البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السلفية الدينية في المجال التاريخي الإسلامي خلفيات الماضي وآفاق المستقبل مقاربة نقدية

الباحث :  أ. نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  45
السنة :  السنة الثانية عشر ربيع 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  318
السلفية الدينية في المجال التاريخي الإسلامي
خلفيات الماضي وآفاق المستقبل
مقاربة نقدية

أ. نبيل علي صالح (*)

أولاً ـ مقدمة ضرورية
تعتبر دراسة التاريخ الإسلامي ـ وما فيه من أحداث وأفكار ـ بتقنية علمية وموضوعية من المسائل الشائكة والصعبة.. وهي لا تتوفر إلاّ للقلة من الباحثين نظراً لطبيعة المادة التاريخية التي قد تتشابك نصوصها، وتتضارب أحداثها ووقائعها، وتتلون تحليلات الكتاب والمؤرخين حولها بمختلف ألوان الاتجاهات السياسية والمذهبية المتبناة من قبل هذا المؤرخ أو ذاك.
وإذا كان التاريخ الإسلامي لا يزال مصدراً أساسياً من مصادر الفكر والمعرفة الإسلامية، فإن المنطق العقلي والعلمي يلزمنا جميعاً ـ كمفكرين وباحثين ومنتجين للمعرفة ـ أن نقوم بدراسة مواقع (ومواضع) هذا التاريخ دراسة نقدية واعية لا تكتفي بنقل مخزوننا التراثي التاريخي الهائل الحجم والاتساع كما هو إلى عصرنا الراهن، ولكنها تنفذ إلى عمق حركة هذا التاريخ لتبحث عن أفكاره وأحداثه ورموزه ومواقعه، وتقوم بتوثيقه من حيث رواته ومضامينه ومحتوياته، وتدرس إمكانية انسجامها أو عدم انسجامها مع حقائق الأشياء والظروف الموضوعية التي تحيط بهذه الفكرة أو الواقعة أو تلك الشخصية التاريخية.
________________________________________
(*) باحث وكاتب، من سوريا.

[الصفحة - 242]


وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم في ضرورة أن نتعاطى مع التاريخ ـ باعتباره حركة الإنسان في محيطه خلال الزمان ـ من موقع العبرة والدرس والعظة والاستذكار الإيجابي الفعال، ليغدو ـ هذا التاريخ ـ مدرسةً نعرف نتائجها في حجم التجربة، ولنصنع التاريخ في مدرسة نحرك نتائجها في المستقبل.. يقول تعالى: { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الأنعام: 55).. وهذا أيضاً ما تؤكد عليه نصوص السنة الشريفة من خلال ضرورة «عقل الخبر عقل رعاية لا عقل رواية.. فرواة العلم كثيرون ورعاته قليلون»، كما يشير الحديث الشريف.
ونحن عندما نتحدث تاريخياً عن فكرة أو رمز أو موقف تاريخي ماض، فإننا نريد لبحثنا التاريخي أن يدخل إلى العمق الروحي والفكري للرمز والقيمة والمفهوم، وأن نستقدم من التاريخ الماضي للشخصية التاريخية المدروسة ـ التي ابتعدنا عنها كثيراً في حساب الزمن المادي ـ كل المبادئ والقيم الروحية والعملية مما كان يتحدث عنه، أو يوجه إليه، أو يعظ به.. من خلال ما كانت تمثله من صورة مضيئة ومشرقة للإسلام كله على مستوى الفعل والقول والحركة والموقف.. وهذا يضعنا أمام مدخلية فكرية منهجية أراها ضرورية للبحث في أي مادة تاريخية.. وهي مسألة كيفية دراسة المادة التاريخية، والأدوات الواجب استخدامها، وضبطها في سياقها الطبيعي، سواءً كانت المادة فكراً أم رمزاً.
ولعل من أهم الأمراض التي تصاب بها أغلب الحضارات والثقافات في فكرها وتاريخها وحركتها ـ والتي تفضي حتماً إلى تخلف الشعوب وانحطاط الأمم ـ هو مرض التمسك الشديد لنخبها بأفكار ونظريات ومبادئ ومواقف عاشت ونشأت في الماضي، وتجاوزها الزمن، وسبقتها عجلة التطور، ولم يعد لها أي علاقة عملية بالوقائع الجديدة والأحداث المتتالية والمتراكمة، حتى إن العديد من هذه النخب السياسية والثقافية المتمسكة بالقديم ترى تخطئة من يغير مفاهيمه وآراءه لتتلاءم مع روح العصر، وتتكيف مع المستجدات ومنطق التطور التاريخي.. فالتخلي عن المبادئ لديها (حتى لو أثبتت التجربة والأيام عقمها وفشلها، وتأثيرها السلبي على حركة الحاضر والمستقبل)، يعتبر أعلى درجات «اللاأخلاقية» في العمل السياسي والفكري؛
________________________________________

[الصفحة - 243]


ليكون ـ بحسب أصحاب هذا المنطق ـ التمسك بالمبادئ والأصول ـ التي لا تزعزعها التحديات، ولا تقهرها المتغيرات.. والراسخة رسوخ الجبال ـ أعلى درجات «الثورية» والنجاح، فالمهم الانتصار في اللفظ والخطابة واللغة، حتى لو خسرنا الأرض والواقع والحاضر كله.. وبهذا يمكن تفسير أسباب الجمود والتخشب الفكري والعملي لدى تيارات سياسية وفكرية تفتخر بأنها ثابتة على المبادئ دون الاهتمام بمدى مناسبتها للظروف السائدة، وبمدى وجود فرص حقيقية لنجاحها في الإطار العملي.
ومن هنا تأتي فكرة «السلفية» لتكون فكرة من جملة الأفكار التاريخية الدينية التي انطلقت شراراتها الأولى منذ قرون عديدة، وأصبح لها انتشار وتأييد واسعين في عالم العرب والإسلام حالياً، ولا تزال رائجة ومتحركة بقوة في داخل اجتماعنا الديني والسياسي المعاصر، حتى باتت تشكل عصب التفكير الحركي للكثير من النخب والتيارات والحركات الإسلامية المعاصرة المنتشرة انتشار النار في الهشيم على امتداد مساحة مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ومنذ بداية التشكل التاريخي لهذه الظاهرة (التي رفع بعض زعمائها وقادتها المحدثين شعار: الحسام البتار، والدرهم والدينار) (1)لاحظنا كيف انطلقت الخلافات ودبت الانقسامات بين صفوف المسلمين على اختلاف مللهم وانتماءاتهم ومذاهبهم، بحيث نستطيع القول إن نشوء السلفية الدينية هو من أهم المسببات في إيجاد حدود ومداميك مذهبية أيديولوجية بين عموم أبناء الدين الواحد.. وقد تعمقت تلك الحدود والحواجز الفكرية والثقافية الدينية أكثر من تعمق الحدود الجغرافية ـ السياسية.
وقبل أن نبدأ بالحديث عن طبيعة الفكر السلفي، ومقوماته، وكيفية مواجهته بالنقد والتحليل، نسأل هنا: كيف يمكن للمرء أن يفسّر بعقلانية ظهور السلفية (والأصولية) الإسلامية اليوم؟ ثم لماذا في عصر المنطق، توجد أعداد هائلة من أتباع العقلانية والتنوير والاعتدال في العالم الإسلامي قد ينجذبون ويدعمون مفهوماً دينياً اُصولياً في العالم، من مجموعات اُصولية متطرّفة على غرار القاعدة وطالبان إلى منظمات أكثر نموذجية على غرار (الإخوان المسلمون) في مصر (والجماعة الإسلامية) في باكستان؟!
________________________________________
(1)في إشارة إلى قول الشيخ كاشف الغطاء: «لو كنا نعلم أنهم يقنعون بالحجة البالغة، ويخضعون للأدلة القاطعة، لملأنا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذكاء، وأجلى من صفحة السماء، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان يعتمد عليهما، وإليهما يستند، ولا فائدة إلاّ بمقابلتهما أو بأقوى منهما، وهما: الحسام البتار والدرهم والدينار، السيف والسنان، والأحمر الرنان، هذا لقوم وذلك لآخرين». (راجع: مجلة تراثنا، العدد الرابع«13»، السنة الثالثة، شوال 1408هـ، ص186). والحسام البتار والدرهم والدينار هما إشارة إلى الأساليب التي اعتمدت في نشر الخطاب والفكر السلفي منذ بداياته الأولى وحتى مراحله اللاحقة وبخاصة في المرحلة الوهابية، حيث ركبت الدعوة السلفية مطية الجهاد المسلح والفتوحات العسكرية، ولم يكن هناك احتكام إلاّ للسيف والعنف المسلح. والكل يعلم علم اليقين الحجم الكبير للأموال والطاقات الهائلة المصروفة على المؤسسات الإعلامية والدينية السلفية الوهابية وغير الوهابية لكي تقوم بتعميم ونشر المد الأصولي السلفي في مختلف الأرجاء من إفريقيا إلى آسيا، وغيرهما، كي تتماشى هذه الثقافة السلفية مع بعض الاستراتيجيات السياسية والاجتماعية لهذه الدولة أو تلك. وهذا النشر والانتشار للفكر السلفي لا يقتصر على مذهب واحد ولون واحد، وإنما يتعداه ليصل إلى مذاهب دينية اُخرى أيضاً مدعومة من تيارات ونخب ودول في المنطقة لها مصالحها في هذا الشأن.

[الصفحة - 244]


إن الذي يبدو أمامنا هو أنّ المسلمين الأصوليين يسيطرون فعلاً على العالم الإسلامي. فأين يمكن البحث عن الأجوبة؟!! يزوّدنا كل من التاريخ وعلم الاجتماع، بدلاً من الفلسفة الفكرية، بعدسة من أجل السعي لتخطّي هذه الظاهرة الفكرية ـ الاجتماعية المتفاقمة.
ثانياً ـ السلفية: مقدمات فكرية وخلفيات تاريخية ومذهبية
لدى مراجعة كتب اللغة ككتاب لسان العرب مثلاً، يتحدث ابن منظور عن السلفية قائلاً: «سلف: سلفَ يسلف سلفاً وسلوفاً: تقدم... والسالف: المتقدم. والسلف والسليف والسلفة: الجماعة المتقدمون، وقوله تعالى: { فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} (الزخرف: 56)...
وقال الفراء: يقول جعلناهم سلفاً متقدمين ليتعظ بهم الآخرون... ويقول الجوهري: سَلَفَ يَسلف سلفاً مثال طلب يطلب طلباً، أي مضى. والقوم السلاف: المتقدمون. وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف... والسلف أيضاً: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم من فوقك في السن والفضل، واحدهم سالف... وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح» (2).
إذن، كلمة السلف تعني لغةً: الأقدمية الزمني، أي التقدم الزمني كما يقول الشيخ د. محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (السلفية ـ مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي) (3): «كل زمن من الأزمان سالف بالنسبة إلى الأزمنة الآتية في أعقابه وخلف بالنسبة إلى الأزمنة التي سبقته ومرت قبله». وقد حدد الشيخ البوطي هذه المرحلة السلفية بالقرون الثلاث الأولى من عمر التجربة الإسلامية، وقد اختلف كثيرون معه في ذلك.
أما المراد بمذهب السلف، فيقول أحمد بن حجر: «ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وما كان عليه أعيان التابعين لهم بإحسان، وما كان عليه أتباعهم وأئمة الدين ممن شُهد له بالإمامة، وعرف عظيم شأنه في الدين، وتلقى الناس
________________________________________
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج6، ص330 ـ 331، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ط1، عام 1988م.
(3) البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص 16، صدر الكتاب عن دار الفكر بدمشق.

[الصفحة - 245]


لكلامهم خلفاً عن سلف. كالأئمة الأربعة، والسفيانيين، والليث بن المبارك النخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن دون من رمي ببدعة أو شهر بلقب غير مرضي مثل: الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية، والجهمية، والمعتزلة وسائر الفرق الضالة» (4).
وهكذا لا يشير مفهوم السلف أو السلفية إلى فترة أو مرحلة زمنية محددة اختلف المؤرخون في تحديدها، وإنما يتعداه إلى مصطلح ومفهوم «الخيرية» المنتزع من حديث رسول الله المروي في أكثر من كتاب تاريخي: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته».
وإذا ما أردنا التدقيق في الرؤية التاريخية السابقة التي تعتبر أن السلفية مذهب ومنهج له بداياته التاريخية منذ زمن الرسول والصحابة الأوائل ومن ثم الذين يلونهم، فإنه يمكن التأكيد هنا على أن مفهوم «السلفية» لم يتمظهر تاريخياً كتيار له سمات محددة ومعايير معينة في طبيعة المفاهيم والعقائد والسلوك إلاّ بعد أن بدأ الإسلام ينتشر في العوالم المتعددة المحيطة بشبه جزيرة العرب. حيث انطلق المسلمون فاتحين بلاد العالم القديم متسلحين برؤية دينية عقائدية إيمانية محددة، واستطاعوا ـ خلال فترة زمنية غير طويلة نسبياً ـ الهيمنة الفعلية على أكبر امبراطوريات التاريخ آنذاك، وقاموا بنقل إرثهما الكبير، كما حاولوا ـ طيلة قرون عديدة ـ هضم واستيعاب ميراثهما الحضاري العريق والمتراكم.
ونتيجة لهذا التفاعل والاحتكاك الحي المتواصل والمتراكم مع العوالم الأُخرى، كان من البديهي أن يتأثر الفاتحون المسلمون بأفكار ومعارف وثقافات الحضارات المتنوعة في أفكارها وعاداتها وتقاليدها.. فهؤلاء المسلمون عاشوا في شبه جزيرة صحراوية، ولم يتطبعوا بطباع المدنية، بل سكنوا الخيم في ظروف مناخية بالغة القسوة والشدة، أثرت على طباعهم وأخلاقهم، وعلى طبيعة نظرتهم للحياة والإنسان.
إذن، بدأ التحول يظهر على حياة اُولئك الفاتحين، وبدأت قيم وعادات جديدة تسيطر على معيشتهم وأحوالهم من حيث شكل اللباس وطريقة الأكل والمسكن،
________________________________________
(4) راجع: السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. نقلاً عن: العقائد السلفية لأحمد بن حجر، آل أبو طامي، ص11.

[الصفحة - 246]


خصوصاً بعد أن سكنوا المدن واختلطوا مع أفراد تلك المجتمعات الجديدة في البلدان الواسعة التي فتحوها والتي أصبحت تشكل ـ مع مناطقهم الجغرافية ـ ما يسمى بـ«المجتمع الإسلامي الكبير».
ومنذ ذاك الحين بدأت وتائر الدعوات والنداءات المحذرة والمتوعدة تتصاعد من طرف بعض الناس في تنبيههم وتحذيرهم من هذا التحول ومن خطورة نتائجه، وتدعو للرجوع إلى ما كان عليه الرسول ومجتمع الصحابة الأول. فأمام حركة الترف والتنعم بملذات الدنيا وخيراتها (من امتلاك للمزارع الكبيرة، وبناء الدور والقصور الفخمة، واقتناء الجواري والعبيد والخدم والحشم... الخ) ظهر تيار مناهض لهذه المظاهر وندد بها (5)، داعياً للتقشف والزهد في الحياة الدنيا. على أن ذلك ـ كما يدّعي أصحاب هذا المنطق ـ من صميم الدين وسيرة السلف الصالح، وهناك محاورة (6)بين الإمام الصادق(عليه السلام) وسفيان الثوري (وكلاهما ينتسب لعصر التابعين) تظهر لنا عدم تقبل الكثير من الملتزمين بالدين الجديد ـ خصوصاً من العرب ـ بعض العادات الجديدة في الملبس والمأكل والمسكن. وهذا كله مما يدل على قوة تلك التحولات العميقة وردود الأفعال عليها ضمن الدائرة الإسلامية.. حيث لاحظنا ـ مع مرور الأيام وزيادة انغماس المجتمع الإسلامي أكثر فأكثر في الحياة المدنية والترف الحضاري المديني ـ تصاعد الدعوات إلى ضرورة العودة لاقتفاء «أثر السلف الصالح»، وباتت الدعوة لتقليد السلف في ملبسهم وسلوكياتهم العامة خطاً أو تياراً خاصاً متميزاً في الوسط الإسلامي بجانب التيارات الأُخرى. لكن هذه الدعوة ستأخذ ابتداءً من القرن الرابع الهجري بعداً مفاهيمياً (فكرياً ونظرياً) له رموزه وشخصياته ممن يدعون للعودة إلى التزام نهج وقيم وآراء ومذاهب السلف الصالح.
ولكننا هنا نطرح عدة أسئلة حول الزمن التاريخي المحدد الذي عاشوا فيه؟ وماهية هؤلاء السلف الصالح؟ من هم؟ ما هو تاريخهم؟ ما هو دورهم في الحياة الإسلامية؟! ما هي أبرز أعمالهم وإنجازاتهم التاريخية التي لا تزال باقية حتى الآن؟! وهل تنطبق مقولة السلف الصالح على كل من عاش في زمن الرسالة الأولى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل كل من كان مع الرسول كان صالحاً ومؤمناً وصادقاً.. أي تنطبق عليه
________________________________________
(5) راجع كتاب: السيد محمد الكثيري، السلفية بين أهل السنة والإمامية، ص 25، ط10، دار الغدير للدراسات الإسلامية ـ بيروت 1997م.
(6)جاء في كتاب: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر (ص302، مجلد2): «دخل سفيان الثوري على الإمام الصادق (عليه السلام) وكان عليه جبة خز دكناء، قال سفيان: فجعلت أنظر إليها متعجباً. فقال لي: يا ثوري. ما لك تنظر إلينا، لعلك مما رأيت؟ قال: فقلت: يا بن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك. فقال لي: يا ثوري، كان ذلك الزمان مقفراً مقتراً، ثم حسر عن ردن جبته وإذا تحتها جبة صوف بيضاء، وقال: يا ثوري، لبسنا هذا لله (وأشار إلى جبة الصوف) وهذا لكم (وأشار إلى الخز) فما كان له أخفيناه، وما كان لكم أبديناه. وجاء في رواية اُخرى، قال: أخبرك أن رسول الله (رضي الله عنهما) كان في زمان مقفر جشب، فإذا أقبلت الدنيا فأحق بها أبرارها لا فجارها، مؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها (يراجع: بداية الفرق نهاية الملوك للشيخ محمد رضا الحكيمي، ص71).

[الصفحة - 247]


كل الصفات الحسنة والمحمودة؟!
في الإجابة نرى أنه عند العمل على تحديد هؤلاء السلف الصالح الذين يقصدهم رموز هذا الخط.. فالمسألة تبدو مبهمة أحياناً ومتناقضة أحايين اُخرى، وغير محددة المعالم على وجه الدقة.. إذ إننا عندما نقرأ كتب التراث السلفي ـ إذا صح القول ـ نجد أنفسنا أمام مجموعة غير قليلة من التعاريف المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة التي تشرح وتحلل فكرة السلفية.. يمكن أن نستنتج معها أن المقصود بالسلف الصالح ليس كل من رافق الرسول الكريم، أو عايشه، أو رافق من رافقه، وعايش من عايشه، باعتبار أن فيهم المؤمن والمنافق، الصالح والطالح، الصادق والفاسق، الملتزم والمنحرف، لا بل إن بعضهم ارتد وأعلن العداوة على الملأ.. وبالنتيجة نسأل: هل تنطبق على كل هؤلاء مقولة «السلف الصالح»؟! بالطبع لا.
كما أننا نعتقد أن الأزمات والنكبات والتجارب الكثيرة التي مرت على عالم الإسلام والمسلمين منذ حادثة «السقيفة» ـ التي افترق المسلمون بعدها إلى مكونين وفرقتين، لكل منهما طريقتها ومنهجها في فهم النص، ووعي رسالة الإسلام، واُسلوب الدعوة ـ تدل دلالة أكيدة على وجوب عدم وجود نظرة واحدة أو مستوى واحد في تقدير (وتقييم) كل ما يسمى بالسلف الصالح، وضرورة احترام كل ما جاؤوا به من معارف والتزامات في المستويين النظري والعملي (إذا سلمنا جدلاً بأن ما أنتجوه من تراث ديني يشكل معرفة حقيقية بالمعنى الصحيح للكلمة).. فهم أبناء عصرهم ونتاج بيئتهم، أنتجوا فكراً معيناً نتيجة ظروفهم وكسبهم هم بحسب ما توصلوا إليه من خلال وعيهم وإدراكهم للوجود والحياة، ولا يمكن الجزم مطلقاً أن تجربتهم هي أفضل التجارب، أو أن فهمهم للأُمور أفضل من فهم غيرهم لها.. كما أن اختلافاتهم وخلافاتهم كثيرة وواسعة حتى إنها ملأت الخافقين، وتجاوزت حدود الاختلاف الفكري المحمود لتصل إلى حد إباحة سفك الدماء والإفتاء بالقتل ضد هذا وذاك، وتكفير الفرق لبعضها البعض، وسحق كل مناؤئ أو مخالف أو معارض للرأي والمعتقد الخاص بهذا الطرف أو ذاك (7). ولكن بالإجمال العام يمكن القول إنه يجب أن نعذر اُولئك السلف من الآباء الأوائل (8)، بأن لا ننقل تجاربهم وخلافاتهم وأفكارهم
________________________________________
(7)لقد قدم كثير من السلف صورة مأساوية عن الإسلام محورها الرعب والتفجع والدم. وهو بالأساس دين حرية وتحرر، ورسالة سماوية إنسانية سمحاء، غايتها الأولى والأخيرة خدمة البشرية جمعاء، من منطلق أن الدين وسيلةً لخدمة الناس، وليس أداةً لاستعبادهم وزيادة معاناتهم وصعوباتهم الحياتية.
(8) جاء في القرآن الكريم: تلك اُمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (البقرة: 134 و141).

[الصفحة - 248]


المضرة إلى عصرنا الحالي، وأن تقتصر رؤيتنا لهم على صورة بشرية عادية وليس إلهية مقدسة.
وفي تصوري أن المنطق الذي تبني السلفية دعواها التاريخية والفكرية عليه لا يستقيم أبداً مع النظرة القائلة: إن السلف صالح وخير بالمطلق، وإن ما ذهب إليه السلف هو الحق، وما دونه هو الباطل، كما هي رؤية كثير من المذاهب والتيارات والنخب الإسلامية السلفية الماضية والمعاصرة. وهذه حقيقة انتقائية فجة، ونظرة ضيقة وسطحية للأُمور. فليس كل من هو من السلف صالح بالضرورة، وليس كل من هو من الخلف طالح بالضرورة. التقييم والحكم هنا نسبي من حيث المعيار الحقيقي تاريخياً وواقعياً.
ثالثاً ـ التطبيقات العملية للفكر السلفي
إننا عندما ندرس «السلفية» كمصطلح فكري، فإننا نفهم منها طريقة التفكير غير الموضوعية التي تتحدد بجملة أفكار ومعايير دينية يعمل أصحابها ودعاتها على استنطاق التراث بشكل قوالب جامدة وأنماط شكلانية محددة غير قابلة للانفتاح على الحياة والعصر، مما يوقع المنتمين إليها في أزمة الابتعاد العملي عن الواقع، والعيش في جنة النظريات والأفكار (9).
وإذا أردنا أن نميز ونحدد بشكل أكثر دقة أهم أنماط وتطبيقات السلفية في طبيعة فهمها الجامد للنصوص والأفكار والوقائع والتواريخ، يمكننا تسجيل النقاط التالية:
1 ـ دعوى امتلاك الحقيقة المطلقة:
ادعاء الفكر السلفي امتلاك الحقيقة التاريخية (10)بالكامل (شخصاً أم فكراً)، وعدم وجود معيار علمي موضوعي عقلاني لديه للتمحيص والتدقيق والنقد.. وهذا يؤدي على الدوام إلى إثارة الفتن والبغضاء بين الفرق والمذاهب والتيارات المتعددة والمختلفة. لأنك عندما تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فلا بدّ أن تثير لدى الأطراف الأُخرى هواجس كثيرة، وتستنفر لديها كل ما بحوزتها من مكونات
________________________________________
(9)طبعاً نحن لا نعدم أبداً وجود بعض تيارات السلفية المعاصرة المخلصة لرسالتها، ممن اشتغل أصحابها بالعلم والإدراك الصحيح لقيم ومبادئ الدين الحنيف، فأعطوا للعقل قيمته العالية التي يستحقها في داخل بنيتهم التفكيرية، وهؤلاء نستطيع أن نقول عنهم «سلفيون إصلاحيون أو تنويريون ». وهم ليسوا موضع حديثنا النقدي في هذه الدراسة.
(10)المشكلة هنا أن هذا الأمر لا يقتصر على حصرية الحقيقة لدى السلف، وإنما لا تزال تربى أجيالٌ بأكملها على تقديسهم وعبادتهم. نقرأ هنا نصاً يُعلم للشباب السعودي لتربيتهم على عبادة السلف. والنص مأخوذ من مادة التوحيد التي تُدرس في العام الأول من المرحلة الثانوية: «مع مرور الزمن، حل الانحراف الأخلاقي محل رسالة محمد. واختفت العديد من التقاليد أمام البُدع. وكان الصحابة وتابعيهم قد وقفوا بثبات في وجه هذه البُدع وقمعوها. فالصحابة عرفوا الحقيقة وأبطلوا المسائل المشبهة. ومتى ظهرت بدعة، أرسل الله شخصاً ليحاربها، ليكشف مضارها وينقي السنة الظافرة منها. ومتى ظهر واحد من أولئك الذين يدافعون عن الضلال، أرسل الله شخصية عظيمة من أهل السنة ليحاربه ويُخزيه بمحق بدعته.فعندما ظهرت أولى نزعات الابتداع في عهد الفاروق عمر، أرسل الله عمر الذي صحح الضلالة، فعاقب الملة برمتها، وعاقب الضالين بإحراقهم في النار، وأمر بجلد الذين عابوا الشيخين )أبو بكر وعمر(. وعندما قام بعض الناس بإنكار القضاء والقدر، وقف صحابة من مثل ابن عمر في وجوههم وفضحوا زيغهم. وعندما صرح غيلان الدمشقي ببدعته، ناهضه أتباع التقليد النبوي. وعندما واصل ضلاله قتله هشام بن عبد الملك. وبالطريقة ذاتها قتل الأمير خالد بن عبدالله القصري ابن درهم. وكلما ظهرت البدع، قام أهل السنة ليحاربوها. فعندما تحرك مناصرو النزعات الابتداعية، أرسل الله أحمد بن حنبل، الإمام السني ومُخمد البدع. فهزمهم، والحمد لله، ولم تقم لهم قائمة مرة اُخرى على القوة ذاتها. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية مقاتلاً استخدم معرفته وخطابته في وجه اللاهوت المدرسي والفلسفة والصوفية وغيرها من البدع. وما زال ميراثه وكتاباته تقدم مرجعاً لكل من يلتزم بمبادئ السنة وقذى في عين كل مبتدع>. (راجع كتاب التوحيد، التعليم الثانوي، السنة الأولى). وهاكم مثالاً آخر عن اُسلوب التلقين التعليمي السلفي كما يرد في مناهج الأزهر، بما يدلنا على حجم الدور الخطر الذي يمكن لها أن تلعبه التربية والتعليم التقليديتين (وادعاء امتلاك الحقيقة المقدسة) في خلق إرهاب مقنّع أو على الأقل في رعاية الركود وتنشئة الأجيال على التقليدية والتعصب الأعمى.. يقرأ طلاب الأزهر ـ وهم في القرن الحادي والعشرين ـ عما يمكن أن يحدث إن أخبر رجل زوجته «إنني سأطلقك إذا ما تبين أن هذا الطائر المحلق إنما يكون غراباً ». وماذا سيحدث لإنسان وُلد برأسين اثنين وأربعة أرجل وأربعة أيدي في حال سجوده في الصلاة، ما دام يفترض بالبشر أن يسجدوا وهم يتكئون على سبعة عظام هي الرأس واليدان والركبتان والساقان؟.. ومهما كان الحال منذ قرون مضت، عندما كُتبت هذه الكتب، فقد وُضع بوصفه قواعد تتوجب إطاعتها. ففي فصل حول مآدب الأعراس وآداب الطعام، يقول المنهاج: «على المرء أن يأكل بثلاثة أصابع وعليه أن ينظف ما بين أسنانه؛ كما عليه أن يمسح الصحن وأن يزدرد ما يتبقى من طعام وشراب ». ورغم التقدم الحاصل في التقنيات والمعارف الطبية، فإن طلبة الأزهر يدرسون التداوي باستخدام بول الجمل، وأنه إذا تكلم رجل أثناء الجماع فقد يفقد صوته أو يصاب بالتأتأة. كما توصي هذه الكتب المؤذنين بوضع سباباتهم في آذانهم عندما يرفعون الآذان للصلاة، لأن ذلك يجعل الصوت أقوى.. وتصبح الصلاة نافلة إن مرَّ كلب أسود أثناءها؛ لأن الكلاب السود شياطين. ويشير أحد الكتب إلى علامات الموت التي يستخدمها بعض الفقهاء المحافظين في إعاقة القوانين التي تسمح بزراعة الأعضاء البشرية. ويوجه كتاب حول تعاليم الشافعي إلى أن الماء يقي من الجن في الليل، وأن على المرء ألاّ يجفف نفسه بالطرف السفلي من ثوبه بعد الوضوء؛ لأن ذلك يجلب الفقر. كما يتوجب طي الثياب أثناء الليل لئلاّ تلبسها الجن. وتعلِّم أن الرعد هو ملاك أجنحته هي البرق الذي يساعد في توجيه الغيوم.. فهل يتضمن ذلك أن علينا التخلص من التأمين الصحي في مدارس الأزهر لنوفر الجهد والمال؟ (راجع كتاب: خالد منتصر، ليست أمريكا وحدها التي تطالب بتغيير المناهج، موقع elaph.com الالكتروني، 6شباط 2004م).

[الصفحة - 249]


المواجهة ضدك، الأمر الذي يجعل من الصدامات المتبادلة قدراً لا مفر منه، وهذه هي إحدى مميزات الحركة السلفية، فحيث تستعر نار الطائفية والخلافات المذهبية، تجد هناك ـ دون شك أو ريب ـ عقل سلفي يؤجج هذه النار، ويمدها بالوقود كي تشتعل أكثر وتدوم. ولا شك أن من يدفع ثمن وتكلفة تلك النيران المشتعلة هم أبناء مجتمعاتنا على العموم، وبخاصة من ينتمون منهم لمذهبي السنة والشيعة تحديداً.
ولعل المراجع لتاريخنا الإسلامي ـ الذي كان الفكر السلفي الديني أحد عناوينه البارزة المؤثرة بقوة قي كل حركته منذ بدايات الدعوة وحتى الوقت الحاضر الذي نبتت فيه حركات وأحزاب السلفية الدينية ـ لا يمكن إلاّ وأن يلاحظ وجود إشكالية مهمة يثيرها الأُسلوب المنهجي والعملي في طبيعة التعاطي مع قضايا (ورموز وشخصيات (11)وأحداث وأفكار) هذا التاريخ في كثير من مفاصلة الهامة، من خلال أنه ينطلق ضمن أجواء ضاغطة تتأسس على رؤية ضبابية مختنقة في الجانب الذاتي من التاريخ النظري والعملي.. فيما هو الاستغراق (المنتفخ) ـ إذا صح التعبير ـ في داخل الساحة التاريخية، والمعبأ بكل ذاتيات هذا التاريخ الزاهي والمتألق، في التركيز على الصيغة التاريخية الميكانيكية الخطابية الجامدة التي لا تنتج إلاّ الانحراف والتحريف في الفكر والممارسة، والفقر في الاغتناء المعرفي الحضاري والإنساني. وعندما يقوم أصحاب تلك الطريقة بدراسة الظاهرة أو الحدث البشري أو الطبيعي ـ في محيطه الإنساني والتاريخي ـ فإنهم ينظرون إلى إنسان التاريخ (أو الحدث أو الفكرة) ككائن ينتمي إلى بعد ذاتي واحد، ينفصل عن الزمان والمكان، ويعيش في مركزيته الشخصية بعيداً عن التأثير أو التفاعل مع حركة الأحداث التي يعايشها، ويمكن أن يؤثر (أو يتأثر) بها فتغتني منه، ويغتني منها.
إنها الطريقة التبسيطية التبريرية التي تواجه المشكلة أو الهدف بشكل حماسي يتميز بوجود كمّ هائل من ركام الشعارات المنتفخة والمثيرة، والمهرجانات الصاخبة «غوغائية التقديس المفتعل» الخالية من المحتوى الفكري، والمضمون الاعتقادي الهادف والفاعل الذي يخطط للمستقبل بوعي وإيمان، ويرسم حدوده وتفاصيل
________________________________________
(11)نسأل هنا على سبيل المثال لا الحصر: هل يعقل أن تبقى شخصية مثل ابن تيمية متعالية فوق الخطأ، ودون النقد، ولم ينمو بعد اتجاه النقد الذاتي باتجاهها؟

[الصفحة - 250]


تحركه بكل تركيز وتخطيط وثبات.
وقد لمسنا هذا الاتجاه في معظم الدراسات التاريخية التي تناولت حياة الرسول(رضي الله عنهما) أو الأئمة (عليهم السلام)، أو حتى كثير من السلف الذين عاشوا حركة الرسالة بالمعنى التاريخي لا الزمني. والتي تركزت جهودها الفكرية على الجانب الشخصي في امتداده التقديسي المطلق الذي يتعامل مثلاً مع المعصوم كرمز مقدس مزروع في دائرته الخاصة (أو في فضائه السحيق) بعيداً عن تفاصيل الحركة الحياتية والبشرية. أي عدم وجود أي منطق عقلي أو واقعي، من خلال أن لكل ظاهرة أو حادثة معينة أسبابها (وعلتها) الطبيعية، ومفاعيلها المتحركة في الواقع.
إننا نعتقد أن المعيار الحقيقي والواقعي الذي يضمن تحقيق استخدام أمثل وأفعل للمادة التاريخية السالفة فكراً أو شخوصاً هو امتلاك المقدرة الفكرية على التعامل مع التاريخ بلغته التحليلية الموضوعية في الاتجاه الذي تتحول فيه وقائع هذا التاريخ وحوادثه العامة ـ التي عاشها البشر في الماضي ـ إلى فعل حي متحرك تستنبط من خلاله جملة القواعد والسنن الإلهية المهيمنة على مجريات الأحداث، والوقائع التاريخية المتنوعة، على صعيد ملاحظتها ودراستها وتحليلها وتركيبها واكتشاف خصائصها وطبائعها الإيجابية المميزة، وروابطها العلية والمعلولية، واستنتاج ضوابطها العامة الحاكمة, ثم نشر القانون وتعميم قاعدته على الحاضر والمستقبل كمرحلة من مراحل المسيرة الإنسانية نحو أهدافها الكبيرة في الحياة.
2 ـ الفهم الخطير لموضوع الجهاد والقتال:
ولعل من أهم التطبيقات العملية الواضحة للفكر السلفي هي الفهم الخاطئ والملتبس لمعنى مقولة (وركن) الجهاد في الإسلام، فمفهوم الجهاد (الأكبر=جهاد العدو) أساساً يعني الدفاع الوقائي عن الذات والأرض في حال تعرضهم لاعتداء خارجي داهم، أما عند السلفيين فإنهم يعزلون الجهاد ـ بما هو فعل قتال دفاعي ـ عن ظرفه وملابساته ومناخاته المختلفة، فيظهر المعنى عندها حاملاً لمعنى القسر والضغط والعنف والإكراه والتسلط كمفردات لتنظيم العلاقة مع الآخر. وقد يفاقم من حضور هذا المعنى طبيعة الجهاد نفسه في الإسلام، أي الطبيعة العقيدية للجهاد، الأمر الذي قد
________________________________________

[الصفحة - 251]


يعني أن الجهاد إنما شرع من أجل إكراه الآخرين وإكراههم على الدخول في العقيدة الإسلامية. وهذه هي الصورة النمطية الوحيدة المأخوذة حالياً لدى العالم كله عن الجهاد.. إنها الصورة التي يقدمها السلفيون من حيث تركيزهم على معنى الجهاد في غزو الآخر وإجباره على الرضوخ والخضوع إلى درجة الإذلال، حتى لو كان هذا الآخر مسلماً يدين بالإسلام (12). وأن الجهاد الأكبر لدى هؤلاء هو الإطاحة بالأنظمة (الجاهلية) بالعنف وبالقوة المسلحة، فأعادوا من جديد إحياء مذهب الخوارج، ولكن هذه المرة بطريقة مؤثرة أكثر ومكلفة أكثر.
وطبعاً لو سلمنا هنا بالفكرة السلفية القائلة بأن الجهاد المسلح ضد الطواغيت والظالمين والمستكبرين واجبة وحق مشروع في كل زمان ومكان (الجهاد السلمي الحضاري أفعل وأنضج برأينا، وأكثر ديمومة عبر الزمان) نسألهم: هل هم الوحيدون المؤهلون أساساً للسير في هذا الاتجاه؟! وهل مهمة الجهاد والدفاع والقتال تقع على عاتق هذا التيار ومنوطة بذاك الحزب، أم هي وظيفة الدولة المدنية العادلة الراشدة التي لا تحصر الجهاد بمعانيه الضيقة (الكامنة أساساً في تعميم ثقافة العنف والقسر والإكراه والتعصب)، ولكنها تؤسسه على بُعد إنساني راسخ هو الجهاد الأصغر أي جهاد النفس، وتوسع من معانيه السامية حتى يصل إلى حدود إقامة حلف عالمي لرفع الظلم والمعاناة عن الإنسان أينما كان وبأي دين دان؟!
إن هذا الخلط العجيب الذي يظهر عند السلفيين في موضوعة الجهاد أدى إلى تضييع المعنى الحقيقي لهذا الركن المرتبط أساساً بتقديم تفسير حقيقي ومنطقي وموضوعي للعقائد والمفاهيم الإسلامية ككل من حيث نظرة الإسلام للحريات (13)الفردية والعامة، ورؤيته لشروط التكاليف والمسؤوليات، ونظرته للصلح والسلام والأمان وغيرها من الموضوعات التي تشكل الإطار الموجه والمعيار الناظم لفكرة الجهاد في الإسلام.
3 ـ تحريف التاريخ الإسلامي:
أجمع كثير من علماء السنة والجماعة على وجود تحريف كبير في نقل أفكار ووقائع وعقائد الفرق والمذاهب الإسلامية قام بها زعماء السلفية ومنظروها.. وسنأخذ
________________________________________
(12)ومن هؤلاء معظم الأقليات والاثنيات الدينية الممتدة زمنياً وتاريخياً على امتداد مساحة هذه الأُمّة.. وقد عمل اللاعقل السلفي على سحق ومحق كل تلك التنوعات الدينية، ولم يعترف أصلاً بوجودها، ووضعها أمام طريقين أحلاهما مر، فإما الخضوع وإما الإلغاء، وهاكم التاريخ شاهداً على ذلك، ولا داعي هنا لذكر الأمثلة التي هي أكثر من أن تضرب، وأشهر من أن تعرف.
(13)لقد أظهرت الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها المجال العربي والإسلامي، أن علة العلل وجذور العديد من الأزمات والمشاكل يكمن في غياب الحرية، وسيادة حالة الاستبداد والتفرد، وضمور (إلى درجة انعدام) حالات المشاركة الشعبية في صنع القرار خصوصاً ما منه يرتبط براهن الأُمّة ومستقبلها. ولا شك أن هذا الغياب بأبعاده المختلفة وأشكاله المتعددة، هو وراء فشل برامج التنمية واستحكام شبكة التبعية والذيلية على المستويين السياسي والاقتصادي.

[الصفحة - 252]


مثالاً على ذلك «شيخ الإسلام» ابن تيمية، الذي كان غير أمين إطلاقاً في عملية نقل آراء الخصوم والمخالفين له والاستشهاد بها، بل تعمد تحريف أقوالهم. وهذا ما يظهر من خلال الأُمور التالية(14):
أ ـ الكذب في الإجماع على فكرة التأويل:
فقد حكى ابن تيمية عن السلف أقوالاً حاول تقديم إجماعات وتفسيرات لهم لا وجود لها في الواقع. كما حكى عن بعض الأئمة ما لم يتفوهوا، ولو قال شيئاً من ذلك فأتباعهم أدرى وأعلم بذلك. مثلاً يقول ابن تيمية: «إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير. فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف» (15). بهذه الكلمات يدعي ابن تيمية مؤكداً أن أحداً من الصحابة لم يتأول شيئاً من آيات الصفات (16)، وعندما يرجع الباحث لكتب التفسير يجدها زاخرةً بنقل تأويلاتهم. فهذا الطبري الذي مدح إبن تيمية تفسيره في فتاويه بأنه تفسير ليس بدعة، يقول: اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره (17).
كما ويؤكد الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه عن السلفية (18)خلافاً لما جاء به ابن تيمية فيقول: «ليس صحيحاً أنه لا يوجد في السلف من جنح في تفسير آيات الصفات أو بعض منها إلى التأويل التفصيلي. ففي السلف من جنح للتأويل التفصيلي ولم يكتف بالإجمال فقط. من ذلك ما صح من تأويل الإمام أحمد كلمة جاء في قوله تعالى {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} بمعنى وجاء أمر ربك، كما قال تعالى: { أو يأتي أمر ربك} . وقد أورد البوطي بعضاً من أسماء السلف، الذين أوَّلوا الصفات. كما ذهب إلى أن ابن تيمية نفسه سقط في التأويل عندما قال بأن الوجه الوارد في الآية ليس من الصفات.
ب ـ تضعيف الأحاديث النبوية المخالفة لأتباع السلفية:
وهذا ما ظهر بشكل واضح عند ابن تيمية الذي كان يرفض الأخذ بأي حديث
________________________________________
(14) في هذا التصنيف التحليلي ـ إذا صح التعبير ـ على كتاب السلفية للسيد محمد الكثيري.
(15) تفسير سورة النور، ابن تيمية، ص178 ـ 179. عن كتاب: ابن تيمية لصائب عبد الحميد، ص121.
(16) راجع: محمد الكثيري، السلفية بين أهل السنة والإمامية، ص 475، الطبعة الأُولى، دار الغدير ـ بيروت 1997م.
(17)ذكر من قال ذلك: أبو كريب وسلم بن جنادة، عن إدريس، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: كرسيه علمه.. وعن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «كرسيه » علمه، ألا ترى إلى قوله: ولا يؤوده حفظهما.
(18) السلفية، مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص134 ـ 136، مصدر سابق.

[الصفحة - 253]


شريف يتعارض مع قناعاته الفقهية والعقائدية حتى لو كان الحديث صحيحاً وقوي الإسناد، وكان يعمد إلى التشكيك به وتضعيفه.. وقد عبر الحافظ الذهبي عن ذلك أصدق تعبير في قوله الذي يوجهه لابن تيمية: «يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو التأويل والإنكار» (19).
ولم يكن لدى ابن تيمية من حجة في رفض الأحاديث التي لا تعبر عن معتقده ووجهة نظره سوى جرأته في التشكيك بها، بحيث يخال المرء أن «الشيخ الأكبر» لديه من الحجج والأدلة القوية ما يدعم وجهة نظره تلك.
ج ـ انتقاء الأحاديث الموافقة فقط:
وقد اعتمد ابن تيمية هذا الأُسلوب في انتقاء الأحاديث التي تتوافق مع عقيدته ورؤيته، واستبعاد تلك التي تتعارض مع توجهه. وقد تحدث الدكتور البوطي (20)نقلاً عن ابن حجر أنه «رفض هذا التصرف الذي لا مسوغ له مع أنه من المعتدلين في تقويم أفكاره وبين فئتي المتعصبين له والمتعصبين ضده».
د ـ عدم وجود فهم حقيقي عميق لأفكار وطروحات المخالفين:
وتجلى هذا العمل مع الصوفية والشيعة بالخصوص، وأدى إلى استنتاجات وتقريرات خاطئة وفي غير محلها عقلياً وتاريخياً، لا تتوافق مع أصحاب أهل المذاهب ذاتها.
ومن هذه الصور المضحكة التي تنقلها كتب التراث في هذا الشأن عن ابن تيمية، أن تجد شاباً داخل مسجد ما يعلن أمام الملأ بأنه يشهد بأن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وأنه يؤمن بكل ما جاء في القرآن، ويعتقد بكل شرائع الإسلام. لكن شاباً أو جماعة اُخرى يردون عليه بأنه كافر مرتد؛ لأن «شيخ الإسلام» (21)حكم بكفر الشيعة وارتدادهم، أو أنك جهمي معطِّل (أي منزِه)، والجهمي كافر.. أو أنك تعتقد في الأولياء وتستشفع بهم، ومن يفعل ذلك فهو مشرك ومرتد عن دين محمد وكافر بالإسلام، حلالُ الدم والمال.
هـ ـ غلبة الكذب الصريح على خصومهم ومخالفيهم في الرأي والمعتقد:
وقد ورد في هذا الشأن كثير من الأحاديث والروايات التاريخية الموثقة في
________________________________________
(19) بحوث في الملل والنحل،ج4، ص40.
(20) السلفية، مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص134 ـ 136.
(21) يتحدث الحافظ الذهبي قائلاً في وصفه لأتباع (الشيخ الأكبر!): «فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل » (بحوث في الملل والنحل، ص40.. نقلاً عن كتاب: السلفية بين أهل السنة والإمامية، مصدر سابق، ص240.

[الصفحة - 254]


كتب أهل السلفية، وبحوثهم، ومتونهم وخصوصاً الحنابلة (أتباع أحمد ابن حنبل).. وأول ما يصادفنا في هذا السياق ونحن ننقب حول هذه الجذور، إطلاق الإمام السبكي مصطلح «الخطابية» على الحنابلة. حيث نقل أن كلتا الفرقتين ترى جواز الكذب على من خالفهم في العقيدة (22).
ويبدو أن هذه الطريقة في التحريف والطعن بالخصوم وتجويز الكذب الواضح عليهم، ساهمت بفعالية منقطعة النظير في التأسيس اللاحق لكل أفكار التكفير الممنهج للخصوم، وإلباسهم لبوس الضلال والانحراف في العقيدة. حتى نكاد نقول إن تاريخنا الإسلامي عموماً هو تاريخ التكفير والكذب والانتحال.
و ـ الطعن في السند، والتحريف في النص التاريخي:
وهذا واضح في كتبهم حيث نجد أن أغلب علماء الجرح والتعديل كانوا من الحنابلة أو ممن يتعاطفون مع معتقداتهم وآرائهم (23). حيث تراهم يضعفون سند كل الأحاديث التي تتعارض مع معتقداتهم ويضعون حولها الشكوك والظنون والاحتمالات المختلفة التي لا علاقة لها بأصل الفكرة، وهذا التشكيك والطعن وادعاء الحرص على دقة السند يزداد أكثر مع الخصوم الشيعة خصوصاً عندما يرتكز هؤلاء في دعم أفكارهم وآرائهم الفقهية على أحاديث ومرويات تصب في خانة تأييد خطهم الإمامي، حتى لو كان لها سندها المعتبر في كتب السنن والصحاح المعروفة عند أهل السنة والسلفية.
وفي هذا الاتجاه لا يجد بعض أئمة السلف حرجاً في تحريف نصوص وأقوال علماء الإسلام إما بالحذف أو التحوير أو الإضافة أو التعديل (24).
4 ـ تحديد فهم القرآن (والنص الديني عموماً) في عصر ورجال وتفاسير بعينها:
يرى الفكر السلفي أن الرجوع إلى الخلف يعني المشي إلى الأمام. وأن فهم القرآن فهماً حقيقياً واضحاً وصريحاً لا يتحقق إلاّ كلما كان المفسر أقرب زمنياً إلى عصر الخلافة الأُولى، أي كلما غاص أكثر في مغارة الماضي البعيد، فالأقرب للماضي أقرب للفهم الصحيح.. وهكذا فتفسير الطبري أفضل من القاسمي، وتفسير القرطبي
________________________________________
(22) راجع: طبقات الشافعية، ج1، ص 188.
(23) راجع أحد أهم الكتب التي يستشهدون بها، وهو «ميزان الاعتدال» للذهبي.
(24)لمزيد من الاستفاضة في هذا الموضوع، راجع كتاب الدكتور البوطي عن السلفية، مصدر سابق، ص134. حيث يكشف الشيخ البوطي عن تحريفات هؤلاء وهو يناقش بعضهم حول دعوى التقليد.. ولكن ـ على ما يظهر ـ لم تصل جرأة البوطي إلى حد وصف المحرفين بالكذب وتحريف تراث المسلمين عن وجهته الحقيقية.

[الصفحة - 255]


أفضل من رشيد رضا (25).
ومقتل الفكر السلفي في هذا المجال هو في أنه يحدد فهم القرآن في عصر معين ورجال وتفاسير محددين دون غيرهم. بينما المنطق الفعلي والحقيقي يقول إن التفسير ليس في العصر والرجال، بل في آيات الآفاق والأنفس. وهو مرجع القرآن. والقرآن طلب بذاته السير خارج القرآن فقال: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} (العنكبوت: 20). وقال: { يتدبّرون.. يعقلون... يتفكروا..} .
وهذا السير والتدبر والنظر والتأمل هو قاعدة التفكير والاجتهاد الحقيقي الذي أصبحنا بحاجة ماسة إلى فتح بابه بكل عناوينه وعناصره، وإجراء مراجعة علمية صارمة لا هوادة فيها له، وإلاّ فلن يخرج هذا الفكر أبداً من المأزق الخطير الذي يتخبط فيه حالياً.
والسلفية عموماً التي دائماً ما يحتكم إليها العقل التقليدي السلفي ـ المكون من قوالب ثابتة، ونصوص جامدة، ومفسرين محددين، وأنماط تفكيرية واحدية ـ تجعل كل المستجدات العصرية محكمة (بفتح الكاف) من قبل هذا العقل بما يتماشى مع تقليديته وسلفيته.. فأي متغير جديد، أو مستجد أو طارئ أو قضية جديدة خرجت على المجتمع بحكم تبدل التاريخ وتغير المعطيات والمواقع والأدوار، فإنها لا بدّ من أن تمر على محكمة العقل التقليدي (نص يفسره شخص عاش في الماضي، وقوله فصل)، فإن توافقت مع ما تعود عليه هذا العقل فإن مصير القضية إلى القبول، وإن لم تتوافق فمصيرها إلى الرد بعد عمليات التفسيق والتضليل والتبديع (26).
لقد كانت ـ ولا تزال ـ المرجعية التي يعتمد عليها الخطاب الديني التقليدي ماضوية الطابع والتفكير والمعيار، فالاحتكام كان ماضوياً لكل ما هو عصري ومستجد، ومن هنا يصبح الخطاب الديني واقعاً في أزمة الماضوية حتى لو حاول التلبس بالعصرية، فهو تلبس شكلي لا يدخل في صميم الذهنية حتى يعيد تكوينها من جديد والواقع الذي هي منخرطة فيه لا محالة. فالقشرة الذهنية عصرية الشكل لكن الروح الفكرية ما تزال في عصور سابقة على العصر الحديث بمئات السنين، ومن هنا تأتي الأزمة العصرية الحقيقية في الخطاب الديني السلفي التقليدي.
________________________________________
(25)يمكن أن نضرب هنا مثلاً على طريقة فهم الفكر السلفي لقضية التفسير القرآني، ومعرفة مكنونات وأسرار القرآن، كذاك الذي يعيش في عصرنا الراهن، ويريد إجراء عملية جراحية بأدوات ووسائل طبيبنا الزهراوي.
(26) أزمة المعاصرة في الخطاب الديني، شتيوي الغيثي، صحيفة الوطن السعودية، 29/9/2006م.

[الصفحة - 256]


ولأن الخطاب الديني السلفي يفتقد إلى الإقناع (حيث إن أدواته المعروفة هي: القسر والضغط والترهيب والتخويف) في عصر التعددية الفكرية والانطلاقة الحضارية المتجددة، فإنه يحاول التمسك بالديني بقدر المستطاع ويوظفه في لغته التقليدية ويجيّره لصالحه في أكثر الأحوال عن طريق تفسيرات حرفية الطابع دون الفهم الدلالي للنصوص الدينية عامة (27)، وبهذا يضمن انسياق العام تجاهه ودحض كل ما عدا ذلك، في حين أن الموقف لم يكن مستلزماً كل هذا التعنت الفكري والتحايل التقليدي على حساب المعاصرة التي ربما كان هو المستفيد الأكبر لو فهم سياقات الموقف.
وتبعاً لذلك نؤكد أن الخطاب الديني التقليدي في مأزق حقيقي حين لا يحاول أن يطور من أدواته التعبيرية قبل الفكرية؛ وإذا أراد أن يكون خطاباً مقنعاً فإن تمثل العصرية (والانفتاح الفكري والعملي) بمنطقها هو ما يمكن الاعتماد عليه لو أراد ذلك، لكن هو أدرى بمثل هذه العصرية كونها تفتح عليه أبواباً فكرية يعجز فيما بعد عن الإجابة عنها فضلاً عن إقفالها.
وهذا الأمر يفرض على الباحثين المسلمين الدعوة إلى أنسنة القراءة التفسيرية.. أي إلى قراءة النص الديني من منظور إنساني مع كامل الاحترام المفترض للنص الديني. والمقصود بالمفهوم الإنساني أن يكون هناك تمييز واضح وقاطع بين النص المقدس ذاته, وتاريخه سواء الزمني أو الموضوعي. وما وجود ما يسمى بالإسرائيليات في كتب تفسير القرآن الكريم سوى دليل قاطع على هذا التمييز الذي يرفض المسلمون الاعتراف به. فالتفسير الذي يقدمه المفسر يختلف عن النص الديني ذاته, ذلك أن النص المفسر يتضمن العديد من التفسيرات الإنسانية القائمة على مدى فهم واستيعاب المفسر للنص, وأيضاً المصادر التي استخدمها في التفسير.
وللأسف فإن كل الكتب التراثية الدينية الإسلامية سواء في التفسير أو التاريخ أو غيرها من موضوعات لا تذكر لنا المصادر العلمية التي تم الرجوع إليها، وذلك بسبب غلبة المصادر الشفهية على المصادر التحريرية (28). وبلغة البحث العلمي الحديث فإنه يفترض انعدام القيمة العلمية لكثير من المؤلفات التراثية الدينية لخلوها من المصادر.
وحيث إن هذه الكتب ذات طابع إنساني تعتمد الفكر الإنساني في الشرح
________________________________________
(27)ونضرب المثل التالي لتأكيد ادعائنا السابق، ففي قضية الأهلة لم يستطع الخطاب الديني التقليدي ـ المتغلغل في داخل البنية الفكرية لكافة المذاهب الإسلامية عموماً ـ أن يتماشى مع منطق التطور والتجدد ليستخدم تقنية العصر من خلال المراصد أو الحسابات الفلكية التي هي الضبط في معرفة دخول أي شهر إلاّ شكلياً، فما زال اعتبار رؤية الهلال تتم من خلال العين المجردة تبعاً لظاهر النص دون الاعتماد على المقصد الشرعي من وراء النص الديني؛ ولأن المعطيات التاريخية تختلف من عصر إلى عصر كان من المفترض أن يكون هذا الخطاب الأسرع في تمثل العصرية؛ لأنها تخدم هذا التوجه الذي انتهجه، لكن يبدو أن القضية هي موقف من الجديد بما أنه جديد ولا غير. طبعاً من يدعو إلى استخدام العلم والعقل ـ والإسلام أكد عليهما، تأكيده على العبادات والعقائد الإسلامية الأُخرى ـ ليس كافراً ولا يوجد عنده أدنى شك في أنه لله الأمر كله من قبل ومن بعد سبحانه.
(28) راجع: نحو «أنسنة» القراءة الدينية، أحمد البغدادي، صحيفة الاتحاد الظبيانية، 3/10/2006م.

[الصفحة - 257]


والتحليل للنص الديني, فمن المنطق والعقل أن نقبل المفهوم الإنساني عند دراسة النص الديني, دون حرج أو اتهام بالتكفير أو طعن في النوايا. ولماذا يحلّ للأقدمين ما لا يحلّ للمتأخرين في مجال فهم النص الديني؟
من جانب آخر يجب أن يتوقف دعاة الفكر السلفي عن اتهام الآخرين بما ليس فيهم حين الكتابة أو الحديث عن النص الديني, خاصة أن الجهل وقلة العلم منتشران في شعوب تتفشى فيها الأُمية (يضم العالم العربي لوحده ما لا يقل عن 68 مليون أُمي!)، ومن ثم ليس من حق أمثال هؤلاء الجهلة الخوض في مثل هذه الموضوعات العلمية المتصلة بدراسة النصوص الدينية. ودليل جهلهم البين ما نراه من شتم وتعريض شخصي غير مؤدب للكتاب المتنورين, مع التجنب التام, بسبب الجهل للموضوع.
وحيث إن فضيلة الحوار العقلاني لا وجود لها في كثير من مفاصل تراثنا الإسلامي, حيث تسود لغة التكفير والإرهاب الفكري قبل لغة التفهم والتفاهم, فمن الطبيعي أن لا تزدهر الدراسات الدينية المقارنة كما هو موجود في الغرب.
لهذه الأسباب ندعو ـ ولو بعد خراب البصرة ـ إلى التعامل مع النصوص الدينية بعيون إنسانية مفتوحة، تعتمد العقل في المقام الأول, وهو ما لا يمكن حدوثه لدى العرب والمسلمين ما داموا يرتعون في مناخ التخلف والجهل راضين بالعيش في جنة «الشيخ الأكبر» أو غيره.
5ـ انفكاك النص عن الواقع (اعتبار النص أصلاً ):
تظهر أفكار السلفيين في حالة صدام شبه دائم مع المجتمعات حتى الإسلامية منها، التي لا يخلو فيها مجتمع من الأزمات الكارثية التي تسبب بها أتباع هذا المنهج التكفيري اللاعقلاني لأبناء بلدانهم والبلدان الأُخرى التي هاجروا إليها وتربوا وتعلموا فيها. وهذا الأمر ناتج عن تحجر وجمود تفكير هؤلاء، واستغراقهم الأعمى في المرويات والنصوص التاريخية القديمة، وعيشهم في جنة أحلامهم الوردية البعيدة عن واقع الحركة والتطور الحياتي المتواصل، وابتعادهم عن ملامسة حركة الفكرة في الواقع، وضرورة التواصل مع المستجدات، والتكيف مع الأحوال والمواقع والتطورات،
________________________________________

[الصفحة - 258]


وهذا لا يمكن أن يتم إلاّ بإعادة قراءة النص من خلال العقل والواقع العملي لحركة التغير والتراكم البشري، حيث إن الكلام لا يمكن أن يرسخ وينمو بدون جدلية تفاعل النص مع الواقع.
والمنطق يقول: إنه عند الدخول على أي حقل معرفي لا بدّ من معرفة الأدوات المعرفية كمدخل لفهم حركة النص، ووعي دلالاته ومتحركاته. ولفهم النص القرآني لا بدّ من استخدام العلوم الإنسانية المساعدة الحديثة. فلا يمكن فهم القرآن بتفسير ابن كثير كما لا يمكن فتح جمجمة اليوم بأدوات فرعونية عفاها الزمان. وهذا ليس انتقاصاً من جراحي الفراعنة أو ابن كثير؛ لأنهم أولاد عصرهم ونتاج بيئتهم. ولذا يجب تسليط جراحة فكرية جديدة مثل أشعة ليزر لمعالجة النصوص كما يعالج قصر البصر اليوم فيستغنون عن النظارات.
من هنا، علينا ـ في هذا الإطار ـ أن نعيد الاعتبار لدور العقل في فهم النص كما ذكرنا، وأن يكون الفقيه والمثقف متحرراً من أي قيد معرفي أو مزاجي في دراسة النص، وأن تكون الحرية هدفه ومنطلقه في ذلك، وهذا ما سيؤدي عبر التجربة وتراكم الفعل الإنساني المسؤول والواعي إلى تكثيف الفعل الثقافي والاجتماعي لتحرير دينامية التحول الاجتماعي في مجالنا الإسلامي من كوابحها ومعوقاتها الذاتية والموضوعية، حتى تأخذ التعددية في السياسة والتعبير موقعها الأساس في تنظيم الخلافات والصراعات وضبطها، وحتى تتجه كل الجهود والطاقات نحو البناء والسلم والاندماج الاجتماعي والوطني وتعميق موجبات العدل والمساواة والحرية.
إن الفكر الإسلامي الحقيقي لا يمكن أن يعيش ويتطور ويتكامل إلاّ بالتفاعل الصريح والواضح مع الواقع المعاش، وإن بقاء النص غائباً (أو مغيباً) عن الواقع سيقلص مساحة الحرية أكثر فأكثر في داخل اجتماعنا الديني والاجتماعي.
فعلاً إننا بأشد الحاجة لعنصر الحرية من أجل تطور ونمو وتصاعد مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لتتنفس الحرية في الهواء الطلق بعيداً عن مناخات القهر والاستعباد والاستبداد التي تقبع في داخل سجونها، وتكبل مواهب وقدرات أبنائها عن العمل والنهوض الفعال لبناء حاضرها ومستقبلها.. إننا نقولها بالفم الملآن كما قالها وأعلنها
________________________________________

[الصفحة - 259]


أحد المثقفين الإسلاميين المعتدلين: نحن بحاجة إلى أن نقتحم فضاء الحرية، ونكشف المضمون الثري لهذا الفضاء في قيم الإسلام ومُثُله. إذ إن هذا الاقتحام سيقدم للفكر الإنساني أبعاداً ومضامين جديدة، ويزيد من إمكانية المسلمين للتفاعل مع العصر وقضاياه الكبرى، ويساهم في خلق شروط الحرية الفعلية والتداول السلمي للسلطة (29)واحترام حقوق الإنسان. فالأفكار التي تنمو في الخفاء والظلام، بعيداً عن العلم وأهله ستكون خطرة وهدامة. أما الأفكار التي تنمو في جو الحرية وفي العلن وتناقش ويتم الحوار حولها، فإن ولادتها الاجتماعية ستكون يسيرة، وستكون هذه الأفكار في مسار البناء لا الهدم. ولهذا شرط أولي هو الانصات الواعي إلى تحديات وأسئلة الواقع القائم، كي تكون أفكارنا وممارساتنا متوازنة ومنسجمة مع قوانين التطور الحياتي ومنطق التاريخ الإنساني. بما يؤدي إلى جعل خياراتنا واستراتيجيات عملنا واضحة وناضجة وسليمة في المقدمة والنتيجة.
إن فتح عقولنا على الحياة والعصر وعلى كل الآفاق التي يتيحها أمامنا هذا الوجود الإنساني هو الذي يصقل تجربتنا، وينوع في خياراتنا وسبل حركتنا، وبالتالي يزيد من قدرتنا وإمكانياتنا على طريق إنجاز البناء الحضاري المطلوب لأُمتنا ورسالتنا في مختلف مناحي التنمية والعمران الحضاري.
وبالنتيجة ليس لنا من خيار في سبيل الانتقال من الواقع الفكري والسياسي والاجتماعي القائم حالياً في عالمنا العربي والإسلامي ـ والمرتكز على وجود ثقافة سلفية شديدة التمركز والانغلاق لأسباب كثيرة ذاتية وموضوعية لا مجال لذكرها الآن ـ سوى عبر تطوير أساليب وطرائق العمل المدني ـ السلمي، وتربية المجتمع وتدريبه عملياً على فهم وممارسة ثقافة الحرية والمسؤولية والديمقراطية، وتعميقها شيئاً فشيئاً داخل البنية الروحية والمفاهيمية لمجتمعاتنا، حتى يتم التحول النوعي في هذه العلاقة بعد تراكم البناء والعمل المتواصل في توطيد أركان المجتمع المدني ومؤسسات الدولة العادلة والمقتدرة والقادرة ـ في الوقت نفسه ـ عن الإجابة العملية عن حسابات وتحديات أسئلة الزمن الصعب الذي نعيش في قلبه حالياً. وفي هذا الطريق علينا ألاّ ننجرف وراء الأوهام (30)، وإنما أن نحاول أن نبني خياراتنا وقناعاتنا ومواقفنا استناداً
________________________________________
(29)إننا نعتقد أن أحد أهم الأسباب الكامنة وراء الفشل الحضاري الشامل الذي نعيش في قلبه حالياً، هو أن السلطات التي حكمت هذه المنطقة سحقت الناس وأقصت المجتمع من ممارسة حقوقه وأدواره في المشاركة الفاعلة في تداول السلطة وأبعدته بكل الوسائل العنيفة وغير العنيفة عن عملية الوعي والمواجهة، فكانت النتيجة المنطقية لهذا الإقصاء والإخصاء وجود قطيعة شبه كاملة بين هذا المجتمع من جهة وبين السلطات الحاكمة من جهة اُخرى، ونشوء طبقة بيروقراطيــة ـ إدارية قضت على مقدرات المجتمع وإمكاناته، وألغت من الحساب نهائياً وجود أية إمكانية لتحقيق أية نهضة مستقبلية ضرورية محتملة من دون حدوث خسائر ونتائج سلبية على أبناء تلك المجتمعات أقلها اشتعال حروب أهلية محلية هنا وهناك. كما يحدث حالياً في العراق.
(30) محمد محفوظ، الأُمّة والدولة، المركز الثقافي العربي ـ بيروت 2000م، ط. الأُولى، ص7.

[الصفحة - 260]


إلى الحقائق والوقائع القائمة وليس المتخيلة، وذلك ليس من أجل الانحباس فيها أو الخضوع إلى السيئ منها، وإنما لكي تكون حركتنا عاقلة وهادفة ومنسجمة.
وطالما أننا نتحدث عن ضرورة الانخراط في الميدان والواقع، والانفتاح على الحياة والعصر، لا بدّ لنا من طرح سؤال حول أولوية العقل والنص في سياق اقتناع الخطاب السلفي بالأولوية المطلقة للنص (قرآناُ وسنةً) على العقل، فهل العقل أولى بالاتباع أم النص؟! أصلاً كيف ننخرط بالواقع ونستفيد من تطورات الحياة وتقدم العصور ونحن ـ في عالمنا العربي والإسلامي ـ نعيش تحت هيمنة ثقافة قديمة ونصوص دينية قيلت في ماضي الزمان في ظروف مختلفة وبيئة مختلفة أيضاً؟! أليس العقل هو الفيصل في الحكم وتقدير مدى الوعي وحجم الاستفادة؟! فالعقل الإنساني توصل إلى كل ما نشاهده ونراه حالياً من منجزات وصناعات وتقنيات وتطورات هائلة على كل المستويات والأصعدة، ونحن كمسلمين نستثمر ونستفيد من كل تلك المنجزات والاختراعات؟! حتى إن أتباع الفكر السلفي أنفسهم يستغلون منجزات الحضارة الغربية لشن حروبهم وبث خطاباتهم ضد مجتمعات تلك الحضارة بذريعة هدايتهم وأسلمتهم وما إلى ذلك؟!
طبعاً هذا الكلام لا يعني أن الإسلام يناقض العقل؛ لأن التخلف الذي نعاني فكرياً هو التخلف المرتبط أصلاً باللاعقلانية. وبالنظرة السحرية إلى العالم والأشياء. بالنظرة اللاسببية. لذلك فإن تحقيق تنمية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر يتطلب رؤيةً وفلسفة. أي يتطلب طرحاً عقلانياً لكل قضايا الفكر والحياة والعصر.
وباعتقادي أن علاقة الإسلام بالعقل كانت وطيدة إبان العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية. وبالتالي فلا يمكن بأي شكل القول إن الإسلام ضد العقل،والدليل على ذلك هو أن كبار مفكري المسيحية الأوروبية كانوا تلامذة لفلاسفة المسلمين الكبار. نضرب عليهم مثلاً القديس توما الأكويني في الجهة المسيحية، وابن ميمون في الجهة اليهودية وآخرين عديدين.. فهؤلاء لم يستطيعوا التوصل إلى الفلسفة اليونانية إلاّ بفضل العرب. كلهم كانوا تلامذة لابن رشد وابن سينا والفارابي وابن الطفيل وابن باجة الخ... ولولا الترجمات التي مولها خلفاء المسلمين
________________________________________

[الصفحة - 261]


المستنيرين في بغداد والأندلس لضاعت الفلسفة الإغريقية، ولما حصلت النهضة الأوروبية لاحقا.ً
ولكن مأساة المسلمين هي أنهم تخلوا عن العلم والفلسفة بعد الدخول في عصر الانحطاط أي بعد موت ابن رشد مباشرة عام 1198، عندئذ انتهى العصر الذهبي عندنا، وانتقلت الحضارة إلى أوروبا. ويرى مالك شبل أن سقوط الأندلس عام 1492 أدى إلى نهاية المشروع الإسلامي المبني على العقلانية (31). فبعد ذلك التاريخ لم يعد المسلمون يهتمون باكتشاف الطبيعة كما كانوا يفعلون سابقاً.. ومات لديهم الفضول العلمي والفلسفي وأخذوا يجترون المقولات الفقهية القديمة وخرجوا من التاريخ كلياً. وعندئذ حلت محلهم أوروبا التي ظلت العقلانية لديها متصاعدة دون انقطاع حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من تقدم وازدهار.
وقد كان العقل شعار المعتزلة وشغلهم الشاغل، وقد حاولوا عقلنة الإيمان قبل المسيحيين بكثير. ولكنهم هزموا في نهاية المطاف للأسف الشديد، ولم تقم لهم قائمة بعد الدخول في عصر الانحطاط والتكرار والاجترار. بل وحتى الفقه الإسلامي لم يتشكل إلاّ بناء على القياسات العقلية المعروفة..
وبالتالي نستطيع الجزم هنا بأن المسلمين الأوائل كانوا يهتمون بالعقل على عكس المسلمين الأواخر. ويمكن القول إن موسوعة إخوان الصفاء ساهمت في تقدم العلوم الطبيعية والكيميائية والرياضيات الخ.. ولكن يبقى صحيحاً القول إن العلوم العقلية وكذلك الفلسفة انهارت في العالم العربي والإسلامي بعد القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر. وربما لهذا السبب توهم البعض أن الإسلام لا علاقة له بالفلسفة والعقل. فمن كثرة ما حصل الطلاق بين الطرفين توهمنا بأنها لم توجد قط! وهذا خطأ يقع فيه الكثيرون للأسف الشديد (32). يضاف إلى ذلك أن الفلسفة حتى في أوجها كانت علماً هامشياً في المجتمع العربي الإسلامي (33).
من هنا، نحن نؤكد دعوتنا مرة اُخرى للاهتمام الكبير بالعلوم العقلية والإنسانية لا النقلية فقط، في داخل الجامعات العربية والإسلامية لكي ننهض من كبوتنا ونستدرك ما فاتنا، ونلحق بركب الحضارة المتأخرين عنها. كما إننا ندعو ـ مع من يدعو من
________________________________________
(31) راجع: هاشم صالح، إسلام التنوير، صحيفة الشرق الأوسط، تاريخ النشر 22/9/2006م.
(32) المصدر السابق نفسه.
(33)ارتكز المجتمع الإسلامي خلال تلك الفترة على ثلاثة قواعد أساسية: قاعدة المحاربين باسم الجهاد، وقاعدة الفقهاء الذين يلتزمون المشروعية الإلهية على هذا الجهاد، وقائمة التجار الذين يمولون الجهاد. ويقف فوقهم كلهم شخص الخليفة. أما الفلاسفة والمفكرون الأحرار فكانوا دائماً هامشيين.

[الصفحة - 262]


المفكرين والمثقفين ـ إلى بلورة لاهوت جديد غير اللاهوت التقليدي الطائفي (فقه السلاطين والتكايا) الذي يسيطر علينا منذ مئات السنين. وهذا اللاهوت الجديد أو التفسير الجديد للدين هو وحده القادر على تجاوز الانقسامات والتعقيدات الطائفية والمذهبية التي لا تزال تشعل الحروب بين أتباع الأديان التوحيدية الثلاثة، وتمنع حوار الحضارات والأديان.
وهذا اللاهوت الجديد الذي نريده ونسعى له ليحل محل اللاهوت القديم (34)هو لاهوت منفتح، متسامح، يرفض الانغلاق والتعصب وادعاء ملكية الحقيقة من أية جهة جاء. كما انه لاهوت منفتح على كل العلوم الإنسانية والمعرفة البشرية.. إنه لاهوت الحداثة أو ما بعد الحداثة.
6 ـ إتباع اُسلوب العنف (35)و الترهيب لتحقيق الغايات والمطالب، ورفض النقد الذاتي:
يستوقفني بقوة نمط من أشكال هذا الخطاب الديني السلفي الطاغي حالياً على معظم ساحات واتجاهات العمل في عالمنا العربي والإسلامي، وهذا النمط هو ما ينتهجه الخطاب السلفي المتطرف من أساليب الترهيب والتخويف والتكفير والرجم بالغيب، لا بل إن منهم من نصب نفسه حاكماً يحاكم الناس بمظاهرهم، وكأنه يعلم ما في قلوبهم وضمائرهم ونواياهم، كي يقيس على ضوء ذلك إيمانهم ويحاكمهم بما في صدورهم. ومنهم من اتخذ نفسه منبراً يصدر فتاوى الحلال والحرام، ويضع الخطوط الحمراء والخضراء، ويصرح بالفتاوى لسفك دم هذا وذاك. وإن كنت لا أفهم ما الفائدة التي ينتهجها الداعية أو الخطيب نفسه من ممارسة هذا الشكل غير الإنساني في الخطاب الديني، مع أن القاعدة الفقهية تقول: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل أو نص شرعي من القرآن والسنة.
ونحن في عالمنا الإسلامي لم نستطع بعد أن نخرج من عصر الانحطاط والعنف والتكفير(36)الذي يلفنا، ولم تنتصر عندنا قوى العقلانية والاعتدال والتنوير بعد.. وهذه حقيقة بديهية لا يفيد في شيء أن نخفيها. وبالتالي نحن عندما ننتقد هذا المناخ القاتم المسيطر علينا فلا يعني أبداً أن كل انتقاداتنا ـ أو حتى انتقادات غيرنا ـ
________________________________________
(34)لا نزال في عالمنا الإسلامي نتخبط في لاهوت القرون الوسطى الذي يؤيد الكره والحقد بين أتباع الأديان الثلاثة، ويؤسس على الدوام للصدام والعنف بين الحضارات والثقافات الإنسانية.
(35)اُصيبت حضارات وتيارات ومذاهب كثيرة بآفة العنف في مراحل من حياتها، فالمسيحية مثلاً كانت عنيفة في بعض مراحل تاريخها، وبخاصة أثناء محاكم التفتيش والحروب الصليبية ثم الحروب المذهبية التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت داخل القارة الأوروبية ذاتها، والتي أدت إلى سقوط ملايين الضحايا في ألمانيا وهولندا وفرنسا وايرلندا الخ... ولكنها تجاوزت ذلك بعد عصر التنوير الذي قضى على أفكار التعصب والجهل.
(36)ينبغي أن يعلم الجميع أننا دائماً ـ في حديثنا النقدي عن الإسلام والمسلمين ـ نفرق بين الإسلام كدين ورسالة إنسانية يعتنقها ويدين بها ملايين الناس وبين الاُصولية المتعصبة كأيديولوجيا سياسية تستخدم الدين وتستغله (قسراً وظلماً) لأغراض معينة ما أنزل الله بها من سلطان، تظهر في الواقع على شكل تنظيمات وأحزاب وحركات إسلامية سياسية تسعى بنهم كبير لاستلام السلطة من باب الدين أحياناً أو الدين والعنف أحياناً اُخرى.

[الصفحة - 263]


للخطابات الإسلامية خاطئة، بل ربما أفادت المسلمين ودفعتهم لكي يفتحوا أعينهم، ويروا الحقائق أمامهم، ويقوموا بالنقد الذاتي لأنفسهم كما فعل الأوروبيون بدءاً من عصر النهضة ثم بالأخص بدءاً من عصر التنوير في القرن الثامن عشر. هذه حقيقة أصبحت بديهية لكل من يرى ويسمع.
وقضايا مثل النهضة والتطور والحداثة المطلوبة لعالمنا العربي أصبحت الآن في قلب الاهتمام العالمي، وعلى رأس جدول الدول الكبرى التي أدركت مؤخراً أن أمنها وازدهار حضارتها يرتبط ارتباطاً مباشراً بضرورة النظر الإيجابي لمشاكل وهواجس المنطقة، وأصبح يتأثر سلباً باستمرار وجود مجتمعات متأخرة في أي جزء من العالم الذي يزداد ترابطاً.
لكن الذي حدث ـ ولا يزال ـ هو أن كثيراً من نخبنا (المثقفة!!) لم تدرك بعد حجم التحولات الدولية، ومخاطر سياسة رفض الاندراج في العصر الحديث والبقاء على تخوم جبال الوهم والتنظير الكلامي، فلا النقد الحقيقي مورس إلاّ ما ندر، ولا المراجعة الجدية لمفاهيمها القديمة ـ التي لم تعد صالحة للاستخدام في هذا العصر ـ انطلقت، بل بقينا أسرى اشتراطات ونصوص مفاهيمية جامدة، فبقيت الوطنية تقاس بمدى العداء للشيطان الأكبر والأصغر، وبمدى رفض الهيمنة الإمبريالية ومواجهة مخططات ونظريات المؤامرة (37)، كما بقي الدين محكوماً بهواجس الهوية المهددة بالاندثار في زحمة العولمة والحداثة، وو.. الخ.
وفي تصوري أن كل العراقيل التي توضع في طريق التقدم والتنمية لا يمكن أن تقرأ إلاّ كمحاولة قوى الإعاقة من مثقفي السلطة ووعاظ السلاطين للهروب من استحقاقات التغيير ومقتضيات الإصلاح والتنمية.
إن تلك القوى تعمل باستمرار على مواجهة ورفض كل ما هو جديد وحديث تحت ذريعة انتهاكه للهوية والتراث، كما إنها لا تزال تشتغل على استيلاد الظروف وتعميق الأسباب التي ساهمت في تعزيز وجودها وهيمنة خطابها الديماغوجي على واقعنا الديني والثقافي عموماً.. وهي: افتقادنا للديمقراطية والتعددية السياسية، وشيوع الاستبداد والفساد، وانعدام فرص العمل لأجيال الشباب، وانتشار التخلف الفكري
________________________________________
(37)الجدير ذكره هنا هو أن التحديات والمتغيرات لم تعد مقتصرة على بلد دون آخر، بل أضحت هذه الأزمات والتحديات قدر المجتمعات البشرية التي باتت اليوم منخرطة في عصر متسارع سمته الأساسية التغير المستمر في لغته ومفاهيمه وأدواته وقواه.. مما يستدعي من أفراد تلك المجتمعات الاستعداد الدؤوب والحثيث لما يمكن أن يداهمهم من مخاطر وكوارث.

[الصفحة - 264]


والفقر والجهل وعدم التوجه لحل المشكلات القائمة والصراعات العبثية التي هدرت كثيراً من مواهب وطاقات أهل المنطقة.
والطاقة الأهم هي تفعيل وعي وإرادة شبابنا العربي المسلم والاستخدام الفعال لمواهبهم في طريق العمل الصالح والنافع لمجتمعهم ككل، أم ما يحدث على الأرض فهو عكس ذلك تماماً، إذ نلاحظ كيف يهجر كثير من شبابنا بلدانهم وأوطانهم الحقيقية ويرتمون في حضن أوطان وهمية.. وحتى الآن لا يزال هناك سؤال لم نعثر له على جواب بعد، وباُسلوب ومنهجية علمية، وهو: لماذا يتحول هذا الشاب البريء الفرح، المتفائل الوديع المؤدب، المقبل على الحياة، المحب لمدرسته واُسرته وأترابه، إلى إرهابي أو مشروع إرهابي متوحش، يكره الحياة، ويعشق الدم والدمار، وصناعة الموت، ولا يبالي في مواجهته، بل يتطلع إليه عبر بدعة سموها «زفة الشهيد»؟! هذا السؤال والإجابة عنه، يمثلان البداية للانتصار على الإرهاب كظاهرة اجتماعية.
في الحقيقة لا تزال الثقافة التي يتلقاها شبابنا تقليدية جامدة غير قادرة على تقديم إجابات شافية لهم عن واقع الحياة والعصر، وتجري عندنا باستمرار عملية غسل دماغ حقيقية تجري لهذا الشاب على نطاق واسع يقوم بها كثير من رموز ونخب ثقافتنا الإسلامية تتمحور حول استراتيجية تجنيدية إغرائية يتلقاها بشكل يومي هذا الفرد، وهنا مصدر القلق المتواصل..
أولاً: إنه في وجود سيل متدفق من الأفكار الدينية المختلفة ونوع من التربية الإسلامية التي يعمل أصحابها على قضايا التنشئة الاجتماعية لجيل الأطفال، ممهدين السبيل لـ «الصائدين» لسهولة الإقناع، والتجنيد، والتجييش، وبالشحن العاطفي والنفسي، وغسيل الأدمغة، وبث السموم الفكرية.
وثانياً: نحن لم نسع جدياً وبطريقة علمية إلى التعرف على الأساس الفكري والاجتماعي الذي ينتج هذه الشرائح في المجتمع، وبالتالي لا نتوفر ـ حتى الآن ـ على مناهج تتضمن وسائل مضادة، تحول دون أن يتحول طفل مسالم له وجوده وطموحه وأحلامه ودنياه الخاصة، إلى مشروع عنف وإرهاب في المستقبل، يملك القدرة على تدمير حياته وحياة الآخرين بقسوة، هكذا بكل برود، ودون تردد!
________________________________________

[الصفحة - 265]


وقد نجح هذا الخطاب السلفي المتطرف في جذب انتباه الشباب وشدهم إليه؛ لأنه بقي «الوحيد» في الساحة، إذ لم يجد الشاب أمامه خطاباً دعوياً جذاباً، صادراً من المؤسسة الدينية الراسخة، يمكن أن يقدم له إجابات شافية وواعية، متوازنة راشدة، تهديه لموقعه ودوره الطبيعي كإنسان في الكون والحياة، يكون أكثر استجابة لحيرته في المسائل الكبرى التي تواجهه كشاب، يدلف إلى أعتاب الألفية الثالثة! في حين كان خطاب القيادات الشبابية الدعوية المتشددة سريعاً ومبادراً في إعطاء هؤلاء الشباب ما يعينهم على فهم ما يدور حولهم من أحداث، فذاع صيتهم على حساب المرجعيات الدينية العاقلة والواعية المعروفة، التي بقي خطابها محصوراً في قضايا الدين البعيدة عن الحزبية والتنظيمية، وقليلاً ما يتطرق لقضايا اجتماعية وسياسية كبرى إلاّ توجيهاً وإرشاداً ومن دون الاستغراق فيهما، مما أفقد تلك المرجعيات الدينية قدرتها التوجيهية الإرشادية على الشباب، وحتى شعبيتها المعتادة، وتوارت عن الأنظار.
رابعاً ـ خاتمة البحث
العقل والحرية والتنمية في مواجهة الخطاب السلفي
يعيش العرب والمسلمون في عصرنا الراهن ـ كما أسلفنا ـ أوضاعاً مصيرية صعبة لا يحسدون عليها، وهذا ما يظهر لنا عند التأمل والتدقيق في أرقام وإحصائيات ومؤشرات ضعف عملية التنمية البشرية في العالم العربي استناداً إلى معظم، إن لم يكن كل، مؤشرات هذه العملية.
والجزء الظاهر من هذه المشكلة يتمثل في الفقر واللامساواة، لكنّ الفقر في الحقيقة ليس سوى جزء من المشكلة. فإلى جانبه هناك مؤشرات كثيرة على:
ـ ضعف مستوى الرعاية الصحية.
ـ وثمة انحسار واضح في فرص التعليم الجيد.
ـ وهناك غياب كامل أو ضعف مزمن في سياسات الأمان الاجتماعي أو غيابه بالكامل.
ـ أما الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص، فهما أكثر استشراء من فقر
________________________________________

[الصفحة - 266]


الدخل أو اللامساواة الاقتصادية، إذ تشير الإحصاءات إلى أنّ نسبة الحرمان، بمعايير التنمية الإنسانية الأساسية، تبلغ حوالي 32.4% من إجمالي السكان في العالم العربي (38).
ولا شك في أنّ هذه الصورة الإجمالية للدول العربية تخفي التفاوت الكبير بين أوضاعها وتقدمها نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة (39).
وهكذا، فإنّ التنمية الشاملة هي المفتاح الحقيقي للحصول على القوة والسلطة، وأساس هذه القوة حرية الفرد والمجتمعات، وبالتالي للوصول إلى أي مستقبل فاعل أو مثمر يمكن أن يكون بانتظار العرب خلال العقدين المقبلين، ودون الشروع في اتخاذ خطوات واثقة في طريق التنمية (وبناء صرح الحرية الكبير)، فإنه من المؤكد أنّ مستقبل العرب لن يكون أفضل من حاضرهم.
ولكن كيف يمكن للتنمية الشاملة أن تنطلق في عالمنا العربي والإسلامي في ظل وجود عاملين ضاغطين للغاية:
الأول: داخلي، وهو سيطرة خطابين وواقعين مأزومين، خطاب السلطة الرسمية المستبدة القامعة لكل ما ومن يؤثر على امتيازاتها وسلطانها وهيمنتها وطغيانها، وخطاب تعبوي شعبوي (ثقافوي) ديني سلفي متشدد، يستعدي العالم ضده، هاجسه الأساسي والجوهري تقسيم هذا العالم إلى فسطاطين، وتكفير (وربما الحكم بالموت) باقي الملل والمذاهب والحركات التي تعارضه في معتقده الديني أو رأيه السياسي أو الفكري.
والثاني: خارجي، ويتمثل في جملة التحديات المصيرية التي تحيط بعالمنا حالياً. وهي من الضخامة والهول ما لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها تماماً كالسيل الجارف، ولا بدّ له من الانفتاح عليها والتكيف معها، على عكس ما نعمل عليه نحن العرب والمسلمون، حيث نواجه تلك المتغيرات الكبيرة بأدوات قديمة ووسائل شبه بدائية نعيد من خلالها إنتاج الهزيمة والأزمات على النحو الأسوأ والأفدح. لأننا غالباً لا نحسن إدارة مشاكلنا، وسوس خلافاتنا بعقلية مدنية تداولية متوازنة.
إننا نعتقد أن جذر العطالة فيما هو واقع حالياً ـ في كل هذه المساحة الكبيرة
________________________________________
(38)فما زال الناتج الإجمالي لبلداننا يتراوح نموه بين 0.5 ـ 1 % منذ عقدين بينما تتراوح نسبة النمو الطبيعي للسكان بين 2.5 ـ 2.6 % سنوياً، مما يعني أنّ الدخل الحقيقي للفرد العربي قد انخفض في هذه الفترة بنسبة 40 %، يضاف إلى ذلك أنّ 60 % من المواطنين العرب يقعون ضمن الفئة العمرية تحت 35 عاماً، ويمثل الأطفال تحت سن 15 عاما نسبة 40 % من تعداد السكان. إضافة إلى أنّ عدد المواطنين العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر يتراوح ما بين 65 و 73 مليون نسمة، كما يقاسي حوالي عشرة ملايين عربي من سوء التغذية، وتصل نسبة الأمية إلى نحو 25 % ونسبة البطالة إلى 20 %، في حين أنّ الحكومات العربية قد أنفقت، خلال العقود الثلاثة الماضية، ما يقرب من 1800 مليار دولار على شراء الأسلحة بذريعة حماية الأمن الوطني والقومي. وفي الوقت نفسه تناقص تمويل التعليم تدريجياً منذ عام 1995، إذ انخفض الإنفاق على التعليم للفرد في الدول العربية، نسبة إلى الدول الصناعية، من 20 % عام 1980 إلى 10 % في منتصف التسعينيات. ورغم الحديث عن ديمقراطية التعليم وإلزاميته فإنّ الأعداد المطلقة للأميين تتكاثر في العالم العربي، فقد ارتفع عدد الأميين العرب من 58 مليوناً عام 1982 إلى 61 مليوناً عام 1990، وإلى حوالي 70 مليون عام 2000 بما يشمل 40.4 % من جملة الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 64 سنة. فإذا علمنا أنّ هذه الفئة العمرية هي نفسها من ضمن العناصر البشرية التي تخدم التنمية العربية، لاتضحت الحالة الحرجة لنوعية القوى العاملة التي تمارس النشاط الاقتصادي في العالم العربي. إذ تتسم العمالة العربية ـ عموماً ـ بانخفاض مستوى المهارة، نتيجة اتسام سياسات التعليم والتدريب في الدول العربية بأنها غير فعالة وغير قادرة على خلق العمالة الماهرة، القادرة على التجديد والارتفاع بمستوى الإنتاجية والجودة. كما أنّ ظاهرة البطالة تعتبر من التحديات الكبرى التي ستواجه العالم العربي في السنوات القليلة القادمة، إذ تزايد حجم القوى العاملة سنوياً بمعدل 2.511 مليون خلال تسعينيات القرن الماضي، وقد ترتفع الزيادة خلال العقد الحالي إلى 3.350 مليون سنوياً، وبالتالي فثمة حاجة إلى ما يزيد عن مليونين ونصف مليون فرصة عمل مطلوب توفيرها سنوياً. وتكمن خطورة البطالة في ارتباطها بعدالة توزيع الدخل، ومحاربة الفقر، وحرمان العامل من تلبية احتياجاته الأساسية، وممارسة حق العمل الذي لم يترسخ حق الاعتراف به حتى الآن. ومما يضاعف المشكلات العربية أنّ عدد السكان سيتضاعف خلال الثلاثين سنة المقبلة، وسيصبح سنة 2050 حوالي 645 مليوناً، ما يعني أنّ معدل النمو السكاني في المنطقة العربية سيكون أعلى من معدل النمو الاقتصادي. والسكان في سن العمل (15 ـ 59) سيصل عددهم سنة 2025 إلى حوالي 285 مليوناً، ومن المتوقع أن يصل حجم القوى العاملة العربية إلى 125 مليوناً في سنة 2010. مع العلم أنّ عدد المهاجرين، من أصحاب الكفاءات والاختصاصات المهمة، إلى الخارج يقدر بملايين عدة من الفنيين وحملة الشهادات العليا، وهم القوى الأساسية الضرورية لأية نهضة حقيقية (قدرت خسارة العرب بسبب هجرة العقول العربية بـ 1.57 مليار دولار سنوياً). وفي الواقع تواجه الدول العربية تحديات إنمائية في تحقيق أهداف الألفية: فهناك نحو 10 ملايين طفل خارج المدارس، وعدم المساواة بين الجنسين ما زال قائماً، حيث تبلغ نسبة الأمية لدى النساء نحو 50 %، وتحتل النساء نحو 5 % فقط من المجالس التشريعية العربية. وعلى المستوى العربي، فإنّ متوسط مؤشر التنمية الإنسانية البالغ0.651 هو أقل من المتوسط العالمي البالغ 0.729 بحسب تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن الأمم المتحدة في العام 2004، كما أنّ المؤشر للمنطقة العربية هو أقل من مؤشر البلدان النامية البالغ 0.663.
(39)المفارقة الأكبر هنا أن العرب والمسلمين يمتلكون طاقات وموارد وثروات وإمكانات طبيعية وبشرية وجغرافية (مادية ورمزية) واسعة هائلة، ولكنهم في الوقت نفسه يعيشون على موائد الآخرين، أي أن هناك فجوة بين ما يملكونه وما يصنعونه أو ينتجونه. وهذا إن دل على أمر ما، فهو يدل على أننا لا نحسن تشغيل مواهبنا العقلية والعملية المتوافرة عندنا، الأمر الذي يظهر في واقعنا من خلال انتشار مظاهر الفقر والتخلف والجهل الواسع الذي نعايشه.

[الصفحة - 267]


من العجز والإحباط والتردي والتفكك المسيطرة في عالمنا العربي والإسلامي ـ يعود إلى النمط الثقافي المهيمن، وأعني به مرجعيات المعنى وأنماط الرؤية السائدة المنتجة للفكر والثقافة التي تخطط لحياة الناس والمجتمعات.
فالفكر عندنا له قوالبه ومسبقاته وقواعده وأحكامه واستراتيجياته، ولكنه فكر يولِّد مزيداً من العجز والخواء والجهل والتسلط والاستبداد؛ لأننا أساساً نتعامل مع الفكر والتفكير ـ الذي كان من المفترض أن نمارس عبره علاقة إيجابية خصبة، منتجة وفعالة، مثمرة ومتطورة، مع الذات ومع الآخر ـ بصورة متحجرة ومنغلقة أحادية وحتمية وخيالية وفردوسية، نادراً ما تجد فيها شيئاً حياً من الواقع.
وواقع (بل وفكر) هو على تلك الصورة غير المنتجة، بل المتآكلة، سينتج كوارث وأزمات متتالية. ولا يكفي أن نقول: إن الأقدار هي السبب الدائم والمصدر الحقيقي لتلك الكوارث، كما يصور أصحاب ورموز تلك المرجعيات السلفية.. بل هي أزمات من إنتاجنا، صنعناها بعقولنا ومقولاتنا وتصنيفاتنا ومرجعياتنا المهيمنة على واقعنا الثقافي منذ قرون عديدة، والتي لا تزال تتحكم في الخطابات ليس لتبدع وتنتج وتطور وتحسن، ولكن لكي تعيق وتلغم وتضع العراقيل والعوائق(40)في وجه أي فكر أو معرفة أو مشروع حضاري إنساني مدني يعلي من شأن الإنسان فرداً ومحوراً أساسياً للكون والحياة.
طبعاً، نحن عندما ننقد التراث والخطاب السلفي بفكره ودعاته، ونظهر عجزه عن العيش المنتج والفعال في العصر الحديث، وعدم قدرته على بناء معرفة مستقبلية حقيقية نافعة للإنسان والحياة، إن ذلك لا ينبغي أن يحجم تفكيرنا النقدي عن الوجه الآخر للداعية التراثي السلفي، وهو المثقف الحداثي العربي الذي بقي يتعاطى وينتج مفاهيم الحداثة والتطور والحرية والاستنارة والتقدم من موقع المتلقي والمتأثر ومن دون أن يطورها ويبتكر صيغ جديدة تتعدى محيطه الجغرافي. لأنه أساساً لم يشتغل في المعرفة الحديثة من موقع الخلق والابتكار، وإنما من موقع المبشر والمخلص والمروج والمقلد. الأمر الذي جعله (أي المثقف الحداثي العربي) متعبداً لنصوص الحداثة من غير طول تفكير، ومؤلهاً لأفكارها وهويتها من دون تجربة ومعاناة وتأمل.
________________________________________
(40)والمثال الحي الراهن على ذلك هو الداعية التراثي والأصولي السلفي الذي يملأ شاشات الفضائيات العربية والإسلامية طولاً وعرضاً بأحاديثه ومواعظه، فتراه يوزع شهادات التدين وحسن السلوك على هذا، وفتاوى التكفير والقتل ضد ذاك. ويدعي امتلاك مفاتيح الجنة والنار والحقيقة والهداية والسعادة لإنقاذ الأُمّة الإسلامية والبشرية جمعاء من براثن الكفر والفسق والفساد. وفي سبيل تحقيق ذلك يستدعي رموز هذا الخط كل ما هو حق أو باطل (شرعي أو غير شرعي) من التراث أو من العصر الذي يعيشون فيه..الأمر الذي حول الإسلام من دين إنساني متسامح، إلى مجرد خطاب ثقافي حزبي مخيف يلاحق الناس، ويزرع الرعب بينهم كمحاكم التفتيش سابقاً. والمحصلة لذلك كله مزيد من التقوقع على الذات القديمة، ومزيد من البعد عن العصر والتوجه نحو الماضي، الحلم البعيد، ومزيد من الكسل والتحجر والتقليد الأعمى.. وبعدها ماذا هناك، إنه الفشل الحضاري المتجسد في العجز الفاضح عن نقد وتطوير العلوم القديمة، أو عن الانخراط في اكتشاف وافتتاح فروع علومية جديدة.

[الصفحة - 268]


وهذا النقد ـ حقيقة ـ لا ينطبق على مجموع مثقفينا ومفكرينا الحداثيين، حيث إن فيهم المبدع المطور والمنتج في شتى ميادين وحقول المعرفة والثقافة والفنون. ولكن هذه الفئة قليلة وضعيفة وغير مؤثرة حتى الآن، على عكس الكثرة الغالبة من أولئك الوعاظ عبدة النصوص والأوثان الفكرية الذين يسيطرون على الفضاء والهواء والسلطة التي باتت مضطرة في الآونة أن تقربهم منها وتفتح مجالات العمل (والإنتاج!) أمامهم ليمارسوا من خلال ذلك أفظع فنون التضليل والتزييف والشعوذة الثقافية والتعمية الأيديولوجية والتهويل الديني.
بناءً عليه فإن المشكلة تحددت، وهي في الأساس ثقافية معرفية، ولكن تجلياتها الواقعية يمكن إجمالها في الآتي:
مجتمعات عربية وإسلامية ممزقة، وتعيش صراعاً وتدافعاً مريراً حول الحكم والسيادة، لا تقترب فيه أبداً من تحكيم لغة الحوار، ومنطق التراضي والتدافع السلمي.
فشل ذريع للسلطات السياسية الرسمية الحاكمة في إدارة قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفير الحريات، القضاء على الفقر والبطالة.. الخ)، إضافة إلى فشلها في قضايا الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.
وجود بون شاسع وانقطاع واسع بين حاكم غير شرعي (فرض نفسه بالقوة والقهر، واعتبر أن السلطة حق طبيعي له ولذريته وحاشيته) وبين محكوم مستضعف (مطارد وملاحق وعاجز عن تحقيق الحد الأدنى من متطلبات وجوده الإنساني الطبيعي)، فقد الثقة في نظمه وأجهزته الحاكمة؛ لأنها لم تقم لخياره وزناً، وتجاوزت حدود العدل في الحكم والقسط .
خوف تلك القيادات الدائم من شعوبها، مما يجعلها تتحسب للثورات في كل وقت.. أو بتعبير معاوية نفسه: «فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا».. أي سيادة ثقافة الخوف والخوف المتبادل.
سيادة العلاقات النفاقية والتملقية ـ إذا صح التعبير ـ بين الحاكم والمحكوم، وإظهار كل منهما للآخر غير ما يبطن، نظراً لانسداد أبواب التعاون الحر، وانعدام التناصح النزيه.
________________________________________

[الصفحة - 269]