البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مكانة الإمامة في الكلام الإسلامي قراءة في فكر المحقق الأردبيلي

الباحث :  الشيخ علي رباني كلبايكاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  43
السنة :  السنة الحادية عشر خريف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  294
مكانة الإمامة في الكلام الإسلامي
قراءة في فكر المحقق الأردبيلي

الشيخ علي رباني كلبايكاني (*)

ترجمة: الشيخ مصطفى الربيعي

أُشير عليّ أن أكتب مقالة بمناسبة المؤتمر التكريمي للمقدس الأردبيلي(قدس سره) استناداً إلى آرائه الكلامية. والموضوع الذي جلب انتباهي أكثر من بقية الموضوعات، هو مسألة الإمامة، ومن مرجّحات هذه المسألة أنّه قد طرحت أبحاث في الأوساط العلمية حول القيادة والحكومة الدينية، حتى أصبحت من مسائل العصر التي أثارت الحوار والجدل.
والآن قد حانت الفرصة ـ ضمن البحث عن آراء المقدس الأردبيلي حول مسألة الإمامة، وبالاستفادة من آراء بقية المتكلمين الإسلاميين ـ للبحث عن مسألة الإمامة والقيادة من زاوية الرؤية الكونية الإسلامية، على أمل أن يستفيد منه المحققون وأصحاب الفكر الثاقب.
الإمامة في اللغة والاصطلاح
قال المقدس الأردبيلي في تعريف الإمامة: «الإمام يعني القائد والرئيس، والمقدم في الأعمال؛ ولذا يقال لمن يُقتدى به في صلاة الجماعة إماماً، وفي اصطلاح الفرقة الناجية الاثني عشرية: يطلق الإمام على الشخص الذي نُصّب من قبل الله سبحانه وتعالى خليفة ونائباً لرسول الله (رضي الله عنهما)، وقد قلنا في رسالة إثبات الواجب: إن
________________________________________
(*) أستاذ بارز في علم الكلام الإسلامي، من إيران.

[الصفحة - 277]


الإمام هو الشخص الحاكم على الخلق من قبل الله سبحانه وتعالى بواسطة شخص آخر في أُمور دينهم ودنياهم، مثل النبي، إلاّ أنّ النبي ينقل عن الله سبحانه بلا واسطة إنسان، والإمام ينقل عنه سبحانه بواسطة إنسان، وهو النبي» (1).
ولتوضيح البحث لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الإمام في اللغة هو المقتدى والمقدم، سواءً كان إنساناً أو شيئاً آخر، قال ابن فارس: الإمام: كل مَنْ اقتُدِي بهوقُدّم في الأُمور، والنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعيَّة، والقرآن إمام المسلمين (2).
وكما أنّ كلمة (إمام) أُطلقت في القرآن الكريم على بعض أفراد الإنسان، كذلك أُطلقت فيه على بعض الكتب السماوية، فإنّه كما قال تعالى في حق إبراهيم (عليه السلام) {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}(البقرة: 124)، وقال واصفاً التوراة: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً} (هود: 17)، وأُطلقت في موضع آخر على اللوح المحفوظ، قال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يس: 13).
ذكر علماء الكلام تعاريف مختلفة لـ (الإمامة)، وغالباً ما عرّفوها بأنّها: «الرئاسة والقيادة العامة للمجتمع في الأُمور الدينية والدنيوية».
ونحن نذكر نماذج من تلك التعاريف:
1 ـ الإمامة: رئاسة عامة دينية، مشتملة على ترغيب عموم النّاس في حفظ مصالحهم الدينية والدنيوية، وزجرهم عمّا يضرهم بحسبه (3).
2 ـ الإمامة: وهي رئاسة عامة في أُمور الدين والدنيا بالأصالة (4).
3 ـ الإمامة: هي خلافة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) في إقامة الدين، وحفظ حوزة الملة، بحيث يجب اتّباعه على كافة الأُمّة (5).
4 ـ الإمامة: هي رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)(6).
5 ـ الإمامة: هي رئاسة عامة في أُمور الدين بالأصالة (7).
والغرض من قيد (بالأصالة) في بعض التعاريف المتقدمة، هو الاحتراز عن الرئاسة والقيادة النيابية، التي تكون بالتعيين من قبل الإمام، من قبيل النواب الخاصين والعامين في عصر الغيبة.
________________________________________
(1) حديقة الشيعة: 3، نشر المكتبة الإسلامية.
(2) مقاييس اللغة 1: 28.
(3) هذا التعريف للمحقق نصير الدين الطوسي في قواعد العقائد: 108.
(4) هذا التعريف ـ أيضاً ـ للمحقق الطوسي في رسالة الإمامة، وقد طبعت هذه الرسالة منظمة إلى (تلخيص المحصل)، وذكره ابن ميثم البحراني ـ أيضاً ـ في كتاب قواعد المرام: 174.
(5) هذا التعريف للقاضي عضد الدين الإيجي الأشعري، شرح المواقف 8: 344.
(6) هذا التعريف لسعد الدين التفتازاني الأشعري، شرح المقاصد 5: 232.
(7) هذا التعريف لسديد الدين الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد 2: 236.

[الصفحة - 278]


الإمامة والحكومة الدينية
ليس المراد من قيد (أُمور الدين) في التعريف الأخير، هو أن قيادة الإمام تنحصر في الأُمور الدينية، وليس له أي علاقة بالأُمور الدنيوية.
وبعبارة اُخرى، ليس هدف هذا التعريف هو فصل الدين عن السياسة، والقيادة الدينية عن إدارة المجتمع سياسياً واجتماعياً. بل، المراد أنّ تدخّل الإمام في الأُمور الدنيوية يصطبغ بصبغة الدين. فمسؤوليته هي جعل الأُمور الدنيوية تحت إشراف الدين وأحكامه، وعن طريق الدين يتحكم في الأُمور الدنيوية للمجتمع في أبعادها المختلفة.
وبعبارة أوضح: إنّ الأُمور التي ترتبط بحياة الإنسان الدنيوية لها حيثيتان:
1 ـ حيثية دينية.
2 ـ حيثية علمية وتجريبية.
ورسالة الإمام تختص بالحيثية الدينية، وأما الحيثية العلمية والتجريبية، فلا تعدّ من مهامه. نعم، من الممكن أن يكون الإمام خبيراً في هذه الأُمور أيضاً، ولكن لا يمكن عدّها من مختصات الإمام أو فلسفة الإمام؛ لأنّه بإمكان الآخرين أن يكونوا من أصحاب الخبرة فيها. وإنّما الذي هو من مختصات الإمام وفلسفة الإمامة إرشاد وهداية المجتمع دينياً في كل المجالات، سواءً كان في المسائل العبادية المحضة، كالصلاة والصوم، أو المسائل التي ترتبط بالسياسة والاقتصاد والقضاء والحقوق المدنية وغيرها، وهذه هي الحكومة الدينية، التي هي من أهداف الإمامة، كما كانت من أهداف النبوة أيضاً.
فالقائد الديني يشرف ـ وبدقة ـ على الأُمور التي ترتبط بالحياة الاجتماعية للناس، ويقوم ـ من أجل أداء رسالته وواجباته ـ بتشكيل المؤسسات اللازمة لهداية المجتمع دينياً، وفي مسير الأهداف الإلهية، ويمكنه الاستعانة بأصحاب الخبرة في تشخيص الموضوعات. بل، حتى لو كان هو ـ أيضاً ـ من أصحاب الخبرة في كل الأُمور الدنيوية أو بعضها، فالمصلحة تقتضي أن يستشير أصحاب الخبرة، ويتبادل الرأي معهم، ويقدم نظرهم ـ في بعض الأحيان ـ ويعمله فإنّ ذلك يكون محفزاً
________________________________________

[الصفحة - 279]


ومشجعاً لأصحاب الرأي والنظر في إبداعاتهم واكتشافاتهم مما يؤدّي إلى الرقي والتقدم العلمي في المجتمع.
وأساساً فإعمال العلم اللدنّي ينحصر بالمسائل والأُمور التي لا يمكن الوصول إليها بالطرق الاعتيادية؛ ولهذا كان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يقضي على أساس البينة واليمين، لا على أساس العلم اللدنّي، وكان يستشير أصحابه في أُمور الحرب وأمثالها. وبهذا تبيّن أنّ إدارة المجتمع دينياً ليس في عرض إدارته علمياً، حتى تكون مانعة الجمع، فنضطر إلى انتخاب أحدهما، أو تثار شبهة، بأن يقال: إنّه لا يمكن في العصر الحاضر إدارة المجتمع بدون الاستفادة من العلم الحديث والإدارة العلمية، ولا يبقى مجال ـ حينئذٍ ـ للإدارة الدينية.
والجواب عن هذه الشبهة: هو أنّه وإن كان صحيحاً أنّ الإدارة العلمية أمر لازم، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولكن الإدارة الدينية ـ أيضاً ـ لا يمكن الاستغناء عنها في المجتمع الديني، وهي أمر ضروري. وعلى هذا، فلا فائدة من وجود أحدهما بدون الأُخرى، وإنّما نشأت شبهة التعارض بينهما؛ لأنهم تخيلوا أنّهما في عرض واحد، والحال أنّ أحدهما في طول الأُخرى، كما اتضح، فالإدارة الدينية لها الإشراف على الإدارة العلمية. وهذا المطلب يمكن استفادته من كلمات الشيخ سديد الدين الحمصي الذي عرّفَ الإمامة بالقيادة في الأُمور الدينية، فمن المناسب للباحثين الرجوع إلى كلامه (8).
الإمامة والخلافة
قد يُتوهم ـ أحياناً ـ أنّ الإمامة والخلافة حقيقتان مختلفتان، وأنّ الاعتقاد بالإمامة مختصّ بالشيعة، والاعتقاد بالخلافة مخصوص بأهل السنة، لكن لا أساس لهذا التوهم، ولا خلاف بين الشيعة والسنة من هذه الناحية؛ لأنّ المجتمع الإسلامي يحتاج إلى إمام وقائد، وهو خليفة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم).
وإنّما الاختلاف بينهم في شرائط الإمام والخليفة وطرق معرفتها، قال المقدس الأردبيلي: «لفظ الإمام والوصي والخليفة والنائب والولي، كلها تفيد معنىً واحداً» (9).
________________________________________
(8) المصدر السابق 2: 236 ـ 238.
(9) حديقة الشيعة: 3.

[الصفحة - 280]


ويمكن القول: بأنّ عنوان الإمامة ناظر إلى قيادة الأُمّة، وعنوان الخلافة ناظر إلى أنّ هذه القيادة هي فرع النبوة ومترتبة عليها؛ ولهذا فقد استُعمل كلا التعبيرين ـ الخلافة والإمامة ـ في روايات أهل السنة وكلمات متكلميهم، وكذلك في روايات الشيعة وكلمات متكلميهم.
الإمامة من الاُصول أم الفروع؟
الإمامة من أُصول الدين عند الشيعة، وهي امتداد للنبوة عندهم. وأمّا عند أهل السنة، فالمشهور بينهم أنّها من الفروع، كما صرح بذلك عضد الدين الإيجي، قال: «هي عندنا من الفروع» (10). وقال التفتازاني: «وأحكامه في الفروع» (11).
وأمّا المقدس الأردبيلي فقال بهذا الصدد: «إنّ مسألة الإمامة من أُصول الدين؛ لأنّه ذكرها العلماء في الأُصول؛ ولأنّه رياسة في الدين والدنيا على عامّة المكلّفين بأمر من الله ورسوله كالنبوة، فلا معنى لكونها من الفروع العملية؛ ولأنّه روي بطرق متعددة من طرق الخاصة والعامة، بل كاد أن يكون متواتراً، ويقينياً عنه (صلي الله عليه و آله و سلم): «مَنْ مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»؛ ولأنّه لو كانت فرعية لجاز التقليد فيها، فيجوز لكلّ أحد أن يعتقد إمامة شخصٍ ويجعله إماماً ويتّبعه، فيحصل فيه فساد كبير، ويلزم أن لا يكون مذموماً، ولا يجوز توبيخه.. ومن الواضح جداً بطلان هذا، وإن كان بعض علماء أهل السنة، كالقاضي البيضاوي في كتاب المنهاج، وشراح كلامه ذهبوا إلى أنّ هذه المسألة من أعظم مسائل أُصول الدين، وعدَّوا منكرها كافراً ومبتدعاً» (12).
الأقوال في وجوب الإمامة
اتفقت كل الفرق والمذاهب الإسلامية ـ عدا جماعة من الخوارج، والأصم (13) من متكلمي المعتزلة ـ على وجوب الإمامة، وإنّما وقع الخلاف في أنّ وجوبها هل هو عقلي أم شرعي؟ وهل أنّه واجب على الله سبحانه أم على النّاس؟
قال المقدس الأردبيلي ـ في حواشي شرح التجريد، عند نقله كلام فخر الدين الرازي في الأربعين ـ : «قسّم الرازي في الأربعين وجوب النصب إلى العقلي
________________________________________
(10) شرح المواقف8: 344.
(11) شرح المقاصد 5: 232.
(12) حواشي شرح التجريد: 80، النسخة الخطية لمكتبة آية الله المرعشي النجفي؛ حديقة الشيعة: 18.
(13)الأصم: هو عبدالرحمن بن كيسان بن جرير، أبو بكر الأُموي المعروف بالأصم (توفي نحو 225هـ / 840م). متكلم، فقيه معتزلي، مفسر. عاش في البصرة ومات فيها. اتّصل بالإباضية وتأثر بأفكارهم. له آراء في الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها خالف فيها المعتزلة، فكانوا لا يعدّونه معتزلياً أصيلاً، وينظرون إليه على أنه اجنبي على الاعتزال. قيل: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، لكنه كان يخطّئ عليّاً (عليه السلام) في الكثير من أفعاله، ولا يعتبر خلافته صحيحة، ويصوّب معاوية في أفعاله، ويرى خلافته شرعية. (الأعلام للزركلي 3: 323، ط. السادسة 1984؛ دائرة المعارف الإسلامية الكبرى (الطبعة الفارسية) 9: 265، طهران 1379هـ . شمسي؛ الموسوعة العربية 2: 642، إصدار هيئة الموسوعة العربية ـ رئاسة الجمهورية ـ دمشق). (المصحح. المنهاج).

[الصفحة - 281]


والسمعي، ونَسَب الثاني إلى أصحابه ـ وهم أهل السنة ـ وإلى أكثر المعتزلة والزيدية؛ ثمَّ قسّم الأول إلى الوجوب علينا أو على الله سبحانه، حيث قال: (أمّا القائلون بأنّه ـ أي نصب الإمام ـ واجب، فهم فريقان:
أحدهما الذين قالوا: نصبه واجب، والطريق إلى معرفة هذا الوجوب السمع دون العقل. وهذا قول أصحابنا وأكثر المعتزلة والزيدية.
والثاني الذين يقولون: الطريق إلى معرفة هذا الوجوب العقل، ثمّ هؤلاء فريقان، منهم من قال: إنّه يجب عقلاً على الخلق أن ينصّبوا لأنفسهم رئيساً؛ وذلك لأنّ نصب هذا الرئيس، يتضمّن دفع الضرر عن النفس، ودفع الضرر عن النفس واجب عقلاً، وهذا قول أبي الحسين البصري من المعتزلة، ومن قدمائهم قول الجاحظ وأبي الحسين والخياط وأبي القاسم الكعبي، ومنهم من قال: بل يجب على الله تعالى نصب الإمام» (14).
يظهر من كلام نصير الدين الطوسي في (قواعد العقائد): أن الزيدية تشترك مع الشيعة الاثني عشرية في القول بالوجوب على الله، ويختلفون في كفاية وجود النصّ الخفي ـ الذي تقول به الزيدية ـ وعدم كفايته ـ الذي تقول به الاثنا عشرية ـ ومرادهم بالنص الخفي هو النص الذي يبيّن الأوصاف العامة للإمام وخصائصه، لا مصداقه (15). ولعل مراد الرازي من (أنهم يقولون بالوجوب على النّاس) هو أنّ مصداق الإمام يشخصه النّاس، وأوصاف الإمام وشرائطه بينها الله سبحانه وتعالى.
الإمامة وقاعدة اللطف
ذهب متكلمو الإمامية إلى أنّ الإمامة من مصاديق قاعدة اللطف ولذا يقولون: إنّ تعيين الإمام واجب عقلاً على الله سبحانه، قال نصير الدين الطوسي(قدس سره) في تجريد الاعتقاد: «والإمام لطف، فيجب نصبه على الله سبحانه تحصيلاً للغرض» (16)، وقال المقدس الأردبيلي في شرح هذه العبارة: «أما الأول ـ أي وجود الإمام لطف ـ فلا شك أنّ وجود الإمام موجب لدفع الضرر وحصول النفع في الدنيا، فلا ينتظم أمرَ المبدأ والمعاد إلاّ به، فيجب على الله سبحانه نصبه وتعيينه، فإنّه ممّا تختلف فيه الآراء،
________________________________________
(14) حواشي شرح التجريد: 81.
(15) قواعد العقائد: 10.
(16) شرح التجريد للقوشجي: 365.

[الصفحة - 282]


وقد تخفى المصالح والمفاسد، ولا يعلم ذلك إلاّ الله سبحانه وهو ظاهر لمن أنصف وتتبّع أحوال النّاس، فمنهم من يهتمّ بنفسه أو أقاربه أو أصدقائه والذي يحسن إليه فحسب، وليس كل النّاس تربطهم به مثل هذه الروابط، فإنّه لو كان بالنسبة إلى بلدٍ لم يكن إلى آخر كذلك، ولو حصلت مثل هذه الروابط مع الموجودين، فإنها لا تحصل مع مَنْ سيوجد، ولا بدّ أن يعرف المصالح والمفاسد أيضاً، ولا يكون ذلك إلاّ بتعليم الله تعالى إيّاه، وذلك لا يكون إلاّ في شخص رضي الله تعالى به، وعرف صلاحيته له، ومع ذلك فلا بدّ من عصمته حتى يتمّ المقصود، وهو أمر ظاهر لا يقبل النزاع والبحث، ولا ينازع فيه إلاّ المكابر والمقلّد لما وجد من غيره، ولم ينظر إلى ما كان بحقّ، فتأمّل.
وأمّا الثاني: فللكتاب الكريم، مثل قوله تعالى: {أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: 59)، والسنّة، مثل قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «مَنْ مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، ونحو ذلك. مما يدلّ على وجوب متابعة الإمام ومعرفته، وذلك فرع وجوب نصبه، فافهم. ولمّا لم يتمكّن المكلّفون منه، تعيَّن كونه على الله تعالى؛ والإجماع لأنّه ليس مخالف إلاّ نادراً لا اعتداد به، على أنّه لا شكّ في إجماع الإمامية على ذلك، وهو حجة.
فنسبة الوجوب على الله عقلاً فقط إلى الإمامية غير سديد، كنسبة الوجوب علينا عقلاً وسمعاً إلى الجاحظ والكعبي وأبي الحسين من المعتزلة، كما نقله في المواقف ونَسَب الوجوب علينا سمعاً إلى أهل السنّة، وعقلاً إلى المعتزلة والزيدية» (17).
وقال ـ في حديقة الشيعة ـ : «تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الإمامة لطف من الله تعالى في حق العباد؛ لأنّه لا يخفى على أي عاقل أنّ الحاكم على العباد إذا كان من قِبل الله تعالى ومن قبل رسوله (صلي الله عليه و آله و سلم)، يأمرهم بالطاعة والعبادة وينهاهم عن المعصية، ويحافظ على دين الله وشريعة رسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، وينتصر للمظلوم، ويحارب الظالمين، ويحل المشاكل التي تبرز في المجتمع، ويرجع إليه في الحوادث والأحكام، فإنّه لا شك ولا ريب في أنّ هكذا شخص يكون أقرب
________________________________________
(17) حواشي شرح التجريد: 80 ـ 81.

[الصفحة - 283]


إلى طاعة الله تعالى وعبادته، وأبعد عن معصيته، فيكون نصبه وجعله حاكماً لطفاً يقيناً؛ لما فيه من مصلحة العباد، فإنّه ليس المراد من اللطف شرعاً إلاّ هذا المعنى؛ يعني أن يوفر لهم أجواء الطاعة والبعد عن المعصية.
وحيث إنّ نصب الإمام لطف، واللطف واجب. إذن، يجب ذلك على الله سبحانه وتعالى» (18).
وقال في موضعٍ آخر: أمّا بيان وجه الحاجة للإمام بعد رحلة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، فهو أنّ الرحمة الإلهية التي اقتضت بعث الأنبياء والرسل؛ ليبلغوا النّاس الأوامر والنواهي الإلهية بأمانة، وبلا زيادة ونقصان، ويرجعون إليهم في ما يعنيهم من مصالح ومفاسد أو نفع وضر، تقتضي ـ أيضاً ـ نصب الإمام لنفس الغرض؛ ولهذا فقد جعل الله سبحانه لكل نبي خليفة بعد وفاته يحمي أحكام الشريعة المقدسة، ويصونها من الزيادة والنقصان، ومن قطّاع الطريق إلى الله سبحانه وشياطين الجن والإنس الذين يترصدون الفرص من أجل تخريب إيمان النّاس.
وأُشير ـ أيضاً ـ في عدة مواضع من القرآن العزيز إلى أنّه لا يخلو زمان من وجود إمام معصوم، منها: قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 43) والمراد من أهل الذكر ـ كما ذكره المفسرون ـ هم جماعة خاصون يعلمون معاني القرآن الكريم، وما يريده الله سبحانه، فتكون أحكامهم مطابقة للأحكام الإلهية؛ فإنّ الله سبحانه لا يأمر بإطاعة شخصٍ لا يعلم بما يريده سبحانه، وإنما يعمل بالظن الفاسد، ولا يرشد النّاس لأن يسألوه. وفسّر بعض المفسرين من أهل السنة (الذكر) في الآية بـ (الهداية برسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) )، وبناءً على هذا التفسير، يكون المراد من (أهل الذكر) هم أهل بيت الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم).
وأفضل دليلٍ على لزوم وجود الإمام هو أنّه قد جرى النظام الإلهي على أن يكون لكل موجود مديراً ومدبّراً، حتى الحواس الظاهرة والباطنة من بدن الإنسان جعل لها مديراً وقائداً، وهو القلب ( الفكر) يرجع إليه لتصحيح خطأ الحواس، فإذا كان صحيحاً وسالماً، تكون الحواس كلها صحيحة وسالمةً، وإذا فسد فسدت. وعلى هذا فمن المتيقن أن الله سبحانه لا يترك كل هذا الخلق في هذه المدة الطويلة ـ من يوم
________________________________________
(18) حديقة الشيعة: 12 ـ 13.

[الصفحة - 284]


رحلة الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم) إلى يوم القيامة ـ في الحيرة والضلالة، وبلا قائدٍ ومرشد، وقد قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة: 36). لا، ليس هكذا، فإنّ هذا خيال فاسد، فإنّه بلا أمير وقائد إلهي لا يتحقق ما يريده الله سبحانه من عباده، ولا ما يرجوه العباد منه تعالى (19).
تحليل (الوجوب على الله)
وقع أصل (الوجوب على الله سبحانه) ـ الذي هو أحد أُصول الكلام عند العدلية ـ موقع الإشكال عند متكلمي الأشاعرة، ومَنْ ليس لهم معرفة صحيحة بالمفاهيم والاصطلاحات الكلامية، وحاصل الإشكال هو أنّه يلزم من هذا الأصل تحديد مشيئة الله سبحانه وحاكميته، وأن العقل يحدد ما ينبغي على الله سبحانه فعله، وهذا فرع أن يكون للعقل مقام المولوية والحاكمية على الله سبحانه. والحال أنّه ليس لأحدٍ ولاية وحكومة عليه سبحانه؛ بل له الولاية والحكومة على كل شيء، ومنشأ هذا الإشكال هو الخلط بين الوجوب الفقهي والوجوب الكلامي، توضيح ذلك: هو أنّ لـ(الوجوب) عدة استعمالات:
1 ـ الوجوب الفلسفي: الذي هو بمعنى ضرورة وحتمية الوجود، وينقسم إلى الوجوب بالذات، والوجوب بالغير، والوجوب بالقياس إلى الغير.
2 ـ الوجوب الفقهي: الذي هو جعل القانون، وتحديد وظيفة الآخرين، ويختص بالله سبحانه.
3 ـ الوجوب الكلامي: الذي هو مختص بأفعال وصفات الله سبحانه، والمراد منه الملازمة الوجودية بين الأفعال والصفات الذاتية، وهذا يرجع في الحقيقة إلى أصل السنخية بين الفعل والفاعل. وعلى هذا، فحيث إنّ صفات الذات الإلهية، هي في أعلى درجات الكمال، فأفعاله ـ أيضاً ـ في أعلى درجات الكمال. فمن غير المتوقع أنْ يصدر من الله العليم القدير الجواد الرحيم الحكيم غير الأفعال المحمودة، وتسمى هذه الملازمة بين الأفعال وصفات الذات بـ (الوجوب على الله). ودور العقل ـ هنا ـ هو المعرفة والإدراك، لا جعل القانون وتعيين التكليف، فالوجوب الكلامي ـ في الحقيقة ـ
________________________________________
(19) حديقة الشيعة: 4 ـ 6.

[الصفحة - 285]


هو من قسم (الوجوب بالقياس) في اصطلاح الفلاسفة، ولهذا الاصطلاح منشأ قرآني ـ أيضاً ـ فقد اعتبر القرآن الكريم الهداية واجبة على الله، قال تعالى: {وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ} (النحل: 9), وقال أيضاً: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} (الليل: 12)، فلم يفرق أصحاب الإشكال بين الوجوب الكلامي والفقهي، فتخيلوا أنّ المراد من ( الوجوب على الله) هو الوجوب الفقهي، كما قال الفخر الرازي في ردّ (الوجوب على الله): «إنّ الحكم لا يثبت إلاّ بالشرع، ولا حاكم على الشرع، فلا يجب عليه شيء»(20)، وقال المحقق الطوسي رداً على هذا الكلام: «ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحق تاركه الذم، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذم، والكلام فيه هو الكلام في الحسن والقبح بعينه»(21).
وقد ذكر الحكيم اللاهيجي في (كوهر مراد) فصلاً شرح فيه (الوجوب على الله)، ومما قاله فيه: «إنّ حكم العقل باتّصاف الله تعالى بصفات الكمال، ووجوب تنزهه عن صفات النقص يرجع إلى حكم العقل، بأن كل ما يتصف الإنسان من الصفات الكمالية، فهي موجودة في خالقه وصانعه بشكل أتمّ وأكمل، وكل ما يحكم بأنّه من صفات النقص فيه يجزم بأنّ الله سبحانه منزه عنه بالضرورة، وحيث إنّ هذه القاعدة مسلمة في الصفات، فهي في الأفعال لا بدّ أن تكون كذلك» (22).
الجواب عن بعض الإشكالات
وردت عدة إشكالات (23) على إثبات وجوب الإمامة بقاعدة اللطف، أجاب عنها المقدس الأردبيلي، ونحن نذكر هذه الإشكالات مع أجوبتها:
الإشكال الأول:
إنما يكون وجود الإمام من مصاديق قاعدة اللطف عندما يكون حاضراً بين النّاس، ينتفعون به في دينهم ودنياهم، والحال أنّ الشيعة يجوّزون غيبة الإمام، ويعتقدون أنّ الإمام في زماننا هذا غائب، وبتعبير آخر: لا يمكن الجمع بين الاعتقاد بجواز أو لزوم غيبة الإمام وقاعدة اللطف.
________________________________________
(20) تلخيص المحصل: 342.
(21) المصدر السابق نفسه.
(22) كوهر مراد: 349، طبعة وزارة الإرشاد الإسلامي ـ طهران.
(23) هذه الإشكالات لفخر الدين الرازي، والظاهر أنها سبعة إشكالات، إلاّ أنّ المهم منها أربعة إشكالات؛ لأنّ فيها تكراراً، كما قال المقدس الأردبيلي وهي محل البحث والتحقيق في هذه المقالة.

[الصفحة - 286]


الجواب:
أولاً: مسألة الغيبة من مختصات الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالی فرجه الشريف)وعلى هذا، فالشيعة لا تقول بجواز الغيبة في حق جميع الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام).
ثانياً: بعد أنْ ثبت بالأدلة العقلية والنقلية وجوب وجود الإمام في كل عصر وزمان، فلا يمكن جعل غيبته دليلاً على عدم وجوده، بل، لا بدّ من البحث عن فوائد وجوده، ولو فرضنا أنّا لم نستطع إثبات أي فائدة تترتب على وجوده، فلا يكون هذا دليلاً على عدم وجودها واقعاً.
ثالثاً: يمكن القول: بأنّ بقاء الدين والدنيا هو من فوائد وجود الإمام الغائب(عجل الله تعالی فرجه الشريف)، كما هو المشهور عند الصوفية، من أنّ انتظام الحياة في كل زمان متوقف على وجود القطب، حتى وإن كان مخفياً.
رابعاً: إنّ أصل وجود الإمام لطف، وتصرفه في الأُمور لطف آخر، ونفي البعض لا يستلزم نفي الكل.
خامساً: إنّ حرمان النّاس من فوائد وجود الإمام (عجل الله تعالی فرجه الشريف)ليس من الله سبحانه أو الإمام، بل هو من النّاس أنفسهم، فإنّهم لم يكونوا مؤهلين لإطاعة أوامره، بل كانوا يريدون قتله. وتوضيح ذلك: إن اللطف في الإمامة له ثلاث حيثيات:
1 ـ ما يجب على الله تعالى، وهو خلق الإمام المعصوم وتمكينه بالقدرة والعلم والتنصيص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله الله تعالى.
2 ـ ما يجب على الإمام، وهو قبوله وفعل ما يجب عليه من تعليم النّاس وإرشادهم، وبيان ما يحتاجون إليه من العلم والعمل، وهذا يفعله مهما أمكن.
3 ـ ما يجب على الرعية، وهو مساعدته ونصرته وقبول أوامره ونواهيه وتصرّفه، وإيصال إتمام النفع موقوف على هذا، وهذا لم تفعله الرعية. فكان منع اللطف الكامل منهم، لا من الله تعالى، ولا من الإمام.
وليس هنا واجب على الله تعالى إلاّ إيجاب ذلك عليهم، وبيان أنّه يجب متابعتهم له، لا فعل ذلك جبراً وقهراً، كما في النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إذا لم يطاع. بل، قد يُغلب ويعصى كثيراً.
________________________________________

[الصفحة - 287]


والحاصل: إنّ الأمر ـ هنا ـ راجع إلى أنّه قد عُلم بالعقل والنقل وجود إمام مخفيّ، وأنّما خفاؤه من جهة المكلفين، فاقتضت المصلحة اختفاءه، ولا محذور فيه بوجه أصلاً. فالعجب من الشارح (الفاضل القوشجي) الذي ـ بعد تقريره لكلام المصنّف الذي قال فيه: «إنّ وجود الإمام لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه منّا»، ونقله لكلام الإمام عليّ (عليه السلام)، حيث قال: «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً» (24) ـ قال: «بأنّا لا نسلّم أنّ وجوده بدون التصرف لطف» (25)، مع أن الظاهر أنّه يعتقد حجية كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما ردّهبوجه.
ثمَّ العجب من عدم التفرقة بين وجود إمام مرجوٍّ ظهوره في كلّ آنٍ، وبين معدوم يُرجى وجوده ثم ظهوره، مع ظهور الفرق بين الموجود المخفي وبين المعدوم المرجوّ، فإن أهل القرية إذا علموا أنّ الحاكم في البلاد مخفيّ خاف من شخصٍ، فإذا زال الخوف خرج إلى القرية وفعل بهم كذا وكذا، خافوا ولم يخالفوا الحاكم، بخلاف ما إذا لم يعلموا ذلك، ولكن يتوقعونه بعد. وهو ظاهر (26).
الإشكال الثاني:
كما أن كون الخلق أقرب إلى الطاعات وأبعد عن المعصية أتمّ وأكمل عند وجود الإمام منه عند عدمه، فكذلك هذه الأحوال أكمل عند وجود القضاة المعصومين، العساكر المعصومين، والنوّاب المعصومين، والحال أنّ الإمامية لا يوجبون شيئاً من ذلك على الله سبحانه.
الجواب:
إنّ مقتضى قاعد اللطف هو وجوب نصب الإمام، وأما عصمته فتثبت بدليل آخر، ولهذا أثبت متكلمو الإمامية وجوب نصب الإمام أولاً، ثم لزوم عصمته؛ وذلك لأنّ مفاد قاعدة اللطف هو أنّ وجود الإمام يؤثر في تقرب العباد إلى الطاعات وابتعادهم عن المعاصي، وهذا الهدف يتحقق ـ أيضاً ـ بوجود الإمام العادل، وأما العصمة فتجب بملاك آخر.
على أنّه قد يقال: دليل أهل السنّة ـ أيضاً ـ منقوض، بأنّه لا شكّ في عدم
________________________________________
(24) نهج البلاغة، قسم الحكم: رقم 147، تنظيم وضبط د. صبحي الصالح.
(25) شرح التجريد للقوشجي: 366.
(26) حواشي شرح التجريد: 82 ـ 87.

[الصفحة - 288]


الضرر مع وجود القضاة المعصومين والعساكر المعصومين، وفي عدمه ضرر عظيم، فيجب على النّاس نصب ذلك، مع أنّه لا يجب، فإن قيل: بعدم المعصوم منهم، فنحن ـ أيضاً ـ نقول به. ووجوبه على الله أنّما يكون مع وجوده وقد وجد في الإمام،ولا يجب على الله أن يجعلهم معصومين، بل إن فعل لخرج عن التكليف وآل إلى الجبر.
من جانب آخر، فإن مقرّبيّة اللطف لها مراتب، وليس كلها واجبة على الله سبحانه، وإلاّ لوجب كون كل مكلف معصوم (27).
الإشكال الثالث:
إنّما يكون الفعل من مصاديق اللطف إذا كان مشتملاً على المصلحة من جميع الجهات، وليس فيه أي مفسدة، بل لا يحتمل أن تكون فيه، ولذا لا يكفي في كون وجود الإمام لطف أن تكون فيه مصلحة؛ لأنّه من الممكن أن تترتب عليه مفاسد من وجه آخر، حتى وإن كنّا لا نعلمها، وإنّما نحتمل وجودها.
الجواب:
قال المحقق الطوسي : والمفاسد معلومة الانتفاء، فإنّا نجد المصلحة والمفسدة والواجب والحرام، وأيضاً نحن إنّما نُكلّف بظننا، والغرض حصول المصلحة خالية عن المفسدة، بل نقول: نعلم يقيناً حصول المصلحة في نصب إمام نقول به، وعدم المفسدة بالبداهة، ولهذا نقول بخفائه مع المفسدة في ظهوره دون خفائه (28).
إنّ الغاية والهدف من وجود الإمام هو هداية النّاس، وحفظ الشريعة وتطبيقها، ومن البديهي أنّه لا يوجد في الفكر الديني غاية وهدف أهم من هذه الغاية.
الإشكال الرابع:
إنّه مع فرض وجود هذا اللطف المقرّب، فإنّه لا يخلو من أحد أمرين:
1 ـ إنّ الله سبحانه يعلم بحصول مانع يمنع من ترتب الغرض المطلوب من ذلك اللطف.
2 ـ إنّ الله سبحانه يعلم بعدم حصول مانع من ترتب الغرض المطلوب.
________________________________________
(27) المصدر السابق: 87 ـ 88.
(28) المصدر السابق: 88 ـ 89.

[الصفحة - 289]


أمّا بناءً على الأمر الأول، فإن فعل اللطف من الله سبحانه يكون لغواً وبلا فائدة، وحيث إننا نرى أنّ بعض المكلفين غير مطيعين، إذن لا بدّ أن يكون هناك مانع عن تأثير اللطف في حقهم، وعلى هذا فلا يمكن إثبات وجوب نصب الإمام بقاعدة اللطف.
الجواب:
إنّ الله سبحانه يعلم بحصول مانعٍ عن اللطف بالنسبة إلى بعض المكلفين دون البعض الآخر، لكن هذا لا يعني عدم الفائدة في اللطف؛ فإنّ فائدة إتمام الحجة على العباد، كما اُشير إليه في بعض الآيات الكريمة (29).
وأساساً بناءً على ما يقول به الأشاعرة من (خلق الأعمال)، فإنّ الأفعال الصادرة من الإنسان هي في الحقيقة فعل الله سبحانه، والإنسان محل لصدورها فحسب، فالقول بوجوب تعيين الإمام على المكلفين، يرجع إلى القول بوجوبه على الله سبحانه، وانتخابهم للإمام هو في الحقيقة انتخاب الله سبحانه له. فإذن، هذا الإشكال لو سلم فسوف يرد نظرية أهل السنة أيضاً، وجوابه على مبنى الإمامية هو أنهم يرونه من فعل الباري ومقتضى لطفه، وهو ما أوضحناه (30).
نقد نظرية الوجوب الشرعي للإمامة
ذكرنا أن أهل السنة (الأشاعرة وأكثر المعتزلة) يعتقدون أنّ وجوب تعيين الإمام شرعي، ودليلهم على ذلك هو:
1 ـ إجماع الصحابة، حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وكذا عقيب موت كلّ إمام. فقد روي أنّه لما توفي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) خطب أبو بكر، فقال: يا أيّها النّاس مَنْ كان يعبد محمّد فإنّ محمّداً قد مات، ومن كان يعبد ربّ محمّد فإنّه حي لا يموت، لا بدّ لهذا الأمر ممّن يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله تعالى، فبادروا من كل جانب وقالوا: صدقت، لكنّا ننظر في هذا الأمر. ولم يقل أحد أنّه لا حاجة إلى الإمام.
2 ـ إنّ الشارع أمر بإقامة الحدود، وسدّ الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وكثير
________________________________________
(29)إشارة إلى الآية الكريمة: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (النساء: 165).
(30) حواشي شرح التجريد: 91؛ وانظر ـ أيضاً ـ حديقة الشيعة: 13 ـ 14.

[الصفحة - 290]


من الأُمور المتعلقة بحفظ النظام وحماية بيضة الإسلام، ممّا لا يتم إلاّ بالإمام. وما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به وكان مقدوراً، فهو واجب.
3 ـ إنّ في نصب الإمام استجلاب منافع لا تحصى، واستدفاع مضار لا تخفى، وكل ما هو كذلك، فهو واجب. فكبرى هذا الدليل الإجماع، أمّا الصغرى فكادت أن تكون من البديهيات، بل من المشاهدات، وتعدّ من العيان الذي بالبرهان لا يحتاج إلى البيان... ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع، كرفقة الطريق، بدون رئيس لا يصدرون عن رأيه ومقتضى أمره ونهيه. بل، بما يجري مثل هذا فيما بين الحيوانات العجم كالنحل (31).
وأجاب المقدس الأردبيلي عن هذه الأدلة بما يلي:
1 ـ من الواضح أنّه لم يحصل إجماع حقيقي في مسألة الإمامة بعد رحلة النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم)، فإن الذين اجتمعوا هم عدد من أصحاب النبي (رضي الله عنهما) وجماعة منالأُمّة الإسلامية، وأمّا أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنين (عليهم السلام) وسائر بني هاشم، وجمع كثير من كبار الصحابة، كأبي ذر وسلمان والمقداد وعمّار وحذيفة فلميحضروا ذلك الاجتماع، ولم يبايع سعد بن عبادة ـ رئيس قبيلة الخزرج ـ طوال حياته (32).
2 ـ إن نتيجة الدليل الثاني هي الوجوب العقلي لا الشرعي، هذا أولاً.
وثانياً: أنّه لا يثبت الوجوب على المكلفين (33).
3 ـ إنّ الدليل الثالث يبتني على أصل الحسن والقبح العقليين، ونتيجته هي الوجوب العقلي لا الشرعي (34).
الإمامة والعصمة
يعتقد الشيعة الإمامية بوجوب عصمة الإمام، وقد برهنوا على ذلك بأدلة عقلية ونقلية كثيرة، فقد برهن المحقق الطوسي(قدس سره) على ذلك في تجريد الاعتقاد بأربعة أدلة عقلية، وذكر المقدس الأردبيلي في كتاب (حديقة الشيعة) أربعة أدلة ـ أيضاً ـ وأجاب في (حواشي شرح التجريد) عن الإشكالات التي أوردها الفاضل القوشجي
________________________________________
(31) شرح التجريد للقوشجي: 365 ـ 366.
(32) حواشي شرح التجريد: 82؛ حديقة الشيعة: 29.
(33) حواشي شرح التجريد: 82.
(34) المصدر السابق: 81.

[الصفحة - 291]


وآخرون على تلك الأدلة الأربعة. ونحن نقرر أولاً الأدلة ثم نبحث الإشكالات التي اُوردت عليها وأجوبتها.
الدليل الأول:
إن وجه الحاجة للإمام إنما هي نصرة المظلوم، ودفع الفتنة والفساد، وإقامة الحدود، فإذا جاز في حقه الخطأ والمعصية، فلا تحصل ـ إذن ـ تلك الفوائد، واحتيج لإمام آخر، فإذا كان ذلك الإمام غير معصوم أيضاً، فسوف يقع ذات المحذور، وهكذا يلزم التسلسل.
الدليل الثاني:
الإمام حافظ الشريعة وحاميها، فإذا جاز نسبة الخطأ والكذب إليه، فلا يأمن ـ حينئذٍ ـ أن يزيد في الشريعة أو ينقص منها، وعندها لن يكون حافظاً للشرع. وأشار الخواجه نصير الدين الطوسي إلى هذا الدليل بقوله: «ولأنّه حافظ الشرع»، لذا وجب أن يكون معصوماً.
الدليل الثالث:
يجب على المكلّفين إطاعة الإمام والانقياد إليه، قال تعالى: {أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} ، فإذا جازت في حقه المعصية أو عمل القبيح، وجَبَ أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وهذا ينافي الأمر بطاعته، ويفوت الغرض المترتب عليها، قال نصير الدين الطوسي في تقريب هذا الدليل: «ولوجوب الإنكار عليه لو أقدم على المعصية، فيضاد أمر الطاعة ويفوت الغرض من نصبه». إذن، يجب أن يكون الإمام معصوماً.
الدليل الرابع:
إذا كان الإمام غير معصوم، ويرتكب المعاصي. إذن، يكون دائماً في مرتبة أدون من مرتبة عوام النّاس؛ ذلك لأنّه يعرف حسن الطاعة والعبادة وقبح المعصية أكثر منهم، فإذا تركوا المحرم، وفعلوا الطاعات وعصى هو، تكون مرتبته أدونَ منهم، قال نصير الدين الطوسي في تقريب هذا الدليل: «ولانحطاط درجته عن درجة أقل العوام»، لذا وجب أن يكون الإمام معصوم (35).
________________________________________
(35) حديقة الشيعة: 14 ـ 15.

[الصفحة - 292]


الإشكالات وأجوبتها
الإشكال الأول:
ليس وجه حاجة المسلمين إلى الإمام هو عصمتهم عن الخطأ، فإنّه من الممكن أن يخطؤوا في مرحلة العلم والعمل، وحتى يقال: إذا لم يكن الإمام معصوماً، فإنه يلزم التسلسل. وإنّما وجه الحاجة إليه، هو ما تقدم نقله عن الأشاعرة؛ أي إقامة الحدود وأحكام الدين، وحفظ بيضة الإسلام، التي لا يمكن إجراؤها بدون وجود الإمام، كما تقدم بيانه (36).
الجواب:
إنّ الأهداف التي ذكر الأشاعرة أنّها تحصل بوجود الإمام، ولا تحصل بنحو كاملٍ إذا لم يكن معصوماً، فإنّ حفظ الكيان الإسلامي وانتظام المجتمع بنحوٍ مطلوب، بعيداً عن أي انحراف أو وقوع مفاسد، لا يحصل إلاّ إذا كان الإمام مصوناً عن أي خط (37).
الإشكال الثاني:
إنّ الإمام ليس حافظاً للشريعة بذاته؛ لتجب عصمته، بل بالكتاب والسنة وإجماع الأُمّة واجتهاده الصحيح، فإن اخطأ في اجتهاده، فالمجتهدون يردّون، والآمرون بالمعروف يصدّون، وإن لم يفعلوا ـ أيضاً ـ فلا نقض للشريعة القويمة (38).
الجواب:
لا خفاء في أنّ في الكتاب الكريم مجملاً ومفصّلاً، وناسخاً ومنسوخاً، ومتشابهاً، وكذا السنة الشريفة. وإجماع الأُمّة بدون العصمة ليس بحجة، على أنّ حجيته أمّا بالكتاب أو السنة، وهما قد لا يعلمها إلاّ الإمام المعصوم، فإنّ الأحكام المعلومة من الكتاب، مثل الصلاة والحجّ والزكاة والصوم، لولا النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لما فُهمت، فإنك إذا تأملت الآيات تعرف أنّه لا يمكن فهمُ المقصودِ من آية منها إلاّ بالتعليم والبيان النبوي أو الإمامي. فإنّ كون الزكاة ـ مثلاً ـ في أشياء مخصوصة فقط بشرائط مخصوصة، والقدر المخرج المخصوص، كيف يُفهم من قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة: 34)، والطواف وسائر أحكام الحج وشرائطه من قوله: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}
________________________________________
(36) شرح التجريد للقوشجي: 366 ـ 367.
(37) حواشي شرح التجريد: 92.
(38) شرح التجريد للقوشجي: 367.

[الصفحة - 293]


{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97)، ونحو ذلك؟
فإذا أخبر الإمام أنّ المراد كذا، ولم يكن معصوماً، لم يقبل منه ولا يطمئنّ القلب به، ولو كان مجتهداً عدلاً، فإنّه يجوز الكذب عليه عمداً وسهواً وخطأ، فمن يردّه عن ذلك، ومن يأمره؟!! فإنّه كل ما قال هو الشرع، فلا معنى لردّ الغير له ومنعه.
وإنّ المفسر ـ أيضاً ـ إذا لم يكن معصوماً، لم يحصل اليقين بأنّ هذا هو المراد. نعم، قد يحصل الظنّ وذلك غير كاف في أصل المذهب، وإلاّ لم يحتج إلى النبي وعصمته. بالجملة حكم الإمام حكمه، فكما أنّه لا بدّ منه ومن عصمته ـ عندهم أيضاً ـ عن الكبائر والصغائر الخسيسة، فكذلك الإمام، وعندنا عن الكل.
وأورد الفخر الرازي إشكالاً آخر على الدليل الثاني، فقال: إنّ الشريعة أنّما تبقى محفوظة بنقل الناقل المعصوم، لو كان ذلك الناقل المعصوم بحيث يُرى ويمكن الوصول إليه والرجوع إلى قوله، وأمّا إذا لم يكن كذلك لم تصر الشريعة محفوظة بنقله.
هذا الإشكال متعلق بالإمام الغائب، والحال أنّ البحث ـ هنا ـ حول الإمام والخليفة بعد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وفي عصر حضور الإمام. ونحن إذا أثبتنا عصمة الحاضر ووجود الغائب بالدليل، يلزم عصمة الغائب لعدم القائل بالفصل بينه وبين الحاضر، وللأدلة الأُخرى؛ ولأنّه ـ أيضاً ـ حافظ ناقل حال حضوره، فلا بدّ من عصمته (39).
الإشكال الثالث:
يشترط في وجوب إطاعة الإمام أن لا يكون رأيه وعمله خلاف الشريعة المقدسة، وإلاّ فيجب ردّه والإنكار عليه، فإذا لم يكن ذلك مقدوراً فلا بدّ من السكوت (40).
الجواب:
يظهر عدم صحة هذه الفرضية من البيان السابق، فإنّه ليس لنا إلى العلم بخطأ الإمام، وغير الإمام ليس معصوماً؛ ليكون رأيه ونظره دليلاً على الحقيقة والصواب. وحينئذٍ فلا يحصل الغرض من نصب الإمام الذي هو قيادة المجتمع وهدايته؛ لأنّه يتوقف على عصمته وتنفيذ آرائه، فمتى ما لا تجب إطاعة الإمام بنحوٍ مطلق، وتجوز
________________________________________
(39) حواشي شرح التجريد: 93 ـ 94.
(40) شرح التجريد للقوشجي: 367.

[الصفحة - 294]


مخالفته، فإن هذا يؤدي إلى نقض الغرض (41).
وتجدر الإشارة إلى أنّ الفاضل القوشجي، شارح (تجريد الاعتقاد)، لم يناقش في الدليل الرابع الذي أقامه نصير الدين الطوسي على وجوب العصمة، وبالنظر إلى طريقته في الشرح ـ التي هي عبارة عن تقرير كلام المصنف ونقده ـ تتضح تمامية هذا الدليل في نظره، وخلوه من الإشكال.
القرآن ولزوم عصمة الإمام
استدلَّ متكلمو الإمامية ـ مضافاً إلى الدليل العقلي ـ ببعض الآيات الكريمة، نذكر آيتين منها استدلّ بهما المقدس الأردبيلي:
أولاً ـ قوله تعالى: {أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: 59)، فقد دلّت هذه الآية على لزوم طاعة أولي الأمر بلا قيد أو شرط، واعتبرته في عِداد طاعة الله تعالى والرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهذا يدلّ بوضوح على عصمة اُولي الأمر. كما اعترف الفخر الرازي بدلالة هذه الآية على لزوم عصمة اُولي الأمر، وقال:
«ألف ـ إن الله تعالى أمر بطاعة اُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية.
ب ـ إنّ كل منْ أمر الله تعالى بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ.
ج ـ إذن، اُولو الأمر معصومون».
ثم أضاف قائلاً: «ذلك المعصوم ـ اُولي الأمر ـ أما مجموع الأُمّة أو بعض الأُمّة، لا جائز أن يكون بعض الأُمّة؛ لأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم... ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم هم أهل الحل والعقد من الأُمّة، وذلك يوجب القطع بأنّ إجماع الأُمّة حجة» (42).
ولا يصح ما ذكره الرازي من أنّ المراد من (اُولي الأمر) في الآية الكريمة هم (أهل الحل والعقد)؛ لأنّ المراد من (أهل الحل والعقد): هم عدة أفراد يمتازون على غيرهم بحسن الرأي والفكر والمعرفة، ومن الواضح أنّ هذا الامتياز النسبي لا يمكن أن يكون دليلاً على العصمة من أي خطأ، والحال أنّه يعترف بأنّ (اُولي الأمر) لا بدّ أن يكونوا معصومين.
________________________________________
(41) حواشي شرح التجريد: 94.
(42) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) 10: 144.

[الصفحة - 295]