البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

اليوتوبيا الدينية أو المدينة الفاضلة في الإسلام

الباحث :  د. حبيب الله طاهري
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  44
السنة :  السنة الحادية عشر شتاء 1427هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  248
اليوتوبيا الدينية
أو المدينة الفاضلة في الإسلام

د. حبيب الله طاهري (*)

ترجمة: كمال السيد

مـدخل:
لم يفارق ذهن البشرية على مرّ التاريخ هاجس الحياة الهانئة، فكانت ترنو إلى غد أفضل وحياة أسعد، وكان الأمل يشتدّ كلما اشتد المتسلّطون والمستكبرون في قهر معارضيهم وتدميرهم، أجل، كانت الآمال تزدهر والتطلّعات تتفتح إلى مستقبل مشرق بالرغم من قسوة السجون والسجّانين، وبالرغم من حمامات الدم وإزهاق آلاف الأرواح البريئة. وهكذا يستمرّ الصراع، وتتصاعد آهات المظلومين، ويطير النوم من عيون الظالمين.
لقد ثار زنوج أميركا وثارت شعوب أفريقيا، ونهض الأندونيسيون والجزائريون، وانتفض الشعب الإيراني ضدّ أعتى قوى الاستكبار، وها هم الفلسطينيون يستبسلون في المقاومة في انتفاضة فريدة.
لقد كانت الآمال بحياة طيبة هادئة تشعّ في وجدان الإنسان عبر عصور التاريخ الطويل، وما انفكّت هذه الأماني الخضراء تداعب خياله لتمتزج مع تفكيره وتصبح جزاً لا ينفصل عنه، بالرغم من أن حياة كهذه لم تتحقّق بعد.
وقد تبلورت هذه الرؤى الخضراء لحياة سعيدة في أشكال مختلفة، وكان المفكّرون في كلّ عصر يعبرّون عنها في صورة «المدينة الفاضلة» التي لا تعرف أي شكل من أشكال الاضطراب والقلق وهواجس المجتمعات البشرية.
________________________________________
(*)عضو الهيئة العلمية لجامعة طهران، ورئيس كلية الفقه والفلسفة في مدينة قم، التابعة لجامعة طهران، اُستاذ في الحوزة والجامعة، من إيران.

[الصفحة - 322]


فمن أنموذج أفلاطون، إلى أنموذج الفارابي، إلى أنموذج الشيوعية والاشتراكية وأوهام الجنة الموعودة، إلى عصر التنوير والأنسنة، حيث التحرير ـ حسب رأيهم ـ من قيود الدين وسلاسل العادات والواجبات الدينية، ليكون الأنا مركز الأشياء كلّها، فيما الدين والأخلاق تحت الأقدام.
غير أن «المدينة الفاضلة الموعودة» في الإسلام ـ كما وردت الإشارة إليها في القرآن والروايات ـ ليست على شاكلة تلك المدن، ذلك أنّها ـ وستتحقق في ظلال حكم الإمام المهدي ـ تمتاز على سائر تلك النماذج المقترحة قديماً وحديثاً.
نشير في هذه المقالة أولاً إلى مستقبل العالم من وجهة نظر إسلامية، ومن ثم نبيّن خصائص عصر الظهور والمدينة الفاضلة في الإسلام.
أولاً: مستقبل العالم .. وجهة نظر إسلامية
باتت أوضاع العالم المؤسفة اليوم تؤرّق وجدان البشرية وتبث في روعها القلق جراء الحرب الباردة والساخنة، وحمّى التسلّح، واستعراضات القوى، ولم يعد العالم يتحمّل هذه المشاهد المريرة.
وقد تعبت البشرية وخارت قواها جراء إنتاج الأسلحة وانتشارها، وأصبح الوضع مخيفاً يهدّد الجنس البشري بالانقراض والزوال، كما أن التطاحن المستمر والحروب وبؤر الصراع المتفجّرة هنا وهناك أخّرت ـ دون شك ـ التقدّم العالمي والنموّ وقضت على فرص الازدهار، كما أنّ صرخات الجياع وآهات المحرومين، واستغاثات البائسين وتململ العاطلين عن العمل وانتشار الفقر المدقع والبؤس تعذّب ـ هي الأخرى ـ ضمائر الأحرار ووجدان الطيبين.
ومما يزيد الصورة سوداويةً، الانحطاط الأخلاقي والهبوط الإنساني، والإعراض عن قيم الدين وقوانين السماء، والاستغراق في المادّة، وتفاقم أشكال الفساد، والانصياع الأعمى لحمّى الشهوات، ذلك كلّه يعكس الوضع المخيف لعالم اليوم.
لقد حملت هذه الأوضاع المؤسفة المصلحين في كلّ مكان إلى دقّ أجراس الخطر مما ينتظر العالم من مصير أسود قاتم، فكانت كلماتهم وصرخاتهم وصيحاتهم
________________________________________

[الصفحة - 323]


منذرةً بالتشاؤم، تعكس قلقهم وعجزهم ويأسهم.
وفي قلب هذه الصورة المعتمة، يبرز المسلمون الواعون، وفي طليعتهم أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)استثناءً مدهشاً، ينظرون إلى المستقبل نظرةً مفعمةً بالأمل، إنهم في مأمن من التشاؤم واليأس، يرمقون بتفاؤلٍ اليوم الموعود وتحقق المدينة الفاضلة التي وعد بها الله عزوجل عبادَه المؤمنين، إنهم يعتقدون بعجز النظم الوضعية والمؤسسات الدولية جميعها وخوائها وفشلها، وعندها يتحقّق الحلم المضيء، حيث ستعيش البشرية سعادتها وكمالها الإنساني الذي يليق بها، وستكون الحاكمية يومئذ لذلك الإنسان الإلهي... للإمام المعصوم المنـزّه عن الخطأ والسهو، والمتسامي عن أهواء البشر، في ذلك اليوم الذي بشّر به القرآن وبشّرت به النصوص الإسلامية ودعت الناس إلى انتظاره والتمهيد له. وهذه العقيدة الراسخة في ضمير أتباع مذهب أهل البيت (عليه السلام)مصدرها القرآن الكريم والروايات المتواترة الواردة عن الأئمة من آل النبي(صلي الله عليه و آله و سلم).
الانتظار في الآيات والروايات (1):
الآيات:
{إذ قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إنّ الأرضَ لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} الأعراف: 128، {وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} ، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (الأنبياء: 21)، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههـم والله متم نوره ولو كره الكافرون}الصف: 8، {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون} النساء: 105، {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} القصص: 5، {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنّهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون} الصافات: 170 ـ 173، {ويريد الله ان يحقّ الحقّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين} الأنفال: 7، {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا }
________________________________________
(1) إنّ بعض الآيات وإن بدت في ظاهرها مرتبطة بالاُمم السالفة، مثل قوم موسى (عليه السلام)، ولكن هذا لا يعني انحصارها بهم، ولا يمنع من تعميمها وسحبها على الامّة الإسلامية.

[الصفحة - 324]


{الصالحات ليستخلفنهم في الارض} النور: 55، {فانّ حزب الله هم الغالبون} المجادلة: 21، {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلّه} التوبة: 33، و الفتح: 28.
الروايات:
1 ـ الإمام علي (عليه السلام): «لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها عطـف الضـروس على ولدها. وتلا عقب ذلك: {ونريد أن نمن على الذين اسـتضعفوا في الارض} » (2).
2 ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم): «لو لم يبق من الدهر الاّ يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً» (3).
3 ـ قال الصادق (عليه السلام): «إن لنا دولة يجيء الله بها اذا شاء ـ ثم قال: ـ من سرّ أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق وهو منتظر» (4).
والروايات في هذا الموضوع كثيرة جداً ولا حاجة لنقلها جميعاً؛ ووفقاً لها وللآيات الكريمة، فان الله عزوجل قد وعد ووعده الحق بظهور حكومة عالمية واحدة ويكون الدين الغالب هو الإسلام وسيظهر تفوقه على سائر الأديان وتكون الغلبة للصالحين وسيهزم جنود الشيطان إلى الأبد.
وهذا الوعد بطبيعة الحال لم يتحقق بعد، والروايات تشير إلى أنّ تحققه سيكون عند ظهور الإمام المهدي المنجي الموعود، ومن هنا يؤمن أتباع أهل البيت (عليهم السلام)والواعون من أهل السنة بهذا اليوم الموعود وينتظرونه ويعتقدون بالحديث النبوي الشريف: «أفضل العبادة انتظار الفرج»(5). إن هذا الحديث يرتبط بذلك العصر الذي ستتحقق فيه المدينة الفاضلة.
وانطلاقاً من هذه الآيات والروايات الواردة عن أهل البيت (عليه السلام)فإن مستقبل العالم مشرق ومفعم بالأمل؛ بالرغم من حاضره الأسود المترع بظلمات الطغيان والقهر والفساد.
من هنا، فاننا نترقب متفائلين يحدونا الأمل في ظهور الإمام المعصوم الذي ستكون له الحاكميّة والذي سينفّذ في الأرض قوانين السماء، سوف يخفق لواء العدالة في ربوع العالم، وستشهد البشرية ثورة علمية تكون في خدمة الخير والسلام، وستعمّ
________________________________________
(2)نهج البلاغة، الحكمة 209، صبحي الصالح.
(3)منتخب الأثر، الفصل2 الباب1، ح4 ص143.
(4)المصدر السابق، الفصل 10، الباب 2، ح9 ص491.
(5)المصدر السابق، ح16.

[الصفحة - 325]


المساواة وتسود الأخوّة الإنسانية العلاقات بين الناس، وستندثر إلى الأبد كل أشكال الجهل والظلم والأحقاد وسيولّي زمن الحروب والويلات، فلا استغلال ولا استعمار ولا استعباد، فالناس جميعاً سواسية كأسنان المشط.
ثانياً: خصائص عصر الظهور (المدينة الفاضلة الإسلامية)
للمدينة الفاضلة الإسلامية خصائص تميّزها عن سائر نماذج المدن الفاضلة الأخرى، وفيما يلي بعض هذه الخصائص:
1 ـ الحاكم في عصر الظهور: إنّ التقدم الذي سيحصل في عصر الظهور معلول لعوامل في طليعتها وجود قائد معصوم، طاهر منـزّه ومبرأ من كل عيب، إنه مرتبط فقط بالله وحده، وينظر بعين الرحمة والمسؤولية وبشكل متساوٍ إلى كل الأمم والشعوب كلّها، لا فرق بين أسود وأبيض وأصفر وأحمر.. ولا تفاوت بين الآسيوي والأميركي والاأوروبي والأفريقي لديه.
أجل ستكون إدارة العالم في النهاية في أيدي الصالحين، وستنجو البشرية ببركة القائد المصلح من كل أشكال الظلم والتعسّف والاضطهاد، وستعيش فارغة البال من هواجس الفقر، في مأمن من تهديدات الحروب والعدوان على الحرّية والكرامة الإنسانية.
2 ـ الحكومة في عصر الظهور: تختلف الحكومة التي ستنهض في المدينة الفاضلة الإسلامية في عصر حاكمية الإمام المهدي عن سائر الحكومات التي نشهدها في عالم اليوم، فلا يوجد أدنى شبه في مسألة الحكم وشكل الحكومة، والقوانين والنظم السائدة، ذلك أنّ نوع حكومته إلهي، ينهض على أساس الإيمان بالله الواحد الأحد، والتوحيد الخالص، وهدفه تضامن الجماعات والأمم والشعوب، وإزاحة كل الحواجز فيما بين الناس والقضاء على كل الاعتبارات الفارغة وإرساء علاقات مستحكمة قوية بين أفراد البشر.
والحاكم إمام معصوم، سيقوم بإحياء شريعة الإسلام كما جاء بها النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وسينفّذ بكل دقة وحزم جميع القوانين الإسلامية والأوامر الإلهية، إن الإسلام يهدف
________________________________________

[الصفحة - 326]


إلى إزالة جميع الفوارق مهما تعدّدت أسماؤها، من خلال صهر الناس بعقيدة التوحيد، إن جميع الاختلافات العرقية، والطبقية، والوطنية، والجغرافية والتاريخية لا اعتبار لها أبداً إذا ما أريد لها أن تكون منطلقاً للحصول على الامتيازات والتعالي على الآخرين، بل ستزول في ظلال الحكومة العالمية القادمة حتى الاختلافات الدينية، وسيكون الدين كلّه لله.
3 ـ العدل في عصر الظهور: أولى الإسلام مسألة العدالة أهمية خاصّة منذ ظهوره، فالعدل في بُعده العقدي والديني إلى بعده الفقهي والاجتماعي منوط به رضى الله عزوجل، وهذا ما نجده واضحاً في آيات القرآن الكريم والسنة النبوّية الشريفة.
وتبرز أهمية العدالة من خلال مساسها وتغلغلها في صميم الحياة الاجتماعية والإنسانية، وفي إرهاصات عصر الظهور سيكون العدل هاجس جميع البشر، وستصل الإنسانية من النمو والتكامل ما يجعلها على استعداد تام من أجل تطبيق العدالة في واقع حياتها.
إن الإمام المهدي المنتظر اسم اقترن مع العدالة حتى جاء في أدبيات الزيارة: «السلام على العدل المشتهر»، و«اللهم صلِّ على وليّ أمرك القائم المؤمَّل والعدل المنتظر» (6).
وهناك شاخصان أساسيان في حكومته: الحكومة العالمية الواحدة وهذا لا يتسنّى لغيره، والعدل العالمي حيث يتوحّد العالم تحت رايه حاكم واحد، ينشر العدل في جميع الأرجاء، فعـدله شامل وفي كل مكان ونقطة من العالم فهو الذي «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً»، كما جاء في الحديث النبويّ الشريف قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «أبشركم بالمهدي يبعث في اُمّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض» (7).
4 ـ العلم في عصر الظهور: سيشهد عصر الظهور، ازدهاراً أكبر للعلم، يقول الإمام الصادق (عليه السلام)في هذا المضمار: «العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج
________________________________________
(6)مفاتيح الجنان، دعاء الافتتاح.
(7)معجم أحاديث الإمام المهدي ج1 ص92.

[الصفحة - 327]


الخمسة والعشرين حرفاً، فبثّها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً»(8).
وهذا الحديث يشير بوضوح إلى ثورة كبرى في دنيا العلوم والمعرفة، وهذه التحوّلات المدهشة سوف تعمّ جميع العقول، يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «اذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم وأكمل به أخلاقهم» (9).
5 ـ الاتصالات في عصر الظهور: بالنظر للتقدّم العلمي الذي سيحصل في عصر الظهور، ستشهد الاتصالات يومئذ قفزة من التطور الكبير بما يجعل من هذا العالم المترامي الأطراف قرية صغيرة جداً، من هنا سيكون بمقدور هذه الحكومة الاطلاع بسهولة على كل ما يجري، ومن ثم بسط نفوذها وتنفيذ سياستها وقوانينها في كل مكان، ولن يكون هناك أية فرصة للتآمر ضد العدالة والإنسانية. يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «ان قائمنا اذا قام مدّ الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم (عليه السلام)بريد، يكلّمهم فيسمعون، وينظرون إليه وهو في مكانه» (10)، ويقول الإمام الصادق في مناسبة أخرى: «انّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق» (11)، ويقول الإمام الصادق (عليه السلام)بهذا الصدد أيضاً: «اذا تناهت الاُمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الأرض، وخفض له كلّ مرتفع حتى تكون الدنيا عنده بمنـزلة راحته فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها» (12).
ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): «انما سمي المهدي لانه يهدي إلى أمر خفي حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله، حتى أن أحدهم يتكلم في بيته فيخاف أن يشهد عليه الجدار»(13).
6 ـ الرخاء والرفاه في عصر الظهور: المدينة الفاضلة الإسلامية هي الحلم والطموح في حياة ملؤها رفاه ورخاء، ستكون الحياة الاقتصادية مفعمة بالرخاء، حياة بلا عوز ولا شقاء، سيولّي زمن الجوع والحرمان إلى الأبد، فالأرض معطاء، والعدالة في كل شيء، في التوزيع، وفي فرص العمل و... فهي المهيمنة ولن يكون هناك أي تمايز طبقي، لن يكون الحال كما هو عليه اليوم في توزيع الثروة، حيث يمسك أقل
________________________________________
(8)المصدر السابق، ص336.
(9)المصدر السابق، ص328.
(10)منتخب الأثر، ص413.
(11)بحار الانوار، ج52، ص391.
(12)المصدر السابق، ص328.
(13)المصدر السابق، ص390.

[الصفحة - 328]


من عشرين بالمئة من الأفراد بثروة تفوق ثمانين بالمئة من المجموع ولا يتمتع ثمانون بالمئة من الافراد بأكثر من عشرين بالمئة من تلك الثروة، لذا لن يكون هناك يومئذ طبقة صغيرة تضمّ الأثرياء وطبقة واسعة مسحوقة تضم البؤساء والفقراء.؟؟؟؟
وقد جاء في المأثور من روايات أهل البيت (عليهم السلام): «انه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب إلا ويعمّره» (14).
وجاء عن الإمام الصادق قوله: «اذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور وأمنت به السبل وأخرجت الارض بركاتها وردّ كل حقٍّ إلى أهله.. وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم)، فحينئذٍ تُظهر الأرض كنوزها وتبدي بركاتها ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته ولا لبرِّه لشمول الغنى جميع المؤمنين» (15).
ويبدو من خلال هذا الحديث أن ثورة في عالم الزراعة سوف تحدث، وسيتم الكشف عن جميع المناجم، وتبدأ حركة من الاستثمار المطّرد، وتتقدم وسائل الاستكشاف لاستخراج ما تدخره الأرض من كنوز كثيرة، وسيطرأ تحول كبير في الثقافة الزراعية، بحيث يكون محصول الهكتار الواحد من الأرض على سبيل المثال أضعافاَ مضاعفة عما كان عليه في العصر الحاضر.
يقول الإمام علي (عليه السلام): «يزرع الإنسان مدّاً، يخرج له سبعمائة مدّ كما قال الله تعالى:{كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء} » (16).
وعن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)قال: «ويخرج له الارض أفلاذ كبدها ويحثو المال حثوا ولا يعدّه عدّاً» (17).
وعنه صلوات الله وسلامه عليه وآله: «ابشركم بالمهدي يملأ الارض قسطاً كما ملئت جوراً وظلما، يرضى عنه سكان السماء والارض يقسّم المال صحاحاً»، فقال رجل: ما معنى صحاحاً؟ قال (صلي الله عليه و آله و سلم): «بالتسوية بين الناس، ويملأ قلوب أمّة محمد غنى ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً ينادي يقول: من له بالمال حاجة فلا يقوم من الناس الاّ رجل واحد ثم يأمر له بالمال فيأخذ ثم يندم ويردّ» (18).
________________________________________
(14)منتخب الأثر، ص482.
(15)بحار الانوار، ج52، ص338.
(16)عقد الدرر، فصل 27 ص211.
(17)منتخب الأثر، ص168.
(18)معجم احاديث الإمام المهدي ج1 ص95.

[الصفحة - 329]


7 ـ رحلات الفضاء في عصر الظهور: وبسبب التطور العلمي والتكنولوجي الهائل في عصر الظهور تصبح رحلات الفضاء أمراً ميسوراً، وكما هو الحال في السفر من قارة إلى أخرى، يصبح السفر من الارض إلى الأجرام والكرات السماوية أمراً عادياً، أي أن الحياة في الأرض سوف تدخل مرحلة جديدة بحيث لا يمكن مقارنتها عما كانت عليه قبل عصر الظهور. فالمقارنة بينهما كالمقارنة بين الحياة الأوروبية في القرون الوسطى والحياة في العصر الحاضر.
ربما نستطيع تصور ذلك، ولكن هذا التطور الذي سيحدث بعضه بطريقة خارقة سيكون أحد الاسباب في ايمان الناس بالمهدي.
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... وذخر لصاحبكم الصعب»، قال: قلت: وما الصعب؟ قال: «ما كان من سحاب فيه رعدٌ وصاعقة أو برق، فصاحبكم يركبه،أما انه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع والأرضين السبع» (19).
ومن الطبيعي أنّ المقصود من ركوب السحاب ليس ارتقاء نفس الغيوموانما يشير إلى تصنيع وسائل خارقة السرعة ونماذج متطورة جداً من الصواريخ الكونية.
8 ـ الأمن في عصر الظهور: يشغل الأمن من بين حاجات الإنسان الذروة، فالشعور بالأمن والطمأنينة أمر حياتي على جميع الأصعدة، ذلك أن الإنسان ينشد الأمن الأخلاقي، الاقتصادي، الحقوقي، الاجتماعي والأمن العائلي وإلى غير ذلك من مجالات الحياة المتنوعة.
ومن خلال الروايات الواردة عن أهل البيت أن المدينة الفاضلة الإسلامية هي مدينة تنعم بالأمن الكامل والحقيقي.
وقد بشر القرآن الكريم عباده المؤمنين الذين استضعفوا وقهروا وعاشوا حياة الرعب والخوف والقلق تحت نير الحكومات الظالمة، بشرهم بالأمن وسيادة الحكم الالهي العادل، قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في }
________________________________________
(19)بحار الانوار، ج52، ص321.

[الصفحة - 330]


{الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا..}(20).
وهذه الآية الكريمة تتضمن وعوداً الهية حتمية:
الاستخلاف في الأرض، يعني حاكمية الإنسان الإلهي وإجراء العدالة والحق.
انتصار الدين الحق، ويعني انتشاره وتحوله إلى ثقافة عالمية عامّة لها حضور في كل مجالات الحياة.
انتشار الأمن وانحسار زمن الرعب والخوف والقلق، حيث تعيش المجتمعات في حالة تامة من الاستقرار والهدوء.
يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «هم والله شيعتنا يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا وهو مهدي هذه الاُمة» (21).
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «نزلت في القائم وأصحابه» يعني الآيةالكريمة.
9 ـ التربية في عصر الظهور: لقد سعى الإنسان خلال القرون الأخيرة من خلال إعمال المعادلات الاقتصادية والسياسية، واستخدام كافة الامكانات العلمية والتقنية إلى إعادة قدر من الرفاه إلى هذا العالم. والآن وبعد كل هذا الكفاح والسعي الطويل لم يحصد سوى المرارة وخيبة الأمل. الإنسان في العصر الحاضر ينظر إلى العالم فيراه مظلماً موحشاً شديد الخواء، هذه النظرة التي تفرز في داخله إحساساً بالهلع والضياع، وهكذا مشاعر تقود ـ حسب رأي المفكرين ـ إلى زوال النوع الإنساني.
أما المدينة الفاضلة الإسلامية فهي لا تتحدث عن النمو الاقتصادي والثراء المادي فقط، ذلك أن مهندسي هذه المدينة ينظرون إلى الإنسان نظرة شاملة تكفل له فرص التكامل والنمو في جميع أبعاد الشخصية الإنسانية.
فالمدينة الفاضلة الإسلامية لا تَعِدْ بتحقّق الجنة الأرضية الاّ إذا استقبل الإنسان أشعتها من السماء. وهكذا تكتسب تربية الإنسان في روحه ونفسه وتجذير القانون الأخلاقي وإثراء الفضائل الإنسانية أهمية كبرى لبرامج عصر الظهور (22).
________________________________________
(20) النور، الآية 55.
(21)مجمع البيان، ذيل الآية الشريفة 55.
(22)تفسير البرهان، ذيل الآية 55 من سورة النور. كتاب الغيبة ص240.

[الصفحة - 331]


والنموذج الإسلامي للمدينة الفاضلة لا يمتاز بتألق العدالة والرخاء والأمن فحسب، وإنما أيضاً بالنمو الأخلاقي وتنمية السجايا الإنسانية النبيلة.
وفي هذه التربة الصالحة والبيئة الصحية ينشأ النموذج الصالح للفرد والمجتمع. الإنسان في هذه المدينة سينعم بالثراء المادي والروحي على السواء.
ستشهد الاحقاد والضغائن والكذب والرياء والنذالة تراجعاً وانحساراً واندثاراً نهائياً أمام تقدم نمو واسع للفضائل الاخلاقية. وهذا لا يحصل أيضا بطريقة غير طبيعية، ذلك ان انتشار العدالة والرخاء والخصب والأمن سيجفف جميع مصادر أسباب بروز المظاهر الأخلاقية الهابطة.. وهكذا سيحقق الإنسان أحلامه وأمانيه الخضراء في حياة آمنة مطمئنة، في مدينة فاضلة إنسانية (23).
* * *
________________________________________
(23)مجلة حوزة، العدد 70 و71 ص7 و176. مقالة المهدوية والمدينة الفاضلة.

[الصفحة - 332]