البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمامة وأهل البيت (عليهم السلام) في الفكر المعتزلي الجاحظ أُنموذجاً

الباحث :  د. جعفر دلشاد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  44
السنة :  السنة الحادية عشر شتاء 1427هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  239
الإمامة وأهل البيت (عليهم السلام) في الفكر المعتزلي
الجاحظ أُنموذجاً

د. جعفر دلشاد (*)

تمهيد
منذ زمن بعيد وأنا مولع بمطالعة مؤلفات الجاحظ، هذا الكاتب القدير، الذي استطاع أن يخلّد اسمه في الأدب العربي وتاريخه. واليوم وبعد مضي 1170 عاماً على وفاة هذا العالم النحرير، ما زالت مؤلفاته حيّة بين الأوساط العلميّة والأدبيّة، لا يستغني عنها كل أديب وكاتب، خاصة كتبه المشهورة جداً كالبيان والتّبيين، والحيوان، والبخلاء، فضلاً عن كتبه الأخرى، ويقال: إن ما تركه الجاحظ من كتب ورسائل ينيف على مئة وسبعين كتاباً، فهي موسوعة علميّة وأدبيّة كاملة، وهي خير مثال للثّقافة العربيّة والنّضج الفكري والعلمي، وللأدب البليغ والأُسلوب الإنشائي الرفيع، ولا تزال بعض آثاره مخطوطة في خزائن الكتب بين الشرق والغرب (1).
وخلال مطالعتي كتابه الثمين «البيان والتبيين» ظفرتُ ببعض الفقرات لأئمة الشيعة؛ كالإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأولاده الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر سلام اللـه عليهم جميعاً، فآليت على نفسي ألا أترك هذه الفرصة، فرصة التنقيب عن كلام أهل البيت (عليهم السلام) في هذا السفر الجليل، فساعدني الحظ أن أستقرئ جميع المجلدات الأربعة، فاستخرجت ودونت ما عثرت عليه من كلامهم (عليهم السلام).
وخلال متابعتي لآثار الجاحظ وجدت بعض المؤرخين يشيرون إلى رسائل وكتب لم تطبع بعد؛ منها:
1 ــ كتاب الإمامة على مذهب الشيعة.
2 ــ كتاب الدلالة على أن الإمامة فرض.
________________________________________
(*)باحث من إيران.
(1)يراجع مقدمة كتاب الحيوان ومعجم الأُدباء.

[الصفحة - 247]


3 ــ رسالة في تفضيل بني هاشم على من سواهم.
4 ــ رسالة في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
ويبدو أنّ العنوان الأول والرابع هو واحد، وبعد محاولة جادة استطعت أن أحصل على العنوان الأخير، وقد نشرها الأُستاذ المرحوم الدكتور مصطفى جواد لأول مرة في مجلة (لغة العرب)(2)قبل أربعين عاماً، وسيأتي نصّها كاملاً إن شاء اللـه.
وأثناء دراستي لـهذه الشخصيّة الفذّة عثرتُ على هذا العنوان: «مئة كلمة للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)» وهي التي جمعها الجاحظ، فصرت أبحث عنها، فإذا هي تُشْرَحُ ويُعَلِّقُ عليها علماء واُدباء من بلاد العرب وبلاد فارس، وقد تضمنت أبياتاً عربية وفارسيّة، فحاولت أن أستقصي ما كُتب في هذا الشأن، فدوّنت ما تيسّر مشاهدته في هذا المقال.
حياة الجاحظ ومكانته العلمية
هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي بالولاء، ولد في مدينة البصرة حوالي عام 160 للـهجرة / 775 للميلاد، وتوفي بها عام 255 للـهجرة / 868 للميلاد. كان يُعرف بالجاحظ لجحوظ عينيه. بلغ الجاحظ من الذكاء وقوة التفكير ما جعلـه من كبار أئمة الأدب. نشأ في البصرة، وهي آنذاك آهلة بالأدباء والنّحاة وأصحاب اللغة فنبغ في كل ذلك. وعندما بلغ خبره المتوكل، وكان يبحث عن معلم يؤدب ولده، استقدمه إليه في مدينة «سُرّ من رأى» بالعراق، فلما رآه استبشع منظره، فأمر لـه بعشرة آلاف درهم وصرفه.
كان قد اشتهر صيته في العالم الإسلامي آنذاك، فتهافت الناس لمشاهدته والسّماع منه. فلا يمر أديب أو عالم بالبصرة إلاّ طلب أن يرى الجاحظ ويكلمه.
كان الجاحظ من فضلاء المعتزلة، وهم جماعة من مفكري ذلك العهد. طالع الجاحظ كثيراً من كتب الفلاسفة، ولـه مؤلفات كثيرة، طبعت معظمها (3). وبقيت بعضها لم تر النور ولم تنشر حتى الآن(4).
«اختلف المؤرخون والنقاد في أصل الجاحظ، فذهب بعضهم إلى أنه من أصل عربي، وذهب البعض الآخر إلى أنه من العناصر الإفريقية التي تداخلت في العنصر
________________________________________
(2)الجزء السابع، السنة التاسعة، ص497.
(3)اُنظر زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، منشورات مكتبة دار مكتبة الحياة ــ بيروت، بدون سنة الطبع ج1، ص474 ــ 477.
(4)اُنظر جبر، جميل، الجاحظ في حياته وأدبه وفكره، دار الكتاب اللبناني، 1974، ص68 ــ 70.

[الصفحة - 248]


العربي؛ والفريقان ينسبانه إلى كنانة أصيلاً أو مولى» (5).
«ويقال: أنه كان يعرف الفارسيّة. وكان مولعاً بالكتاب، يكثر من مطالعة المؤلفات الفكريّة والفلسفيّة» (6).
«وما أن كان القرن الثالث الـهجري حتى استوت لـه شهرة كبيرة بين كتّاب عصره، وترامت تلك الشهرة إلى اُذن المأمون، وقد قرأ للجاحظ كتاب «الإمامة» واُعجب به، فاستقدمه وسألـه أن يكتب لـه رسالة في العباسيّة والاحتجاج لـها، وأقامه على ديوان رسائلـه، غير أن الجاحظ لم يمكث فيه سوى ثلاثة أيام، وكأنّه لم يستطع الخضوع لنظم الدواوين وما يقتضيه سير العمل» (7).
تعتبر مؤلفات الجاحظ دائرة معارف أو موسوعة علميّة أدبيّة؛ لأنه استطاع أن يجمع فيها كل ما دُوّن في الأعوام التي سبقته، وقيل: لو لم تكن هذه الموسوعة لظلّ مكانها خالياً في فهم القرون التي خلت (8).
كان الجاحظ يتمتع بقوة ذكاء عجيبة وحافظة قويّة، مما أدت إلى شهرته عالمياً، فإنه فضلاً عن اطّلاعه الواسع على العلوم العربية، كالتاريخ والتفسير والأدب و... كان يعيش في مركز الخلافة العباسية آنذاك، بغداد، وقد عُرف عصره بعصر الترجمة، فقد تُرجمت كتب كثيرة في تلك الفترة من اللّغات اليونانية والـهنديّة والفارسية إلى اللغة العربيّة (9).
جعل الجاحظ العقل حكماً سامياً في النظر إلى شؤون الحياة، ولعل الحافز الأصلي الذي حملـه على إنـزال العقل هذه المنـزلة، هو إدراكه البون الشاسع بين المستوى الثّقافي لدى الخاصة من الناس والمستوى الذي عليه عامّة الناس، وهل غير العقل يستطيع أن يقضي على الرجعيّة الفكريّة التي تلازم معظم العامة من تقاليد بالية وخرافات وجهل؟
لقد كان الجاحظ على اعتقاد أن الإنسان كلما تقدم في انتهاج أساليب المنطق، وتفهم الدين على حقيقته، فإنه ستزدهر الفضيلة لديه، وسيترقى المجتمع رقيّه المنشود؛ لأن الفضيلة هي الأساس والركيزة في المجتمع، ولم يتحقق هذا الأمر إلاّ بالعقل، فكل أمر يصدّ العقل عن إشراقة الحقّ ليس إلاّ وهماً أو
________________________________________
(5)الفاخوري، حنّا، تأريخ الأدب العربي، الطبعة السادسة ــ بيروت، بدون سنة الطبع، ص559.
(6)المصدر السابق، ص561.
(7)المصدر السابق نفسه.
(8)اُنظر الحاجري، طه، الجاحظ حياته وآثاره، الطبعة الثانية، دار المعارف بمصر ــ القاهرة 1969، ص37.
(9)اُنظر شلحت، فيكتور، النـزعة الكلاميّة في اُسلوب الجاحظ، الطبعة الثالثة، دار المشرق ــ بيروت 1992، ص22.

[الصفحة - 249]


هوى. فالعقل وحده يميّز بين الخير والشرّ، ويوفّر لـه النموّ المتزن، فالعقل في الإنسان هو الجوهري والأفضل، غير أنه مغمور بمعطيات الحسّ ولا بدّ من تحريره أولاً (10).
منزلة الجاحظ
إذا كان عبدالحميد الكاتب وابن المقفّع يعدّان رأس المدرسة النثريّة الأُولى، فإن الجاحظ يُعدّ رأس المدرسة النثرية الثانية في الأدب العربي، فاُسلوب المدرسة الثانية يمتاز بنـزعة إلى الملائمة لتقدّم الحضارة، وميل إلى الإسهاب، ورجوع إلى العرب والاستقاء من ينابيع أدبهم، كي تتماشى مع المدنيّة والثقافة، وانتهاج المنطق إذا دعت إليه الحاجة (11).
كان الجاحظ يمثّل حريّة الفكر لعصره، ومثّل الجاحظ أيضاً في آثاره تشعّب الحركة الفكريّة، واتّساع آفاق المعرفة آنذاك، وكذا البحث العلمي المؤسَّس على العقل، وقد حظي من كل علم بطرف حتى إنه خاض في أبواب مختلفة كعلم الاجتماع، والأخلاق، والتربية والتعليم، والطبيعة وفلسفة اللّغة وما إلى ذلك (12).
«ومهما يكن من أمر ففضل الجاحظ على الأدب العربي فضل جمّ، فقد قرّب الفلسفة والعلوم إلى كل ذهن، وصاغها صياغة أدبيّة مزج فيها كلام أرسطو بأشعار الجاهليين، وأقوال الفلاسفة بأقوال الأُدباء، وجعل اللّغة العربيّة لغة الحياة التي تنطق بكل علم وتعبّر عن كل فن» (13).
شخصيته الثقافية
كان الجاحظ ذكيّاً غريب الذكاء، محبّاً للمطالعة حتى قال أبو هفّان: «لن أرى فقط، ولا سمعت من أحبّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلاّ استوفى قراءته كائناً ما كان، حتى أنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها للنظر» (14).
«فهو صاحب فئة من كتّاب العرب ومترجمي الفرس، فنقل عنهم واستفاد منهم، واُغرم بالمطالعة إغراماً شديداً فلم يقع في يده كتاب إلاّ استتم قراءته،
________________________________________
(10) اُنظر الجاحظ في حياته وأدبه وفكره، مصدر سابق، ص142 ــ 143؛ نقلاً عن كتاب (التربيع والتدوير)، على هامش الكامل للمبرد، ج1، ص43؛ وكذا كتاب الحيوان للجاحظ، ج1، ص207.
(11)اُنظر الفاخوري، تاريخ الأدب العربي، مصدر سابق، ص548.
(12)المصدر السابق نفسه.
(13)المصدر السابق، ص 586.
(14)المصدر السابق، ص563.

[الصفحة - 250]


واستوعب مادته، وكان يكتري حوانيت الورّاقين ويعتكف فيها للدرس والمطالعة حتى أحصى مسائل العلوم، واستبطن دخائل الفنون، وأصبح في الأدب منقطع القرين» (15).
«وبحسبنا أن نقول: إنّه تميّز من أنداده بغزارة العلم، وقوة الحجة، واستقصاء البحث، وشدة العارضة، وبلاغة القول، وإنه تبحّر في علم الكلام وخلطه بفلسفة يونان، وانفرد دون المتكلمين بمذهب التوحيد، شايعه عليه كثير منهم فسُمّوا بالجاحظيّة، وشارك في سائر العلوم وكتب فيها كتابة محقّق ضليع. وهو أول عالم عربي جمع بين الجدل والـهزل، وتوسّع في المحاضرات، وأكثر من التّصنيف، وكتب في الحيوان والنّبات والأخلاق والاجتماع» (16).
كما كتب الجاحظ في موضوعات مختلفة: الفلسفة، التاريخ، الجغرافية، العقائد.
كانت مؤلفاته موسوعة جمعت الثّقافات القديمة وثقافات العصر العباسي، فمن أشهر كتبه: الحيوان، البخلاء، والبيان والتّبيين، أما كتابه (الحيوان) فهو كتاب علم وتأريخ وأدب، وكان الأول من نوعه عند العرب. أما كتابه (البخلاء) فقد وضعه طلباً للمنفعة العامة، وبه تظهر مقدرة الجاحظ في النفوذ إلى زوايا النفس البشريّة. وأما كتابه (البيان والتبيين)، فهو كتاب أدب وضعه في أواخر أيامه لتنشئة الكتّاب على الأساليب القويمة. يعدّ هذا الكتاب اُولى المحاولات للتّصنيف في علوم البلاغة، ويعدّ أيضاً مصدراً من مصادر تاريخ الأدب العربي، ويمتاز بنظرات قيّمة في النقد (17).
فالجاحظ دائرة واسعة للمعارف، وأديب جعل العلم مادة لأدبه، يعنى بألفاظه ومعانيه، ويتطلب الحقيقة بكل قواه.
البصرة وبغداد ومكانتهما العلمية
أما مدينة البصرة التي ترعرع فيها الجاحظ فقد كان ولا يزال موقعها الجغرافي الممتاز على مفترق طرق المواصلات البريّة والبحريّة والنهريّة، مما جعلـها تغصّ بالسّكان من كل جنس ولون، من عرب وغير عرب. وفضلاً عن أنّها كانت مركزاً تجارياً، فقد كانت مركزاً ثقافيّاً مهماً، موطناً للتّفكير المنطقي. ففيها ظهرت المدرسة القدريّة التي أكملتها المعتزلة، وفيها أيضاً ظهرت مدرسة اللّغويين التي اعتمدت
________________________________________
(15)الزّيّات، أحمد حسن، تأريخ الأدب العربي، الطبعة السادسة والعشرون، دار الثقافة ــ بيروت، بدون سنة طبع، ص230.
(16)المصدر السابق، ص231.
(17)اُنظر الفاخوري، حنّا، الجامع في تأريخ الأدب العربي، دار الجيل ــ بيروت، الطبعة الأُولى 1986، ص551 ــ 552.

[الصفحة - 251]


الاستقراء الأُسلوبي والقياس، فكان من ثمارها «كتاب سيبويه»، و«العين» للخليل بن أحمد، و«البيان والتّبيين» للجاحظ (18).
وقد دأب بعض المؤرخين على تسمية العصر العباسي زمن المأمون بالعصر الذهبي للحضارة العربيّة، فصهرت هذه الحضارة في بوتقتها خلاصة الحضارات القديمة وأعطتها طابعاً خاصاً من أهم مزاياه هي حرية الفكر، ونهضة الآداب والعلوم والفنون (19).
كانت البصرة حينئذٍ أهم مراكز الثّقافة قبل ازدهار بغداد، فكانت مساجدها ملتقى العلماء والأدباء والشعراء والنّحاة، وكان اتصال الجاحظ وثيقاً بهؤلاء، إلاّ أن آفاق البصرة على رحبها لم تكن لتكفي أبا عثمان، فانصرف عنها إلى بغداد، عاصمة العالم الإسلامي في ذلك العصر، حيث كان يؤمها نخبة المفكرين حتى صارت مركزاً علمياً بارزاً، فضلاً عن كونها كانت من أهم المراكز الاقتصادية في العالم.
وقد كان تساهل السلاطين العباسيين حافزاً للكتّاب أيّاً كان مذهبهم وأصلـهم على الإقامة فيها (20). وقد أفاد الجاحظ من وجوده في بغداد، فتابع درسه في مجالس أعلامها مثل أبي عبيدة(21)والأخفش (22)والأصمعي (23)وأبي زيد الأنصاري (24)والنّظام (25).
مئة كلمة للإمام علي (عليه السلام) جمعها الجاحظ
ولدى تتبعي لأخبار الجاحظ ومصنفاته في مختلف الكتب وفهارس مخطوطات المكتبات عثرت على عنوان جلب انتباهي، وهو: مئة كلمة للإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) اختارها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وبعد متابعتي لـهذا العنوان حصلت على معلومات لا يستغني عنها كل باحث ومتتبع لآثار الجاحظ منها:
قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ: كان الجاحظ يقول لنا زماناً: إنّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب مئة كلمة، كل كلمة منها تفي بألف كلمة من محاسن كلام العرب. قال: وكنت أسألـه دهراً بعيداً أن يجمعها لي،
________________________________________
(18)اُنظر الجاحظ في حياته وأدبه وفكره، مصدر سابق، ص8.
(19)المصدر السابق، ص15.
(20)المصدر السابق، ص19.
(21) أبو عبيدة (وفاته 209هـ)، هو الذي قال فيه الجاحظ: «لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم منه». تتجاوز تصانيفه المئة؛ منها كتاب الحمام، والحيّات، والعقارب، والخيل، والإبل والزرع وهي موضوعات عالجها الجاحظ أيضاً.
(22)أبو الحسن الأخفش (وفاته 215هـ)، من أكابر أئمة النحو في البصرة.
(23) الأصمعي (وفاته 216هـ)، هو صاحب لغة ونحو، وإمام في الأخبار والنوادر والملح والغرائب؛ جمع شتيت اللّغة في الشجر، والنّبات، والإبل، والشاء، والوحوش وغير ذلك.
(24) أبو زيد الأنصاري (وفاته 215هـ)، من أئمة الأدب، غلبت عليه اللغة والنوادر والغريب. كان ثقة في روايته. وقد ألّف في القوس، والترس، والإبل، والوحوش، وخلق الإنسان، والمطر، والنبات.
(25) أبو إسحاق النظّام (وفاته 221هـ)، من الموالي، تتلمذ للعلاف في الاعتزال، ثم انفرد عنه وكوّن لـه مذهباً خاصاً. كان آية في النبوغ حتى قال عنه الجاحظ: «الأوائل يقولون: في كل ألف سنة رجل لا نظير لـه، فان كان ذلك صحيحاً فهو أبو إسحاق النظّام، وقد أثّر النظام في الجاحظ من نواحٍ كثيرة. )الـهوامش نقلت من كتاب تاريخ الأدب العربي لحنّا الفاخوري، مصدر سابق، ص563 ــ 564(.

[الصفحة - 252]


ويمليها عليَّ، وكان يعدني بها، ويتغافل عنها، ضنّاً بها، قال: فلما كان آخر عمره أخرج جملة الكلمات المئة هذه ثم ذكرها (26).
ونظمها رشيد الدين الوطواط فجعل كل كلمة منها في رباعيّة فارسيّة وسمّى ذلك: «مطلوب كلّ طالب من كلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»، والوطواط هذا هو محمد بن عبدالجليل العمري البلخي المتوفى بخوارزم سنة 552 للـهجرة، وكان من أفاضل أهل زمانه في النّظم والنثر، وأعلمهم بدقائق كلام العرب وأسرار النحو والأدب، وكان كاتباً للسلطان خوارزم شاه الـهندي (27). ولرشيد الدين الوطواط شعر في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام):
لقد تجمع في الـهادي أبي حسن ما قد تجمع في الأصحاب من
ومما جاء في كتاب (تاريخ الأدب العربي) لبروكلمن (28): أمثال سيدنا عليّ (100) حكمة ومثل بالعربية والفارسيّة مع تفسير لرشيد الدين الوطواط، مع هامش مزدوج به أمثال وحكم عربيّة نشره وترجمه إلى الألمانية مع حواشي وتعليقات المستشرق فلايشر، طبعة ليبزج1827م.
ويوجد شرح لـهذه المجموعة بقلم حسين بن معين الدين الميبذي في المتحف البريطاني برقم 1665.
ويوجد شرح آخر لمحمد العمري في باريس برقم 2954.
وتوجد مجموعة رشيد الدين الوطواط أيضاً في أياصوفيا برقم 4165 / 4792، والسليمانية برقم 126/ ألف 125 و1028، وشرحها جمال خلوتي بعنوان «صد كلمه»، أياصفويا 4070.
أمثال سيدنا عليّ، ينسب جمعها إلى الجاحظ، كما روى ذلك ابن قتيبة في عيون الأخبار: كوبريلي 156، ومانشستر 147.
مئة من أمثال عليّ، نشرت في صيدا سنة 1341هـ، برلين 8856 ــ 8857، وتوجد مع ترجمة فارسيّة وشرح لمحمد بن محمد بن عبدالرشيد، برلين 8657.
كما توجد نسخة خطيّة في المتحف البريطاني برقم 208 لعارف الحسني، ونسخة اُخرى برقم 1665.
________________________________________
(26)الخوارزمي، المناقب، طبعة النجف الأشرف 1965، ص270.
(27)الحسيني، عبدالزّهراء الخطيب، مصادر نهج البلاغة وأسانيده، دار الأضواء ــ بيروت، الطبعة الثانية 1405هـ / 1985م، ج1، ص60 ــ 61 و72 ــ 83.
(28)المجلد الأول الصفحة 179.

[الصفحة - 253]


- وتوجد أيضاً تحت عنوان: المختار من كلام الجاحظ وحكم عليّ بمكتبة برلين (29).
- «(صد كلمه أمير المؤمنين) أولـها: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. وقد شرحها بالنظم الفارسي بعض الفضلاء لكل كلمة رباعيّة، وهو مطبوع مع (صد كلمه جاحظ») (30).
- وقد ذكر صاحب كتاب (الذريعة) المرحوم آغا بزرك الطهراني في كتابه هذا عنواناً آخر للمئة كلمة التي جمعها الجاحظ قائلاً:
«(مئة كلمة) من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) التي أصلـها جمع أبي عثمان الجاحظ العامي، أولـها: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. وقد طبعت بهامش كتاب «الشهاب» للشيخ يحيى البحراني 1322هـ» (31).
- كما أشار صاحب كتاب (الذريعة) أيضاً في كتابه هذا إلى شرح لـهذه المئة كلمة تحت عنوان:
«حكمة بالغة» ومئة كلمة جامعة في الأخلاق، شرح بالفارسية لمئة كلمة من الكلمات القصار المأثورة المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع الاستشهاد بالأشعار الفارسية الحكميّة للشيخ عباس القمي المحدّث المعاصر المتوفّى 1359هـ، وقد طبع بإيران في 1331هـ (32).
وللجاحظ وقفة وتعليق على كلمة من الكلمات القصار لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في كتابه «البيان والتبيين» ننقلـها نصّاً إتماماً للفائدة:
«قال عليّ بن أبي طالب رضي اللـه تعالى عنه: قيمة كلّ إنسان ما يحسن. فلو لم نقف من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة، لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة على الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية، وأحسن الكلام ما كان قليلـه يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكأنّ اللـه عزّ وجلّ قد ألبسه من الجلالة وغشّاه من نور الحكمة على حسن نيّة صاحبه، وتقوى قائلـه، فإذا كان المعنى شريفاً، واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع، بعيداً من الاستكراه، ومنـزهاً عن الاختلال، مصوناً عن التّكلّف، صنع في القلب صنيع الغيث في التّربة الكريمة، ومتى فصّلت الكلمة على
________________________________________
(29)زيدان، جرجي، تأريخ آداب اللغة العربيّة، مصدر سابق، ج2، ص477.
(30)الطهراني، آغا بزرك، الذريعة في تصانيف الشيعة، طبعة إيران 1389هـ، ج15، ص20.
(31)المصدر السابق، ج19، ص2.
(32)المصدر السابق، ج7، ص56.

[الصفحة - 254]


هذه الشريطة، ونفذت من قائلـها على هذه الصّفة، أصحبها اللـه من التوفيق، ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها عقول الجهلة» (33).
اُنظر إلى إمام المتكلمين، ورائد من روّاد الأدب العربي، الذي طالما ظلّ إنتاجه كعبة لمن أراد أن ينتهل كيف يصف كلام أبي الحسن عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكيف يعظّم صاحب القول هذا ويبجّلـه غاية التّبجيل، وهذه الكلمة هي إحدى الكلمات المئة التي طالما كان الجاحظ يحتفظ بها ويكنّ لـها احتراماً خاصّاً.
رسالة في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) للجاحظ
ومن غريب ما شاهدته خلال تتبعي لآثار الجاحظ ومؤلفاته، رسالة في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فهو يتخذ المنطق والعقل أولاً، ثم القرآن والسّنة دليلاً يحتجّ به على هذا الأمر، ليرى من هو الخليفة بعد رسول اللـه (صلي الله عليه و آله و سلم) حقّاً، والرسالة نصاً كما يلي:
«هذا كتاب من اعتزل الشك، والظّن، والدّعوى، والأهواء، وأخذ باليقين والثقة من طاعة اللـه، وطاعة رسولـه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وبإجماع الأُمّة بعد نبيّها (عليه السلام)، مما تضمنه الكتاب والسنة، ترك القول بالآراء، فإنها تخطئ وتصيب؛ لأن الأُمّة أجمعت أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، شاور أصحابه في الأسرى ببدر، واتفق رأيهم على قبول الفداء منهم، فأنـزل اللـه تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لـه أَسْرَى} (34).
فقد بان لك أن الرأي يخطئ ويصيب، ولا يعطي اليقين، وإنما الحجة الطاعة للـه ولرسولـه، وما أجمعت عليه الأُمّة من كتاب اللـه. وسنة نبيّها، ونحن لم ندرك النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولا أحداً من الصحابة الذين اختلفت الأُمّة في حقّهم، فنعلم أيّهم أولى، ونكون معهم كما قال تعالى:{كُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} (35)، ونعلم أيّهم على الباطل فنجتنبهم، كما قال تعالى: {وَاللـه أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ اُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} (36). حتى أدركنا العلم، فطلبناه معرفة للدين وأهلـه، وأهل الصدق، والحقّ، فوجدنا الناس مختلفين يبرأ بعضهم من بعض، ويجمعهم في حال اختلافهم فريقان: أحدهما قالوا
________________________________________
(33)الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين، القاهرة 1947، ج1، ص97.
(34) سورة الأنفال، الآية 67.
(35) سورة التوبة، الآية 119.
(36) سورة النحل، الآية 78.

[الصفحة - 255]


إنّ النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)، مات ولم يستخلف أحداً، وجعل ذلك إلى المسلمين يختارونه، فاختاروا أبا بكر، والآخرون قالوا: إن النّبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، استخلف عليّاً فجعلـه إماماً للمسلمين بعده، وادّعى كل فريق منهم الحق.
فلما رأينا ذلك، وقفنا الفريقين لنبحث ونعلم المحقّ من المبطل، فسألناهم جميعاً: هل للناس من وال يقيم أعيادهم، ويجبي زكاتهم (زكواتهم)، ويفرّقها على مستحقّيها، ويقضي بينهم، ويأخذ لضعيفهم من قويهم، ويقيم حدودهم؟ فقالوا لا بد من ذلك.
فقلنا هل لأحد أن يختار أحداً فيولّيه بغير نظر في كتاب اللـه، وسنة نبيّه (صلي الله عليه و آله و سلم)؟ فقالوا: لا يجوز ذلك إلاّ بالنظر.
فسألناهم جميعاً عن الإسلام الذي أمر اللـه به. فقالوا: إنّه الشّهادتان والإقرار بما جاء من عند اللـه والصلاة والصّوم والحج بشرط الاستطاعة، والعمل بالقرآن يحلّ حلالـه ويحرّم حرامه. فقبلنا ذلك منهم لإجماعهم.
ثم سألناهم جميعاً: هل للـه خيرة من خلقه اصطفاهم واختارهم؟ فقالوا: نعم. فقلنا: ما برهانكم؟ فقالوا: قولـه تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لـهمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ} (37).
فسألناهم:من الخيرة؟ فقالوا: هم المتقون. قلنا: ما برهانكم؟ قالوا: قولـه تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللـه أَتْقَاكُمْ} (38).
فقلنا: هل للـه خيرة من المتّقين؟ قالوا: نعم، المجاهدون {فَضَّلَ اللـه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالـهمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} (39).
فقلنا: هل للـه خيرة من المجاهدين؟ قالوا جميعاً: نعم، السابقون من المهاجرين إلى الجهاد، بدليل قولـه تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} (40)الآية. فقبلنا ذلك منهم لإجماعهم عليه، وعلمنا أن خيرة اللـه من خلقه؛ المجاهدون السابقون إلى الجهاد.
ثم قلنا: هل للـه منهم خيرة؟ فقالوا: نعم. قلنا: من هم؟ قالوا: أكثرهم عناء في الجهاد، وطعناً وضرباً وقتلاً في سبيل اللـه، بدليل قولـه تعالى: {مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }
________________________________________
(37) خلط الجاحظ هنا بين آيتين، الأولى: الآية 68 من سورة القصص: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، والثانية: الآية 36 من سورة الأحزاب: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا. (المجلة)
(38) سورة الحجرات، الآية 13.
(39) سورة النساء، الآية 95.
(40) سورة الحديد، الآية 10.

[الصفحة - 256]


{خَيْرًا يَرَهُ} (41)، {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللـه} (42). فقبلنا ذلك منهم، وعلمناه، وعرفنا أن خيرة الخيرة أكثرهم في الجهاد عناء، وأبذلـهم لنفسه في طاعة اللـه، وأقتلـهم لعدوه.
فسألناهم عن هذين الرجلين: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأبي بكر، أيهما كان أكثر عناء في الحرب، وأحسن بلاء في سبيل اللـه، فأجمع الفريقان علىّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أنه كان أكثر طعناً، وضرباً، وأشدُّ قتالاً وأذبّ عن دين اللـه ورسولـه.
فثبت بما ذكرناه من إجماع الفريقين، ودلالة الكتاب والسنة، أن عليّاً (عليه السلام) أفضل. وسألناهم ثانياً عن خيرته من المتقين، فقالوا: هم الخاشعون بدليل قولـه تعالى: {وَاُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} (43). وقال تعالى: {اُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ بَّهُم} (44).
ثم سألناهم: من هم الخاشعون: قالوا: هم العلماء؛ لقولـه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللـه مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}(45).
ثم سألناهم جميعاً: من أعلم النّاس؟ قالوا: أعلمهم بالقول وأهداهم إلى الحقّ وأحقهم أن يكون متبوعاً ولا يكون تابعاً، بدليل قولـه تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} (46). فجعل الحكومة إلى أهل العدل، فقبلنا ذلك منهم. ثم سألناهم عن أعلم الناس بالعدل من هو؟ فقالوا: أدلـهم عليه. فقلنا: فمن أدلّ الناس عليه؟ قالوا أهداهم إلى الحقّ، وأحقهم أن يكون متبوعاً ولا يكون تابعاً، بدليل قولـه تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} (47)الآية.
فدلّ كتاب اللـه وسنة نبيّه (عليه السلام)، والإجماع أن أفضل الأُمّة بعد نبيّها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ لأنه إذا كان أكثرهم جهاداً، كان أتقاهم، وإذا كان أتقاهم كان أخشاهم، وإذا كان أخشاهم كان أعلمهم، وإذا كان أعلمهم، كان أدلّ على العدل، وإذا كان أدلّ على العدل، كان أهدى الأُمّة إلى الحقّ، وإذا كان أهدى كان أولى أن يكون متبوعاً، وأن يكون حاكماً، لا تابعاً ولا محكوماً عليه.
أجمعت الأُمّة بعد نبيّها أنه خلّف كتاب اللـه تعالى ذكره، وأمرهم بالرجوع إليه
________________________________________
(41) سورة الزلزلة، الآية 7.
(42) سورة البقرة، الآية 110.
(43) سورة ق، الآيات 31، 32، 33.
(44) سورة آل عمران، الآية 133. (لا توجد في الآية عبارة: الذين يخشون ربّهم).
(45) سورة فاطر، الآية 28.
(46) سورة المائدة، الآية 95.
(47) سورة يونس، الآية 35.

[الصفحة - 257]


إذا نابهم أمر، وإلى سنة نبيّه (صلي الله عليه و آله و سلم) فيتدبّرونها ويستنبطون منها ما يزول به الاشتباه. فإذا قرأ قارؤهم: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} . فيقال لـه: أثبتها. ثم يقرأ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللـه أَتْقَاكُمْ} ، وفي قراءة ابن مسعود: (إنّ خيركم عند اللـه أتقاكم). ثم يقرأ: {وَاُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} ، فدلّت هذه الآية على أن المتقين هم الخاشعون. ثم يقرأ حتى إذا بلغ إلى قولـه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللـه مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} ، فيقال لـه: إقرأ حتى ننظر، هل العلماء أفضل من غيرهم أم لا؟ حتى إذا بلغ إلى قولـه تعالى: {يَرْفَعِ اللـه الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ اُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ، قيل: قد دلّت هذه الآية على أنّ اللـه تعالى قد اختار العلماء وفضّلـهم ورفعهم درجات.
وقد أجمعت الأُمّة على أن العلماء من أصحاب رسول اللـه (صلي الله عليه و آله و سلم) الذين يؤخذ عنهم العلم، كانوا أربعة: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وعبداللـه بن العباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت رضى اللـه عنهم، وقالت طائفة عمر بن الخطاب. فسألنا الأُمّة من أولى الناس بالتّقديم إذا حضرت الصلاة؟ فقالوا إن النّبي قال: يؤم القوم أقرأهم، ثم أجمعوا أن الأربعة كانوا أقرأ لكتاب اللـه تعالى من عمر، فسقط عمر. ثم سألنا الأُمّة: أي هؤلاء الأربعة أقرأ لكتاب اللـه وأفقه لدينه، فاختلفوا، فوقفناهم حتى نعلم. ثم سألناهم: أيّهم أولى بالإمامة: فأجمعوا على أنّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: الأئمة من قريش فسقط ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وبقي عليّ بن أبي طالب، وابن عباس. فسألناهم أيّهما أولى بالإمامة، فأجمعوا على أنّ النّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: إذا كان عالمان فقيهان قرشييان، فأكبرهما سناً، وأقدمهما هجرة. فسقط عبداللـه بن عباس، وبقي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللـه عليه. فيكون أحق بالإمامة لما أجمعت عليه الأُمّة لدلالة الكتاب والسّنة عليه» (48).
ففي العبارة الأُولى من هذه الرّسالة تجد الاستدلال جلياً بأنّه يريد أن يثبت أمراً بعيداً عن الـهوى، آخذاً باليقين من طاعة ربّ العالمين، وطاعة رسولـه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ويستند في حجته ودليلـه إلى إجماع الأُمة بعد نبيّها، ثم الرجوع إلى الكتاب والسّنّة.
فأول آية يستشهد بها الجاحظ في رسالته هي قولـه تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا }
________________________________________
(48)يراجع مجلة لغة العرب، الجزء السابع، السنة التاسعة، ص497.

[الصفحة - 258]


{يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لـهمُ الْخِيَرَةُ} ، فهذه تعارض في مفهومها ظاهراً الآية الشريفة: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (49)، وإذا رجعنا إلى تفسير مجمع البيان للطبرسي فسوف نرى هذه العبارة: «... واختُلف في الآية، وتقديرها على قولين أحدهما: أن معناه {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} من الخلق، و {يختار} تدبير عباده، على ما هو الأصلح لـهم، ويختار للرسالة ما هو الأصلح لعباده. ثم قال: {ما كان لـهم الخيرة}، أي ليس لـهم الاختيار على اللـه، بل للـه الخيرة عليهم، وعلى هذا تكون (ما) نفياً. والآخر: أن يكون (ما) في الآية بمعنى الذي، أي ويختار الذي كان لـهم الخيرة فيه، فيكون الوقف على هذا عند قولـه: {ما كان لـهم الخيرة} ، وهذا أيضاً في معنى الأول؛ لأن حقيقة المعنى فيها أنه سبحانه يختار، وإليه الاختيار ليس لمن دونه الاختيار؛ لأن الاختيار يجب أن يكون على العلم بأحوال المختار، ولا يعلم غيره سبحانه جميع أحوال المختار، ولأن الاختيار هو أخذ الخير. وكيف يأخذ الخير من الأشياء من لا يعلم الخير فيها (50)؟!
ومما جاء في تفسير الكشّاف للزمخشري ما هذا نصّه: «إن الخيرة للـه تعالى في أفعالـه، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه... وقيل معناه: ويختار الذي لـهم فيه الخيرة، أي يختار للعباد ما هو خير لـهم وأصلح، وهو أعلم بمصالحهم من أنفسهم...» (51).
وما ذكره العلامة الطباطبائي في تفسيره (52)هذا نصه: «فلـه تعالى أن يختار في مرحلة التشريع من الأحكام والقوانين ما يشاء كما أن لـه أن يختار في مرحلة التكوين من الخلق والتّدبير ما يشاء، وهذا معنى قولـه: {وربّك يخلق ما يشاء ويختار} ، وقد أطلق إطلاقاً».
وإن كان رأي العلامة الطباطبائي (رحمه اللـه تعالى) يختلف عمن سبقه من المفسرين، فهو يعتبر هذا الاختيار مطلقاً، سواء في القضايا التكوينية أو التشريعيّة، بينما نجد الطبرسي (رحمه اللـه تعالى) يقتصر في معنى الاختيار على ما هو الأصلح لعباده مثل الرسالة، ويذهب صاحب الكشّاف إلى ما هو خير للعباد وأصلح لـهم بصورة عامة، وربما يتطابق رأي العلامة مع رأي صاحب الكشّاف.
ثم يتدرّج الجاحظ في رسالته هذه من لفظ الخيرة وهو الاختيار، كما مرّ بنا في
________________________________________
(49) سورة الشورى، الآية 38.
(50)الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، منشورات مؤسسة الأعلمي ــ بيروت، 1415هـ / 1995م، ج7، ص453.
(51)الزمخشري، جار اللـه، الكشّاف عن حقائق التنـزيل وعيون الأقاويل، انتشارات آفتاب ــ طهران، بدون سنة طبع، ج3، ص188 ــ 189.
(52)الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي ــ بيروت، 1417هـ / 1997م، ج16، ص66 ــ 69.

[الصفحة - 259]


التفاسير السالفة الذكر إلى مصاديق الخيرة، فيراها في المتّقين، ثم المجاهدين والمهاجرين والسّابقين منهم إلى الجهاد، والأكثر عناء منهم في الجهاد.
وبعد كل هذه المقدمة ينتهي إلى رجلين من أصحاب الرّسول (صلي الله عليه و آله و سلم) لـهما الريادة في كل هذه الأُمور التي ذكرت؛ وهما: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأبو بكر. ثم يتساءل مَنْ منهما أكثر طعناً وضرباً وأشدّ قتالاً، فينتهي إولى أفضلية عليّ (عليه السلام).
ثم ينتقل إلى قاعدة اُخرى وهي التّقوى، ليرى من المتّقون حقّاً من أصحاب الرسول الكريم (صلي الله عليه و آله و سلم) ثم الخاشعون من هذه الطبقة الممتازة؟ وينتهي إلى أنّ العلماء هم الذي يمتازن بهذه الصفة وهي الخشوع، وبعد العلم ينتقل إلى الحكم والحكومة، ومن هو أجدر بهذا الأمر من بين العلماء؟ فيرى العدل أساس الحكم والحكومة، ومن هو الذي أهدى للحقّ؟ فيرى أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو الذي كان يمتاز بهذه الصفات وكان أهدى، ولما كان أهدى كان أولى أن يكون حاكماً لا تابعاً ومحكوماً عليه.
وقد استدل الجاحظ على هذا الأمر بأن الأُمّة قد أجمعت بعد نبيّها على الرجوع إلى كتاب اللـه وسنة نبيه، وبعد استقراء بعض الآيات من الكتاب العزيز، والرجوع إلى سنة الرسول الكريم (صلي الله عليه و آله و سلم) يقايس، وهي أصحّ، بين أربعة أو خمسة من اصحاب الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وهم: عليّ بن أبي طالب وعبداللـه بن العباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب. وبعد الاستدلال بأحاديث الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ينتهي بهذا الاستنتاج إلى أنّ الإمام العالم الفقيه من قريش الذي يستحق الزعامة والإمامة للأُمّة بعد رسولـها(صلي الله عليه و آله و سلم) هو الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
كتاب البيان والتّبيين وأقوال أهل البيت (عليهم السلام)
يعتبر كتاب (البيان والتبيين) من الكتب الأدبية والتأريخيّة الثمينة، إذ إنّ القيّم في اللغة هو المستقيم لا ذو القيمة كما هو شائع، فهو مزيج من ثقافات مختلفة تغلب عليها الثقافة العربيّة، فالكتاب هذا أصل من اُصول فن الأدب وأركانه، وقد امتزجت فيه علوم البلاغة والأدب والتأريخ (53). ويعتبر أيضاً كتاباً في الإنشاء إذ يشتمل على بحوث في فن البيان والخطابة، ويعدّ مرجعاً في الشعر والشعراء والنسّاك والزّهاد،
________________________________________
(53)اُنظر الفاخوري، تاريخ الأدب العربي، مصدر سابق، ص557.

[الصفحة - 260]


ويحتوي على جملة من خطب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأقوالـهما، وكذا بعض أقوال أهل البيت (عليهم السلام).
وأما ما احتوت عليه المجلدات الأربعة من كتاب (البيان والتّبيين) (54)من أقوال أهل البيت (عليهم السلام) فلم تكن قليلة، وصنّفتها وجعلتها في مقولات ستّ:
1 ــ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، أقوالـه وخطبه.
2 ــ في الحكم والمواعظ.
3 ــ في الدّنيا والآخرة.
4 ــ في النّساء.
5 ــ في أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية.
6 ــ في قضايا عامة.
فاستخرجت الأقوال الواردة هنا من مصادر اُخرى؛ كشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وبحار الأنوار، ووسائل الشيعة، ومستدرك وسائل الشيعة، والكتب الأربعة (الكافي، من لا يحضره الفقيه، الاستبصار، والتهذيب)، مشيراً إليها في الـهوامش.
عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، أقوالـه وخطبه
الأقوال:
(1) وذكر اللـه آدَمَ الذي هو أصلُ البشر فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللـه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}(55). ولذلك كنّى النبي (عليه السلام) عليّاً أبا تراب. قالوا: وكانت أحبّ الكُنى إليه (56).
(2) قال: وأثنى رجلٌ على عليّ بن أبي طالب فأفرط، وكان عليٌّ لـه متّهماً، فقال: «أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك» (57).
(3) وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): «اُوصيكم بأربع لو ضربتم إليها آباط الإبل لكُنّ لـها أهلاً: لا يرجونّ أحدٌ منكم إلاّ ربّه؛ ولا يخافنّ إلاّ ذنبه؛ ولا يستحي أحدٌ إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم. ولا إذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه. وإنّ الصّبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد، فإذا قُطع الرأس ذهب الجسد، وكذلك إذا ذهب الإيمان» (58).
________________________________________
(54)تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون، دار الجيل ــ بيروت 1410هـ / 1990م.
(55) سورة آل عمران، الآية 59.
(56) الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون، دار الجيل ــ بيروت 1410هـ / 1990م، ج3، ص204. يوجد نظيره في نهج البلاغة، ج1، ص11: (مثل عيسى عند اللـه كمثل آدم خلقه من تراب). جاء الحديث نصاً في بحار الأنوار ج2، ص320 وفي ج9، ص7 و151، وفي، ج14، ص206، وكذلك في المجلدات 21، 35، 54، 68، 70، 90.
(57) الجاحظ، البيان والتبيين، مصدر سابق، ج2، ص200. أورد هذا القول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج4، ص104 لعلي بن الحسين، وفي 10، ص147، وفي ج17، ص46، وفي ج18، ص233 الحكمة 80 لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
(58)المصدر السابق، ج2، ص77.

[الصفحة - 261]


(4) وقال عليّ (رحمه الله): «قيمة كلّ امرئ ما يحسن». فلو لم نقف من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلةً عن الكفاية، غير مقصّرة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليلـه يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكأنّ اللـه عزّ وجلّ قد ألبسه من الجلالة، وغشّاه من نور الحكمة على حسب نيّة صاحبه، وتقوى قائلـه. فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه، ومنـزهاً عن الاختلال مصوناً عن التكلّف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التّربة الكريمة. ومتى فصلت الكلمة على هذه الشّريطة، ونفذت من قائلـها على هذه الصّفة، أصحبها اللـه من التوفيق ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة (59).
(5) عبداللـه بن الحسن قال: قال عليّ بن أبي طالب (رحمه الله): «خصصنا بخمس: فصاحةٍ، وصباحةٍ، وسماحةٍ، ونجدةٍ، وحظوةٍ» ــ يعني عند النّساء (60).
(6) وقال الحسن بن علي: «من أتانا لم يعدم خصلةً من أربع: آية محكمةً، أو قضيّة عادلة، أو أخاً مستفاداً، أو مجالسة العلماء» (61).
(7) وقال بعضهم: دعا رجلٌ عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) إلى طعام، فقال: «نأتيك على أن لا تتكلّف لنا ما ليس عندك، ولا تدّخر عنّا ما عندك» (62).
(8) عنبسة القطّان قال: شهدت الحسن وقال لـه رجلٌ: بلغنا أنك تقول: لو كان عليّ بالمدينة يأكل من حشفها لكان خيراً لـه مما صنع. فقال لـه الحسن: «يا لكع، أما واللـه لقد فقدتموه سهماً من مرامي اللـه غير سؤوم لأمر اللـه، ولا سَروقَةٍ لمال اللـه، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه ولـه، فأحلّ حلالـه، وحرم حرامه، حتى أورده ذلك رياضاً مونقةً، وحدائق مغدقة. ذلك عليّ بن أبي طالب يا لكع» (63).
الخطب:
(9) خطبة لعليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) (64)، قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: أول خطبة خطبها عليّ بن أبي طالب (رحمه الله) أنّه قال بعد أن حمد اللـه وأثنى عليه وصلّى على نبيّه: «أما بعد فلا يُرْعينّ مرعٍ إلاّ على نفسه؛ فإنّ من أرعى على غير نفسه شُغِل عن الجنة والنار أمامه.
________________________________________
(59) المصدر السابق، ج1، ص83 وج2، ص77 ــ 78، توجد هذه الكلمة في بحار الأنوار، ج40، ص163، وكذا في ج68، ص283، وكذا في ج75، ص37، وكذا في ج101، ص369، وجاءت كذلك في شرح نهج البلاغة لأبي أبي الحديد، ج18، ص230، وجاءت في بحار الأنوار، ج1، ص165 ح182 بهذا النّص: قيمة كلّ امرئ ما يحسنه.
(60)الجاحظ، البيان والتبيين، مصدر سابق، ج2، ص99، ولم أجده في مصادرنا.
(61)لم أجده في مصادرنا.
(62)المصدر السابق، ج2، ص197.
(63) المصدر السابق، ج2، ص108، جاء نظيره في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج4، ص95 هكذا: «وروى عنه حماد بن سلمة أنه قال: لو كان عليّ يأكل الحشف بالمدينة لكان خيراً لـه مما دخل فيه».
(64) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص50 ــ 52. جاء في نهج البلاغة تنظيم صبحي الصالح، ص57 ــ 58 هكذا: لما بويع في المدينة وفيها يخبر الناس بعلمه بما تؤول إليه أحوالـهم وفيها يقسمهم إلى أقسام. ذمّتي بما اقول رهينة. وأنا به زعيم. وإنّ مَن صرَّحتْ لـه العبر عمّا بين يديه من المَثُلات، حجَزَتْه التَّقوى عن تقحُّم الشّبهات. ألا وإنّ بليّتكم قد عادتْ كهيْئتها يوم بعث اللـه نبيّه (صلي الله عليه و آله و سلم). والّذي بعثه بالحقّ لتُبلْبَلُنَّ بلْبلةً، ولتُغرْبَلُنَّ غرْبلةً، ولتُساطُنَّ سوط القِدْرِ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليَسبقَنَّ سابقون كانوا قصّروا، وليُقصِّرَنَّ سبّاقون كانوا سبقوا. واللـه ما كتمْتُ وشْمةً، ولا كذبتُ كذبةً، ولقد نُبِّئتُ بهذا المقام وهذا اليوم. ألا وإنّ الخطايا خيلٌ شُمُسٌ حُمل عليها أهلـها، وخُلعتْ لُجُمها، فتقحّمت بهم في النار. ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلُلٌ، حُمل عليها أهلـها، واُعطوا أزمَّتها، فأوردتْهم الجنّة. حقٌّ وباطلٌ، ولكلٍّ أهلٌ، فلئنْ أمِرَ الباطل لقديماً فعل، ولئن قلّ الحقّ فلربّما ولعلّ، ولقلّما أدبر شيءٌ فأقبل! ومن هذه الخطبة وفيها يقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: شُغِل من الجنّةُ والنارُ أمامه! ساعٍ سريعٌ نجا، وطالبٌ بطيءٌ رجا، ومقصّرٌ في النار هوى. اليمين والشّمال مضلّة، والطّريق والوسطى هي الجادّة، عليها باقي الكتاب وآثار النّبوة، ومنها منفذ السّنّة، وإليها مصير العاقبة. هلك من ادّعى، وخاب من افترى. من أبدى صفحته للحقّ هلك. وكفى بالمرء جهلاً ألا يعرف قدره. لا يهلك على التّقوى سنخ أصلٍ، ولا يظمأ عليها زرع قومٍ. فاستَتِروا في بيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتّوبة من ورائكم، ولا يحمد حامدٌ إلاّ ربّه، ولا يلُمْ لائمٌ إلاّ نفسه.

[الصفحة - 262]


ساع مجتهد ينجو، وطالبٌ يرجو، ومقصّر في النار. ثلاثة، واثنان: ملكٌ طار بجناحيه، ونبيّ أخذ اللـه بيديه، ولا سادس. هلك من ادّعى وردى مَن اقتحم؛ فإنّ اليمين والشّمال مضلّة، والوسطى الجادّة، منهجٌ عليه باقي الكتاب والسنّة، وآثار النبوة. إنّ اللـه داوى هذه الأُمّة بدواءين: السيف والسّوط، فلا هوادة عند الإمام فيهما، استتروا ببيوتكم وأصلحوا فيما بينكم والتّوبة من ورائكم. مَنْ أبدى صفحته للحقّ هلك. قد كانت لكم أمور ملتم عليَّ فيها ميلةً لم تكونوا عندي فيها بمحمودين ولا مصيبين. أما إني لو أشاء لقلت عفا اللـه عمّا سلف. سبق الرجلان وقام الثالث، كالغراب همّته بطنه، يا ويْحه، لو قصّ جناحاه وقطع رأسه لكان خيراً لـه. انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فآزروا. حقٌّ وباطل، ولكلٍّ أهل؛ ولئن أمر الباطل لقديماً فعل، ولئن قلّ الحق لربّما ولعلّ. ما أدبر شيء فأقبل. ولئن رجعَتْ عليكم أموركم إنّكم لسعداء، وإني لأخشى أن تكونوا في فترة. وما علينا إلاّ الاجتهاد».
قال أبو عبيدة: وروى فيها جعفر بن محمد:
«ألا إنّ أبرارَ عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً. ألا وإنّا أهل بيت من علم اللـه علمنا، وبحكم اللـه حكمنا، ومن قول صادق سمعنا. وإن تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم اللـه بأيدينا. معنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخّر عنها غرق. ألا وإنَّ بنا تردّ دبْرَة كلّ مؤمن، وبنا تُخلَع ربقة الذّلّ من أعناقكم، وبنا غُنِم، وبنا فتح اللـه لا بكم، وبنا يَختم لا بكم».
(10) خطبة لعليّ بن أبي طالب أيضاً (رضي الله عنه) (65): «أمّا بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع. وإنّ المضمار اليوم والسّباق غداً. ألا وإنّكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أملـه قبل حضور أجلـه فقد نفعه عملـه ولم يضرره أملـه، ومن قصّر في أيام أملـه قبل حضور أجلـه، فقد خسر عملـه، وضرّه أملـه. ألا فاعملوا للـه في الرّغبة، كما تعملون لـه في الرّهبة. ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها، ولا كالنّار نام هاربها. ألا وإنّكم قد اُمرتم بالظّعن، ودُللتم على الزّاد، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الـهوى، وطول الأمل».
(11) ومن خطب عليّ أيضاً (رضي الله عنه) (66)، قالوا: أغار سفيان بن عوف الأزدي ثم
________________________________________
(65) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص51 ــ 52. جاء في نهج البلاغة، ص71 ــ 72 هكذا: وهو فصل من الخطبة التي أولـها «الحمد للـه غير مقنوط من رحمته». وفيه أحد عشر تنبيهاً. أمّا بعد، فإنّ الدنيا أدبرتْ، وآذنتْ بوداعٍ، وإنَّ الآخرة قد أقبلتْ وأشرَفتْ باطّلاعٍ، ألا وإنَّ اليوم المضمار، وغداً السّباق، والسّبقة الجنّة، والغاية النار؛ أفلا تائبٌ من خطيئته قبل منيّته! ألا عاملٌ لنفسه قبل يوم بؤْسه! ألا وإنّكم في أيام أملٍ من ورائه أجلٌ؛ فمن عمل في أيّام أملـه قبل حضور أجلـه فقد نفعه عملـه، ولم يضرُرْه أجَلـه. ومن قصَّر في أيام أملـه قبل حضور أجلـه. فقد خسر عملـه، وضرّه أجلـه. ألا فأعملوا في الرَّغبة كما تعملون في الرّهبة، ألا وإنّي لم أرَ كالجنّة نام طالبها، ولا كالنّار نام هاربُها، ألا وإنّه من لا ينفعُهُ الحقّ يضرُّه الباطل، ومن لا يستقيم به الـهدى، يجرُّ به الضّلال إلى الرّدى. ألا وإنّكم قد اُمرتم بالظّعن، ودُلِلْتم على الزّاد؛ وإنّ أخْوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتّباع الـهوى، وطول الأمل، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً.
(66) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص53 ــ 54. جاء في نهج البلاغة، ص69 ــ 71 بهذا النّصّ:وقد قالـها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا. وفيها يذكر فضل الجهاد، ويستنهض الناس، ويذكر علمه بالحرب، ويلقي عليهم التبعة لعدم طاعته. أمّا بعد، فإنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة، فتحه اللـه لخاصّة أوليائه، وهو لباس التّقوى، ودرع اللـه الحصينة، وجُنَّتُه الوثيقة. فمن تركه رغبةً عنه ألبسه اللـه ثوب الذّلّ، وشملـه البلاء، ودُيِّث بالصَّغار والقَماءة، وضُرب على قلبه بالإسهاب، واُديل الحقّ منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومُنع النّصف. ألا وإنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسرّاً وإعلاناً، وقلت لكم: اُغزوهم قبل أن يغزوكم، فواللـه ما غُزي قومٌ قطُّ في عقر دارهم إلاّ ذلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنّت عليكم الغارات، ومُلكت عليكم الأوطان. وهذا أخو غامدٍ وقد وردت خيلـه الأنبار، وقد قتل حسّان بن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرْأة المسلمة، والأُخرى المعاهدة، فينتزع حجلـها وقُلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام. ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلْمٌ، ولا اُريق لـهم دمٌ؛ فلوْ أنَّ أمرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً؛ فيا عجباً! عجباً ــ واللـه ــ يُميت القلب، ويجلب الـهمَّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلـهم، وتفرّقكم عن حقّكم! فقبحاً لكم وترحاً، حين صرتم غرضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزَون ولا تغزون، ويُعصى اللـه وترضون! فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ قلتم: هذا حمارّة القيظ، أمهلنا يُسبَّخ عنّا الحرّ، وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء قلتم: هذه صبارّة القُرّ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد؛ كلّ هذا فراراً من الحرّ والقُرّ. فإذا كنتم من الحرّ والقرِّ تفرّون؛ فأنتم واللـه من السّيف أفرُّ! يا أشباه الرّجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربَّات الحجال، لوددْتُ أنّي لم أركم ولم أعرفكم معرفةً ــ واللـه ــ جرّتْ ندماً، وأعقبتْ سدماً. قاتلكم اللـه! لقد ملأْتم قلبي قيحاً، وشحنتمْ صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغَب التّهمام أنفاساً، وأفْسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان؛ حتّى لقد قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب رجلُ شجاعٌ، ولكن لا علم لـه بالحرب. للـه أبوهم! وهل أحدٌ منهم أشدّ لـها مراساً، وأقدم فيها مقاماً منّي! لقد نهضْتُ فيها وما بلغْتُ العشرين، وهأنذا قد ذرّفت على الستين! ولكن لا رأي لِمَنْ لا يطاع!

[الصفحة - 263]


الغامدي على الأنبار، زمان عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وعليها حسان ــ أو ابن حسان ــ البكري فقتلـه، وأزال تلك الخيل عن مسالحها، فخرج عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) حتى جلس على باب السّدّة، فحمد اللـه وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال:
«أمّا بعد، فإنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة. فمن تركه رغبةً عنه ألبسه اللـه ثوب الذّلّ، وشملـه البلاء، ولزمه الصّغار، وسيم الخسف، ومُنع النّصْف.
ألا وإنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسرّاً وإعلاناً، وقلت لكم: اُغزوهم قبل أن يغزوكم؛ فواللـه ما غُزي قومٌ قطٌّ في عُقْر دارهم إلاّ ذلّوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي واتّخذتموه وراءكم ظهريّاً، حتى شُنّت عليكم الغارات.
هذا أخو غامدٍ قد وردتْ خيلـه الأنبار، وقتل حسان ــ أو ابن حسان ــ البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، وقتل منكم رجالاً صالحين، ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المسلمة والأُخرى المعاهدة، فينـزع حجلـها وقُلبها ورعاثها. ثم انصرفوا وافرين، ما كُلم رجل منهم كلماً، فلو أنّ أمرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً، ما كان عندي ملوماً، بل كان به عندي جديراً.
فيا عجباً من جدّ هؤلاء القوم في باطلـهم! وفشلكم عن حقّكم. فقبحاً لكم وترحاً، حين صرتم هدفاً يُرمى، وفيْئاً يُنتهب، يُغار علكيم ولا تُغيرون، وتُغزون ولا تغزون، ويُعصى اللـه وترضون؛ فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيام الحرّ قلتم: حمارّة القيظ، أمهلنا ينسلخ عنّا الحرّ.
وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم: اسملنا ينسلخ عنّا القرّ. كلُّ ذا فراراً من الحَرّ والقُرّ. فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون، فأنتم واللـه من السيف أفرّ. يا أشباه الرّجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربّات الحجال، وددت أنّ اللـه قد أخرجني من بين ظهرانيْكم وقبضني إلى رحمته من بينكم. واللـه لودِدْتُ أني لم أركُمْ، ولم أعرفكم ــ واللـه ــ معرفة جرّتْ ندماً. قد وريْتم صدري غيظاً، وجرّعتموني الموت أنفاساً، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذْلان، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاعٌ ولكن لا علم لـه بالحرب.
للـه أبوهم! وهل منهم أحدٌ أشدٌّ لـها مراساً أو أطول لـها تحجربةً منّي؟ لقد مارستها وما بلغتُ العشرين، فهأنذا قد نيّفت على السّتين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع».
________________________________________

[الصفحة - 264]


قال: فقام لـه رجلٌ من الأزد يقال لـه فلان بن عفيف، ثم أخذ بيد ابن أخٍ لـه فقال: هأنذا يا أمير المؤمنين لا أملك إلاّ نفسي وابن أخي، فأمرنا بأمرك فواللـه لنْمضينّ لـه ولو حال دون أمرك شوك الـهراس، وجمر الغضى. فقال لـهما عليّ: «وأين تبلغان ما أريد، رحمكما اللـه»؟!
(12) وخطبة لـه اُخرى بهذا الإسناد شبيهة بهذا المعنى (67)، قام فيهم خطيباً فقال: «أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤكم، كلامكم يوهي الصّمّ الصّلاب، وفعلكم يُطمع فيكم عدوّكم. تقولون في المجالس: كيت وكيتَ، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد. ما عزّت دعوة مَن دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل. سألتموني التأخير، دفاع ذي الدّين المطول. هيهات لا يمنع الضّيم الذّليل، ولا يُدرك الحقّ إلاّ بالجدّ. أيّ دار بعد داركم تمنعون؟ أم مع أيّ إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور واللـه مَن غررتموه، ومَنْ فاز بكم فاز بالسهم الأخيَب. أصبحتُ واللـه لا اُصدّق قولكم، ولا أطمع في نصركم فَرَق اللـه بيني وبينكم، وأعقبني بكم مَن هو خيرٌ لي منكم. لوددتُ أنّ لي بكلّ عشرة منكم رجلاً من بني فراس بن غنم، صرْف الدّينار بالدّرهم».
(13) وكان عليّ بن أبي طالب (رحمه الله) إذا عزّى قوماً قال: «إن تجزعوا فأهل ذلك الرّحم، وإن تصبروا ففي ثواب اللـه عوضٌ من كلّ فائت. وأنّ أعظم مصيبةٍ أصيب بها المسلمون محمد (صلي الله عليه و آله و سلم)، وعظّم أجركم» (68).
(14) ودخل عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) المقابر فقال: «أمّا المنازل فقد سُكنَتْ، وأمّا الأموال فقد قُسّمتْ، وأمّا الأزواج فقد نُكحتْ. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم»؟ ثم قال: «والذي نفسي بيده لو اُذن لـهم في الكلام لأخبروا أنّ خير الزّاد التّقوى» (69).
(15) قال: لما انصرف عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) من صفين مرّ بمقابر، فقال:
«السلام عليكم أهل الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا سلفٌ فارط، ونحن لكم تبع، وبكم عمّا قليل لاحقون. اللـهمّ اغفر لنا ولـهم، وتجاوزْ بعفوك عنّا وعنهم. الحمد للـه الذي جعل الأرض كفاتاً، أحياءً وأمواتاً. والحمد للـه الذي خلقكم، وعليها يحشركم، ومنها
________________________________________
(67) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص55 ــ 56. جاء في نهج البلاغة، ص72 ــ 73 هكذا: بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاج بعد قصة الحكمين وفيها يستنهض أصحابه لما حدث في الأطراف. أيّها النّاس، المجتمعة أبدانُهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصّمّ الصّلاب، وفعْلكم يُطمع فيكم الأعداء! تقولون في المجالس: كيتَ وكيتَ، فإذا جاء القتال قُلتم: حيدي حياد! ما عزّتْ دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليلُ بأضاليلَ، وسألتموني التطويل، دفاع ذي الدّين المَطُول. لا يمنع الضّيْم الذّليل! ولا يُدرَك الحق إلاّ بالجدّ! أيّ دارٍ بعد داركم تمنعون، ومع أيِّ إمامٍ بعدي تقاتلون؟ المغرور ــ واللـه ــ من غرَرْتموه، ومن فاز بكم فقد فاز ــ واللـه ــ بالسّهم الأخيَب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفْوَقَ ناصلٍ. أصبحتُ واللـه لا اُصدّق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا اُوعِد العدوّ بكم. ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبُّكم؟ القوم رجالٌ أمثالكم. أقوْلاً بغير علْمِ؟! وغفْلةً من غير ورعٍ؟! وطمعاً في غير حقٍّ؟!
(68)الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص285 ولم أجدها في المصادر الأُخر.
(69) المصدر السابق، ج3، ص155. قال العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج32، ص619: جاء في شرح نهج البلاغة، ج18، ص322 هكذا: وقال (عليه السلام) وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة: يا أهل الدّيار الموحشة والمحال المقفرة، والقبور المظلمة، يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق. أمّا الدّور فقد سُكنت، وأمّا الأزواج فقد نُكحت، وأمّا الأموال فقد قُسِّمت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما واللـه لو اُذن لـهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزّاد التقوى.

[الصفحة - 265]


يبعثكم، وطوبى لمن ذكر المعاد، وأعدَّ للحساب، وقنع بالكفاف» (70).
(16) قال: وكان عليُّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول: «اللـهمّ إنّ ذنوبي لا تضُرُّك، وإنّ رحمتك إيّاي لا تنقصك، فاغفر لي ما لا يضرّك، وأعطني ما لا ينقصك» (71).
(17) وقال أبو عبيدٍ في حديث علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حين رأى فلاناً يخطب فقال: «هذا الخطيب الشَّحْشح». قال: هو الماهر الماضي (72).
(18) وقال عليّ بن أبي طالب (رحمه الله): «بقيّة السّيف أنمى عدداً، وأكرم ولداً. ووجد الناس ذلك بالعيان، للذي صار إليه ولده من نهْك السّيف، وكثرة الذّرْء، وكرم النّجْل» (73).
(19) وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يومئذٍ: «عضّوا على النّواجذ من الأضراس، فإنّه أنْبى للسيوف عن الـهام» (74).
في الحكم والمواعظ
(20) وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): «خذ الحكمة أنّى أتتك؛ فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتتلجلج في صدره حتّى تخرج فتسكن إلى صواحبها» (75).
(21) قال: وقال محمد بن علي لابنه: «يا بنّي إذا أنعم اللـه عليك نعمةً فقل: الحمد للـه. وإذا حزبك أمرٌ فقل: لا حول ولا قوّة إلاّ باللـه. وإذا أبطأ عنك رزقٌ فقل: أستغفر اللـه (76).
قالوا: كان محمد بن علي لا يُسمِع المبتلى الاستعاذة من البلاء.
(22) قال: وكان محمد بن عليّ إذا رأى مبتلىً أخفى الاستعاذة. وكان لا يُسمع من داره: «يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خُذ هذا. وكان يقول: «سمّوهم بأحسن أسمائهم» (77).
(23) قال: ونهض الحارث بن حوتٍ اللّيثي إلى عليّ بن أبي طالب، وهو على المنبر، فقال: أتظن أنّا نظنّ أنّ طلحة والزّبير كانا على ضلال؟ قال: «يا حار، إنّه ملبوسٌ عليك، إن الحقّ لا يُعرف بالرّجال. فاعرف الحق تعرف أهلـه!» (78).
(24) وقال الحسن (رحمه الله)، وسمع رجلاً يعظ، فلم تقع موعظته بموضعٍ من قلبه،
________________________________________
(70) الجاحظ، المصدر السابق، ج3: ص148، قال صاحب بحار الأنوار، ج32، ص553: وجاء في شرح نهج البلاغة، ج20، ص256 ــ 257 هكذا: مرّ (عليه السلام) فقال: السلام عليكم يا أهل الدّيار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، نـزوركم عمّا قليل، ونلحق بكم بعد زمان قصير. اللـهم اغفر لنا ولـهم، وتجاوز عنّا وعنهم. الحمد للـه الذي جعل الأرض كفاتاً، أحياءً وأمواتاً. والحمد للـه الذي منها خلقنا، وعليها ممشانا، وفيها معاشنا، وإليها يعيدنا. طوبى لمن ذكر المعاد، وقنع بالكفاف، وأعدّ للحساب. إنّكم مخلوقون اقتداراً، ومربوبون اقتساراً، ومضمنون أجداثاً، وكائنون رفاتاً، ومبعوثون أفراداً، ومدينون حساباً. فرحم اللـه امرءاً اقترف فاعترف، ووجل فعقل، وحاذر فبادر، وعمّر فاعتبر، وحُذّر فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى، وتأهّب للمعاد، واستظهر بالزّاد ليوم رحيلـه، ووجه سبيلـه، ولحال حاجته، وموطن فاقته، فقدّم أمامه لدار مقامه، فمهّدوا لأنفسكم على سلامة الأبدان، وفسحة الأعمار، فهل ينتظر أهل غضارة الشّباب إلاّ حواني الـهرم، وأهل بضاضة الصحة إلاّ نوازل السّقم، وأهل مدة البقاء إلاّ مفاجأة الفناء واقتراب الفوت ومشارفة الانتقال وإشفاء الزّوال، أو حشرجة الأنين، ورشح الجبين، وامتداد العرنين، وعلز القلق، وقيظ الرّمق، وشدّة المضض، وغصص الجرض.
(71) الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص274، وفي بحار الأنوار، ج91، ص139 جاء بهذا النّصّ: «إلـهي ذنوبي لا تضرّك، وعفوك إياي لا ينقصك، فاغفر لي ما لا يضرّك، وأعطني ما لا ينفعك». وجاء نظيره في مستدرك وسائل الشيعة، ج5، ص143 بهذا النّصّ: «... يا من لا تنقصه المغفرة، ولا تضرّه الذنوب، صل على محمد وآل محمد، واغفر لي ما لا يضرّك، وأعطني ما لا ينقصك».
(72)الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص274 ومثلـه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج19، ص106.
(73)الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص316. ولم أجده في المصادر الأُخر.
(74) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص285، جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج5، ص203 ما يتعلق بالنواجذ. يراجع شرح نهج البلاغة، ج9، ص41 وكذا ج5، ص168 و169 و200 وكذا ج1، ص242.
(75) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص285. في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج19، ص138 جاء هكذا: «خذ الحكمة أنى أتتك فإن الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تسكن إلى صاحبها».
(76)الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص279 ــ 280 جاء الحديث نصّاً في بحار الأنوار، ج75، ص187 مع اختلاف يسير، إذ جاءت كلمة حزنك بدلاً من حزبك.
(77) الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص158 ــ 159، وفي بحار الأنوار، ج46، ص290 فقط: «وكان لا يسمع من داره يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا»، وكان يقول: «سمّوهم بأحسن أسمائهم».
(78)الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص211.

[الصفحة - 266]


ولم يرقّ عندها، فقال لـه: «يا هذا، إنّ بقلبك لشرّاً أو بقلبي» (79).
(25) وقال علي بن الحسين بن عليّ (رحمه الله): «لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، وجملة الحال في صواب التّبيين، لأعربوا عن كلّ ما تخلّج في صدورهم، ولوجدوا من بَرْد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كلّ حالٍ سوى حالـهم. وعلى أنّ درك ذلك كان لا يعْدمهم في الأيام القليلة العدّة، والفكرة القصيرة المدّة، ولكنّهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدولٍ بالـهوى عن باب التثبّت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التّعلّم» (80).
(26) وقد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدّنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «صلاح شأن جميع التّعايش والتعاشر، ملء مكيالٍ ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل». فلم يجعل لغير الفطنة نصيباً من الخير، ولا حظاً في الصلاح؛ لأنّ الإنسان لا يتغافل إلاّ عن شيءٍ قد فطن لـه وعرفه (81).
(27) وذكر هذه الثلاثة الأخبار إبراهيم بن داحة، عن محمد بن عمير. وذكرها صالح بن علي الأفقم، عن محمد بن عمير. وهؤلاء جميعاً من مشايخ الشيع، وكان ابن عمير أغلاهم (82).
(28) وقال الحسن بن علي: «من أتانا لم يعدم خصلةً من أربع: آية محكمةً، أو قضيّة عادلة، أو أخا مستفاداً، أو مجالسة العلماء» (83).
(29) وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): «مِن أفضل العبادة الصّمتُ وانتظار الفرج»(84).
(30) وقال علي بن الحسين لابنه: «يا بنيّ، اصبر على النائبة، ولا تتعرّض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى شيء مضرّته عليك أعظم من منفعته لـه» (85).
(31) وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): «لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما اُوتي، ويبتغي الزّيادة فيما بقي؛ ينهى ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي؛ يحبّ الصالحين ولا يعمل بأعمالـهم، ويبغض المسيئين وهو منهم؛ يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها في طول حياته» (86).
(32) وقال عليّ بن أبي طالب (رحمه الله): «كن في الناس وسطاً وامْش جانباً» (87).
________________________________________
(79)الجاحظ، المصدر السابق، ج1، ص84.
(80)الجاحظ، المصدر السابق نفسه.
(81)الجاحظ، المصدر السابق نفسه.
(82)الجاحظ، المصدر السابق نفسه.
(83)الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص197.
(84) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص350 وكذا في ج1، ص297 وج3، ص260 وأيضاً ج2، ص165، وفي بحار الأنوار، ج68، ص96 وج74، ص422 وج75، ص38، وجاء في شرح نهج البلاغة، ج1، ص322 ما هذا نصّه: انتظار الفرج بالصبر عبادة.
(85) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص76، وجاء في بحار الأنوار، ج46، ص95 هكذا: «قال علي بن الحسين (عليه السلام) ــ وكان من أفضل بني هاشم ــ لابنه: يا بني، اصبر على النوائب ولا تتعرض به، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرّته عليك أكثر من منفعته لـه.
(86) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص101، وجاء في بحار الأنوار، ج40، ص112 هكذا: ... فكان مما نحفظ من حكمته، وصف رجلاً أن قال: ينهى ولا ينتهي، ويأمر النّاس بما لا يأتي، ويبتغي الازدياد فيما بقي، ويضيع ما اُوتي، يحب أن يبادر من الدنيا ما يفنى، ويذر من الآخرة ما يبقى، يكره الموت لذنوبه، ولا يترك الذّنوب في حياته. وجاء نظير هذا النص في بحار الأنوار، ج74، ص412 هكذا: «... موعظته (عليه السلام) ووصفه المقصّرين: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجو التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا قول الزّاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين، إن اُعطي منها لم يشبع، وإن مُنع لم يقنع، يعجز عن شكر ما اُوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى الناس ولا ينتهي، ويأمر الناس ما لا يأتي، يحب الصّالحين ولا يعمل بأعمالـهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، ويكره الموت لكثرة سيئاته، ولا يدعها في حياته. ومثلـه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج18، ص356 مع بعض الزيادة.
(87)الجاحظ، المصدر السابق، ج1، ص256.

[الصفحة - 267]


الدّنيا والآخرة
(33) وقال بعضهم: ذمّ رجلٌ الدّنيا عند عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فقال عليٌّ: «الدّنيا دار صدق لمن صدقها، ودار غنىً لمن تزوّد منها، ومهبط وحْي اللـه، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه. ربحوا فيها الرّحمة، واكتسبوا فيها الجنّة. فمن ذا الذي يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، وشبّهتْ بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيباً وترهيباً. فيا أيّها الذّامّ للدّنيا، المعلّل نفسه، متى خدعتك الدّنيا أم متى استذمّت إليك؟
أبمصارع آبائك في البلى، أم بمضاجع اُمّهاتك في الثّرى؟! كم مرّضْتَ بيديك؟ وكم علّلْتَ بكفّيك؟ تطلب لـه الشّفاء، وتستوصف لـه الأطبّاء، غداة لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك، ولا تنجيه شفقتك، ولا تشفع فيه طلبتك» (88).
(34) قال: قيل لمحمد بن علي: من أشدّ الناس زهداً؟ قال: «من لا يبالي الدنيا في يد من كانت»(89).
وقيل لـه: من أخسر الناس صفقةً؟ قال: «من باع الباقي بالفاني» (90).
وقيل لـه: من أعظم الناس قدراً؟ قال: «من لا يرى الدنيا لنفسه قدْراً» (91).
(35) قال: وكان محمد بن علي بن الحسين بن علي يقول: «اللـهمّ أعنّي على الدّنيا بالغنى، وعلى الآخرة بالتّقوى» (92).
(36) عن الحسن قال: «لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، ومالـه من أين كسبه، وفيما أنفقه» (93).
النساء
(37) وقال لـه مالك الأشتر: كيف وجد أمير المؤمنين أهلـه؟ فقال: «كخير امرأة، قبّاء جبّاء»! قال: وهل يريد الرّجال من النساء غير ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: «لا، حتى تدفئَ الضّجيع، وتروي الرّضيع» (94).
(38) وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): «جمال الرجل في عمّته، وجمال المرأة في خفِّها» (95).
________________________________________
(88) الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص190، 191. جاء ما يشابه ذلك في بحار الأنوار، ج70، ص125 هكذا «... عن ابن نباته، قال: كنت جالساً عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فجاء إليه رجل فشكا إليه الدنيا وذمّها، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الدّنيا منـزل صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار عاقبة لمن فهم عنها، مسجد أحبّاء اللـه، ومهبط وحي اللـه، ومصلّى ملائكته، ومتجر أوليائه. اكتسبوا فيها الجنّة، وربحوا فيها الرّحمة. فلماذا تذمّها وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاعها، ونعت نفسها وأهلـها، فمثلت ببلائها إلى البلاء، وشوّقت بسرورها إلى السّرور، راحت بفجيعة، وابتكرت بعافية تحذيراً وترغيباً وتخويفاً. فذمّها رجال غداة النّدامة، وحمدها آخرون يوم القيامة. ذكّرتهم فذكروا، وحدّثتهم فصدقوا. فيا أيّها الذّام للدّنيا! المعتل بتغريرها، متى استذمّت إليك الدّنيا وغرّتك؟ أبمنازل آبائك من الثّرى، أم بمضاجع أمهاتك من البلى؟ كم مرضت بكفيك؟ وكم علّلت بيديك؟ تبتغي لـه الشّفاء، وتستوصف لـه الأطباء، لم ينفعه إشفاقك، ولم تعقه طلبتك...». وشبهه جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج18، ص325.
(89)الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص161، وجاء في بحار الأنوار، ج75، ص189 ما هذا نصّه: مَن أشدّ الناس زهداً؟ قال: من لا يبالي الدنيا في يد من كانت.
(90)هذه العبارة لا توجد في بحار الأنوار.
(91)المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص188 في روايتين 32 و36.
(92)الجاحظ، البيان والتبيين، مصدر سابق، ج3، ص271.
(93)الجاحظ، المصدر السابق، ج3، ص125.
(94)الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص77 ــ 78، ولم أجده في المصادر الأُخر.
(95)الجاحظ، المصدر السابق، ج2، ص88، ولم أجده في المصادر الأُخر.

[الصفحة - 268]