البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظرية المهدوية في الديانات مقاربة علمية القسم الثاني

الباحث :  أ. علي موحديان عطار
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  43
السنة :  السنة الحادية عشر خريف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  298
نظرية المهدوية في الديانات
مقاربة علمية
القسم الثاني

أ. علي موحديان عطار (*)

ترجمة: محمد عبد الرزاق

تناولنا في عدد سابق من هذه المجلة (1). أشكال ومصاديق الاعتقاد بالمصلح الموعود لدى سائر الديانات، باستثناء الدين الإسلامي واعدين بالتطرق لموضوعه في مقال مستقل نظراً لأهمية الموضوع واتساع رقعة البحث فيه، وها نحن نفي بوعدنا.
وكان الهدف من وراء ذلك هو استبدال الانطباعات الساذجة والمزعومة أحياناً عن المصلح الموعود، وما لحقها من إهمال وتقاعس لوجهات الرأي لدى سائر الديانات ـ سلباً وإيجاباً ـ بنظرة واقعية ثابتة. وقد دار البحث حول محورين: الأول هو رصد نماذج عامة لعقيدة المصلح، والثاني تحليل مقتضب لفكرة المصلح الموعود في بعضٍ من الأديان والثقافات البارزة مع تحديد مميزات وخصائص النجاة والمنجي في الديانات، وهو ما سنقوم به هنا بخصوص الدين الإسلامي.
لو أردنا تحليل فكرة المصلح الموعود كما بالنسبة للأديان المماثلة للإسلام في اشتمالها على مذاهب متعددة، سيكون أمامنا خيارين: أحدهما أن ندرس المسألة من خلال القواسم المشتركة في المصادر الدينية، من قبيل: القرآن، والأحاديث النبوية. والآخر أن ندرسها مستقلة في كل مذهب من المذاهب. ونظراً لكون الخيارين مكملاً لبعضهما الآخر، وما لأهمية عقيدة المصلح في الإسلام، لذا قررنا هنا أن نخوض في
________________________________________
(*) باحث، من إيران، مع الإشارة إلى حصول خطأ في العدد الماضي في اسم المؤلف فاقتضى التنويه.
(1) مجلة هفت آسمان، العدد 12 و 13، ص 107 ـ 130.

[الصفحة - 306]


كلا المجالين بشيء من الإجمال. وقبل كل شيء لا بدّ لنا من التطرق للانعكاسات الأولية لفكرة الموعود المصلح في التاريخ السياسي ـ الاجتماعي للإسلام رصداً لمستوى أهميتها.
مصادر فكرة المصلح الموعود في القرآن والسنة
تحدثت بعض الآيات عن مواضيع من قبيل: لابدّية إتمام النور الإلهي (2)، والوعد باستخلاف المؤمنين للأرض بعد أن يمكن الله لهم دينهم ويبدلهم من بعد خوفهم أمن (3)، أو أن الأرض يرثها العباد الصالحون (4). وكان البعض من الآيات تساق للدلالة على أساس الفكرة من خلال توجيهها عن طريق الروايات والتفاسير الكلامية أو مصادر الحجج المذهبية (5). أو البعض الآخر فدلالته تكون أكثر استقلالية على ضرورة تحقق ذلك الأمر، وإن سكت عن التفاصيل كماً وكيفاً، وأهم من ذلك أنها لم تشر بشكل واضح للمصلح الإسلامي بأن يكون المهدي الموعود (عجل الله تعالی فرجه الشريف).
على أي حال، يمكن اتخاذ الآيات الثلاث هذه منشأ قرآنياً لعقيدة المسلمين بالموعود:
1- {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء: 105).
2- {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً..} (النور: 55).
3- {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض...} (القصص: 5 و 6).
ومع أن هذهِ الآيات تحتاج في فهمها لتفاسير وبحوث عديدة، وأن الدور الأساسي في إثبات أصل المهدوية عائدٌ للأخبار والروايات، إلاّ أنه لا يمكن تهميش الدور التأسيسي لتلك الآيات في بلورة الفكرة واُسسها النظرية (6).
وتتعزز مصداقية ذلك في شمولية اعتقاد المسلمين بالمصلح في شتى
________________________________________
(2) قال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (سورة التوبة: 32).
(3) قال تعالى: وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (سورة النور: 55)، وقال أيضاً: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (سورة القصص: 5 ـ 6).
(4) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (سورة الأنبياء: 105).
(5) مرادنا من (مصادر الحجج المذهبية) الدينية، هو الحجج الشرعية الخاصة التي تحظى بحيثيات مميزة لدى البعض من المذاهب، كروايات أئمة الشيعة (عليهم السلام) عند أتباعهم. للاطّلاع على تلك الروايات راجع: المحجة فيما نزل في القائم الحجة، السيد هاشم الحسيني البحراني؛ كذلك راجع: مهدويت از نظر قرآن وعترت، مرداني (المهدوية في القرآن والعترة).
(6) ليست غايتنا من البحث هو تبيين علاقة الآيات بفكرة الموعود إثباتاً أو نفياً، إنما المهم هو احتساب الآيات في جملة المباني الكلامية للمهدوية عند المسلمين، الأمر الذي يظهر جلياً من خلال تمسك المسلمين بهذه العقيدة. راجع: موعود القرآن، صادق الحسيني الشيرازي، ترجمة مؤسسة الامام المهدي (عليه السلام).

[الصفحة - 307]


المذاهب، وأيضاً في تمسكهم بالآيات لتبيين الجانب الكلامي لفكرة المهدوية.
فبعيداً عن اختلاف الرأي في التفسير، وسبب النزول، والمصاديق التاريخية للآيات، يبقى القدر المتيقن من فحوى الآيات هو تأكيدها على سنة ووعد إلهي باستخلاف الصالحين من عباده للأرض، وتحقيق النصر بعد الاستضعاف والخوف، ثم يمكنهم في الدين لخلق الأرضية اللازمة لحياة الموحدين.
من هذا القدر المتيقن، يمكننا استنباط مصداق للخلاص السياسي ـ الاجتماعي برفقة ظروف وأوضاع مواتية لقيام الحياة الدينية المطمئنة. وإن كان هذا المقدار بحاجة للكثير كي يرتقي لجوانب عقيدة المصلح، إلاّ أنه دليل جيد على اتساع الاعتقاد بخصوص المصلح لدى الكثير من المسلمين. بديهي أن ما تبقى من متعلقات المهدوية فهو يستنبط من الحديث النبوي ومن مصادر الحجج الشرعية بشكل أخص.
إذا أردنا تتبع اُصول المهدوية في غير القرآن، فعلينا البحث عن مصادرها في الحديث النبوي. وإذا تخيرنا منه ما كان أكثر توافقاً بين المسلمين، ستكون أكثر مصداقية من مقولتنا «الاعتقاد الإسلامي بالمصلح الموعود». وتشير إحدى الدراسات (7) إلى أن مجموع الأحاديث المروية عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بخصوص (المهدي الموعود) هو 338 حديثاً، وأن 46 منها ـ على الأقل ـ تتوفر فيها شروط الصحة الروائية، كما يصطلح عليه علماء الحديث بالـ (صحيح) أو (الحسن).
ليس هذا الكم دليلاً على أهمية (المهدوية) في الإسلام فقط، إنما هو يصنف الإسلام في طليعة الأديان المعتقدة بالإصلاح والخلاص.
أما إذا سلمنا ـ تنزلاً ـ بأن الستة وأربعين حديثاً هي القواسم المشتركة في القدر المتيقن بين سائر الفرق الإسلامية. إذن، حينها يمكننا اعتبار مضامين تلك الأحاديث كنقاط اشتراك في الفكر الإسلامي بما يخص المهدوية (8).
وبشكل عام أن ما جاء في تلك الروايات هو: ان اسم الموعود في آخر الزمان من اسم الرسول واسم أبيه من اسم أبي الرسول، وهو من أهل بيت النبي (رضي الله عنهما)، من نسل فاطمة (عليها السلام), أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يقضي الله أمره في ليلة واحدة، ويعم الظلم والجور أرجاء العالم إبان ظهوره، ثم يأتي هو ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويبايعه
________________________________________
(7) صدر في الآونة الأخيرة كتاب كان موضوعه الأساسي هو التحقيق في روايات رسول الله (رضي الله عنهما) بخصوص (المهدي الموعود) و(المهدوية). وقد تناول 338 حديثاً عن الرسول (رضي الله عنهما) مع التحقيق في سندها وصحتها تمييزاً للضعيف منها والمسند والمرفوع والصريح وغيره، وهو: الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل في جزأين، وهو متوفر بعنوانين الاول: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة وأقوال العلماء وآراء الفرق المختلفة، والثاني: الموسوعة في أحاديث المهدي الضعيفة والموضوعة. وقد امتاز هذا العمل بخصائص تؤهله لأن يكون مرجعاً للبحث: أولاً: لأنه يمثل اُطروحة ماجستير للدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي في جامعة اُم القرى بمكة، سنة 1398 هـ، لهذا حظيت مراحل التحقيق والتدوين والإصلاحات بإشراف علماء بارزين من الوهابية. ونحن نعلم بأن «المهدوية» هي من معالم التشيع البارزة وخصوصاً عند المذهب الاثني عشري. ونعلم أيضاً مدى تطرف الوهابية تجاه معتقدات التشيع، وما يظهره مذهبهم من تعصب وتشدد خاصة في هكذا مواضيع، ولا سيما من قبل محافلهم العلمية ومدارسهم الدينية. من هنا تنشأ أهمية أقل اعتراف أو إذعان في كتبهم بخصوص أفكار من هذا القبيل. ثانياً: إن هذا الكتاب هو عمل جامعي يتمتع الى حدٍّ كبير بنوع من التحقيق وإمعان النظر. وإن كان قد يخرج عن إطار ذلك أحياناً بغية إثارة النعرات الطائفية الهدامة. ولكن، تبقى استنتاجات الكتاب في المجال الروائي جديرة بالاهتمام علمياً ـ في أقل تقدير. والخلاصة، إن هذا الكتاب اختار من بين 338 حديثاً، 46 حديثاً بدقة متناهية وتشكيك واسع، واصفاً إيّاها بالحسن أو الصحيح، واعتبر 292 حديثاً منها ضعيفاً وموضوعاً . نعم، ذكر بأن بعض الأحاديث الضعيفة هي أحاديث منقولة بطرق صحيحة. لقد حتم هذا الكم من الروايات المعتبرة ـ مع تفاوت مضمونها ـ على الكاتب الوهابي الاعتراف بدرجة عالية بأصل فكرة المهدوية في السنة النبوية فسلم بها ـ على الرغم من ميولاته المذهبية كما أشار في مقدمة الكتاب.
(8)وإن كان هذا التنازل قد يمنح أكثر من حجمه الواقعي من قبل أرباب المذاهب الأُخرى، إلاّ أنه من الممكن غض النظر عنه، نظراً لتكرار المضامين المشتركة بين مختلف الأحاديث وتعدد حلقات السند الروائي.

[الصفحة - 308]


الناس بين الركن والمقام، مدة حكومته بين سبع إلى تسع سنين، يأتي في أخر الزمان، ولا قيامة قبله، بحيث لو بقي يوم واحد لأطال الله ذلك اليوم من اجل ظهوره واقامة حكومته، ثم إن الله يمنح الأرض مطراً غزيراً فتمتلئ بالنباتات والخضرة، والمواشي والدواب فتتسع أطراف الأُمم منعمة، وهو الذي يقسم الأموال بين الناس بالعدل دون حساب، ويهبط عيسى بن مريم من السماء ليصلي خلفه، ومقتل النفس الزكية هو الحدث الذي يسبق ظهور المهدي (عليه السلام)، وسيكون أصحابه بعدد محاربي بدر، وذوي إرادة قوية (9).
هذه كلها معلومات أولية كإحداثيات استخرجت بالاعتماد على مصادر دينية أولية، حيث إنها وفي أقل تقدير مما يتداوله عامة المسلمين في موضوع المهدي الموعود، لكن أهمية ذلك تكمن في موارد الالتقاء والتوثيق بين أبرز الفرق الإسلامية الأعم من الشيعة والسنة. وبغض النظر عن الاختلافات الجزئية، مع وجود هذا الكم الغير قابل للإنكار من الروايات لدى أرباب الرواية، إلاّ أنه لم يكن المستوى القيمي لفكرة المصلح أو ما يسمى (المهدوية) واحداً لدى الفرق الإسلامية.
من هنا، تتجلى ضرورة الخطوة الثانية لبحثنا في معرفة رأي أرباب المذاهب في خصوص (المهدي (عليه السلام)). ولعل من المناسب أن يسبق ذلك تتبع انعكاسات ونتائج الفكرة في تاريخ المجتمع الإسلامي وتحولاته السياسية ـ الاجتماعية. الأمر الذي بإمكانه تحديد مدى أصالة وانتشار الفكرة.
انعكاس عقيدة الموعود في تاريخ الإسلام السياسي
تشير بعض الدراسات إلى أن مفهوم (المهدي) كان موجوداً منذ بدايات الإسلام الأُولى، الاّ أنه لم يكن انذاك بمعنى (المصلح الموعود)، بل كان مقتصراً على معنى (الهداية الالهية) (10). وكان أول من اُطلق عليه هذا العنوان هو شخص الرسول الكريم (رضي الله عنهما) عندما مدحه حسان بن ثابت بقصيدته الدالية (11).
ثم أطلق جرير بن إبراهيم، وسليمان بن صرد، على الحسين بن علي بن أبي طالب العنوان ذاته، بعد استشهاده بعبارة «مهدي ابن مهدي». الفرزدق الشاعر أيضاً
________________________________________
(9)اُنظر: الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل؛ المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة، البستوي، منشورات دار ابن حزم ـ بيروت 1999، ص 355 ـ 358.
(10) اُنظر: The Encyclopedia of Islam V.5, P. 1230
(11) وقد نقلها محمد جواد مشكور في مقدمة ترجمة فرق الشيعة للنوبختي على النحو التالي: مـا بـال عينــك لا تنــام كأنمـا كحلــت مآقيهـا بكحـل الأرمـد جزعاً على (المهديّ) أصبح ثاوياً يا خير من وطأ الحصـى لا تبعـد بأبـي واُمـي من شـهدت وفاتـه فـي يــوم اثنين النبـي المهتـدي

[الصفحة - 309]


نعت الوليد بن يزيد بذلك (12).
واستُخدم هذا المفهوم بعد موت معاوية لأول مرة، دلالة على الحكم المنتظر من أجل كمال الإسلام والرقي به لغايته القصوى. وكان عبد الله بن الزبير هو أول من ادَّعى الخلافة تحت هذا العنوان. وفي الكوفة أعلن المختار بن أبي عبيدة الثقفي بأن محمد بن الحنفية هو (المهدي) (13). ومناهضة له زعم أهل البصرة بأن موسى بن طلحة هو (المهدي المنتظر) الاّ أنه تجنب الفتنة وتراجع.
أما من خلفاء بني أُميّة فالظاهر أن سليمان (66 ـ 69هـ / 715 ـ 717م) هو أول من ادّعى المهدوية «إقامةً للعدالة»، وخلفاً لعهد التعسف في زمن آبائه، فمدحه جرير والفرزدق بذلك. ثم عاد جرير فأطلق نفس العنوان على عمر الثاني خليفة سليمان وعلى هشام من بعده، أما الفرزدق فقد قدم مديحه ليزيد الثاني وابنه الوليد الثاني تحت عناوين (المهدي)، لكن كانت أقل وضوحاً من جرير (14).
أما التيار المحافظ (الراديكالي) فقد اعتبر عمر الثاني هو المهدي، وليست هذه سوى قصة كان قد أُعدتْ فصولها في زمن عمر الأول وابنه عبد الله عندما تنبّؤوا بظهور رجل من نسله ليملأ العالم قسطاً وعدلاً. ويمكن مشاهدة قصص مشابهة لذلك في سائر مدن العالم الإسلامي آنذاك (15).
ونظراً لاستمالة تداول المفاهيم الخاصة من قبيل: (المهدي)، و (القائم) في مساحات الأديان المقننة كالإسلام دون توفر أرضية ثقافية دينية واسعة، لذا يمكن اعتبار ما ذكر شاهداً ودليلاً على وجود هذه الأرضية المساعدة، ثم تبلورت الفكرة فيما بعد أكثر وأكثر مما ولدت تيارات واضحة البصمات على الصعيد ذاته.
لقد كان لعقيدة (المهدوية) دور كبير في خلق التيارات الدينية ـ السياسية في التاريخ الإسلامي. نجح منها خمس أو ست حركات في نشاطها السياسي والاجتماعي. وذلك عن طريق مسألة الاعتقاد بظهور (المهدي) كقاطع لدابر الظلم والظالمين، والتفاف الناس حولهم تحت هذه العناوين تحقيقاً لمآربهم السياسية. وبعيداً عن صدق الخبر وكذبه، فإن ظهور أو تطور هذه الحركات هو بحد ذاته مؤشر على وجود جذور فكرة المهدي في أذهان المسلمين:
________________________________________
(12) راجع: The Encylopedia of Islam V.5, P. 1230؛ أيضاً يراجع: تارخ اسماعيليان (تاريخ الإسماعيلية)، ص 34.
(13) يرى برنارد لويس أن هذه هي المرة الأُولى التي استخدم فيها مفهوم (المهدي)، و (القائم) في المسيحية. تاريخ الإسماعيلية، ص 34.
(14) المصدر نفسه.
(15) المصدر نفسه.

[الصفحة - 310]


1. الفاطميون: وهم من الشيعة الإسماعيلية المعتقدين بإمامة إسماعيل بن جعفر كإمام سابع، وان ولدهُ محمد بن اسماعيل هو أول إمام (غائب) و(قائم) (16). تسلم الفاطميون الحكم في مصر سنة 358 هـ / 969 م وحتى عام 567هـ /1171م، وفي عام 296هـ /910م ادّعى عبيد الله المهدي مؤسس هذه الحركة (المهدوية)، متخذاً من انتسابه لفاطمة (عليها السلام) دليلاً على ذلك، وكان قد بعث برسله وهو في طريق الإسكندرية ليبشروا الناس باقتراب موعد ظهور المهدي، ثم أطلق على خلافته اسم (دولة المهدي الموعود) (17).
لقد ربط الفاطميون في مهدويتهم بين الجانب التكويني والفكري الأفلاطوني الجديد (18).
وسنتعرض لاحقاً لموضوع الفاطميين من خلال مبحث تطور المهدوية في التشيع.
2. الموحدون: ظهرت هذه الفرقة بقيادة ابن تومرت ( ت524هـ /1130م) في المغرب، وحكموا المغرب واسبانيا حتى (668هـ/1269م)، وكان ابن تومرت قد ادعى انه (المهدي الموعود) الذي يأتي لإحياء الإسلام الحقيقي وخلاص الناس من حكومة المرابطين، فالتمس لنفسه نسباً إلى قبيلة قريش والهاشميين عن طريق الإمام الحسن (عليه السلام) عن فاطمة (عليها السلام) وقد خلفه ابنه عبد المؤمن فأقام حكومة مرتكزة على ( المهدوية) دامت قرناً من الزمن، إلاّ أن الحركة كان يغلب عليها الطابع السني (19).
إن الذي بقي متروكاً فيما يخص دراسة هذه الفرق والمذاهب هو تأصل الجذور الفكرية والدينية لتلك المفاهيم المستخدمة لديهم. لقد حقق ابن تومرت نجاحات واسعة على الصعيد الفكري في المجتمع غير الشيعي، وذلك بواسطة توظيف فكرة (المهدوية) وعنوانها (المهدي) وترسيخها في الاذهان، حتى تحولت فيما بعد إلى دولة واسعة الافاق. مضافاً إلى استقطاب طبقة واسعة من متديني المجتمع واتخاذهم أعواناً مقربين.
هنا يبرز سؤال جدير بالتوقف عنده وهو، هل من الممكن ادعاء المهدوية ومن ثم تقبل المتدينين وغيرهم لها دون وجود خلفية دينية ثقافية منتشرة بينهم؟ وعلى هذا
________________________________________
(16) راجع: تاريخ الإسماعيلية، المقدمة، ص 10.
(17) التحقيق في تاريخ وفلسفة مذاهب التسنن والفرقة الاسماعيلية،ص 357 ـ 359.
(18)المصدر السابق: 190؛ ويمكن رصد فكرة مراحل العالم وغيرها لدى الإسماعيلية الاوائل ، راجع في ذلك: تاريخ وعقائد الإسماعيلية، ص 109 ـ 168، أيضاً ورد في آراء قرامطة الإسماعيلية اتجاهات نحو أفكار أفلاطونية جديدة، راجع في ذلك: نهضت قرمطيان (ثورة القرامطة)، ص 61 ـ 62.
(19) يراجع: مقدمة ترجمة فرق الشيعة، محمد جواد مشكور، ص 157.

[الصفحة - 311]


الأساس تتجلى هزالة الرأي القائل بأن ابن تومرت كان قد أخذ مفهوم (المهدي) و( المهدوية) من الأفكار الشيعية، ونجح في توظيفه في حركته ومشروعه (20).
فكيف يتصور تحقيق ذلك في مجتمع سني في المغرب وشمال إفريقيا، وعن طريق عقيدة شيعية بحتة كان مضمونها ظهور مصلح ديني وفقاً لما وعد به الرسول(رضي الله عنهما)؟ فبلا شك أن هكذا حركات تبنت المهدوية في المجتمعات السنية ليس إلاّ عن توفر رواسب لتلك العقيدة عندهم، وجذورها الإسلامية في معتقداتهم.
3. المهدوية في السودان: بعد تصرم عهد الموحدين، كانت المهدوية في السودان من أكثر الحركات نجاحاً على الصعيد السياسي في القرن التاسع عشر. وعندما كانت السودان واحدة من توابع الإمبراطورية العثمانية ظهر رجل يدعى محمد أحمد وأعلن الجهاد على الحكام هناك. وخلافاً للحركات الثلاث الآنفة الذكر قدم محمد أحمد فكرته بطابع ( اُخروي)، ولم يقتصر على جانب (التجديد) فقط. وهو من متصوفي السنة، كان قد ادّعى انه التقى بالرسول (رضي الله عنهما) مع أحد المشايخ المعروفين مكاشفة وتحدثا معه، ثم كون فيما بعد ائتلافاً من معارضي الحكومة ضد العثمانيين والمصريين والإنكليز، فشكل جيشاً سيطر به على غالبية السودان الحالية سنة 1298هـ/1881م وحتى 1302هـ/1885م.
ولقد سعى قبل وفاته سنة 1302هـ/1885م في إحياء الأُمّة الإسلامية كما كانت في بواكيرها، فعمد إلى حلّ التكتلات الصوفية، والتشدد في إجراء القوانين الإسلامية مع ترسيخ الاعتقاد بمهدويته. ثم خلفه عبدالله التعايشي حتى عام 1317هـ/1898م حيث أسقطه الإنكليز.
أما في الوقت الحاضر فإن أتباع المهدوية في السودان هم عبارة عن حزب معارض لحسن الترابي(21).
4. البابية والبهائية: في عام 1260هـ/1844م ادّعى شخص في إيران اسمه (علي محمد) أنه (باب) الإمام الغائب عن الشيعة، مضافاً لادّعائه النبوة وتجلي الذات المقدسة فيه (22). وبعد اعدامه جاء الميرزا حسين علي النوري الملقب ببهاء الله (المتوفى 1309هـ/1892م) وكان من أتباع علي محمد، فادعى عنوان (من يُظهره الله)
________________________________________
(20) راجع مقالة: ابن تومرت والموحدين، مجلة تاريخ الاسلام، العدد 9.
(21) التحقيق في تاريخ وفلسفة مذاهب التسنن والفرقة الإسماعيلية، ص 190.
(22) راجع: البهائيون، السيد محمد باقر النجفي؛ وانظر أيضاً دانشنامه جهان اسلام (رسالة العالم الإسلامي) ج1، ص16 ـ 19.

[الصفحة - 312]


أو (مظهر الله) (23) ووضع قوانين اتسمت بالتسامح المفرط بدلاً من الفقه الإسلامي، فانفصل بذلك عن الإسلام، ولا يزال له أنصار وأتباع.
5. الأحمدية (القاديانية): انطلقت هذه الحركة بقيادة غلام أحمد عام 1306هـ /1889م في منطقة قاديان بنجاب في الهند، فادعى أنه من معالم عودة المسيح، فاعتبر المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشريف)تتمة للمسيح (عليه السلام) ومحمد (رضي الله عنهما) وواحد من مظاهر (الكرشنة) لدى الهنود (24). وتعرف هذه الجماعة لدى الغرب باسم (الأحمدية) (25)، ولدى المسلمين (بالقاديانية)، ولهم نفوذ أيضاً خصوصاً في إفريقي (26).
وخلاصة القول في ذلك (27)، إن جميع هذه الحركات المعتمدة على فكرة المهدوية في العالم الإسلامي بإمكانها أن تكون مؤشراً واضحاً للعيان حول تأصل هذه الفكرة لدى المسلمين ـ بغض النظر عن صحة الحركات أو بطلانها.
والغاية الثانية وراء هذه الدراسة هي مطالعة آراء مختلف المذاهب الإسلامية بخصوص ( المهدوية)، وما يتعلق بها من مفاهيم ومعتقدات، مضافاً لتحديد مستوى انتشارها في العالم الإسلامي، وما هي نمطيتها لدى كل فرقة اسلامية؟
فكرة المصلح المنتظر في المذاهب الإسلامية
تباينت الانطباعات تجاه غزارة الروايات الإسلامية بخصوص ظهور المهدي بين مذهب وآخر، إلاّ أنه بقي من الصعب إنكار الفكرة مطلقاً نظراً لوجود تلك المصادر الوافرة، وقد اختلفت ألوان الطيف عند الفرق الإسلامية حول الموضوع. فإذا أردنا تناول الموضوع ببساطة، فمن الأفضل لنا تخير ثلاثة تيارات أساسية ورئيسة هي: السنة، والشيعة، والمتصوفة.
أهل السنة:
لا يمكن اعتبار فكرة المهدي بين أهل السنة كأصل مسلم، وضرورة من ضرورات المذهب أو الدين، مع أن اُصول ومصادر مذاهبهم الكلامية لم تنكرها، بل إن غالبية تلك المصادر قد تعرضت لها، فبالاضافة للمصادر البارزة من قبيل: سنن الترمذي، سنن أبي داوود، مستدرك الصحيحين للحاكم النيشابوري، مسند أحمد ابن
________________________________________
(23) رسالة العالم الإسلامي 4: 733 ـ 744.
(24) دائرة المعارف تشيع 1: 534. الكرشنة (Krsna) هي واحدة من أهم مصاديق ُاوتاره (arataras) أو تجليات الرب على الارض في عقيدة الهندوس من أتباع مذهب الفيشو (Visnu).
(25) تجدر الإشارة الى أن هناك فرقاً اُخرى يطلق عليها عنوان (الأحمدية) غير ما نحن بصدده من الأحمدية القاديانية، منها الجماعة المنسوبة لأحمد بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، وقد انقرضت تماماً، كذلك أحد فروع الطريقة الشاذلية المعروفة بالأحمدية والإدريسية. راجع: دائرة المعارف بزرك اسلامي (دائرة المعارف الإسلامية الكبرى) 7: 345.
(26) راجع أيضا: 54 ـ 57.The Oxford Encyclopedia the Islamic World, V.1,P
(27) تصنف بعض المصادر الغربية العباسيين في عداد الحركات المهدوية. انتزع العباسيون الحكم من الأُمويين سنة 133هـ/570م، ووفقاً للمصدر: اتخذ العباسيون من حماسة (انتظار المهدي الموعود) والتضامن مع الشيعة عاملاً للاستفادة من مؤازرة المضطهدين من الشيعة في عصر الأُمويين، فكان الخطباء يصفون خلفاءهم بعناوين (المهدي) لتداعي مصاديق (المهدي الموعود) و(المجدد الاسلامي) في الأذهان. أما بعد سقوط الأُمويين وسيطرة العباسيين فان الوقت قد حان للتخلي عن شعارات العدالة المهدوية وحكومة ال الرسول. وتشير تلك المصادر الى أن بعض الخلفاء العباسيين كان قد أطلق على نفسه اسم (المهدي) للغاية ذاتها. نقلا عن: Encylopedia of Millenniail Movement s,Richard Landse,Roatledge,2000,P.182. ولم يثبت الكاتب دليلاً قاطعاً لما ذهب إليه. أما أهم رواية استند اليها العباسيون في منح الشرعية لخلافتهم، فهي ما نقل عن الرسول (رضي الله عنهما) من وعد لعمه العباس في تولي الحكم، ووصوله لأحفاده. (تاريخ الفخري، محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي، ص 1919). ووفقاً لابن الطقطقي، فان الناس ونظراً لتردي الاوضاع وسماع تلك الرواية، كانوا ينتظرون ليلاً ونهاراً الدولة الموعودة. بالإضافة لدور إبراهيم الامام، شقيق السفاح العباسي، وعمله بالنبوءة الشهيرة (ظهور الرايات السوداء من خراسان لنصرة أهل البيت)، فأرسل رسله الى هناك، ثم أرسل أبا مسلم الخراساني لاستقطاب الأنصار، وأيضاً الشعار المنسوب للعباسيين القائل: (الرضا من آل محمد(رضي الله عنهما)). راجع: تحول مباني مشروعية الخلافة، ص 124، ولا يستبعد أن يكون العباسيون قد افادوا من فكرة (الموعود) الواردة في الروايات النبوية. ويدعم ذلك ما جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص299 ـ 300 من روايات رسول الله (رضي الله عنهما)، وما كان يصبو إليه المنصور العباسي.

[الصفحة - 313]


حنبل، وسنن ابن ماجه، هناك مجموعة كبيرة من مؤلفات علماء السنة تطرقت للمهدوية واقرت به(28)، لكنها لم تتجلّ بوضوح تام في صحيح مسلم وصحيح البخاري، وهما من ركائز مصادرهم الروائية.
وهناك الكثير من العلماء البارزين من أهل السنة قد تجنبوا الخوض في هذا المبحث أمثال الغزالي. وثمة رأي من أن سبب ذلك هو خشية تأجيج المشاعر والتيارات الثورية في المجتمع الإسلامي، أو التشكيك في الفكرة ذاته (29). وقد وجه بعضهم انتقادات سافرة على الفكرة كانت في غاية الغرابة كابن خلدون في مقدمته عندما شكك بجميع الوثائق المتعلقة بتلك العقيدة (30).
أما الموقف السلبي للمتأخرين من الكتّاب أمثال: أحمد أمين في كتاب (المهدي والمهدوية)، الشيخ عبد الله بن محمود في (المهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر)، والشيخ محمود ابن القيم في (المنار المنيف). ففي الأعم الأغلب كان منجرفاً مع أمواج الحداثة بين الحداثويين من كتاب المسلمين (31).
وهناك كتّاب كثيرون من المعاصرين دعموا وايدوا مبادئها بالاضافة للمتقدمين من كتّاب أهل السنة، أمثال: الشيخ ناصر الدين الألباني أحد أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد وهو عضو في الهيئة العلمية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وكان قد نُشرت له محاضرة بعنوان عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر، فحظيت باستحسان الشيخ عبد العزيز بن باز وعلق عليه (32). ونُشر له أيضاً مقال مطول في مجلة الجامعة الإسلامية تحت عنوان الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي. وهكذا بالنسبة للدكتور أحمد محمود صبحي اُستاذ الفلسفة بكلية الآداب بجامعة الاسكندرية، وسعيد أيوب الكاتب والمفكر المصري في كتاب عقيدة المسيح الدجال في الأديان، ومحمد بن احمد بن إسماعيل الكاتب المعاصر في كتاب المهدي حقيقة لا خرافة، وقد أحصى أكثر من ستين عالماً بين سالف ومعاصر ممن يؤيد عقيدة المهدي، مضافاً إلى درج أكثر من ثلاثين آخرين اعتبروا الأحاديث الواردة في المهدي ضعيفة.
أيضاً من جملة المعاصرين الدكتور محمد بيومي مهران المصري اُستاذ كلية
________________________________________
(28) أحصى مهدي فقيه إيماني في كتاب الامام المهدي عند أهل السنة 67 كتاباً لعلماء السنة كانوا قد انصفوا بكتابتهم عن المهدي مع نقل نصوصهم في ذلك، كان في جملتها العلماء البارزون في عالم التسنن، وكان الأهم منها موقف ابن تيمية (661هـ ـ 728م) المتشدد، حيث اذعن بصحة الروايات القائلة بظهور رجل من نسل فاطمة (عليها السلام).
(29) اُنظر: The Encyclopedia of Islam, V. 5, P. 1235.
(30) مقدمة ابن خلدون، مطبعة مصطفى محمد ـ مصر, ص 199.
(31) راجع: مع الدكتور احمد امين في حديث المهدي والمهدوية، محمد أمين زين الدين، مؤسسة النعمان ـ بيروت. ولم تكن هذه الأفكار منحصرة على كُتاب أهل السنة وعلمائهم، بل هنالك حالات مشابهة في البلاد الشيعية أيضا كأحمد كسروي الذي رفض فكرة المنجي الموعود الاسلامي جملة وتفصيلاً. مخالفة لجميع السنن. راجع: بخوانند وداوري كنند (إقرأ واحكم), أحمد كسروي، طبعة بيمان. وهذه طائفة اُخرى من العلماء والكتاب المخالفين للمهدوية في الاسلام: الامام الشاطبي، في الاعتصام، الشيخ محمد عبد العزيز المانع في الكواكب الدرية (مع أنه تراجع عن موقفه السلبي في تحديق النظر بأخبار الامام المنتظر)، أبو الأعلى المودودي في رسالة البيانات عن المهدي، محمد رشيد رضا في تفسير المنار، محمد فريد وجدي، مؤلف دائرة معارف القرن العشرين، الشيخ محمد عبده، وغيرهم. وقد أوعز الدكتور أحمد محمود صبحي اُستاذ الفلسفة بكلية آداب جامعة الإسكندرية إلى تلك المواقف السلبية لبعض المحققين المعاصرين الى أمرين: 1ـ الفاصلة الزمنية البالغة أربعة عشر قرناً. 2ـ الأجواء الفكرية المناهضة للحكومة الدينية. راجع: نظرية الامامة لدى الشيعة الاثني عشرية، الدكتور أحمد محمود صبحي، دار المعارف بمصر، ص 403 ـ 405، وفيما يتعلق بمخالفة العلماء المذكورين للمهدوية ونقد ذلك راجع: مصلح جهاني ومهدي، موعود از ديدكاه اهل سنت (المصلح العالمي والمهدي الموعود من منظار أهل السنة)، ص161 ـ 296 .
(32) وقد ذكر السيد هادي خسرو شاهي نص حديث الشيخ عبد الحسن العباد في كتاب المصلح العالمي والمهدي الموعود من منظار أهل السنة.

[الصفحة - 314]


الآداب جامعة الاسكندرية، حيث ذكر اثني عشر كتاباً لعلماء السنة ممن كتب في المهدي الموعود، مدعياً ان ذلك كان نقلاً عن الشيعة. كذلك استشهد بنماذج من الأشعار كدليل على تأصل ورسوخ فكرة المهدي ممن نظم في ذلك (33).
تأسيساً على ذلك، يمكن تغليب الجانب المؤيد للفكرة لدى غالبية علماء أهل السنة على المخالفين منهم، نظراً لما يدعم أصل الفكرة من أحاديث صحيحة.
ومع كل هذا من تأييد للمبادئ الرئيسة في الفكرة لدى المذهب السني، إلاّ أنه يجب أن لا نتجاوز في ذلك النمطية المفترضة للمهدي عندهم، حيث إنهم لا يرون فيه سوى (حاكماً وخليفةً) للمسلمين من نسل الرسول (رضي الله عنهما) وفاطمة (عليها السلام)، يولد ولادة طبيعية ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً فيعم الدين أرجاء المعمورة (34).
نعم، ثمة معتقدات اُخرى في هذا الصدد يقرها أهل السنة، كعودة المسيح، وخروج الدجال، وصلاة عيسى خلف المهدي (عليه السلام)؛ وذلك لكثرة الروايات الواردة عند أهل السنة بخصوص ذلك واعتقادهم بها. لكن يصعب نسبة بعض المقولات من قبيل: (الغيبة)، و(الإمامة) ـ وعلى مرّ العصور ـ للمذهب السني، أو أنه (عليه السلام) النجل المباشر للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وإن لم يعمم ذلك على أهل السنة بشكل كلي.
ظهر ما بين القرن السابع إلى الثالث عشر مجموعة من المحققين السنة أيدوا مسألة المهدي الموعود، وهو الإمام الثاني عشر، مما أثار ذلك جدليات واسعة حول الموضوع. فقد ألّف محمد بن يوسف الكنجي القريشي المؤرخ والمحدث الشافعي سنة 648هـ/1250م، كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان، قبل أن يقتل بسبب تعاونه مع المغول، وكان قد استشهد في كتابه بروايات أهل السنة على إثبات أن المهدي هو الإمام الثاني عشر بعينه.
وفي عام 650هـ/1252م جاء كتاب السؤول في مناقب آل الرسول للعالم الشافعي كمال الدين محمد بن طلحة العدوي النصيبي، وهو وزير سابق لأرطوقيد الملك السعيد، فدافع عن إمامة الإمام الثاني عشر ومهدويته، وخطأ أهل السنة في مخالفتهم لهذه الحقيقة.
كذلك سبط ابن الجوزي كان له موقف مشابه في أواخر حياته، فكتب تذكرة
________________________________________
(33) جميع ما ذكر هو من: الامام المهدي عند اهل السنة، ص 595-668.
(34) راجع: مقدمة محمد جواد مشكور على ترجمة فرق الشيعة للنوبختي، ص158و159 حيث اختار صاحبها عنوان (المهدي النوعي) في تبيين رأي أهل السنة في موضوع المهدوية.

[الصفحة - 315]


الخواص سنة 654هـ/1256م, وأثبت فيها ما نقل في مصادر أهل السنة في فضائل عليّ (عليه السلام) وأهل بيته، لا سيما الإمام الثاني عشر، حيث انتهى به المطاف للإذعان بأن الإمام (صاحب الزمان) و(القائم) و(المهدي الموعود) هو نفس الإمام الثاني عشر، مستشهداً بحديث اعتبره من المتواتر، نصّه: قال رسول الله: «يخرج في آخر الزمان رجل من أهل بيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، هو المهدي».
من هنا، تجاهل ابن الجوزي أحد اعتراضات أهل السنة في لا بدّية مشابهة اسم والد المهدي لاسم والد الرسول، وهو ابن الحسن العسكري، في حديث منقول لعاصم (35).
المتصوفة:
يتخذ أهل التصوف في سائر أنحاء العالم الإسلامي من المهدوية أساساً ومرتكزاً في صميم طريقتهم ومذهبهم، ومن رؤية تكوينية أحياناً، ولهم أيضاً في مجال الكلاميات فروض مشابهة لآراء سائر المسلمين. فابن حربي مثلاً ـ وهو من أبرز زعماء هذا المذهب ـ يرى بأن المهدي المنتظر هو من نسل الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (36)، و(خاتماً للأوصياء)، وأنه من يأتي لإجراء القانون الإسلامي وإحقاقه بالسيف، وأن عيسى أحد وزرائه، ومن وجهة نظره أن المهدي سيعمل باجتهاده متجنباً القياس. ويذهب إلى أن فقهاء المذاهب هم من سيعارض المهدي ويقف بوجهه، بحيث ينحصر أنصاره في شيوخ المتصوفة والمرشدين منهم (37). وقد حظيت هذه المفاهيم بدراسات مستفيضة بالمؤلفات المختصة بآراء ابن عربي، وهناك اختلاف بين أفراد المتصوفة في هذا المجال ليس جديراً بالاهتمام (38).
إن آراء المتصوفة هي أقرب من غيرها لآراء الإمامية في تفاصيل ما ذهبوا إليه في المهدوية. فقد دافعت المحافل الصوفية عن مبدأ كون المهدي هو الإمام الثاني عشر، وذكر ابو بكر البيهقي (المتوفى 458هـ / 1066م) بأن بعض المتصوفة كانوا على توافق مع الإمامية بخصوص مسألة المهدي والغيبة، أما المتصوف الفارسي، صدر الدين إبراهيم الجويني (أواخر القرن السابع / الثالث عشر الميلادي)، فقد دافع في
________________________________________
(35) The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1235.
(36) ما ينقل عن ابن عربي هنا بحوث متفرقة سيتضمن المقال جوانب منها.
(37) الفتوحات المكية، ابن عربي ج3، ص327، الباب 336، طبعة دار صادر ـ بيروت.
(38) The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1235.

[الصفحة - 316]


فرائد السمطين عن رأي الإمامية فيما يتعلق بالمهدي والمهدوية (39). كذلك الشعراني المصري الذي لم تكن له أي صلات بالتشيع، كان قد اعترف في اليواقيت والجواهر (المؤلف سنة 958هـ / 1551م) بأن المهدي هو ابن الإمام الحسن العسكري المولود سنة (255هـ / 869م) وأنه سيبقى حياً حتى يلاقي عيسى المسيح، ولا بدّ من انتظاره. اعتمد في ذلك على كلام الشيخ حسن العراقي، الذي ادّعى رؤية المهدي واللقاء به، بالإضافة إلى نقله عن ابن عربي في الفتوحات المكية، حيث قال: بأن المهدي هو ذات الإمام الثاني عشر (40).
وقد ذهب البعض للتشكيك في صحة هذا النقل عن ابن عربي وانه موضوع، إلاّ أنه حظي بقبول علماء السنة والشيعة على حدٍّ سواء وتناقلوه (41).
أما الشيخ صبّان المصري (المتوفى 1206هـ / 1792م) في كتاب إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل البيت الطاهرين، فقد ألقى باللوم على ابن عربي لرأيه المخالف للمعتبر من روايات علماء السنة (42). حسن العدوي الحمزاوي بدوره شمت بالصبّان لانتقاده ابن عربي، حيث إنه كان يرى في مشارق الأنوار (المطبوع لأول مرة سنة 1275هـ / 1858م) بأن العرفاء المتصوفة هم الأصدق والأقرب في تفسير السنة النبوية. ومن أجل سلب الميول الشيعية في عبارة الشعراني، عمد العدوي إلى التغيير في نقلها، حيث أضاف ألف سنة لتاريخ ولادته، مضافاً لتجاهله تأريخ ظهوره وادّعاء الشيخ حسن العراقي رؤيته، وحينئذ تكون ولادة المهدي سنة (1255هـ / 1839م)، وهو مجرد حفيد من أحفاد الإمام الحادي عشر وليس الإمام الثاني عشر عند الشيعة. الشيخ الشبلنجي أيضاً عمد في نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار سنة (1290هـ / 1873م)، إلى نقل ما رواه العدوي على خطئه (43).
الشيعة:
لقد حظيت فكرة المهدوية باهتمام اكبر من قبل الشيعة، ولعله يمكن القول: بأن الاعتقاد بظهور المهدي من أهل بيت الرسول (رضي الله عنهما) عند الشيعة هو بمثابة ركن أساسي في إيمانهم، بحيث إنهم قد يعتبرون التشيع هو نفس الاعتقاد بغيبة المهدي وظهوره البهيّ (44).
________________________________________
(39) فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذريتهم (عليهم السلام)، الجويني، ج2، ص 310ـ343 مؤسسة المحمودي ـ بيروت.
(40)ذكره الشعراني في اليواقيت والجواهر ج2، ص 143، أما في الفتوحات المتوفرة اليوم والتي يقال عنها أنها خضعت للتحريف والتغيير، فالمهدي هو من نسل الحسن بن علي (عليه السلام). اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي ـ مصر 1959.
(41) The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1237.
(42) إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى، الشيخ محمد بن علي الصبان، دار الفكر، ص 154 ـ 161، وهو متوفر ضمن حاشية كتاب نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار، تأليف الشبلنجي.
(43) نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار، الشيخ مؤمن بن حسن بن مؤمن الشبلنجي، دار الفكر، ص187.
(44) راجع: The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1235

[الصفحة - 317]


لكن (المهدوية) لم تكن بشكل موحد داخل المذهب الشيعي. فتعددت التيارات الشيعية وما ذهبت اليه من معتقدات. ومع أن دراسة رأي الاثني عشرية ـ في هذا المقال ـ هو الأكثر أهمية، إلاّ أن ذكر الاعتقادات الأُخرى لا مفرّ منه أيضاً.
تطور نظرية المهدوية في التشيع
اتخذت التيارات الشيعية، ومنذ القرن الأول، من بعض افراد أهل البيت (مهدياً)، استناداً إلى تلك الروايات الواردة في السنة النبوية والمتعلقة بقضية المهدي، وبما أن عمر اُولئك المعنيين كان يمضي وينصرم دون تحقيق الأهداف، لذا كان أتباعهم يبقون على أمل عودتهم ثانية في بعض الأحيان. وهذا ما نلاحظه جلياً في محمد بن الحنفية الذي أنكر موته الكيسانيون، فاعتقدوا بأنه تغيّب في جبل رضوى، وسيعود مجدداً ليحكم العالم. وهناك حالات مشابهة نذكر منها: قضية أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية المتوفى سنة (98هـ / 716م)، وعبد الله بن معاوية (130هـ / 748م)، ومحمد ابن عبد الله ذو النفس الزكية (145هـ / 762م)، والإمام جعفر الصادق (عليه السلام) (148هـ / 765م)، وآخرون عديدون في القرون اللاحقة.
والذي تجدر الاشارة اليه هنا، هو أن الخطاب الشيعي كان يغلب عليه منح المهدي الموعود صفة (القائم)، ولعل أول من اُطلق عليه هذا اللقب هو محمد بن الحنفية (45). وكيف كان معنى اللفظة اللغوي، تبقى دلالتها في الفكر الشيعي عبارة عن ذلك الرجل الثائر بغية إقامة حكومته. وكان هذا المفهوم متداولاً حتى زوال العصر الأُموي، وكان مرادفاً إلى حدٍّ ما إلى لفظة (المهدي) في المفاهيم الشيعية (46). أما إطلاق لفظ (قائم آل محمد) فكان يتضمن إشارة إلى الاحتراز من قيام غيره.
توسع مفهوم (الغيبة) بُعيد استشهاد الإمام السابع موسى الكاظم (عليه السلام) (183هـ / 799م) بين أفراد الفرقة الواقفية، فاعتبروه آخر الأئمة، ووقفوا عليه لينتظروا رجوعه بعنوانه (المهدي) المنتظر (47). بينما كان يعتقد البعض منهم أنه لم يمت وإنما يعيش في خفاء عن الأنظار، إلاّ أن الغالبية قالت بوفاته وعودته حياً ثائراً. كان ذلك استناداً منهم إلى روايات نسبوها للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مضمونها بأن المهدي هو (القائم)
________________________________________
(45) راجع: The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1235.
(46) يطلق مفهوم (الواقفية) في معناه العام على اُولئك الذين يقفون عند آخر أئمتهم، مع الاعتقاد منهم بعودتهم وظهورهم ثانية بعنوان المهدي المنتظر. راجع: تاريخ وعقائد الإسماعيلية، الدكتور فرهاد دفتري، ترجمة الدكتور فريدون بدرئي، انتشارات فرزان روز، ص 123.
(47) راجع:The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1235.

[الصفحة - 318]


الذي يقوم من بعد موته. وكان من رواد الحركة الواقفية في الكوفة الحسن بن علي بن حمزة البطائني (48)، وله كتاب في (الغيبة).
وقد كُتبت في الغيبة كتب عديدة من قبل الواقفية والإمامية القائلين باستمرارية الإمامة بعد الكاظم (عليه السلام) (49).
لقد كان الواقفيون يأخذون بالروايات المرتبطة بموضوع (المهدي) و(الغيبة)، والمنقولة عن الأئمة ليوظفوها في إثبات دعواهم، ومن تلك الروايات ما ورد في سندها الحسن بن علي بن أبي حمزة الواقفي، والرواية منسوبة للإمام الباقر (عليه السلام) ومضمونها:- «إن في صاحب هذا الأمر من كل نبي خصلة: فخصلة من موسى بن عمران، وخصلة من عيسى، واُخرى من يوسف، وهكذا من محمد (رضي الله عنهما). فمن موسى الخوف والانتظار (خائفاً يترقب)، ومن عيسى أن ما قيل في عيسى ينطبق عليه، ومن يوسف السجن والغيبة، ومن محمد (رضي الله عنهما)حمل السيف». وفي الخاتمة أيضاً يزيدون قضية سجن موسى الكاظم (عليه السلام) ودعوى قتله من قبل أعدائه (50). وللواقفية روايات اُخرى طبقوها على حياة وممات الكاظم (عليه السلام)، منها ما ينسب للإمام الصادق (عليه السلام) من أن الغيبة على قسمين: إحداها أطول من الأُخرى. فاعتبرها الواقفية بمثابة سجن هارون للإمام الكاظم (عليه السلام) مرتين (51). وتأويل هذه الروايات عند الإمامية هو بما يسمى الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر.
ومن جملة الحركات المنسوبة للتشيع السبئية، نسبة لعبد الله بن سبأ. قالوا فيهم: إنهم اعتبروا عليّاً (عليه السلام) نبياً من أنبياء الله، فتبعهم جماعة في ذلك. إلاّ أن عليّاً (عليه السلام) تصدى لهم وحاربهم. وقيل: إنهم يرون في علي (عليه السلام) (المهدي المنتظر) وأنه لم يمت حين استشهاده وإنما عرج إلى السماء حياً، وسيعود ثانية لكي ينتقم من أعدائه (52). والسبئية هم من المعتقدين بـ (الرجعة) أيض (53).
ومنها أيضاً الزيدية، وكانوا أقل اهتماماً بنظرية (المهدوية).
ومن بين الزيدية كانت للجارودية ـ نسبة لأبي الجارود زياد بن زياد ـ معتقدات مغايرة في هذا المجال. فلم يكن البعض منهم لينتظر شخصاً بعينه، انما عقيدتهم هي كل من يحمل السيف من ذرية الحسن أو الحسين(عليهما السلام) يكون هو
________________________________________
(48) وهو من أصحاب ورواة الامامين الصادق والكاظم ويعتبر من زعماء الواقفية، وكان من الملازمين لأبي بصير يحيى بن أبي القاسم (المتوفى 150هـ)، فنقل عنه الكثير من الأحاديث. رسالة العالم الإسلامي، مصدر سابق.
(49) The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1236.
(50) لم ترد هذه الرواية هكذا في مصادر الامامية امثال كمال الدين وتمام النعمة للصدوق؛ وكتاب الغيبة للطوسي؛ واثبات الوصية للمسعودي، ففيما يخص خصال يوسف وردت هناك اُمور من قبيل: (الستر) والاختفاء والاحتجاب، وأن الناس كانوا يرونه ولا يعرفونه. ومن جملة الصفات: (الغيبة)، وحسن الوجه،والقدرة، الأمر الذي بالامكان مطابقته مع الامام الكاظم (عليه السلام)، كل تلك المسائل لم ترد في نصوصهم. اُنظر: منتخب الأثر، لطف الله الصافي الكلبايكاني.
(51) The Encyclopedia of Islam, V.5, p. 1235.
(52) راجع: ترجمة فرق الشيعة، ص 40.
(53) مقالات الإسلاميين؛ للاشعري، ج1، ص 85.

[الصفحة - 319]


(الموعود المنتظر).
البعض منهم اعتقد بُعيد قتل محمد بن عبد الله ذي النفس الزكية بأنه لم يمت، وأنه هو ( المهدي المنتظر) الذي سيظهر ويعود عندما تُملأ الأرض ظلماً وجوراً؛ لينشرها قسطاً وعدلاً ويحكم العالم. وذهب آخرون من الجارودية إلى القول بانتظار بعض الشخصيات أمثال محمد بن القاسم الثائر في طالقان، ومحمد بن عمر في الكوفة. وهناك مجموعة منهم ينتظرون ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، المقتول سنة (248 أو 250هـ) (54).
وكان الأبرز بين شخصيات الحركة الجارودية بعنوانه (المهدي المنتظر)، هو محمد بن القاسم المنتفض أيام المعتصم العباسي بطالقان، فجذب العديدين حوله، إلاّ أنه هُزِم وسُجن، ثم هرب بعدها من السجن فلم يسمع عنه خبر قط، فتضاربت الآراء في مصيره، فذهب جماعة من الجارودية إلى أنه حي لم يمت حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجور (55).
يقول المسعودي في مروج الذهب: «ولا يزال الكثيرون ـ أي حتى عام 332هـ ـ من الزيدية يقولون بإمامته، وأن محمداً لم يمت، وسيظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً، وجورا وهو مهدي هذه الأُمّة» (56).
ومن الفرق الشيعية التي عنيت بشكل أكبر بمسألة المهدي، هي الإسماعيلية، وقد خضع تاريخ الفرقة الأكثر عدداً بعد الاثنى عشرية لمد وجزر واسع.
أسس الإسماعيليون حكومتين في القرون الوسطى إبان الخلافة الفاطمية ودولة النزاريين، فتمتعوا بقدرة سياسية واسعة (57).
لقد انشق الإسماعيليون عن سائر الشيعة للخلاف الواقع فيمن يخلف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إثر وفاته سنة 148هـ/765م, وكانوا قد دعوا منذ البداية لمفاهيم: ( الانتظار)، (الغيبة)، و(الظهور) أي ظهور الإمام الغائب الذي يظهر عاجلاً لإقامة الحكم العادل، فاعتبروا الإمام الموعود المنتظر (السابع) الظاهر مستقبلاً هو القائم (58).
اعتقد الاسماعيليون الأوائل ـ أو كما يعبر عنهم القمي في المقالات والفرق بالخلّص ـ بأن إسماعيل ابن الإمام الصادق حيّ لا يموت حتى يظهر لإصلاح اُمور
________________________________________
(54) مقالات الإسلاميين؛ ومقاتل الطالبيين.
(55) مقالات الإسلاميين ج 1، ص149؛ ايضاً يراجع في ذلك مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، انتشارات الشريف الرضي، ص 464 ـ 473.
(56) مروج الذهب، أبو الحسن علي بن حسين المسعودي، ترجمة أبو القاسم باينده، انتشارات الشركة العلمية الثقافية ج2، ص 465 ـ 466.
(57) تاريخ وعقائد الإسماعيلية، المقدمة، ص 15و 16.
(58) المصدر السابق ص640.

[الصفحة - 320]


الناس، وهو (القائم) (59).
ويظهر انه لم تجنح مجموعة من الاسماعيلية لفكرة الموعود، كما جنح القرمطيون.
وعندهم اسماعيل هو خليفة الصادق، وابن اسماعيل خليفة أبيه, فأنكروا موته وقالوا بغيبته، وأنه مختف في بلاد الروم، وهو (القائم المهدي), إلاّ أن معنى (القائم) عندهم هو ظهوره برسالة جديدة تنسخ الشريعة المحمدية (60).
أما الفاطميون من الإسماعيلية ممن قالوا بما يفوق سبعة خلفاء للرسول (رضي الله عنهما)، فقد تنبّؤوا بظهور (القائم) في الأزمنة البعيدة (61)، وذلك يتبع إلى حدٍّ كبير الامتداد الزمني للدولة الفاطمية، والآمال الأُخروية المرتبطة بالقائم والتي لم تكن محققة حينئذٍ. من هنا، كان من الضروري لهم افتراض ما يفوق السبعة أئمة ليسايروا الفترة الزمنية الآخذة بالامتداد دون تحقق المنشود، فكان ذلك ليفرض ظهور (القائم المنتظر) المتمم للحلقة الأخيرة في السلسلة، ويوكله إلى أمدٍ أبعد.
ثم ان البعض من الفاطميين وحتى زمن المنتصر كانوا قد تراجعوا عن الظهور المادي والحسي لمحمد بن إسماعيل، ونظروا للاكتفاء بالظهور الروحي والمعنوي لرجل من ذرية فاطمة (عليها السلام) (62).
لقد كان لفكرة المصلح الموعود انعكاسات غريبة في أفكار وأفعال الإسماعيليين، فعلى سبيل المثال: كان الشيوخ النزاريون المروّجون للفرقة النزارية في الهند من قبل الاسماعيليين يصورون للهندوس على أن عليّ بن أبي طالب هو الكلكي (Kalki) الأُوتارة العاشرة للوشينو الذي يعتقد الهندوس بانه يظهر آخر الزمان لإقامة العدل والسلام، وذلك بغية وضع المفاهيم الدينية في قوالب معهودة لدى الفكر الهندي.
يبقى ما عليه الإسماعيلية اليوم من اعتقاد بفكرة ظهور موعود آخر الزمان (القائم)، وما لذلك من دور في حياتهم الدينية والمعنوية رغم وجود الأحياء من دعاتها ورموزها، هو بحاجة للدراسة والتحقيق.
والخلاصة، إن الفكرة تمتاز بتوسع وشمولية لدى فرق الشيعة بشكل ملحوظ
________________________________________
(59)راجع: المقالات والفرق، ص 80؛ في كتاب تاريخ الإسماعيلية يعبر عن هذه الجماعة بالإسماعيلية الواقفة والأصلية. تاريخ الإسماعيلية المقدمة، ترجمة الدكتور فريدون بدرئي، ص9.
(60) المقالات والفرق،ص83 ـ 84؛ ثورة القرامطة، مصدر سابق.
(61) تاريخ وعقائد الإسماعيلية، ص 165.
(62) المصدر السابق، ص269

[الصفحة - 321]


جداً, وهناك تعددت الأقوال في نسب الموعود وهويته وتفاصيل شخصيته، فقال البعض هو محمد بن الحنفية، وآخرون أنه ولده أبو هاشم، وذهبت (المغيرية) إلى أنه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب المعروف بذي النفس الزكية، واعتبر الخلّص من الإسماعيلية (الإسماعيلية الأوائل) المهدي هو إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وزعمت الناووسية بأن الصادق (عليه السلام) هو المهدي المنتظر.
أما المباركية (من الإسماعيلية)، فقد قالوا بمهدوية محمد بن إسماعيل بن جعفر، ووقفت الواقفية على إمامة موسى الكاظم المنتظر ظهوره، وقالت الفرقة العسكرية بمهدوية الإمام الحسن العسكري، والمحمدية بمهدوية الإمام أبي جعفر محمد بن علي الهادي. أما عند الإمامية الاثني عشرية فليس المهدي الموعود إلاّ ابن الإمام الحسن العسكري المسمّى بالمهدي (63).
ولا يخفى في هذا السياق ما لمبادئ الاثني عشرية من أهمية بالغة في الصعيد ذاته من بين سائر فرق الشيعة.
الإمامية الاثنا عشرية
ليس جزافا لو قلنا بان المذهب الاثني عشري هو الأكثر التزاماً وتبييناً من بين سائر الأديان والمذاهب لفكرة المصلح الموعود، والأهم في ذلك هو أن موعودهم يحمل معه السمات المميزة لهذا المعتقد، فهم يعتقدون أن (المهدي) هو الشخص الثاني عشر في تسلسل أئمتهم. إذن، فكل ما يصدق على (الإمام) ينطبق لا محالة على المهدي أيضاً، وفي عقيدة الإمامية أن (الإمام) هو وصيّ رسول الله (رضي الله عنهما) وامتداد لرسالته ونشر دينه، ناهيك عن كونه ( حجة)، فكلامه حق، وصفاته من صفات خالقه. فهو من هذه الناحية يشبه إلى حدٍّ كبير (اُوتارة) الهندوس و (كلمة الله)عند المسيحيين، إلاّ أن دائرة كمالاته لا تقف عند هذا فقط.
فهو(باب الله)، أي منه وإليه يسير، ولا حدود لمدارك علمه، فلا يتردد في إجابة سائل، ولا يحتاج لعلم عالم، وهذا هو ما يميزه عن سائر المدّعين (64).
والإمام هو (صاحب الزمان)، أي أنه لا يوجد في عصره من يرقى لخصائصه
________________________________________
(63) مقدمة ترجمة فرق الشيعة للنوبختي، محمد جواد مشكور، ص 158.
(64) كتاب الغيبة للنعماني ، باب (ما يعرف به عليه السلام).

[الصفحة - 322]


القيمية، وصفاته الانسانية، فهو في قمة المجتمع البشري. من هنا يكون إماماً لكل العصور بالأصالة، وهو (صاحب الأمر) بمعنى أن بيده مقاليد الأُمور التكوينية والتشريعية، وبما أنه ( حجة) لا يمكن افتراض خلو الأرض منه (65).
ومضافاً لما يتمتع به المهدي الموعود من صفات يلاحظ كونه (إماماً) ثمة صفات اُخرى وأدوار خاصة به استناداً لكونه (موعوداً منتظراً)، وقد جمعت الروايات المرتبطة بعقيدة الشيعة الاثني عشرية بـ (المهدي القائم) مفصلاً في كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني (أواسط القرن الرابع الهجري / العاشر للميلاد)، وكتاب إكمال الدين لابن بابويه القمي المعروف بالصدوق ( المتوفى 381هـ/991م).
وهو ـ استناداً لهذه الروايات ـ الابن المباشر للإمام الحسن العسكري (المتوفى 260 هـ/873م)، وهو الإمام الثاني عشر عند الإمامية المولود سنة (255هـ/869م)، ثم اختفى عن الأنظار بُعيد وفاة والده بأمر الله وقدرته، فكان له غيبة صغرى اتصل خلالها بسفرائه فعلموا بمكانه، أما في غيبته الكبرى فلا يعرف مأواه إلاّ أصحابه الخلّص المقربين، وقد أخبر الأئمة السابقون بموضوع (الغيبة) (66)، كي يهيئوا شعيتهم لتفهم الموقف؛ لتصبح عقيدة (الغيبة) و(انتظار الفرج) فيما بعد من أهم عقائد الشيعة الاثني عشرية. ووفقاً لهذه العقيدة بات الاصطبار وتحمل الشبهات والفتن الملمة بالمؤمنين من فاضل الأعمال وأحمزها هذا من جهة، ومن جهة اُخرى هو بمثابة امتحان وابتلاء يميز الأبرار من المؤمنين عن غيرهم، ويعتبر (الانتظار) في الثقافة الشيعية ـ استناداً لتلك الروايات المعتبرة ـ من أهم العبادات أيضاً، ولا تعني الغيبة انفصاله عن مصير الأُمّة مادياً ومعنوياً، حيث يبقى العالم بشكل عام، والمعتقدون بدينه ودين آبائه بشكل خاص على اتصال ببركاته ومده المعنوي كشمس حجبتها الغيوم دون أن تحجب منافعها وأثرها عن ساكني الأرض.
أما بالنسبة لظهوره، فثمة علامات لا بدّ من تحققها قبل ذلك، وقد ذكرت تلك العلامات مفصلاً في المصادر الآنفة الذكر وغيرها من المصادر الروائية، من أبرز تلك العلامات شيوع الأوبئة والأمراض، وارتفاع كلفة المعيشة وصعوبة القوت، بالإضافة لتفشي الظلم والجور في أنحاء العالم(67). وتذكر تلك المصادر أيضاً علامات خاصة
________________________________________
(65) راجع: اُصول الكافي، كتاب الحجة، باب (إن الارض لا تخلو من حجة). وللاطلاع على هوية ومنزلة الامام عند الشيعة الامامية يراجع: الغيبة للصدوق، ص 147 ـ 148.
(66) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، الأبواب 24-38، دار الكتب الاسلامية.
(67) منتخب الأثر، لطف الله الصافي الكلبايكاني، الطبعة السابعة، نشر داوري، ص439 ـ 452.

[الصفحة - 323]


لذلك، أبرزها اندلاع ثورات الحق ضد الباطل، ومن أشهر تلك الحركات الثورية ثلاث هي:
أولاً: نهوض اليماني في اليمن.
ثانياً: الخراساني براياته السود يبدأ من خراسان وصولاً إلى ضفاف دجلة. وهناك روايات تشير إلى وجود ثلة من أنصار القائم بين أفراد جيش الخراساني.
ثالثاً: ظهور صاحب النفس الزكية الثائر مع جملة من أتباعه حتى يقتل (68). ايضاً ذكرت المصادر الروائية ظهور حركات جائرة معتبرة إيّاها من الأحداث القريبة لزمن الظهور، منها ظهور السفياني في الشام في شهر رجب فيحكم تسعة أشهر فيجهز جيشاً لمحاربة المهدي، إلاّ أن الأرض تخسف به إعجازاً من الله عزّ وجلّ، كذلك الدجال بمظهره الغريب الذي يقتل على يد المهدي (69).
يذكر أن بعض المفكرين من المسلمين أخذوا بظاهر هذه التنبؤات، فاعتبروا السفياني والدجال عناوين يمكن صدقها على كل انسان مخادع وماكر، أو كل نظام وثقافة خاطئة ظالمة (70).
إذن، بظهوره يعم الدين الإسلامي سائر الأقوام والشعوب، وهذا لا يعني بأنه سيقضي على من هم ليسوا مسلمين ويبقي على شيعته، بل بالإمكان أن يكون من أنصاره المسلم وغيره من سائر الأديان، ويمكن أيضاً أن يضلع عن دربه من هم من شيعته بالأصل، حيث يروي النعماني في كتابه الغيبة فيقول: «إذا خرج القائم، خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله، ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر» (71).
وستعم فتوحاته سائر أنحاء العالم، وسيلتقي ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً من شتى بقاع الأرض دون موعد سابق هم أصحابه الخلّص الأبرار، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وبه يتكامل عقل الإنسان فيعم السلام على الجميع، ومن الناحية المادية أيضاً سيعيش الجميع برفاهية، وتخرج الأرض كنوزها ومعادنه (72). ويضاف إلى تلك الأحداث والعلامات نزول عيسى من السماء عند قيام المهدي (عليه السلام).
فالمسيح - وفقاً للفكر الإسلامي ـ لم يصلب أو يقتل، إنما صعد للسماء الرابعة حياً. ويقتدي عيسى بإمامة المهدي فيصلي خلفه ويكون من أنصاره، وتنص الروايات
________________________________________
(68) كما قلنا سابقاً أن لقب النفس الزكية هو العنوان الذي اُطلق على محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام)، وهو من اصحاب الامام الصادق (عليه السلام). قاد حركةً سنة (145هـ/762م) وقتل فيها. اُنظر صفحات سابقة من هذا المقال؛ وريحانة الأدب ج6, ص22. إذن، هناك تفسيران للنفس الزكية في الثقافة الاسلامية.
(69) راجع: منتخب الأثر، ص454؛ كمال الدين وتمام النعمة ج2؛ بحار الأنوارج54 و53؛ ينابيع المودة؛ غيبة النعماني.... الخ.
(70) راجع: مهدي انقلابي بزرك (المهدي.. الثورة الكبرى)، ناصر مكارم الشيرازي، ص193 ـ201؛ انتظار مذهب اعتراض، علي شريعي، ص 42.
(71) الغيبة، النعماني، ص 217، باب (ما جاء في ذكر الشيعة عند خروج القائم).
(72) منتخب الاثر، ص468-478، وقد فسرت بعض الاتجاهات هذه الأخبار بتأويلات مختلفة وعديدة.

[الصفحة - 324]