البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإسلام الأعمى والإسلام المستنير قراءة في خطاب الإمام الخامنئي

الباحث :  أ. مختار الأسدي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  46
السنة :  السنة الثانية عشر صيف 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  207
الإسلام الأعمى والإسلام المستنير
قراءة في خطاب الإمام الخامنئي

أ. مختار الأسدي (*)

في يوم المبعث الشريف في 17 رجب 1426هـ، وضمن خطاب مهم بحضور كوادر الجمهورية الإسلامية وممثلي البلدان الإسلامية وبعض طبقات الشعب، وحول دور الأنبياء في إصلاح البشرية وتبليغ رسالات الله، ألقى سماحة السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية في إيران كلمة مهمة أشار فيها إلى ما صار يُسمى اليوم (الصحوة الإسلامية)، ودور هذه الصحوة في إذكاء الهوية الإسلامية وزيادة ظاهرة اعتزاز المسلمين بانتمائهم الإسلامي.
وحين يؤكّد القرآن الكريم أن أنبياء الله ـ سلام الله عليهم أجمعين ـ حملوا الرسالة الإلهية وأبلغوها إلى بني الإنسان، أشار السيد الخامنئي أن الهدف الأساسي من بعثتهم هو توحيد الناس كل الناس باتجاه الخالق الكريم، وصولاً لأسمى معاني العلم والكمال في هذه المسيرة اللاحبة نحوه سبحانه، وتفسيراً لقوله عزّ من قائل:
{قُلْ آمَنَّا بِالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (عمران: 84).
نقول: ضمن خطاب مهم وقراءة دقيقة وواعية في هذا المضمون أشار السيد الخامنئي، إلى ما سماه (القافلة الإنسانية) التي سارت وتسير تحت رعاية الأنبياء، حيث قال سماحته: «لقد أخذ كل نبي بالقافلة الإنسانية وحرسها من الضياع، واتّجه بها نحو
________________________________________
(*) باحث وناقد، من العراق.

[الصفحة - 240]


الكمال والعلم والأخلاق والعدالة؛ ليبلغ بها خطوة متقدمة نحو الاقتراب من مراحل الكمال الإنساني... » مضيفاً:
«إنّ جميع العلوم التي حصلت عليها البشرية على طول التاريخ إنما نشأت عن تعاليم الأنبياء، وإن السجايا الإنسانية التي تساعدها على مواصلة الحياة، والفضائل الأخلاقية بأجمعها إنما هي من تلك التعاليم».
وهذا يعني أن الأنبياء(عليهم السلام)، هم الذين حوّلوا الحياة الإنسانية إلى ميدان كريم للرقيّ والتكامل الإنساني، وهم الذين تستهدي بهم البشرية اليوم في كل مفردة من مفردات كدحها نحو الله سبحانه؛ لتشييد صرح المبادئ السامية والخلق الرفيع...
ومن المسلّمات البديهية أن أعظم هؤلاء الأنبياء وخاتمهم هو نبي الإسلام محمد(صلي الله عليه و آله و سلم)، الذي جاء رحمة للعالمين، واختُتمت به رسالات الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
من هذه المنطلقات، جاء خطاب السيد علي الخامنئي، ومن هذه النقطة راح سماحته يحمّل المسلمين مسؤولية تبليغ هذه الرسالة الخاتمة، بعد أن يئس الناس أو يكادوا ييأسون من جميع المدارس والنظريات التي عجزت عن تحقيق حلم الإنسانية العظيم في تكريس القيم المعنوية، وإرساء معالم العدالة في هذه البشرية المعذبة.
يقول السيد الخامنئي في هذا الخطاب:
«إن المثقفين في العالم الإسلامي الذين سئموا من الأفكار الشيوعية والمدارس الغربية، بدؤوا يعودون إلى الإسلام، وإنّ أفئدة الشعوب الإسلامية أخذت تهفو إلى الإسلام بشكل لم يسبق له مثيل طوال القرون الماضية... ».
ولكن أيّ إسلام، كان يقصده السيد الخامنئي؟ وهذا هو الموضوع الأهمّ في عموم خطابه، هل هو (الإسلام الأعمى) أو (الإسلام المتخلّف) ـ على حدّ تعبيره ـ أم إسلام الحرية والنور «الذي يُعارض الدكتاتورية ويُعارض تبعية الشعوب للقوى الأجنبية؟».
إنه بالتأكيد الإسلام الثاني، إسلام الحرية والعدالة واحترام القيم والمعنويات، وليس «إسلام الشخصيات الإرهابية التي يُظهرها أعداء الإسلام في العالم الإسلامي»، على حدّ تعبيره أيضاً.
________________________________________

[الصفحة - 241]


الإسلام الذي يمثله الإسلاميون الحقيقيون، وليس الإسلاميون الذين «يقومون بالجرائم في العراق، ويمارسون الإجرام ضد المسلمين باسم الإسلام، والذين يكرّسون اهتمامهم في بث الفرقة بين المسلمين تحت الغطاء القومي والطائفي... هؤلاء لايمكنهم أن يكونوا نموذجاً للصحوة الإسلامية أبداً». حسب تعبيرات السيد الخامنئي، الذي أضاف:
«إن الذين يسعون إلى إظهار الإسلام للعالم الغربي من خلال عدد من وجوه الفئات المتخلّفة والغريبة، يدركون أنّ هذا لا يمثّل الحقيقة»، أي لا يمثل حقيقة الإسلام. إن الإسلام الحقيقي هو «إسلام الفكر والوعي والعمق والتجدّد وتقديم الحلول للمشاكل الإنسانية، وليس الإسلام المتخلّف والأعمى والبعيد عن الحرية الفكرية» ... «إنه إسلام التفكير الحرّ، والتقدم العلمي، والمعرفي، والاهتمام بحقوق الإنسان واختياراته، والعطف على أفراد الإنسانية جميعهم.. إنه إسلام العقل والفكر والعمل المشرق، وإسلام الفضائل»، وليس إسلام «العابسين بوجه الدنيا الذين يكفّرون بعضهم ويُهاجمون آخرين تحت غطاء القومية الطائفية وغير ذلك».
إذن، هذا هو بيت القصيد الذي أراد السيد الخامنئي أن يصله، أو أراد إيصال المستمعين إليه في هذا الخطاب، وبكلمات وعبارات دقيقة ومركّزة ومحسوبة ومسؤولة، انطلقت على لسان الشخصية الأُولى في الجمهورية الإسلامية في إيران، وبلا أي تردّد أو مواربة أو تهيب.
فهناك نماذج عديدة صارت تُطرح باسم الإسلام ويتحمّل مسؤوليتها أو تبعاتها المسلمون بلا إنصاف؛ إسلام أعمى، وإسلام متخلّف.. إسلام طائفية، وإسلام قومية، وإسلام تحجّر بعيد كل البعد عن الوعي المعرفي.. إسلام جرائم وقتل وتكفير، لا يكرّس إلاّ الفرقة والفتنة الطائفية بين المسلمين.
يقابله في الجهة الأُخرى إسلام علمٍٍ ووعي وحريةٍ وفكر، إسلام عقلٍ وفضائل، إسلام عدلٍ ونور وتجدّد يعطف على كل أبناء البشرية، ويسعى لإيجاد الحلول لجميع مشاكلها، وإنقاذها من كل ألوان البؤس والحرمان والعذابات.
نعم، هناك إسلامان: إسلام مُشرق يحمله مخلصون متنورون صادقون واعون، وإسلام أعمى يحمله متخلفون وعابسون وقتلة ومجرمون.
________________________________________

[الصفحة - 242]


إسلام حرّ عظيم، يرى فيه معتنقوه أن الإنسان أخو الإنسان «إن لم يكن أخ له في الدين فإنه نظير له في الخلق»، كما يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) (1)... وإسلام متحجر متخلّف يرى فيه أتباعه أو أدعياؤه أن كل من لم يكن معك ويدين بعقلك وآفاقك ورؤيتك (ودينك) فإنه عليك أو ضدك، وبالتالي يجب قتله وتصفيته وقطع أنفاسه.
إسلام متسامح يقول فيه قرآنه العظيم: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (النساء: 94).
وإسلام ضيق بغيض يقول فيه أتباعه: إن كلّ من لا يدين بما ندين، ولا يؤمن بما نؤمن، فإنه كافر واجب قتله حتى لو صلى وصام وحجّ وزكّى، وقال ألف مرّة: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
إسلام حبّ وسلام ووئام يحمله دعاة مخلصون ودودون، شعارهم فيه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها» (2).
وإسلام حقدٍ وكراهية ولؤم، يحمله اُناس عابسون متجهمون لا يملكون إلاّ شعارات القتل والموت وثقافة الإرهاب.
نعم، هكذا صنّف السيد الخامنئي هذين الإسلامين، وراح مشدّداً النكير على أعداء الإسلام الحقيقي، الذين تعمدوا تشويهه سياسياً وإعلامياً حتى «راحوا يمارسون كل الأساليب الإعلامية ضده.. ويوظفون جميع الأجهزة الفنية والآلات التقنية التي يمتلكونها في إطار هذه الغاية الخبيثة... » ـ حسب تعبيراته.
ويضيف السيد الخامنئي في هذا السياق:
«لقد استخدم هؤلاء كل ألوان العداء وبأعلى درجاته الممكنة، وضمن أنشطتهم الثقافية والأمنية والسياسية والعسكرية ضد الإسلام... » إضافةً إلى تعمّدهم تشويه الإسلام ومسخ صورته النقية عِبرَ ما راحوا يظهرونه أو يقدّمونه من «شخصيات إرهابية» تقتل المسلمين، وتزرع الموت «تحت الغطاء القومي والطائفي»، وكأن الإسلام جاء من مرتفعات قندهار أو جبال تورا بورا، ولم يأت من وديان مكة وصحراء الجزيرة العربية لينقل الناس من الجاهلية إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور.
________________________________________
(1) راجع العهد الذي كتبه الإمام علي (عليه السلام) إلى واليه على مصر مالك الأشتر، نهج البلاغة.
(2) حديث شريف.

[الصفحة - 243]


هؤلاء الإرهابيون، وكما يقول السيد الخامنئي أيضاً، «لا يمكنهم أن يكونوا نموذجاً للصحوة الإسلامية أبداً...؛ لأنهم يمارسون الإجرام ضد المسلمين باسم الإسلام، ويكرّسون جلّ اهتمامهم على بثّ الفرقة بين المسلمين تحت الغطاء القومي والطائفي».
ويضيف:
«إنّ الذين يُريدون أو يسعون إلى تقديم الإسلام للعالم الغربي من خلال بعض الوجوه المتخلّفة والغريبة يدركون تماماً أنّ هذا لا يمثل الحقيقة... كما أن هذه حقيقة يدركها المستكبرون أنفسهم»، ولكنهم لا يريدون الاعتراف بها، رغم ما قاله أو يكرره الرئيس الأمريكي جورج بوش حول إسلام التسامح والمحبّة، والإسلام الفاشي الإرهابي الشمولي الذي تسعى لتحقيقه بعض الشخصيات الإرهابية وصولاً لإقامة إمبراطورية إسلامية فاشية تمتد من إسبانيا إلى أندونيسيا ـ حسب تعبيره ـ في خطابه الذي ألقاه في اكتوبر 2005 أمام عدد من أعضاء الحكومة الامريكية، والشعب الأمريكي.
إسلام القرآن الكريم وإسلام شبكات التجسّس
ترى، هل يمكن الوقوف على أرض مشتركة أمام هذه التقاطعات الحادة في تعريف الإسلام؟ وهل يمكن العودة إلى جذور الإسلام الحقيقية وقراءته قراءة منصفة بعيدة عن السياسة وأحكام محترفيها الجاهزة للكيد بالإسلام والمسلمين؟ هل يمكن فهم حقيقة الإسلام التي تقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 62)؟
أم يواصل المستكبرون قولهم: «من ليس معنا فهو علينا»، ومن لا يسير خلفنا ويتّبع ملّتنا فإنه كافر آثم قلبه يحلّ قتله وتصفيته وحذفه من الوجود؟!
هل يمكن تفعيل القانون السماوي القائل: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (المائدة: 69)؟
________________________________________

[الصفحة - 244]


أم ترى بعضهم مُصرّين على ترويج ثقافة اللعن والكراهية، والدعوى على (قتل الكفار) بمن فيهم (المدنيين) من النساء والأطفال دون تعريف واضح لكلمة (كافر)، وما تؤول إليه من فكر تكفيري قد يحرق الأخضر واليابس، ويأتي على المؤمنين والكافرين على حدّ سواء ودون تمييز!!
نعم، ربما يمكن التساهل أو التسامح مع بعض الجهلة والمتطرفين من دعاة الفكر التكفيري البغيض، الذين يدفعهم جهلهم، وأحياناً حقدهم، إلى ارتكاب أشنع الجرائم بحق المؤمنين من عباد الله؛ لاختلافهم معهم في هذه الرؤية الدينية أو تلك، أو لافتراقهم عنهم في هذا الاجتهاد أو ذاك. ولكن المصيبة الكبرى والكارثة الأدهى أن بعضهم ليسوا بجهلة ولا أغبياء ولا متطرفين أو متشددين، وإنما تراهم يمارسون القتل بدم بارد مع نيّة وسبق إصرار، أو يدعون إلى ذلك ويحرّضون عليه وهم قابعون في بيوتهم، يحوكون المؤامرات والدسائس، ويقعون في المسلمين ذبحاً ونحراً وتقتيلاً وباسم الإسلام وشريعة المسلمين.
هؤلاء هم الأخطر من الجميع طبعاً، بل أخطر من الكافرين أنفسهم؛ لأنّ المرء يمكن أن يتحاشى الكفار أو يتجنبهم ويحْذر منهم ويتّقي شرّهم، ولكن ما بالك بمن يرتدون رداء الإسلام ويتلفعون بعباءة الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، وهم يحيكون الدسائس والمؤامرات للإيقاع بين المسلمين وفتنتهم؟!
هؤلاء هم الذين عناهم السيد الخامنئي في خطابه التأريخي المذكور، ونعَتهم بأنهم عملاء شبكات التجسس العالمية، وأنهم يمارسون دورهم الإجرامي عن عمدٍ وسبق نيةٍ وإصرار، حيث وصفهم قائلاً:
«إنّ وجود هؤلاء مشبوه للغاية... إنهم عملاء شبكات التجسّس الإسرائيلية والأمريكية والإنجليزية»، أي أنهم ليس لهم وجود ظاهر للعيان، وأنهم ليسوا مؤسسات أو كيانات واضحة المعالم؛ لأنهم لا يعيشون إلاّ في الظلام، ولا يخططون إلاّ في التكايا والكواليس والأقبية السرية والسراديب... إنهم خفافيش ليل، وذئاب غابات، وصراصير لا تخرج إلاّ في سواد الليل، ولا تعمل إلاّ إذا هدأ الناس ونامت العيون. وهنا يقول السيد الخامنئي متسائلاً:
«فهل لهؤلاء وجود حقيقي»؟ أي هل أنهم واضحون ومميزون؟ أم «إنهم
________________________________________

[الصفحة - 245]


عملاء شبكات التجسس» الذين ينشطون في الظلام؟ وربما يعملون ناشطين تحت غطاء هذه الشبكات «ومن خلال توظيف عدد من الغافلين» ـ حسب تعبيره!!
ثم يروح سماحته مؤكداً هذه الحقيقة، وبلا فاصلة، بقوله:
«إن هذه حقيقة لا يمكن إنكارها». نعم، «حقيقة لا يمكن إنكارها». عملاء، وشبكات، ومشبوهون، وتوظيف جهلة وغافلين، وعابسين بوجه الدنيا يخططون، بل ينفذون أوامر أسيادهم ـ بعلم أو بدون علم ـ لقتل المؤمنين والمسلمين، بعد تكفيرهم طبعاً، بهذه الحجة أو بتلك، وربما لا يعلمون أنهم صاروا أدوات لهذه الشبكة الجاسوسية أو تلك، أو لهذا الوجود المشبوه أو ذاك.
ولعل الأخطر من هؤلاء الجهلة المغفلين، أو المجندين الأغبياء، كبارهم أو أسيادهم الذين ينظّرون لهم ويصدرون الفتاوى ويفسرون الدين على أهوائهم ومصالح بلدانهم.
وهنا، لا بدّ من استحضار كلمة الإمام الخميني(رحمه الله) في هذا السياق، وكيف أنه أوضح وبصريح العبارة أن بعض هؤلاء ـ لا سيما العلماء منهم ـ إنما هم في حقيقتهم عملاء، وربما يقضي بعضهم العشرين أو الثلاثين عاماً في دراسة العلوم الدينية، ولكنّهم مدَّخرون ليوم معلوم ينفّذون فيه دورهم المرسوم في الإجهاز على الدين وأهل الدين باسم الدين (3).
هؤلاء هم الأخطر طبعاً من كلّ أولئك المكشوفين الذين يمارسون دورهم المعلن في الهواء الطلق، حيث يمكن الحوار معهم، أو التعاطي معهم أو تحاشيهم، أو الحذر منهم، أو إبعاد «الغافلين» عنهم، أو إبعادهم عن الغافلين، وعدم تركهم فريسة سهلة يُخطط لقتلها ليلاً بعد تنفيذ القتل بها في وضح النهار.
خطر الرجعية والتحجّر
وهنا أيضاً، لا بدّ من الإشارة إلى قولةٍ مهمة للسيد الخامنئي تحدّث فيها عن هؤلاء الجهلة والغافلين، وكيف أن بعض هذا الجهل أو هذه الغفلة أو ذاك التخلّف أو هذا التحجّر والجمود ـ حسب تعبيراته ـ يمكن أن تشكّل كلها، أرضية أو قاعدة انطلاق يطمع روّاد تلك المؤسسات الجاسوسية ودهاقنتها من استثمارها أو توظيفها
________________________________________
(3)قال الإمام ما نصّه في هذا الإطار: «وأعلموا أن للقوى الكبرى الناهبة احتياطياً كبيراً من الأفراد في المجتمعات وبعناوين شتى من الوطنيين والمثقفين المزيفين والمتلبسين بزي علماء الدين، الذين لو سنحت لهم الفرصة لكانوا أشدّ خطراً وضرراً من الكافرين. وأمثال هؤلاء يعيشون بين الناس متحمّلين المشقة والصبر ثلاثين أو أربعين سنة ويتظاهرون بسلوك إسلامي وقدسية وقومية فارسية ووطنية وأقنعة اُخرى لتنفيذ مهمتهم في الوقت المناسب».

[الصفحة - 246]


لما يخدم مصالح وأهداف شبكاتهم الرهيبة.
يقول السيد الخامنئي في هذا السياق:
«إن خطر التحجّر والروح الرجعية بين العلماء، وتوجّههم إلى منافعهم الشخصية ـ لا سمح الله ـ هذا الخطر لا يقلّ عن خطر الهجوم المعادي، بل يزيد عليه أضعافاً...» (4).
ولعلّ من المناسب هنا أن نُذكّر أو نتذكّر بعض كلمات ونصوص الإمام الراحل(قدس سره) ومعاناته من بعض (جهلة) العلماء ـ إنْ صحّ التعبير ـ أو جمودهم أو تحجّرهم، وكيف أنهم قصموا ظهر الإسلام، وظهر الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) بهذا الجمود أو هذا التحجّر، الأمر الذي ألحق بالإسلام من الأذى والضرر ما لم يلحقه به أعداؤه المكشوفين المتربصين.
قال الإمام(رحمه الله) في هذا السياق ما نصّه:
«إنّ معاول الهدم التي يضربها بعض المتظاهرين بالقدسية في أساس الدين والثورة والنظام لا تقلّ عن معاول الشاه وأعوانه، وإن خطر المتحجرين فكرياً، والمتظاهرين بالصلاح، الحمقى في الحوزات العلمية ليس بالهيّن، وعلى الطلبة الأعزاء أن لا يغفلوا عن أخطار هذه الأفاعي الرقطاء الليّنة الملمس!!» ثم أضاف متألماً:
«ألا ينبغي أن يحفظ الطلبة وحدتهم أمام هذه الثعابين؟».
وقال ـ رضوان الله عليه ـ في مناسبة اُخرى وفي نفس السياق:
«فلو أردت في بداية التحرك الإسلامي أن تقول إن الشاه خائن لكنت تسمع الجواب فوراً؛ إن الشاه شيعي. وقد كانت الطعنة التي تلقّاها أبوكم العجوز من هؤلاء المتحجرين لا تُقاس أبداً بما سبّبه له الآخرون.. فبالأمس قال المزيَّفون، المبرقعون بالقدسية، الفاقدو الإحساس: إن الدين مفصول عن السياسة، وإن الكفاح ضد الشاه حرام، بعد أن هدروا بسكوتهم وتحجّرهم شرف الإسلام وقصموا ظهر الرسول، ولم يكن عنوان الولاية لديهم إلاّ التكسب والاعتياش... ».
ويواصل الإمام حديثه متبرّماً متألماً:
«... أنه لو استمرت هذه السياسة لأصبح وضع العلماء والحوزات كوضع
________________________________________
(4) من خطاب للسيد الخامنئي أمام مسؤولي وكوادر الحكومة الإسلامية سنة 1412هـ.

[الصفحة - 247]


كنائس القرون الوسطى ... ففي (15) خرداد عام 1963 لم تكن المواجهة فقط مع رصاص وبنادق الشاه، ولو كانت هذه فقط لكانت سهلة. كانت هناك رصاصات الطعن بالألسن والنفاق والازدواجية التي كانت أشدّ ألف مرة من البارود والرصاص، وهكذا تلقى الإسلام من ضربات هؤلاء المزيَّفين ما لم يتلقّه من جماعة اُخرى... » (5).
الإسلام التكفيري
وحين نقول: إن الطعنات التي يتلقاها الإسلام من هؤلاء العلماء هي الأخطر في تهديم الدين وتمزيق أهله شيعاً وأحزاباً، فإن أخطر ما في هذه الطعنات هو تكفير هؤلاء (العلماء) للمسلمين المؤمنين لاجتهاد بريء قد يكون خطأً هنا، أو رؤية غير دقيقة قد يرونها هناك، وربما يكون المجتهد فيها مصيباً وله أجران، وربما يكون مخطئاً وله أجر واحد.
ولعلّ من أشدّ ما لحق بالمسلمين من دمار هو ما فعله منظّرو اللعن والتكفير في إشاعة ثقافة الكراهية بين طوائف المسلمين، فحين تسمع أو تقرأ أحدهم يقول مثلاً: «إن أعداء الله (لاحظ!) لهم اعترافات كثيرة يصدّون بها الناس عن الله، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضرّ إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمداً(عليه السلام) لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، فضلاً عن عبدالقادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم، فجوابه بما تقدّم، وهو أن الذين قاتلهم رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) مقرّون بما ذكرت ومقرون أن أوثانهم (أي الكفار) لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة».
ويضيف: «إنّ الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله!! وإنهم أرادوا ممن قصدوا الشفاعة.. إن الكفار منهم من يدعو الصالحين، ومنهم من يدعو الأولياء... » (6).
إذن، من هذه الكلمات وأمثالها، ومن مثل هؤلاء المنظّرين، يرى بعض الغافلين تكفير المسلمين؛ لأنهم دعوا غير الله ـ حسب تأويل وفهم وزعم هؤلاء المنظرين ـ
________________________________________
(5) جميع النصوص المذكورة وردت في بيان الإمام الخميني(قدس سره) الشهير إلى العلماء وطلبة الحوزة العلمية الذي حرره في 15 رجب 1409هـ، حيث تُرجمت كلمة (المزيَّفين) في بعض التراجم إلى عبارة (المبرقعين بالقدسية).
(6) راجع كتاب كشف الشبهات، للشيخ محمد بن عبدالوهاب: 23 و24، بل عموم الكتاب، وكيف أن الرجل شطّ كثيراً في تكفير المسلمين، ولم يراع لهم إلاّ ولا ذمة. بل، لم يفرّق بين شهادتهم ودعائهم وصلاتهم عن عرب الجاهلية وكفار قريش، ممن قاتلوا النبي وأعلنوا حربهم على الإسلام والمسلمين...، وهكذا غيره من الطرف الآخر الذين يكفرون كل من لم يؤمن بإمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) وأبنائه (سلام الله عليهم أجمعين)، ويعتبرون منكر إمامتهم كافراً، ضالاً، مخلداً في النار، كما جاء في الكثير من كتب الشيعة الإمامية، لا سيما غلاتهم.

[الصفحة - 248]


ولا يدرون أنّ المسلمين جميعهم يكفّرون كلّ من يدعو غير الله، وحتى غلاة الصوفية لا يقولون بأن الولي يفعل هذا استقلالاً عن الله. بل، وحتى الكثير من غلاة الشيعة الذين يقولون بالولاية التكوينية للأئمة، وأنّ ذرات الكون تخضع لهم، لا يقولون بأن هذا يحدث استقلالاً عن إرادة الله، وإنما يزعم الغلاة من الصوفية والشيعة بأن الله منح الأولياء والأئمة القدرة على هذا بإذنه، مثلما منح بعض الأنبياء كعيسى(عليه السلام) القدرة على الخلق من الطين كهيئة الطير، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لكن بإذن الله. ومثلما منح بعض الأولياء كصاحب سليمان القدرة على أن يأتي بعرش بلقيس في لحظة واحدة (قبل أن يرتدّ إليك طرفك)، وأمثالها...
نعم، إن بعض الغلاة، أو من يسمونهم بالمفوضة، قال فيهم المسلمون قولتهم، بعد أن جنحوا أكثر من المعقول والمنقول في منح الأولياء والصالحين قدرات الله تعالى، ولم يغد هناك اليوم ـ إلاّ العملاء والمغفلين الذين يعملون في الظلام ـ ممن يردّد مثل هذه الأقوال، وهم نفر قليل ولا يصح تعميم التكفير أو القتل أو التصفيات على عموم المسلمين بذريعة وجود هؤلاء الأغبياء الضالّين المجرمين في صفوفهم.
هذا مثال واحد عن هؤلاء الذين يكفّرون المسلمين، والذين ما زالت بعض خيوطهم تُنسج في الزوايا المظلمة، وممن سماهم السيد الخامنئي دعاة (الإسلام الأعمى المتخلّف العابسين الغافلين)، الذين يكفّرون ويقتلون تحت (غطاء الطائفية) البغيض.
وهناك في الطرف الآخر، ومن المسلمين أيضاً أو ممن يحسبون أنفسهم على الإسلام ـ مع الأسف الشديد ـ من يُصِر على إشاعة ثقافة اللعن والكراهية في صفوف المسلمين.
حتى يصل به الأمر إلى إصدار فتاوى بوجوب لعن الصحابة بمن فيهم الصحابة الثلاثة الأوائل أبي بكر وعمر وعثمان، دون تفريق بينهم وبين غيرهم من أمثال: الحكم بن أبي العاص، ومسلم بن عقبة، وبسر بن أرطاة، والوليد بن عقبة، وغيرهم ممن لعنهم النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ولعنهم القرآن الكريم، ولعنهم المسلمون جميعاً لما اقترفوه من جرائم وآثام بحقّ الإسلام والمسلمين.
________________________________________

[الصفحة - 249]


ومثال على ثقافة اللعن هذه ما أورده البعض في كتبهم مثل: كتاب (بحار الأنوار) المعروف، وكيف أن صاحبه أفرد مجلّدات كاملة في الطعن بالخلفاء الثلاثة الأوائل وتحت عنوان: «كفر الثلاثة وفضل لعنهم» (7)!!
شموع في الظلام
الشيء الذي يبشّر بخير أمام ثقافة اللعن والتكفير هذه، هو خروج تيار واع كبير بين المسلمين اليوم يندّد بهذه الثقافة، ويدعو إلى اجتثاثها من الفكر الإسلامي، ومثال ذلك ما فعله أو يفعله أمثال الأُستاذ حسن بن فرحان المالكي وخاصة ما جاء في كتابه المعروف الموسوم بـ (داعية وليس نبياً)، الصادر في الأُردن وردّه على مؤيدي الشيخ محمد بن عبدالوهاب ورؤيته التكفيرية، والذي قدّم فيه الاُستاذ المالكي قراءة نقدية واعية سماها: (قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبدالوهاب في التكفير)، تناول فيها وبشكل علمي ودقيق ردوده على أفكار الشيخ المذكور التكفيرية، وردوده على مؤيدي الشيخ المتطرفين والمتعصبين الذين يقبل بعضهم بكل سهولة تخطئة كبار الصحابة كعمر وعليّ وأبي ذر وأمثالهم، ولا يقبلون مجرد تخطئة الشيخ» (8).
ومثل ذلك ما كتبه آية الله الشيخ محمد آصف محسني في كتابه «مشرعة بحار الأنوار»، والذي ردّ فيه على المجلسي معتبراً الكثير من روايات المجلسي في كتاب البحار (مظنونة الوضع) و(لا يُطمأن إليها) و(يرويها ضعفاء وكذابون) و(غير معتبرة سنداً). بل، إنّ العديد منها (من وضع الوضاعين، وجعْل الدجّالين، واختراعات الجاهلين) ـ حسب تعبيراته ـ التي أضاف فيها:
«وآل الأمر من جرّاء هذه المأساة إلى تشكيل ثقافة محرّفة في المعارف والأخلاق، بل حتى في الفروع الاعتقادية... » (9).
ومثل هذه الأعمال الإصلاحية التصحيحية التقريبية أيضاً يقوم بها (مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية) والذي مقرّه طهران. فقد قام المجمع بجهود مشكورة لتهذيب الكتب والروايات، وإبعاد كل ما من شأنه إشاعة ثقافة اللعن والكراهية، بما في ذلك سحبه للمجلدين المذكورين من الحبار (أي مجلدي اللعن) من الأسواق، لإشاعة
________________________________________
(7) راجع (بحار الأنوار) للعلامة المجلسي، المجلدان 30، 31، طبعات عديدة معاصرة في قم وبيروت، الطبعة الثالثة 1983.
(8) راجع كتاب: داعية وليس نبياً ـ قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبدالوهاب في التكفير: 10، الطبعة الأُولى 2004، دار الرازي مركز الدراسات التأريخية ـ المملكة الاردنية الهاشمية.
(9) راجع كتاب: مشرعة بحار الأنوار، آية الله الشيخ محمد آصف محسني: 10 ـ 11، ط. الأولى 1423هـ؛ وانظر كتابنا الغلو والغلاة ـ قراءة شيعية معاصرة: 180، ط. الأولى 2004هـ.

[الصفحة - 250]


ثقافة المحبة والبحث العلمي الدقيق، بعيداً عن كل ألوان التعصّب وثقافة التكفير التي يقوم بها ويروّج لها أولئك العابسون بوجه الدنيا) من (عملاء شبكات التجسّس)، و(المشبوهين)، و(الغافلين)، و(الجهلة) ـ حسب تعبيرات السيد علي الخامنئي في خطابه المذكور ـ الذين هم أعداء (التفكير الحر، والتقدم العلمي والمعرفي)، وأعداء (منطق الإنسانية والفضائل الأخلاقية)، من دعاة (الإسلام الأعمى المتخلف البعيد عن العقل والحرية الفكرية».
أقول: إن هناك مساع حثيثة، ومشاريع ينهض بها مفكرون وساسة ومثقفون من كلا الطائفتين الإسلاميتين الرئيستين؛ لمحاربة ثقافة اللعن والكراهية، واستبدالها بثقافة البحث العلمي والاختلاف الإيجابي، وترويج لغة الحوار بعيداً عن كل ألوان الجزمية والدوغماتية، وما يقال عن الفرق الناجية التي يحددها هؤلاء بطائفتهم أو مذهبهم أو جماعتهم أو أتباعهم فقط.
وحين نقول: إن السيد الخامنئي هو واحد من هؤلاء الروّاد الذين أدركوا خطورة شبكات التكفير، ومروّجي الإسلام الأعمى المتخلّف، ومعه السيد محمد خاتمي رئيس جمهورية إيران الأسبق، الذي دعا وأسّس وما زال يؤسس لحوار الحضارات بدل صراع الحضارات أو صدام الحضارات الذي يُراد ترويجه في عالمنا الإسلامي، فإن تلقّي مثل هذه الدعوات والاستجابة لها والانسجام معها ـ ولو ثقافياً وفكرياً إن استحال التعاطي معها سياسياً ـ هو الخطوة الأُولى لوضع آفاق جديدة للخطاب الإسلامي المعوّل عليه في قابل الأيام والسنين.
بكلمة اُخرى، إننا بأمسّ الحاجة اليوم إلى ثقافة الحوار والتنوّع والتعددية، وقبول الآخر المغاير والإصغاء له واحترامه وعلى كل الأصعدة الفكرية والسياسية والعقائدية والمذهبية، بعيداً عن كل ألوان الحـذف والشـطب والمصـادرة ولغـة اللعـن والتكفيـر.
بل، إن هناك من المفكرين المسلمين ما فتئ يبشّر بـ (الثالوث الإسلامي) الذي يشمل الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، ويضع مشروعاً جدلياً للعلاقة الحقيقية بينها، والذي ينتهي في خاتمته إلى ثالوث ديني، يمكن أن يكون بمثابة أقرب محطة أو مرحلة من مراحل وحدة الأديان المبشّر بها، ما دام القرآن الكريم ينصّ وبشكل واضح وصريح على هذه الوحدة التوحيدية الخالصة، وكما
________________________________________

[الصفحة - 251]


جاء في آيات بينات في القرآن الكريم، منها التي مرّ ذكرها في سورة المائدة، والاُخرى المشابهة لها في سورة البقرة، والتي قال فيها عزّ من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 62).
أو تلك الآية الكريمة الأُخرى المكرّرة في سورة البقرة أيضاً والتي يقول فيها سبحانه وتعالى:{قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 136).
وهناك آيات اُخرى في القرآن الكريم تؤكد هذا الثالوث الإسلامي المقدس نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (البقرة: 232)... وإضافتها:
{إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133)، والاُخرى التي تقول:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (المائدة: 111).
هذه النصوص القرآنية الواضحة والصريحة التي تجعل من بني الإنسان الموحدين جميعهم مسلمين، هي التي ألحّت وتلحّ اليوم على العديد من المفكرين الإسلاميين المعاصرين ليقدموا هذا النموذج الإنساني تحت شعار الإسلام التوحيدي المذكور في هذه الآيات البيّنات، باعتبار أن هذا الدين قادر على توحيد النقيضين المتمثلين في كلّ من اليهودية التي تمثل (التفريط بالروحانية)، والمسيحية التي تمثل (الإفراط في الروحانية)، أو كما وصف ذلك أحد المفكرين بقوله:
«إن الإسلام سلامٌ، قاعدته في أرض اليهودية (وليس في طينها ووحلها المعمول به طبعاً) وقمّته في سماء المسيحية.. وهذا هو سرّ كون الإسلام ديناً ودولة»، وبلا إفراط هنا أو تفريط هناك.
________________________________________

[الصفحة - 252]


فإذا كان الإسلام قادراً على أن يجمع كل أصحاب الديانات في هذا الثالوث التوحيدي المقدّس، فهل تراه عاجزاً عن توحيد منتسبيه والمنضوين تحت لوائه؟! نعم، إنه يعجز في حالة واحدة فقط وهي انجرار أبنائه أو سعيهم إلى جرّه إلى الجزئيات والتفاصيل والاجتهادات، حتى يُصار إلى تمزيقه تحت ألوية وفرقٍ وطوائف ومذاهب تقاتل بعضها بعضاً، وتكفّر بعضها بعضاً، وهذا هو ما بتنا نسمع به هذه الأيام، وضمن مخطط مدروس يجري الإعداد لتعميمه على كل بقاع العالم الإسلامي، وتحشيد المتحجرين والمتخلفين والغافلين و«اختلاق هذا الحجم الهائل من العملاء لتشويه الإسلام واتّهامه ناهيك عن استخدام السلاح العسكري والاقتصادي والإعلامي» ـ حسب تعبيرات السيد الخامنئي طبعاً ـ وصولاً لتصفية «قادة الإسلام ومصلحية الكبار»، وبالتالي إشعال فتنة أو فتن طائفية تحرق الأخضر واليابس، وتأتي على الصالح والطالح والعالم والجاهل والمذنب والبريء.
أقول: إن أمثال هؤلاء (العلماء المتحجرين) أو (المشبوهين) هم أسوأ من الشمر قاتل الإمام الحسين(عليه السلام)، حسب تعبير الإمام الخميني(قدس سره)، وهم (قراصنة) الدين وثعابينه.. وهم أضرّ على الدين من يزيد بن معاوية؛ لأنهم استهبلوا الأُمّة، ووظفوا الجهلة والمغفلين لما يخدم أهواءهم ومصالحهم، ولو على حساب العقيدة النقية والدين الحنيف...
نعم، إن جانباً كبيراً من محنة الطائفة الشيعية اليوم هو هيمنة الشبكات واللوبيات التي تتاجر بالدين، وتدلّس فيه، وتحرّف وتفسّر كيفما تشاء؛ لتضمن ولاء البسطاء والمساكين والمغفلين من أبناء هذه الطائفة، وتوجّه طاقاتهم لما يخدم أهدافها ومخططاتها.
وإلاّ كيف يمكن تفسير مفهوم الشفاعة العظيم في الإسلام ـ مثلاً ـ وتسطيحه وجرّه إلى ما لا ينبغي الانجرار إليه؟! وكيف يمكن التعاطي مع قصة ذلك الإنسان البسيط الذي رفض أن يعطي ابنته إلاّ بصداق عجيب وهو طلبه شفاعة أحد المراجع له ولابنته يوم القيامة، وإدخالهما الجنة معه، وأنه لا يقبل ذلك إلاّ إذا تعهّد له ذلك المرجع بالشفاعة له يوم المحشر وبلسانه وأمام شهود ومستمعين.. وفعلاً يُقام الحفل ويحضر العروسان (أو الخطيبان) ويجري الاتصال تلفونياً بذلك المرجع (العظيم) في دولة
________________________________________

[الصفحة - 253]