو أن فهم عليّ وأهل البيت لمعاني القرآن كان من النمط الخاص بهم (76)، وابن تيمية الذي وصفناه مؤسساً للتفسير السلفي لا يذكر الإمام عليّ(عليه السلام) في معرض ترجمته للصحابة في التفسير السلفي، بينما يعد عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس من ذوي العلم التام بمعارف القرآن (77)، كذلك فعل الدكتور الذهبي، حيث وضع ترجمته للإمام عليّ(عليه السلام) بعد ابن عباس وابن مسعود، مع أنه يعترف بأنه:
«أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل»، وأن ابن عباس قال عنه: «ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب»، حتى قال: «وغير هذا كثير من الآثار التي تشهد له ـ أي لعليّ ـ بأنه كان صدر المفسرين والمؤيد فيهم (78).
رابعاً ـ دعوى نفي التعارض في آراء السلف التفسيرية
نفى السلفيون ـ بغية تدعيم مباني التفسير السلفي ـ وجود التعارض في آراء السلف، ولهذا قال ابن تيمية:
________________________________________
(74) مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 47.
(75) التفسير والمفسرون 1: 63.
(76) اُنظر: صحيح البخاري 1: 38 كتاب العلم ـ باب الكتابة والعلم و9: 13 كتاب الديات ـ باب الدية على العاقلة؛ سنن ابن ماجه 2: 887 كتاب الديات؛ الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 4: 25 ح1292، تحقيق أحمد محمد شاكر ـ بيروت.
(77) مقدمة في اُصول التفسير: 40 ـ 41، مصدر سابق.
(78) التفسير والمفسرون 1: 89 ـ 90، مصدر سابق.

[الصفحة - 190]


«ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جداً، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرق كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر» (79).
وانطلاقاً من هذا المبدأ قدّم ابن تيمية بعض نماذج الاختلاف في أقوال الصحابة محولاً التوفيق بينها فوصفها بالتنوع الفكري (80)، وهي فكرة تابعه فيها أنصاره فروّجوا لها (81).
وقد أوعز الذهبي منشأ الاختلاف إلى تفاوت الصحابة في أدوات الفهم والاستنباط (82)، لكن الواقع المشهود لا يؤيد هذه الفكرة بتاتاً، لا سيما إذا كان اختلاف السلف في مسألة كترجيح النقل على العقل، والتفويض على التأويل، فهي اختلافات من نوع الأضداد، وسيأتي بيانه.
خامساً ـ ترجيح التفويض على التأويل والنقل على العقل
كان من بين مدعيات المذهب السلفي واتجاهه التفسيري القول بالتفويض، وهو الإمساك عن التأويل في مقابل ظواهر الآيات والروايات، بدعوى عمق معانيها وقصور الفكر عن الإحاطة بها، من قبيل: الآيات والروايات الواردة في صفات الحق تعالى، يقول النووي:
«وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها )الصفات الإلهية(، بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى» (83).
وعلى ذلك مضى أبو المعالي الجويني، فنسب للسلف امتناعهم عن التأويل والإبقاء على الظواهر وتفويض المعاني إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ : «فالأولى الاتباع وترك الابتداع» (84).
واختصر الذهبي عبارته في سير أعلام النبلاء، فقال:
«أما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله» (85).
وهذا هو رأي ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري (86)، والترمذي
________________________________________
(79) مقدمة في اُصول التفسير: 10.
(80) المصدر السابق: 11.
(81) إتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، عبد الرحمن فهد الرومي 1: 26، مصدر سابق.
(82) التفسير والمفسرون 1: 59.
(83) صحيح مسلم بشرح النووي، النووي 3: 19 و17: 182ـ183، دار الكتاب العربي ـ بيروت 1407هـ.
(84) أعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية 4: 246، مصدر سابق.
(85) سير أعلام النبلاء، الذهبي 14: 374، مصدر سابق.
(86) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني 13: 351، مصدر سابق.

[الصفحة - 191]


وآخرين (87), وكتب القرطبي في معرض تفسيره مفهوم الوزن من سورة الأعراف آية (8) نقلاً عن القشيري: «وقد أجمعت الأُمّة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً» (88).
لكن، هذه دعوى لا توافقها الشواهد التاريخية، منها ما أورده القرطبي نفسه في شرح معنى الوزن؛ حيث قال بأن مجاهداً والضحاك ـ من التابعين ـ كانا قد أخذا في ذلك بمعنى (العدل والقضاء)، وقال الطبري في تفسير آية {يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} : «قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد» (89). كذلك نقل ابن الجوزي عن ابن عباس ـ الصحابي ـ، ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة ـ من التابعين ـ وجمهور العلماء في معنى الآية ذاتها فقال: «أي يكشف عن شدة» (90).
وتتجلى المسألة أكثر في تفسير آية {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ـ كما سيمر بنا ـ؛ حيث لجأ جماعة من المفسرين ـ صحابة وتابعين ـ إلى التأويل هنا ، فنفوا أصل الرؤية الحسية (91).
أما الدكتور صرصور، فقد خلص بعد تتبع جملة من الأدلة إلى القول:
«ليس الأمر كما يقال من التزام الصحابة الصمت تجاه المتشابه من الآيات، وإنما كانت طريقتهم أن لا يخوضوا فيما ليس لهم به علم، لا أن يفوض الحكم في كل آية متشابهة» (92).
يظهر أن جنوح الجمهور إلى نسبة التفويض إلى السلف جاء دفاعاً عن موقف الخلفاء الثلاثة، وقلة بضاعتهم في المعارف القرآنية، وتحريمهم الخوض فيها (93)، الأمر الذي نتج عنه حكم «اللاأدرية» بحق سائر الصحابة، فتأسس مذهبي «التفويض» ونُسب للسلف.
على أي حال، يبقى التأويل هو مذهب السلف وليس التفويض، إلاّ فيما تعجز مداركهم عن التأويل فيه، وهذا ليس مختصاً بآيات الصفات فقط. ويمكننا من خلال موضوع «رؤية الحق تعالى» رصد أهم الأُسس في معادلة التفسير السلفي ونقدها، من قبيل: ترسيم حدود الدليل العقلي في التفسير النقلي، ومدى ضرورة
________________________________________
(87) اُنظر: آيات الصفات ومنهج ابن جرير في تفسير معانيها، حسام صرصور: 182ـ183، دار الكتب العلمية ـ بيروت 2004م.
(88) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7: 165، مصدر سابق.
(89) جامع البيان في تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) 4: 38، مصدر سابق.
(90) آيات الصفات ومنهج ابن جرير في تفسير معانيها: 182، مصدر سابق.
(91) اُنظر: تفسير الطبري 14: 192، مصدر سابق؛ المغني في آداب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار 4: 212، تحقيق د. محمد مصطفى وآخرون، الدار المصرية؛ مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 602، تحقيق المحلاتي والطباطبائي، دار المعرفة ـ بيروت 1406 هـ.
(92) آيات الصفات، حسام صرصور: 183، مصدر سابق.
(93) مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 47، مصدر سابق.

[الصفحة - 192]


الالتزام بالظواهر النقلية، وصحة أو سقم دعوى نفي التعارض في أقوال السلف.
يقع رأي الشيعة والمعتزلة في رؤية الحق تعالى على طرفي نقيض مع رأي الأشاعرة في المسألة ذاتها، فالشيعة والمعتزلة ينفون أصل الرؤية الحسية بجميع أشكالها، مستندين في ذلك إلى الأدلة العقلية والنقلية معاً. وتقول الأشاعرة باحتمال الرؤية في الدنيا وقطعيتها في الآخرة، مستندين في ذلك إلى ظواهر الآيات، وما يعدونه متواتراً من نصوص، مضافاً لعقيدة السلف في هذا الجانب.
لا شك أن هذا النزاع التقليدي جاء نتيجة لبعض المبتنيات والمسلمات التي تبلورت خلف كواليس الحقب والفترات المتباعدة، وهنا تكمن أهمية البحث في موضوع «رؤية الحق تعالى» من خلال رصد تلك المباني والمسلمات الكلامية والتفسيرية، وما يمكن أن يوجه إليها من نقود؛ ذلك لأن هذا الموضوع هيأ مساحة لتعارض الآراء فيما بينها، وهو أكثر المواضيع اتصالاً بالاتجاه السلفي في التفسير، ومن خلاله سيتسنى لنا الموازنة بين تضارب آراء الفريقين وخلفياته.
ولهذا نجد الدكتور الذهبي الذي كان قد قسم التفسير بالرأي إلى ممدوح ومذموم، لم يغفل موضوع رؤية الباري في معرض دفاعه عن التفاسير أشعرية الهوى أو سلفيته سيراً على نهج ابن تيمية(94)، ومن خلاله حاول توجيه نقوده إلى تفسير مجمع البيان (95)، وأمالي المرتضى (96)، وتفسير شبر (97) وغيرها، متهماً الجميع بالأخذ عن الفكر الاعتزالي في نفي مبدأ رؤية الباري الحسّية، وعدّها من تفاسير الرأي المذمومة.
واستدل التفتازاني بالإجماع والنص على وقوع الرؤية، فقال: «أمّا الإجماع فاتفاق الأُمّة قبل حدوث المخالفين على وقوع الرؤية، وكون الآيات والأحاديث الواردة فيها على ظواهرها، حتى روى حديث الرؤية أحد وعشرون رجلاً من كبار الصحابة، وأمّا النص فمن الكتاب قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (*) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} » (98).
أما الأشاعرة الذين يعدون أنفسهم امتداداً لأفكار السلف، فقد صُنفت رسائلهم الاعتقادية في الرؤية ضمن عقائدهم (99). وقد أخذ المفسرون عنهم الفكرة فتمسكوا بظاهر الآيات في إثبات رؤية الباري، ولم يثنهم عن موقفهم شيء نظراً لوفرة الروايات الواردة في هذا المجال، فهم يقولون بتواترها من جانب (100)، وبنسبة القول بوقوع
________________________________________
(94) المصدر السابق: 51.
(95) التفسير والمفسّرون، الذهبي 2: 121، مصدر سابق.
(96) المصدر السابق 1: 404.
(97) المصدر السابق 1: 197.
(98) شرح المقاصد، التفتازاني 4: 193، مصدر سابق.
(99) اُنظر: كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب، ابن خزيمة: 167، تعليق محمد خليل هواس، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1403هـ؛ لباب المحصل في اُصول الدين، ابن خلدون: 109، مصدر سابق؛ شعب الإيمان، عبد الجليل القصري: 628، تحقيق السيد كسروي، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1416هـ؛ الاعتقاد على مذهب السلف، البيهقي: 59ـ60، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1406هـ؛ كتاب اُصول الدين، عبد القاهر التميمي: 55، دار الفكر ـ بيروت 1417هـ.
(100) اُنظر: تفسير ابن كثير 4: 450، مصدر سابق.

[الصفحة - 193]


الرؤية إلى السلف من جانب آخر (101).
أمّا الطبري (ت/310هـ) الذي تقدم بيان منزلة تفسيره عند أهل السنة، نظراً لنقله أقوال السلف وميولاته السلفية (102)، فقد رجّح، من تعارض بعض الروايات، القول بالرؤية (103)، وقد صرح ابن كثير (ت/774هـ) الذي أبدى رغبة شديدة في تفسيره بروايات السلف التفسيرية، وبالسعي إلى تفسير كلام الله وفقاً لأحاديث وآثار السلف، مع الجرح والتعديل فيها (104)، بتأييده لرأي الأشاعرة في الاقتصار على ظاهر الروايات، وعدّ إعمال أي نوع من التأويل إبطالاً لآية{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (105).
القرطبي (ت/677) كذلك فسر قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بالرؤية الحسية استدلالاً بظاهر الآية، والروايات القطعية، ورأي جمهور العلماء (106).
لقد اكتفى مفسرو الأشاعرة بأصل الرؤية في يوم القيامة دون الخوض في التفاصيل، وذلك وفاء والتزاماً بالأخبار والآثار. فهذا أبو الحسن الأشعري يكتفي بالقول: «إن الله يرى في الآخرة بالأبصار (107)، وهكذا فعل كل من ابن كثير (108)، والقرطبي (109)، والبيضاوي (110)، ولم يقدموا تعليقاً أو شرحاً على الموضوع. لكن المحرز من عبائر الجميع تعارض فكرتهم مع فكر أصحاب القول بالتجسيم؛ فالمجسمة والكرامية يزعمون: «أن لله ـ نعوذ بالله ـ جسماً يمكن رؤيته في مكان محدّد وجهة معينة» (111)، وهي نظرية لطالما نفوها أشاعرة أهل السنة من أتباع السلف عن أنفسهم، الأمر الذي يعكس أن الرؤية عندهم منزهة عن الجهة والمكان. وبهذا صرح التفتازاني (ت/793هـ) في معرض رصده الإجمالي لبدايات الاعتقاد بالرؤية بين علماء الأشاعرة، فقال:
«ذهب أهل السنة إلى أن الله تعالى يجوز أن يُرى، وأن المؤمنين في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان» (112)، وفي ذلك قال التابعي (ابن عطية العوفي): «هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته» (113).
كما جاء في وصية أبي حنيفة التي دونت أواخر القرن الثاني ـ حسب بعض المحققين (114) ـ بيان للمقصود من مفهوم الرؤية: «نحن نسلم بلقاء أهل عدن بالله تعالى، لكنه لقاء دون جهة ومكان». وقد عرّف شارح الوصية مفهوم «اللقاء» هنا بالمشاهدة البصرية (115).
البيهقي (ت/458هـ) بدوره نفى الجهة في الرؤية أيضاً (116)، ولعل هذه المفردات
________________________________________
(101)اُنظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي 5: 405، مصدر سابق؛ الوسيط في تفسير القرآن المجيد، الواحدي النيسابوري 4: 393، تحقيق محمد معوض وآخرون ـ بيروت 1415هـ؛ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، الفخر الرازي 30: 228 ـ 229، ط. الثالثة ـ بيروت.
(102) مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 51، مصدر سابق.
(103) اُنظر: تفسير الطبري 14: 199، مصدر سابق.
(104) التفسير والمفسّرون، الذهبي 1: 244، مصدر سابق.
(105) تفسير ابن كثير 4: 405، مصدر سابق.
(106) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19: 109 ـ 110، مصدر سابق؛ أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، البيضاوي 2: 549، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1408هـ.
(107) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، الأشعري: 27، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ بيروت 1416هـ.
(108) تفسير ابن كثير 4: 661، مصدر سابق.
(109) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19: 109 ـ 110، مصدر سابق.
(110) تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) 2: 549، مصدر سابق.
(111) اُنظر: الملل والنحل، الشهرستاني 1: 149و160 ـ 161، تصحيح أحمد فهمي محمد 1386هـ؛ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلامة الحلي: 231، مكتبة المصطفوي ـ قم؛ شرح المقاصد، التفتازاني 4: 184، مصدر سابق.
(112) شرح المقاصد 4: 181، مصدر سابق؛ وانظر أيضاً: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي 5: 405، مصدر سابق؛ لباب المحصل في اُصول الدين، ابن خلدون: 109، مصدر سابق؛ قواعد العقائد في التوحيد (مطبوع ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي): 97، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1414هـ.
(113) نقلاً عن تفسير الطبري 14: 192، مصدر سابق.
(114) رؤيت ماه در آسمان (رؤية القمر في السماء)، نصر الله بور جوادي: 69، مركز النشر الجامعي ـ طهران 1375هـ. شمسي.
(115) المصدر السابق نفسه.
(116) الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، البيهقي: 80، مصدر سابق.

[الصفحة - 194]


هي التي دعت الأشاعرة إلى حمل شعار «إنه يُرى بلا كيف». وإن كان الزمخشري وغيره وصفه بالجهل المقنع (117).
على أية حال، فأهل السنة من الأشاعرة قالوا بإمكانية وقوع الرؤية في الدنيا وقطعيتها في الآخرة، خلافاً لرأي الشيعة والمعتزلة من جهة، وخلافاً للكرامية والمجسمة من جهة اُخرى، من حيث نفي الأشاعرة للمكان والكيف عن تلك الرؤية.
بعد تقديم وجهات النظر في مسألة الرؤية، ننتقل إلى تحليل وتقييم مباني التفسير السلفي من خلال هذه المسألة، ونلخصها في النقاط التالية:
1ـ لقد وضع الدليل العقلي على الرؤية مفسري الأشاعرة من السلفيين أمام إشكاليات سديدة، تنبه لها بعضهم كالفخر الرازي، حيث عقّب على تقريره للدليل العقلي بصورة إجمالية بقوله: «وهذه الدلالة ضعيفة» (118)، وبعد استعراضه المناقشات العقلية غير المجدية انتهى للقول: «والمعتمد في المسألة الدلائل السمعية» (119).
ابن خلدون أيضاً انتقد الدليل العقلي بقوله: «وما يمكن الاستناد إليه في هذا الباب هو الأدلة النقلية كقوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} » (120). كما عدّ كل من السيالكوتي والجلبي في شرحهما على (مواقف الإيجي) حكم العقل قاصراً لا قيمة له في إثبات الرؤية (121)، وببطلان حكم العقل تعود الأصالة للدليل النقلي، فيستعيد النقل مكانته في التفسير السلفي، أي أن الاستدلالات العقلية لم تستطع تهميش دور النقل.
2ـ لم يحاول الأشاعرة السلفيون الاستشهاد بآية {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (الأعراف/143) في معرض إثباتهم لرؤية الباري رؤية منزهة عن الجهة والمقابلة؛ لأنهم كانوا بصدد توظيفها في غرض آخر هو إثبات إمكانية الرؤية في الدنيا، أما دليلهم في إثبات الرؤية القطعية في الآخرة فجاء من خلال الآية {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . لكن إمكان الرؤية الدنيوية منزهة عن الجهة والمقابلة يكاد يكون من الأمور المستحيلة، لذا فهناك فارق جوهري بين الرؤية الأُولى والثانية، بحيث إن وقوع أحدها لا يثبت إمكانية وقوع الأُخرى.
وعليه، أما أن تذعن الأشاعرة بمذهب المجسمة والكرامية أو أن يتراجعوا عن الاستشهاد بآية {رَبِّ أَرِنِي..} . وكان من بين الذين تمسكوا بهذه الآية: أبو الحسن الأشعري (122)، وأبو بكر الباقلاني(123)، ومحمد الغزالي، وعبد الكريم الشهرستاني (124).
________________________________________
(117) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري، 2: 156، نشر أدب الحوزة ـ قم.
(118) المحصّل، الفخر الرازي: 443، تحقيق حسين أتاي، انتشارات الشريف الرضي ـ قم 1420هـ.
(119) المصدر السابق: 446.
(120) لباب المحصل في اُصول الدين، ابن خلدون: 109.
(121) اُنظر: المواقف، عبد الرحمن الإيجي 8: 123، ط. مصر 1325هـ.
(122) رؤيت ماه در آسمان، بور جوادي: 90، مصدر سابق.
(123) الأوصاف، أبو بكر الباقلاني: 72، تصحيح أحمد حيدر، ط. بيروت 1407هـ.
(124) الملل والنحل، الشهرستاني: 365، مصدر سابق.

[الصفحة - 195]


3ـ لا ينكر أشاعرة الاتجاه السلفي دور العقل بوصفه عنصراً إدراكياً في تفسير الوحي، فإن منشأ حجية العقل في التفسير السلفي مؤسس على مبدأ السيرة العقلائية، أي أن الله تعالى أودع مقاصده في ظواهر الآيات بما يتلائم والحوار العقلائي، والسيرة العقلائية تقضي بضرورة الاعتماد على عقل المخاطب في إفهامه المراد.
إذن، فمتى ما كان فهم العقل في دائرة اُصول الخطاب فهو حجة. على أن طائفة من أهل السنة (أهل الحديث) كانت قد رفضت حجية العقل بهذا المعنى المتقدم (125)، ومع أن الأشاعرة يلومون على المعتزلة والشيعة عملهم بالعقل (126)، ويقدمون الصحيح من أقوال الصحابة إذا ما وقع التعارض بين النقل والعقل، وامتنع الجمع والتوفيق (127)، إلاّ أنهم وخلافاً لهذا التصور يعتقدون نوعاً ما بحجية العقل؛ لأنهم وعلى العكس من المجسمة والكرامية نفوا جسمية الحق ومكانيته بدليل عقلي (128)، ولم يكن لهم مناص في تفسير ظاهر {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وما ورد من روايات دالة على رؤية الحق تعالى، من إعمال التأويل في نفي الجهة والمكان عن تلك الرؤية.
4ـ يتحفظ السلفيون من التأويل بجميع أشكاله ما لم يستند إلى أقوال السلف، وبهذا يؤاخذون على المعتزلة والشيعة تأويلهم بعض الآيات، وكان ينبغي عليهم أن لا يغضوا الطرف عن بعض الحقائق، من قبيل: ما ذهبت إليه المعتزلة والشيعة في معنى النظر في الآية {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ونفي دلالته على الرؤية البصرية، وإذا كان ظاهر الآية لا يوحي بهذا، فلا معنى لاستبعاده. فمفهوم «النظر» عندهم ليس من الرؤية، بل ولا يلتقي حتى مع أبسط معانيها، وإنما هو بمعنى الانتظار والسبب في طريق الرؤية دون أن تستوفي العلة شروطها للتحقق (129).
إذن، ليس هناك تأويل يذكر لكي يؤاخذ عليه، وحتى إن كان التأويل موجوداً، فالأشاعرة أنفسهم قد خضعوا له ـ كما مر آنفا ـ في نفي الجهة والمكان، وعملوا بالتأويل العقلي في تفسير الآية ذاتها. وانصياعاً وراء ذلك أوّلوا بعض رواياتهم أيضاً.
5ـ يعتقد بعض السلفيين أن الله يهب المؤمنين في الآخرة باصرة تختلف عن العين المجردة في الدنيا، بحيث إنّ النظر بتلك الباصرة يُعدّل، أو هي ضرب من الرؤية القلبية منزهة عن المادة والجهة والمقابلة، وقد تنبّه التفتازاني لهذا الموضوع فقال فيه:
________________________________________
(125) اُنظر: مقدمة جامع التفاسير، الراغب الأصفهاني: 93، تحقيق أحمد حسن فرحات ـ الكويت 1405هـ؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1: 33، مصدر سابق.
(126) التفسير والمفسّرون، د. الذهبي 1: 387، مصدر سابق.
(127) المصدر السابق 1: 286.
(128) اُنظر مثلاً: المحصل، الفخر الرازي: 358، مصدر سابق.
(129) اُنظر: التبيان في تفسير القرآن، الطوسي 10: 197، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1402هـ؛ مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي 10: 602، مصدر سابق؛ الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى 1: 36، تحقيق السيد عبد الزهراء، مؤسسة الصادق ـ طهران 1410هـ؛ المغني في آداب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار 4: 198، مصدر سابق.

[الصفحة - 196]


«إن لزوم المقابلة والجهة ممتنع، وإنما الرؤية نوع من الإدراك يخلقه الله متى شاء، ولأيٍّ شاء»(130).
ومن هذا المنطلق راح الرازي يستنبط أدلته على وقوع رؤية الباري يوم القيامة من رواية لضرار بن عمرو الكوفي، قال فيها:
«وإنما يُرى بحاسة سادسة يخلقها الله يوم القيامة» (131)، كذلك نقل الطبري عن بعضهم خبر الحاسة السادسة التي بها سيُرى الباري (132).
وإذا سلمنا بأصل الفكرة، تعيّنت علينا العودة إلى تحديد اُطر الخلاف بين الفرق الإسلامية؛ لأن القول بهكذا نوع من الرؤية سيكون خارجاً عن دائرة الخلاف. وعليه، لن يكون خلاف الأشاعرة مع الشيعة والمعتزلة إلاّ خلافاً لفظياً وحسب. وإن كان الأشاعرة يتمسكون بظاهر الروايات في إثبات مدّعياتهم، والحال أن ظاهرها هنا ينص على العين المجردة (133)، الأمر الذي اضطرهم هذه المرة إلى العمل بتأويل ظاهر الروايات والعزوب عن العمل بظواهرها، كما حصل من قبل في ظاهر آية {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، مع أن اُسس فكر الأشاعرة السلفي لا يسمح بهذه الدلالات إطلاقاً.
6ـ أخيراً، لا صحة للإجماع المزعوم من قبل البعض بخصوص رأي السلف بوقوع رؤية الباري، وليس ذلك إلاّ محاولة منهم لتدعيم نظريتهم بآراء السلف (134). بل، وحسب الطبرسي (135)والقاضي عبد الجبار (136) كانت هناك طائفة من مفسري الصحابة والتابعين تنفي الرؤية جملة وتفصيلاً. فهذا الطبراني ينقل عن عكرمة، والضحاك، وعطا عن ابن عباس في معنى الآية فيقول: أي «إلى ثواب ربما ناظرة» (137)، ونقل الطبري عن أبي صالح ومجاهد بأسانيد متعددة عبارة: «لا يراه من خلقه شيء... يرى ولا يراه شيء» (138).
وكان مجاهد قد أخذ تفسير القرآن عن ابن عباس (ت/102هـ)، وعلى تفسيره اعتمد سفيان الثوري والشافعي والبخاري وأحمد بن حنبل (139)، وهذا رأي كل من منصور السدي، وعكرمة، وحسن البصري أيضاً (140).
كما روى أنس بن مالك عن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) قوله: «ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حدّ محدود، ولا صفة معلومة» (141)، وعن عائشة زوج النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) نقل البخاري ومسلم روايات نفت فيها حصول رؤية الرسول للباري ليلة المعراج مستشهدة بقوله
________________________________________
(130) شرح المقاصد، التفتازاني 4: 197، مصدر سابق.
(131) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، فخر الدين الرازي 13: 126، مصدر سابق.
(132) تفسير الطبري 7: 201ـ202، مصدر سابق.
(133) اُنظر: تفسير الطبري 4: 199، مصدر سابق؛ الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي 8: 350 ـ 360، مصدر سابق.
(134) شرح المقاصد، التفتازاني 4: 193، مصدر سابق؛ مجموع الفتاوى، ابن تيمية 2: 336 و6: 500 ـ 501، إعداد محمد بن عبد الرحمن العاصي.
(135) مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي 10: 602، مصدر سابق.
(136) المغني في آداب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار 4: 212، مصدر سابق.
(137) نقلاً عن المغني في آداب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار4: 214، مصدر سابق.
(138) تفسير الطبري 14: 192، مصدر سابق.
(139) اُنظر: مقدمة في اُصول التفسير، ابن تيمية: 9، مصدر سابق.
(140) اُنظر: التبيان في تفسير القرآن، الطوسي 4: 226، مصدر سابق؛ المغني في آداب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار 4: 214، مصدر سابق.
(141) اُنظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي 8: 350، مصدر سابق.

[الصفحة - 197]


تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} (142). كما روى مسلم والترمذي نفي ابن عباس للرؤية البصرية ليلة المعراج، وفسّرها بالرؤية القلبية (143)، وعن أبي ذر أيضاً أنه قال: سألت رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم): «هل رأيتَ ربك؟ قال: رأيتُ نوراً» (144).
تأسيساً على ذلك تبقى مسألة الرؤية من المسائل الخلافية بين السلف وفي مقدمتهم الصحابة، ولا مجال للتوفيق بين آرائهم المتعارضة أو وصف ذلك التعارض بالتنوع من جهة، والوحدة من جهة اُخرى.
* * *
________________________________________
(142) اُنظر: صحيح البخاري، المجلد 2 جزء 4: 83 والمجلد 3 جزء 6: 50، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت؛ صحيح مسلم 1: 159 ح 287 كتاب الإيمان، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(143) انظر: صحيح مسلم 1: 158 ـ 159 ح284 ـ 286؛ سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، كتاب التفسير ـ الحديث 3280، مصدر سابق.
(144) اُنظر: صحيح مسلم 1: 159، ح291 و292.

[الصفحة - 198]