البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ظاهرة الانتظار في الديانات السماوية والوضعية (مقتربات مفاهيمية )

الباحث :  د. محمد حسين حبيب
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  44
السنة :  السنة الحادية عشر شتاء 1427هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  260
ظاهرة الانتظار
في الديانات السماوية والوضعية
(مقتربات مفاهيمية )

د. محمد حسين حبيب (*)

المقدمة
ينطلق البحث في دراسته لظاهرة الانتظار، بوصفها ظاهرة إنسانية لها جذرها التاريخي الضارب في القدم، والمرتبط بالمعتقدات الإنسانية كافة، إلى جانب ارتباط الظاهرة نفسها بالدراسات التي تبحث في مصير الإنسانية ومستقبلها المنتظَر، ويرتبط هذا المستقبل أيضاً بالدراسات الزمنية وتحديداً المهتمة بكل ما هو آت ومستقبلي ينتظره الكثيرون.
إن الحديث عن القادم والمجهول والمنتظر، من الموضوعات المحببة لدى الإنسان، لأنّ مثل هذا الحديث يكون دائماً محفوفاً بالغرابة والتساؤلات الكثيرة، وفي أحيان كثيرة يصحبه القلق والخوف، إلى جانب التودد لهذا المجهول والتعجل في معرفته والوصول اليه، مما حدا إلى ظهور العديد من الدراسات المعنية في مستقبل الإنسان الذي هو جزء من مستقبل البشرية جمعاء، زيادة على أن الحديث عن المستقبل المنتظَر حديث يشمل الإنسان في كل زمان ومكان وليس فرداً أو مجتمعاً بعينه.
وإذا ما أردنا أن نتوسع قليلاً، في الإشارة إلى بعض من هذه الدراسات التي اهتمت بمستقبل الإنسان المنتظر لا نجد كتباً بعينها فقط، وانما نجد سلسلة من
________________________________________
(*)باحث من العراق.

[الصفحة - 281]


دراسات وابحاث متصلة (1)مستمرة ـ لا زالت إلى الآن ـ تبحث في هذا المجال.
إن الانتظار ظاهرة لها مديات معرفية تشمل وتشترك مع معرفيات دينية وفلسفية ونفسية وادبية فنية وغيرها، لا يمكن لها أن تتوقف معرفياً، طالما بقي الانتظار قائماً، فهو يعطيها مسوغات استمراريتها في البحث والتنقيب بفاعلية واستمرار.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث والتنقيب من لدن الباحث المتخصص الذي يبحث في انتظار هذا المستقبل، إلى جانب بحثه «عن التغيرات التي يُنتظَر أن تطرأ على الإنسان وحياته وتركيبه ووظائفه.. أو على المجتمع ونظمه وعلاقات الافراد الذين يعيشون فيه ويؤلفونه، يحتاج إلى كثير من الشعور بالمسؤولية وحسن التقدير والاتزان حتى لا يحلق به الخيال إلى آفاق بعيدة تجعل دراسته اقرب إلى الروايات الخيالية» (2)بعيدة عن الموضوعية وعن مرجعيات معرفية راسخة.
في ضوء ما تقدم، يسأل الباحث: هل يمكن تصور حياة إنسان بدون مستقبل.. وانتظار هذا المستقبل؟
لهذه الاسباب وغيرها، تأسست أهمية هذا البحث في مرحلة اولى لتنتقل إلى مرحلة ثانية تتجسد في هيمنة ظاهرة الانتظار على الكثير من الدراسات الدينية والفلسفية والنفسية إلى جانب الكثير من النتاجات الادبية والفنية.
أولاً ـ الانتظار في العصور القديمة
يمتلك الدين ومنذ العصور الأولى لتأريخ البشرية تأثيره الباطني في الإنسان، بل إن المسار الحياتي لهذا الإنسان بتعددية اتجاهاته الفكرية والاخلاقية إلى جانب علاقاته الاجتماعية، يقف وراءه الدين بمحرماته ومسموحاته كافة، حرامه وحلاله، فضلاً عن ذلك له قابلية الغور عميقاً بهدف الكشف عن محددات طبيعة حياتية معينة ورسم مقتضياتها البيئية وخلفياتها الثقافية، بل يصل الامر بالدين أن يسهم في تحديد التوجهات السياسية للإنسان ورسم ابعاد حياته الحاضرة والمستقبلية الخاصة منها والعامة.
على الرغم من أن الدين بدأ عبارة عن طقوس كان الإنسان القديم يمارسها، إلاّ
________________________________________
(1) تجدر الإشارة الى سلسلة (اليوم والغد) لعدد من المؤلفين، كل في مجال اختصاصه، يتنبّؤون عن المستقبل، صدرت عن دور نشر بريطانية وامريكية، فحملت عنوانات مثل: علم المستقبل، ومستقبل العلم، ومستقبل المسرح، وبجماليون أو طبيب المستقبل… وللمزيد ينظر مقال: تمهيد لمحور عالم الغد، مجلة عالم الفكر ـ الكويت، العدد الاول، 1973 م، ص: 4، 5. كما يشير الباحث الى الكتب الآتية: (العالم بعد مائتي عام ـ الثورة العلمية والتكنولوجية خلال القرنين القادمين)، هيرمان كان، ترجمة: شوق جلال وآخرين؛ و (التنبوء العلمي ومستقبل الإنسان)، عبد المحسن صالح؛ و (هل للإنسان مستقبل)، برتراند رسل. هذا الى جانب اغراءات (الألفية) المحببة لدى الإنسان، فما الذي يمكن ان يحدث بعد نهاية هذا القرن وبداية قرن جديد أو بداية (ألفية) جديدة.. والجميع يتذكر البرنامج التلفازي الذي بثه تلفاز العراق نهاية الثمانينات الموسوم (العالم سنة الألفين) الذي عده وقدمه الدكتور قدامة الملاح، ومدى اهتمام الناس حينها بهذا البرنامج. (الباحث)
(2) اُنظر مقال: تمهيد لمحور عالم الغد، مصدر سابق، ص 3.

[الصفحة - 282]


أن هذه الطقوس الدينية كانت مرتبطة بفكرة التعبد، هذه الفكرة التي تعد صفة فطرية خُلق الإنسان عليها، ولقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة إلى فطرة التعبد مثل قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(الروم: 30).
إن المتتبع للاطوار الأُولى التي مرت بها المجتمعات القديمة يعرف أن «فكرة التعبد من الغرائز البشرية التي فطر عليها الإنسان منذ نشأته الأُولى..» (3). ومن الصعوبة بمكان دراسة تاريخ مجتمع ما دون التوقف اولاً عند عباداته الدينية وطقوسها؛ لاننا «قد نرى في السابق، أو الحاضر، مجتمعات إنسانية لاحظ لها من علم أو فن أو فلسفة، ولكنا لا نعرف مجتمعاً لا دين له» (4).
ولم يتوقف الامر على دين واحد تتفق عليه البشرية منذ نشأتها، بل تعددت الديانات بين الشعوب، واصبحت هذه التعددية الدينية من العلامات البارزة لتأريخ المجتمعات كافة، ومن ظواهرها المؤثرة في طبيعة حياة هذه الشعوب المختلفة من حيث العادات والسلوك والمعتقدات، بل نجد الاختلاف حتى في مستويات الإيمان وتقبل هذه العبادة أو تلك. فضلاً عن ذلك، يتلمس المتتبع التساؤلات الأُولى التي قادت إلى محاولات الكشف والتمحيص المرافقة للكثير من التأملات الكونية والوجودية على اختلاف اتجاهاتها المتناقضة، والتي اسهم الفكر الإنساني بعد ذلك في ابرازها عبر مراحل وعصور تأريخية متعاقبة بدأت من عصور السلالات القديمة حتى وقتنا الحاضر.
وفي هذا الصدد يرى فراس السواح (5): «إن الدين والفكر الديني ليس مرحلة منقضية من تاريخ الفكر الإنساني، بل هو سمة متأصلة في هذا الفكر، وإذا كانت هذه السمة قد اعلنت عن نفسها زمنياً قبل غيرها، فكان الدين مصدراً بدئياً للثقافة الإنسانية، فأن كل المؤشرات تدل على أنه ما زال حياً ومؤثراً بطريقة لا يمكن تجاهلها» (6)وسيبقى كذلك طالما أنه اكتسب هذه السلطة والهيمنة الروحية على عقل وذات الإنسان وعلى البنى التحتية والفوقية لحياته قاطبة.
وطالما أن البداية «تعني النقطة الزمنية التي تؤشر على منحى المسار المادي
________________________________________
(3)Denis Saurt: Histoire des religions" , Paris, Denoel, 1933, P.66.
(4)هنري برجسون، منبعا الاخلاق والدين، ترجمة سامي الدروبي وعبد الله الدايم، الهيئة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر ـ القاهرة 1971، ص113.
(5) باحث وكاتب لبناني، متخصص في دراسة الأديان والاساطير القديمة، وله العديد من المؤلفات المشهورة في هذا الجانب، وسيمر الباحث على الأغلب منها بالاقتباس والاشارة.
(6)فراس السواح، دين الإنسان.. بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة ـ دمشق، ط3، 1998، ص22.

[الصفحة - 283]


لكينونة الفعل المتحقق سلوكياً، والمنتج للشيء أو الموضوع أو الحدث» (7)فأن البحث يبدأ من تلك ( النقطة الزمنية ) التي أشّرت ذلك المسار المادي للحياة الإنسانية منذ عصورها الأُولى ( العصور البدائية ) كما يطلق عليها في العادة (8)، فكلمة (بدائي) مثلاً يشير لها ( برتشارد ): «للدلالة على شعوب تعيش في مجتمع مصغر وثقافة مادية بسيطة جداً تفتقد الكتابة» (9)، فالمرحلة البدائية وعلى وفق هذا المضمون، هي مرحلة ما قبل اكتشاف الكتابة، في حين أن آخرين من الأناسيين(10)يشيرون إلى (الوعي) قبل الكتابة، مثل: (ليفي شتراوس) الذي يصف (البدائية) بمرحلة (ما قبل الوعي) أو (المجتمعات البرية) (11).
لقد مر (الدين) بمرحلته الطقوسية الأُولى تلك التي سبقت مرحلة الأديان السماوية، كان الإنسان قد مارس خلالها عبادة ما حوله في الطبيعة، مكوناتها وقواها، فمثلاً ميل الإنسان إلى عبادة الظواهر الطبيعية المحيطة كالبرق والرعد والصواعق وما صاحب هذه العبادة من عامل الخوف منها بلا شك، الامر الذي قاده بالتالي إلى تكوين فكرة الدين بصورتها التعبدية الأُولى. كذلك كان لتعاقب الليل والنهار، وما اسهمت هذه التعاقبية في تحريك الانتظار اليومي لدى الإنسان القديم «فنراه جعل للّيل إلهاً وللنهار إلهاً.. إله النهار هو المنقذ له من إله الليل بوصف الاخير، الشر العظيم..»(12).
ومما ساعد في تعزيز هذا النوع من العبادات هو احتكاك الإنسان المباشر بما حوله بمثل هذه الظواهر واعتقاده انها هي التي تتحكم به وبمتطلبات معيشته، مما جعل هذا (الاعتقاد believe) البسيط يسهم في تحقيق غاية دينية مفادها تكريس الحياة وتنشيط ارادة العيش والعمل فيها، انطلاقاً من أن الدين من شأنه توفير الراحة والطمأنينة والثقة، إلى جانب اسهامه في تلاحم المجتمع واستمراريته، وهنا تكمن قيمته.
وعلى الرغم من الدور البارز الذي يمكن أن يؤديه الدين في النمو الحضاري والثقافي لدى شعوب العالم قاطبة، إلاّ أن هناك من كان يقف ضده، معلناً موقفه المعارض للدين ولفعله الحضاري والثقافي، بل منهم ممن يعنون بدراسة الإنسان والمجتمعات القديمة مثلاً ـ من هؤلاء الانثروبولوجيين نذكر: تيلور، وفريزر،
________________________________________
(7)ريكان ابراهيم، علم النفس والتاريخ، دار الشؤون الثقافية ـ بغداد، ط1، 1988، ص9.
(8) وجد الباحث تسميات عديدة تخص هذه المرحلة ( البدائية Primitive ) منها ما ذكرها مونتاغيو من اصطلاحات بدائل لكلمة (بدائية) مثل: اولية، وهامشية، وشعوب الارض اللاكتابية، والإنسان البدائي أي إنسان ما قبل التاريخ، وغيرها.. للمزيد ينظر: اشلي مونتاغيو، البدائية، ترجمة: محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت، العدد 53، 1982، الصفحات: 8 و 9 و 13 و 15 و 59 ـ 61 إلى جانب تسميات اُخرى ولباحثين آخرين يجدها القارئ في متن هذا البحث. (الباحث)
(9)ايفنز برتشارد، الأناسة والمجتمعية ـ ديانة البدائيين في نظريات الأنّاسين، ترجمة: حسن قبيسي، دار الحداثة ـ بيروت، ط1، 1986، ص172.
(10) نسبة الى مصطلح ( الأناسة Antropologie ) ويعني كاستخدام أمثل لها: «الأُسلوب العام لحياة جماعة أو مجتمع معين في مكان وزمان محددين …» أو ان الانتروبولوجيا هي علم دراسة الإنسان طبيعياً واجتماعياً وحضارياً.. للمزيد ينظر: حسين فهيم، قصة الانثروبولوجيا، فصول في تأريخ علم الإنسان، سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت، العدد 98، 1986، ص18 و20. ولقد أشار شتراوس الى أنه في عام 1858 «كان قد ولد رجلان، فرانز بواس واميل دركهايم شهدت لهما الاجيال فيما بعد بانهما كانا ـ الاول في امريكا والثاني في فرنسا ـ المنشئين، ان لم يكن المؤسسين للأناسة كما نعرفها اليوم»، من كتاب شتراوس (مقالات في الأناسة) ترجمة: حسن قبيسي، دار التنوير للطباعة والنشر ـ بيروت، ط1، 1983، ص62. أما برتشارد فذكر أنه في عام 1908 خُصص اول كرسي جامعي حمل اسم الأناسة المجتمعية في ليفربول وقد شغله (السيرجيمس فريزر). للمزيد ينظر برتشارد، الأناسة والمجتمعية، مصدر سابق، ص9.
(11)كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، نقله إلى العربية وعلق عليه: نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ بيروت 1984، ص37.
(12)فالح مهدي، البحث عن منقذ، دار ابن رشد للطباعة والنشر ـ بيروت، ط1، 1981، ص 10 ـ 11.

[الصفحة - 284]


ودركهايهم، وليفي برويل، وفرويد، وسبنسرـ قصدوا في اغلب الظن إلى السخرية والتصغير من قيمة الديانات والمعتقدات القديمة، حيث «..كانوا لا ادريّين أو ملحدين. فلم يكن للديانة البدائية (القديمة) في نظرهم قيمة مختلفة عن قيمة المعتقدات الدينية الأُخرى.. كانت وهماً من الأوهام... كانوا يرون أن كل معتقد ديني امر سخيف.. » (13). بينما نجد لدى غيرهم رأياً آخر، فمثلاً يقول (مونتسكيو): «إنه حتى لو سلمنا بان الدين مبنيّ على اكذوبة، فمن الممكن أن تكون له وظيفة مجتمعية مفيدة كل الفائدة» (14). هذا إلى جانب ما أشاعه عدد من الأناسيين عن عدم أهمية الدين، وما الدين إلاّ من اختراع البشر انفسهم، وان العلم والدين متضادان، وزوال الدين قريب ولكن مسألة وقت.. (15).
يقول ماكس مولر (16)( 1822 ـ 1900 ) في كتابه (نشأة الدين ونموّه): «الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن تصوره، والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، هو التطلع إلى اللانهائي هو حب الله» (17). عبر هذا المفهوم، تكون جل التصورات القديمة على وفق المفهوم الغيبي، المرتبط بالقوى الغيبية المحيطة بالمجتمعات القديمة، تلك القوى الخفية التي يلتجئ اليها الإنسان دوماً في تفسيره لبعض الحوادث التي تصادفه.
كما يمكن الإشارة أيضاً، إلى أن هذه التصورات كانت جماعية الطابع، ولا اختلاف عليها.
إن الإيمان الغيبي يحيط بالإنسان القديم من كل جانب، فكان يُرجع سبب الموت مثلاً، إلى فعل قوة غيبية، ما عدا موت المقاتل، أو أنه ـ أي الموت ـ يحدث بسبب افعال شيطانية مسحورة، كذلك أن الحادث العارض لديهم يكون نتيجة سحر شديد أو تأثير فوق طبيعي. زيادة على أن سبب المرض الذي يصيب احدهم، انما يرجع إلى بلّورة سحرية دخلت جسم المريض ويجب اخراجها عن طريق المص (18).
إن هذه القوى الغيبية لا تمارس سلطتها على الواقع اليومي للإنسان القديم فحسب، وإنما تتدخل في رسم الاحداث القابلة لهذا الإنسان، وتجعله يعيش انتظاراً محفوفاً بالترقب واللهفة، فيؤكد (بريل) أن «هناك مظاهر اُخرى أكثر مباشرة واكثر
________________________________________
(13)ايفنز برتشارد، الأناسة والمجتمعية، مصدر سابق، ص 167، 169.
(14)المصدر السابق، ص210.
(15) المصدر السابق، ص272، 273. وللمزيد ينظر: رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب، سينا للنشر ـ القاهرة، الانتشار العربي ـ بيروت، ط1، 1997؛ عبد الرحمن بدوي، تاريخ الإلحاد.
(16) ماكس مولر: فيلسوف ومؤرخ أديان الماني، له مؤلفات عديدة في هذا المجال..
(17)Max Maller: "Origine et developpement de la religion", Londres, Paris,Lecon I,Chapitre.IV,P.252.1873.
(18)للمزيد ينظر: ليفي بريل، العقلية البدائية، ترجمة: محمد القصاص، مراجعة: د. حسن الساعاتي، مكتبة مصر، ص24 ـ 30.

[الصفحة - 285]


اطراداً، وبوساطتها تخبر هذه القوى بما سيقع للاحياء، وكأنها تتخذها وسيلة لانذار الفرد أو المجموعة بما سيحدث، ومن هذه الظواهر الاحلام والفؤول سواءً أكانت ميمونة ام مشؤومة»(19).
فالانتظار ارتبط والحال هذه، بالاحلام والفؤول؛ لأنّ الإنسان القديم كان يعتقد أن الاحلام هي الوسيلة التي تضعه في علاقة مباشرة مع القوى الغيبية، وهنا يكون فعل الانتظار الجماعي بمعناه العام والأولي، قد بدأ يضع اولى خطواته في الفكر الإنساني القديم، ويتعمق هذا المعنى إذا عرفنا أن من طبائع هذه القوى انها لا تُرى ولا تُدرك بالحواس، بل يخضع لها الإنسان منتظراً ما ستؤول اليه حياته نتيجة تحكم هذه القوى به وبمستقبله.
وتزداد أهمية هذا الانتظار الجماعي إذا عرفنا أنه يرتبط دائماً بمنفعة حياتية قابلة للتحقق، فانتظار زمن سعيد قادم مثلاً، حيث الامطار الوفيرة والزراعة الدائمة وقلة الحوادث العارضة أو عدمها، إلى جانب طرد الارواح الشريرة وعدمها هي الأُخرى، أي كل ما يمت بصلة بأسباب الحياة السعيدة، الاسباب المادية؛ لأنّ الزمن عند الإنسان القديم، وحسب بريل، غير ذي أهمية، فلا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل، فقط هناك زمن سعيد وزمن منحوس وفي كلا الزمنين علاقة بالقوى الخفية (20).
أما إذا لم يتحقق ما كان منتظَراً، فيكون السحر هو السبب ولا شيء غيره، أي وجود قوى غير مرئية كالارواح الشريرة مثلاً، كذلك كان للفؤول اثرها في الاعلان عما سيحدث مستقبلاً.
في ضوء ما تقدم، يرى الباحث، أن الانتظار لدى إنسان العصور القديمة يميل إلى الصفة الجماعية في الانتظار، على وفق الحاجة الحياتية الجماعية هي الأُخرى، بهدف مسيرة الحياة على الوجه المطلوب، وبتوفير مستويات افضل واحسن لطبيعة الحياة. زيادة على أن هذا الانتظار الجماعي لديهم قائم على الفؤول والسحر والاعتقاد بالقوى الخفية المتحكمة باُمورهم الحياتية.
لقد اتسمت العقلية القديمة بطابع الاتفاق الجماعي حول جل التصورات والمعتقدات العبادية الدينية الأُولى، تلك المعتقدات المرتبطة بالمرحلة الفطرية أو
________________________________________
(19)المصدر السابق، ص97.
(20)للمزيد ينظر: المصدر السابق، ص92.

[الصفحة - 286]


الغريزية التي مر بها المجتمع البشري، حيث الانقياد التام للحاجات الغريزية الحيوانية في كل ما يمت بصلة لمتطلبات المعيشة ومسيرتها. ولم تحدث حينها أية تأملات عقلية لما يدور وسط البيئة وتقلباتها، بكلام آخر، وجود العلة بلا معلول، ولم يحن الوقت للبحث عن الاسباب؛ لأنّ الإنسان القديم كان في «عصره الفطري فاقداً للاختلاف في المصالح والاختلاف في العقيدة.. لعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفهم ذلك.. أو إذا كان عندهم عقيدة بسيطة فليس لهم المستوى الكافي لفلسفتها ومناقشتها، فهم جميعاً يتسالمون على صحتها... وبمجرد أن وجد المستوى الكافي للتفكير، وجد النزاع بينهم بطبيعة الحال،.. أي أن الاختلاف وجد بعد انتهاء عصر القصور الذهني» (21).
ومع وجود هذا الاختلاف، بدأت التعددية في المعتقدات، التي ادت بالتالي إلى تعددية الديانات.
إن الإنسان بامتلاكه الخصائص التي تميزه عن الحيوان، استطاع الانتقال من المرحلة القديمة إلى مرحلة اُخرى من الوعي. ويمكن حصر هذه الخصائص في قوة الذاكرة، وتنوع اصواته الناطقة، ولا وجود للتحديد الغرائزي ( كالسبات في الفصول ) أو الاستطاعة الجنسية، وقوة العاطفة، والحركات الجسمية، وقابلية الافادة من التجارب السابقة (22).
كل هذه الخصائص، أهّلت الكائن البشري للانتقال من مرحلة إلى اُخرى بهدف تكوين المجتمعات الواعية المفكرة. وقد اثرت التجربة الإنسانية في هذا الانتقال حيث الافادة من الماضي والحالي وصولاً لتكوين العصر القادم عبر تعاقبات تاريخية مختلفة إلى جانب المعتقدات والأديان المختلفة هي الأُخرى. لقد بدأت تظهر لنا شيئاً فشيئاً المكونات الاساسية للدين وهي:
المعتقد، والطقس، والاسطورة (23)، وبفرز المعتقد بوصفه شأناً جمعياً بالضرورة تبنته أجيال متعاقبة ومتلاحقة منذ العصور القديمة إلى ما بعدها، وفي هذا يرى (برتشارد) أن أكثر الشعوب البدائية تؤمن بان للمخلوقات والاشياء نفساً كنفسهم، وان فكرة الإله موجودة عند أغلظ البدائيين الذين يتعاطون القنص واللقاط.. وان الديانة
________________________________________
(21)محمد الصدر، اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني، دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، 1992، ص426.
(22)للمزيد ينظر: المصدر السابق، ص 444 ـ 445.
(23)ينظر: فراس السواح، دين الإنسان، مصدر سابق، ص 47ـ70.

[الصفحة - 287]


البدائية كانت مسألة عقلانية، وانها نجمت عن معاينات حسية، وانها تشكل بداية لفلسفة الطبيعة(24).
وكثير من الباحثين الذين يدرسون نشأة الأديان وعلومها يرون أن التوحيد هو منشأ الأديان، وما حدث من انحرافات دينية عن هذا المبدأ طارئ على جوهر الدين، «ولا عجب إذاً في أن تنتشر بعد ذلك مذاهب بعيدة عن التوحيد، وان تكون العودة اليه هي دائماً عودة إلى الفطرة الأُولى»(25)أو عودة إلى مرحلة الغريزة التي اعتقدت بالغيبيات لكن بطريقة بسيطة وليست محتكمة إلى العقل والتفسير، بل اكتفت بما هو معلن ومتفق عليه.
أما ما يتعلق بالمكونين الآخرين للدين: الطقس والاسطورة، فهما ليسا نتاجاً لملكة خرافية، «بل إن قيمتيهما الرئيسية هي حفظهما حتى عصرنا هذا وعبر أشكال مترسبة على انماط من التفكير والمعاينة كانت ولم تزل صالحة لنوع معين من الاكتشافات التي سمحت بها الطبيعة انطلاقاً من تنظيم العالم المحسوس واستثماره التفكيري بصيغ المحسوس نفسه» (26). وبهذا يمكن ـ وعبر هذه الطقوس والاساطيـر ـ الامساك باكتشافات المعتقدات الدينية وانماط تفكيرها بهدف الامساك بمكونات الدين الاساسية.
تجدر الإشارة إلى أن غالبية من درسوا الديانات القديمة وقارنوا فيما بينها وجدوا ما سمي بـ(ديانات الخلاص)، حيث كان الإنسان القديم يبحث عن (خلاصه) دائماً، وفي واحدة من هذه المحطات المهمة نُشير إلى (الموت) بوصفه محطة خلاص أخيرة، ومرجعه الدائم إلى فعل قوة غيبية سار الجميع على الاعتقاد بها.
فالإنسان النياندرتالي مثلاً ـ قبل ظهور الإنسان العاقل ـ «كان يدفن موتاه وفق طقوس خاصة ويضع في قبورهم بعض الطعام والشراب، مما يدل على اعتقاده بان الموت ليس إلاّ معبر من حالة إلى حالة ومن عالَم إلى عالَم. كما تُقدم لنا حفريات العصور القديمة بينات كثيرة على طقس واعتقاد مماثل..» (27)إلى جانب فكرة خلود الروح التي كان الإنسان مأخوذاً بها، حيث الخلاص من عالم المادة إلى عالم ذي طبيعة مغايرة.
________________________________________
(24) للمزيد ينظر: برتشارد، الأناسة والمجتمعية، مصدر سابق ص 182 ـ 183
(25) محمود كحيل، المثال أو النموذج بين الإنساني والإلهي في الفكر الحضاري القديم، مجلة عالم الفكر ـ الكويت، العدد 1، المجلد 31، لسنة 2002، ص127.
(26)كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، مصدر سابق، ص37.
(27)فراس السواح، لغز عشتار ـ الالوهة المؤنثة وأصل الدين والاسطورة، سومر للدراسات والنشر والتوزيع ـ قبرص ـ نيقوسيا، ط2، 1986.

[الصفحة - 288]


مما تقدم، نفهم أن الإنسان القديم كان يعيش حالة انتظار دائمة للموت.. للخلاص.. لحياة ثانية جديدة، وحالة الانتظار هذه لا يتحكم بها أحد سوى مرجعية الموت الغيبية، والتي تسمى في العادة، القدر، الامر الذي يقودنا لتسمية هذه الحالة بـ(الانتظار القدري)، الذي يميل هنا إلى صفة فردية الطابع، على عكس (الانتظار الجماعي)، لأنّ الموت ينتظره الأفراد كلٌ حسب ظروفه وقدره، بينما لا يحدث الموت جماعياً إلاّ في حالات نادرة واستثنائية كالحروب والكوارث الطبيعية والامراض المعدية وما شاكل ذلك.
وبنظرة سريعة إلى مختلف العصور التاريخية نجد الظاهرة الانتظارية قابعة وراء معتقد الخلاص كثيراً، بوصف هذا المعتقد هو السائد في مثل هذه الفترات التاريخية. فنجد لدى البابليين مثلاً، سيادة هذا المعتقد بين ثنايا الانتظار القدري لفكرة الموت في «ديانات الخصب التي تقوم أساساً على فكرة موت الطبيعة وبعثها المتكرر، الذي هو انعكاس لموت الإله وانبعاثه من جديد» (28)، كالذي يحدث في اُسطورة هبوطعشتار إلى العالم السفلي، وبعثها ـ أي عشتار ـ ديموزي من جديد ليجدد الحياة سنوياً.
كذلك رأى البابليون في انبثاق القمر وتجدده الشهري في حالة جديدة دائمة أنه يهب الإنسان القديم أملاً غامضاً في السير على منواله والبعث بعد الهبوط إلى باطن الارض.
وعلى الرغم من أنه في «التصورات السومرية والبابلية كانت غامضة لديهم فكرة الخلود والعالم الآخر حتى ظهور المسيح الذي حرر الموتى وفتح امام البشرية بوابة السماء» (29)، إلاّ أن معتقد الخلاص كان مرسّخاً ومركّزاً لطقس ديانات عديدة، مثل ( ديانات الاسرار ) التي شاعت في الشرق القديم والعالم اليوناني والروماني في القرون القليلة السابقة لميلاد المسيح، وكما يسميها السواح ( معتقدات الخلاص والنشور إلى عالم آخر).
فالجميع كان يسكنهم الانتظار على وفق منظومة حياتية قدرية ووفق طقوس خاصة ومتعددة، ففي الوقت الذي كان يحتفل فيه اتباع ديانات الخصب ببعث روح
________________________________________
(28)ريتا عوض، اُسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، ط1، 1978، ص 25.
(29)فراس السواح، لغز عشتار، مصدر سابق، ص381.

[الصفحة - 289]


الخصوبة لتدفع عنهم جوع عام آخر، كان اتباع ديانات الخلاص يحتفلون ببعث المخلص الذي يفتح لهم بوّابة الابدية.
أما في الشرق الادنى القديم، فنجد الديانة الاوزيرية المصرية بوصفها اوضح مثال على معتقدات الخلاص الشرقية، فأوزوريس يعده المصريون الإله المُخلّص الذي يحكم العالم الاسفل، إلى جانب كونهم يعيشون حالة انتظار دائمة بحكم ارتباطهم معيشياً بنهر النيل الذي يعود دائماً بعد امحال ليؤوب ومعه الخيرات والبركات بعد جوع وعطش شديدين.
فضلاً عن ذلك، هناك التقلبات المناخية التي ألزمت الفلاح المصري في أن يكون في حالة انتظار مستمرة «فنظرة واحدة إلى انتظار الفلاح المصري لفيضانات النيل وتوقعه وترقبه لاخطار الفيضان الجامح أو الضعيف نعرف من خلالها كيف آمن هذا العقل بالانتظار، فهو يعيش تحت رحمة النيل ونزواته»، ولذا لا بد أن يكون دائم التوقع والترقب، فحياته وحياة من حوله مرهونة بالقادم خيراً كان أو شراً.
آمن المصري القديم بالبعث والخلود، وان الفكر المصري القديم وجد «أن في مقدور الإنسان أيضاً أن يعود إلى الحياة بعد موته، وكان بقاء اجسام الموتى بصورة تسترعي النظر في ارض مصر الجافة مما ساعد على تثبيت هذه العقيدة التي ظلت مسيطرة إلى أن انتقلت منهم إلى الدين المسيحي» (30).
وقد هيمنت فكرة الخلاص أيضاً على العقل المصري القديم، لأنّ إيمان العقل المصري بالآخرة جعله يؤمن كل الإيمان بانتظار هذه الحياة التي سوف يحياها بعد محاسبته، لقد كان همه في حياته الدنيوية هو الاستعداد لحياته الخالدة التي سوف يحياها في الآخرة. وهذا يؤكد لنا معرفة المصري القديم بالبعث والثواب والعقاب في الآخرة.. إنه ينتظر الآخرة، «ولعل المصريين هم اول من اعتقد بحياة اُخرى فيها الثواب والعقاب بعد الموت» (31).
وإذا انتقلنا إلى اليونانيين والرومانيين فسنجد أن ديانات الخلاص كانت شائعة لديهم أيضاً، فما بين عامي (200ق.م ـ 200م) وجد عدد من هذه الديانات، نذكر منها (32):
________________________________________
(30)ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: محمد بدران، مجلد رقم 2، ج1، ط2، القاهرة ، ص92.
(31)تقي الدباغ، الفكر الديني القديم، دار الشؤون الثقافية ـ بغداد، ط1، 1994، ص14.
(32) للمزيد ينظر: لغز عشتار، مصدر سابق، ص386ـ388 مع وجود نظرية خاصة توضح مرجعيات ديونيسيوس الاسطورية والمراحل الثلاثة التي مر بها ديونيسيوس منذ العماء البدئي …، ص387.

[الصفحة - 290]


1. ديانة ميتر المخلص الشمسي الذي غزا الامبراطور الروماني قادماً من فارس.
2. الديانة الاورفية التي نشأت في قلب ديانة الخصب الديونيسية، ثم استقلت عنها وحولت إلهها ديونيسوس إله الخصب والكرامة والخمر إلى إله مُخلّص.
3. ديانة الإلهة سيبيل وابنها آتيس، ثالث اكبر ديانات الخصب في العالم اليوناني والروماني. وفي هذه الديانة أيضاً نشأت حلقات سرية لمعتقد الخلاص... ويذكر أن إله الخصب (آتيس) قد تحول في معتقدهم إلى إله مُخلّص...
زيادة على وجود معتقد ديني هو ( الهرمسية Hermetisme ) نسبة إلى «هرمس Hermes وهو إله إغريقي متعدد الوظائف والمجال والاختصاصات، ويرمز إلى المعرفة الكلية والتأويل الشامل، ورسول الحكمة إلى الناس، إنه أيضاً رمز الكلمة التي تنفذ إلى اعماق الوعي» (33).
ولدى العرب القدماء، الكثير من المفاهيم الدينية المنطلقة من فكرة (التوحيد) نفسها، ذات المنشأ الواحد للأديان كافة، على الرغم من التعددية المتعاقبة للأديان ومرورها بأطوار من التأثر المتواصل، لذا كان من البديهي أخذُ العرب القدماء مثلاً «عن الشعوب السامية المجاورة وغير المجاورة من اليونانيين وتسرب انماط من التفكير الديني الوثني، والتصورات الاسطورية التي تنحو نحو نمذجة الاشخاص من البشر، أو تأليههم، أو أنسنة الآلهة السماوية المقدسة» (34)، وما ذاك إلاّ استمرارية تأثرية متواصلة كان لها حضورها ـ فيما بعد ـ على تفعيل بعض المفاهيم والظواهر الدينية، كالانتظار مثلاً، بوصفها واحدة من هذه الظواهر الدينية ذات الحضور الدائم في العصور والحقب التاريخية المختلفة كافة.
يرى جواد علي: «إن اثر الديانة اليهودية لم يكن ليتعدى طبقة المثقفين من أهل الجاهلية العرب، الذي كان لهم رأي وبصر وتفكر في شؤون الحياة، وإن هذا الاثر... قد انتقل إلى العرب الجاهليين عبر بعض الشعراء اليهود، وكان من ابرزهم (السموأل بن عاديا) صاحب حصن الابلق في تيماء، و(اوس بن دنن)، و(سارة) القرظيين، و(كعب ابن الاشرف) وغيرهم» (35)، وإن العرب في شبه الجزيرة لم يكونوا في عزلة تامة لدرجة انعدام التلاقح الفكري في العقائد والمفاهيم الدينية والاسطورية التي نشأت
________________________________________
(33) امبرتو ايكو، التأويل بين السيمائيات والتفكيكية، ترجمة وتقديم: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، ط1، 2002، ص138. ( وبالاضافة الى ذلك فهو إله الفصاحة ورمز التعدد والتأويل والمعرفة الآتية من كل أصقاع الكون )، المصدر نفسه. وفي هذا الصدد يشير الباحث الى ما ذكره (محمد عابد الجابري) في كتابه (بنية العقل العربي)، ص261ـ263، على ان الولاية الاسلامية مثلاً لها مرجعية هرمسية، وما رؤيا (هرمس) إلاّ دليل على ما ذهب اليه الجابري. وما استنتاجه هذا إلاّ الدليل الواضح على سلسلة المفاهيم الدينية وتراتبها التاريخي والاثر الذي يتركه السابق على اللاحق في تسرب أنماط من التفكير الديني المتقارب في الأغلب.
(34)محمود كحيل، مصدر سابق، ص142.
(35)جواد علي، تاريخ العرب قبل الاسلام، مطبعة المجمع العلمي العراقي ـ بغداد، 1956، ج6،ص93.

[الصفحة - 291]


بعيداً عن العرب، «فوجود اليهود والنصرانية واتباع كل منهما... يؤكد الصلة بين العرب والشعوب المتاخمة لهم مثل سكان العراق وفلسطين والشام ومن ثم التأثر بهم وبمعتقداتهم، كما أن هناك نفر من العرب القدماء كانوا لا يميلون إلى عبادة الاصنام أو الاعتقاد بالآلهة المتعددة، مثلما كان يفعل سائر العرب القدامى، وإنما اخذوا يفكرون ويبحثون عن الحقيقة، وكان منهم من يعتقد بالإله الواحد، وهم اتباع الحنيفية (36)، وقد سموا بالحنفاء، امثال الاديب والخطيب العربي، والواعظ (قس بن ساعدة).
مما تقدم، يرى الباحث، ارتباط ظاهرة الانتظار بالمفهوم الديني؛ لأنّ الدين كان وحده المفتاح الاساس لفهم واقع المجتمعات القديمة بكل مجالاتها، وارتباط تلك المجالات بالمعتقدات والعادات الحياتية والسلوك الإنساني المقترن بلون من الوان الشعور الديني المتوارث عبر تأثيرات السابق على اللاحق.
ثانياً ـ الانتظار في الديانات السماوية والوضعية
1ـ الديانات السماوية:
أ ـ الديانة اليهودية:
يعد الدين اليهودي اول دين سماوي هابط من السماء، ولقد ذكرت الكثير من الدراسات المختصة أن لهذا الدين جذوره واصوله التاريخية المتأثرة جداً بالديانة (الآتونية) (37)التي شاعت ابان فترة حكم الملك ( اخناتون ) الرابع، الذي خلف أباه حوالي 1375 ق.م.
توجه الناس إلى عبادة (آتون) إله الشمس، نتيجة للثورة الدينية التي قام بها (اخناتون) في العام السادس من حكمه، آمراً الناس إلى توحيد جميع الآلهة المعبودة آنذاك وحصرها في (آتون)؛ لاسباب عبادية واقتصادية كادت تؤثر في عائلة (اخناتون) الحاكمة (38).
وكان لمسألة حصر العبادة وتوحيدها في إله واحد، اثرها المباشر في تقريب الناس أكثر من فكرة التوحيد، تلك الفكرة الاساس التي جعلت منها الأديان كافة ـ وخاصة السماوية ـ قاعدتها الرصينة.
________________________________________
(36)الحنيفية: هم جماعة من العرب اعتقدوا وجود إله واحد، وكانوا على دين ابراهيم (عليه السلام).
(37) الآتونية: نسبة الى إله الشمس (آتون)، اسمه يدل على كائن مادي، فقد استعمل للتعبير عن معنى تجريدي، وقد رمز اليه باشعة الشمس التي تتدلى من قرص الشمس حيث تنتهي بأيد تقدم رمز الحياة الى العابدين، وكانت المعابد الآتونية مفتوحة للسماء لتيسر عبادة الآلهة في صراحة واضحة بمنأى عن الغموض.
(38)للمزيد ينظر: فالح مهدي، البحث عن منقذ، مصدر سابق، ص19ـ22.

[الصفحة - 292]


كذلك تأثرت الديانة اليهودية «بالفكر الديني المنتشر في بابل قبل أن يهاجر ابراهيم الخليل من العراق.. ثم تأثرت بالفكر الديني الكنعاني المنتشر في فلسطين عقب استقرار اليهود فيها زمناً، وكذلك بالفكر الديني الهندي والمصري والزرادشي» (39).
ويعد (يهوه) (40)المخلّص الاول لبني اسرائيل، لأنّ أنبياء بني اسرائيل كانوا يتحدثون عن (يهوه) في حماس واعجاب شديدين، وينتظرون اليوم الذي يتجلى فيه بقوته الحقيقية، عندما يأتي في العاصفة مطلقاً الرعب واللهب، محطماً قوى الوجود ويخر له البشر سجوداً لا راد لقضائه. وان هذا اليوم سيكون يوماً مشهوداً لا مثيل له إذ فيه يتدخل (يهوه) في مجرى التاريخ البشري وينتصر على الوثنية، فيعظّم شعبه ويبدأ عصر جديد من الرخاء والتقوى والسلام (41).
وتجدر الإشارة، إلى أن هناك من المخلّصين ممن لمعوا في سيرة الديانة اليهودية وأدوا دوراً رئيساً في تعزيز فكرة التوحيد الإلهية وترسيخها، وكان الناس حينها ينتظرون منهم الشيء الكثير وخاصة فيما يتعلق بفكرة الخلاص ورسم المستقبل المشرق بكل تنبّؤاته، وهم: النبي نوح (عليه السلام)، والنبي موسى (عليه السلام)، وكورش الفارسي.
مع الاخذ بالحسبان، أن مفهوم الخلاص مع هؤلاء المخلّصين لم يأخذ مداه الموضوعي ضمن الاطر المفاهيمية لظاهرة الانتظار، بمعنى أن هؤلاء لم يكونوا مُنتظَرين من قِبل الناس، بل إنهم قاموا بفعل التخليص والانقاذ اثناء مدة وجودهم زمنياً، باستثناء (النبي موسى (عليه السلام)) الذي تعرضت حياته لحالة غياب مؤقت، والعودة ثانية إلى الحياة، حينما رُمي في الماء خوفاً من فرعون، ليعود بعد ذلك بطريقة اعجازية.
وينوه الباحث، عن وجود تشابه قائمٍ بين عدد من المخلّصين، كلٌّ حسب تاريخه، وهو التشابه في ظروف الولادة وتعزيز فكرة الغياب والعودة المؤقتة، لكل من (النبي موسى (عليه السلام)، وسرجون الاكدي، وكرشنا)، فبالرغم من التباعد الزمني بينهم واختلاف دياناتهم إلاّ أن ظروفهم متشابهة، فكل منهم وضع في سلة ورُمي في الماء.. غياب عن الحياة ثم العودة اليها في ظروف صالحة، وهذا ما حصل لكل منهم (42).
________________________________________
(39)المصدر السابق، ص85.
(40) يذهب ول ديورانت الى ان الاسم (يهوه) هو أحد الآلهة الكنعانيين، ويؤيد ذلك وجود قطع من الخزف من بقايا العصر البرونزي (3000 سنة ق.م) عليها اسم إله كنعاني يسمى (ياه) أو (ياهوا).
(41)للمزيد ينظر: فالح مهدي، البحث عن منقذ، مصدر سابق، ص:91 ـ 92.
(42) للمزيد ينظر: علي زيعور، محاولة تحليلنفسية للبطل العربي في التصوف والانثروبولوجيا، مجلة الباحث ـ باريس، العدد 3، 1978؛ وينظر: داود سلمان الشويلي، رسالة الولادة المرفوضة، دراسة تناص بين ميلاد موسى (عليه السلام) وسرجون الاكدي، مجلة الموقف الثقافي، العدد 19، 1999.

[الصفحة - 293]


أما ما يتعلق بمسألة المستقبل والاهتمام بالتنبؤ، وهذه ميزة في الديانة اليهودية، فان المستقبل لديهم (نموذجي مطلق) (43)، ولقد كشفت (التوراة) المتداولة نبوءات بالمستقبل المشرق «جاءت على لسان داود (عليه السلام)، ووقع مثلها في كلام سليمان (عليه السلام)... وفي العصر المتأخر عن السبي البابلي، تنبّأ أشعيا ودانيال وغيرهما بوجود دولة الحق، واعطيا مقداراً من اوصافها. وفي العصر اللاحق جاء يوحنا اللاهوتي ليتنبأ بمولد القائد الاعظم (عليه السلام)، من رؤياه المشهوره المسطورة في التوراة» (44).
وليس هذا فقط، بل إن العهد القديم بوصفه كتاباً مقدساً، أشار بوضوح إلى المنتظِرين لعدالة الله التي ستتحقق على يد الصالحين من الناس، فنقرأ في العهد القديم: «لا تقلق لوجود الاشرار والظالمين فسوف تنقطع سلالة الظالمين، والمنتظِرون لعدل الله يرثون الارض والذين لُعنوا يتفرقون، والصالحون من الناس هم الذين يرثون الارض ويعيشون فيها إلى نهاية العالم» (45).
ويشير السواح إلى أن اليهود كانوا ينتظرون مسيحهم السياسي ليعيد اليهم مملكة داود الضائعة، المسيح السياسي الذي يعيد مجد اسرائيل ويخضع جميع الامم تحت قدميه، ثم يسلم الحكم إلى (يهوه) بوصفه مخلّصهم الاول، وان فكرة نهاية التأريخ المحصورة بفكرة ظهور المخلّص قد تسربت إلى الايديولوجية التوراتية من الزرادشتية خلال فترة السبي والاحتكاك بالفرس (46).
في ضوء ما تقدم، يرى الباحث، التفات الذهنية الإنسانية للتمسك أكثر بالانتظار، بوصفة ظاهرة آلت على ترسيخها المفاهيم الدينية وعَمّقتها، لما فيها من عوامل تحفيزية منبّهة تجعل الكائن البشري مشدوداً وبفاعلية لمصيره. وتجعله في حالة توقع وترقب مستمرين. وكان للدين اليهودي أثره الفاعل في تعزيز الظاهرة الانتظارية، حينما جعل لها من يمثلها على ايدي عدد من المخلّصين والمُنقذين، ممن استكملت في زمنهم انتقالات حياتية: اجتماعية وسياسية واقتصادية، تحول الناس خلالها من حال إلى آخر، فضلاً عن الوعود الأُخرى لحيوات قادمة ظل الجميع بانتظارها إلى حين.
________________________________________
(43)حسام الدين الآلوسي، الزمن في الفكر الديني والفلسفي القديم، مجلة عالم الفكر ـ الكويت، العدد 2، مج 8 ، 1977، ص134.
(44)محمد الصدر، اليوم الموعود، مصدر سابق، ص464.
(45) الكتاب المقدس، سفر مزامير داود، مزمور 37.. ويحيل الباحث هذا النص بوصفه تناصاً واضحاً مع الآية 105 من سورة الانبياء المشار اليها في ص 298 من هذا البحث.
(46) للمزيد ينظر: فراس السواح، الرحمن والشيطان ـ الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية، منشورات دار علاء الدين ـ دمشق، ط1، 2000، ص146 و263. ملاحظة: يقسم الكوراني خلاصة تاريخ اليهود في عشرة عهود تبدأ من عهد موسى ويوشع 1270 ـ 1130 ق.م الى العهد العاشر: عهد السيطرة الاسلامية 638ـ1925م.. وللمزيد ينظر: علي الكوراني، عصر الظهور، ص71ـ85.

[الصفحة - 294]


ب ـ الديانة المسيحية:
هي ثاني الديانات السماوية بعد الديانة اليهودية، وتعد المسيحية امتداداً للديانة اليهودية، بل إن توراة اليهود نفسها ذكرت (المسيح) (47)المنتظر في بعض اسفارها فتقول: «يولد لنا ولد، ونعطى ابنا، وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً ويكون الهاً قديراً وأباً وأبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته يجلس على كرسي داود وعلى مملكته ليثبّتها ويعضّدها بالحق والبر من الآن والى الأبد، غيرة رب الجنود تفعل هذا» (48).
إن تعاليم الدين المسيحي تحدثت في كتبها المقدسة بشكل واضح عن عودة السيد المسيح إلى الارض ثانية بعد صلبه، بوصفه مخلّصاً ومنقذاً للبشرية، بعد أن يحل فيها الدمار ويسود الظلم والجور، مثلما تحدثت عن انتظار الجميع لليوم الموعود، يوم تحقيق العدل الإلهي، فلقد جاء في الانجيل ما نَصّه:
«لكن يوم الرب سيجيء مثلما يجيء السارق، فتزول السماوات في ذلك اليوم بدويّ صاعق، وتنحل العناصر النار وتُحاكم الارض والاعمال التي فيها. فإذا كانت هذه الاشياء كلها ستنحل، فكيف يجب عليكم أن تكونوا؟ اما يجب أن تسلكوا طريق القداسة والتقوى، تنتظرون وتستعجلون مجيء يوم الله؟ حين تلتهب السماوات وتنحل تذوب العناصر بالنار، ولكننا ننتظر، كما وعد الله، سماوات جديدة وارضاً جديدة يسكن فيها العدل. فابذلوا جهدكهم ايها الاحباء، وانتم تنتظرون هذا اليوم، أن يجدكم الله بسلام، لا عيب فيكم ولا لوم عليكم» (49).
ولا بد من الإشارة، إلى أن معتقد الانتظار يتراوح بين الاعتقاد البسيط والاعتقاد القاطع، ففي الحالة الاعتيادية العامة يكون بمعناه الاول، اما في حالات العوز والحاجة الحياتية وانتشار القحط يتحول الاعتقاد إلى معناه الثاني.
بكلام آخر، إن هذا المعتقد الخلاصي يزداد ويستفحل لدى الناس أكثر كلما شعروا بالحاجة اليه فعلاً على وفق الواقع الفعلي وحيثياته، بمعنى أن ظاهرةانتظار المنقذ المخلّص «تبرز إلى حيز الوجود كلما ساد الظلم والخوف والبؤس..» (50).
________________________________________
(47) (المعنى الحرفي للفظة المسيح هو الممسوح بالزيت، وقد استعملت هذه الكلمة لاول مرة في العهد القديم في صموئيل الاول..) للمزيد ينظر: فالح مهدي، مصدر سابق، ص119.
(48)احمد سوسة، ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت، ط2، 2001، ص199.
(49)2 بطرس 3: 10ـ14 من الكتاب المقدس.
(50)فالح مهدي، مصدر سابق، ص120.

[الصفحة - 295]


يمكن القول إذاً، أن لظاهرة الانتظار ارتباطها المباشر بالواقع الاجتماعي وتحولاته الاقتصادية واستقراره الكلي، فحين لا يقدر المجتمع على صد الظلم أو البؤس أو الشقاء الذي يحل عليه يتجه مباشرة إلى غائبه، الذي له من الصفات البطولية الاعجازية ما تؤهله إلى القدرة على تغيير الواقع من حال إلى حال افضل مغاير.
إن اول من دوّن معتقد الخلاص في الديانة المسيحية شخص يدعى يوحنا، عاش في جزيرة باتموس، عام 94ـ95م «خلال القرن الثاني، عندما كانت المسيحية فتية، نبت على جذعها فرع خاص تجسد في انتظار ملكوت إلهي ألفي هو مرحلة انتقال بين الزمن والابدية، سينشأ بعد عودة المسيح ليزول بعد الف عام تاركاً مكانه لملكوت الرب الابدي» (51).
هذا التصور الذي دونه يوحنا، لم يستطع كتبة الإنجيل تجاهله بوصفه رؤيوية (52)قيامية سميت بـ(رؤيا يوحنا) دخلت كتاب الانجيل بسبب مماهاة الرأي مع تلميذ ليسوع حمل الاسم نفسه، حظي نصها بسلطة هائلة اعتقد كتبة الإنجيل بخطأ تجاهلها.
المسيحيون خافوا كثيراً عندما مات يسوع على الصليب، وتبعثر تلامذته اشد انصاره المخلصين اخلاصاً. لكنهم درسوا العهد القديم، ووجدوا أن يسوع يبقى المخلّص وان مات..
تعمق إيمان المسيحيين شيئاً فشيئاً، بعودة نبيهم، فهو «عندما سيعود إلى الارض، سيلتحق المسيحيون الاحياء به، وسينهض الموتى من القبور. لكن احداً لا يستطيع اخبارنا بوقت حدوث هذا، لأنّ يوم الرب سيأتي كلص في الليل...» (53).
لم يكتف المسيحيون بهذا الاعتقاد القاطع لانتظارهم الابدي، بل راحوا يضعون العلامات الممهدة لعصر ظهوره، وذلك ما نجده في انجيل متي: «يسأل الحواريون المسيح عن منتهى الدهر وعلامات مجيء المسيح فيقول لهم إن علامة مجيئه مجاعات وزلزال وتضيق الأُمم على اُمته، ضيق ليس مثله منذ اول العالم إلى الآن ولن يكون. وستزول السماوات والارض وتظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه وتتساقط الكواكب، ولكن اليوم أو الساعة لا يعلمها إلاّ الله، الأب وحده»(54).
________________________________________
(51)ديتر تسمر لينغ، النهايات ـ الهوس القيامي الألفي، ترجمة: ميشيل كيلو، قَدمُس للنشر والتوزيع ـ دمشق، ط1، 1999، ص76.
(52) (الرؤيوية هي قطعة ادبية مكتوبة، كتاب، تحتوي اساساً على مقولات رؤيوية، مقولات حول (الأشياء الأخيرة) التي تمس المصير الأخير والنهائي للإنسان الفرد وللعالم بأسره (في الاغريقية، الرؤيوية هي علم الأشياء الأخيرة ) ـ تسمر لينغ، المصدر السابق، ص36.
(53) المصدر السابق، ص70. وفي ذلك تناص واضح مع المفاهيم الاسلامية وفي آيات قرآنية، منها:الساعة آتية لا ريب فيها (الحج: 7)، حتى تأتيهم الساعة بغتة (الحج: 55)، ان الساعة آتية أكاد أخفيها(طه: 15). (الباحث)
(54)انجيل متي 24، 30ـ35، ومثله مكرر في انجيل مرقص 13: 3ـ33، وانجيل لوقا 21: 5ـ31.

[الصفحة - 296]


بعد حادثة صلب المسيح بوصفها الفيصل الحاسم الذي فرق بين من آمن بالمسيح ومن كذبوه وشككوا به، اعتقاداً منهم «أن المسيح قد خيب آمال الكثيرين في ذلك الوقت عندما ترك نفسه للصلب والموت، فان من بقوا على إيمانهم، رأوا أن المسيح قد غادرهم؛ لأنّ الناس ليسوا بعد على مرحلة تؤهلهم للدخول في ملكوت الرب، وان عليهم أن يتطهروا قبل أن يعود المسيح اليهم مرة ثانية» (55). من هنا بدأت مرحلة الاستعداد لبدء الانتظار وتحمله وتهيئة الظروف والمناخات الملائمة كلها لزمن العودة، زمن الخلاص.
لكن، على الرغم من كل ما تقدم، ومنذ اللحظة التي بدأ فيها الشك يحط اوزاره حول المسيح وعودته ودينه، ولجة البحث عن طهارة النفس واستعداداتها الروحية لاحتضان معتقد الخلاص، ظهر نفر غير قليل ممن شككوا بالمسيح وبعودته وبدينه، فبعد أن وعد الانجيل نفسه برجعة (ابن الإنسان) واصفاً مجيئه باوصاف إلهيّة كبيرة، نجد أن المسيحية حوربت كثيراً بعد صلب المسيح مثلما حورب طلاب المسيح الخمسة الذين كتبوا اناجيلهم المعروفة بما فيهم (برنابا) (56)، وخاصة في عهد نيرون عام 64م إلى عام 312م حين دخل قسطنطين امبراطور روما، مثلما دخل غيره، في الدين المسيحي وجعله ديناً رسمياً للبلاد (57).
يشدد الباحث على قضية أن الانتظار بوصفه ظاهرة دينية اولاً يرتبط بقضية اساس وهي( الإيمان )، والانتماء له روحياً وعقلياً واعتقاداً قاطعاً، وبالتالي يكون الطريق سالكاً امام المؤمن بهذه الظاهرة الانتظارية المحاطة بعلامات إلهية غيبية اعجازية، إلى جانب استدلالاتها العقلية التي عملت على ترسيخ هذا الإيمان ونبذ كل ما يخالفه.
من هنا، اكدت الظاهرة الانتظارية بثبوتها الديني لدى المسيحيين المؤمنين بيوم القيامة ( يوم الرب ) ممن اعتقدوا بعودة نبيهم ومخلّصهم، بوصف هذه العودة تعد من المعاجز الإلهية، خاصة إذا عرفنا أن المسيحيين لمسوا وعاشوا مثل هذه المعاجز على يد المسيح نفسه، مثل شفائه للابرص والاكمة واحيائه الموتى ونزول مائدة من السماء وغيرها.
________________________________________
(55)فراس السواح، مغامرة العقل الأُولى ـ دراسة في الأُسطورة سوريا وبلاد الرافدين، دار الكلمة ـ بيروت، ط4، 1985، ص290.
(56) برنابا هو خامس الاناجيل المسيحية المعروفة: ( متي، يوحنا، لوقا، مرقص ) وهو الانجيل الوحيد الذي فيه اشارة تنبؤية عن رسالة النبي محمد (رضي الله عنهما) الاسلامية، «وان هذا الانجيل هو المرفوض من قبل كافة الكنائس المسيحية لأنّ فيه ذكر للنبي احمد»، وفيه يتنبأ بوجود دولة الحق وقائدها وبعودة المسيح في تلك الدولة. توجد نسخة من انجيل برنابا، ترجمة: د. خليل سعادة. (الباحث)
(57)محمد الصدر، مصدر سابق، ص489.

[الصفحة - 297]


ج ـ الديانة الإسلامية:
مهدت الديانتان السابقتان ـ وكما مر بنا ـ إلى فتح طريق آخر للوعي الإنساني، ذلك الوعي المتمثل في استقبال ديانة جديدة وهي الديانة الاسلامية، بكل مفاهيمها وطروحاتها ونظرتها للحياة، وتحديد المقتضيات الواجبة لشكل الحياة وانظمتها المتضمن أنساقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والاخلاقية والمعرفية وغيرها من تلك التي حواها النص القرآني بوصفه الدستور الاساس للديانة الاسلامية.
جاء الاسلام ليضع القاعدة الفكرية المتينة لفهم الحياة ولمعناها، هذا الفهم المبني على معرفة متراكمة ومستقاة من الديانات السابقة، تلك المعرفة المستندة إلى فكرة التوحيد، ذات العمق التاريخي الكبير، زيادة على توقف المفاهيم القرآنية عند ابسط جزئيات الحياة ومكوناتها إلى اعقد العلاقات التي تربط الكائنات البشرية فيما بينها وبين المخلوقات كلها كلٌّ حسب موقعه ووظيفته في الحياة.
بعد كل هذه المعرفة المتراكمة لديانات سماوية و( وضعية) (58)، جاء الدين الاسلامي ليكون آخر الأديان، وان يكون الرسول الكريم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) هو خاتم الانبياء والمرسلين، وان يقوم بدوره بنشر الدين الاسلامي بكل تعاليمه السماوية وطروحاته التي من بينها بشارته النبوية بمنقذ البشرية وتأكيد فكرة الخلاص الإنسانية، وانه لا بد من نهاية لهذا العالم الدنيوي الذي يكمّله عالمٌ اخرويٌّ ازليٌّ، إلاّ أن هذه النهاية الدنيوية مرتبطة بظهور (مَهديّ) هذه الامة الاسلامية بوصفه المنقذ المنتظر، ليملأ الدنيا عدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.
ولقد وردت الكثير من الآيات القرآنية التي اشارت بطريقة مباشرة مرة وغير مباشرة مرة اُخرى، إلى المهدي المنتظر بصورة خاصة والى الانتظار بصورة عامة: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ}(السجدة: 28 ـ 30).
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105).
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرضِ كَمَا }
________________________________________
(58) الديانة الوضعية: هي الديانة التي لا ترتبط بكتاب سماوي، وانما اسهم البشر في وضعها وتحديد مفاهيمها التي هي ليست بعيدة عن مفاهيم الديانة السماوية. نذكر منها: الزرادشتية، والهندوسية، والبوذية، والمانوية، والجينية، ومثيرا، والتاوته. وللمزيد ينظر: سليمان مظهر، قصة الديانات، مكتبة مدبولي ـ القاهرة، ط2، 1998. وسنتوقف عند عدد منها لاحقاً. (الباحث).

[الصفحة - 298]


{اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيئاً} (النور: 55).
هذا إلى جانب الآيات القرآنية التي تحدثت عن مستقبل العالم ونهايته في الساعة المرتقبة والآتية لا ريب فيها، ولكنها غير محددة زمنياً؛ لأنها تأتي (بغتة) بحسب اشارة القرآن، أو هي محددة لكن الله (يكاد يخفيها) لحكمة لا يعلمها إلاّ هو سبحانه وتعالى.
أما الذين يتوافون من الرجال لحظة ظهور المَهدي، فهم (313) رجلاً وهم نفس عدة معركة بدر(59)وقد أشار القرآن إلى ما نصّه: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة: 148) (60).
أما في الأحاديث النبوية الشريفة ـ وهي كثيرة ـ فهناك اشارة مباشرة وواضحة إلى المهدي وظهوره في آخر الزمان، من هذه الأحاديث، نذكر:
«لا تذهب الدنيا حتى يقوم رجل من ولد الحسين يملؤها عدلاً كما مُلئت جوراً» (61).
«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً» (62).
«يتنعم اُمتي في زمانه نعيماً لم يتنعموا مثله قط البر والفاجر. ترسل السماء عليهم مدراراً ولا تدخر الارض شيئاً من نباتها» (63).
«من اطاعه اطاعني ومن عصاه عصاني ومن انكره في غيبته فقد انكرني ومن كذّبه فقد كذّبني»(64).
«أفضل أعمال اُمتي الانتظار» (65).
وعن علامات ظهوره يقول الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم): «عشرة قبل قيام الساعة لا بد منها: السفياني والدجال والدخان والدابة وخروج القائم وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى (عليه السلام) وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر» (66).
كما يذكر( احمد امين ) الازهري في كتابه (المهدي والمهدوية) وجود
________________________________________
(59) للمزيد ينظر: السيد مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي، بشارة الاسلام في ظهور صاحب الزمان، منشورات المطبعة الحيدرية ـ النجف الاشرف، ط5، 1963، ص: 204 ـ 205، وان هؤلاء الـ(313) رجلاً مذكورون بأسمائهم ومناطقهم وهو حديث عن الامام الصادق (عليه السلام) الى أبي بصير… ينظر المصدر نفسه، ص214ـ219.
(60) وللمزيد ينظر الآيات القرآنية: الآية 20 من سورة يونس، و 158 من سورة الأنعام، و 24 من سورة التوبة، و 71 من سورة الاعراف، و 93 من سورة هود.
(61)المجلسي، بحار الانوار مجلد 13، ج51، ص66.
(62)التبريزي، مشكاة المصابيح، تحقيق محمد ناصر الألباني، ج3، ص24.
(63)بحار الأنوار، مصدر سابق، ج51، ص78.
(64)المصدر السابق، ص72.
(65) يشير الباحث لوجود معجم خاص عنوانه: (معجم احاديث الامام المهدي) تأليف الهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الاسلامية، اشراف الشيخ علي الكوراني، مؤسسة المعارف الاسلامية، ط1، 1411هـ، قم، مطبعة بهمن.
(66) السيد مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي، مصدر سابق، ص14. وينوه الباحث الى العلامات التي يوردها المسيحيون ويسمونها (علامات المجيء الثاني) للسيد المسيح هي: مجاعات، وكساد، وحروب، وانتشار الأوبئة مثل: سرطان الآيدز، وأمراض غريبة، والزلزال في اماكن لم تعرف الهزات يوماً، وظَلال ديني، وانهيار خلقي، وانتشار المخدرات، والعلاقات الشاذة.

[الصفحة - 299]


خمسين حديثاً عن ظهور المنقذ المنتظر وعدّ ظهوره من اشراط قيام الساعة، استناداً لتلك الاحاديث النبوية.
يشير السواح إلى أن «آخر المخلِّصين هو يسوع الذي ما زال وعده قائماً على الارض« (67)، ونسي السواح ـ أو تناسى ـ أن المهدي المنتظر هو آخر المخلّصين، لارتباطه بالديانة الاسلامية التي هي آخر الديانات، وما مر بنا من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية العديدة، اكد هذا الوعد الإلهي في انتظار الظهور الحتمي لمنقذ البشرية، فبذلك يكون (المَهديّ) هو الذي ما زال وعده قائماً على الارض، لا المسيح، كما ذهب السواح إلى ذلك، وهذا لا يعني عدم ظهوره، بل إن ظهور المسيح مرتبط مباشرة بالمَهديّ.
فمن هو المَهديّ؟
قبل التعريف به وبرسالته القائمة بوصفها وعداً إلهياً ينتظرها العالم، لا بد من التساؤل أولاً: لماذا كان المَهدي هو آخر المخلّصين؟ ولماذا التشديد على أهمية انتظاره وحتمية تحقق هذا الوعد الإلهي؟ بل يقودنا هذا التساؤل إلى آخر: لماذا كان الاسلام آخر الأديان؟ ولماذا الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) هو خاتم الانبياء والمرسلين؟
إن ما مرت به البشرية وعبر عصورها ونبوّاتها المتعاقبة (68)ذات العمق التأريخي الذي يبدأ من العصور القديمة، مروراً بمرحلة اكتشاف الكتابة، إلى تكوّن الحضارات والاكتشافات، وصولاً لمرحلة كافية تأهلت فيها البشرية وبرشادها العقلي لاستقبال فهم جديد للعدالة الإلهية الكاملة التي جاء بها الاسلام ومحمد (صلي الله عليه و آله و سلم)، هذه العدالة التي يصفها بعض المفسرين بوصفها (الاطروحة) الجديدة الكاملة التي يمكن لها أن تُطبّق في دول العدل العالمية المهدوية المنتظرة، دولة المَهدي المرتقبة (69).
لقد اشارت أغلب المصادر المختصة إلى أن الحياة في الاسلام دار ممر والآخرة دار ثبات ومقر، على حد قول الامام الغزالي: «الدنيا مزرعة الآخرة.. ولا يتم الدين إلاّ بالدنيا.. والمُلك والدين توأمان.. فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع»(70)وهذا يعني أن الإنسان في ظل الاسلام يعيش حياتين، حياة يعيشها وحياة ينتظرها، أليس في هذه الديمومة تجسيد كامل
________________________________________
(67)لغز عشتار، مصدر سابق، ص393.
(68)هناك تراكم معرفي من عصر لآخر على وفق النبوات المتعاقبة، حيث تتحدث بعض المصادر عن وجود 120.000 ألف نبي على وجه الكرة الارضية.
(69) يحيلنا هذا المفهوم الى دولة افلاطون المثالية، المدينة الفاضلة، التي وضع لها افلاطون نظامها الخاص، الى جانب عدد من الفلاسفة الآخرين ممن وضعوا تأملاتهم لمدينة نموذجية خالصة، ينظر المبحث الفلسفي من هذا البحث. (الباحث)
(70)الغزالي، إحياء علوم الدين، طبعة دار الشعب،ج1، ص30.

[الصفحة - 300]


لظاهرة الانتظار في الفكر والوجدان لدى الإنسان بوجه عام والمسلم بوجه خاص نظراً لموروثاته السابقة حضارياً وعقائدياً وطبيعياً؟
تحولت ظاهرة الانتظار هنا، من أخبار متراتبة تناقلتها الديانتان السابقتان (اليهودية والمسيحية) بوصفها فكرة قائمة، تحولت إلى وعد إلهي «والوعد والحال هذه أكثر فاعلية وحركية من مجرد الخبر؛ لأنه يتّخذ درجة الالزام للوعد وخاصة على مستوى الحكيم المطلق.. الذي لا يخلف الميعاد» (71).
وتجدر الإشارة إلى أن معتقد (الغيبة) (72)قبل وصوله لمستوى الوعد الإلهي، كان عقيدة توارثها العرب قبل الاسلام، وكانت من الاسباب الممهدة لتقبل واعتناق فكرة العودة، متمثلة بظهور الغائب حتى لو كان ميتاً، فلقد «اعتقد قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة، أي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت. فيقولون أن الميت يرجع إلى الدنيا كرة اُخرى ويكون فيها حياً كما كان. ولعل هذه العقيدة هي التي حملت بعض الجاهليين على دفن الطعام وما يحتاج الإنسان في حياته اليه مع الميت في قبره، ظناً منهم أنه سيرجع ثانية إلى هذه الدنيا فيستفيد منها، فلا يكون معدماً فقيراً» (73)، وهذه العقيدة نفسها كان الفراعنة من السباقين إلى اعتناقها وتعميق مدياتها الدينية.
ويشير المستشرق (هنري كوربان) إلى «أن معنى رجعة الامام المنتظر هو معنى كشف انثروبولوجي تام، يفتح باطن الإنسان الذي يعيش في العقل، ويعني هذا اخيراً كشف السر الإلهي الذي حمله الإنسان، أي الامانة التي تحكي عنها الآية القرآنية 71 من سورة الاحزاب: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..} (74).
يرى الباحث، أن عقيدة انتظار المنقذ المنتظر ظاهرة انثروبولوجية تناقلتها كافة الأديان والمعتقدات لتصل إلى الدين الاسلامي الذي وسع مدياتها الفكرية والفلسفية، بوصفها وعداً إلهياً وبشارة نبوية، إلاّ انها على الرغم من ذلك اخذت طابعاً عقائدياً سياسياً بين اصحاب العقائد المتصارعة، «وهذا ما نلاحظه بين الشيعة الاثني عشرية (75)الذين تَمثل منقذهم في الامام الثاني عشر (المَهدي المنتظر) وبين الأُمويين الذين تَمثل منقذهم بـ(السفياني)» (76). فضلاً عن عقائد اُخرى لأقوام
________________________________________
(71)محمد الصدر، مصدر سابق، ص526.
(72) معتقد الغيبة وهو «انعكاس لواقع مؤلم أو لمرحلة مرارة في كفاح المجتمع أو الطائفة أو الجماعة أو الفرقة القائلة بالاحتجاب المؤقت للبطل … لا تفهم الغيبة إذن إلاّ كإعداد للرجعة بقوة، أو كناية عن يأس مؤقت يهئ للأمل.. » علي زيعور، محاولة تحليل ـ نفسية للبطل العربي في التصوف والأنثروبولوجيا، مصدر سابق، ص: 154 ـ 155 .. ويعطي علي زيعور أمثلة على الغياب المؤقت لبعض الاشخاص مثل البطل الصوفي (الحلاج) الذي لم يظهر له خبر لمدة سنة كاملة حينما طار هو والمنديل في الهواء، وغيبة (الزير سالم ) داخل تابوت القي في البحر، وابان تلك الغيبة لاقى أشياعه الظلم والقهر … وللمزيد ينظر: علي زيعور، المصدر نفسه، ص154، 155.
(73)جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، دار العلم للملايين ـ بيروت 1970، ط1، ج6، ص142.
(74)هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الاسلامية منذ الينابيع حتى وفاة ابن رشد 1198، منشورات عويدات ـ بيروت، ص131.
(75) الشيعة الاثنا عشرية نسبة الى الاثني عشر اماماً من نسل علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتسمى (الامامية )، وقد «نشأت من القول بامامة علي ولذلك يقترن مفهومها بمفهوم التشيع. فالإيمان بأفضلية علي بعد النبي (رضي الله عنهما) وبأنه الامام والخليفة بعده، وباستمرار الامامة في ذريته من فاطمة، هو الاساس العقائدي لمفهوم الامامة ولمفهوم التشيع معاً.. ». وللمزيد ينظر: علي احمد سعيد، الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب، ج1 الاصول، دار العودة ـ بيروت1983، ط . الرابعة ص197. «وامامة عليّ وصية النبي بارادة من الله، وانكارها كفر كإنكار النبوة، فالامامة اصل ديني أو هي فرض إلهي.. ارث خاص بأبناء عليّ الى يوم القيامة»، ص 197، المصدر نفسه. وهناك حديث رائج بكثرة في المؤلفات الشيعية يقول: (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية). وان «الامامة في مفهوم الشيعة الامامية وعقيدتهم رئاسة دينية وزمنية، يتولاها رجل عالم يصلح الناس في شؤون دينهم ودنياهم، ويعمل على ذلك دون ان يستأثر بشيء، ولا يخطئ في علمه ولا عمله..، وان المصدر الاول لفكرة الامامية هي القرآن الكريم والسنة النبوية». اُنظر الآيات القرآنية: 24 من سورة البقرة، 24 من سورة الفرقان، 73 من سورة الانبياء، 5 من سورة القصص. أما حديث الرسول (رضي الله عنهما): «الأئمة من قريش»، فينظر: محمد جواد مغنية، المهدي المنتظر والعقل، دار العلم للملايين، بدون تاريخ، ص20.
(76)فالح مهدي، مصدر سابق، ص195.

[الصفحة - 301]


وجماعات مختلفة، فـ «الزرادشتيون مثلاً ينتظرون عودة (بهرام شاه)، ومسيحيو الاحباش يترقبون عودة ملكهم (تيودور) كمهديٍّ في آخر الزمان، والهنود ينتظرون عودة (فيشنو)، والمجوس يعتقدون بدوام حياة (اوشيدر)، كذلك نجد أن البوذيين ينتظرون (بوذا)، والاسبان ينتظرون ملكهم (روذريق)، أما المغول فما زالوا يتطلعون إلى عودة قائدهم (جنكيزخان)» (77).
وعلى الرغم من الاختلافات الواضحة فيما يتعلق بالأسماء والظروف المحيطة، والتباعدات الزمنية، والتناقض الحاصل في العادات والتقاليد والاعراف، إلاّ أن الجميع في حالة انتظار دائمة، بما فيهم المسلمون «فلا فرق ـ إذاً ـ بين جميع المسلمين وبين غيرهم من أهل الأديان والشعوب الأُخرى من حيث الإيمان بأصل الفكرة وان اختلفوا في مصداقها، مع اتفاق المسلمين (كافة) على اسمه (محمد) كاسم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولقبَه عندهم هو (المَهدي)» (78).
من هو المَهدي؟
هو محمد القائم ابن الحسن العسكري (79)المولود سنة 256 هـ، وهو الامام الثاني عشر ومنه جاءت تسمية (الإمامية الاثنا عشريّة )..
أما اُمه فهي (نرجس خاتون) بنت يسوع قيصر الروم.
سمي بـ(المَهدي) لأنه يَهدي لأمر قد خفي (80).
للمَهدي غيبتان: صغرى وكبرى.
الغيبة الصغرى ابتدأت عام 863م / 260 هـ ، ولقد غاب وعمره خمس سنوات أو أكثر قليلاً، استمرت هذه الغيبة 70 أو 71 عاماً كان خلالها يتصل بسفرائه أو نُوّابه الأربعة (81)، ثم ظهر لطائفة خاصة من المسلمين (شيعته) ليغيب بعد ذلك الغيبة الكبرى التي بدأت حوالي 940 م/ 329 هـ ، وكانت رسالته الاخيرة إلى رابع سفرائه (علي السُمّري): «أن اجمع امرك ولا توصي إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة الثانية»، فكانت كلمات نائبه الاخيرة: (لله شأن هو بالغه)، ومن حينها ابتدأ التاريخ المستور (82)للإمام الثاني عشر.. ابتدأت الغيبة الكبرى التي سيعود بعدها في آخر الزمان ليملأ الدنيا عدلاً فهو (المهدي المنتظر)، وهذه الغيبة لا زالت قائمة إلى
________________________________________
(77)محمد باقر الصدر، المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي، مركز الرسالة، 1417هـ، ص8 ـ 9.
(78)المصدر السابق، ص11.
(79) العسكري هو الامام الحادي عشر من سلسلة الأئمة الاثني عشر، ولد الحسن بن علي العسكري في شهر ربيع الآخر سنة 232 هـ ، وقد عاصر ثلاثة من سلاطين بني العباس، وهم: المعتز (ت 250 هـ)، والمهتدي، (ت 256 هـ)، والمعتمد (ت279 هـ)، وهذا الأخير هو الأقرب الى الزمن الذي ولد فيه المهدي وغاب. (الباحث).
(80) وروي عن الامام الباقر أنه قال: (سمي المَهدي لانه يهدي لامر قد خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله..فيحكم بين اهل التوراة بالتوراة، وبين اهل الانجيل بالانجيل، وبين اهل الزبور بالزبور، وبين اهل الفرقان بالفرقان..). وللمزيد ينظر: الشيخ الصدوق،علل الشرائع، ط النجف، 1383 هـ ، ص161.. ولفظة المَهدي تقرأ كصفة بالفتح وهي اسم مفعول، بمعنى أنه لا يحتاج الى هداية من أحد فهو مَهدي من قبل الله، فهداه ذاتي. إذاً، فهو فوق الناس جميعاً.. ولقد عرّف الجميع بالمهدي، باسمه واسم آبائه بدءأً من النبي محمد (رضي الله عنهما) والامام علي (عليه السلام) والأئمة الأحد عشر جميعهم (عليهم السلام). ويذكر أبو طالب التجليلي التبريزي في كتابه (من هو المهدي) جميع هذه التعريفات الى جانب ذكره: فيمن تشرف بفيض حضور المهدي في حياة أبيه، وفيمن فاز برؤيته في الغيبة الصغرى، ونبذة من توقيعاته في الغيبة الصغرى، وفيمن فاز برؤيته في الغيبة الكبرى، وفي وكلائه في الغيبة الصغرى.. وللمزيد ينظر: المصدر نفسه، ط3، 1417هـ، الصفحات: (242 ـ 529).
(81) وهم: عثمان بن سعيد (260 ـ280هـ)، ومحمد بن عثمان الخلاني (280 ـ 305 هـ)، والحسين بن روح (305 ـ 326 هـ)، وعلي بن محمد السمري (326 ـ 329 هـ)..
(82) يرى هنري كوربان عن بداية التاريخ المستور للإمام الثاني عشر: «هو تاريخ لا يوحى بأي شيء مما نسميه بتأريخ الوقائع المادية، ولكنه لا يزال برغم هذا، يحكم الوجدان الشيعي منذ أكثر من عشرة قرون…»، اُنظر: هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، ص127 من هذا التاريخ يمكن القول إن التاريخ الغيبي قد بدأ، تاريخ المعاجز الإلهية. (الباحث).

[الصفحة - 302]