البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الشهرستاني بين الأشاعرة والإسماعيلية القسم الثاني

الباحث :  أ. مهدي فرمانيان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  44
السنة :  السنة الحادية عشر شتاء 1427هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  217
الشهرستاني بين الأشاعرة والإسماعيلية
القسم الثاني

أ. مهدي فرمانيان (*)

ترجمة: ضياء المحمودي

القسم الأول: المباحث التي تدلّ على تشيع الشهرستاني
الشهرستاني يعتبر القرآن مختص بأهل البيت (عليهم السلام)، وأنّهم أصحاب فهمه، والعامِلين بالعالَمَين (1). وهو وإن ينفي وجود كتبٍ لأهل البيت (عليهم السلام) أمثال الجفر والجامع، ولكنّه قائل بأن الصحابة متفقة على أنّ علم التنـزيل والتأويل مختصّ بعليّ(عليه السلام) (2).
فهو ينقل رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) من طريق الكليني (3)، ومن طريق محمد بن خالد البرقي، وينقل عن تفسير العيّاشي (4)في باب ترتيب السُوَر، وترتيب نـزولها في مصحف الإمام الصادق (عليه السلام)، وأنها شبيهة بترتيبها في مصحف ابن واقد (5).
ويقول في مبحث كيفية جمع القرآن:
قال بعض أهل العلم: كم من آية مَثَلها مَثَل (رجال صدقوا ما عاهدوا...) قد فقدوها مما كان يتعلق بمناقب أهل البيت (عليهم السلام)...» (6)وهذا كلام يُشم منه رائحة القول بالتحريف، ويواصل حديثه فيقول: «... ولماذا رفضوا القرآن الذي جمعه الإمام عليّ بن أبي طالب (7)واستغنوا عنه، وقالوا لا حاجة لنا به...» (8).
وقد استفاد الشهرستاني في كتابه هذا من تفاسير كثيرة منها تفسير أبي حمزة الثمالي (9)، فهو ينقل رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) فيقول: «الصادق (عليه السلام) تبرأ من الغلو ونفاه، وقال إنّ علمهم هو من كتاب الله لا غير... (10). وإنّ التقيّة دينه ودين آبائه، وإنّ أهل البيت كانوا يجهرون بقراءة البسملة في الصلاة، لذا الصحيح هو الجهر بها» (11).
________________________________________
(*)باحث من إيران
(1)مفاتيح الأسرار، تحقيق آذر شب، ج1، ص196 و197، والنسخة المصوّرة، ج1، ص104.
(2)المصدر السابق، النسخة المصوّرة، ج1، ص105.
(3)المصدر السابق، ج1، ص111 وفي ج1، 210 ينقل عن الكليني وتفسير العياشي أيضاً.
(4)المصدر السابق، ج1، ص134 ــ 136.
(5)المصدر السابق، ج1، ص128 و133.
(6)المصدر السابق، ص115.
(7) حول مصحف الإمام عليّ راجع: تاريخ القرآن لمحمود راميار، ص368 فما بعد. فقد كتب يقول: إن ابن النديم رأى مصحف أمير المؤمنين؛ وتحقيقات حول القرآن للخرمشاهي، ص647.
(8)مفاتيح الأسرار، تحقيق آذر شب، ج1، ص120.
(9)المصدر السابق، ج1، ص170 و328أ و334أ النسخة الخطية، حيث ينقل مرتين رواية عن أبي حمزة الثمالي.
(10)المصدر السابق، ج1، ص198.
(11)المصدر السابق، ج1، ص210.

[الصفحة - 121]


وينقل رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام)، بأن المقصود من «الناس» في سورة الناس هم أهل البيت (12).
ويقول في معرض تفسيره لآية {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} : «أمرُ الله إمّا قولي وهو الدين الباقي من آدم إلى خاتم الأنبياء، ومن النبي )صلي الله عليه و آله و سلم( إلى يوم القيامة وصاية وإمامة، وإمّا فعلي وهو صلة الأرحام مع أرحام النبي الحاملين لنور النبوّة ونطفة الإمامة، حيث يكون قاطع هذه الصلة من الفاسقين» (13).
ويعتقد الشهرستاني: «بأنّ الزمان لن يخلو في أي عصرٍ من الخليفة الإلهي والحجّة، وكل صادق يبشّر بصادق آخر من بعده» (14). وهو يعتقد أن المارقين والناكثين والقاسطين هم المنافقون بعد زمان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) (15)، وإنّ الذين اتبعوا الأُمويين هم عبدة العجل من هذه الأُمّة، مثلما عبد أصحاب موسى العجل، ويقول: إنّهم في الأول خانوا، وفي الثاني سرقوا، وفي الثالث ظلموا، وفي الرابع قتلوا. ويقول: وسبعون ألفاً منهم الذين كانوا عبيداً لإمام أهل النار، وهو يزيد، قُتلوا في نصف يوم؛ لأنهم كانوا قتلة الحسين رضي الله عنه (16).
ويعتقد الشهرستاني أن مثل منافقي هذه الأُمّة مَثَل السامري في أُمّة موسى، حيث غلبوا على إمام الحق وهو يقول: {إنّ القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني} ، وقال: {إنّي خشيت أن تقول فرّقت بيني وبين بني إسرائيل} (17). ثم كتب يقول ما هذا نصه: «إنّ التيه في بني إسرائيل كالحيرة الواقعة في هذه الأُمّة من امتناعهم دخول بيت المقدس مقدّس النبوّة من باب حطّة، وقد قيل لهم: وادخلوا الباب سجّداً سامعين مطيعين، وقد سمعت في الأخبار «عليّ باب حطّة»، و«أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، فجماعة قالوا: إنّا لن ندخلها أبداً، وجماعة دخلوا البيت لا من بابه، وجماعة هدموا الباب، وقتلوا باب الأبواب، فانسدّت عليهم الطرق وما هو في سبيل الله، وتحيّروا في دين الله.. وقد كان التيه لبني إسرائيل أربعين سنة، وكان التيه في هذه الأُمّة قد زاد على أربعمئة سنة» (18).
وينقل عن الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه قال: «الحسنة كل الحسنة حبّنا أهل البيت، والسيئة كل السئة بغضنا أهل البيت».
________________________________________
(12)المصدر السابق، ج1، ص236، وكذلك ص71ب و355ب من النسخة الخطيّة.
(13)مفاتيح الأسرار النسخة الخطية، ص101أ.
(14)المصدر السابق، ص138أ و255أ.
(15)المصدر السابق، ص 81ب.
(16)المصدر السابق، ص154أ وب .
(17)المصدر السابق، ص152أ و161ب و172ب و205أ.
(18)المصدر السابق، ص159ب، وراجع حول الدخول من الباب، ص323أ و249ب و319ب و60ب.

[الصفحة - 122]


وعن الإمام الصادق أنّه قال: «إعرف الحقّ لنا واعمل ما شئت».
ويستمر في حديثه فيقول: «إنّ الذي لم يعرف حقّ هؤلاء فطاعته كطاعة إبليس» (19).
وكما أنه يقول: إنّ التوحيد مع النبوّة توحيد، وأنّ النبوّة مع الولاية نبوّة (20)، يقول حول اُولي الأمر: إنّهم إمّا موجودون في العالم فلا يُتبعون، وإمّا موجودون ولكنّهم مستترون فلا يُطلَبون(21).
ويعتقد أنّ حقّ التلاوة هو حق الثقلين، وهم العالمون بأسرار الحروف والأصوات والعالمون بالكونين (22).
ويعتقد أنّ مستحق الإمامة هو المقبول في العالمَين، وقاب قوسين، ومجمع البحرين والحاكم في العالَمَين، وإذا كان عالِمٌ بأحد العالَمَين وحاكم على أحدهما فلا يستحق الإمامة (23).
ويعتقد أن الإمام أميرالمؤمنين إمام الأئمة في الصبر والعطاء (24).
وينقل عنه قوله: «نحن أهل الذكر» و«سلوني قبل أن تفقدوني...» (25).
والشهرستاني ينقل عن الإمام السجّاد أنّه قال: «الراحل إليك يا رب قريب المسافة» (26).
وفي مبحث الأيتام يعتقد أن أوّل يتيم هو النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، واليتيم الثاني هو الإمام عليّ الذي يجب علينا اتّباعه وحُبه، واليتيم الثالث فاطمة، ومن الواجب إعطاء حقّها، وأنّ أولاد فاطمة هم الأيتام، فكل من أكل حقّهم فقد أكل في بطنه ناراً (27).
ويعتقد أنّ القرض لله هو الدفاع عن أوليائه، وأنّ من آذاهم كمن حارب الله (28).
ويذهب إلى الطريقة الوسطى بين الجبر والاختيار استناداً إلى حديث الإمام الصادق (عليه السلام) «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»، ولذا يحمل على اعتقادات الأشاعرة والمعتـزلة والقدريّة والجبرية (29).
ويقول الشهرستاني: «إنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) كان لـه علم التنـزيل والتأويل والظاهر والباطن، وكان يتصدّق بدرهم في الليل وبدرهم في النهار وبدرهم في السر وبدرهم في العلانية»(30).
________________________________________
(19)المصدر السابق، ص190ب و338ب و242ب.
(20)المصدر السابق، ص242ب و227ب.
(21)المصدر السابق، ص194ب.
(22)المصدر السابق، ص239ب.
(23)المصدر السابق، ص242 ب.
(24)مفاتيح الأسرار، تحقيق آذر شب، ج1، ص199 ــ 200.
(25)المصدر السابق نفسه.
(26)مفاتيح الأسرار الطبعة المصوّرة على الخطية، ص314ب وهو في هذا الكتاب في خمس موارد ينقل رواية ودعاءً عن الإمام السجاد.
(27)المصدر السابق، ص360أ.
(28)المصدر السابق، ص384أ.
(29)المصدر السابق، ص58أ و381أ و60ب و62ب و63 و91ب و246ب و394ب.
(30)المصدر السابق، ص420 أ.

[الصفحة - 123]


وكان يعتقد أنّ آية كتمان البيع والشراء نـزلت في حقّ الذين لم يشهدوا بالولاية وكتموها بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهذا العمل أدى إلى كفرهم ونفاقهم (31).
هذه خلاصة من الكلام حول تشيّع الشهرستاني من خلال كلماته في كتاب مفاتيح الأسرار.
القسم الثاني: المباحث التي تدلّ على أنّه من أهل السنّة
الشهرستاني في الظاهر، وفي تفسيره على نحو منهج أهل السنّة، حيث ينقل عن أبي هريرة وباقي الصحابة (32)، ومسلكه في التفسير متطابق مع مسلكهم، وينقل عن صحيح البخاري وباقي كتب أهل السنة (33)؛ ولأجل كثرة مواردها لا حاجة لنا أن نذكرها هنا، ولكنّه ذكر عدة نقاط في ذيل مفاتيح الأسرار والتي تدل على تسننه:
الأُولى: أنه في بحث الطلاق والحج في ذيل آيات الطلاق والحج من سورة البقرة يتكلّم طبقاً لمذهب الشافعي (34).
والثانية: في ذيل آية {ولكل وجهة هو مولّيها} ينقل حديث افتراق الأُمّة إلى (73) فرقة، ويقول في شرحه للفرقة النّاجية: «إن أهل السنّة والجماعة هي الفرقة الناجية، كما بيّن النبيّ ذلك في جوابه للسائل، فقال: إنّ السنّة والجماعة هي الطريقة التي أنا وأصحابي عليها» (35)، وإن كان في موضع آخر اعتبر أن الفرقة الناجية هم اُولئك الذين حق تلاوة القرآن حقٌّ مختص بهم (36).
والثالثة في ذيل آية: {... وأنتم سكارى} ، يقول: إنّ عبدالرحمن بن عوف هيّأ طعاماً ودعا جماعة منهم عليّ بن أبي طالب لتناوله، وبعد تناول الطعام أتى بشرابٍ لهم فشربوه ثم حضروا صلاة المغرب، فنـزلت الآية (37). فهو في هذا وطبقاً لهذه الرواية ينسب الكبيرة إلى الإمام عليّ (عليه السلام)، وهو ما تنفيه الشيعة عنه بأجمعهم.
ويقول حول تعيين القبلة: مثل القبلة التي تكون كلا جهتيها صحيحة، أحدهما قوله تعالى: {فوّل وجهك شطر المسجد الحرام} ، والآخر: {فإينما تولوا فثم وجه الله} . وكذلك من حيث الأشخاص فإنّ اللذين كلا وجهيهما صحيحان، أحدهما المساوي للآخرين. والذي كان يقول: «أقيلوني فلست بخيركم»، والآخر حول أفضليته
________________________________________
(31)المصدر السابق، ص428ب.
(32)حول رواة أهل السنّة الذين ينقل عنهم الشهرستاني، راجع: مفاتيح الأسرار، تحقيق آذر شب، ج1، ص163 ــ 175.
(33)المصدر السابق، ج1، ص203 ــ 210.
(34)راجع حول الطلاق مفاتيح الأسرار النسخة الخطية، ص 371أ، 373أ، وحول الحج، ص 328ب و339أ.
(35)المصدر السابق، ص269أ وب.
(36)المصدر السابق، ص240أ.
(37)المصدر السابق، ص328أ.

[الصفحة - 124]


يقول: «سلوني عما تحت الخضر أو فوق الغبراء». ولقد علموا أن محلّي منها محل القطب من الرحا...» (38).
ففي عباراته هذه قَبِل الظاهر، وهو (خلافة أبي بكر)، والباطن وهو (إمامة أمير المؤمنين)، حيث مثّل خلافة أبي بكر بالقبلة الظاهرة المعلومة، وإمامة الإمام عليّ (عليه السلام) بالقبلة الباطنة، وهذا التشبيه يدلّ على أنّهما عنده مقبولان. وسنتحدث في خاتمة المقال حوله هذا الأمر.
القسم الثالث: المباحث التي تلوح فيها صبغة الإسماعيلية
يروي الشهرستاني في الفصل العاشر من مفاتيح الأسرار هذ الخبر، وهو أن الشيخين تخاصما في القضاء والقدر، وذهبا إلى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وعرضا عليه مشكلتهما، فأجابهما النبي: بأنّ حكم أحدهما مفروغ وهو القضاء، وحكم الآخر مستأنف وقابل للتغيير وهو القدر. ولذا خصّ الشهرستاني الفصل العاشر في الحديث عن المفروغ والمستأنف والتقابل والترتّب بناءً على قاعدتي الخلق والأمر (39).
يقول كاتب هذه السطور: إني تفحّصت أكثر الكتب التي ترتبط بهذه المسائل، وموسوعات المصطلحات الفلسفية (40)والكلامية (41)والتصوّف (42). فشاهدت بحث التقابل في حركات الجوهر والكيف في الفلسفة، أو تقابل الأشياء وتقابل صفات الكلام في الفلسفة وعلم الكلام، ولكن لم أقف على بحث باسم بحث التقابل والترتب، ولم اُشاهد اصطلاح الترتّب في علم الكلام والفلسفة والتصوّف وكتب الإسماعيلية.
وهذا المبحث لا يوجد في كتب الإسماعيلية أمثال رسائل إخوان الصفا، وراحة العقل، وكتاب الرياض لحميد الدين الكرماني، ووجه الدين وجامع الحكمتين لناصر خسرو، والإصلاح لأبي حاتم الرازي، وتاريخ العقائد الإسماعيلية لفرهاد الدفتري.
وأمّا بحث المستأنف والمفروغ فلم يأت في الصحاح الستة ولا في بحار الأنوار.
نعم، وردت روايتين في مسند أحمد (43)في باب المفروغ والمستأنف، ورواية في كنـز العمال(44)، وقد نقلها عن مسند أحمد. وكما أنني لم أعثر على هذا المبحث
________________________________________
(38)المصدر السابق، ص267ب ذيل الآية 148 و149 من سورة البقرة.
(39)مفاتيح الأسرار، ج1، ص185.
(40)موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب، بحث التضاد، ص169.
(41)موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي الدكتور سميح ذغيم، بحث التضاد، ص318 ــ 320.
(42)موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، الدكتور رفيق العجم.
(43)مسند أحمد بن حنبل، ج5، ص587 الحديث 16630 و16631.
(44) كنـز العمّال، ج1، ص360 الحديث 1595 وهذا نصّه: عن ذي اللحية الكلابي أنّه قال: يا رسول الله أنعمل في أمر مستأنف أو في أمر قد فرغ منه؟ قال: «بل في أمر قد فرغ منه» قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». ولكن الشهرستاني نقل الرواية بصورة اُخرى وهي: أن أبا بكر وعمر تباحثا في القدر حتى علت أصواتهما ووصلت إلى حجرة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولذا أتى إليهما فقال: ما شأنكما؟ قالا: كنّا نتكلّم في القدر، فقال لهما النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): هل تتكلمون في مَلَك خلقه الله نصفه من النار ونصفه من الثلج، وأن النار لا تذيب الثلج وأن الثلج لا يُطفئ النار، فقال عمر للنبي (صلي الله عليه و آله و سلم): هل نحن في أمر مستأنف أو مفروغ؟ فأجابه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): بل في أمر مفروغ، فقال عمر: فإذا كنّا في أمر مفروغ فلماذا العمل؟ فأجابه النبي(صلي الله عليه و آله و سلم): اعملوا فكلّ ميسّر لما خُلق له. مفاتيح الأسرار، تحقيق آذر شب، ج1، ص 185. وهذه الرواية جاءت في تفسير الطبري، ج 12، ص70 في ذيل الآية 105 من سورة هود، عن ابن عمر بهذا النحو: لمّا نـزلت آية منهم شقي وسعيد سأل أبي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): يا نبي الله فعلام عملنا؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال رسول الله: «على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له».

[الصفحة - 125]


بصورة بحث مستقل في علم الكلام والفلسفة والتصوف وكتب الإسماعيلية، فإنني وجدت في تاج العقائد ومعدن الفوائد في ذيل بحث القضاء والقدر حيث جاءت العبارة على النحو التالي:
أمّا القضاء فاسمه الفراغ بدليل القرآن الكريم: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم... } أي إذا فرغتم منها، وقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة...} أي إذا فرغتم منها... وأمّا القدر فأصله من المقدار والتقدير والترتيب على المعنى المخصص نحو قوله تعالى: {فجعلناه في قرار مكين} أي إلى أمد معلوم.
بعد ذلك يقسّم القَدَر إلى أقسام ثمانية، ثم يورد رسالة الحسن البصري إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وجواب الإمام عن سؤاله في القضاء والقدر (45)، ولم أعرف أن هذه الأبحاث من مباحث أي العلوم والمذاهب الإسلامية التي أخذ منها الشهرستاني، ويحتمل أن الشهرستاني نفسه مؤسس هذه الأبحاث؛ لأن المولى نصير الدين الطوسي يعتبرها من الفصول المقدّسة (46).
يقول الشهرستاني: فرؤية المستأنف هو الظاهر، والتنـزيل، والتفسير، ورؤية حكم المفروغ هو الباطن، والتأويل، والمعنى، والحقيقة، {والراسخون في العلم يقولون آمنّا كل من عند ربّنا... } (47).
فقوم قائلون: إنّ الأحكام كلها مفروغة ومقدّرة، والخلق مجبور، حتى إنهم ذهبوا إلى التفريط، ونفوا الاستطاعة، وأثبتوا وجود تكليف ما لا يطاق. وقوم قالوا: إن جميع الأحكام مستأنفة (48)ومقدّرة باختيار العبد، وأفرطوا في ذلك حتى زعموا أن الإنسان مستقل في عمله، ونفوا إمكان أخذ الاستعانة من الخالق، وهذين المذهبين على جانبي الإفراط والتفريط (49).
ومصدر هذين القولين، هو اختلاف الشيخين في هذا الحكم، ولكنهم إذا عرفوا أن حكم الجبر والاختيار، والقضاء والقدر، هو الأمر بين الأمرين، ولا جبر ولا تفويض، ومثال المفروغ والمستأنف هو مثل المَلَك الذي نصفه من نار ونصفه من ثلج، وأنّ النار تمثل المفروغ، الثلج يمثل المستأنف، فلا النار تستطيع أن تذيب الثلج ولا يستطيع الثلج أن يطفئ النار، فلو عرفوا ذلك ما كانت تحصل هذه الاختلافات (50).
«أمّا التقابل والترتّب... قال الصادق (عليه السلام): «القرآن نصفه فينا ونصفه في عدوّنا
________________________________________
(45)تاج العقائد لعلي بن محمد بن الوليد، تحقيق عارف تامر، ص169 ــ 181. وفي تحف العقول: إن الكتاب كان للإمام الحسن (عليه السلام).
(46)رسائل نصير الدين الطوسي، ص25 و94 نقلاً عن مقال (داعي الدعاة شهرستانه).
(47)مفاتيح الأسرار، تحقيق آذر شب، ج1، ص179. وحول حكم المستأنف والمفروغ راجع طبعة النسخة الخطية منه، ص419أ.
(48)ومما يجدر ذكره أن السيد مير داماد لـه بحث مختصر حول حديث المستأنف والمفروغ في كتاب الإيقاظات، ص141.
(49)مفاتيح الأسرار، الطبعة المصورة، 184ب.
(50)مفاتيح الأسرار، ج1، ص185 ــ 186 وراجع الطبعة المصوّرة، ص 181أ في باب الجبر والتفويض وص184ب و198ب و231أ و233ب و242أ.

[الصفحة - 126]


والذي في عدوّنا فهو فينا». وما دامَ التخاصمُ بين الحقِّ والباطل، والمحقِّ والمبطل موجوداً كان ذكر التضاد والتقابل جارياً على لسان النبوّة» (51).
ثم بعد ذلك يتكلم حول عالم الخلق والأمر، والذي يمكن مشاهدته في كثيرٍ من كتب الإسماعيلية(52). ويقول في هذا المجال:
«وأمّا قاعدة الخلق والأمر فهي في علم القرآن أساس كل حكم مفروغ ومستأنف، ومتضاد ومترتب، والمبدأ والمعاد» (53). فالشهرستاني يعتقد أن الأسماء الإلهية متجلّية في ذات الأشخاص، وأن الرحمة الإلهية ظاهرة ومتشخصة في نبي الإسلام (54). ويعتقد أن للحروف والأعداد أسراراً خاصة (55)، وأن العقل مصدور من فيض الأمر، وأن النفس الكلية متحققة من تلاقي وامتـزاج الأمر والعقل (56)، وأنّ العقل الأوّل هو قلم القرآن، وأنّ النفس هي لوح القرآن(57).
وأن آدم (عليه السلام) هو صاحب الدور الأوّل من أدوار الكشف، وأمّا صاحب الدور الأخير الذي لم يظهر بعد (58)، فيراه في غاية القوة.
ثم يحمل على أهل السنة والشيعة المنتظرين، ويقول:
«إن إبليس لم يعتقد كما اعتقد أهل السنة والشيعة المنتظرون بوجود إمام حيّ حاضر قائم، ولكن اُقسم بالله إنه يوجد في الأرض عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون... وأن طاعتهم وتوكلهم وسجودهم وقولهم هي الطاعة والسجود والتوكّل وقول الله تعالى...» (59).
ويعتقد الشهرستاني أنّ بين الصابئة والحنفاء يوجد تضاد وتقابل، بحيث أنه في كل مرحلة يظهر بشكل خاص (60)، كما يعتقد أن دور الأنبياء هو دور معرفة الكافر من المسلم، ولكن المنافق يبقى مستوراً في هذه الأدوار. ويعتقد أن النبي صاحب التنـزيل، وأن المؤمنين بدعوته ورسالته هم المستجيبون (61). وأن الوصي هو صاحب التأويل (62)، وهو الذي يعرف المؤمن من المنافق، وأن النبي يدعو المستجيبين لنفسه، والوصي يجلس في بيته (63).
ويطلق الشهرستاني على أُمّة النبي اسم الأُمّة القاصدة، وعلى دعوته الدعوة الهادية، ويعتقد أن مَثَل عليّ مثل ذلك الحجر الذي انفجرت منه بمعجزة موسى (عليه السلام) اثنتا عشرة عينا (64).
________________________________________
(51)مفاتيح الأسرار، ج1، ص187.
(52) بحث عالم الأمر والخلق مبحوث في كتب الإسماعيلية بعنوان عالم الإبداع والعقل والنفس والسابق والكلمة، راجع: الإصلاح، ص34 وما بعدها؛ والرياض، ص53 ــ 111؛ وراحة العقل المقدمة، ص34 و157؛ وزهر المعاني للداعي إدريس، ص43.
(53)مفاتيح الأسرار، ج1، ص189.
(54)المصدر السابق، ج1، ص236. وكذلك في الطبعة المصوّرة، ص335ب و278أ و323أ و413 أ وب و420أ.
(55)المصدر السابق، ج1، ص253، وفي الخطيّة، ص47 أ وب و50أ و46أ و183أ.
(56)المصدر السابق النسخة الخطية، ص48أ و231أ؛ وراجع: راحة العقل، ص35.
(57)المصدر السابق، ص106ب و48أ؛ وراجع: راحة العقل، ص155 و171 و205 و212.
(58)المصدر السابق، ص111أ و394أ. وقارن ذلك مع سرائر وأسرار النطقاء لجعفر بن منصور المين، ص13 و57 و67 و167.
(59)المصدر السابق، ص121 ب.
(60) المصدر السابق، ص147 أ وب و169 ب و170ب و242ب و255 أ و256أ وب. وقارن ذلك مع عقائد النسفي وأبي حاتم الرازي في كتاب تاريخ وعقائد الإسماعيلية لفرهاد الدفتري، ص273.
(61) المستجيب هي آخر مرحلة من مراحل الدعوة الإسماعيلية التي تطلق على أتباعهم، والشهرستاني يسمّي أتباع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بالمستجيبين. مفاتيح الأسرار النسخة الخطية، ص234 ب و235 أ و314 ب و371ب.
(62) يقول جعفر بن المنصور المين في كتاب الكشف، ص73 و97: إن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) صاحب التنـزيل، وعليّ صاحب التأويل الذي يمنح الروح في الأجسام، وعنده علم الظاهر والباطن. وكذلك راجع: مفاتيح الأسرار النسخة الخطية، ص336أ.
(63)مفاتيح الأسرار النسخة الخطية، ص152أ.
(64) حسب نظرية الإسماعيلية أن العالم اثنتا عشرة جزيرة، ولكل جزيرة داعي، وسمّوا دعوتهم بالدعوة الهادية. راجع: تاريخ وعقائد الإسماعيلية لفرهاد الدفتري، ص11 و259؛ والمقالات والفرق للأشعري القمي، ص84؛ وفرق الشيعة للنوبختي، ترجمة جواد مشكور، ص109؛ ومفاتيح الأسرار النسخة الخطية، ص163 أ و332ب.

[الصفحة - 127]


ويعقتد أنّ والدّي الإنسان هما والدَي عالَم الخلق، واستناداً لحديث «أنا وأنت يا عليّ أبوا هذه الأُمّة» يعتبر أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) والإمام عليّاً (عليه السلام) والدا عالم الأمر(65).
ويعتقد أن مستحقي الإحسان {وبالوالدين إحساناً} هم أصحاب الكساء (66).
ويعتبر الشهرستاني أن الأدوار السبعة في الشرائع شبيهة بأدوار الجنين، وبأن آدم هو السُلالة، ونوحاً هو النطفة و... أن النبي خلق آخر، والذي دوره الأوّل هو دور الكشف والقيامة (67).
ويعتبر أن المساجد رجال معينون، وكما أن المساجد تتفاضل بينها الأشرف فالأشرف، فإن الرجال أيضاً عندهم الأشرف فالأشرف إلى أن تصل إلى عبدالله، وهو الإمام الذي يتوجّه إليه الجميع(68). في حين أن عبدالله هذا من هو؟ أهو النبي، عليّ، إسماعيل، محمد بن إسماعيل، عبيدالله المهدي، المهدي الناطق السابع؟ لا نعلم.
إن الله فوق التصوّر والعقل والفكر، وغير قابل لوصفه بالألفاط، ولا يجوز إطلاق الوجود عليه(69).
ويعتقد في باب القضاء والأمر، أنّهما صدرا من لفظة: «كُن»، وهما المفروغ والمستأنف (70). وتأويله للقيام والركوع والسجود عين تأويل ناصر خسرو في كتاب وجه الدين (71).
ويعتقد أن مراتب الدعوة هي النبوّة، والوصاية، والإمامة، وهي متحدة مع أبحاث الناطق، والأساس، والإمام المستقر عند الإسماعيلية (72).
والشهرستاني يتابع الإسماعيلية في النفس النامية النباتية، والناطقة، ويعتقد أنّ الحياة الروحية للنفس الناطقة متوقفة على العلم والمعرفة في عالم الأمر والكلمة (73).
وهو يؤوّل الحجّ بالنبي، والعمرة بالوصي، والصفا والمروة بإعلان دين النبي، ويعتبر أن عليّاً في الصفوة مثل الصفا، وفاطمة في المروّة مثل المروة (74).
ويعتبر أن شعائر الحج رجال (75)، ووزان السماوات السبع أشخاص.
ويعتقد أن الأدوار السبعة وأقاليم الأرض السبعة هي أصحاب الوصايا السبعة (76).
وهو يعتقد أن البرّ شخص معيّن (77). وأنّ عليّاً باب الأبواب (78). وأن مخزن التأويل الخالص من الشوائب هو عند أوصياء الأنبياء (79).
________________________________________
(65)مفاتيح الأسرار، النسخة الخطية، ص194ب.
(66)المصدر السابق، ص277ب و194ب، والشهرستاني يُظهر في ستة مواضع من كتابه هذا احترامه للسيدة فاطمة الزهراء.
(67) المصدر السابق، ص221 أ وب و243أ، وقايسه مع زهر المعاني للداعي إدريس عماد الدين القرشي، ص106 و111 باب13، تحقيق مصطفى غالب؛ وأيضاً مع الجداول، ص482.
(68)مفاتيح الأسرار، ص227ب و242ب، وقايسه مع الكشف، ص63. فالمساجد هم الأئمة والنطقاء، ومعمّر المساجد هو الناطق القائم.
(69) مفاتيح الأسرار، ص232أ؛ وكذلك راجع: راحة العقل لحميد الدين الكرماني، ص171 و176 و131، ويعتقد الشهرستاني أن الله فوق المتضادات والمتقابلات كما يعتقد الكرماني؛ وكذا ص 398 أ وب النسخة الخطية.
(70) مفاتيح الأسرار، ص233ب. وحول أمر الله «كن» راجع: خوان الإخوان لناصر خسرو، ص210 و211؛ والمجالس المؤيديّة المجلس الثامن، ص35 نقلاً عن محمد كاظم شاكر في كتاب أساليب تأويل القرآن، ص147.
(71)مفاتيح الأسرار، ص247أ، وقارن مع كتاب وجه الدين، ص171 وكلاهما أرادا منه شخصاً معيناً.
(72)المصدر السابق، ص252أ، وقارنه مع القصيدة الشافية لداعٍ مجهول، ص43 و52 و63 و80 و98.
(73)المصدر السابق، ص275ب، وقارنه مع كتاب راحة العقل، ص417 وإلى آخر الكتاب.
(74)المصدر السابق، ص280أ و262أ و281ب، ويعتقد أن الصراط المستقيم رجل خاص. قايسه مع كتاب وجه الدين، ص228 وما بعدها.
(75)المصدر السابق، ص281ب، وقارن مع كتاب وجه الدين، ص232.
(76) المصدر السابق، ص286ب، وقارن مع الجداول، ص256 و244 و275؛ وراحة العقل؛ وزهر المعاني، ص71 ــ 83 و111 وما بعدها؛ ومقدمة الدكتور مشكور علي، محقق فرق الشيعة للنوبختي، ص259.
(77)مفاتيح الأسرار: ص323أ.
(78) المصدر السابق نفسه، وقارن مع تاريخ الإسماعيلية لعارف تامر، ج1، ص124؛ تاريخ وعقائد الإسماعيلية، ص261 و262 الذي اعتبر باب الأبواب لقب الحجّة لا الإمام.
(79)المصدر السابق، ص375أ.

[الصفحة - 128]


وأن طالوت هو الإمام المستودع لا المستقر (80).
وهو في موضع في جواب الغزالي الذي يعتبر أن التقليد المحض قبيح، ويعتقد أن تقليد الإمام والحجّة هو تقليد عن بصيرة (81).
كانت هذه خلاصة للمباحث التي سلك فيها الشهرستاني في كتابه مفاتيح الأسرار على طريقة الإسماعيلية، وأعمل فيها التأويل.
الخاتمة
في ضوء ما تقدم من المعلومات، فقد ظهر أن الشهرستاني كان في أيّام حياته متّهماً بتعاطفه وارتباطه بأهل القلاع (الإسماعيلية)، واستلهم من أفكارهم وتفاسيرهم الباطنية في مصنفاته ومواعظه ومجالسه، ويبدو أنّه لم يكن يأبه كثيراً بالجو العام آنذاك، والذي كان شديد العداء للإسماعيليين وأهل القلاع، إذ كانوا يعتبرونهم ملاحدة الإسلام. ولعله لأجل هذا اُخرج من المدرسة النظامية ببغداد بعد ثلاث سنوات من الوعظ والإرشاد فيها (82). ولعله لهذا السبب أيضاً كان مقرباً من نقيب ترمذ الشيعي المذهب.
ونظراً لسلوك الشهرستاني في مصنفاته وأقواله، فقد اُحيط مذهبه بهالة من الإبهام والغموض.
فهو يؤيّد أهل السنّة، ولا ينتقد رواياتهم وعقائدهم، وحتى بالنسبة إلى الأحاديث الموضوعة عندهم لم يبد أيّ اعتراضٍ، وكان يحترم الخلفاء الثلاثة، ويعتقد أنّهم على حق، ويؤيّد أحاديث فضائلهم، ويعتبرهم خلفاء ظاهرين. وبالنسبة إلى الصحابة فنظرته إليهم مثبتة، ويعتقد أنهم مرضيون عند الله، وينقل خبر العشرة المبشرة، ويقول: إنَّ طلحة والزبير وعائشة قد تابوا، وفي أمثال هذه المسائل يتابع مسلك أهل السنة؛ ولكنه يعتبر بأنّ أولئك الذين حاربوا عليّاً من الناكثين والقاسطين والمارقين وبني اُميّة وبني العباس منافقون وولاة ظلم.
وللشهرستاني عناية تامة بأهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً بالإمام عليّ بن أبي طالب(83)والإمام الصادق (84)(عليهما السلام)، فهو في هذه المسألة يفكر كما يعتقده الشيعة، ويعتقد أنّهما عالمان بالأسرار ومطّلعان على الغيب والشهادة، ويكنّ احتراماً زائداً عن
________________________________________
(80)المصدر السابق، ص393 أ، وفي كتاب القصيدة الشافية لم يعتبر طالوت في ضمن الأئمة المستقرين أو المستودعين.
(81) المصدر السابق، ص432أ، وقارن ذلك مع كتاب الفرقة الإسماعيلية لهاجسن، ترجمة بدره اي، ص251 ــ 260 مبحث دفاع الغزالي عن نظرية أهل السنّة في موضوع التعليم؛ وكذلك كتاب المنقذ من التقليد، ترجمة آئينه وند، ص40 ــ 46: كلمات في مذهب التعليم.
(82) راجع: المدارس النظامية وتأثيراتها لنور الله الكسائي، ص126 و182، فقد كتب يقول: لقد أدى إخراجه من المدارس لمجرد اتهامه بأنه على مذهب غير مذهب الشافعي الأشعري، وذلك كما جرى لأُستاذ الأدب فصيحي الأسترابادي، والذي اُخرج لمجرد اتهامه بالتشيّع.
(83)باحترام متزايد وإجلال تحدّث عن الإمام عليّ (عليه السلام) أكثر من ثمانين مرّة في مفاتيح الأسرار، وفي كتبه الأُخرى لـه مسلك جميل بالنسبة لأهل البيت.
(84)في مفاتيح الأسرار نقل أسراراً عن الإمام الصادق (عليه السلام) أكثر من عشرين مرّة.

[الصفحة - 129]


الوصف لأهل الكساء. وعليه، وبالنظر إلى هذين المطلبين يمكن القول: إنّه سنيُّ وشيعي من حيث الأفكار، ولكن بالنظر إلى معنى المصطلح اليوم، فهو لا شيعي ولا سني ولا أشعري ولا إسماعيلي، توضيحه أنّ حول مذهب الشهرستاني توجد أربع نظريات.
الأُولى: أنّه في الباطن ينتمي إلى الإسماعيلية، ولكنّه يتّقي ويتظاهر بالمذهب الأشعري والشافعي في الفترة التي كان يرتقي فيها منبر الوعظ من قبل الدولة، وكان يكتب في دواوينهم، ولذا كتابه في الملل والنحل، ونهاية الإقدام كتبها على هذه الطريقة والظاهرة.
ولمّا تنحّى عن وظائف الدولة ولزم بيته، كتب تفسيره الباطني. ولكن هذه النظرية غير مقبولة، نظراً للمطالب التي نقلناها من الملل والنحل، ومصارعة الفلاسفة، والمطالب التي فيها رائحة السنيّة في مفاتيح الأسرار، والمطالب القويّة التي طرحها في التفسير الباطني في مجلسه المدوّن والذي انعقد في خوارزم، وأيضاً التأويلات الباطنية في مفاتيح الأسرار، هذه كلها تجعل من القول بالتقية بلا معنى، إذ لا يمكن القول أنه كان في الباطن إسماعيلي، ومتظاهر بأنه أشعري. وهناك عدة ترى العكس من ذلك، فكما أنه في أول أمره كان إسماعيلياً؛ لكنه في النهاية أصبح أشعرياً، وهذا ما بيناه تفصيلاً فيما مضى.
الثانية: أنّه كان من طلاب الحقيقة، ولا يبتغي غير الحق. وكان يرى أن الحق والحقيقة أقرب للشيعة من أهل السنة، وأن ميله لأهل البيت (عليهم السلام) أكثر من ميله للصحابة، ولكنّه في الوقت نفسه يولي احتراماً خاصاً للصحابة.
ولكن لمّا كان عصر الشهرستاني متقارن مع استتار أئمة الإسماعيلية والاثني عشرية معاً. ولم يكن بميسوره الوصول إلى الحقيقة الحقّة، ومثله مثل الغزالي في كتابه المنقذ من التقليد، والفخر الرازي في تفسيره الكبير الذي أبدى فيه موقفاً إيجابياً من أهل البيت، واعتبر الاقتداء بعليّ الوصول إلى الهداية (85).
كان طالب حقّ، ولكنه لمّا لم يعثر على الحقيقة، طرق مسلك الأساطير والخرافات. وعليه، فمثل هؤلاء الأفراد، ومع جميع أخطائهم، يجب أن يعتبروا جزءاً من السنة المتشيعة، الذين كانوا يبحثون عن الهداية، ورغم أنهم وجدوا الحقيقة أم لم
________________________________________
(85)محمد جواد يزدي، رسالة حول شبهات التفسير الكبير على مسألة الإمامة، ص55. وراجع التفسير الكبير، ج1، ص205 و207 وج32، ص124.

[الصفحة - 130]


يجدوها. فعلى كل حال، الهداية وتقييم الأعمال والعقائد بيد الله سبحانه.
الثالثة: هو عالم غير متأثّر بالتقليد والانتماء إلى مذهب خاص، ولا يرى لنفسه التقيّد بمذهب خاص، ويرى نفسه أعلى شأناً من أن يحدّه مذهب واحد. وكل ما كان يراه صحيحاً فهو الحق عنده ويجب اتّباعه، والشهرستاني لمّا كان لـه أساتذة من الأشاعرة والشافعية والإسماعيلية، فطبيعي أن يحصل لـه تعاطف وميل نحوهم.
فلو كان لـه أساتذة من الصوفية أو الإمامية، أو من غيرهم، لوجدنا لـه نـزعة وانعطافاً نحو هؤلاء؛ ولكن الشهرستاني هو صاحب الملل والنحل وجملة من عقائد المذاهب الأُخر. في حين أنه لم يكن لـه اُستاذ، وإنما عقائده أخذها من الكتب كالملل والنحل.
الرابعة: في ضوء نظريته في الحكم المستأنف والمفروغ يمكن القول: بأنه استطاع أن يجمع بين وجهتي نظر الشيعة وأهل السنة، وأنه معتقد أن خلافة أبي بكر خلافة ظاهرية مقبولة، والتي لاقت من الكثير نسبياً من الصحابة القبول أو السكوت، وهي من الاحكام المستأنفة، والظاهرية، والتنـزيلية، وأنّ الإمامة والولاية الباطنية مختصة بأهل البيت (عليهم السلام) وهي حكم مفروغ، وتأويل وباطن.
ويعتقد أن الشخص صاحب التأويل لا ينبغي لـه أن يخرج من بيته ويقاتل من أجل خلافة ظاهرية، وأن أهل البيت (عليهم السلام) قاموا بواجبهم من إظهار الباطن، والتأويلات وتبليغها لطالبيها(86).
وإذا نظرنا إلى كتب الشهرستاني بهذا المنظار، فلا نجد اختلافاً وتناقضاً في عقيدته ومطالبه، فهو يتّبع عقائد أهل السنّة، كما يتّبع عقائد الشيعة، ويرى أنه يمكن الجمع بين الاثنين.
وهذا هو رأي كاتب هذه السطور.
في الختام يجب التأكيد على أمرين:
الأول: لو أن التاريخ قدّم لنا مفاتيح الأسرار ومصارعة الفلاسفة والمجلس المكتوب بدلاً من الملل والنحل ونهاية الإقدام المشهورين والمعروفين لدى العام والخاص؛ لكان لزاماً علينا اليوم أن نجد أدلة من الملل والنحل ونهاية والإقدام لإثبات أنه أشعري.
الثاني: لا ينبغي قبول كل حكم ونسبة يذكرها بعض الكبار وأهل الفهارس والرجال، أمثال ابن خلّكان والسمعاني وغيرهما دون تحقيق. ومع الأسف أنّ أكثر مؤلفينا وأصحاب الفهارس والتراجم بمجرد ذكر نسبة في أحد الكتب، يتأثّرون بها وتقع عندهم محلّ قبول، وينقلوها في كتبهم من دون تحقيق في صحتها وفسادها، وهذا سبّب في إيجاد الترديد في صحة النسب التي تنقل في هذه الكتب.
* * *
________________________________________
(86)مفاتيح الأسرار الطبعة المصورة، ص152أ.

[الصفحة - 131]