البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السلفية ونظرية الصفات الإلهية

الباحث :  د. يحيى محمد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  45
السنة :  السنة الثانية عشر ربيع 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  479
السلفية
ونظرية الصفات الإلهية

د. يحيى محمد (*)

ليست هناك قضية اشتد حولها الخلاف بين علماء أهل السنة أشد من نظرية الصفات الالهية، إذ كانت محوراً للنزاع لا فقط بين اصحاب الدائرتين العقلية والبيانية (النقلية)، بل كذلك بين اصحاب الدائرة البيانية انفسهم. ومع ان هناك من يدعي ان للسلف موقفاً موحداً ازاء هذه النظرية كالذي نظّر اليه ابن تيمية فيما بعد، لكن حقيقة الحال ان علماء السلف ـ طيلة القرون الثلاثة للهجرة ـ كانوا مختلفين حولها اختلافاً شديداً، حيث انقسموا إلى ثلاثة أو اربعة اتجاهات متباينة قد تتداخل فيما بينها أحياناً.
فالاتجاه الاول ابقى معنى الظواهر اللفظية للصفات على ما هو عليه من التجسيم والتشبيه مع المخلوق، وبعضهم استرسل في ذلك وجعل يعدد اعضاء الإله عضواً عضواً. ويضم هذا الاتجاه الكثير من الرجال كالذي يتبين من كتب الفرق والتفسير والسنة والتوحيد. وقد ذكر أبو الحسن الاشعري في مقالاته ان هناك ستة عشر مذهباً يدعو إلى التجسيم، ونقل من بينها ما قاله داود الجواربي ومقاتل بن سليمان من أن الله جسم، وأنه جثة على صورة انسان، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، كما له لحم ودم وشعر وعظم، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه الغير، وحكي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف ما فيه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك (1). كما ذكر ابن تيمية بان مقالة المشبهة الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي وبصر كبصري هي مقالة معروفة، وقد نقلها الأئمة؛ كيزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم وأنكروها وذموها ونسبوها إلى
________________________________________
(*) باحث، من العراق.
(1) أبو الحسن الاشعري: مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، موقع الايمان، عن شبكة المشكاة الإلكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج1، ضمن فقرة: واختلفوا هل ي

[الصفحة - 208]


مثل داود الجواربي البصري وأمثاله (2).
اما الاتجاه الثاني، فقد اخذ يمارس التأويل احياناً مثلما فعل اصحاب الدائرة العقلية وإن اقتصر على حالات محدودة.
في حين مال الاتجاه الثالث إلى التفويض، وقد اختلف معناه لدى المتأخرين، فبعضهم رأى ان تفويضهم يتعلق بفهم المعنى بعد نفي الظاهر، وبعض آخر رأى انه لم يكن بصدد المعنى والتفسير، بل بصدد الحقيقة الخارجية، حيث إن الله {ليس كمثله شيء} (الشورى: 11).
ويبدو ان كلا المعنيين للتفويض ورد عن السلف، مثلما ورد عنهم التأويل أيضاً، بل قد تجد الواحد منهم يعمل بالتأويل في صفة ما من الصفات، وبتفويض المعنى في غيرها، أو بتفويض الحقيقة دون المعنى. لكن الشيء الثابت هو ان التأويل قد سبق التفويض زماناً، وان الصحابة لم يؤثر عنهم التفويض بخلاف التأويل، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس وغيره في تأويله لنصوص الاتيان في ظلل من الغمام والكشف عن الساق والكرسي والدنو الوارد في حديث الاسراء وغيرها (3).
ولم يظهر التفويض إلاّ متأخراً خلال القرن الثاني للهجرة، حيث عول عليه العلماء بأشكال شتى.
فبعضهم كان يأمر بالقراءة والسكوت، مثلما عبر عنه سفيان بن عيينة بقوله: كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه (4).
وبعض آخر كان يؤمن بالصفات كما جاءت ويمنع تفسيرها، مثلما عبّر عن ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام ووكيع واسماعيل بن أبي خالد وسفيان وسليمان وغيرهم (5).
وبعض ثالث كان يقرّ بها ويأمر بامرارها كما جاءت مع منع الكيف والسؤال، كالذي روي عن عدد من السلف مثل مالك والثوري والليث بن سعد والاوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم (6).
وقد تلتبس عبارات السلف بالمراد من التفويض إن كان القصد منه المعنى كله أو الحقيقة فحسب، وكلا الاحتمالين وارد. كما يلاحظ وجود تعددية في الموقف حتى لدى الرجل الواحد. فمثلاً كان الامام مالك يثبت صفة الاستواء على العرش من
________________________________________
(2) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته)، ج4، ضمن فصل حول ما ذكره أبو الحسن الآمدي.
(3)النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج1، كتاب الايمان، باب معرفة طريق الرؤية؛ وتفسير الطبري، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج3، ص15ـ17؛ وابن حجر العسقلاني: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج13، ص359 و403.
(4)السيوطي: الدر المنثور، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج3، ص92؛ وعلي بن عمر الدارقطني: كتاب الصفات، عن شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة 61، ص41؛ وفتح الباري، ج13، ص343.
(5)كتاب الصفات، فقرة 57ـ58، ص40؛ والذهبي: سير أعلام النبلاء، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج10، فقرة 505، وج8، فقرة 162؛ والترمذي: الجامع الصحيح لسنن الترمذي، شبكة المشكاة الالكترونية، ج4، باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار، فقرة 2557.
(6) سير اعلام النبلاء ج8، فقرة 162؛ وكتاب الصفات، فقرة 67، ص44، وفقرة 63، ص42.

[الصفحة - 209]


غير تكييف، وفي الوقت ذاته يؤوّل صفة النزول إلى نزول امره أو رحمته أو ملائكته، ولا يأخذ بظاهر الاحاديث التي تضمنته، معللاً ذلك بان الله دائم لا يزول (7). كذلك فإنه كان ينفي
بعض الصفات في الاحاديث المنقولة رغم انها عدت فيما بعد من الصحاح؛ مثل حديث (خلق الله آدم على صورته) وحديث الكشف عن الساق (8).
وكذا كان أحمد بن حنبل يقر بالظاهر اللفظي للصفات ويفوض حقيقتها، لكنه في الوقت ذاته كان يمارس التأويل احياناً، مثل تأويله للمعية والمجيء والاتيان والذكر المحدث الخاص بالكلام الالهي وغيرها. فقد نقل عنه انه تأول عدداً من آيات المعية والقرب إلى معنى العلم، مثل قوله تعالى: { نحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق: 16)، وقوله: { وهو معكم أينما كنتم} (الحديد/4)، وقوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم} إلى قوله: { هو معهم أين ما كانوا} (الحديد/5)، معللاً ذلك بان الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا ويعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان (9). ومن الطريف ان الكثير من السلف يؤوّلون آيات المعية، في حين يتقبل الجهمية ظاهرها، حيث يقولون بان الله في كل مكان، ويستشهدون بقوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم}(10).
كما نقل ابن الجوزي عن ابن حنبل انه اعتبر الاتيان في قوله تعالى: { هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} (البقرة/210)، هو بمعنى قدرته وأمره، مثلما هو موضح في قوله تعالى: { أو يأتي أمر ربك} (النحل/33)، وكذا فإن معنى المجيء في قوله تعالى: { وجاء ربك} (الفجر/ 22)، هو قدرته (11). وفي رواية اُخرى عن ابن حنبل ان المقصود بالآية هو جاء ثوابه (12).
كما روي انه سئل عن بعض الاحاديث التي تتضمن ان سورة البقرة تجيء يوم القيامة، وكذا مجيء سورة تبارك، فأجاب ان معنى ذلك هو الثواب، واستشهد عليه بتأويله لقوله تعالى: { وجاء ربك} ، حيث اعتبر ان معناه هو اتيان قدرته، وزاد على ذلك بقوله: إنما القرآن أمثال ومواعظ. لذا استدل الحافظ البيهقي بان أحمد بن حنبل كان لا يعتقد بالمجيء الوارد في القرآن، ولا بالنزول الوارد في السنة، بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان، كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات
________________________________________
(7) سير اعلام النبلاء، ج8، فقرة 105؛ واليافعي: مرهم العلل المعضلة في رفع الشبه والرد على المعتزلة (لم يكتب مكان طبعه ولا سنة نشره)، ص251.
(8)حيث قال ابن القاسم: سألت مالكاً عمن حدّث بالحديث الذين قالوا إن الله خلق آدم على صورته، والحديث الذي جاء إن الله يكشف عن ساقه، وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد، فأنكر مالك ذلك انكاراً شديداً ونهى أن يحدث بها أحد، فقيل له: إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به، فقال: من هو؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد، قال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الاشياء، ولم يكن عالماً، وذكر أبا الزناد فقال: لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات (سير اعلام النبلاء، ج8، فقرة 103ـ104).
(9) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج1، مادة (أحمد بن جعفر بن يعقوب الاصطخري).
(10) سير اعلام النبلاء، ج8، فقرة 402، وابن أبي شيبة: كتاب العرش، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص50.
(11) ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية. ص141.
(12) ابن كثير: البداية والنهاية، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج10، ص361.

[الصفحة - 210]


قدرته (13).
كذلك روي انه لم يتقبل ظاهر الحديث القائل: «ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي»، بل ولم يرض ان يحدث به أحداً أيام محنته المعروفة حول خلق القرآن، وقال في تأويله للحديث: إن الخلق واقع ها هنا على السماء والأرض وهذه الأشياء؛ لا على القرآن (14).
وكذا روى البيهقي ان ابن حنبل اجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلاّ استمعوه وهم يلعبون} (الأنبياء/2) فقال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعنه انه قال أيضاً: يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول الله (رضي الله عنهما) أو وعظه إياهم (15). وبعض ما احتمله ابن حنبل لتفسير الآية هو ذاته المنقول عن هشام بن عبيد الله الرازي (المتوفى سنة 221هـ)، حيث سئل كيف يكون القرآن غير مخلوق والله يقول: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} ؟ فرد على ذلك بانه محدث إلينا وليس عند الله بمحدث، وعلق عليه الحافظ الذهبي بقوله: لأنه من علم الله وعلم الله لا يوصف بالحدث(16).
مع هذا يظل ان المسلك العام للسلف هو الابتعاد عن تحديد معنى الصفات وإمرارها كما جاءت دون بحث وتنقيب، كالذي اشار اليه الذهبي في عدد من الموارد (17).
لكن تحضرنا بعض الملاحظات بهذا الخصوص كالآتي:
1 ـ إن التفويض لدى السلف تارة يحمل على المعنى الكلي مع استبعاد الظاهر، واُخرى يحمل على الحقيقة فحسب.
2 ـ إن المتأخرين الذين نظّروا لمذهب السلف لم يلتزموا بخصوصية الإمرار الذي كانوا عليه، بل بحثوا ونقبوا لإثبات ما عليه الظاهر ولو مع نفي التكييف والتشبيه، كالذي مارسه ابن تيمية وأتباعه.
3 ـ إن الخلاف الذي لحظناه عند السلف ازاء الصفات قد انعكس على رؤى المتأخرين من اصحاب البيان، حيث تباينت مواقفهم حول هذه الصفات إلى اتجاهات
________________________________________
(13) الكوثري: تكملة الرد على نونية ابن القيم، نشر ضمن: السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، مكتبة يعسوب الدين الالكتروني، ص138.
(14) سير اعلام النبلاء، ج10، فقرة 578.
(15) البداية والنهاية، ج10، ص361.
(16) سير اعلام النبلاء، ج10، فقرة 447.
(17) سير اعلام النبلاء، ج10، فقرة 506، وج8، فقرة 162، وفقرة 105.

[الصفحة - 211]


ثلاثة: مشبهة، ومؤوّلة، ومفوضة، والغالب في التفويض لدى المتأخرين هو تفويض الحقيقة لا المعنى والتفسير، وابرز من ذهب إلى ذلك ابن تيمية وأتباعه، ومن قبله أغلب الحنابلة.
ومن تجليات هذا التباين ما ظهر من نزاع بين المؤوّلة من جهة، وبين المشبهة والمفوضة القائلين بتفويض الحقيقة لا المعنى من جهة ثانية. فقد لجأ المؤوّلة من البيانيين إلى أساليب عديدة للرد على المشبهة ومن على شاكلتهم من القائلين بتفويض الحقيقة لا المعنى. وكان من بين هذه الأساليب اللجوء إلى البيان اللغوي والاعتبارات العقلية في الرد على الآخذين بالظاهر اللفظي، وكذا الاستنجاد بما فعله بعض الصحابة والسلف من التأويل، وأضيف إلى ذلك الاستعانة بالمتأخرين من البيانيين الذين مارسوا التأويل، بل والاستعانة احياناً باصحاب الدائرة العقلية في ممارستهم للعملية التأويلية. كما ان البعض ابدى قبول التفويض دون التفسير والتأويل مع نفي الظاهر اللفظي للصفات.
فنحن هنا أمام عدد من الاتجاهات البيانية للمتأخرين. احدها اخذ بالظاهر اللفظي والتشبيه، كالذي يظهره الكثير من الحنابلة المجسمين. وثانيها اخذ بهذا الظاهر مع دعوى عدم التشبيه والتكييف، ناسباً ذلك إلى السلف. وهو الاتجاه الذي يمثله تيار ابن تيمية والكثير من الحنابلة. وثالثها اعتمد على البيان الديني بوصفه بياناً تاماً وكاملاً لا يحتاج إلى سلف، وبالتالي فقد اجتهد في تأويل الفاظ الصفات والرد على خصومه من البيانيين المكيفين وغير المكيفين، وإن اعتمد بدوره على ما كان سائغاً في الاستخدام اللغوي ومنه ما سبق اليه السلف، كالذي عليه اتجاه ابن حزم الأندلسي. ورابعها نازع من ادعى ان مذهب السلف هو الاخذ بالظاهر اللفظي من الصفات؛ حتى مع القول بعدم التشبيه والتكييف، معتبراً ان السلف كانوا ينفون الظاهر اللفظي للصفات؛ سواء بالتأويل أو التفويض الكلي. ومن ابرز من يمثل هذا الاتجاه الحافظ الحنبلي أبو الفرج بن الجوزي كما في كتابه (دفع شبه التشبيه). وقد ظهر وسط هذا الاتجاه جماعة اخذوا على عاتقهم نقل ما يروى عن السلف ومن اتبعهم من تأويلات، كما استعان بعضهم بما قدمه غيرهم من اصحاب الدائرة العقلية من اساليب تأويلية،
________________________________________

[الصفحة - 212]


كالذي سلكه الامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني.
وبالتالي فقد ظهر لدى المؤوّلة من اصحاب الدائرة البيانية نمطان من أنماط التوظيف المستخدم لغرض التأويل والرد على نظرائهم من البيانيين، كالذي يتبين مما يأتي:
1ـ التوظيف الفلسفي للتأويل
يعود هذا التوظيف إلى ابن حزم (المتوفى سنة 456هـ). وأول ما تبدأ به نظريته هو الاعتراض على لفظ الصفات، إذ يرى ان إطلاق هذا اللفظ على الله محال؛ لأنه تعالى لم ينص قط في كلامه المنزل على هذا اللفظ، ولا على لفظ الصفة، ولا حفظ عن النبي (رضي الله عنهما) بأن لله تعالى صفة أو صفات، بل ولا جاء ذلك عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من خيار التابعين ولا حتى من خيار تابعي التابعين. واعتبر ان المسؤولية في اختراع لفظ الصفات تقع على عاتق المعتزلة وهشام بن الحكم ومن شاكلهم ممن سلكوا مسلك الكلام بعيداً عن طريقة السلف. وعدّ اللفظ المذكور بدعة منكرة لا يحل لأحد النطق به (18).
ثم إنه نقد الطوائف التي اخذت على عاتقها اثبات الصفات حسب الظواهر اللفظية. فذكر أنه ذهبت طائفة إلى ان الله تعالى جسم مثلما جاء في الصفات التي وردت في القرآن والحديث، ففي القرآن مثل اليد واليدين والأيدي والعين والوجه والجنب، وكذا مجيء الرب مع الملائكة واتيانه في ظلل من الغمام وتجليه على الجبل، أما في الحديث فمثل القدم واليمين والرجل والأصابع والنزول.
وقد اعتبر ابن حزم ان لجميع هذه النصوص وجوهاً ظاهرة بينة بخلاف ما ظنته مثل هذه الطائفة. ومع ان ما تراه ان الله جسم لا كالاجسام امتثالاً لقوله تعالى: { ليس كمثله شيء} ، إلاّ انه اعتبر ذلك من السفسطة، حيث معنى الجسم في اللغة هو الطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست، وهي الفوق والتحت والوراء والأمام واليمين والشمال، فكيف على هذا يقال إنه جسم لا كالاجسام، وهو يتصف بهذه الصفات؟ واعتبر ذلك يختلف عن القول بان الله حي لا كالأحياء، وعليم لا
________________________________________
(18) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج2، فقرة الكلام في التوحيد ونفي التشبيه.

[الصفحة - 213]


كالعلماء، وقادر لا كالقادرين، وشيء لا كالأشياء، إذ وردت هذه الالفاظ في النص بخلاف لفظ الجسم، والوقوف عند النص فرض. مع هذا فابن حزم لا يعد مثل هذه الطائفة من المشبهة، بل اعتبرها ممن ألحد في أسماء الله تعالى، إذ سموه بما لم يسم به نفسه (19).
هكذا وافق ابن حزم العقليين في ان الصفات التشبيهية من الوجه واليد والعين وغيرها لا يراد بها ما هو ظاهر اللفظ المفرد، خلافاً لمن وصفهم بالمجسمة الذين جعلوا لله وجهاً ويدين وعينين وسائر الصفات التشبيهية. واعتبر ان وجه الله إنما يراد به الله تعالى مثلما يقول اصحاب الاتجاه العقلي، وقد استدل بالنصوص القرآنية ذاتها من ان الوجه لا يراد به غير الله، وذلك بقوله تعالى: { إنما نطعمكم لوجه الله} (الإنسان/9)، حيث من الواضح ان القائلين بذلك لم يقصدوا غير الله تعالى. ومثله قوله تعالى: { أين ما تولوا فثم وجه الله} (البقرة/115)، أي فثم الله. واعتبر ذلك يصدق أيضاً على ما جاء من ان لله يداً وايدي، وكذا عيناً واعيناً، فكل هذا يقصد به الله تعالى، ولا يقصد به ما هو ظاهر اللفظ، ومنع القول إن لله عينين حيث لم يرد بذلك نص ولا خبر (20)، كما منع تفسير الايدي باليدين، ومثله تفسير الاعين بالعينين، وعدّ ذلك مدخلاً في قول المجسمة، واعتبر ان لله يداً ويدين وأيدي وعيناً وأعيناً كما جاء في النص، وكل ذلك لا يراد به غير الله كما هو واضح من السياق، وليس في النص ما يقول إن لله يداً لا تعرف ذاتها، ولا إن لله وجهاً لا تعرف حقيقته، فالظاهر لا يدل على ذلك. ومثله ما جاء عن النبي من ان كلتا يديه يمين، فهو كقوله تعالى: { وما ملكت أيمانكم} (النساء/36)، أي وما ملكتم، حيث لما كانت اليمين في لغة العرب يراد بها الحظ للأفضل، فإن معنى (كلتا يديه يمين) أي كل ما يكون منه تعالى من الفضل فهو الأعلى (21).
كما أجرى ابن حزم التأويل في عدد من آيات الصفات، ومن ذلك صفة المعية والمكان، مثل قوله تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق/16) وقوله: { ونحن أقرب إليه منكم} (الواقعة/85)وقوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم} (المجادلة/7) معتبراً معنى هذه الآيات يفيد التدبير والإحاطة دون الصفة المكانية،
________________________________________
(19) نفس المصدر والفقرة.
(20)الحقيقة ان هناك نصاً صريحاً بوجود عينين، كما في الرواية عن أبي هريرة من ان النبي (ص) قال: إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن، فإذا التفت قال له ربه: إلى من تلتفت إلى خير لك مني (ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن الفصل الثامن (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته).
(21) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج2، فقرة الكلام في الوجه واليد والعين والجنب والقدم.

[الصفحة - 214]


باعتبار ان ذلك يفضي إلى القول بالجسمية، إذ ما كان في مكان فإنه متناه بتناهي مكانه، وذلك من صفات الجسم. وقد عارض ابن حزم الذين قالوا بان الله في كل مكان، كما عارض من قال إنه في جهة ما من الامكنة (22)، ورد عليهم بما استشهد به من قوله تعالى: { ألا إنه بكل شيء محيط}(فصلت/54)، حيث إن مفهوم الآية يوجب ضرورة أن الله لا في مكان، إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطاً به من جهة ما أو من جهات، وهو منتف بحق الله حسب الآية المذكورة، حيث المكان شيء، ومن المحال ان يكون فيه شيء آخر محيط بالاول (المكان) (23).
وعلى هذه الشاكلة قام ابن حزم بتأويل آية الاستواء على العرش لينفي البعد المكاني والجسمي عن الله تعالى، معتبراً ان معنى قوله تعالى: { على العرش استوى} (طه/5) هو ان الله فعل فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء، مستدلاً على ذلك بما جاء عن النبي من ذكر الجنات، حيث قال (رضي الله عنهما): فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن، مما يدل أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء.. كما استدل بان معنى الاستواء في اللغة هو ان يقع على الانتهاء مثلما جاء في قوله تعالى: { فلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً} (يوسف/22)، أي فلما انتهى إلى القوة والخير، وكذا قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (فصلت/11)، أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه (24).
مع هذا فقد توقف ابن حزم عند معنى قوله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}(الحاقة/17)، مفوضاً معناه إلى علم الله، وان احتمل ان المقصود بذلك هو السماوات السبع والكرسي، فهي ثمانية أجرام، كما قد يكون المعنى هو ثمانية ملائكة حسب ظاهر النص، معتبراً كل ذلك من الغيب الذي لم يصح فيه خبر عن النبي حتى يقال فيه شيء، سوى القول: { آمنا به كل من عند ربنا} (آل عمران/7) (25).
كذلك قام ابن حزم بتأويل آيات السمع والبصر، وهو ان المقصود منها علمه
________________________________________
(22) المصدر السابق، ج2، فقرة القول في المكان والاستواء.
(23) المصدر السابق، ج2، فقرة الرحمن على العرش استوى.
(24) نفس المصدر السابق والفقرة.
(25) نفس المصدر السابق والفقرة.

[الصفحة - 215]


تعالى، لا أن له سمعاً وبصراً مثلما هو الحال في الشاهد، خاصة وانه لم يرد في النص أن له سمعاً وبصراً، بل ورد انه سميع بصير، وحيث إنه ليس كمثله شيء فهو سميع بصير بذاته، بل إن معنى كونه سميعاً بصيراً هو انه عليم، وان معنى {أسمع وأرى} (طه/46) هو إطلاق له على كل شيء على عمومه، وهو بالتالي مفاد العلم. ومثله ما روي عن السيدة عائشة انها قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات»، حيث اعتبر سمعه بمعنى علمه (26).
كما اعتبر ان العلم الالهي هو ليس غير الله، وكذا قدرته وقوته، وذلك على شاكلة ما ذهبت اليه بعض الاتجاهات العقلية في ردها للصفات إلى الذات الالهية. لكن ابن حزم استدل على هذا الامر بالنص القرآني، وهو قوله تعالى: { ليس كمثله شيء} ، حيث دلّ النص على ان الله خلاف خلقه من كل وجه، إذ لا يكون مثل هذا الخلاف المطلق إلاّ عند اعتبار علمه وسائر اسمائه هي ليست غيره. فكونه سميعاً بصيراً عليماً حكيماً لا يقتضي ان يكون له سمع وبصر وعلم وحكمة كما هو في الشاهد، ناهيك عن النفي الخاص بالصفات التشبيهية كاليد والوجه والعين وما اليها. فلولا النص لما جاز اطلاق تلك الاسماء عليه (27).
وقد اضطر ابن حزم احياناً إلى ان يخرج عن السياق السابق من تأويل بعض الاسماء إلى العلم، كالبصر مثلاً، ففي الحديث المصحح جاء عن النبي قوله: «ما بينهم وبين أن يروه إلاّ رداء الكبرياء على وجهه لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره»، اعتبر ابن حزم ان معنى البصر قد يستعمل في اللغة بمعنى الحفظ، كما يقول النابغة:
رأيتك تـرعاني بعين بصيرة وتبعث حراساً عليّ وناظراً
فمعنى الحديث هو انه لو كشف تعالى الستر الذي جعل دون سطوته لأحرقت عظمته ما انتهى إليه حفظه ورعايته من خلقه. ومنع ان يكون معنى البصر هو الظاهر باعتباره ذا نهاية، وكل ذي نهاية محدود، وكل محدود محدث (28).
وعلى هذه الشاكلة احضر ابن حزم جملة من النصوص التشبيهية لتأويلها، كالنصوص الخاصة بالساق والقدم والاصابع والمجيء والاتيان والنزول والصورة
________________________________________
(26) المصدر السابق، ج2، فقرة الكلام في العلم.
(27) نفس المصدر السابق والفقرة.
(28) نفس المصدر السابق والفقرة.

[الصفحة - 216]


وغيرها.
أخيراً يمكن القول إن كل ما فعله ابن حزم من تأويل إنما هو بايعاز (فلسفي) للآية القرآنية {ليس كمثله شيء} . فقد اخذ معنى الآية على ظاهرها، وهو ان الله ليس له مثل من جميع الوجوه، وعليه فكل ما يتبادر انه معارض لظاهر هذه الآية لا بدّ من تأويله، سواء كان ذلك بفعل الاساليب اللغوية والنقلية، أو بفعل الممارسات العقلية كالمنطقية والفلسفية وما اليها. وهو مع كل هذا وذاك متأثر بالمقولات الفلسفية للنظام الوجودي، وذلك باعتباره يقول كما يرى الفلاسفة ان الله له ماهية هي عين انيته أو وجوده، وذلك بخلاف غيره من الكائنات التي تمتاز بخصوصية اختلاف الانية عن الماهية (29).
2ـ التوظيف النقلي للتأويل
يعد أبو الفرج بن الجوزي ( المتوفى سنة 597هـ) اهم شخصية بيانية للرد على البيانيين الذين تقبلوا الظواهر اللفظية من الصفات الالهية مع قيد (ليس كمثله شيء). ذلك انه زيف هذا الجمع المفتعل بين الامرين كالذي عليه طريقة اغلب الحنابلة التي انتصر لها ابن تيمية ـ فيما بعد ـ وادعى ان السلف كانوا يذهبون اليها دون خلاف. فعلى العكس من ذلك نفى ابن الجوزي ان تكون طريقة السلف ـ بما فيها طريقة أحمد بن حنبل ـ كما تصورها المتأخرون من الحنابلة، وأيد ذلك ما نقله من الآثار التي تشير إلى انهم لم يتقبلوا الظواهر اللفظية للصفات، بل اجروا عليها شتى انواع التأويل، وإن كان اغلبهم امر بامرارها دون تأويل ولا تفسير.
لقد الف ابن الجوزي كتابه (دفع شبه التشبيه) رداً على اصحابه من اتباع الامام أحمد بن حنبل، فذكر في ديباجته انه رأى من اصحابه من تكلم في الاصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة، هم أبو عبد الله بن حامد البغدادي (المتوفى سنة403هـ)، وصاحبه القاضي أبو يعلى الحنبلي (المتوفى سنة 458هـ)، وابن الزاغوني (المتوفى سنة 527هـ)، ووصفهم انهم صنفوا كتباً شانوا بها المذهب، إذ حملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له
________________________________________
(29) المصدر السابق، ج2، فقرة الكلام في المائية.

[الصفحة - 217]


صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وأضواء لوجهه هي السبحات ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، كما قالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم انه يتنفس أيضاً، لكنهم مع ذلك يستدركون ويقولون إن هذه الصفات لا كما يعقل ويتصور، وإنها صفات ذات لا فعل.
ومع انهم حملوا النصوص على ظواهرها اللفظية لكنهم يتحرجون من التشبيه، مع ان كلامهم كما يقول ابن الجوزي صريح في التشبيه والتجسيم المفرط، وان ذلك صار مدعاة لتهمة من كان حنبلياً. وقد عد ابن الجوزي انه لا غنى من استخدام العقل في مثل هذه الموارد، فهو اصل قد عرف به الله وحكم عليه بالقدم (30). وهو ذات التبرير الذي قدمته الدائرة العقلية في ممارستها للتأويل ورفض الظواهر اللفظية عند معارضتها للعقل.
لذلك سعى ابن الجوزي للرد على الحنابلة الثلاثة وتأويل ما قدموه من الظواهر التشبيهية الواردة في كل من القرآن والسنة. وعول في هذا الامر على الترتيب الذي قدمه أبو يعلى الحنبلي للصفات المذكورة. وكان لذلك رد فعل من قبل بعض الحنابلة المتشددين، فقد هاجمه إسحاق بن أحمد العلثي (المتوفى سنة 634هـ) برسالة طويلة شديدة اللهجة، واتهمه بالتناقض، حيث إنه ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام، ثم يقدم على تفسير ما لم يره، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده، وينقض عهده وقوله بقول فلان وفلان من المتأخرين (31).
كما قام عدد من الحفاظ والبيانيين بالرد على المشبهة والآخذين بالظواهر اللفظية من الصفات، ووظفوا لذلك مقالات السلف وغيرهم من البيانيين الذين مارسوا التأويل. وكان من بين هؤلاء الامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني وابن دقيق العيد وغيرهم، حيث وجدوا لكل صفة تذكر، سواء في القرآن أو الحديث، تأويلاً أو اكثر ينسب إلى السلف أو من جاء بعدهم من البيانيين، من أمثال: القاضي عياض والخطابي وابن عقيل وابن بطال وغيرهم.
________________________________________
(30) دفع شبه التشبيه، ص97ـ102.
(31) ابن رجب الحنبلي: ذيل طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة الالكترونية، ج2، فقرة إسحاق بن أحمد العلثي (لم تذكر ارقام صفحاته).

[الصفحة - 218]


فقد ذكر النووي أن لأهل العلم في أحاديث وآيات الصفات قولين: أحدهما يعود إلى معظم السلف أو كلهم، ومفاده أنه لا يصح التكلم في معناها، بل يجب الإيمان بها والاعتقاد ان لها معنى يليق بجلال الله وعظمته، مع الاعتقاد الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق. وهو قول نسبه النووي أيضاً إلى جماعة من المتكلمين، واعتبره أسلم القولين.
أما الثاني فيعود إلى معظم المتكلمين، ومفاده انه ينبغي ان تتأول الصفات بما يليق ويناسب مواقعها، وذلك تبعاً للسان العرب واُصول العلم. وهو يوصي ان يكون المؤوِّل عارفاً باللغة وقواعد الأُصول والفروع، وذا رياضة في العلم (32).
كما ذكر ابن حجر العسقلاني ان الخلاف حول الصفات الموهمة للتشبيه يندرج في ثلاثة أقوال: أحدها انها صفات ذات أثبتها السمع ولا يهتدي إليها العقل.
والثاني انها تعرف بالتأويل، فالعين كناية عن صفة البصر، واليد كناية عن صفة القدرة، والوجه كناية عن صفة الوجود.. الخ.
أما القول الثالث فهو إمرارها على ما جاءت مفوضاً معناها إلى الله تعالى. واستشهد على القول الأخير ما ذكره شهاب الدين السهروردي بأن أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين، فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل ان يحوم حول ذلك الحمى. وعلق الطيبي عليه بأن هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح. كما استشهد بقول غيره دون ان يسميه: انه لم ينقل عن النبي (رضي الله عنهما) ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال ان يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه {اليوم أكملت لكم دينكم} (المائدة/3) ثم يترك هذا الباب، فلا يميز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضه على التبليغ عنه بقوله: «ليبلغ الشاهد الغائب»، حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته وما فعل بحضرته، فدل على انهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات (33).
________________________________________
(32) المنهاج شرح صحيح مسلم، ج1، كتاب الايمان، باب معرفة طريق الرؤية
(33) فتح الباري، ج13، ص330.

[الصفحة - 219]


على ان موقف ابن حجر من هذه الأقوال الثلاثة هو تقبل كلا المسلكين الأخيرين الخاصين بالتفويض والتأويل ضد المسلك الاول المثبت للصفات حسب ظهورها اللفظي. وكما قال: «إن أصل ما ذكروه قياس الغائب على الشاهد، وهو أصل كل خبط، والصواب الامساك عن أمثال هذه المباحث، والتفويض إلى الله في جميعها، والاكتفاء بالإيمان بكل ما أوجب الله في كتابه أو على لسان نبيه إثباته له، أو تنزيهه عنه على طريق الاجمال. ولو لم يمكن في ترجيح التفويض على التأويل إلاّ ان صاحب التأويل ليس جازماً بتأويله بخلاف صاحب التفويض» (34).
في حين ذهب بعض المتأخرين البيانيين إلى تفصيل الأمر في قبول تأويل الصفات وعدمه، كالذي عليه ابن دقيق العيد الذي رجح تأويلها عندما توهم التشبيه، فكما قال: «نقول في الصفات المشكلة انها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله، ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريباً على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيداً توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع التنزيه، وما كان منها معناه ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب حملناه عليه، مثل قوله تعالى: { يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله} (الزمر/56)، فإن المراد به في استعمالهم الشائع حق الله؛ فلا يتوقف في حمله عليه، وكذا قول النبي: «ان قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»، فإن المراد به إرادة قلب ابن آدم مصرفة بقدرة الله وما يوقعه فيه، وكذا قوله تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد}(النحل/26) معناه خرب الله بنيانهم، وقوله: { إنما نطعمكم لوجه الله} (الإنسان/9) معناه لأجل الله»(35).
على ذلك اهتم عدد من المتأخرين من اصحاب الدائرة البيانية بقضية تأويل الظواهر اللفظية للصفات، وكان الغرض من ذلك تفويت الفرصة على المثبتين لها، بعد ان ساد في اوساط هؤلاء نزعة التشبيه والتكييف رغم انهم يقولون إنها مما لا تعقل تبعاً لقوله تعالى: { ليس كمثله شيء} . وكان من بين ما فعله النافون للظواهر اللفظية هو نقل الأخبار التأويلية المأثورة عن السلف، كما نقلوا تأويل من جاء بعدهم من الحفاظ، واحياناً اخذوا يستنجدون ببعض من اصحاب الدائرة العقلية أو المتأثرين بها لتأويلها. وبالتالي انه لم تذكر صفة من الصفات الموهمة للتشبيه إلاّ ووجدوا لها شاهداً
________________________________________
(34) فتح الباري، ج13، ص324.
(35) فتح الباري، ج13، ص323ـ324.

[الصفحة - 220]


من تأويل السلف واتباعهم من المنشغلين بالقضايا البيانية، كصفة الصورة والوجه والعين واليد واليمين والقبض والاصابع والقدم والساق والمجيء والاتيان والنزول والهرولة والدنو والتدلي والاستواء والعرش والكرسي والضحك والمحبة والغيرة والتردد وغيرها.
وقد اتهم المؤوِّلون من اصحاب الدائرة البيانية نظراءهم من المثبتين لتلك الصفات بانهم من المشبهة، حتى وإن قالوا بقيد عدم التشبيه والتكييف، معتبرين ذلك مجرد دعوى كاذبة. فابن الجوزي مثلاً يعد إثبات ذلك عبارة عن تشبيه وتكييف ولا يفهم غير هذا المعنى.
وهنا نعود لنتساءل عن منهج ابن تيمية وأتباعه: هل حقاً ما يدّعونه من ان حمل الصفات الالهية على ظاهرها لا يستلزم التشبيه والتكييف؟
واقع الامر هناك عدد من الامارات تدل على صعوبة تقبل هذا النحو من الجمع المتنافي. فالقول بالصفات السابقة وغيرها يماثل القول بصفات الانسان، عضواً عضواً، وحالة حالة. فمثلاً ان القول بان لله صورة وانه خلق آدم على صورته لا يفهم الا بهذا المعنى من التمثيل والتكييف. ثم إن القول بان له عينين، والتعويل في ذلك على الحديث الذي يتضمن المقارنة بين عين الله وعين المسيح الدجال، لا يفهم الا على نحو التشبيه والتكييف. وكذا القول إن له اصابع، وفي بعض الاحاديث المصححة نجد التمثيل على ذلك بقبضة يد النبي، ومثل ذلك ان له يدين وقبضة وقدمين وساقاً وجنباً، وانه يضحك ويعجب ويستحي ويغار وينزل ويهرول ويتكلم بصوت وحرف، فكلها تدل على التشبيه.
وعلى هذه الشاكلة القول بان لله كرسياً هو موضع للقدمين كالذي يرويه ابن تيمية عن ابن عباس(36)، وما يسلم به من ان الله يهبط يوم التجلي في الآخرة على كرسيه، وان الانبياء يأتون فيجلسون على منابر تحف بهذا الكرسي، إذ يستشهد بقول أحد أئمة المالكية، وهو محمد بن أبي زمنين، الذي عد من قول أهل السنة ما رواه عن أنس من انه إذا كان يوم الجمعة في الآخرة هبط الله من عليين على كرسيه، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها (37).
________________________________________
(36)ابن تيمية: العقيدة الحموية الكبرى، شبكة المشكاة الالكترونية، فصل حول وصف الله بما وصف به نفسه (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته). وبيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن فصل حول قول الرازي البرهان الخامس (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته). مع ان هناك رواية تروى عن ابن عباس انه يؤوّل معنى الكرسي إلى العلم كالذي نقله الطبري في تفسيره.
(37)العقيدة الحموية الكبرى، فصل حول وصف الله بما وصف به نفسه. ومجموع فتاوى ابن تيمية، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته)، ج5، ضمن فصل أن يوصف الله بما وصف به نفسه.

[الصفحة - 221]


ومثله القول بان لله عرشاً استقر عليه، وقد ذكر ابن تيمية ان الله لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض (38). وكذا قول ابن القيم إن الله اجلس نبيه على هذا العرش، مستشهداً عليه بقول جماعة كبيرة من السلف والعلماء المتقدمين، كما استشهد عليه ببعض من ابيات الشعر لابي الحسن الدارقطني (39). وهناك عدد من الروايات تروى عن علماء السلف بان المقام المحمود المنصوص عليه في آية الاسراء يعني اجلاس النبي (رضي الله عنهما) على العرش، كالتي يذكرها ابن ابي يعلى الحنبلي، ومن ذلك ما اسند عن النبي وابن عباس ومجاهد في عدد من الطرق، وفي بعضها ان الله يجلسه معه على العرش أو السرير، وهو معنى قوله تعالى: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} (الإسراء/ 79). وروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قوله: «أنا منكر على كل من رد هذا الحديث» (40).
والعجيب ان الكرسي موصوف في القرآن بانه يسع السماوات والارض، وان العرش اكبر من ذلك بما لا يعلمه الا الله، كما هو مقرر لدى القائلين بحقيقة الصفات المذكورة (41)، لكنهم مع ذلك يقرون أيضاً ان الله قد أقعد نبيه على عرشه، فأي نوع من الإقعاد هذا، والنسبة بين الطرفين معدومة من حيث الحجم والسعة؟!
كما ذكر ابن القيم انه قد ورد بان السماء منفطر به تعالى، الامر الذي لم يسمح بنقله المتأخرون جبناً وضعفاً، بل قاله المتقدمون (42).
ومن المؤشرات التي تؤكد معنى التشبيه في المنهج السالف الذكر؛ ما أضافه ابن القيم من استدراك حول بعض الصفات، فعلى رأيه ان ذكر الساق والجنب لا يدل على ان لله واحدة لكل منهما. وهو استدراك صحيح، لكن استقباحه واستشناعه ان يكون الرب عبارة عن شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد عليه أيد كثيرة وله ساق واحد كما وردت هذه الصفات في القرآن والحديث؛ كل ذلك يدل على ما في النفس من انه متصور كما في الشاهد، إذ ما المانع ان يكون للرب مثل هذه الصفات بلا تشبيه ولا تمثيل؟ وبعبارة اخرى، ما الذي جعل ابن القيم يعد هذه الصفات قبيحة وشنيعة لا تتناسب مع الله، مع انها مذكورة في القرآن والاحاديث
________________________________________
(38) بيان تلبيس الجهمية، ضمن فصل للناس في حملة العرش
(39)ابن القيم: بدائع الفوائد، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته)، ضمن فقرة: بعض مسائل فقهية من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني.
(40) ابن أبي يعلى: كتاب الاعتقاد، مكتبة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، باب الإسراء والمعراج.
(41) بيان تلبيس الجهمية، ضمن فصل للناس في حملة العرش.
(42) السبكي: السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص136.

[الصفحة - 222]


المصححة؟ إذ ورد ان لله اعيناً وايد، وورد ان له جنباً وليس اكثر من ذلك، كما ورد ان له ساقاً ولم يرد ساقان أو اكثر. فلماذا يستنكر ابن القيم الأخذ بهذه المنطوقات لولا تأثره بالشاهد وتطبيقه على الغائب؟ إذ كان الأولى به تجويز مثل هذه النتائج التي اوردها بعض اصحاب الدائرة العقلية ليظهر من خلالها شناعة القول باثبات الظواهر اللفظية للصفات (43).
وهناك من نقل عن ابن تيمية اُموراً لها دلالة صريحة على التمثيل والتجسيم، لكنها تخالف ما هو معلوم من كتبه، ومن ذلك ما نقله صاحب (كشف الظنون) من ان لابن تيمية كتاب العرش ذكر فيه «ان الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله (رضي الله عنهما) ذكره أبو حيان في النهر.. وقال: قرأت في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه» (44). ونقل عنه في بعض تصانيفه بان الله بقدر العرش لا أكبر ولا أصغر (45). كما نقل انه قال في الكلام على حديث النزول المشهور: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا إلى مرجة خضراء وفي رجليه نعالان من ذهب (46). ونقل أيضاً أنه في يوم كان يخطب فذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين وقال كنزولي هذا (47).
هذا ما ينقل عن ابن تيمية، وهو مخالف لما هو معلوم من كتبه. لكن لا يعني ذلك ان ما تبناه من اتجاه لا يبعث على التشبيه، بل على العكس كما رأينا، وربما لهذه العلة كان السلف يأمرون بامرار النصوص في الصفات التي يبدو عليها التشبيه دون تفسير وبحث وتنقيب، فربما كانوا يدركون ان الخوض فيها يجر إلى التشبيه ولو مع قيد (ليس كمثله شيء). خاصة ان بعض النصوص يعطي انطباعاً مباشراً بالتشبيه دون ان يؤثر فيه قيد عدم التشبيه والتكييف، كما هو الحال مع حديث الصورة الذي مر معنا. لذلك فقد كان بعض السلف يتمنى لو ان أصحاب الحديث يتركون عشرة أحاديث في الرؤية، كالذي يروى عن يحيى بن صالح، وقد علق عليه أحمد بن حنبل بقوله: كأنه نزع إلى رأي جهم (48). بل كان من الحنابلة من لا يتقبل أحاديث الصفات، معتذزاً بانها أخبار آحاد، كالذي عليه ابن سنينة (المتوفى سنة 610هـ) (49).
هكذا ان الاتجاه الذي سلكه ابن تيمية في الجدل والتدقيق يأتي على خلاف ما
________________________________________
(43) ابن القيم: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن الفصل الثامن (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته).
(44)حاجي خليفة: كشف الظنون، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج2، ص1438، جاء ان العبارة المذكورة موجودة في النسخ المخطوطة من تفسير أبي حيان، لكنها ليست موجودة في التفسير المطبوع، ونقل الشيخ الكوثري عن مصحح طبع الكتاب بمطبعة السعادة انه استفظعها جداً فحذفها عند الطبع لئلاّ يستغلها أعداء الدين (تكملة الرد على نونية ابن القيم، ضمن: السيف الصقيل، ص97، والتوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني لجماعة من العلماء، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص21).
(45) تكملة الرد على نونية ابن القيم، ص163.
(46) تقي الدين الحصني: دفع شبه من شبه وتمرد، ضمن التوفيق الرباني، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص21.
(47) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، شبكة المشكاة الالكترونية، ج1، ص49.
(48) سير اعلام النبلاء، ج10، فقرة 455.
(49) ذيل طبقات الحنابلة، ج2، فقرة محمد بن عبد الله بن الحسين السامري.

[الصفحة - 223]


اوصى به علماء السلف. فحاله في هذا الموضع كحال أبي الحسن الاشعري، حيث أراد ان يدافع عن موقف الامام أحمد بن حنبل وغيره من السلف بطريقة الجدل والكلام، لكنها مع ذلك لم تكن مرضية لدى اتباع هذا الامام، ربما لانهم ادركوا ان النهج الذي سلكه في الجدل الكلامي سيفضي إلى تجاوز تلك النظرية، الامر الذي تحقق لدى المتأخرين من الاشاعرة، حيث اصبحت نظريتهم في الصفات بعيدة كل البعد عما كانت عليه لدى شيخهم الاشعري، مثلما هي بعيدة عما هو سائد لدى السلف، ومنهم الامام أحمد.
وكذا يمكن القول بالنسبة لطريقة ابن تيمية، ذلك انه يكثر الجدل والخوض في أمر الصفات بما لم يسبق اليه أئمة السلف المعروفين، وان ذلك قد أفضى به إلى التشبيه. وهو امر يذكرنا بما قاله ابن هبيرة (وهو من حنابلة القرن السادس الهجري): تفكرت في أخبار الصفات، فرأيت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها، مع قوة علمهم، فنظرت السبب في سكوتهم، فإذا هو قوة الهيبة للموصوف، ولأن تفسيرها لا يتأتى إلاّ بضرب الأمثال لله، وقد قال عز وجل: { فلا تضربوا لله الأمثال} (النحل/ 74). لذلك رأى ان الصفات لا تفسر على الحقيقة ولا على المجاز؛ لأن حملها على الحقيقة تشبيه، وعلى المجاز بدعة (50).
فالنتائج السلبية للخوض في البيان هي كالنتائج السلبية للخوض في العقل كما عليه أهل الكلام، فاولئك اورثهم التشبيه، وهؤلاء اورثهم الشك، حتى صرح الكثير منهم بندمه أو بنكوصه إلى تبني عقيدة الآباء والعجائز أو الاعتراف بعدم الدراية بشيء أو غير ذلك مما هو معلوم ومشتهر.
تلاقي ابن تيمية مع الفلاسفة والعرفاء
يوجد تشابه ملفت للنظر بين الطريقة البيانية كما لدى ابن تيمية وبين ما عليه طريقة العرفاء في نظريتهم حول المشاكلة (51). فكلاهما اتبع ذات النهج في الموقف من النص الديني تبعاً للفظ الظاهر مع اعتبارات الاستخدام اللغوي ومراتب المعاني اللفظية. فقد اعتبر الفيلسوف الاشراقي صدر المتألهين ان الطريقة التي اقتبسها عن
________________________________________
(50)ذيل طبقات الحنابلة، ج1، فقرة يحيى بن محمد بن هبيرة. وكان ابن هبيرة يقول: ما أنزل الله آية إلاّ والعلماء قد فسروها، لكن يكون للآية وجوه محتملات، فلا يعلم ما المراد من تلك الوجوه المحتملات إلاّ الله عز وجل. كما قال: ليس مذهب أحمد إلاّ الاتباع فقط. فما قاله السلف قاله، وما سكتوا عنه سكت عنه، فانه كان يقول في آيات الصفات: تمرّ كما جاءت (نفس المصدر والفقرة السابقين).
(51) للتعرف على نظرية المشاكلة للفلاسفة والعرفاء؛ يراجع الفصل الثامن من كتابنا: الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، دار الهادي ـ بيروت 2005م.

[الصفحة - 224]


الغزالي هي ذات طريقة أهل الحديث في الاعتماد على الظاهر اللفظي من غير تأويل. وكما صرح بان الطريقة التي تبناها تحمل الآيات والاحاديث على مدلولها الظاهري ومفهومها الاول، كما هو المعتبر عند ائمة الحديث وعلماء الاصول والفقه. وقد طبقت على الكيفية التي عليها الصفات الالهية، فاقرت هذه الصفات على ظواهرها ومفهوماتها الاصلية من غير صرف وتأويل، وكذا من غير تشبيه ونقص وتجسيم مثلما يدعو اليه اصحاب البيان السلفي (52). فعلى رأي صدر المتألهين انه لو لم تحمل الآيات والاخبار على ظواهرها ومفهوماتها الاولى فلا فائدة في نزولها وورودها على عموم الخلق وكافة الناس، بل كان نزولها على ذلك التقدير في باب «فهوم متشابهات» (53). وهو ذات التبرير الذي تقدمه الدائرة البيانية في تعويلها على الظواهر اللفظية من غير تأويل وتحريف.
كما أضاف صدر المتألهين بان هذا الابقاء لظواهر الالفاظ على معانيها الاصلية يقترن مع تحقيق هذه «المعاني وتلخيصها عن الأُمور الزائدة وعدم الاحتجاب عن روح المعنى بسبب غلبة احكام بعض خصوصياتها على النفس واعتيادها بحصر كل معنى على هيئة مخصوصة له، يتمثل ذلك المعنى بها للنفس في هذه النشأة، فلفظ الميزان مثلاً موضوع لما يوزن به الشيء مطلقاً.
فهو امر مطلق يشمل المحسوس منه والمتخيل والمعقول، فذلك المعنى الشامل روح معناه وملاكه من ان يشترط فيه تخصيصه بهيئة مخصوصة، فكل ما يقاس به الشيء بأي خصوصية كانت، حسية أو عقلية، يتحقق فيه الميزان ويصدق عليه معنى لفظه، فالمسطرة والشاقول والكونيا والاسطرلاب والذراع، وعلم النحو وعلم العروض وعلم المنطق وجوهر العقل، كلها مقاييس وموازين توزن بها الاشياء، الا ان لكل شيء ميزاناً يناسبه ويجانسه» (54).
وهذا التباين في الاستخدام اللغوي هو ذات ما تؤكد عليه الطريقة البيانية كما لدى ابن تيمية، حيث اللفظ لديه لا دلالة له في حد ذاته ما لم يستعمل. فالاستعمال يجعله قابلاً لان يصير ذا معان حقيقية عديدة. فمثلاً ان لفظ (رأس) تأتي مقترنة في الاستعمال باشياء عديدة مختلفة، كرأس الانسان ورأس الطائر والدابة والماء والامر والمال والقوم، وكذا لو قلنا جناح الطائر والسفر والذل، فكل لفظ بعد الاستعمال يصبح
________________________________________
(52) صدر المتألهين: مفاتيح الغيب، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، ص93.
(53)صدر المتألهين: ايقاظ النائمين، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، 1982م، ص16ـ17، والحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، دار احياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الثانية، 1981م، ج2، ص342ـ343.
(54)لاحظ كتب صدر المتألهين التالية: مفاتيح الغيب، ص92؛ وعرشيه، كتابفروشي شهريار، اصفهان، 1341هـ.ش، ص271ـ272؛ والاسفار، ج9، ص299؛ وتفسير القرآن الكريم، دار التعارف ـ بيروت 1419هـ / 1998م، ج5، ص139ـ140.

[الصفحة - 225]


له حقيقة من المعنى الذي يناسبه، وهو ما يبرر اعتبار صفاته تعالى المذكورة في القرآن والحديث، كمحبته ورضاه وعلمه وسمعه وكلامه واستوائه؛ كلها تجري مجرى الحقيقة دون المجاز، ومع ذلك فهي ليست بالصفات الشبيهة مع المخلوقين (55).
وذات هذا الشيء ما صرح به الفلاسفة والعرفاء ممن تبنى نظرية المشاكلة، حيث بحسب هذه النظرية فان للفظ مراتب من المعنى بعضها يتشاكل مع البعض الآخر، كحال ما عليه الوجود الخارجي، حيث إن له مراتب مختلفة تتفاوت بحسب المشاكلة والسنخية. فهناك عوالم متشابهة بعضها يفوق البعض الآخر من حيث الكمال، وكل ما يذكره الخطاب الديني من اشياء كالميزان والعين واليد والتردد والاستهزاء وغير ذلك، فان لها حقائق متطابقة ومختلفة في الكمال. إذ تبعاً لمنطق السنخية يستلزم ان تكون عوالم الوجود متطابقة ومتشاكلة، وبالتالي كان من السهل تفسير ما يتعلق بعالم الغيب الموصوف في النصوص الدينية تبعاً لهذا التشاكل والتسانخ، فما من شيء محسوس في الطبيعة يذكره النص الديني الا ويكون اشعاراً لما موجود في الآخرة تبعاً لمشاكلات الوجود ومشابهاته. وهو الأُسلوب الذي استخدمه الغزالي في (القسطاس المستقيم)، وارتضاه صدر المتألهين بالاعتراف والتأييد (56)، فوفق في تطبيقه بحيث يرضي ما عليه اصحاب الفلسفة والذوق، وما عليه اتباع البيان السلفي، مما يفضي إلى ان تكون النتيجة بين مذهب الفلاسفة العرفاء من جهة، وبين مذهب البيانيين متطابقة إلى حد كبير. حيث المتفق عليه بين الجانبين هو جعل الاوصاف الدينية حقة من غير تحريف للنص أو حمله على المجاز والتشبيه. فالفهم عند الطرفين قائم بحسب هذه الاوصاف الظاهرة التي يدل عليها اللفظ الحرفي. وطبقاً لذلك اقر هؤلاء بأن لله تعالى الاوصاف التي تدل عليها الظواهر اللفظية، وإن كانت غير معلومة الكيف تبعاً لقوله تعالى:{ ليس كمثله شيء} ، وهي التي سلم بها الكثير من علماء السلف واتباعهم كما علمنا.
ويتعمق التوافق بين الطرفين بما اكد عليه اتباع البيان السلفي من وجود القدر المشترك في معنى اللفظ المستخدم بين ما يدل عليه في المشاهد المحسوس، وما يدل عليه في الغيب غير المحسوس، كالذي قام بتبيينه ابن أبي العز، حيث ذكر بان
________________________________________
(55) ابن تيمية: الرسالة التدمرية، المكتب الاسلامي ـ بيروت، الطبعة الثانية، ص50ـ51؛ والصواعق المرسلة ص244 و252.
(56) مفاتيح الغيب، ص97ـ98؛ وتفسير صدر المتألهين، ج1، ص172.

[الصفحة - 226]


النبي أخبر العرب بامور لم تكن معروفة لديهم، كتلك المتعلقة بالإيمان بالله وباليوم الآخر، فاخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتدل على القدر المشترك بين المعاني الغيبية المجهولة والمعاني الشهودية التي يعرفها العرب، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد. فاذا اخبرهم النبي عن تلك الأُمور من الغيب، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، وأراد النبي ان يشهدوه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أمكنه ذلك بان يأتي بقول يكون حكاية له وشبهاً، فيعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأُمور الغائبة، ويكون ذلك عبر درجات ثلاث، أولها إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة، وثانيها عقله لمعانيها الكلية، أما ثالثها فتعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب، فإذا أخبرنا النبي عن الأُمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والشبه الذي بينهما، ومن خلال تعريفنا الأُمور المشهودة أمكننا معرفة الأُمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط.
كما أشار ابن أبي العز إلى ان التعريف بالامور الغيبية يأتي عن طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينها وبين معقولات الأُمور المشاهدة، وذلك تبعاً للتشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن والفهم أكمل (57).
وهذا الذي ذكره ابن أبي العز هو ذاته الذي اكد عليه الغزالي وغيره من العرفاء مما يطلق عليه بالاعتبار والتمثيل والمشاكلة وغير ذلك. فالمقصود بالاعتبار هو ذلك المنهج الذي يدعو إلى العبور من ظاهر النص إلى باطنه لقرينة مناسبة دالة على هذا الامر أو منبهة عليه، فهو لا يلغي الظاهر، كما انه لا يتوقف عنده. وسمي بالاعتبار تبعاً لقوله تعالى: { فاعتبروا يا اولي الابصار}(الحشر/2)، أو قوله: { ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار} (آل عمران/13). اما التمثيل فكما ذكر صدر المتألهين من ان معظم آيات القرآن هي أمثال تذكر للناس لتشير إلى ما تتضمنه نظرية المشاكلة من اعتبارات ما للوصف الظاهر في النص من مراتب متعددة ومتكاملة في الوجود، مثل الميزان والقلم
________________________________________
(57) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، فقرة قوله: ولا شيء مثله.

[الصفحة - 227]


والاصبع وغيرها (58).
كذلك فان ما أشار اليه ابن أبي العز من وجود المشترك المعنوي للفظ الذي منه يتحول الفهم من المشاهد المحسوس إلى الغائب غير المحسوس، هو قريب المعنى مما تراه نظرية المشاكلة، حيث إنها لا تعول على ظاهر النص فحسب، بل تأخذ بعين الاعتبار ما لدى هذا الظاهر من لفظ له معان متعددة ومتشاكلة يصح من خلالها إقرار الحقائق العليا من غير تأويل. فيكون الظاهر هو اللفظ المشترك العام الذي يحمل نظائر المعنى وأمثالها على ما فيها من تفاوت في القوة والكمال. أما الحقيقة المرادة من هذا الظاهر فهي تلك الامثال الباطنة التي تنتزع من ذلك الظاهر العام. فسواء استخدمت الامثال بحسب ما يبدو عليها من معنى حسي، أو معنى آخر صوري مجرد عن الحس الطبيعي، فان كل ذلك يعد من النظائر والامثال التي تتفاوت فيما بينها بحسب المشاكلة، لذلك فان اخذ المعنى الظاهر بحسب ما عليه الحقيقة الباطنة من المعاني الصورية المجردة لا يعد من التأويل بشيء. وعلى حد قول صدر المتألهين فان حقيقة التمثيل الذي جاءت به نصوص القرآن ليس الغرض منه مجرد التأثير والوقع في النفس، بل بيان حقيقة الامر وملاكه وروحه، ففي قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون}(البقرة/17)، ان الالفاظ المذكورة في الآية كالنار والاستيقاد والإضاءة والنور والظلمات وغيرها كلها محمولة على الحقيقة ومشهودة بنظر البصيرة، فهي حقيقة احوالهم الباطنة، أما تلك التي هم عليها من الاحوال والافعال الظاهرة فهي مثال لتلك الاحوال الباطنة، وذلك تبعاً للمشاكلة والمسانخة، حيث إن ما في الدنيا هي امثلة لما في الآخرة، وحيث إن المماثلة لما كانت من الجانبين، فانه يجوز استعمالها في كل من الطرفين، فالمثَل في اصل الكلام هو بمعنى المثْل، وهو النظير (59).
فهنا نجد تشابهاً بين نظرية المشاكلة الوجودية للعرفاء وبين النظرية البيانية في تحديد طريقة الفهم الخاصة بالامور الغيبية وعلى رأسها مسألة الصفات الالهية. فكلا النظريتين تقيمان الفهم طبقاً للظاهر، كما انهما تعترفان بان معنى اللفظ يظل مشتركاً وعاماً يحدده السياق العام للنص، إن كان يتحدث عن امر حسي شهودي أو معنوي
________________________________________
(58) مفاتيح الغيب، ص96.
(59) تفسير صدر المتألهين، ج3، ص19.

[الصفحة - 228]


غيبي. وكلاهما يقولان حسب ذلك الفهم بان الصفات الالهية تحمل على ظاهرها وان معناها يفهم دون تأويل، وان هذا المعنى له بعض الشبه بما عليه الشاهد المحسوس، مع بقائه محكوماً بقاعدة (ليس كمثله شيء).
لكن ما يترتب على ذلك من معنى هو القول بوحدة الوجود كالذي صرح به الفلاسفة والعرفاء باتساق. ومن ذلك القول بان الوجود عبارة عن جسم له مراتب متعددة تتفاوت فيما بينها في الشدة والضعف، أو الكمال والنقص، كالذي صرح به صدر المتألهين.
وكذا فان ما يقوله البيانيون من وجود بعض حالات الشبه بين الله من جهة وخلقه من جهة اخرى يتسق والقول بوحدة الوجود. وقد قيل إن القول بالجسمية مثلما عليه مذهب مقاتل بن سليمان يفضي إلى القول المبطّن بهذه الوحدة (60). ومثل ذلك ان ما يقوله اتباع الطريقة البيانية من اثبات الظواهر اللفظية للصفات كوجود الوجه والصورة والعينين واليدين والقدمين والساقين والاستواء والاستهزاء والتعجب والتردد والضحك والفرح والمجيء والذهاب وما إلى ذلك، كل هذا يفضي إلى الإقرار المبطن بوحدة الوجود الجسمية، وهو لا ينافي قولهم بنفي التكييف مع اعترافهم بوجود شيء ما من المشابهة بين العالمين. فهذا الاعتقاد هو على شاكلة ما يقوله الفلاسفة والعرفاء القائلين بنظرية المشاكلة. مع فارق ان التأسيس الذي قامت عليه نظرية المشاكلة لدى اتباع النظام الوجودي هو تأسيس قائم على النظر إلى (الوجود العام)، فمن حيث الاعتماد على النظر إلى هذا الوجود امكن للفلاسفة ان يسقطوا نظريتهم في المشاكلة على النص الديني، فأصبحت المشاكلة بين المعاني اللفظية للنص تستمد تبريرها من المشاكلة الوجودية. في حين ان التأسيس الذي نظّر اليه اتباع الطريقة البيانية مستمد من النص الديني، ومن ثم تمّ اسقاطه على الوجود العام، حيث المعول عليه هو اللفظ المشترك الذي يحمل المعاني المتشابهة، ومنه تمّ تطبيقه على الوجود.
وتظل المحصلة بين المذهبين متقاربة بهذا الخصوص.
كما تلاقى ابن تيمية مع خصومه الفلاسفة فيما ذهب اليه من عدم وجود بداية محددة للحوادث، وهو إقرار بأزلية الاشياء من حيث النوع لا الافراد، حيث على رأيه
________________________________________
(60) النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام، دار المعارف، الطبعة السابعة، 1977م، ج1، ص391.

[الصفحة - 229]


ان كل فرد حادث يسبقه فرد حادث قبله وهكذا من غير بداية محددة، وهو ذات ما يقره الفلاسفة. ومع ان ما ورد في التراث ان هناك عدداً محدوداً من الاشياء قد سبق خلقها قبل السماوات والارض، الا انها تعد بحسب هذا الرأي ليست لها بداية باطلاق، ومن ذلك العرش، حيث نقل الدواني عن ابن تيمية انه اعتقد بقدم العرش من حيث النوع (61)، أي ان كل عرش يسبقه عرش آخر قبله دون بداية محددة، وذلك ليثبت بان الله فاعل ازلاً وانه مستقر من عرش إلى عرش ازلاً أيضاً.
وقد نسب ابن تيمية نظريته هذه إلى أئمة السنة والحديث، ونقل ما يقوله بعض المتكلمين من ذهاب بعض من وصفهم بالمشبهة بانهم قائلون باثبات حوادث لا اول لها (62). كما نقل بعض اتباعه ما قاله عثمان بن سعيد الدارمي: «كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل» (63).
ويعد هذا المنقول من الشواذ، حيث لم ينقل عن غيره من السلف ما يفيد النص الصريح في اثبات حوادث لا بداية لها. بل ليس من البيانيين من يثبت ذلك قبل ابن تيمية بشكل واضح لا غبش فيه. فان من يعزى اليهم القول بذلك هم الفلاسفة. لذلك شنع عليه الخصوم وعدوه ممن تأثر بهم لكثرة الاهتمام بمباحثهم والرد عليهم، كالذي جرى عليه الحال مع الغزالي الذي قيل فيه انه أمرضه (الشفاء) (64)، ووصفه معاصره أبو بكر بن العربي في مقولته الشائعة: شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر. وهو القول الذي استعان به ابن تيمية في الرد على الغزالي (65)، مع انه في رأي المخالفين قد وقع بما وقع به سابقه (66). وعادة ما ينسب مثل هذا الاعتقاد إلى الملاحدة، ومن ذلك ما قاله أبو يعلى الحنبلي في المعتمد: الحوادث لها أول ابتدأت منه خلافاً للملاحدة (67). وكان من ضمن ما أُحتج به على ابن تيمية انه قد ابتدع فكرة لم ترد عن اهل البيان باستثناء بعض الشذوذ، وبنظر البعض انها مخالفة للإجماع، بل وإن الإجماع على تكفير من يقول بها، كالذي حكاه الشيخ عياض وغيره (68).
وفي جميع الاحوال ليس في الكتاب والسنة ما يشير إلى هذا المعنى الذي
________________________________________
(61) تكملة الرد على نونية ابن القيم، ص85.
(62) درء تعارض العقل والنقل، ج1، ولاحظ أيضاً: ابن تيمية: النبوات، دار القلم، بيروت، ص60، ومنهاج السنة، ج1، ص121.
(63)ابن القيم: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، شبكة المشكاة الالكترونية، ص156، وشرح العقيدة الطحاوية، فقرة (قوله: ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).
(64) ابن تيمية: رسالة في علم الباطن والظاهر، شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن فصل حول العلم الباطن (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته).
(65) درء تعارض العقل والنقل، ج1، الفصل الاول حول تعارض الأدلة السمعية والعقلية.
(66)نسب إلى الذهبي، رغم انه من تلامذة ابن تيمية، رسالة شديدة اللهجة في الرد على مسلك شيخه، ومن ذلك تنطعه في المباحث الفلسفية وغيرها. فقد جاء في رسالته الذهبية قوله وهو يخاطبه بهذا الخصوص: «يا رجل بالله عليك كف عنا فانك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، اياكم والاغلوطات في الدين، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وعن كثرة السؤال وقال (ان أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان) وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب ؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن (الذهبي: النصيحة الذهبية، نشرت ضمن: التوفيق الرباني، ص205ـ206).
(67) تكملة الرد على نونية ابن القيم، ص84.
(68)دفع شبه من شبه وتمرد، ص21، علماً ان هناك من بالغ واتهم ابن تيمية بانه خرق الاجماع بنحو ستين مسألة في الاصول والفروع، كما هو الحال مع الشيخ ولي الدين العراقي (المصدر السابق، ص22).

[الصفحة - 230]


تحدث عنه ابن تيمية، بل جاء في بعض الاحاديث ما هو خلاف ذلك، حيث أخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه، وكذا ابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في (الاسماء والصفات) عن الصحابي أبي رزين انه سأل النبي بقوله: أين كان ربنا قبل ان يخلق خلقه؟ فأجابه النبي: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء. وعلق الترمذي الذي حسّن الحديث بان معنى العماء هو ليس معه شيء (69).
ومما يزيد في اقتراب هذا الاتجاه من النظام الوجودي للفلاسفة والعرفاء ما ذكره ابن قيم الجوزية من ان أسماء الله الحسنى تقتضي مسمياتها ومتعلقاتها، فحيث هناك اسماء فلابد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق بها، فاقتضت حكمة الله ان يتم إنزال الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما، إذ لو تربت الذرية في الجنة لما ظهرت آثار جملة من هذه الأسماء وتعلقاتها، والكمال الإلهي يأبى ذلك، فالله يأمر وينهى ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل، لذا أنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام (70). وهذا المعنى يتسق والقول بأزلية الصنع والخلق، كما ويتفق من وجه مع ما يقوله العرفاء في النظام الوجودي من اقتضاء ان يكون لاسماء الله تبعياتها، واعتبروا ذلك من حتميات الوجود، وهو خلاف ما يذهب اليه ابن تيمية واتباعه (71).
كذلك أُتهم ابن تيمية بأنه ابتدع فكرة اخرى يقول بها الفلاسفة والعرفاء، وقد نسبها ابن تيمية إلى السلف، وهي الاعتقاد بانقضاء النار وفنائها، ومن ثم القول بعدم الخلود في العذاب. ومن خصومه من نفى ان يكون احد من السلف قال ذلك، إنما روي عن بعضهم كلمات تتأول كما تتأول المشكلات التي ترد وتحمل على غير ظاهرها (72). وقد اورد ابن تيمية عدداً من الروايات عن بعض الصحابة كيف ان الله يخرج في النار من فيها مثل ابن مسعود وأبي هريرة وعمر وأبي سعيد الخدري، وردّ عليه الصنعاني واعتبر انه لا دلالة في ذلك على فناء النار، كما لا دلالة فيه على خروج المشركين منها، خاصة وان من الآيات ما يشير إلى البقاء الدائم، مثل قوله تعالى: { إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنّة حتّى}
________________________________________
(69) الدر المنثور، ج3، ص322.
(70) شفاء العليل، ضمن الباب الثالث والعشرون
(71) انظر الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، خاصة الفصل السادس
(72) السبكي: رسالة الاعتبار ببقاء الجنة والنار، ضمن التوفيق الرباني، ص149.

[الصفحة - 231]


{يلج الجمل في سمّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين} (الأعراف/40). وفي الحديث يؤتى بالموت فيذبح بين الجنة والنار (73).
والمهم في الامر ان هذا الاعتقاد جاء موافقاً لما يقوله الفلاسفة والعرفاء. وقد استدل عليه بعدد من الآيات، فاعتبر بعض الآيات دالة على انقطاع العذاب مثل قوله تعالى: { لابثين فيها احقاباً} (النبأ/ 23)، وقوله: { النار مثواكم خالدين فيها الا ماشاء الله} (الانعام / 128). أما الآيات التي تبدي الابدية والخلود فقد فسرها بقيود وشروط يجعلها دالة على الانقطاع، ومن ذلك قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبداً} (الجن/ 23) وقوله: { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} (البقرة/ 162).
حيث دلل بكون ما ورد في مثل الآيتين السابقتين من خلود وأبدية إنما مشروط ببقاء السماوات والارض، كالذي يدل عليه قوله تعالى: { واما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها مادامت السماوات والارض، الا ما شاء ربك إنّ ربّك فعّال لما يريد} (هود/ 106ـ107)، وعليه اعتبر الابدية هي استمرار المعذبين في النار مادامت موجودة، مع ان الله ـ على رأيه ـ لم يصرح بان النار باقية أبداً، وفرق بين الحالين كما هو واضح. يضاف إلى ان التأبيد قد جاء في القرآن مقيداً بما لا يتنافى مع الانقطاع، كما في قوله تعالى عن اليهود: { ولن يتمنوه ابداً بما قدمت ايديهم}(البقرة/ 95)، فإنما لا يتمنوه أبدأ مدة حياتهم في الدنيا، والا فهم في النار يتمنون الموت حيث يقولون كما في قوله تعالى: { يا مالك ليقض علينا ربك} (الزخرف/ 77)، كذلك ما جاء في قول العرب: لا افعل هذا ابداً، ولا اتزوج ابداً «فانما يريدون بذلك مدة منقطعة هي ابد الحياة ومدة عمرهم، وهكذا الابد في العذاب كقوله تعالى: { له نار جهنم خالدين فيها ابداً} (الجن/23)، إنما هو ابد مدة بقاء النار ودوامها» (74).
ولنا على هذه النظرية الملاحظة التالية:
إن الآيات التي وردت حول تعليق الخلود في النار على دوام السماوات والارض قد اعقبها ذات هذا التعليق فيما يخص الخلود في الجنة، وكما جاء في النص القرآني: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما }
________________________________________
(73) محمد بن إسماعيل الصنعاني: رفع الاستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، مكتبة يعسوب الدين الإلكترونية، ص77 وما بعدها.
(74) مختصر الصواعق المرسلة، ص234.

[الصفحة - 232]


{شاء ربك عطاء غير مجذوذ} (هود/108). فاذا كانت الآيات السالفة الذكر تدل على انقطاع العذاب لأهل النار تبعاً للتعليق الوارد الذكر، فان الحال ذاته يدل على الانقطاع بالنسبة إلى أهل الجنة. الامر الذي يحتاج إلى لون من التخريج والتمييز بين ما يصيب هؤلاء واولئك، ولا يكفي ما ذُكر من وجود قرينتين في الآية، إحداهما قوله تعالى: { إنّ ربّك فعّال لما يريد} (هود/107)، حيث وردت متصلة فقط مع قضية انقطاع العذاب، دلالة على تأكيده، ولم تقترن مع الاستثناء المتعلق بقضية الخلود في الجنة، والأُخرى قوله تعالى: { عطاء غير مجذوذ} حيث جاءت عقب الاستثناء المتعلق بالخلود في الجنة، وهي بهذا توحي إلى دفع توهم الاعتقاد بانقطاع السعادة (75). فلا شك ان وجود هاتين القرينتين لا يمحي صورة الاستثناء التي وردت في كلا الموردين من الجنة والنار. وقد كان الزمخشري صاحب (الكشاف) يرى أن آية الاستثناء من المعضلات على ما نقل عنه السمعاني. كما ان ابن القيم رأى ان الاستثناء في آية الاستثناء في أهل الجنة هو من المتشابه، وأن المحكم قوله تعالى: عطاء غير مجذوذ، وظلها دائم، وما إلى ذلك (76).
وعادة ما يؤوّل العلماء الآية المتعلقة بتعليق الخلود في النار على دوام السماوات والارض، وهو انها تصدق فيما يخص العصاة من الموحدين دون المشركين، وان بعض العلماء يؤوّل الاية الأُخرى بخصوص الجنة، وهو ان المقصود بأن لأهل الجنة نعيماً أجل وأكبر وهو رضوان الله عز وجل وبقاؤه. في حين ذهب الصنعاني إلى ان الاستثناء في آية الجنة من باب (حتى يلج الجمل في سم الخياط) وهو تقييد بالمحال، وان من دخل الجنة لا يخرج منها أبداً؛ بدليل الاجتماع المعلوم ضرورة من الدين، وبدليل قوله تعالى: { عطاء غير مجذوذ} وفي آية أهل النار محمول على ما ذكر من خروج الموحدين (77).
الأُمور المبتدعة
لقد أفضت طريقة ابن تيمية إلى ابتداع امور لم تكن معروفة في العهد الاول، أهمها تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية والوهية، حيث الاول عبارة عن الاعتراف
________________________________________
(75) ابن الموصلي: مختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية، تصحيح زكريا علي يوسف، مطبعة الامام 13، مصر، ص238.
(76) رفع الاستار، ص109.
(77) رفع الاستار، ص108ـ110.

[الصفحة - 233]


بالخالق، وانه ليس له شريك في الخلق، وقد عد ابن تيمية ان إثبات ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم ولا أثبت أحد إلهين متماثلين ولا متساويين في الصفات ولا في الأفعال. أما توحيد الالهية فهو الاعتراف بعبادة الخالق وحده ودعائه والتقرب اليه دون وسائط، وهذا الصنف من التوحيد هو الذي ابتلي به الخلق، وظهر فيه الشرك بأصناف مختلفة مثل عبادة الشمس والقمر والكواكب والأوثان، وكذا عبادة الأنبياء والأولياء والملائكة أو تماثيلهم وما إلى ذلك. وقد استدل بالآيات القرآنية من ان المشركين والكافرين كانوا يعترفون بان الخالق للعالم واحد هو الله، لكن مشكلتهم انهم جعلوا له وسائط وشركاء يشاركونه في العبادة أو الخلق دونه، كالذي جاء في قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} (لقمان/ 25)، وقوله: { قل لِمَن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون للّه، قل أفلا تذكّرون، قل من ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم، سيقولون للّه، قل أفلا تتّقون، قل من بيده ملكوت كلّ شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون للّه، قل فأنّى تسحرون} (المؤمنون/84ـ89)، وقوله: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون} (يوسف/ 106). على ذلك اعتبر ان الرسل قد دعوا الخلق إلى توحيد الإلهية، وهو يتضمن توحيد الربوبية (78). حيث لم يكن مشركو العرب يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب، وجاء في حكاية عن قوم نوح قوله تعالى: { وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً} (نوح/23). وجاء في صحيح البخاري وكتب التفسير وقصص الأنبياء وغيرها عن ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس قبيلة قبيلة (79).
كما استدل ابن تيمية على مذهبه بقوله تعالى: { لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً}
________________________________________
(78) درء تعارض العقل والنقل، ج9، في نقد الفلاسفة.
(79) شرح العقيدة الطحاوية، فقرة قوله: نقول في توحيد الله.

[الصفحة - 234]


{لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} (الإسراء/ 42)، حيث فيه نفي لوجود آلهة مشاركة لله دونه، ولو كانت آلالهة موجودة لسعت إلى التقرب إلى الله. وقيل لسعت إلى مغالبته، وهو على رأي ابن تيمية خلاف الظاهر (80).
لكن هذا شيء وما نفته آلاية الأُخرى في التوحيد شيء آخر، وهي قوله تعالى: { ما اتّخذ اللّه من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} (المؤمنون/91). فلو فرضنا ان الآلهة المذكورة لم تكن في عرض الله، وإنما دونه، أي لو كان دلالة الآية هو ان الآلهة ليست بصدد العلو على الله، بل العلو فيما بينها بالتغالب وذهاب كل منها إلى الخلق المستقل، فان هذا النحو من الافتراض يناقض ما في الآية التي قبلها، حيث في الحالتين يفترض وجود آلهة، لكن في الحالة الاولى انها تسعى للتقرب إلى الله، في حين انها في الحالة الثانية تتغالب بينها وتستقل في خلقها، وهو ما لا يتسق مع التقرب إلى الله، كما لا يتفق وان يكون لها القدرة في الاستقلالية على الخلق. وعلى ذلك لا يفهم من معنى الآية الا افتراض وجود آلهة مع الله بالتوازي والتنافس والتغالب، ومن ثم ذهاب كل منها إلى ما يخلق من عالم، فنفت الآية ذلك وإلاّ تعدد العالم ولأفضى الامر إلى المغالبة أو علو البعض على البعض، وهو المعنى الذي يقره ابن تيمية. لكن هذا النفي قد يشير إلى وجود من يعتقد باكثر من إله خالق للعالم من المشركين، لذلك ان الآية قد ردت على هكذا اعتقاد، مما يعني ان ذلك جاء على خلاف المطلب الذي كرّس ابن تيمية جهده لإثباته. والشيء نفسه يقال في ما نص عليه القرآن بقوله: { لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا} (الأنبياء/22).
واذا كانت لفظة (الإله) تستخدم في القرآن كدلالة على الخلق كما في الآية السابقة، مثلما تستخدم كدلالة على الوساطة بالعبادة والشفاعة، فان ذلك لا يحتم تفسيرها طبقاً للمعنى الاخير عند فقد القرينة الدالة، حيث نجد ابن تيمية كثيراً ما يستدل على هذا المعنى بالقرينة الدالة وبغير القرينة، ومن ذلك ما استشهد به من آيات كقوله تعالى عن المشركين: { أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} (ص/5)، وقوله تعالى على لسان يوسف: { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} ، وكذا قوله على لسان إبراهيم: { أإفكاً آلهة دون الله تريدون} .
________________________________________
(80) درء تعارض العقل والنقل، ج9، في نقد الفلاسفة.

[الصفحة - 235]


فهذه الآيات لا تدل على ان المشركين نظروا إلى ألهتهم نظرة وسائطية أو شفعائية، وإن كانت هناك آيات اخرى كثيرة تدل على ذلك، وهي القرينة المطلوبة، لكن حيث إن القرآن اورد بعض الصور من الاعتقاد بالآلهة المتعددة المفترض فيها الخلق المستقل، فان ذلك يبدي ان الناس كانوا يختلفون في عقائدهم ومصادر شركهم.
على ان التقسيم الذي استحدثه ابن تيمية للتوحيد، ومن ثم جرى عليه تلميذه ابن أبي العز الذي أضاف في شرحه للعقيدة الطحاوية قسماً ثالثاً للتوحيد هو توحيد الصفات.. كل ذلك فتح الباب أمام الدعوة إلى تكفير المخالفين في مثل تلك الاصول، وما زلنا نعاني من تبعات ذلك حتى يومنا، مع ان هذا الامر لم يكن مطروقاً لدى السلف، وان القرآن الكريم اظهر صفات المشركين في التوحيد ما لا ينطبق على المسلمين، مثل قوله تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً}(الإسراء/46)، وقوله: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} (الزمر/ 45)، وقوله: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاّ الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} (الصافات/35ـ36)... الخ.
فالمسلمون يقرون بالإله الواحد الخالق، وان العبادة مختصة به دون سواه، وان الشريك في الفعل مملوك له لا يسعه ان يفعل شيئاً دونه وبما شاءت إرادته كالذي يوافق عليه ابن تيمية (81). وكل ذلك يجعل المسلمين في طرف غير الطرف الآخر، آخذين بالاعتبار ما يرد عن بعض الجهلة من الافعال التي تعود إلى شيء من الشرك، وان بعض الافعال ما تندرج ضمن حالات الخلاف بين العلماء. لكن في جميع الاحوال ليس هؤلاء كاولئك الذين نص عليهم القرآن الكريم من الشرك الواضح الصريح. فأي عذر يعذر به اولئك المكفرون؟!
* * *
________________________________________
(81)قال ابن تيمية بهذا الصدد: «وأما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر، بل تفتقر إلى مشارك معاون وانتفاء معارض مانع وجعلها مخلوقة لله، فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن ودل عليه العيان والبرهان، وهو من دلائل التوحيد وآياته ليس من الشرك بسبيل، فإن ذلك مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات»؛ درء تعارض العقل والنقل، ج9، في نقد الفلاسفة.

[الصفحة - 236]