البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ضروريّات الدين والمذهب دراسة في المنطلقات الفقهية لظاهرة التكفير القسم الأول

الباحث :  الشيخ محمّد هادي آل راضي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  46
السنة :  السنة الثانية عشر صيف 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  186
ضروريّات الدين والمذهب
دراسة في المنطلقات الفقهية لظاهرة التكفير
القسم الأول

الشيخ محمّد هادي آل راضي (*)

مقدّمة
لا إشكال عند جميع المسلمين في أنَّ من أنكر أصلاً من اُصول الدين التي بها قوام الإسلام كالأُلوهية والتوحيد والرسالة يعدُّ كافراً؛ وذلك لأنّ الإسلام عبارة عن الإقرار بهذه الاُصول، فإذا أنكرها ـ أو بعضها ـ خرج بذلك عن الإسلام وكان كافراً، وإنّما الإشكال والخلاف في غير ذلك من المسائل الاعتقادية والتي تسمّى بالضروريّات.
وحاصل الخلاف: أنّ إنكار هذه المسائل هل يوجب الكفر مطلقاً أو إنّه لا يوجب الكفر إلاّ مع العلم والالتفات إلى ثبوت ذلك الشيء في الدين المستلزم لتكذيب الرسالة؟ وأمّا مع الجهل بثبوت ما أنكره في الدين ـ سواء كان جهلاً مركّباً أم بسيطاً ـ فلا يوجب الكفر.
ومنه يتضح: أنّ محلّ الخلاف والنزاع هو منكر الضروري مع عدم التفاته إلى كون إنكاره مستلزماً لإنكار الرسالة ونحوها من اُصول الدين، وأمّا مع الالتفات والعلم فلا خلاف في كونه كافراً.
ويكتسب هذا البحث أهمّيةً خاصةً لعدّة اُمور:
أوّلاً: إنّ إنكار هذه الضروريّات وقع موضوعاً لعدد غير قليل من الأحكام
________________________________________
(*) أُستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، من العراق.

[الصفحة - 207]


الشرعية المهمّة في كلمات الفقهاء والتي ترتبط بالدماء والأعراض والأموال، مثل الحكم بالكفر والارتداد وما يترتّب على ذلك من آثار تظهر في باب النكاح والميراث وغيرها. هذا في إنكار ضروريّات الدين، وأمّا إنكار ضروريّات المذهب، فهو أيضاً مما يترتّب عليه الخروج عن المذهب وما يستلزمه ذلك من أحكام شرعية، مثل عدم جواز النيابة في العبادات وعدم صحّة صرف الزكاة ونحو ذلك.
ومن الواضح أنّ هذا البحث يتكفّل تحديد وتنقيح موضوع هذه الأحكام على ضوء أدلّتها.
ثانياً: إنّ هذا البحث لم يذكر في كلمات الفقهاء إلاّ بشكل متفرّق ومتناثر في أبواب مختلفة، فقد تعرّض له الفقهاء في كتاب الطهارة: بحث النجاسات، وكتاب الحدود: بحث ما يتحقّق به الارتداد وهكذا، بل أهمل كثير من الفقهاء هذا البحث حتّى في تلك الموارد، فلم يتعرّضوا له أصلاً كما هو الملاحظ في معظم كتب المتقدّمين من فقهائنا (قدست أسرارهم).
نعم، بعضهم ذكر الكافر في مقام تعداد النجاسات، إلاّ أنّه لم يتعرّض إلى تحديد المراد به، وهل يشمل منكر الضروريّات؟ وهكذا في كتاب الحدود فقد أهملوا البحث في أنّ إنكار الضروري هل يتحقّق به الارتداد أو لا؟
ويمكن توجيه عدم تعرّضهم لهذا البحث باكتفائهم بذكر الكفر في هذه الموارد؛ لوضوح دخول إنكار الضروري فيه ولو في الجملة، إلاّ أنّه بالرغم من ذلك تبقى بعض الثغرات التي لا تتضح بمجرّد ذلك، مثل أنّ إنكار الضروري هل هو سبب مستقلّ للكفر أو باعتبار استلزامه لإنكار الرسالة أو تكذيب القرآن ونحو ذلك؟ وتترتّب على ذلك ثمرات مهمّة ـ كما سيأتي.
ثالثاً: شيوع ظاهرة إنكار بعض الأُمور التي قد تعتبر من ضروريّات الدين أو المذهب، ممّا يستلزم استئناف هذا البحث وخصوصاً الجانب التطبيقي منه لغرض التمييز بين ما يعتبر من الضروريّات وما لا يعتبر، بل التمييز بين ضروريّات الدين وضروريّات المذهب، فكثيراً ما يقع الخلط والاشتباه بين هذه الأُمور، فلا بدّ من وضع ضوابط معيّنة مستفادة من الأدلّة لعدِّ الشيء من الضروريّات في الدين أو المذهب، مع بيان الفرق بينه وبين عناوين اُخرى قد تتداخل معه، مثل المجمع عليه والمعلوم ثبوته
________________________________________

[الصفحة - 208]


في الشريعة وغير ذلك.
رابعاً: حالة عدم الوضوح والاشتباه في هذه المسألة، فهناك إفراط من جانب حيث عدّت بعض الأُمور المعلومة ـ أو المجمع عليها ـ من ضروريّات الدين أو المذهب، وكأنّه يكفي في كون الشيء ضروريّاً ثبوته بالأدلّة أو الاتفاق عليه مع أنّ الميزان في كون الشيء ضروريّاً لا ينطبق على ذلك ـ كما سيأتي ـ وفي المقابل يوجد تفريط في جانب آخر من جهة إنكار ضرورة بعض الأُمور التي لا ينبغي الشكّ في كونها كذلك.
الإسلام والإيمان في النصوص الشرعية
هناك عنوانين متداولين في النصوص الشرعية وفي كلمات الفقهاء لا بدّ من توضيحهما وبيان الفرق بينهما، حتّى لا تختلط الأُمور في هذا البحث، وهما الإسلام والإيمان.
أمّا الإسلام فهو يطلق ويراد به أحد معنيين:
المعنى الأوّل: الإقرار الظاهري بالشهادتين فقط، وإن لم يقترن بالتصديق والإذعان القلبي، وهو المراد ظاهراً بقوله تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} (الحجرات: 14)، وهو المعبّر عنه في بعض الكلمات بالإسلام الظاهري، وتترتّب عليه جملة من الآثار الدنيوية، مثل حقن الدم والمال وجواز النكاح واستحقاق الميراث وغيرها من الأحكام المترتّبة في أدلّتها على مجرّد النطق بالشهادتين من دون لزوم التفتيش عن الباطن، وأنّه هل يعتقد ويؤمن واقعاً بما قاله وأقرَّ به أو لا، بل تترتّب هذه الآثار حتّى مع فرض عدم الاعتقاد، كما إذا علمنا أنّه أقرَّ بالشهادتين خوفاً من القتل.
نعم، يعتبر في الإسلام بهذا المعنى في مرحلة البقاء أن لا يصدر منه ما ينافي الإقرار بالشهادتين، وما يعدُّ بمثابة الإنكار لهما، وإلاّ كان خارجاً عن الإسلام.
وما يوجب الخروج عن الإسلام بعد الإقرار به أُمور، منها:
ـ الإنكار الصريح لأحد الأصلين (التوحيد، النبوّة) أو لكليهما.
ـ الإنكار الثابت بالملازمة لذلك، كما إذا أنكر ما يعلم أنّه من الدين وأن
________________________________________

[الصفحة - 209]


النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) قد جاء به.
ـ الإنكار الفعلي كسبِّ الله سبحانه أو النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، وكذا إلقاء المصحف في القاذورات ونحو ذلك مما يعدُّ استخفافاً واستهانةً بالأصلين.
وهل يعدُّ منها إنكار ضروري من ضروريات الدين وإن لم يكن عالماً بأنّه من الدين، كما إذا كان جاهلاً أو صاحب شبهة؟ وهذا هو موضوع هذا البحث.
ومنه يتّضح: أنّ ما يضادّ الإسلام بهذا المعنى هو الكفر بالمعنى المعروف، أي عدم الإسلام الثابت للمشركين ولأصحاب الديانات الأُخرى وللمرتدّ من المسلمين.
وهذا المعنى هو المراد غالباً من الإسلام في الروايات، مثل صحيحة فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «الإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء» (1).
ومثل صحيحة حمران، عن أبي جعفر(عليه السلام) حيث ورد فيها: «والإسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح...» (2) وغير ذلك من الروايات.
ومنه يظهر أنّ الإسلام بهذا المعنى يدخل فيه كلّ الفرق الإسلامية ممّن يُظهِر الشهادتين، إذا لم يصدر منه ما ينافي الإقرار بهما، وكذا يدخل فيه المنافقون وهم الذين يظهرون الإقرار بالشهادتين ويخفون الكفر.
المعنى الثاني: الإسلام الواقعي وهو التصديق والإيمان القلبي بالأُصول الأساسية للإسلام بما فيها الإمامة والولاية مع إظهار ذلك، ولعلّه المراد بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19)، ويترتّب على ذلك جميع الآثار الدنيوية للإسلام بالمعنى الأوّل، مضافاً إلى آثار أُخرويَة، مثل صحّة الأعمال واستحقاق الثواب عليها وعدم الخلود في النار ونحو ذلك.
فالمعتبر في الإسلام الواقعي ـ مضافاً إلى الإقرار بالشهادتين ـ أمران:
1 ـ التصديق والإذعان القلبي فلا يكفي مجرّد الإقرار باللسان.
2 ـ الاعتقاد بالاُصول الأساسية للإسلام كالإمامة والعدل فلا يكفي الاعتقاد بالتوحيد والنبوّة فقط.
ومنه يظهر: أنّ الاُصول الخمسة المعروفة كلّها اُصول دين واُصولاً للإسلام
________________________________________
(1) الكافي 2:26، ح 3.
(2) الكافي 2:26، ح 5.

[الصفحة - 210]


الواقعي، ويطلب من كلّ مكلّف الاعتقاد بها جميعاً، وأنّ الاعتقاد ببعضها فقط لا يصيّر المكلّف مسلماً واقعياً.
نعم، يجري على الألسنة التفريق بين الاُصول الخمسة بجعل بعضها اُصول دين كالتوحيد والنبوّة، وبعضها اُصول مذهب كالإمامة والعدل، إلاّ أنّ هذا ناظر إلى الإسلام بالمعنى الأوّل، حيث لا يعتبر فيه أزيد من الإقرار بالتوحيد والنبوّة ـ كما تقدّم ـ فيصحّ أن يقال إنّ اُصول الإسلام الظاهري ـ الذي تترتّب عليه الآثار الدنيوية السابقة ـ هي عبارة عن التوحيد والنبوة دون الإمامة والعدل.
إلاّ أنّ هذا بلحاظ مرحلة الظاهر وكيفية التعامل الدنيوي مع الآخرين ; وأمّا الإسلام الواقعي، الإسلام الذي يريد الله سبحانه وتعالى من عباده التديّن به، الإسلام الذي بشَّر به النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ـ وبلّغه إلى الناس ـ فهو شيء آخر وليست اُصوله وركائزه التوحيد والنبوّة فقط، بل الإمامة والعدل وسائر ما يطلب منّا الإيمان والاعتقاد به، فهي كلّها اُصول لهذا الدين.
وقد عرفت سابقاً أن الإسلام الظاهري لا يعتبر فيه الإذعان والتصديق القلبي، بل يكفي فيه مجرّد الإقرار بالشهادتين لساناً، ومن الواضح أنّ هذا لا يمكن أن يكون هو الدين الذي جاء به النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) من عند الله سبحانه وتعالى وليس هو الإسلام في قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19).
وأمّا الإيمان فهو يطلق على معان عديدة مذكورة في الكتب ذات الاختصاص، إلاّ أنّ المهمّ منها معنيان:
الأوّل: التصديق والإذعان القلبي الجوانحي في قبال التصديق الظاهري والإقرار اللساني، ولعلّه المراد بقوله تعالى: {وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات: 14)، وقد عرفت أنّ الإيمان بهذا المعنى ليس شرطاً في الإسلام الظاهري. نعم، هو شرط في الإسلام الواقعي.
الثاني: التصديق القلبي بالاُصول الأساسية مع الإقرار اللساني، وهو بهذا المعنى يرادف الإسلام الواقعي.
وقد اُطلق الإيمان واُريد به هذا المعنى في كثير من الروايات، مثل ما دلّ
________________________________________

[الصفحة - 211]


على أنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، كموثّقة سماعة، قال: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟
فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان.
فقلت: فصفهما لي.
فقال: الإسلام: شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس.
والإيمان: الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به.
والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة، إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن وإن اجتمعا في القول والصفة» (3).
وعن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان» (4).
وعن حمران بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «سمعته يقول: الإيمان ما استقرّ في القلب واُفضي به إلى الله عزّ وجلّ، وصدّقه العمل بالطاعة لله، والتسليم لأمره.
والإسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ، فخرجوا بذلك من الكفر وأُضيفوا إلى الإيمان.
والإسلام لا يشرك الإيمان، والإيمان يشرك الإسلام، وهما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد والمسجد ليس في الكعبة وكذلك الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان.
وقد قال الله عزّ وجلّ: {قَالَتِ الاَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ}; فقول الله عزّ وجلّ أصدق القول.
قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام والحدود وغير ذلك؟
فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد، ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقرّبان به إلى الله عزّ وجلّ.
قلت: أليس الله عزّ وجلّ يقول: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} (الأنعام:
________________________________________
(3) الكافي 2:25.
(4) الكافي 2:25.

[الصفحة - 212]


160)، وزعمت أنّهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ مع المؤمن؟!
قال: أليس قد قال الله عزّ وجلّ: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} (البقرة: 245)؟! فالمؤمنون هم الّذين يضاعف الله عزّ وجلّ لهم حسناتهم لكلّ حسنة سبعون ضعفاً ; فهذا فضل المؤمن، ويزيده الله في حسناته على قدر صحّة إيمانه أضعافاً كثيرةً، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير.
قلت: أرأيت من دخل في الإسلام أليس هو داخلاً في الإيمان؟!
فقال: لا، ولكنّه قد أُضيف إلى الإيمان وخرج من الكفر وسأضرب لك مثلاً تعقل به فضل الإيمان على الإسلام: أرأيت لو بصرت رجلاً في المسجد أكنت تشهد أنّك رأيته في الكعبة؟ قلت: لا يجوز لي ذلك.
قال: فلو بصرت رجلاً في الكعبة أكنت شاهداً أنّه قد دخل المسجد الحرام؟
قلت: نعم.
قال: وكيف ذلك؟ قلت: إنّه لا يصل إلى دخول الكعبة حتّى يدخل المسجد.
فقال: قد أصبت وأحسنت. ثمّ قال: كذلك الإيمان والإسلام» (5).
وعن فضيل بن يسار، قال: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء، والإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان» (6).
وعن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «قيل لأمير المؤمنين(عليه السلام): من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟
قال: وسمعته يقول: كان علي(عليه السلام) يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام.
قال: وقلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) فهو مؤمن.
قال: فلمَ يضربون الحدود، ولمَ تقطع أيديهم؟! وما خلق الله عزّ وجلّ خلقا أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن؛ لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين، وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين. ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً؟» (7). وغيرها مما ظاهره أن النسبة هي العموم المطلق وأنَّ الإيمان هو الإسلام
________________________________________
(5) الكافي 2:26.
(6) الكافي 2:25.
(7) الكافي 2:33.

[الصفحة - 213]


مع زيادة الاعتقاد والتصديق القلبي.
ومثل ما دلَّ على أنّ الثواب على الإيمان لا على الإسلام كمعتبرة القاسم الصيرفي، قال: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: الاسلام يحقن به الدم، وتؤدّى به الأمانة، وتستحلّ به الفروج. والثواب على الايمان» (8) لوضوح أنَّ الثواب لا يترتّب على مجرّد التصديق الباطني من دون الإقرار الظاهري، ولعلّ قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (النمل: 14) إشارة إلى ذلك.
ثمّ إنّه يظهر من جميع ما تقدّم أنّ الكفر في النصوص قد يطلق ويراد به عدم الإسلام بالمعنى الأوّل، فيشمل أصحاب الديانات الأُخرى والمشركين والمرتدّين عن الإسلام. وقد يطلق ويراد به عدم الإسلام بالمعنى الثاني، فيشمل كلّ من لم يعتقد بالعقائد الحقّة والاُصول الخمسة وإن كان معدوداً من الفرق الإسلامية، وقد استعمل في كلا المعنيين في النصوص الشرعية كثيراً.
والمعنى الأول للكفر هو المراد في هذا البحث، فيقع الكلام في أنّ منكر ضروري الدين هل يحكم بكفره وخروجه عن الإسلام أو لا؟
ثم إنّ هذا البحث يقع في فصول:
الفصل الأوّل
معنى الضروري في كلمات فقهائنا
لا يخفى أنّ هذا العنوان لم يرد في شيء من الأدلّة ـ كما سيظهر من خلال البحث ـ، كما أنّه لم يرد في كلمات المتقدّمين من الفقهاء. نعم، ورد في كلمات المتأخّرين منهم كالمحقّق العلاّمة (9)والشهيدين (10) ومن تأخّر عنهم (11).
قال المحقّق العاملي في مفتاح الكرامة: «ويدخل في الكافر كلّ من أنكر ضروريّاً من ضروريّات الدين. وقال في التحرير: الكافر كلّ من جحد ما يُعلم من الدين ضرورة سواء كانوا حربيّين أو أهل كتاب أو مرتدّين، وكذا النواصب والغلاة والخوارج. ومثله في الشرايع ونهاية الأحكام والإرشاد والذكرى والتذكرة والروض والروضة والحاشية الميسية وغيرها» (12). ومنه يظهر صحة ما تقدّم من عدم ذكر هذه
________________________________________
(8) الكافي 2:24 ح 1.
(9) تحرير الأحكام 1: 158.
(10) ذكرى الشيعة 1:115؛ شرح اللمعة 1:49.
(11) جامع المقاصد 1:364 و404؛ مجمع الفائدة والبرهان 7:524.
(12) مفتاح الكرامة 1:245.

[الصفحة - 214]


المسألة في كلمات الفقهاء المتقدّمين، وإلاّ لتعرّض لذلك في مفتاح الكرامة كما جرت عادته في كتابه من استقصاء كلمات وآراء جميع الفقهاء الذين يمكن معرفة آرائهم. مضافاً إلى أنّنا راجعنا ما أمكن مراجعته من كتب فقهائنا القدماء فلم نجد لهذه المسألة ذكراً فيها.
وقال المحقّق في الشرايع: «الكافر وضابطه من خرج عن الإسلام أو من انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة كالخوراج والغلاة» (13).
والكلام يقع تارةً في تحديد معنى الضروري بلحاظ كلمات الفقهاء المتعرّضين لذلك، واُخرى بلحاظ الروايات الواردة في المقام.
أمّا كلمات الفقهاء، فالذي يظهر من مجموعها أُمور:
الأمر الأوّل: إنّ المراد بالضروري ما يكون ثبوته ضروريّاً بحيث لا يحتاج إلى إقامة دليل وبرهان عليه، فالشيء إنّما يكون ضروريّاً إذا كان ثبوته في الدين واضحاً وبيّناً على نحو لا يشعر الإنسان أنّه بحاجة إلى إقامة دليل لإثباته، مثل أصل وجوب الصلاة والصيام.
الأمر الثاني: إنّ وصول الشيء إلى حدّ الضرورة بهذا المعنى لا يكون دفعة واحدة، فإنّ كل ما ينسب إلى الدين لا بدّ في البداية أن يدلَّ دليل على ثبوته، ولولا ذلك الدليل لما أمكننا معرفة ثبوت ذلك بشيء في الدين، وفي هذه المرحلة (مرحلة أصل الثبوت) لا يتميّز الضروري عن غيره، بمعنى أنّ الجميع يحتاج ثبوته في الدين إلى دليل وبرهان، وإنّما يفترق الضروري عن غيره في المراحل اللاحقة، فتكتسب بعض الأُمور الدينية صفة الضرورة لأسباب عديدة منها:
ـ اهتمام الشارع به اهتماماً كبيراً يظهر من خلال التأكيد عليه.
ـ قيام الأدلّة الواضحة عليه (القرآن، السنّة) من جهة السند والدلالة.
ـ دلالة الأدلّة على كون الشيء من ركائز الدين وشعائره وأنّ المسلم لا يكون مسلماً إلاّ إذا اعترف به وأقرَّ به.
ـ اتفاق الأدلّة وعدم وجود المعارض.
ـ اتفاق آراء العلماء وعدم وجود مخالف.
________________________________________
(13) شرائع الإسلام 1:53.

[الصفحة - 215]


ـ اتساع دائرة نشر المعارف الدينية والترويج لها بمختلف الوسائل وشيوعها بين المسلمين.... الخ.
وهذه الأُمور كلاًّ أو بعضاً توجب ارتكاز الثبوت في أذهان المسلمين، بحيث يصير الشيء ضروري الثبوت عندهم ولا يحتاج إثبات كونه من الدين إلى أي برهان ودليل، وإن لم يكن كذلك سابقاً. وهذا ما يفسّر لنا ظاهرة أنّ بعض الأُمور الضرورية في زمان الأئمة(عليهم السلام)لم تكن كذلك في زمان الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، فإنّ زمانه زمان بيان هذه المعارف وتعليمها للمسلمين ومن هذه المرحلة لا تصل هذه المعارف غالباً إلى حدّ الضرورة.
نعم، بمرور الزمان وتقادم العهد تترسّخ بعض هذه المعارف في أذهان المتشرّعة لأسباب عديدة حتى تصل إلى ذلك الحدّ، وهذا يكون عادة في زمان الأئمة ، بل يمكن فرض أنّ بعض الضروريّات في هذا الزمان قد لا تكون كذلك في زمان الأئمة(عليهم السلام)، فضلاً عن زمان الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)وذلك إذا لاحظنا أمرين:
1 ـ كون بيان الأحكام تدريجيّاً.
2 ـ التقيّة والخوف من بيان بعض المعارف ونشرها.
ثمّ إنّه يظهر مما تقدّم أنّ عكس الأسباب السابقة يمكن أن يكون مؤشّراً على عدم الضرورة، فإجمال الأدلّة وإبهامها وتضارب النصوص والأقوال قد تكون علامة على عدم كون الشيء ضروريّاً، ومن هذا القبيل مسألة الجبر ومسألة التجسيم وغيرها.
ويتضّح ممّا تقدم: أنّه يمكن فرض التأثير معكوساً، بمعنى أنّ مضيّ الزمان وتقادم الوقت كما يمكن أن يؤثّر في بعض الأُمور الدينيّة ويجعلها من الضروريّات، فيما إذا اقترن ببعض العوامل السابقة، كذلك يمكن فرض أنّ مضيّ الزمان قد يؤثّر في سلب صفة الضرورة عن بعض الأُمور الدينية التي عُدّت من الضروريّات، وهذا يتّبع الظروف السياسية والاجتماعية وغيرها التي تحدث في ذلك الزمان، ممّا يؤثّر في انحسار الترويج والتبليغ لتلك المعارف الدينية، بل قد يوجب الظرف الخاصّ إنكار بعض المعارف أو إهمالها وعدم ذكرها في الكتب والمحافل، وهذا يؤثّر بطبيعة الحال في أصل ضرورة الشيء وبداهته، فيصبح الأمر الضروري محتاجاً إلى إثبات وبرهان،
________________________________________

[الصفحة - 216]


بل قد يؤدّي في بعض الأحيان إلى التشكيك في أصل ثبوته وإنكاره، وهذا الأمر طبيعي جدّاً فإنّه في ظلّ تلك الظروف التي يمنع فيها من نشر المعارف الإسلامية إلاّ بالمقدار الذي تسمح به السلطة الحاكمة ـ وهي لا تسمح عادة إلاّ بما ينسجم مع أفكارها وعقائدها ويصبّ في تحقيق أغراضها الخاصّة ـ في ظلّ ذلك ينشأ جيل من المسلمين يتلقّى معلوماته الدينية من السلطة، ولا يتحرّك إلاّ في دائرة المسموح به من قبلها، ممّا يلقي ظلالاً من الغموض وعدم الوضوح بالنسبة إلى كثير من الأُمور الدينية ويحقّق بالتالي جميع أو بعض ما قلناه.
ولذا، ذكر الشيخ الأنصاري(قدس سره): «إمكان منع أنّ الولاية من ضروريّات الدين مطلقاً، إذ لا يستفاد ذلك من تلك الأخبار الدالّة على أنّه بني الإسلام على خمس (14)، ولا يلزم من أهمّيتها في نظر الشارع صيرورتها ضرورية فربّما يتحقّق في الأهمّ من دواعي الاستتار وموانع الانتشار ما لا يتحقّق في غيره» (15)، فوصول الشيء إلى حدّ الضرورة لا يرتبط بأهمّيته عند الشارع، ولا بقيام الدليل عليه، بل بوصوله إلى درجة من وضوح ثبوته في الشريعة بنظر عامّة المسلمين، بحيث يشعرون أنّهم ليسوا بحاجة إلى الاستدلال على إثباته وكونه من الدين.
الأمر الثالث: إنّ ضروريّات الدين أو المذهب ليست على مستوى واحد من البداهة والوضوح وضرورة الثبوت، بل هي تختلف في ذلك. فإنّ بعض المصاديق قد يكون على درجة عالية من البداهة والضرورة، مثل أصل وجوب الصلاة، وحرمة شرب الخمر في حين أنّ بعضاً آخر منها لا يكون كذلك، وإن كان ضروريّاً، مثل المعراج ونفي الحيّز والحدّ عنه سبحانه وتعالى ونحو ذلك، وهذا الأمر ممّا ينبغي الالتفات إليه عندما يراد إثبات صفة الضرورة لشيء أو سلبها عنه، فلا ينبغي المسارعة إلى إنكار ضرورة شيء لمجرّد مقايسته إلى بعض الضروريّات الواضحة، ورؤية عدم كونه في نفس المستوى من البداهة.
الأمر الرابع: إنّ مفهوم (الضروري) لا يساوق مفهوم (المعلوم)، ولا (المجمع عليه)، فإنّ المعلوم والمجمع عليه قد لا يكون ضروريّاً، مثلاً حرمة الغيبة وحرمة الزواج بالمرأة في العدة ووجوب الوفاء بالشرط في العقود، ونحو ذلك ـ فقد تكون معلومة،
________________________________________
(14) إشارة إلى الروايات التي تعدّ الولاية من الخمس التي بني عليها الإسلام، بل من أهمّها. راجع الكافي 2:18 باب دعائم الإسلام.
(15) كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري(قدس سره) : 353.

[الصفحة - 217]


بل مورد اتفاق العلماء، إلاّ أنّها لا تكون ضروريةً بمجرّد ذلك، بل تبقى بحاجة إلى إثبات واستدلال.
إلاّ أنّ الكلام يقع في أنّ النسبة بينهما هل هي العموم المطلق أم من وجه؟ وبعبارة اُخرى، هل يمكن افتراض الضروري غير معلوم ولو عند البعض ولا مجمعاً عليه؟ فإن أمكن ذلك كانت النسبة عموماً من وجه، وإلاّ كانت عموماً مطلقاً.
والصحيح: أنّه لا بدّ من تحديد معنى الضروري حتى يمكن الجواب عن السؤال. وفي المقام احتمالات:
1 ـ إنّ المراد به: ضروري الثبوت عند الجميع.
2 ـ إنّ المراد به: ضروري الثبوت عند المعظم وعامّة المسلمين.
3 ـ إنّ المراد به: ضروري الثبوت عند طائفة خاصّة من المسلمين.
ومن الواضح أنّ الضروري على الاحتمال الأوّل يلازم المعلوم والمجمع عليه، إذ لا يمكن اِفتراض أن يكون الشيء ضروريّاً بهذا المعنى ولا يكون معلوماً أو متّفقاً عليه، بخلافه على الاحتمالين الآخرين حيث يمكن فرض الانفكاك، فإنّ كونه ضروري الثبوت عند المعظم أو عند طائفة خاصّة لا ينافي عدم كونه معلوماً عند بعض الناس لشبهة أو نحوها.
والظاهر: أنّ أصحّ الاحتمالات هو الثاني؛ وذلك لأنَّ العلماء اتفقوا على إمكان إنكار الضروري لعدم العلم به، بل لاعتقاد عدم الثبوت لشبهة ونحوها مع بقائه على صفة الضرورة، واختلفوا في أنّ هذا الإنكار مع عدم العلم هل يوجب الكفر أم لا، بل ستعرف أنّ هذا هو عمدة البحث في المقام. وكذا افترضوا الجهل به نتيجة البعد عن مراكز المعرفة والعلم أو لكونه حديث العهد بالإسلام، بل يمكن فرض ذلك في بعض المكلّفين أوائل بلوغهم وهكذا، وكلّ ذلك يدلّ بوضوح أنّ الضروري عند العلماء لا يساوق المعلوم عند الجميع، وأنّه قد لا يكون معلوماً لدى بعض الناس من دون أن يؤثّر ذلك في ضروريّته.
وهذا وإن كان لا يثبت إلاّ عدم إرادة الاحتمال الأوّل ويبقى الأمر مردّداً بين الاحتمالين الثاني والثالث، إلاّ أنّ الاتفاق على عدم كفر منكر الضروري بالمعنى الثالث يوجب بطلان هذا الاحتمال، ولذا لا يحكم بكفر منكر ضروريّات المذهب مع أنّها
________________________________________

[الصفحة - 218]


واصلة إلى حدّ الضرورة في ذلك المذهب.
وبعبارة اُخرى: إنَّ كون الشيء ضروريّاً ليس من الصفات الواقعية الثابتة للشيء في حدّ نفسه، وبقطع النظر عن أي شيء آخر، وإنّما هي صفة تنشأ من وضوح ثبوت ذلك الشيء في الشريعة وعدم شعور الإنسان بالحاجة إلى الاستدلال على ثبوته بأدّلة، ومن الواضح أنّ هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرة الناس إلى ذلك الشيء ووضوحه وشيوع ثبوته شرعاً عندهم، فكلّ ما يكون كذلك يكون ضروريّاً واقعاً وإن كان المنكر لا يراه ضروريّاً، بل قد ينكر أصل ثبوته في الشريعة; إذاً لا معنى لتوصيف حكم من الأحكام بأنّه ضروري إلاّ إذا فرض كونه بنظر الناس واصلاً إلى حدّ من الوضوح والشيوع، بحيث لا يحتاج إلى إقامة أدلّة على ثبوته، ولذا لا معنى لتقسيم الأحكام ـ بقطع النظر عن وضوح الحكم عند الناس وعدم الاحتياج لإثباته إلى الاستدلال ـ إلى أحكام ضرورية وغير ضرورية، وإنّما يصحّ هذا التقسيم بلحاظ ما ذكرناه من كيفيّة ثبوتها عندهم، فبعض الأحكام تصل إلى حدّ الضرورة حسب نظر الناس، وبعضها لا يصل إلى هذا الحدّ.
وبناءً على هذا نطرح هذا السؤال: هل يكفي في كون الشيء ضروريّاً كونه كذلك بنظر طائفة خاصّة من المسلمين أو لا بدّ أن يكون كذلك بنظر عامّة المسلمين؟
ويكتسب هذا الأمر أهميّةً إذا لاحظنا الواقع الخارجي لطوائف المسلمين، حيث ترى بعض الطوائف ثبوت أُمور معيّنة ووصولها إلى حدّ الضرورة، في حين أنّ باقي الطوائف تخالفها في أصل ثبوت تلك الأُمور أو في ضرورتها، وحينئذ إذا أنكر الإنسان ذلك الأمر مع علمه بكونه ضروريّاً عند تلك الطائفة فهل يحكم عليه بالكفر؟
من الواضح أنّه بناءً على الأوّل ـ أي أنّ كون الشيء ضروريّاً يكفي فيه أن يكون كذلك بنظر طائفة خاصّة وإن لم يكن كذلك بنظر عامّة المسلمين ـ يتعيّن الحكم بكفر هذا المنكر وخروجه عن الإسلام؛ لأنّه أنكر أمراً ضروريّاً مع علمه بذلك بخلافه على الثاني.
ولا يخفى عدم إمكان الالتزام بالأول لوضوح بطلان لازمه وهو تكفير سائر طوائف المسلمين الّذين ينكرون بعض ما هو ضروري الثبوت عند طائفة خاصة، ولذا اتفقت كلمات علمائنا (رضی الله عنهم) (16) على أنّ إنكار بعض ضروريّات المذهب لا يوجب
________________________________________
(16) بُلغة الفقيه 4:196؛ كتاب الطهارة للسيّد الخوئي 2:86.

[الصفحة - 219]


الخروج عن الإسلام، مع أنّه بناءً على الأوّل ينبغي الحكم بكفر المنكر لذلك.
وهذا دليل واضح على صحّة الفرض الثاني، وأنّ الضروري الذي يكون إنكاره موجباً للكفر هو ما يكون كذلك عند عامّة المسلمين لا عند طائفة منهم.
وعليه فالظاهر من كلمات الفقهاء أنّ النسبة بينهما عموم من وجه.
ومنه يظهرُ: أنّه لا بدّ من إضافة قيد إلى التعريف السابق للضروري، فيقال هو: (ما يكون ضروري الثبوت عند عامّة الناس) بحيث يعرف ذلك ـ في الظروف الاعتيادية ـ كلّ من عايش الدين وتلبّس به وإن لم يكن من أهل الاختصاص في علوم الشريعة.
وأمّا إذا كان ضروري الثبوت عند طائفة خاصّة فلا يعدُّ من ضروريّات الدين، بل من ضروريّات المذهب إذا كان ضروريّاً عند عامّة أهل ذلك المذهب. ولعلَّ منه وجوب الخمس في فاضل المؤنة وإباحة الزواج المنقطع ونحو ذلك، فإنّها وإنْ كانت ضرورية الثبوت بمعنى عدم الحاجة إلى إقامة دليل عليها إلاّ أنّها ليست من ضروريّات الدين التي تترتّب عليها الأحكام الآتية.
والحاصل: أنّ الضروريّات هي الأُمور الواضحة الثبوت في الدين أو المذهب، عند عامّة أهل ذلك الدين أو المذهب، بحيث يعرف ذلك الإنسان العادي المنتمي إلى ذلك الدين أو المذهب فضلاً عن المتخصّص في علوم الشريعة، فالضروريّات متقوّمة بأمرين:
1 ـ أن تكون ضرورية الثبوت بالمعنى المتقدّم.
2 ـ أن تكون كذلك عند عامّة الناس لا عند طبقة خاصّة منهم.
الأمر الخامس: الظاهر عدم الفرق في الضروريّات بين الأحكام الفرعية وبين الأُمور الاعتقادية، فإنّ كلاًّ منهما إذا وصل إلى حدّ الضرورة بالمعنى المتقدّم دخل في محلّ البحث.
نعم، بعض المسائل الاعتقادية معتبرة في الإسلام بحيث يكون عدم الإقرار بها مطلقاً موجباً للكفر، مثل التوحيد والرسالة وهي خارجة عن محلّ الكلام، إذ لا إشكال في كون منكرها كافراً سواء كان عالماً أم جاهلاً وسواء أنكرها لشبهة أم لا. وهكذا مسألة المعاد بناءً على ما هو الصحيح من أنّ الإقرار به معتبر في الإسلام وأنّه من
________________________________________

[الصفحة - 220]


المسائل التي يجب تحصيل الاعتقاد والإذعان به وجوباً مطلقاً لا معلّقاً على حصول العلم والمعرفة.
نعم، بناءً على الرأي الآخر ـ الذي يرى أنّها ليست معتبرة في حقيقة الإسلام ـ يدخل المعاد في الضروريات ويشمله البحث الآتي.
ويظهر من جميع ما تقدّم: أنّ الضروري له معنى واحد سواء اُريد به ضروري الدين أو ضروري المذهب وإن كانا يختلفان في دائرة الثبوت، فالأوّل دائرته الدين ويراد به الأُمور الدينية الثابتة عند عامة المسلمين، في حين أنّ الثاني دائرته المذهب ويراد به الأُمور التي تعتبر من مختصاته، مثل حلّية المتعة ووجوب الخمس في فاضل المؤونة ونحو ذلك.
كما أنّهما يختلفان بلحاظ الآثار الشرعية المترتّبة على إنكار الضروري كما سيأتي.
معنى الضروري بلحاظ الروايات
قد عرفت أنّ عنوان (الضروري) لم يرد فيها أصلاً. نعم، ورد عنوان (الفرائض) و(الكبائر) وأن من جحدها كان كافراً، وتعرّضت بعض الروايات إلى ذكر بعض المصاديق مثل الصوم والحجّ وسيأتي مفصّلاً استعراض هذه الروايات.
والظاهر: أنّ ما يستفاد من هذه الروايات في مقام تحديد معنى (الضروري) ـ الذي يحكم بكفر منكره ـ لا يختلف عمّا استفيد سابقاً من كلمات الفقهاء، إذ لا يبعد أنّ ذكر (الفرائض) و(الكبائر) في تلك الروايات إنّما هو باعتبارها من مصاديق مفهوم (الضروري)؛ لأنّ المراد بالفرائض: الواجبات الإلهية العبادية التي فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده مثل الحجّ والصلاة والصوم والزكاة ونحو ذلك، ومن الواضح أنّ نظر الروايات إلى أصل ثبوت هذه الفرائض في مقام الحكم بكفر منكرها، ولا شكّ أنّ أصل ثبوتها ـ وبقطع النظر عن تفاصيلها ـ من الأُمور الضرورية التي لا تحتاج إلى إقامة دليل.
وهكذا الحال في الكبائر، فإنّها عبارة عن المحرّمات التي نصّ وتوعّد عليها
________________________________________

[الصفحة - 221]


في الكتاب الكريم أو السّنة القطعية، ولا يبعد أنّ ذلك يستوجب وصولها إلى حدّ الضرورة في الغالب بحيث يكون إنكار أصل حرمتها إنكاراً لضروري من ضروريات الدّين، مثل حرمة شرب الخمر والزنا وقتل المسلم ونحو ذلك.
نعم، بعض هذه الأخبار مطلقة بمعنى أنّها تدلّ على كفر الجاحد لكلّ ما ثبت في الدين وإن لم يكن من الضروريّات، مثل رواية عبد الرحيم القصير، حيث ورد فيها: «ولا يخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال أن يقول للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال ودان بذلك...» (17)، فإنّ مقتضى إطلاقها أنّ إنكار حلّية كلّ حلال وحرمة كلّ حرام يوجب الكفر وإن لم يكن ضرورياً وسيأتيالتعرّض إلى هذه الرواية في الفصل الثالث، وسيظهر لك عدم صحة الرواية سنداً ودلالة.
* * *
________________________________________
(17) الكافي 27:2، ح 1.

[الصفحة - 222]