البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

صيرورة الفكر الشيعي قراءة في تطور الفكر السياسي عند علماء الشيعة

الباحث :  السيد صادق عباس الموسوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  44
السنة :  السنة الحادية عشر شتاء 1427هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  197
صيرورة الفكر الشيعي
قراءة في تطور الفكر السياسي عند علماء الشيعة

السيد صادق عباس الموسوي (*)

تقدمة
بين الفكر البشري الوضعي والتنظير الديني اللاهوتي شيء من التقاطع، وآخر من التمايز. فإذا كان الفكر الوضعي نتاج عمل بشري محض، فإن الفكر الديني يمتزج بالإنساني قليلاً أو كثيراً، وقد يكون هذا الأمر ضرورياً لاستمراره وحركيته؛ لأن الوحي الإلهي ينقطع مفسحاً المجال للتجربة الإنسانية لتكمل الطريق.
والحركية في الفكر الديني تزداد طردياً كلما كان هذا الفكر يمتلك هامشاً مخصَّصاً للتدبير العقلي الإنساني، وهو ما يُطلق عليه «منطقة الفراغ»، ما يجعله قابلاً للتطور والنمو والتأقلم، بعيداً عن الجمود والتحجر الذي يصيبه بالهشاشة، ويحيله مع تقدم الزمن إلى مجرّد أفكار غير قابلة للحراك.
ويُشكِّل التشيُّع أحد هذه الأفكار الدينية، متميزاً بديناميكية فريدة وقدرة مرتفعة على التأقلم مع المحيط الجغرافي، والحيِّز الزماني بما يحمله من مفاهيم ورؤى تبقي لنفسها تحديد النقاط والحروف والخطوط العريضة، وتحتفظ للفكر البشري تشخيص وتموضع كل ذلك.
ويُشكِّل موضوع الفكر السياسي الشيعي ـ وإن كان عامّاً ـ محوراً هامّاً يمكن الولوج من خلاله لبيان كيفية تطوّر المذهب الشيعي على مستوى التنظير الفقهي، والهرمية المرجعية، والعلاقة بين الفقيه والسلطان، وازدواجيّة الثورة والنظام وغيرها.
________________________________________
(*)كاتب في الحوزة العلمية، من لبنان.

[الصفحة - 24]


وحتى لا يغرق البحث في سرد الأحداث المتعاقبة ويُمسي ضحيّة العموميات، كان التركيز فيه على محاور أساسية تركت بصماتها على الفكر الشيعي، وشكّلت مفاصل تحولية في إشكالياته ومفاهيمه ونظرياته.
التنظير الشيعي في الفكر السياسي والدولة
الشيعة لغوياً: هم القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة (1).
وقد اشتهر على أنّ الشيعة كمصطلح وتنظيم: هم الأشخاص الذين انضووا تحت ولاية عليّ بن أبي طالب ابن عم الرسول.
ويعرّف الفيلسوف الإيراني سيد حسين نصر الشيعة بأنهم: «الشيعة هم الذين يؤمنون أن حق خلافة النبي يعود فقط إلى اُسرته، ومن يتّبع اُسرة الرسول «أهل البيت» كمصدر إلهام ودليل لفهم الوحي القرآني الذي أتى به الرسول» (2).
إذن، فالشيعة هم شيعة عليّ الذين قالوا بأحقيته وأبنائه الأحد عشر في تولي الخلافة بعد الرسول بأمر من الله، حيث تكتمل النظرية الإسلامية بولايتهم كأصل من اُصول الدين.
لقد عاش المتشيّعون حالات من الاضطهاد، استمرّت منذ حياة أئمتهم حتى العصر البويهي. ولقد ساهم هذا الاضطهاد في التأثير على التكوين المعرفي لعقائدهم ولأفكارهم، وكان له الفضل في إغناء معتقدهم بأفكار حملت في طيّاتها حركية وعقلانية، طرحها أئمتهم الذين استمروا في قيادة الهرم الشيعي حتى غيبة الإمام الثاني عشر في (329 هـ )، ومن تلك الأفكار ضرورة رفض الحكم الظالم وعدم التعامل معه، فمن يدرس تاريخ العلويين يجدهم ثواراً من طراز غريب، لم يمر التاريخ الإسلامي من جيل إلى جيل دون السماع بثورة قادها علوي (3)، ومن تلك الأفكار التقية التي تعني أن يستبطن المؤمن الإيمان إذا كان في ذلك مصلحة أو لأجل دفع الهلكة، وغيرها من الأفكار...
ويُقسِّم د. علي شريعتي التاريخ الشيعي إلى حقبتين، بينهما تمام الاختلاف،
________________________________________
(1)لسان العرب، ابن منظور جمال الدين الإفريقي المصري، مادة (شاع).
(2)Nasr, Sayyed Hossein, Idealsat realitiesifislam, London, 1966.
(3)وعاظ السلاطين، علي الوردي: 200، دار كوفان ـ بيروت 1995م.

[الصفحة - 25]


تبدأ الأُولى من القرن الأول الهجري، حيث كان التشيع معبِّراً عن الإسلام الثوري في مقابل الإسلام الحكومتي الذي كان يتمثل في المذهب السني، وتمتد هذه الحقبة إلى أوائل العهد الصفوي، حيث تبدأ الحقبة الثانية التي تحوّل فيها المذهب الشيعي إلى الحكومة والنظام (4).
في الحقبة الأُولى عاش الشيعة فصولاً من الآلام والعذابات التي فرضها خوف الحكام منهم، فارتُكبت المجازر والمذابح تباعاً منذ العصر الأُموي وصولاً إلى العصر العباسي، حيث عانى أبناء الشيعة من أشكال متنوعة من القتل والتشريد والسجن وغيرها. والحقيقة، إنه وبرغم أن الحقبتين الأُموية والعباسية كانتا في غاية الصعوبة على الشيعة، لكن تخلّلتها فترات من الجزر القمعي، في عهد الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز، والفترة الفاصلة بين العهدين الأُموي والعباسي، أو عهد الخليفة العباسي المأمون الذي أعطى ولاية العهد لأحد أئمة الشيعة (الإمام الثامن)، حيث استطاعوا في هذه الفرص من نشر مذهبهم ومأسسة التفكير العقائدي والفقهي عندهم.
بعد غيبة الإمام الثاني عشر (سنة 329 هـ ) عُهد بالمذهب إلى الفقهاء، الذين كانوا يدركون أن الغائب الثاني عشر قد أناط مسؤولية رعاية الشيعة فكراً وعملاً وبخاصة في مجال التشريع بهم، فاندفعوا يستعدون للقيام بهذه المهمة، وذلك بتهيئة الوسائل العلمية التي يحتاج إليها الفقيه في اجتهاده من خلال استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية (5)، فانبروا لكتابة موسوعات الأحاديث لحفظ التراث الشيعي المنقول عن أئمة أهل البيت، حيث يعتبر كلامهم مصدراً من مصادر التشريع العليا، فكانت ـ وعلى غرار الصحاح في أحاديث أهل السُنَّة ـ الكتب الأربعة، (من لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والا ستبصار للطوسي، والكافي للكليني)، وقد تمّ الاهتمام بمتن الأحاديث وسندها وتصنيفها حسب الأبواب الفقهية.
في هذه المرحلة انقسم الفقهاء إلى مدرستين: نقلية تنحو منحى مدرسة أهل الحديث عند أهل السنة، ومثّلها الشيخ الصدوق ووالده؛ وعقلية تنحو منحى أهل الرأي عند أهل السنّة، ومثّلها ابن أبي عقيل وابن الجنيد، لكن كان المصبّ عند الشيخ المفيد (ت/413 هـ) الذي كان يُعتبر الأب الروحي للطائفة، والذي وبسبب ما رآه من بوادر
________________________________________
(4)التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي، علي شريعتي: 62، دار الأمير ـ بيروت 2002م.
(5)تاريخ التشريع الإسلامي، الدكتور عبدالهادي الفضلي: 237، ط. الأُولى، دار الكتاب الإسلامي ـ بيروت 1993م.

[الصفحة - 26]


الانشقاق في الصف الشيعي العلمي إلى هذين الاتجاهين ـ بما يحمل أولهما من جمود قد يعيق مسيرة التطوّر الفكري التشريعي، وما يحمل ثانيهما من انطلاق قد يتجاوز حدود الدائرة المذهبية ـ سلك طريق «البين بين»، فلا جمود ولا انطلاق ولكن أمر بين أمرين (6)، فجمع بينهما، فقد أعطى للحديث حقه وللعقل دوره، وشيّد أركان المذهب الشيعي المتواصل إلى هذه اللحظة.
وقد أسهم العامل السياسي في نهضة الشيعة منذ عصر المفيد حيث حكم آل بويه من 334 هـ إلى 447 هـ ، وقد كانوا متشيعين لأهل البيت وعملوا على نشر فكرهم، وكان عضد الدولة البويهي تلميذاً للمفيد (7). ويمكن اعتبار صعود البويهيين إلى السلطة نقطة فاصلة في تاريخ الشيعة، فقد كانت هذه المرة الأُولى التي يصل فيها الشيعة إلى الحكم في عاصمة الخلافة الإسلامية، بعد سنوات من المحن والأرزاء والكبت على يد خلفاء بني العباس وبني اُميّة قبلهم.
من تلاميذ المفيد، الذي كان يتخذ بغداد سكناً له ومعهداً لتلاميذه، الشريفان الرضي والمرتضى، حيث تسلَّم الأوّل نقابة الطالبيين وإمارة الحج والمظالم، وكان له الفضل في جمع كتب وخطب وأحاديث الإمام عليّ في موسوعة نهج البلاغة، أما الشريف المرتضى (ت/ 436 هـ ) فقد حاز على مرتبة علمية عالية، وكتب مصنّفات ساعدت في الدفاع عن المذهب الشيعي كلامياً وإغنائه فقهياّ.
بعد هؤلاء الأعلام الذين كانوا ينعمون في ظل حكم بويهي يتقرّب إلى الشيعة ويُحسن إليهم، وينتمي لهم، ظهر شيخ الطائفة الشيعية الشيخ الطوسي (ت/460 هـ ) الذي تتلمذ على المفيد والمرتضى، والذي فرض هيبته وسطوته العلمية كعالم أوّل عند الشيعة، واستمرّ على هذه الحالة في بغداد حتى هجوم السلاجقة بقيادة طغرل بك سنة ( 447 هـ )، حيث قاموا بحرق ونهب المنازل والمكاتب ومنها مكتبته الضخمة، ما فرض عليه الهجرة إلى النجف الأشرف، حيث شيَّد نواة الحركة العلمية فيها، خاصة أنها ضمان للحرية الفكرية قرب مرقد الإمام عليّ بن أبي طالب. ولقد كان له الفضل الكبير في إغناء المكتبة الشيعية ابتداءً من موسوعتي الأحاديث (التهذيب، والاستبصار)، مروراً بالكتب الرجالية التي تعين على كشف أحوال الناقلين للحديث،
________________________________________
(6)المصدر السابق: 263.
(7)المصدر السابق: 325.

[الصفحة - 27]


وصولاً إلى التصانيف الأُوصولية والفقهية، وهكذا كانت الطائفة الشيعية تنتقل من مرجع إلى آخر يحفظ تراثها ويجدّد مسائلها.
بقي المذهب الشيعي على هذا النمط إلى أن جاء احتلال المغول للدول الإسلامية وسيطرتهم على العراق، حيث برز عالم شيعي كبير هو الخواجة نصير الدين الطوسي، الذي عاش في ظل الاحتلال المغولي لبلاد المسلمين، فاستطاع بحلمه وعلمه وجده وفطنته أن يُسلم قلب الإمبراطور المغولي تكودار نجل هولاكو؛ ليعلن إسلامه فيَسلم بذلك المسلمون، حتى قيل عنه: إنه واحدٌ من أعظم من أنجبتهم الحضارة العربية (8).
وفي سنة (907 هـ ) حكم الصفويون إيران، وكان لهذا الأمر أثر كبير على الشيعة، حيث اختار الصفويون التشيّع مذهباً رسمياً للبلاد، حاربوا لأجله، واستخدموا كل الوسائل لجعل الناس تلتحق به، وقد اهتموا بالعلماء وأرسلوا بطلبهم، والملفت أن الدولة الصفوية أخذت من التشيع اسمه فقط، واحتفظت بشكله ليس إلاّ، واستمرت حتى عام (1148 هـ ) بعدها استلم الزنديّون الشيعة الحكم، وبعدهم الدولة القاجارية التي استلمت الحكم سنة (1193 هـ )، حيث كان لها أهمية كبرى في تشييد المنظومة الشيعية وإغناء الجانب السياسي فيها.
كان لا بُدّ قبل الولوج إلى التفكير السياسي للفقهاء من طرح هذه الأحداث والتراتبية، حتى نتمكن من عرض التطوّر الذي ابتنى عليه الفكر السياسي الشيعي، فقد مثّلت الفترة التي تلت غيبة الإمام الثاني عشر بداية للاجتهاد الشيعي حول مختلف المسائل، وكان لا يزال سائداً أن ما من شيء في هذه الدنيا إلاّ ولله فيه حكم، حتى الأرش في الخدش.
فما هو موقف علماء الشيعة من الدولة؟ وما هو نظام الحكم الأمثل؟ وهل هناك موقف موحّد من مسائل السياسة والحكم أو اجتهادات متعدّدة؟
بداية، النظرية الشيعية للسياسة والحكم تختلف جذرياً عمّا هي موجودة عند المذاهب السنية، حيث ينطلق الشيعة ابتداءً من عدم صحة الشورى التي عُقِدت عقب وفاة الرسول، وقالوا بالتنصيب الإلهي عبر الرسول لعليّ على الخلافة استناداً إلى عدد
________________________________________
(8)في خضمّ التاريخ، السيد حسن الأمين: 180، ط. الأُولى، دار المحجة البيضاء ـ بيروت 2000م.

[الصفحة - 28]


من الآيات والروايات التي تعضد ما يدّعون، وأن خلافة عليّ تُستكمل بعده بالسلسلة المترابطة والمنصوص عليها من الرسول حتى تصل إلى الإمام الثاني عشر، والذي يغيب ليظهر بعد فترة ويحكم بالعدل والمساواة في كل أنحاء الأرض.
إذاً، انطلاقاً من هذا المبنى العقائدي، يجب التمييز شكلاً بين السنّة والشيعة في نظرتهم للخلافة وإن كان مضموناً الشيء نفسه، فكما مارس الخلفاء اُمور الدين وقيادة المجتمع في آن واحد، فالأئمة كانوا سيفعلون الشيء نفسه، ولكن ممارسة الأئمة للقيادة، حسب الشيعة، يحضرها ويرافقها الاعتقاد بعصمتهم، وعدم إمكانية الخطأ في أفعالهم وأقوالهم بعكس السنة، وقد قاموا بذلك فعلاً مع حكومة الإمام الأول عليّ بن أبي طالب.
كما يجب التمييز بين أنواع التشيّع، فما نحن بصدد دراسته هو التشيّع الاثني عشري المختلف عن التشيّع الزيدي مثلاً، حيث يقولون بإمامة زيد بن علي بن الحسين، أي يتوقفون عند الإمام الرابع، أو التشيع الإسماعيلي عند إسماعيل بن جعفر الصادق، الإمام السادس.
الفقهاء وشؤون الحكم
أعقب غياب الإمام الثاني عشر، تسلّم الفقهاء زمام المذهب، حيث انقاد إليهم الشيعة في مسائلهم الفقهية والكلامية. في هذه المرحلة لم يستطع فقهاء الشيعة التنظير لمسائل الدولة والحكم والسياسة، لكن اقتصروا على الاهتمام بمسائل الفقه، التي كانت تشتمل على بعض ما قد يدخل في شؤون الحكومة والخلافة. ويمكن أن نقُسِّم مراحل الفقهاء للحكم إلى ثلاث مراحل، ابتداءً من الوقوف على مسافة من ذلك، مروراً بالتدخل غير المباشر، وصولاً إلى التنظير المباشر واستلام شؤون الحكم.
المرحلة الأُولى: البُعد عن شؤون السياسة والحكم بناء الفكر الشيعي
تمتد هذه المرحلة من انتهاء عصر النص بعد غياب الإمام الثاني عشر إلى تأسيس أوّل دولة شيعية.
________________________________________

[الصفحة - 29]


عاش العقل الشيعي في هذه الفترة حالات من المدّ والجزر، لم تخرج إلى حدود التفكير ببلورة برنامج لقيادة الشعب أو لحكم المجتمع، حيث كان فقهاء الشيعة مقتصرين في دراسة بعض المصطلحات والموضوعات ذات الصلة بالشأن السياسي، من قبيل: حاكم الشرع أو السلطان أو الإمام، التي كانت متداولة في سياق الحديث عن المراحل العليا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واُخرى من قبيل: القضاء وإقامة الحدود، وأخذ الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة ومجالات صرفها، وإقامة صلاة الجمعة، وتحديد هلال شهر رمضان المبارك والعيد، وإقامة مراسم الحج، وتكفّل اليتامى، والزواج والطلاق (9).
والحقيقة أنه لا يمكن فهم تدخل الفقهاء في شؤون الدولة والسلطان بالانقطاع عن تاريخ عصر النص الشيعي المنتهي سنة (329 هـ )، حيث إنّ أئمة الشيعة الذين يمثّلون في أقوالهم وأفعالهم سيرة الرسول، إذ يعتبر تقريرهم وعملهم حجّة، وحديثهم وكلامهم مُعتبر يؤخذ به كخطاب شرعي يُطابق ما يريده المولى في شريعته الغرّاء. هؤلاء الأئمة خاصة بعد واقعة كربلاء التي استشهد فيها الإمام الثالث الحسين بن عليّ، عاشوا أجواء من حالة التقية، والتي تُفسّر بأنها التحفّظ عن ضرر الغير بموافقة في قولٍ أو فعلٍ مخالف للحق (10)، وغايتها أنه في ظروف قاهرة لا يستطيع المؤمن أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً خوفاً من أن يترتب من ذلك مضار وتهلكة، فيبطن الإيمان ويظهر غير ذلك حفاظاً على الدين والنفس.
هذه الحالة أوجدت نمطاً خاصاً من العيش جعلهم يمارسون عقيدتهم المناوئة للسلطان من دون أمكانية كشفهم أو ضبطهم، حيث تبوّؤوا عدداً من المناصب في الدولة العباسية من دون معرفة الخلفاء، الذين إذا اكتشفوا ميلاً لأصحابهم أو أتباعهم إلى هؤلاء الأئمة كانوا يبادرونهم بالقتل وسفك الدماء، من قبيل ما فعل هارون الرشيد بالبرامكة، حيث أفناهم بعد أن كانوا أعمدة الدولة وركائز الخلافة، حين استشمّ منهم رائحة الولاء والحب لأئمة أهل البيت.
ورغم حالات التقية التي عاشها الشيعة كتدبير عقلائي ومخرج شرعي لحفظ المذهب، فقد اصطبغت حياتهم بالدماء وتلوّنت بحدّ السيف، فقلّما يذكر المؤرخون حياة خلفاء لم يعملوا في رقاب الموالين حدّ السيف، إلاّ ما ندر منهم. حتى إن التاريخ
________________________________________
(9)نظريات الحكم في الفقه الشيعي، محسن كديور: 19 ـ 20، ط . الأُولى، دار الجديد ـ بيروت 2000م.
(10)مع الشيعة الإمامية، جعفر سبحاني: 76، ط. الأُولى، دار الأضواء ـ بيروت 1993م.

[الصفحة - 30]


يذكر أن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي الأوّل، الذي خرج على الأُمويين تحت شعار أبناء الرسول، أوصى زوجة ولده المهدي أن لا تفتح خزائن كان قد أعطاها مفاتيحها إلاّ بعد موته، وحين حدث ذلك فتحتها فإذا بها رؤوس جماعة من الطالبيين فيهم الأطفال والرجال والشباب والمشايخ، قد قتلوا ووضعت رقاع على آذانهم فيها أنسابهم (11).
وقد شهد التاريخ حالات المدّ الشيعي في حياة بعض الخلفاء في الفترة الفاصلة بين الخلافتين الأُموية والعباسية، حيث فتح الصادق الإمام السادس دروس العلم، فحضر عنده أساطين العلم من أهل التنصيب وأهل الشورى، كما كان عصر ازدهار للمذهب الرافض للخلفاء وطريقة حكمهم في عهد الخليفة الثامن علي الرضا، الذي قَبِل بولاية عهد المأمون بعدما فُرِض عليه ذلك، ولكنه لم يقم رغم تسلّمه لولاية العهد بأي نوع من أنواع إدارة السلطة والشأن القيادي؛ لأنه هو الإمام المفروض الطاعة والولاية لا الخليفة الحاكم، لذا فقد كان السبب الأبرز لعمليات التصفية المستمرّة لقيادات الشيعة ورموزها وجمهورها يعود إلى خوف الخلفاء من الشيعة.
إذن، لقد عاش أئمة الشيعة حالة برزخية في العمل السياسي، يبطنون الإيمان بأحقيتهم بمنصب الخلافة والإمامة، ويُظهرون البعد عن أجواء السياسة حفظاً للمذهب والدين، وحقناً لدماءٍ كانت تُسفك لأقل من ذلك بكثير. هذه الحياة السياسية فرضت نفسها على علماء الشيعة الذين بقوا تحت تأثيرها حتى قيام الدولة الشيعية الأُولى.
وإذا أردنا أن نلتفت إلى تفكير هؤلاء في تلك الحقبة، فإن أوّل ما يثير الاهتمام منظّر علماء الشيعة الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ)، الذي كتب أكثر من مئتي مصنّف، وعاش في ظل السيطرة البويهية التي فرضت التعامل الحسن، بل المميز مع علماء الشيعة، ما جعلهم يعيشون حالات الراحة والحرية في الحوار والمناظرة مع غيرهم في العقائد وعلم الكلام والتاريخ والفقه وغيرها. والتاريخ ينقل لنا عن قيام عضد الدولة بزيارة الشيخ المفيد (12)، لكنّ الأخير بقي مستمراً على نهج أئمته وأساتذته من أهل البيت في نظرته إلى الدولة، التي لا يعتبرها شرعية، فهو يرفض في مسائله الفقهية سلطة الخلفاء في إقامة الحدود، مع أنها جنبة أساسية من جنبات أدارة الحكم والقيادة،
________________________________________
(11)تاريخ الأُمم والملوك، أبو جعفر الطبري 6: 344، ط . دار الأعلمي ـ بيروت.
(12)تاريخ التشريع الإسلامي، الدكتور عبدالهادي الفضلي: 255، مصدر سابق.

[الصفحة - 31]


فيقول في ذلك:
«أمام إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمة الهدى من آل محمد، ومن نصّبوه لذلك من الأُمراء والحكام، وقد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان، فمن تمكن من إقامتها على ولده وعبده ولم يخف من سلطان الجور إضراراً به على ذلك، فليقمها... وإن استطاع إقامة الحدود على من يليه من قومه، وأمن بوائق الظالمين في ذلك، فقد لزمه إقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، ويجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم، ويلزمه تنفيذ الأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجّار، ويجب على إخوانه المؤمنين معاونته على ذلك» (13).
هذا النص يُظهر أن مهندس الفقه الشيعي أناط للفقهاء مسؤولية إقامة الحدود، أي الأمن الاجتماعي من جهة، والدفاع عن حياض الإسلام، أي الأمن الخارجي من جهة اُخرى، ولكن عدم استطاعتة القيام بهذا الأمر لا يمنع من محاولة ذلك حسب الظروف المتاحة للفقيه.
ومن تلامذة المفيد الشريف الرضي (ت/406 هـ)، حيث ولي من قبل الدولة البويهية نقابة الطالبيين مراراً، وكانت إليه إمارة الحج والمظالم، كان يتولى ذلك عن أبيه، فالرضي هو من أوّل فقهاء الشيعة الذين يتقلدون مناصب معينة، ولكن مناصب رمزية إلى حدٍّ ما، لا تدخل في سلك الدولة كثيراً (14).
أما مؤسس الدراسة الدينية في النجف الشيخ أبو جعفر الطوسي (385 ـ 460 هـ) الذي درس على المفيد حتى وفاة الأخير سنة (413 هـ) ولازمَ المرتضى، وحضر عنده حتى وفاته سنة (436 هـ) فاستقلّ ـ عندها ـ بمهمّة الزعامة، وبأعباء المرجعية العليا، فكان له كرسي الدرس وهو شارة الزعامة المطلقة.
كان شيخ الطائفة ينزل الكرخ في بغداد حتى هجوم السلاجقة عليها بقيادة طغرل بك عام (447 هـ)، فقاموا بحرق ونهب المنازل والمؤسسات، وكان من بينها مكاتب الكرخ الكبيرة، ومنها مكتبة الطوسي وكرسي تدريسه، ما جعله يذهب إلى النجف؛ ليجعلها مركزاً علمياً ومنطلقاً لأفكاره (15).
________________________________________
(13)المقنعة، الشيخ المفيد: 808، ط. الثانية، دار المفيد ـ بيروت 1993م.
(14)تاريخ التشريع الإسلامي، مصدر سابق: 265.
(15)المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 32]


يمكن معرفة نظرة الشيخ الطوسي للحكم الإسلامي من خلال تصنيفه لولاية الفقهاء، حيث يرى أن هذه الولاية ثابتة ومستمرة لهم، ومن صلاحياتهم:
1 ـ بيان الأحكام والتقنين:
وهو جانب الإفتاء، حيث إن الرسول إنما أقام الدولة الإسلامية بكل مظاهرها وتشكيلاتها؛ لبيان الأحكام وإبلاغ تعاليم الوحي.
2 ـ القضاء:
حيث يتولاه سلطان الحق والعدل، أي الإمام أو من يأذن له الإمام بالقضاء دون غيرهما.
3 ـ التخطيط السياسي:
وهو أمر عام يشمل الأُمور العامة من قضايا الاجتماع، والسياسة، والقضاء، وتنفيذ الحدود، وسائر المسؤوليات الأُخرى؛ لكن ثمّة ما يحدد ذلك في بعض الموارد وهي مراعاة المصالح العامة للأُمة، حيث إنه منصوب لصالح المسلمين، فلا يرتكب ما يؤدي إلى مخالفتها. أما صلاحيات الحكومة عند الطوسي فتنطلق من نصب الأُمراء والحكّام في الولايات والبلاد، وكذا نصب القضاة وإجراء الحدود والأحكام، وقتال العدوّ والدفاع عن حقوق الرعيّة، والاهتمام بالنظام المالي للدولة، والولاية على القاصرين، ووراثة من لا وارث له (16).
وبالتالي، ورغم أن الطوسي لم يتطرّق إلى بحث حكومة الفقهاء في عصر الغيبة، إلاّ أن المستفاد من مجموع بحوثة السابقة الذكر تصنيفه لحكومة إسلامية قوامها الفقهاء العدول. كما لا ينبغي، في هذه الفترة، إغفال دور المفكر الشيعي الذي عمل في دوائر القرار في السلطة البويهية (مسكويه الرازي)، الذي ـ ورغم قيمة تصانيفه وقدمها وإبداعها المبكِّر ـ اُهملت مصنفاته ولم تأخذ حقها في الدراسة والتحليل، حيث تحدّث عن الدولة والحكومة وضرورتهما، وبنية الدولة ومكوناتها، ووظائف القيادة وشرعيتها، والمشاركة الشعبية ومجالاتها، فللمواطنين كما للحكّام حق النصيحة والحكم، وذلك في إطار الأحكام والقوانين، وليس لأيّهما الحق في التعدّي على الأحكام الإلهية وتجاوزها، فلا يحق للدولة إلزام أي مواطن بالعمل خلافاً للقوانين
________________________________________
(16)آفاق الفكر السياسي عند الشيخ الطوسي، محمد رضا موسويان: 85، ترجمة صفاء الخزرجي، ط. الأُولى، دار الغدير للدراسات الإسلامية ـ بيروت 2004م.

[الصفحة - 33]


الشرعية، كما أنّ للشعب الحق في أن تسير فيه دولته ـ بأنشطتها وأجهزتها وقراراتها وبرامجها كافّة ـ بسيرة العدل والإنصاف، والشفقة والصلاح والإصلاح، وعندما لا تعمل الحكومة بوظائفها أو تتجاوز في أعمالها وبرامجها حدود الشريعة، فإن مسؤولية الطاعة لها تسقط تلقائياً عن المواطنين كافة (17).
أمّا ابن إدريس الحلّي (ت/ 598 هـ) مؤسِّس حوزة الحلّة وأحد أركان المذهب الشيعي، الذي أعاد للاجتهاد مكانته بعد سطوة الشيخ أبي جعفر الطوسي على مفاتيح الاستنباط واُصوله حتى بعد وفاته، فيأذن أن يتولّى الفقيه المناصب السياسية من السلطان الجائر، ولكن ليس باعتبار أنّ من أعطاه الولاية هو سلطان الجور، بل بلحاظ كونه نائباً للإمام الثاني عشر، حيث يقول في كتابه السرائر: «فقد أذن له في تقلّد الحكم وإن كان مقلّده ظالماً متغلباً... وهو (المنصب) وإن كان في الظاهر من قبل المتغلّب، فهو في الحقيقة نائب عن ولي الأمر في الحكم ومأهول له» (18).
أخيراً، لا بُدَّ من الإشارة إلى حركة جدّية من أحد فقهاء الشيعة، الذي انتقل من مرحلة التنظير إلى العمل، حتى دفع ثمن ذلك حياته، وهو الشهيد الأول أبو عبد الله محمد بن مكي الجزيني العاملي (ت/ 786 هـ)، صاحب مصنف اللمعة الدمشقية (19)، الذي تنقّل في ربوع الشام؛ لتجميع فلول الشيعة وجمع أمرهم، وإقامة سلطة سياسية شرعية لهم، فجبى الأموال وأعدّ الرجال واتصل بحكومات الشيعة في وقته سرّاً وعلانية، ومنها ما ذُكر من المكاتبة بينه وبين الملك علي بن المؤيد عامل خراسان، لكن في أثناء ذلك اتُّهم بمخالفة المذهب السني، وجُعِل أمره إلى القاضي فحكم بإراقة دمه، فضُربت عنقه تحت القلعة بدمشق.
ويعتقد الكثير من علماء الشيعة ومحققيهم أن توجيه تهمة مخالفة السنّة ما كانت إلاّ لتبرير إنزال عقوبة الإعدام به، والتضبيب على عوامل وأهداف حركته السياسية، أما الإدانة الحقيقية فكانت لأنه كان يقول بولاية الفقيه (20).
إذن، يمكن اختصار هذه المرحلة بأنها مرحلة بناء الفقه الشيعي والتنظير له، وإزالة الشرعية عن الحكّام والسلاطين وإسباغها للفقهاء العدول، وحيث إنّ الفقهاء لم يذكروا ذلك في مبحث واحد تحت عنوان التعامل مع السلاطين، لكن يمكن استكناه
________________________________________
(17)الفكر السياسي لمسكويه الرازي، محسن مهاجرنيا: 211، ترجمة حيدر حبّ الله، ط. الأُولى، دار الغدير للدراسات الإسلامية ـ بيروت 2004م.
(18)السرائر، محمد بن إدريس الحلي 3: 538، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1411هـ .
(19)اللمعة الدمشقية: رسالة فقهية مختصرة، لا تزال تدرّس في المعاهد الشيعية، بعد أن شرحها الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي.
(20)تاريخ التشريع الإسلامي، مصدر سابق: 391.

[الصفحة - 34]


ذلك جلياً وواضحاً في كثير من الأبواب الفقهية وتحت عناوين شتّى.
لقد درس عدد كبير من المحققين هذه الحقبة، فتوصل بعضهم إلى أنّ نظرية الحكم لم تُناقش، وأن مسائل السياسة لم تُبحث، لكن الحقيقة وجود ذلك ابتداءً من الشيخ المفيد وحتى بداية الدولة الصفوية، وهي وإن لم تُذكر كعنوان خاص، لكن وجدت في مباحث؛ لأن مسألة الحكم لم تكن معقدة كما هي حالياً، من وجود مجلس للشعب، وسلطة قضائية، وتنظيم إداري ومالي، ورقابة متعدّدة، وآليات للعلاقة بين السلطات أو الفصل بينها. لذا، فلا يمكن التذرع بذلك للقول بفصل الدين عن السياسة في هذه المرحلة.
المرحلة الثانية: السلطة الشيعية والفقهاء
تمتد من القرن العاشر وحتى قيام سلطة الفقهاء مع ظهور أوّل مصداق عملي لنظرية ولاية الفقيه، حيث إنّ الفقهاء في هذه المرحلة عاشوا تحت ظلال دول تعتبر المذهب الشيعي ديناّ رسمياً للبلاد، حتى وصلت إلى حدِّ معاقبة من لا يدين به.
فما هو مقدار تدخّل الفقهاء الشيعة في مسائل السياسة؟ وما هي علاقتهم بالدول الشيعية هذه؟
بداية يمكن القول إنّ مسألة ولاية الفقيه هي المسألة الأساسية التي يدور حولها الفقه السياسي الشيعي، وهي النظرية التي تؤسس لتحرّك الفقهاء، وهي على درجات:
الأُولى: الولاية على الحسبيات أي الأُمور التي يُرغب فيها من قبل الشارع، مثل حفظ أموال القاصرين وغيرها من الأُمور الحسبية كتسلّم الخمس والزكاة، وهي موضع إجماع الفقهاء.
الثانية: الولاية على رعاية شؤون المسلمين عامة، أي الأعمال والوظائف التي من شؤون الولاة والرؤساء، وهذه هي معرض الاختلاف.
الثالثة: الولاية المطلقة الشاملة حتى في الأُمور الشخصية، مثل بطلان زوجة المواطن أو بيع دار لشخص، وعدم ثبوت هذا الحكم من الولاية للفقيه موضع اتفاق بين الفقهاء (21).
________________________________________
(21)نظرية السلطة في الفقه الشيعي، توفيق السيف: 125، ط. الأُولى، المركز الثقافي العربي ـ بيروت 2002م.

[الصفحة - 35]


لذا، فتبني المستوى الأول يجعل من الفقيه بمنأّى عن السياسة والقيادة، أما تبني المستوى الثاني فيجعل من الفقيه حاكماً وقائداً وولياً يُناط به الإشراف على اُمور الدولة كسلطة عليا تُتخذ وفق رأيها القوانين، وتمنح على أثر قبولها الشرعية.
للمرّة الأُولى يصبح المذهب الشيعي الدين الرسمي لبلد من البلاد، كان ذلك في الدولة الصفوية التي قامت في إيران سنة (907 هـ/1501م)، حيث أثّرت جذرياً على التطور الشيعي على مستوى عامة الناس وعلى مستوى التفكير الفقهي، وقد وجد التشيع وفقهه في الدولة الصفوية البيئة الاجتماعية ـ السياسية المناسبة التي طالما افتقر إليها، فتطورت مكانة الفقيه ودوره في الشأن العام بعدما تكرست صفته كنائب عن الإمام ومانح للشرعية، وكان نشر التشيّع في إيران من أهم المشروعات التي عمل لها الشاه إسماعيل بعدما أعلنه مذهباً رسمياً، ولإنجاح مشروعة احتاج إلى مساعدة العلماء والمبلغين الذين كان الكبار منهم يعيشون في كربلاء والنجف، لذا فقد قيل بأن الصفويين دعوا الفقهاء العامليين للعمل معهم (22).
من أبرز الوجوه العلمائية في العصر الصفوي الشيخ نور الدين أبو الحسن العاملي الكركي الملقب تارة بالشيخ العلائي، واُخرى بالمحقق الثاني (868 ـ 940 هـ)، وقد كان وثيق الصلة بالشاه الصفوي إسماعيل، وقد أقام في حياته واستمر مع ولده الشاه طهماسب، حيث حصل على صلاحيات واسعة جداً، ويذكر المحدّث البحراني: «كان الكركي من علماء الشاه طهماسب الصفوي، الذي جعل اُمور المملكة بيده، وكتب رقماً إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الشيخ، وأن أصل الملك إنما هو له؛ لأنه نائب الإمام، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان بدستور العمل في الخراج وما ينبغي تدبيره في اُمور الرعية» (23).
هذا النفوذ القوي للشيخ لدى الملك الشاب أغضب اُمراء البلاط وأركان الحكم، الذين صارعوا الكركي حتى اضطروه للعودة إلى النجف، وبعد رحيله حاول الشاه استرضاءه وإقناعه بالعودة، وكتب فرماناً طويلاً ينص على تقليده صلاحيات أكبر مما كانت لديه، من بينها حقه في تعيين أو عزل أي موظف مدني أو عسكري، ومنع المحاسبة الحكومية على أملاكه والأوقاف التي تحت ولايته، ومنحه ولايات ومصادر
________________________________________
(22)المصدر السابق: 126.
(23)تاريخ التشريع الإسلامي، مصدر سابق: 401.

[الصفحة - 36]


أموال مستقلة، كما منع اُمراء البلاد من الرجوع إلى أي فقيه آخر فيما يعارض آراء الشيخ، لكن المحقق رفض ذلك وفضّل البقاء في النجف إلى أن توفّي.
يظهر لنا من حياة الكركي أنه من الذين مالوا إلى التوسّع في نيابة الفقيه عن الإمام، حيث يقول في رسالة صلاة الجمعة: «الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى ـ صلوات الله عليهم ـ في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل: فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحق إن احتيج إليه، ويلي أموال الغياب والأطفال والسفهاء والمفلّسين، ويتصرف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام (عليه السلام) (24).
فمن سيرة الكركي العملية وفتاويه النظرية يتّضح مدى الصلاحيات الموسّعة التي يفترضها للفقيه النائب عن الإمام، خاصة أنه أعطى الشاه طهماسب إذناً للحكم مستنداً إلى صفته كنائب للإمام. إنً إعطاء الفقيه الشيعي الإذن المذكور يُعدّ فاتحة في إسباغ الشرعية على السلطان، حيث يصدر التساؤل عن مشروعية إضفاء الشرعية على السلطان من الفقيه، كما يظهر الالتباس من حيث موقف الكركي بالرحيل وعدم الرجوع الذي أعقبه الفرمان الملكي بإعطائه صلاحيات أوسع، مع أن من المفترض على من يعطي الإذن أن يمتلك سلطة أوسع من المأذون له.
بعد الكركي حطّت الشهرة العلمية في مركز النجف وبالتحديد عند المقدّس الأردبيلي أحمد بن محمد (ت/ 993هـ )، حيث كان يرى أنّ الفقيه قائمٌ مقام الإمام ونائبة؛ ذلك لأن ما يجوز للإمام الذي هو أولى بالناس من أنفسهم يجوز للفقيه، وقد كان يعيش في عصر الشاه عباس الأول الصفوي، الذي كان يبالغ في تعظيمه ويتعاهده بالصلة، ويكتب إليه بالتوجه إلى بلاد إيران فيجيبه بالامتناع من ذلك والرضا بما منّ الله عليه (25).
هذا الواقع من عدم استجابة الفقهاء للسلطة الشاهنشاهية يثير احتمالين:
أولهما: إن الفقهاء لا يعتبرون أن لها أي شرعية، أي أنها تتمظهر بلباس الدين ليس إلاّ.
________________________________________
(24) رسائل الكركي، أبو الحسن نور الدين الكركي: 142، المجموعة الأُولى، الرسالة الثالثة ـ رسالة صلاة الجمعة، تحقيق محمد الحسون، ط. الأُولى، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم 1409هـ .
(25)أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين 9: 195، ط. الثانية، دار التعارف ـ بيروت 1960م.

[الصفحة - 37]


ثانيهما: إنهم يفضّلون البعد عن المجال السياسي، وهذا مستغرب لكونهم ـ كالأردبيلي مثلاً ـ ممن يقولون بولاية الفقيه ولو بأحد مستوياتها.
وهكذا استمرّ الفقه الشيعي في بحث مسألة الولاية الفقهائية، علمياً، مع اعتماد مبدأ البعد عن الحقل السياسي. ولا بُدّ من ذكر أنّ فقهاء آخرين كانوا يحيطون الشاه بلمسة من التعظيم والتبجيل، حيث يقدّمون له كتبهم ويسبغون عليه الألقاب الفيَّاضة، وقد أسهب الدكتور علي شريعتي في نقدهم، حيث يورد أن التشيُّع فقد جوهره حين تحوّل إلى دولة ونظام حكم، بينما هو ثورة ونظال، حيث يقول: إنه تم إنشاء تشيّع صفوي خاص أفقد التشيّع الحقيقي معناه، وعاش حالة من الشكليات التافهة، حيث إن الحاكم الذي كان يطارد الشيعة ويعتبرهم أعداءه، أصبح يسير على قدميه الحافيتين إلى أضرحة الأئمة، ورجال الدين الذين كانوا دائماً في معرض الخطر والمواجهة، أصبحوا يجلسون إلى جنبه، وهنا بدأت هزيمة التشيّع (26).
سقطت الدولة الصفوية سنة (1148هـ )، حيث عاش في ظل هذه الفترة علماء اعتزلوا الحياة السياسية، وآخرين فوّضوا سلطات الحكم للسلاطين الشيعة، وبعضهم انخرطوا في العمل السياسي تحت راية السلطة، وقد كانت هذه المرحلة أساسية في تثبيت المذهب الشيعي في إيران، رغم أنها أدخلت عليه كثيراً من الشكليات التي أفرغته من مضمونه، وكادت تحيله إلى مجرّد طقوس فارغة بدون معنى، وهذا ما حدا بمفكرين إيرانيين إلى بحث هذه الفترة والتحذير من خطورتها.
استلم القاجاريون السلطة سنة (1193هـ )، وكان أوّل ملوكهم آغا محمد خان، اعتمدوا ـ كما أسلافهم ـ على التشيّع كمذهب رسمي يدينون به، وقد ترسخت في هذه الحقبة فكرة النيابة العامة للفقيه عن الإمام، حيث كان للفقهاء دور بارز في مسائل الحكم والقيادة، وتبلورت فكرة تفويض السلطان صلاحية الحكم والحرب من الفقيه النائب عن الإمام في التصدي لقضايا الأُمّة، والبتّ باُمورها وحل مشاكلها، وقد كانت هذه الحقبة تتميز بعلاقة خاصة بين الفقيه والسلطان، حيث إن الدولة القاجارية لم تحمل رسالة دينية أو مذهبية محدّدة، وإن أظهرت ادعاءً بذلك، حيث ركّزت في استتباب السلطة على اتساع قاعدة التحالفات المحلية والخارجية، حيث يشكل العلماء
________________________________________
(26)التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي، مصدر سابق: 64.

[الصفحة - 38]


والتجار وزعماء القبائل أقنية سياسية فاعلة بحكم سيطرتهم على شبكات واسعة من التكتلات القبلية والدينية (27).
وقد برز الشيخ النراقي (ت/1248هـ ) في هذه الفترة، حيث بحث تفصيلاً مسألة ولاية الفقيه، وجعل منها مسألة فقهية مستقلة، وأقام عليها الدليل العقلي والنقلي، حيث يجعل قضيّة إدارة الشؤون الدنيوية للناس من واجبات الفقهاء، وقد توسّع في إطار النيابة العامة للفقهاء بحيث تشتمل إضافة إلى الحدود والقضاء كل ما ثبت للنبي والإمام المعصوم فيه الولاية، إلاّ ما أخرجه دليل إجماع أو نصٍّ أو غيرها (28)، حيث يقول في كتابه عوائد الأيام: إعلم أن الولاية من جانب الله سبحانه على عباده ثابتة لرسوله وأوصيائه المعصومين، وهم سلاطين الأنام، وهم الملوك، و...، أما غير الرسول وأوصيائه فلا شك أن الأصل عدم ثبوت ولاية أحد على أحد إلاّ من ولاّه الله سبحانه أو رسوله... كالفقهاء والآباء والأجداد... ولا كلام لنا هنا في غير الفقهاء... الذين هم الحكّام في زمان الغيبة والنواب عن الأئمة (29).
كما كان للشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت/1228هـ ) دور أساسي في الحياة السياسية، حيث كان من أقطاب المدرسة الأُصولية (العقلية) في الفقه الشيعي المقابلة للمدرسة الأخبارية (النقلية)، وكان له ارتباط وثيق بالسلطة القاجارية، وقد وصلت إلى حدِّ إعطاء الإذن للسلطان فتح علي بالحرب أثناء المعارك الروسية ـ الإيرانية، وذلك في كتابه (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء) في فصل الجهاد حيث اشترط مقابل تفويضه بالحكم نيابة عنه أن يقيم مؤذِّناً في كل فوج عسكري، وأن يجعل في كل فوج إماماً للصلاة، وأن يخصّص يوماً في الأُسبوع لوعظ الجنود وإرشادهم (30). وعلى هذا المنوال أعطى المحقق أبو القاسم القمّي (ت/1183هـ ) ـ زعيم حوزة قم وأحد أقطاب المدرسة الأُصولية ـ إجازة إلى الملك القاجاري بممارسة السلطة نيابة عنه.
تميّز الحكم القاجاري، خاصة بعد موت فتح علي شاه وتسلُّم ناصر الدين الشاه الرابع (1264هـ/1848م)، بهبوب رياح التدخل الخارجي مع تنازع روسيا وبريطانيا للولوج والتأثير في اُمور إيران، أثمر ذلك عن حربين انتصرت فيهما بريطانيا،
________________________________________
(27)الفقيه والدولة، فؤاد إبراهيم: 198، ط. الأُولى، دار الكنوز ـ بيروت 1998م.
(28)نظريات الحكم في الفقه الشيعي، مصدر سابق: 24.
(29)عوائد الأيام، الملاّ أحمد النراقي: 186، نشر مكتبة الغدير ـ قم 1408هـ .
(30)الفقيه والدولة، مصدر سابق: 202.

[الصفحة - 39]


واضطرت إيران بعدهما إلى الاعتراف باستقلال أفغانستان، وتوقيع معاهدة باريس التي من خلالها تحصل بريطانيا على امتيازات إقليمية وسياسية وتجارية مثل إعفاء رعاياها من الخضوع للقوانين المحلية، وإعفاء تجارتها من الرسوم الجمركية، وكذلك فقد هُزمت إيران مرتين أمام روسيا التي احتلت جورجيا وأجبرت إيران على الاعتراف بالسيادة الروسية على هذه المنطقة وعلى إقليمي تركستان وقازاخستان، كما وحصلت على أفضلية سياسية وامتيازات تجارية (31).
في عصر ناصر الدين شاه ابتعد كبار الفقهاء عن السلطان، الذي حاول استمالة بعضهم، لكن الموقف منه كان رمادياً باهتاً لكثير من الأفعال التي قام بها والتي سيأتي ذكرها. في عصر الشاه المذكور توطّدت العلاقة بين علماء الدين وعامة الناس، خاصة بعد السخط العام من سياسة الدولة الاقتصادية التي أدّت إلى إفقار الشعب.
اعتقد الشاه أن من خلال بيع الامتيازات الاحتكارية للغرب ستؤمن سيولة مالية تُريح الوضع الاقتصادي، فسافر إلى بريطانيا (في شعبان 1306هـ ) والتقى بالميجر تالبون الذي دعاه لمنحه حق احتكار التجارة في التبغ لمدّة خمسين عاماً مقابل أموال نقدية ونسبة من الأرباح، فوافق على ذلك، وعند عودته ومعرفة الإيرانيين بذلك تحركت القوى العلمائية ساخطة على ذلك، ما أدّى إلى تحرّك الشارع بشدّة في وجه هذا الاتفاق، فأصدر العلماء فتاواهم في رفض هذا الاتفاق، حتى وصل ذروته مع فتوى المرجع الأعلى للشيعة الذي كان يسكن في سامراء، حيث أعلن الفتوى المشهورة «اليوم استعمال التبغ والتنباك بأي نحو كان في حكم محاربة إمام العصر» (32).
حققت هذه الفتوى أغراضها، حيث استجاب لها الإيرانيون، ووصلت إلى أقصى أصقاع إيران، من أصفهان مع آية الله محمد تقي نجفي إلى شيراز مع المرحوم فال أسيري وإلى مشهد مع محمد تقي بجنوردي وفي طهران مع آية الله آشتياني وغيرهم (33)، حيث أدّت إلى ربط العلماء بالشعب بشكل كبير وإلى إسقاط هذا الاتفاق، ونجاح الانتفاضة، ما شكل انتصاراً كبيراً لعلماء الدين.
ابتداءً من هذه المرحلة، أصبحت العلاقة بين الفقهاء والسلطات يشوبها البرود،
________________________________________
(31)ضد الاستبداد، توفيق السيف: 34.
(32)المصدر السابق: 50.
(33)آراء في المرجعية الشيعية، مجموعة من الباحثين: 395، ط. الأُولى، دار الروضة ـ بيروت 1994م.

[الصفحة - 40]


حيث استعمل الفقهاء سلاح الفتوى لرفض أي قانون أو اتفاق أو معاهدة تتعارض مع الدين أو لمحاربة غزو خارجي أو استعمار غربي، كما سنرى مع الآخوند الخراساني وغيره. وقد استطاعوا من خلال هذا السلاح الفعّال توجيه السلطات السياسية من دون العمل على إسقاطها نهائياً، وقد برزت في هذه الحقبة الفتاوى والفتاوى المضادّة، أو ما يُسمّى بتضارب الآراء بين المجتهدين، فترى ذلك بوضوح بين النائيني وعبد الله النوري في مسألة الحركة الدستورية في إيران، وبين الآخوند واليزدي.
في هذا العصر صدر كتاب يعكس إلى حدٍّ ما الفكر السائد آنذاك، ولو من جهة معينة، هو كتاب الميرزا النائيني «تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة».
الميرزا محمد حسين الغروي النائيني نشأ في اُسرة معروفة، حيث كان أبوه يلقّب بشيخ الإسلام (المفتي)، درس في أصفهان ثم توجّه إلى سامراء، حيث درس على الميرزا الشيرازي الكبير زعيم ثورة التنباك، كان بوسعه العودة إلى بلده ليرث زعامة أبيه، لكنه اختار الطريق الصعب، حيث بقي هناك أحد عشر عاماً، كتب خلالها كتابه المذكور (34).
تأثر النائيني كما يذكر ابنه، وكما يستظهر من سطور الكتاب بالسيد جمال الدين الأفغاني، حيث ورد الأفغاني سامراء وحل ضيفاً في داره، عاصر النائيني ثورة التنباك (1308هـ ) والتي أعادت للحوزة دورها، ثم كان له دور تحت لواء اُستاذه محمد كاظم الخراساني الآخوند في الثورة الدستورية في إيران (1324هـ/1906م)، حيث كان من ضمن لجنة في النجف الأشرف، تولت متابعة الوضع الإيراني، واقتراح المواقف المناسبة. هذه الحيوية في حياة الميرزا أثّرت في تكوين الأفكار السياسية لديه، كما أغنته في معرفة التنوع والاختلاف بين أفراد الأُمّة.
ارتكز فكر الميرزا النائيني في كتابه «تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة» الذي طُبع في بغداد (1909م) على مسائل حقيقة السلطة، والانحراف الذي قد يطرأ عليها، وتسويغ وجوب تقيّد السلطة بدستور مقرّ من قبل الأُمّة ومُمضى من الفقهاء، والرد على الإشكالات التي تحوم حول النظام الدستوري، وفي فصله الخامس شرح وظيفة مجلس الرقابة، أما الخاتمة فاشتملت على بيان مصدر الاستبداد والطرق الكفيلة بمعالجته (35).
________________________________________
(34)ضد الاستبداد، مصدر سابق: 20.
(35)الدين والسياسة، مجموعة من الباحثين: 292، ط . الأُولى، دار الغدير ـ بيروت 2003م.

[الصفحة - 41]


وقد لعبت جملة مؤثرات في صياغة الكتاب، منها: التجربة الشخصية للنائيني؛ وبالإضافة إلى لقائه بالسيد جمال الدين الأفغاني؛ وأخيراً التأثر بكتاب الفقيه السوري عبد الرحمن الكواكبي (1854 ـ 1902م) «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد». فقد استخدم الميرزا بعض مصطلحات هذا الكتاب، وقسّم الاستبداد إلى أنواع، منها: الاستبداد الديني؛ والسياسي. كما يظهر هذا التأثُّر في الفصلين الأخيرين من الكتابين، فالكواكبي يختم بالحديث عن الاستبداد والتخلّص منه (36)، والنائيني ينهي كتابه بتعريف قوى الاستبداد وطرق مكافحته.
لقد لخّص الميرزا عصارة الفكر الشيعي الذي استمر مناوئاً للسلطات القمعية والاستبدادية، والتي أثقلت بأوزارها الأُمّة وطبعت مسيرة الإسلام، فالفكر الشيعي الذي استمرّ منذ ثورة الحسين (61هـ ) على خط نقيض من الحكّام، حيث يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي: «من يدرس تاريخ العلويين يجدهم ثواراً من طراز غريب، لم يمر التاريخ الإسلامي من جيل إلى جيل دون السماع بثورة قادها علوي» (37).
هذا التاريخ طُبع بالدماء على خلفية الظلم الذي مورس عليهم، وكان النائيني متلائماً مع هذا التاريخ غير خارج عن سياقه، والجدير بالذكر أن كتابه هذا لم يأخذ حقّه في النقاش والترويج، وظلّ في طي النسيان والتعتيم نسبة لشهرة النائيني في علم اُصول الفقه.
وإذا أردنا أن نستكمل معرفة الفكر السياسي لدى علماء الشيعة، فلا بُدّ من استكناه شخصية عالم شيعي طبع النصف الأوّل من القرن العشرين بشهرته، هو الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (1877 ـ 1954م) الإمام الفقيه والفيلسوف والشاعر والسياسي، كان من أوائل الذين سنّوا ارتجال الخطب وارتقاء أعواد المنابر، وكان له الشأن الكبير في توعية الناس من الخطر الصهيوني الداهم. فبرغم منزلته كفقيه، ومركزه كمرجع، كان متابعاً حذقاً لما تؤول إليه اُمور المنطقة الإسلامية والعربية، وكانت له مواقف مشهورة، حيث أصدر فتوى نارية بضرورة الجهاد من أجل فلسطين، حيث يقول:
________________________________________
(36)طبائع الاستبداد، عبدالرحمن الكواكبي: 117، ط. خاصة، دار المدى ـ بيروت 2002م.
(37)وعاظ السلاطين، مصدر سابق: 200.

[الصفحة - 42]


«إن قضية فلسطين ليست قضية تخصّها، وليست هي قضية فلسطين فقط، بل قضية العرب بأجمعها، فإذا خرجت فلسطين من هذا الجهاد ظافرة فقد ظفرت العرب وفازت، وإذا ـ لا سمح الله ـ تغلبت عليها الدول الظالمة والصهيونية الغاشمة فقد باءت العرب بالذل والخسران، لا بل بالخزي والعار المخلّد...
يا أيها البشر!
ويا أيها الناس!
أصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجباً على كل إنسان لا على العرب والمسلمين فقط...» (38).
كما حذّر من خطر الصهيونية على البلاد العربية، حيث يقول:
«إن الصهيونية من أخطر البوائق وأعظم البلاء... جمعية أقوام متفرقة، أعداء الإسلام في بلاد المسلمين... وهي ليست بلاء على فلسطين وحدها، بل هي بلاء على العالم أجمع» (39)، وقد آلمه ما وصلت إليه أحداث فلسطين الدامية، فكتب مقرِّعاً:
«ماذا تجدي الفتوى ونحن لا نزال نقول إن محنة فلسطين من المسلمين أعظم من محنتها بالصهيونيين، وسر هذه العقدة أن المسلمين حتى الآن تمرّ عليهم قضية فلسطين كقصة من القصص التاريخية، يمرّون عليها لاهين شاردين، تطرق أسماعهم، ولا تمض عواطفهم، ولا تمزّق شغاف قلوبهم، ولا يعرفون أن البلية لو كانت تخصّ فلسطين لربما هان الأمر وخفّ الرزء، ولكن الخطر والغرض هو استملاك جميع البلاد العربية، والقضاء على الإسلام والمسلمين» (40).
لذا فقد حاول بشتى الطرق تأمين المعونة والمساعدة للفلسطينيين، في مؤتمرات إسلامية، منها المؤتمر الإسلامي العربي في القدس بفلسطين سنة (1931م)، حيث إنه وبعد إصرار شديد من مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني توجّه إلى القدس وقُلِّد زعامة المؤتمر، وقُدِّم إماماً في المسجد الأقصى، وألقى خطبة مؤثرة تحدّث فيها عن أهمية المسجد الأقصى في القدس، والقدس في فلسطين، وفلسطين في البلاد العربية (41).
وقد شارك بنفسه سابقاً في انتفاضة العراق ضد بريطانيا، حيث إنه ومع إعلان
________________________________________
(38)السياسة والحكم، محمد حسين كاشف الغطاء: 60، ط . الأُولى، دار التوجيه ـ بيروت 1981م.
(39)المصدر السابق: 69.
(40)المصدر السابق: 66.
(41)أساطين المرجعية العليا، محمد حسين الصغير: 173، ط . الأُولى، دار البلاغ ـ بيروت 2003م.

[الصفحة - 43]


الجهاد، حمل السلاح وسار مع شيخ الشريعة الأصفهاني إلى محور الكوت والمدائن. وقد حاولت قوى الاستعمار جذبه، فدعاه موفد أمريكي للمشاركة في مؤتمر المُثل العليا الذي يُعقد في لبنان، لكن كاشف الغطاء تنبّه إلى ما يرمي إليه المؤتمر الذي تدعو إليه الولايات المتحدة كمحطة في سياق الحرب السوفياتية ـ الأمريكية، فرفض المشاركة وأرسل برقية أعلن فيها موقفه وسخطه على سياسة الغرب وسعيهم لاستغلال العلماء والأديان كأدوات ووسائل في المعركة، وقد صدرت رسالته بعنوان: (المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون) (42).
لقد كانت مسيرة علماء الشيعة في سياقها التاريخي مسيرة مناكفة ومواجهة ضد قوى الاستعمار الخارجي، وسلطات الاستبداد الداخلي. قلّما انخرطوا في حكم سلطان، أو مالوا إلى بلد استعمار، بل كانوا شديدي الحذر من ذلك، وكان أقلّهم مشاركة في السياسة لا يتواني عن النهوض في حال الخطر الداهم، كالشيخ محمد كاظم اليزدي مثلاً. وكان الجمهور الشيعي على علاقة وثيقة بعلمائه، فينظر إليهم كنوّاب عن الإمام، يستمع لاحاديثهم، ويلتزم بفتاويهم. هذه الحقبة التي أسسّنا لها استمرّت حتى قيام دولة الفقهاء في إيران.
المرحلة الثالثة: سلطة الفقهاء أو ولاية الفقيه
انتقلت في هذه المرحلة (ولاية الفقيه) من الإطار التنظيري إلى الأداء العملي مع الثورة التي قادها آية الله الخميني في إيران، وهو أوّل فقيه في التاريخ الشيعي ينجح في تأسيس دولة (43).
ولد في مدينة خمين سنة (1902م) البعيدة 349 كيلومتراً عن طهران، من عائلة متدينة، درس في بلده ثم سافر إلى أصفهان سنة (1338هـ )، وبعد عام انتقل إلى آراك عند آية الله الحائري، الذي نقل الحوزة إلى قم فانتقل الخميني معه، حيث تتلمذ على كبار رجال الدين هناك، فدرس إضافة للفقه الحكمة والفلسفة والعرفان، ثم بدأ بالتدريس إضافة لنشاطه السياسي المعارض لقمع السلطة، فحاولت شرطة النظام منعه، ثم قامت بنفيه إلى تركيا ثم إلى العراق، حيث اتصل بثوار إيران والسجناء السياسيين
________________________________________
(42)المُثُل العليا في الإسلام لا في بحمدون، محمد حسين كاشف الغطاء، طُبع بطهران 1997م.
(43)نظريات الحكم في الفقه الشيعي، مصدر سابق: 28.

[الصفحة - 44]


وغيرهم، وكانت إقامته في النجف فرصة للاتصال مباشرة مع المؤمنين والطلاب الجامعيين المسلمين في الدول الأجنبية.
بعد استشهاد ابنه البكر زاد تعلّق الجماهير به، حيث اعتُمدت أشرطة المسجلاّت وسيلة لاتصالهم بالإمام، وكان أن قام عدد كبير من الاضطرابات التزاماً بقراراته. بعدها قرّر النظام العراقي إبعاد الإمام، فنفي إلى الكويت التي رفضت استقباله، فانتقل إلى باريس (1978م).
كانت باريس آنذاك مركز عمليات الثورة، حيث أطلق الخميني نداءاته للشعب الإيراني الذي تجاوب تلقائياً معه، في هذه الأثناء حاول الشاه إرضاء الشعب بتبديل رؤساء الوزراء، ومعاقبة المدراء، وإطلاق السجناء السياسيين، إلاّ أنّ الخميني لم يكن ليتنازل عن إسقاط النظام، ومع اشتداد الضغط الشعبي ووصول آية الله إلى إيران وإعلان القوات الجويّة وقوفها إلى جانب الثورة سقط النظام الشاهنشاهي في 11 ـ 2 ـ 1979؛ لتظهر أوّل دولة شيعية يقودها الفقهاء في التاريخ(44)الإسلامي.
أحدث الإمام ثورة في الفكر السياسي الشيعي الذي كان حذِراً من الوصول أو الارتباط بالسلطة، فكان أن أدخل الفقهاء ليمُسكوا بزمام الحكومة والسلطات.
لم يقم السيد بثورة عن طريق الصدفة، ليقف متحيّراً بعد نجاحها أو ليقوم بتسليمها إلى آخرين، لكن كان ذلك نتيجة لمشروع فكر نظّر إلية في كتبه الفقهية وأبحاثة الاستدلالية، نجد ذلك واضحاّ في كتبه، وأوّلها «كشف الأسرار» الذي كتبه ردّاً على كتاب «أسرار ألف عام» للشيخ على أكبر حكمي زادة، الذي يتبنى نزع الشرعية عن أي حُكم ـ إسلامي أو غير إسلامي ـ في غياب الإمام الثاني عشر، فلا ولاية ولا سلطة لأحد على أحد، فكتب الخميني مصنّفه المذكور مشتملاً على رؤيته في الحكومة الإسلامية والتصورات الأولية لأُطروحة ولاية الفقيه المطلقة (45).
وكذلك كتابه «الحكومة الإسلامية»، وهو مجموعة دروس فقهية ألقاها على طلابه في النجف الأشرف في العراق أثناء نفيه، حيث يشرح فيه قضايا الحكومة الإسلامية وضرورتها ونظامها وصفات الحاكم فيها وولاية الفقيه وسبيل الاستدلال عليها، حيث يعتبر أنّ حكومة الإسلام هي حكومة القانون، والحاكم هو الله وحده،
________________________________________
(44)الإمام الخميني ومشروعه الثوري، عادل رؤوف: 16 ـ 25، ط. الأُولى، المركز العراقي للدراسات ـ دمشق 2001م.
(45)الفقيه والدولة، مصدر سابق: 276.

[الصفحة - 45]


وهو المشرّع وحده لا سواه وحكمه نافذ في جميع الناس، وإذا خالف الفقيه أحكام الشرع فإنه ينعزل تلقائياً عن الولاية لانعدام عنصر الأمانة فيه. فالحاكم الأعلى في الحقيقة هو القانون والجميع يستظلون بظله (46).
والدستور الإسلامي في الدولة الإسلامية ينطلق من مبنى ولاية الفقيه، أي تحت سلطة فقيه، عادل عالم بالقانون الإسلامي، وهذان هما الشرطان الأساسيان، ومن أهم أركان الإمامة (47). وولاية الفقية لا تقصد أن يكون الفقيه رئيساً أو وزيراً أو قائداً عسكرياً، إنما تقصد بذلك إشرافه التام على القوى التشريعية والتنفيذية تحت إطار الدين الإسلامي (48). كما أنّ أساس الحكومة الإسلامية السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، وبيت مال المسلمين، والجهاد في سبيل الله.
وتمّ فعلاً كتابة الدستور الإسلامي، الذي أعطى الشعب حرية اختيار مرشحين مقيدين بالنظام الإسلامي يمكنهم الوصول عن طريق الانتخاب إلى الندوة البرلمانية (مجلس الشورى)، كما أنه وعلى رأس السلطة التنفيذية رئيس البلاد المنتخب بالاقتراع المباشر من الشعب، والمُحاسب أمام مجلس الشورى.
لقد كانت ثورة الخميني ثورة سياسية وفكرية، فلا مبالغة في القول إنه أحدث ثورة في الفكر والفهم، ثم أحدث ثورة في الواقع، فكان أول عالم دين يُحيي قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل جدّي، وهو أوّل فقيه شيعي يستخدم مصطلح «الحكومة الإسلامية» في بحوثة الفقهية (كتاب البيع) (49).
في هذه المرحلة استطاع الفقهاء أن يصلوا إلى مواقع السلطة والنفوذ، حيث ازداد الاهتمام بشكل كبير متضاعف بنظريات الحكومة والسياسة الإسلامية عند مفكري وعلماء الشيعة، حيث شكل ذلك مرحلة جديدة لهذا التفكير سترسم مستقبلاً فقهاً جديداً بما يختص باُمور الدولة، ومهمة الفقيه في المرحلة اللاحقة.
* * *
________________________________________
(46)الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني: 70، طبعة 1389هـ .
(47)المصدر السابق: 46.
(48)الإمام الخميني ومشروعه الثوري، مصدر سابق: 303.
(49)نظريات الحكم في الفقه الشيعي، مصدر سابق: 31.

[الصفحة - 46]