البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ضروريات الدين دراسة فقهية في معايير الكفر والإسلام

الباحث :  الشيخ سليمان علي رضا
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  46
السنة :  السنة الثانية عشر صيف 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  326
ضروريات الدين
دراسة فقهية في معايير الكفر والإسلام

الشيخ سليمان علي رضا (*)

في هذا البحث دراسة مختصرة تهدف إلى تحديد موضوعٍ، لطالما كثر فيه السجال، قديماً وحديثاً، خصوصاً أنَّ هذا العنوان (منكر الضروري)وقع موضوعاً لكثير من الأحكام الشرعية، والقضايا الفرعية، التي تتفرع على كون حكمِ منكر الضرورة حكمَ المرتد تماماً، فيلحقه حكمُ النجاسة، وحرمةُ إنكاحه، أو اعتدادُ زوجته، وحرمةُ توريثه، ووجوبُ إقامةِ الحد عليه مباشرة، أو بعد استتابته ثلاثة أيام، مبدؤها من حين الإنكار، و ما إلى هنالك من أحكام المرتد.
فإن إنكار الضروري تارة يكون عن إصرارٍ من المنكِر، وعلمه بضرورية المنكَر، وبأنه ممّا جاء به النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، كما لو أنكر شخصٌ حرمةَ شرب الخمر، ووجوبَ الصلاة والصيام والحج و...إلخ، وتارة مع الجهل البسيط، وهو الذي يعترف بجهله وأنه يجهل الأمر الفلاني، أو المركب، وهو الذي يجهل ولا يعلم بنفسه أنه يجهل فيصرُّ على جهله اعتقاداً بأنه يعلم.
ففي صورة الإنكار مع العلم بضرورية المنكَر، وبأنه تكذيب للنبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، هنا أطبق الفقهاء على أنه يصدق عليه أنه مرتد، لوضوح أن إنكارَ الضروري ـ مع العلم بضرورية المنكَر والعلم بالملازمة المذكورة ـ مساوقٌ لإنكار أصل من الأصول الثابتة عند المسلمين، وهو إنكار الرسالة؛ لأن كل من ينكر هذه الأُمور، يقول إن ما جاء به النبي كذب، والعياذ بالله، وهذا واضح أنه يجحد نبوةَ النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، فهو خارج عن الإسلام
________________________________________
(*) باحث في الحوزة العلمية، من لبنان.

[الصفحة - 267]


خروجَ المحدِث بالأكبر من بيت الله عز وجل، وحكمُهُ عند الفقهاء وجوبُ القتل، إما بعد الاستتابة أو بدونها، وضرورة إبانته عن زوجته، وتقسيم أمواله، وعدم توريثه، وما إلى هنالك من الأحكام الأُخرى.
أهمية البحث
ولكن في مقابل هذا التوجه العام، يعترض بعضهم على هذا الحكم، بأنه ينافي وثيقةَ حقوق الإنسان, أو ينافي حريةَ المعتقد، على أنه قد جاء في الكتاب العزيز قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256) (1)، وآيات الجزية وغيرها، وما نصت عليه الدساتير العقلائية والوضعية العالمية، أن الإنسانَ حرٌّ في اختيار المعتقد الذي يرتئيه، فما بال الفقهاء يقومون بما ينافي صريح كتاب الله والمبادئ العقلائية ـ بحسب دعوى المعترض ـ؟! وهل الإسلام دين العنف والقسر والقهر على العقيدة أم ماذا؟!
جاء في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما نصه: «لما كان تناسي حقوق الإنسان، وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر، انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة، ويتحرر من الفزع والفاقة... فإن الجمعية العامة تعلن عن اعتبار لائحة حقوق الإنسان، شعاراً مشتركاً لجميع الشعوب والأمم...» (2).
ثم إن المسألة أوسع من صورة العالِم، وتشتد الحملة على قول الفقهاء ـ إن ثبت أنهم يقولون بالتعميم لجميع الصوَر، كما نسب إليهم واشتهر عنهم ـ في صورة شمول حكمهم للجاهل؛ لأن المعترض قد يسلِّم جدلاً أن العالِمَ بما ينكره محكوم بالارتداد، لكن الجاهل بأن ما ينكره من الضروريات، أو أنه يلازم قولُه هذا، تكذيبَ الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) ما هو الموجب للحكم عليه بوجوب القتل في الجملة؟ أوَليس هذا ينافي المعذوريةَ الثابتة للجاهل عند الفقهاء خصوصاً لو كان جهله عن قصور أو كان جهلاً مركباً؟ أوَليس هذا إجحافاً بحق حرية المنكِر، لأنه يحق له اختيار المعتقد الذي يريده؟
هذه الاستفهامات كلُّها بحاجة إلى جواب مقنِع، يقلع كل شبهة من ذهن المستشكل ويثبت المطلوب بطريقة السير في المقدمات نحو النتيجة، لا من طريق أخذ
________________________________________
(1) وكذلك قوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29)، وقوله تعالى أيضاً: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية: 21 ـ 22).
(2) حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، الغزالي، الصفحات الأخيرة.

[الصفحة - 268]


النتيجة أولاً ثم البحث عن مقدماتها بشتى الوسائل، وبما أن الكلام يقع في صورة غير العالم، ويشمل الجاهل مطلقاً وأصحاب الشبهات، فإن هذا سوف يجرنا للحديث مفصلاً عن كل الصور المفترضة في المقام.
تحديد ضروري الدين
بما أن النزاع في مثل هكذا قضايا يتمحور حول محورين أساسيين:
الأول : تحديد المصطلح وضبطه ضبطاً دقيقاً.
والثاني: مدرك الحكم وسعته، كأن يكون مشروطاً أو غير مشروط خاصاً في الدنيا أو هو عام للدنيا أيضاً. ونحن سوف نبدأ بتحديد المصطلح ثم نتعرض للمدرك تباعاً.
لكن اختصاراً سوف نمر على تحدي المنكِر بسرعة لعدم الثمرة الكبيرة من الخلاف فيه، ولأن كل المشكلة تكمن في تحديد نفس معنى الضرورة، أما المنكر فالخلاف بين اللغويين لا يخرج عن معنى الجحود. فقد ذكر صاحب النهاية في كتابه غريب الحديث: «المنكر مِن أَنكَر يُنكِر إِنكَاراً ونَكِرهُ يُنْكِرُهُ نَكْرا ً فهو مَنكُورٌ، واستَنكَرَهُ فهو مُستَنكِرٌ، والنَّكِيْر: الإِنكارُ، والإِنكارُ: الجحودُ» (3)، وفي لسان العرب: «الإِنكارُ: الجحودُ» (4)، وكذلك في مجمع البحرين أيض:« {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} (النمل: 14)، أي جحدوا بالآيات بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان، والجحود هو الإنكار مع العلم. جَحَدَ حَقَّهُ جُحْداً وجُحُوْداً أي أَنكَرَهُ مَع عِلْمِهِ بِثبُوتِهِ» (5).
أولاً ـ الضروري في اللغة
قال الزبيدي موضحاً معنى الضرورة: «وقال الليث: الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول: حملتني الضرورة على كذا وكذا، قلت: فعلى هذا الضرورة والضرة كلاهما اسمان، فكان الأولى أن يقول المصنف: كالضرة والضرورة، ثم يقول: وهي أيضاً الحاجة... الخ كما لا يخفى» (6)، ومثله الفراهيدي (7).
ولكن هذا المعنى لا يناسب ما نحن فيه قطعاً، فالمرجع في ذلك يمكن أن
________________________________________
(3) النهاية في غريب الحديث والأثر 5: 114.
(4) لسان العرب 5: 333.
(5) مجمع البحرين1: 345 باب الجيم، مادة جحد.
(6) تاج العروس 3: 349.
(7) كتاب العين 7: 7.

[الصفحة - 269]


نجده في كتب المنطق، عند تعريف القضايا الضرورية بالبديهية وأمثالها، وسيأتي ذكره إن شاء الله.
ثانياً ـ الضروري في الروايات
رأيت أن أعرض أولاً الأحاديث المعتبرة عندنا، ثم نعقبها ببعض الروايات من طرق أهل السنة.
1 ـ من روايات الشيعة:
لم يرد في الروايات تحديدٌ لمعنى الضروري، فإن هذا العنوان قد لا تجده في نص حديثي بخصوصياته، بل ذُكِر بعنوان الفرائض، أو الكبائر، وبعض الروايات ذكرت بعض المصاديق فقط، من قبيل الصوم و الصلاة والحج والزكاة.
فمن هذه الروايات: صحيح الكناني عن أبي جعفر قال: «... فما بال من جحد الفرائض كان كافراً؟» (8). وصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: (من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الإسلام ) (9).
والمقصود بالفرائض هنا الفرائض الخمسة، كما نصت عليه عدة من الروايات (10).
وهناك رواية أعطت ضابطة مطلقة لأدنى ما يكون فيه العبد كافراً، كما في رواية العجلي عن أبي جعفر(عليه السلام): «سألته عن أدنى ما يكون به العبد مشركاً, قال(عليه السلام): (من قال للنواة إنها حصاة، وللحصاة إنها نواة، ثم دان به)» (11).
والمعيار ليس في مجرد القول، إنما هو في التدين به، واتخاذه شريعة في مقابل الشريعة الغراء، ومثله روايات عبَّر بدل الكافر بالمشرك.
2 ـ من روايات أهل السنة:
لقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم) (12)، وأخرج ابن جرير وابن المنذر
________________________________________
(8) وسائل الشيعة، ج1، باب 2 من أبواب مقدمة العبادات، ح13.
(9) المصدر السابق، ح10.
(10) المصدرالسابق، ح 35.
(11) اُصول الكافي، باب الشرك من كتاب الإيمان والكفر، ح1.
(12) زاد المسير 2: 282.

[الصفحة - 270]


وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا...} يقول: (من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق) (13)، وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم): (من جحد آيةً من القرآن ، فقد حلَّ ضربُ عنقه)(14).
ومجموع هذه الأحاديث ومثلها كثير، لا ينافي ما استخرجناه من الضابطة في تحديد الضروري.
ثالثاً ـ الضروري في الاصطلاح
إن المتقدمين من الفقهاء والمتكلمين، لم يتعرضوا لذكر الضروري وحكمِهِ على وجه خاص، إلاّ أن الشيخ الصهرشتي، تلميذ السيد المرتضى والشيخ الطوسي، عندما عرف الارتداد ذكر هذه العبارة: «الارتداد هو أن يظهر الكفر بالله تعالى وبرسوله والجحد بما يعم به فرضُه والعلمُ من دينه بعد إظهار التصديق» (15)، كما أن أبا الصلاح الحلبي، أشار إلى مثله في قوله: «الردة إظهار شعار الكفر بعد الإيمان بما يكون معه منكر نبوة النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) أو بشيء من معلوم دينه كالصلاة والزكاة والزنا وشرب الخمر، فأما ما يعلم كونه كافراً له باستدلال من جبر أو تشبيه أو إنكار إمامة إلى غير ذلك فليس بردة وإن كان كفراً» (16).
ومقتضى كلامهما أن المسألة كانت مطروحةً بين المتقدمين، لكنها لم تكن بتلك السعة التي تجدها عند المتأخرين، والملاحظ أيضاً أن كلمة «ضرورة» لم ترد في كلامهم، إنما ورد المعلوم من الدين، أو ما يعم الفرائض، أو ما يستلزم تكذيب الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم).
وأما من تأخر عمَّن ذكرنا، فما نجده في كلماتهم وأبحاثهم بعد توسع دائرة البحث، استفاداتٌ عديدةٌ:
منها: يقول المقدس الأردبيلي(رحمه الله)في فوائده ـ وهو يعطي ضابطة لتحديد المراد من الضروري ـ: «إن المراد بالضروري الذي يكفَّر منكره، الذي ثبت عنده يقيناً كونه من الدين، ولو بالبرهان ولو لم يكن مجمعاً عليه» (17).
ويقول السيد الخميني(رحمه الله): «فإن معنى كون الشيء ضرورياً عقلاً أنه واضح لا
________________________________________
(13) فتح القدير 2: 45.
(14) سنن ابن ماجه 2: 848 و 849 ح 2539.
(15) الصهرشتي، وهو الشيخ أبو الحسن سليمان بن الحسن، فقيه ثقة جليل، له تصانيف كثيرة منها شرحه على كتاب النهاية لأستاذه الشيخ الطوسي، وقبس المصباح.
(16) الكافي في الفقه: ص 311.
(17) مجمع الفائدة والبرهان 3: 199.

[الصفحة - 271]


يحتاج إلى الدليل لدى العقول، ككون الواحد نصف الاثنين، وكون الكل أعظم من جزئه» (18).
وله عبارة اُخرى يقول فيها: «إن الضروريات هي عبارة عن اُمور واضحة بديهية عند جميع طبقات المسلمين» (19).
ولنجله السيد مصطفى كلام آخر هنا في تعليله لكفر منكر الضروري، قال فيه: «لأن معنى الضروري هو وضوح الحكم في محيط الشرع والإسلام» (20).
ويقول السيد الگلپايگاني: «أنه ليس له اصطلاح خاص وراء اصطلاحه الجاري في المنطق، فأهل المنطق قسموا القضايا إلى قسمين: نظرية، وضرورية ـ إلى أن يقول ـ وأما الثانية: أعني الضرورية من القضايا، فهي ما لا حاجة في إثباته إلى ترتيب قياس، وإقامة دليل وبرهان مثل قولنا: النار حارة، وعلى هذا فكل حكم اعتقادي، أو عملي في الإسلام، الذي لا حاجة لنا في إثبات كونه من الإسلام، وأنه من برامجه، إلى دليل فهو ضروري نظير الصلاة، بل ومثل الختان فإنه في الشريعة الإسلامية من الأُمور التي صارت ضرورية الثبوت، يعلم كل من دخل في حوزة الإسلام، بل وغير المسلمين أيضاً أنه من دين النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)» (21).
وهذا ما وجدته أيضاً عن العلامة المجلسي: «ما لا يكون فيه اختلاف بين جميع الأُمّة من ضروريات الدين التي لا يحتاج في العلم بها إلى نظر واستدلال» (22).
والملاحظ أن عنوان الضروري عنوان متحرك، وأن الضوابط هنا متعددة، من المجمع عليه، أو المعلوم بالتواتر، أو الذي ثبت يقيناً عند المنكر، أو ما كان واضحاً لا يحتاج إلى دليل، وما كان بديهياً.
ونحن من عبارة السيد الگلپايگاني نجد أن هناك مجالاً للنقاش في استخراج الضابط، فإن المقدس الأردبيلي وسَّع الدائرة إلى كل يقيني عند المنكِر، حتى ولو كان نظرياً بالأصل، وهذا طبعاً يخالف باقي الضوابط المذكورة مخالفة واضحة، لكن القدر المتيقن هو ما كان واضح الثبوت في الشريعة الحنيفة.
والجامع لكل هذه التعريفات إلى هنا أن نقول إن الضروري هو: «كل ما يكون
________________________________________
(18) السيد الخميني، كتاب الطهارة 1: 124.
(19) المصدر السابق 3: 325.
(20) السيد مصطفى الخميني، كتاب الصوم، شرحه على العروة الوثقى: 35.
(21) نتائج الأفكار 1: 179.
(22) بحار الأنوار 2: 239.

[الصفحة - 272]


معلومَ الثبوت»، وبهذه العبارة نجمع بين التعاريف السالفة الذكر.
معيارية العنوان
ولكن هنا سؤال مهم جداً، وهو: معلوم الثبوت عند مَن؟
الظاهر بعد التتبع والاستقصاء، أن العلماء اتفقوا على إمكان إنكار البعض لأمر ضروري لعدم العلم به لشبهة تعتريه، بل يمكن لفئة كاملة أن تنكر إحدى الضروريات لشبهة تعتري الجميع، وعلى كل حال فإنكار بعض لشيء ضروري لا يخرجه عن كونه ضرورياً.
وهذا يعني أنه ليس الملاك في كون الشيء ضرورياً هو ثبوته عند الجميع؛ لأن إنكار بعض لا يُخرج الشيء المعلوم عن كونه ضرورياً، فلسنا بحاجة إلى اعتقاد الكل أو الجميع به.
كما أنهم فرضوا أن الجهل بالضرورية عند بعض الأفراد، كحديثي العهد بالإسلام أو من يعيش في بلاد بعيدة عن المناخ الديني والشرعي والمراكز العلمية، أو عند حديثي البلوغ خصوصاً عند النساء على ما هو المشهور، من أن سن البلوغ عندهن يبدأ من تسع سنين قمرية، فهذا الجهل من قبل هؤلاء، لا يؤثر في كون الشيء ضرورياً ـ كما أنه لا يترتب عليهم أحكام المنكِرـ وهذا يعني أيضاً أنه ليس الملاك في كون الشيء ضرورياً هو اعتقاد الجميع به.
تحديد المفهوم علمياً
إذن، لا يكفي كونه ضرورياً عند فئة خاصة, لاتفاق الفقهاء على أن إنكار المسلم لضروري من ضروريات فئة خاصة كضروريات المذهب الآخر ـ أي مذهبٍ كان ـ لا يخرجه عن الإسلام بالمعنى الظاهري، كيف؟ وإلاّ لزم أن تكفِّر كلُّ فرقة غيرَها ممن ليس على مسلكها، وتحصر الإسلام بنفسها، وهذا ما لا نراه إلاّ من بعض شذَّاذ المسلمين، الذين تربُّوا على لغة التكفير التي نهى عنها رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)نهياً قاطعاً.
________________________________________

[الصفحة - 273]


وعليه، يتعين معنى الضروري بما يلي: «أن يكون الشيء معلوم الثبوت واضحاً عند عامة المسلمين» حتى يترتب عليه أحكامه، ولذا فلا حاجة لاعتقاد الجميع حتى يكون ضرورياً، كما أنه لا يكفي أن يكون ضرورياً عند فئة خاصة أو مذهب خاص، حتى تثبت ضروريَّتُه في الدين، وما يؤيد هذا قول السيد الخميني(رحمه الله): «وأما كون شيء ضرورياً واضحاً، لقيام الأدلة الواضحة عليه لدى طائفة خاصة دون اُخرى، لا يوجب ضروريته لا في الأُمور العقلية، ولا في الأُمور الشرعية، فإن كثيراً من الأحكام الشرعية ضرورية واضحة لدى الفقهاء، أو صارت ضرورية لدى المتعبدين، أو في بلدة غلب فيها العلماء، مع أنها ليست ضرورية واضحة عند جميع المسلمين كمطهريَّة المطر والشمس» (23)، هذا كله على مستوى ضروري الدين، وسيأتي الكلام إن شاء الله عن تحليلات أعمق لاستخراج المفهوم بعد تحديد ضروري المذهب.
رابعاً ـ الضروري عند علماء أهل السنة
لم يختلف معنى الضروري عند علماء أهل السنة عنه عند علمائنا، فإن كثيراً منهم حدده بالواضح الذي يعرفهم الخاص والعام، بحيث لا يحتاج إلى إقامة دليل يدل عليه، فمن الضوابط التي طرحت في كتبهم وجدت قول: «(وقوله: معلوم من الدين بالضرورة) أي معلوم من أدلة ديننا علماً يشبه الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال، بحيث استوى في معرفته العامة والخاصة» (24).
وقول ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار عند توضيحه لتعريف الكافر بعد كلمة(تكذيبه): «...أي عدم الإذعان والقبول، لما علم مجيئه به(صلي الله عليه و آله و سلم) ضرورة: أي علماً ضرورياً لا يتوقف على نظر واستدلال» (25).
والذي تصدى أيضاً بصراحة لتوضيح معنى الضروري ابن عبد البر بقوله: «فحدُّ الضروري ما لا يمكن العالم أن يشكك فيه نفسه ولا يدخل فيه على نفسه شبهة ويقع له العلم بذلك قبل الفكرة والنظر» (26).
فالذي يظهر من هذه التعاريف أنه لا يخالف تعريفَه عندنا، وما وصلنا إليه من أن الضروري هو: «أن يكون الشيء معلوم الثبوت واضحاً عند عامة المسلمين»
________________________________________
(23) السيد الخميني، كتاب الطهارة 1: 124.
(24) البكري الدمياطي، إعانة الطالبين 4: 152.
(25) ابن عابدين، رد المحتار 4: 407.
(26) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله 2: 37.

[الصفحة - 274]


فالعبارات شتى وحسنه واحد.
وهناك من اكتفى بذكر المصاديق فقط دون التعرض للضابطة، ولعل ذلك لوضوح المعنى بين المسلمين، وإن كان هذ الاحتمال لا يخلو من بعد.
قال العلامة الشيخ البهوتي الحنبلي في بيان مصاديق الكافر: «وأتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدين أو امتهن القرآن أو أسقط حرمتَه» (27).
وقال العلامة ابن فرحون المالكي: «ومن استخف بالقرآن أو بشيءٍ منه أو جحده، أو حرفاً منه أو كذب بشيء منه، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته، على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهذا كافر بإجماع أهل العلم» (28).
وقال القاضي عياض: «واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيءٍ منه أو سبَّهما أو جحده، أو حرفاً منه، أو آية أو كذَّب به، أو بشيءٍ منه، أو كذب بشيءٍ مما صرح به فيه، من حكمٍ أو خبرٍ أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته، على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم، بإجماع قال الله تعالى: {... وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (*) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} » (فصلت: 41 ـ 42) (29).
وقال الشيخ العلامة أبو بكر محمد الحُسيني الحُصني الشافعي: «وأما الكفر بالفعل فكالسجود للصنم والشمس والقمر وإلقاء المصحف في القاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس وكذا الذبح للأصنام والسخرياء باسم من أسماء الله تعالى، أو بأمره أو وعيده أو قراءَة القرآن على ضرب الدف» (30).
خامساً ـ بين الروايات وكلمات الفقهاء
لا شك أن الفقهاء الأمناء لا يجزمون بأمرٍ قبل أن يكون ذا مدرك وحجية، تجوِّز لهم الإسناد إلى الشريعة، خصوصاً في اُمور الدماء والأموال والمناكح، والمقام يتسع ليشمل كلَّ هذه الموارد، فإنهم حكموا على منكر الضروري بالارتداد، وما يتعبه من لوازم، والحال أن هذا العنوان «منكر الضروري» لم يرد في الروايات بهذه الصراحة، وبهذا الوضوح كما قدمنا، فهل يمكن القول: إنهم تصيدوا هذا العنوان تصيداً من الروايات؟ وكيف ذلك؟
________________________________________
(27) العلامة البهوتي، الروض المريع في شرح زاد المستقنع، (ص 682) تحت باب حكم المرتد.
(28) العلامة ابن فرحون، تبصرة الحكام 2: 214.
(29) القاضي عياض في شرحه على الشفاء (2: 549) نقلاً عن التبيان في آداب حملة القرآن للنووي: ص164.
(30) العلامة أبو بكر الشافعي، كفاية الأخيار: ص494.

[الصفحة - 275]


إذن، إن أهم ما ينبغي أن يقال هنا هو: هل يستفاد من عبارتي الفرائض أو الكبائر أو استحلال الحلال ـ التي يحكم بكفر منكرها، كما جاء في بعض الروايات ـ نفس المراد من الضروري المذكور في كلمات الفقهاء، والذي رتبوا عليه آثار الكفر أو هناك معنى آخر؟
ونحن لو لاحظنا هذه الروايات وما فيها من التوسعة لعنوان المسألة، ككلمة «كل شيء يجره الإنكار والجحود...إلخ» ولا يخفى أن لفظة «كل» تفيد عموم مدخولها وكلمة شيء من أوسع المفاهيم وأعمِّها، وأيضاً عبارة:لو أن العباد إذا جهلو....إلخ فالرواية لم تذكر المتعلَق أي: «إذا جهلوا» جهلوا ماذا؟ فالمتعلَّق هنا محذوف، وحذف المتعلق يفيد العموم، فلا يبقى للعنوان اختصاص بخصوص الكبائر أو الفرائض، بل كل ما يجحده المرء، وقد ثبت عنده يقيناً أنه من الدين فهذا الجحود يخرجه من الإسلام إلى الكفر.
إن قلت: ولكن هذا يلغي خصوصية العنوان، بحيث يصير إنكار كل أمر بمجرد ثبوته عند المنكرـ ولو لم يكن ضرورياً، ولو لم يكن مجمعاً عليه ـ مستلزما للارتداد والخروج عن الدين، فما هي خصوصية كونه ضرورياً بعد ذلك؟
قلت: لا شك أنه يصبح العنوان عاماً جداً، لكن قد تبين في الجهة المتقدمة كيفية تضييق العنوان وحصول المطابقة بين كلمات الفقهاء وظهور الروايات.
فتلخَّص: أن عنوان منكر الضروري مفردة متصيدة من الروايات الواردة عن أئمة الهدى(عليهم السلام)، وما استخرجه فقهاء السنة والشيعة، من أن الضروري هو ما ثبت عند المعظم هو القول الحق والصحيح وهو: «أن يكون الشيء معلوم الثبوت واضحاً عند عامة المسلمين» وليكن هذا على ذكر منك، فإننا سنحتاجه كثيراً في ما يأتي.
سادساً ـ ضروري المذهب
وعلى هامش هذا الأصل يأتي الكلام نفسه في ضروري المذهب إذ لا يجب أن يكون ضرورياً عند جميع هذه الفئة حتى تثبت ضروريته، كما أنه لا يكفي أن تثبت ضروريته عند جماعة خاصة من هذا المذهب أو هذه الفئة، لنفس التوجيه المتقدم في ضروري الدين، فالمعيار في ضروري المذهب هو: «أن يكون الشيء معلوم الثبوت
________________________________________

[الصفحة - 276]


واضحاً عند عامة أهل المذهب»، ولا يشترط أن يكون ضرورياً عند جميع أهل المذهب حتى تثبت ضروريته، كما أنه لا عبرة بكونه ضرورياً عند فئة خاصة أو توجه خاص في هذا المذهب.
مراتب الضروري
الجدير ذكره هنا أن الضروريات ليست على وتيرة واحدة من الوضوح، بل هناك ضروريات في أعلى مراتب الوضوح، بحيث لا يشك اثنان في ضروريتها، كوجوب الصوم، والصلاة والحج، وأمثالها مما لا يتعرض للتعتيم والإخفاء والتبديل على أيدي أصحاب القدرة على ذلك، وهناك ضروريات تتأثر بعوامل كثيرة تدعو إلى تبدلها عبر الزمن من الضروري الشديد الوضوح إلى ضروري أقل وضوحاً، ومنه إلى أمر لا يعرفه إلاّ القليل ممن يطَّلع على العلوم أو يمارسها، مثلاً إن إيمان عليّ(عليه السلام)وجهاده وفضله وسابقته في الإسلام، كان في الربع الأول من بديهيات الدين والإسلام، لكن لعبت الأيدي الآثمة في تغيير هذه المفاهيم من الجلاء الواضح إلى الشك في إسلام عليّ روحي فداه، في بعض الأزمنة، أو الشك في كونه يصلي ولو عند بعض الفرق الإسلامية.
عوامل تشكل الضروري
هناك عوامل كثيرة تدخل في تبلور وتولد معنى الضروري، أو تتدخل في قيمية المفهوم الضروري، بحيث يصير ـ تدريجياً لا دفعة ًـ من المفاهيم التي لا يمكن تخطيها بسهولة، فمن قبيل هذه العوامل يمكن عد اُمور كثيرة نذكر أهمها:
العامل الأول: اهتمام الشارع بها لدرجة يجعلها ذات محورية أساسية وقيمة عالية وغرض لا يرضى الشارع بتفويته في مجالي الاعتقاد والعمل، وقد يحصل ذلك بملاحظة أساليب عديدة من قبيل:
أولاً: نحو ثبوتها في الشريعة بحيث إن بعضها يكون مستفاداً من صريح آية أو آيات في مقابل بعض الأُمور المستفادة من ظهور رواية واحده مثلاً، ولا إشكال أن الأول يمتلك من القوة والأهمية ما لا يمتلكه غيره، وذلك يكشف عن أن الشارع قد
________________________________________

[الصفحة - 277]


اهتم به بشكل قوي.
ثانياً: لسان الدليل الدال عليها بحيث يكون واضحاً وصريحاً في جعلها من أساسيات الدين وركائزه التي يتعلق بها غرض المولى، ولا يرضى بتفويته بوجه من الوجوه.
ثالثاً: قوة ثبوتها الكمي أي أن بمراجعة بسيطة لمدارك هذا الأمر، ومظانِّ وجود الأدلة عليه، تجد أن هذه الأدلة ثابتة بحد التواتر وبلا معارض بحيث يصير الحكم المأخوذ منها ذا قدرة ثبوتية عالية لا يمكن التشكيك بها في عصر من العصور.
العامل الثاني: اتفاق الفقهاء على حكم ما وعدم وجود من يشكك في ثبوت وأهمية هذا الحكم قديماً وحديثاً، الأمر الذي يكشف بوضوح عن أن من يشكك في ثبوته لا يكون إلاّ عن شبهة أو إنكار للواضحات، وليس اتفاق الفقهاء علة تامة لصيرورة الحكم ضرورياً، إنما يمكن الاعتماد عليه كعامل مساعد لصيرورة الحكم ضرورياً، فإن الخلاف بين الفقهاء على حكم يعتبر مضعفاً كيفياً لقيمة الحكم ومضيقاً لدائرة اتساعه وثبوته في أذهان المتشرعة.
العامل الثالث: تواطؤ الأدلة منطوقاً ومفهوماً على هذا الحكم وعدم وجود معارض له في مظانِّ وجود مدرك الحكم، بخلاف الحكم الذي قد تجد له معارض وبعد الجمع العرفي أو إعمال الصناعة الاستدلالية يصل إلى حكم شرعي أو وظيفة عملية.
ويمكن أن يكون العاملان الثاني والثالث كاشفين عن اهتمام الشارع بالحكم الذي صار بالتدريج ضرورياً، فيكونان من قبيل النتيجة المترتبة على الأول والواسطة الإثباتية له، في حين يكون العامل الأول واسطة ثبوتية لهما.
كما أنه يمكن أن يكون العامل الثالث مترتباً على الثاني، فإن تواطؤ الأدلة بالنحو المذكور يمنع من وجود رأي مخالف عند استقراء الأدلة وإعمال الصناعة الصحيحة.
وهذا يعني أن هذه العوامل ليست بعرض بعضها، إنما هناك نحو ارتباط واضح بينها، حيث إنها لو اجتمعت وتعاضدت لأدى هذا الاجتماع إلى صيرورة الحكم ضرورياً.
________________________________________

[الصفحة - 278]


العامل الرابع: وهو اتساع دائرة انتشار هذا الحكم ورواجه بشكل قوي مما يؤدي إلى عدم التشكيك به، ولكن هذه الضابطة التي ذكرت هنا ينبغي علينا أن نقنن مواردها بحيث لا يكون أي انتشار أو أي رواج داعياً لضرورية بعض الأحكام التي قد لا تكون ضرورية أصلاً فنقول:
ليس كل انتشار لحكم يعني أنه ضروري خصوصاً في هذا العصر، فإن كثيراً من الأُمور التي لا تكون ضرورية حتماً ويقيناً تقوم بعض الجهات أو التيارات بالترويج لها ونشرها خصوصاً مع امتلاك قدرة إعلامية هائلة فتظهر بعض المسائل كأنها من أول الضروريات، والحال أنها لا تتعدى الحكم العادي، بل قد تكون اُكذوبة أو بدعة ابتدعها بعضهم فتصير بالترويج من أول الواجبات!
دواعي خفاء الضروري
كما هناك عوامل لبروز بعض المفاهيم وصيرورتها ضرورية، كذلك هناك عوامل كثيرة تأتي لتبدل بعض الضروريات عما هي عليه، فقد يكون هناك بعض الأحكام التي يهتم بها الشارع لكن لا يُقدَّر لها أن ترى النور، إما لأن الناس لم يصلوا بعد إلى مرحلة فهمها ودركها على حقيقتها فيؤخر بيانها لعدم تحقق المصلحة في تعبد الناس بها، رغم اهتمامه بها، أو لعدم وجود الظروف الزمنية الملائمة لطرحها إلى العقل الجمعي، أو لأنهم يدركونها فيخفونها ممانعةً ورفضاً للحقائق، كما لو كانت على خلاف ما تريده السلطة الحاكمة، فتحاول أن تطمس حقائقَ كان ينبغي أن تنتشر وتتضح للناس، وتظهر للملأ على حقيقتها، لكن قد تقوم هذه السلطات بإخفاء كل ما يتعلق بذلك الضروري الواضح، وتحاربه وتضلل الناس, وتقمع العمل به, بل إنها قد تُدين كل من تتّهمه بالاعتقاد به، فهذه الحالة الضاغطة مع هيمنة السلطات الجائرة يتعاونان على طمس كثير من الحقائق، خصوصاً عندما تكون القوة الإعلامية بيدهم والسلطة والبلاط بيدهم، والكتاتيب والعمال والأقلام كلها بيدهم، وكتابة التاريخ بيدهم فيتحول ـ من جراء كل هذا ـ الحقيقي إلى خيال, والمعروف إلى منكَر، والمنكَر إلى معروف، والبدعة إلى شرعي والشرعي إلى بدعة, فيصير ديناً يدان به، وكما يقال: «الناس على دين ملوكها».
________________________________________

[الصفحة - 279]


فالذي نريد أن نقوله هو: إن كثيراً من الأحكام التي تنتشر بنفسها بدون أي ترويج أو استثمار لها لا في مجال سياسي ولا اجتماعي خاص ولا في معايير عرقية أو قومية أو ثقافية ضيقة، بل تجد نفسها تتسع لوحدها لما فيها من المقومات القيمية والأبعاد الشرعية لاتساعها، فتجدها تروج في المجتمع بدون مساعدة أحد كما أنها تروج بدون ممانعة أحد ولا مخالفة أحد، فهذا هو المعيار الذي يمكن الاعتماد عليه في تحديد الضروري من خلال هذه القيمة الشرعية.
الضروريات مفاهيم متحركة
إن الربط الوثيق بين التعريف وما نحن فيه الآن يدعونا للإشارة إلى هذه النقطة، وهي أننا عرَّفنا الضروري بأنه: ما كان واضح الثبوت عند عامة المسلمين، وهذا الأمر يختلف باختلاف الأعصار والأزمنة, فقد يروج بين عامة المسلمين مفهوم في عصر بحيث يصير من الوضوح بمكان، لا يمكن رفع اليد عنه، ويؤدي إلى جعله من اُسس الدين، والحال أنه قد يكون من البدع الداخلة على التعاليم الحنيفية الشريفة، وبالعكس قد يتراجع بين المسلمين أسهم وضوح بعض المفاهيم بحيث لا يمكن ثمَّة تمييزة، من شدة ادلهمام الضبابية التي وضعتها القوة الحاكمة أو المهيمنة على الثقافة العامة والفكر الجمعي.
ومن هنا تأتي لا بديَّة تقييد مسألة اتساعها بالعوامل التي ذكرناها أولاً، والتي تؤدي إلى تولُّد وتبلور مفهوم الضروري، فما لم يكن الاتساع كاشفاً عن كونها حقيقة دينية، تدخل في أغراض الشارع، لا يعتبر الارتكاز المتشرعي ذا قيمة في ضرورية المفهوم، مهما كان هذا الاتساع، فليس كل اتساع ورواج لمفهوم عند عامة المسلمين يعطي المفهوم قيمة شرعية ودينية، نعم في مسألة الخفاء، يكفي خفاؤها عن الذهن المتشرعي العام، وعدم قدرته على إدراكها بوضوح إلاّ بعد تدخل المناظرات والمناقشات و... فهذا يكفي في خروج الضروري عن ضروريته كما أسلفنا.
________________________________________

[الصفحة - 280]