البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مفهوم الإمامة في فكر ابن خلدون وقفات وتأملات

الباحث :  د. هادي عبد النبي التميمي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  43
السنة :  السنة الحادية عشر خريف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  304
مفهوم الإمامة في فكر ابن خلدون
وقفات وتأملات

د. هادي عبد النبي التميمي (*)

مقدّمة
يمتاز الإسلام عن الديانات السماوية الأُخرى بالشمولية، فهو جاء لكل الإنسانية على اختلاف أجناسها وشعوبها، لذلك جاءت أحكامه وتشريعاته عامة شاملة لكل نواحي الحياة، ومن أبرز القضايا التي عالجها الإسلام كان موضوع الإمامة والخلافة. هذا الموضوع الحيوي الذي اختلف في تفسيره وأحكامه فقهاء المذاهب الإسلامية أيّما اختلاف، ومن الذين كان لهم فهم خاص لمفهوم الإمامة المؤرخ المغاربي عبد الرحمن بن خلدون المتوفى عام (808هـ)، وكان لا بدّ لي قبل أن أبدأ في عرض أفكاره الخاصة أن أتطرق إلى ترجمة مختصرة لحياته، لما لها من تأثير على فهم تكوين شخصيته وفهمه للأُمور، ومن ثم تقديم عرض موجز لمفهوم الإمامة في الإسلام، ثم تسليط الضوء على مفهوم الإمامة في فكر ابن خلدون.
أولاً ـ التعريف بابن خلدون
هو عبد الرحمن (1) أبو زيد (2) ولي الدين (3) بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن (4) بن خلدون (5)، ويختصر ابن خلدون التعريف بنفسه فيقول:«يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي وفقه الله» (6)، ويبدو
________________________________________
(*) أستاذ مساعد في الجامعة الإسلامية في النجف الأشرف، من العراق.
(1) ابن خلدون، المقدمة: ص3؛ موافي، منهج النقد التاريخي: ص 268؛ محمد شفيق غربال، الموسوعة العربية الميسرة 1: 14.
(2) حلاق، مقدمة في مناهج البحث التأريخي: ص307؛ شركة ترادكسيم، عبد الرحمن بن خلدون 13 : 2480.
(3) الموسوعة الفلسفية المختصرة، نقلها عن الانجليزية فؤاد كامل وزملاؤه: ص1 ؛ حاطوم، المدخل التاريخي: ص312 ؛ المكي، الفكر الفلسفي عند ابن خلدون: ص1.
(4) ابن خلدون، التعريف بابن خلدون: ص3 ؛ المدخل التاريخي: 312، مصدر سابق.
(5) ابن خلدون، المقدمة: ص3؛ ابن خلدون، التعريف بابن خلدون: ص3؛ منهج النقد التاريخي: ص268، مصدر سابق.
(6) ابن خلدون، المقدمة: ص3.

[الصفحات - 246]


انه اكتسب كنية أبي زيد من اسم ابنه الأكبر حسب ما جرت عليه عادة العرب. وأما لقب ولي الدين فقد لقّب به بعد توليه القضاء في مصر (7)، إلاّ أن هذه النعوت قد مُحيت معالمها أو كادت بمرور الأيام حتى أصبح يُعرف بابن خلدون (8).
واُسرة ابن خلدون عربية يمانية (9)، من حضرموت (10)، ينتهي نسبها إلى وائل ابن حجر (11)، وهو معروف وله صحبة، ذكر بأنه وفد على الرسول(رضي الله عنهما) فأجلسه على ردائه ودعا له ولولده بالبركة إلى يوم القيامة (12). أما جده خالد المعروف بـ(خلدون)، فقد دخل الأندلس حين فتحه (13)، ولم تظهر أهمية هذه الاُسرة إلاّ في نهاية القرن الثالث الهجري في عهد الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأُموي (274هـ-300هـ) (14).
ولد ابن خلدون في تونس في شهر رمضان سنة 732هـ، وتربى في حجر والده الذي كان معلمه الأول (15)، ثم بدأ يحفظ القرآن الكريم على يد اُستاذه الأول أبو عبد الله بن سعد الأنصاري فختم القرآن وحفظه (16)، وظل في محل ولادته حتى انتشار الطاعون في معظم أنحاء العالم سنة 749هـ، والذي أهلك والديه وجميع من كان يأخذ عنهم العلم من شيوخه، وهاجر معظم العلماء الذين افلتوا من ذلك الوباء فتعذر على ابن خلدون متابعة الدرس (17)، وقد وصف ابن خلدون تلك السنة وما عملته بالعلماء فقال بأنها: «طوت البساط بما فيه» (18)، مما دفع به إلى تغيير مجرى حياته، فاشتغل بالوظائف العامة، إذ أصبح كاتباً لديوان الرسائل وهو لم يبلغ العشرين من عمره(19).
وفي عام755هـ استدعاه أبو عنان فارس المريني إلى مدينة فاس في المغرب الأقصى، فقلده منصب كاتب السر قبل أن يغضب عليه ويسجن لمرتين، ولم يُطلق سراحه في المرة الثانية إلاّ بعد وفاة أبي عنان، إذ أطلق السلطان الجديد أبو سالم سراحه وعينه قاضي القضاة (20).
قصد ابن خلدون سبته في طريقه إلى الأندلس ليستقر أخيراً في غرناطة في بلاط بني الأحمر(21)، واتصل هناك بالوزير لسان الدين بن الخطيب رغم أن الود لم يدم بينهما، فرحل إلى بجاية وعمل حاجباً لأميره (22)، واشتغل بالتدريس
________________________________________
(7) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480.
(8) الفكر الفلسفي عند ابن خلدون: ص1.
(9) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص312؛ الموسوعة العربية الميسّرة 1: 14.
(10) مقدمة في مناهج البحث التأريخي: ص307.
(11) الموسوعة العربية الميسّرة 1: 14.
(12) ابن خلدون، التعريف بابن خلدون: ص4.
(13) المصدر السابق: ص6.
(14) المدخل التاريخي: ص312.
(15) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480؛ مقدمة في مناهج البحث التأريخي: ص308.
(16) ابن خلدون، التعريف بابن خلدون: ص17.
(17) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480.
(18) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص413.
(19) مقدمة في مناهج البحث التأريخي: ص308.
(20) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص 314- 315.
(21) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480.
(22) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص315.

[الصفحات - 247]


كذلك (23)، إلاّ أن ابن خلدون لم يثبت في بجاية، إذ بدأ يتقلب في ولائه لأُمراء الأندلس، وشعر ابن خلدون بزهد الأُمراء في صحبته، فقرر ترك صداقتهم (24) والاعتكاف في قلعة ابن سلامة والتي مكث فيها أربع سنين (25).
وفي الفترة التي قضاها ابن خلدون معتكفاً، تفرغ للدراسة والتأليف (26)، ففي هذا الجو الهادئ كتب ابن خلدون مقدمته والتي لم تأخذ من وقته كثيراً، إذ أتمها في خمسة شهور، وهذه السرعة في إتمام هذا الجهد دفعه إلى أن يبدأ بكتابة التأريخ (27)، فكتب كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) (28) متنقلاً بين منفاه الاختياري في قلعة ابن سلامة وتونس حيث مكتباتها الفاخرة بعد أن آزره سلطانها وشجعه على كتابة تأريخه، لكن الدسائس عملت عملها في تعكير صفو العلاقة بينه وبين سلطان تونس، فانتحل الحج عذراً لدى السلطان (29)، وغادر مسقط رأسه مودعاً من قبل الأصدقاء والتلاميذ والأعيان(30).
وتوقف ابن خلدون وهو في طريقه إلى الحج في القاهرة فألقى بعض المحاضرات في الجامع الأزهر (31)، فاُعجب به الظاهر برقوق سلطان مصر الذي أكرم وفادته وعينه سنة786 هـ في منصب تدريس الفقه المالكي (32)، ثم عُين قاضياً لقضاة المالكية في مصر، ثم عُين قاضي قضاة مصر (33)، وخلع عليه لقب ولي الدين (34).
وأثناء إقامته في مصر سافر إلى بلاد الشام والتقى بتيمورلنك وحاول مهادنته (35)، وفي عام 789هـ حج إلى بيت الله الحرام وعاد في 790هـ إلى مصر لينشغل بالتدريس والقضاء (36)، ولم ينقطع خلالها عن مراجعة مؤلفه التأريخي ومقدمته، فوسع أبحاثه المتعلقة بأخبار الدول الإسلامية في المشرق وتأريخ الدول القديمة والدول النصرانية والأعجمية، كما أضاف بعض الفصول والفقرات إلى المقدمة (37).
وكما ولد ابن خلدون في شهر رمضان فقد توفي في شهر رمضان عام 808ه (38)، ودفن بمقبرة الصوفية في القاهرة (39).
ولعل أبرز ما تميز به ابن خلدون خلال سني عمره، معالجته المظاهر
________________________________________
(23) منهج النقد التاريخي: ص270.
(24) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص315.
(25) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480؛ منهج النقد التاريخي: ص270.
(26) الموسوعة العربية الميسّرة 1: 14.
(27) الفكر الفلسفي عند ابن خلدون: ص15.
(28) منهج النقد التاريخي: ص270 ؛ الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص315.
(29) الفكر الفلسفي عند ابن خلدون: ص15- 16.
(30) ابن خلدون، التعريف بابن خلدون: ص263؛ منهج النقد التاريخي: ص270.
(31) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480.
(32) الفكر الفلسفي عند ابن خلدون: ص17.
(33) بروكلمان، تأريخ الشعوب الإسلامية : ص337؛ منهج النقد التاريخي: ص271.
(34) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480.
(35) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص10؛ تاريخ الشعوب الإسلامية: ص337.
(36) ابن خلدون، التعريف بابن خلدون: ص342.
(37) عبدالرحمن بن خلدون، مصدر سابق 13: 2480.
(38) الموسوعة الفلسفية المختصرة: ص317؛ منهج النقد التاريخي: ص271؛ مقدمة في مناهج البحث التأريخي: ص308.
(39) الفكر الفلسفي عند ابن خلدون: ص18.

[الصفحات - 248]


الاجتماعية وواقع العمران البشري، حتى عدّه البعض المنشئ الأول لعلم الاجتماع لدى العرب. أما التاريخ فرأيه فيه أنه «رواية بسيطة للحوادث ولكنه وصف للعلاقات الاجتماعية» (40)، إذ عُدّ ابن خلدون أحد المجددين في التاريخ. فقد حاول تخليص الروايات مما خالطها من مبالغات الكتاب والرواة، وما نقلوه وفق أهوائهم، ولكنه وقع في نفس أخطائهم في تغليب هوى النفس، ولعل رسوخه في الفقه المالكي كان أحد أسباب ذلك.
ثانياً ـ مفهوم الإمامة في الإسلام
1 ـ الإسلام ونظام الحكم
جاء الإسلام مختلفاً عن باقي الديانات السماوية الأُخرى وامتاز بالشمولية، فهو جاء لكل البشرية على اختلاف أجناسها وشعوبها وألوانها {وما أرسلناك إلاّ كافةً للناس بشيراً ونذيراً} (41)، {وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين} (42)، لذلك جاءت أحكامه وتشريعاته عامة شاملة لكل نواحي الحياة، فلم تقتصر على بيان العقيدة الصحيحة، ولا على النظام الأخلاقي المثالي الذي يقوم عليه المجتمع، بل أضاف إلى هذا وذاك الشريعة المحكمة العادلة، ولعلنا نجد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تتعلق بالحكم بوجه عام، والعدل حسب شريعة الله المنزلة بشكل خاص {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} (43)، أو قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بالناس بما أراك الله} (44)، أو قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما انزل الله فأُولئك هم الكافرون} (45)، أو {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} (46)، أو {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} (47).
ولعل من البديهي أن شريعة كهذه لا بدّ وأن تكون قد جاءت بما لا بدّ منه لقيام الدولة على اُسس ومبادئ مقبولة ومعقولة تفي بحاجات أي مجتمع أو اُمّة في كل زمان ومكان «لإقامة الحياة على التوازن وإعطاء الحقوق في كل ناحية ووجهة أكان ذلك بين الأفراد والجماعات أم بين جوانب الحياة المعنوية والمادية» (48)، وفي آيات
________________________________________
(40) ويد جيري، المذاهب الكبرى في التاريخ: ص135.
(41) سبأ: 28.
(42) الأنبياء: 107.
(43) المائدة: 48.
(44) النساء: 105.
(45) المائدة: 44.
(46) المائدة: 45.
(47) المائدة: 47.
(48) محمد المبارك، الحكم والدولة مبادئ وقواعد عامة: ص30.

[الصفحات - 249]


القرآن الكريم دلالات واضحة لهذا المفهوم، كقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} (49) أو {وأمرهم شورى بينهم} (50)، أو قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأُولئك هم الظالمون} (51)، كما أن هناك أدلة واضحة لذلك بما ورد في السنة النبوية من ألفاظ (أمير) (وإمام)، وقد أقام الرسول الكريم (رضي الله عنهما) دولة فعلاً، فكان بالإضافة إلى حمله الرسالة، كان إمام المسلمين وأميرهم ورئيس دولتهم، يولّي الولاة، ويعيّن القضاة، ويعقد الألوية، ويرسل الجيوش، ويجمع الزكاة والغنائم ويوزعها في مصارفها، ويقيم الحدود، ويعقد العهود، ويرسل الرسل والوفود إلى الملوك، وهذه كلها من أعمال السلطة والحكم، ولو كان الإسلام بمعزل عن الحكم لما فعل الرسول (رضي الله عنهما)ذلك، ولتركه لغيره أن يقوم به (52).
إن ما تقدم يدل بشكل جلي أن للإسلام نظام حكم خاص به، فليس الإسلام دين فقط، بل هو دين ودولة معاً، فكما للإسلام عقائد، فإنه يجب إقامة رئيس للدولة يكون حاكماً لها، على أن يجري في حكمه وتدبيره وسياسته لأُمور الدنيا على ما جاء به القرآن والسنة النبوية من مبادئ واُصول(53)، وقد سهل الإسلام هذا الأمر عندما بيّنت الشريعة مهمة الحاكم بياناً شافياً، وحددت حقوقه وواجباته تحديداً دقيقاً، فمهمة الحاكم في الشريعة الإسلامية أن يخلف رسول الله (رضي الله عنهما) في حراسة الدين، وسياسة الدني (54).
ولما كان من أهم مقومات الحكم في الإسلام هو وجود الخليفة أو الإمام بعد الرسول (رضي الله عنهما)، وهو ما يمثل الخط الفاصل بين مرحلتين تأريخيتين، لذلك سأتناول هذه الموضوعة بشيء من التفصيل، رغم أن «أصعب ما يواجه الباحث المؤرخ هو أن يضع خطاً حاسماً يفصل بين مرحلتين تأريخيتين لمجتمع ما، فأن تحول المجتمع من حالة لأُخرى بطيء وتدريجي، لذلك من العسير تعيين وحدة زمنية والقول بأنها خاتمة عهد وبداية عهد جديد» (55).
2ـ الخلافة والإمامة
يطلق لفظ الخليفة على من استخلفه غيره. وعلى من خلف غيره في أمر من الأُمور (56)، والخلافة في اللغة من(خلف)، وهو (القرن بعد القرن) (57) إذا ما جاء
________________________________________
(49) آل عمران: 159.
(50) الشورى: 38.
(51) المائدة: 45.
(52) الحكم والدولة مبادئ وقواعد عامة: ص25.
(53) محمد يوسف موسى، نظام الحكم في الإسلام: ص18.
(54) عبدالقادر عوده، التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي 1: 43.
(55) محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين: ص23.
(56) ابن تيمية، منهاج السنة: ص 137.
(57) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مادة( خلف).

[الصفحات - 250]


بعده، ويقال: خلف فلانٌ فلاناً إذا قام مقامه (58)، وخلفه خلافه..، أي بقي بعده، والخليفة السلطان الأعظم (59).
أما الخلافة اصطلاحاً، فهي «عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول(رضي الله عنهما) في إقامة قوانين الشريعة، وحفظ حوزة الملة على وجه يجب اتّباعه على كافة الأُمّة» (60)، أو هي رئاسة عامة في اُمور الدين والدنيا خلافة عن النبي(رضي الله عنهما) (61)، أو هي لفظ يطلق على من ينوب عن الغير أما لغيبة المنوب عنه أو لموته أو لعجزه، والخلائف والخلفاء جمع خليفة(62).
وعلى هذا المعـنى سار القرآن الكريم في استعماله لكلمة الخليفة والخلائف والخلفاء (63)، كما في قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} (64)، أو قوله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ، أو قوله تعالى: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} (65)، أو قوله تعالى: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} (66) (67).
أما الإمامة لغةً، فقد أتت من (أمَّ) وهي أصل الشيء وعماده، وللقوم رئيسهم (68)، ومنها يأتي لفظ الإمام وهو الذي يُقتدى به والمتّبع (69).
أما الإمامة اصطلاحاً، فتطلق على المتقدم على قومه في القيادة والرئاسة والمتبوعية، وبذلك استحق من يتقدم القوم للصلاة بهم أن يسمى إماماً؛ لأنه يؤمهم أي يتقدمهم (70).
وعلى هذا المعنى سار القرآن الكريم في استخدام كلمة الإمام، كما في قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} (71)، أو قوله تعالى: {ومن قبله كتاب موسى إماماًً ورحمة} (72)، أو قوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماماً} (73)، أو قوله جلّ وعلا: {يوم ندعو كل أُناسٍ بإمامهم} (74)، وإلى آخر ما ورد في القرآن الكريم من استخدام لكلمة الإمام.
وعلى ما يبدو أن الشريعة الإسلامية أرادت الابتعاد بالمفهوم الإسلامي للدولة ورئاستها عن النظام الملكي بمفهومه القديم عند الأُمم الأُخرى من الفرس والرومان، المختلف اختلافاً أساسياً عن المفهوم الإسلامي الجديد، لذلك اختيرت ألفاظ (الإمام)،
________________________________________
(58) الرازي، مختار الصحاح: ص78.
(59) القاموس المحيط، مادة(خلف).
(60) الطهراني، توضيح المراد 2: 673.
(61) القوشجي، شرح تجريد الاعتقاد: ص384.
(62) شوكت محمد عليان، الخلافة والإمامة في الإسلام: ص160.
(63) آل ياسين، الإمامة: ص13.
(64) البقرة: 30.
(65) ص: 26.
(66) فاطر: 39.
(67) الأعراف: 69.
(68) القاموس المحيط، مادة (أمَّ).
(69) الرازي، مختار الصحاح: ص11.
(70) آل ياسين، الإمامة: ص13.
(71) البقرة: 124.
(72) الأحقاف: 12.
(73) الفرقان: 74.
(74) الإسراء: 71.

[الصفحات - 251]


و(الخليفة)، و(أمير المؤمنين).
وإذا كان علماء اللغة اتفقوا على هذه المعاني التي تشير إليها كلمتا الإمام والخليفة، فأن علماء الكلام وأنصارهم قد اختلفوا في كون هاتين الكلمتين تذهبان إلى معنى واحد معين، إذ يقول البعض: إن الإمامة «موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا» (75)، فيما قال آخرون: بأن الخلافة هي رئاسة عامة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة أو خلافة عن النبي (رضي الله عنهما) (76)، أو هي «حمل الكافة على النظر الشرعي في مصالحهم الأُخروية والدنيوية الراجعة إليها» (77)، وفي هذا السياق فإن «الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة»(78)، فيما ربط رأي آخر «بين الخلافة باعتبارها الإمامة الكبرى والصلاة باعتبارها إمامة صغرى» (79).
وعلى الرغم من أن المتمعن في كلمتي الخليفة والإمام سيجد أنهما تتجهان نحو مقصد واحد، إذ إن الرئاسة أو القيادة هي المعنى الجامع الذي يمكن تفسير اللفظين به أو اتفاقها عليه (80)، إلاّ أننا عندما نتبع مجال نفوذ هذه القيادة أو الرئاسة في الميدان العملي، فأننا نلمس ما يفصل إحدى الكلمتين عن الأُخرى، إذ إننا سنجد بأن لكل لفظة منهما اُطراً وأبعاداً مختلفة، فالإمامة كما تشعرنا النصوص الدينية إنما هي (رئاسة دين)، والخلافة كما تشعرنا تلك النصوص (رئاسة دولة).
وبذلك أصبح الإمام لدى مفكري الإسلام على مختلف مذاهبهم هو صاحب الحق الشرعي، بينما يشير لفظ الخليفة إلى صاحب السلطة الفعلية (81).
ومع هذا الاختلاف في مجال التطبيق، فإننا نؤمن ـ سيراً وراء النصوص ـ أن العنوانين لا بدّ من اجتماعها في شخص واحد؛ لأننا لا نقر إسلامياً فكرة فصل الدين عن الدولة.
3 ـ حكم إقامة الخليفة
بعد أن توصلنا إلى أن الإسلام قد وضع الأصول والمبادئ العامة لنظام الحكم، فمن البديهي أن يوجب إقامة خليفة ليكون على رأس الحكم، يدير شؤونه ويرعى مصالح الأُمّة من خلال هذا المنصب، وهو ما ذهب إليه المسلمون على اختلاف
________________________________________
(75) الماوردي، الأحكام السلطانية: ص3.
(76) التفتازاني، شرح المقاصد 5: 234؛ الجرجاني، شرح المواقف 8: 345.
(77) ابن خلدون، المقدمة: ص 191.
(78) المصدر السابق: ص219.
(79) أحمد محمود صبحي. نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: ص22.
(80) آل ياسين، الإمامة: ص15.
(81) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: ص24.

[الصفحات - 252]


مذاهبهم، وبذلك فقد أصبح هنالك وجوب بإقامة الإمام أو الخليفة على الأُمّة شرعاً، واستدل أغلب فقهاء المسلمين على نصوص وردت في القرآن الكريم والسنة والإجماع والعقل، فمن القرآن الكريم ورد قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم} (82)، والمراد باُولي الأمر الخلفاء والأُمراء، وعليه ذهب عدد كبير من المفسرين (83)، أما من السنة النبوية فقول رسول الله (رضي الله عنهما): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (84)، أو قوله (رضي الله عنهما): «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية» (85)، وأما الإجماع فقد أجمع أعلام الأُمّة على اختلاف مذاهبهم على وجوب إقامة رئيس أعلى للدولة الإسلامية، يجمع كلمة الأُمة، ويرعى شؤونها الدينية والدنيوية (86)، على اختلافهم في التسمية من خليفة أو إمام.
وأما العقل، فان الشارع أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجييش الجيوش للجهاد، وكثير من الأُمور المتعلقة بحفظ النظام (87)، وهو ما نرى بأنه لا يقوم إلاّ بوجود من يكون مسؤولاً عن هذه الأُمور، وهو ما لا يقوم به في التشريع الإسلامي سوى الخليفة أو الإمام.
ثالثاً ـ مفهوم الإمامة في فكر ابن خلدون
لا يمكن التعرف على مفهوم ابن خلدون للإمامة بصورة جلية من دون التعرف على مفهومه للشيعة، بوصفهم الفئة التي دعت إلى مفهوم الإمامة، والتي عرفتها على أنها «جزء متمم للرسالة، واستمرار لوجودها، والعقل قاض بضرورتها؛ لأنها لطف، وكل لطف واجب على الله تعالى، على حد تعبير المنهج العقلي في علم الكلام» (88).
فالشيعة لغة من (شيع)، وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، وتشيع الرجل: ادعى دعوة الشيعة (89)، «وكل قوم أمرهم واحد يتّبع بعضهم رأي بعض فهم شيع» (90).
أما الشيعة اصطلاحاً، فإنه «يطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع عليّ وبنيه(رضي الله عنهم)» (91)، على أن يكون (هذا الابن) من نسل النبي(رضي الله عنهما) عن طريق ابنته فاطمة(عليها السلام) وزوجها عليّ (عليه السلام) (92).
ويذهب ابن خلدون في توصيف مذهب الإمامية فيقول: يذهبون إلى أن الإمامة
________________________________________
(82) النساء: 59.
(83) الطبري، جامع البيان 8: 495؛ الواحدي، أسباب النزول: ص118؛ الخازن، تفسير الخازن 1: 365؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1: 518.
(84) سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير 19: 334 ح769، تحقيق حمدي عبدالمجيد السلفي، ط. الثانية، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(85) أبو جعفر الإسكافي المعتزلي، المعيار والموازنة: ص24؛ ابن عقدة، فضائل أمير المؤمنين: ص146؛ الطبراني، المعجم الكبير 12: 337؛ الخراساني، في ذكرى آخر الخلفاء: ص8.
(86) الخلافة والإمامة في الإسلام: ص168.
(87) الطهراني، توضيح المراد 2: 679.
(88) آل ياسين، الإمامة: ص17.
(89) الرازي، مختار الصحاح: ص148.
(90) ابن منظور، لسان العرب، مادة(شيع).
(91) النوبختي، فرق الشيعة: ص2؛ ابن خلدون، المقدمة: ص196.
(92) حتي، الإسلام منهج حياة: ص105.

[الصفحات - 253]


ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأُمّة، ويتعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله وتفويضه إلى الأُمّة، بل يجب عليه تعيين الإمام، ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر (93)، ثم يضيف قائلاً: واستدل هؤلاء على مذهبهم بأن النظر غير كاف في اكتساب المعارف، بل لا بدّ من مَعلَم إلهي تُعرف بواسطته الشريعة، والعلوم والمعارف كافة.. على اعتبار أنه وحده يسبر باطن النصوص الدينية، وهو وحده يميز الحق من الباطل، وعلى ذلك وجب على الله أن يقيم خليفة يرشد الناس إلى معرفة الشريعة ويهديهم سواء السبيل (94).
وأصغر الأدلة التي يقدمونها يرجع إلى البديهية القائلة بأنه لو كان للناس رئيس يرجعون اليه في اُمور دينهم ودنياهم لكانوا أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية (95).
أما أكبر أدلتهم على ذلك، فإنه لو لم يكن واجباً على الله لكان ناقضاً لغرضه من تكليف العباد، على اعتبار أن الإمام لطف وكل لطف واجب على الله تعالى (96).
فأما أصغر الأدلة فمعلومة للعقلاء، إذ إن العلم الضروري حاصل بأن الناس متى ما كان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب والتهاوش، ويصدهم عن المعاصي، كانوا أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد والمعصية (97).
وأما أكبرها فالدليل على وجوب اللطف أن إقامة الإمام واجب على الله ليعرف الناس به وبشرعه، فإذا لم يقمه فليس له تعالى على الناس حجة، أي أن وجود الإمام هو حجة لله على عباده (98).
ثم ينتقل ابن خلدون إلى قوله في اعتقاد الإمامية: «إن علياً(رضي الله عنه) هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة، وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلي وخفي» (99).
فمن الأُمور الجلية نكتفي بهذا الحديث عنه، وهو ما قاله الرسول (رضي الله عنهما): من يبايعني على روحه وهو وصيّ ووليّ هذا الأمر من بعدي، فلم يبايعه إلاّ عليّ (100).
ويعرف هذا الحديث في المصادر التاريخية بـ(حديث الدار)، وخلاصته أن النبي (رضي الله عنهما) عندما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (101)، دعا بني عبد
________________________________________
(93) ابن خلدون، المقدمة: ص196.
(94) شرح تجريد الاعتقاد: ص384.
(95) الخلافة والإمامة في الإسلام: ص169.
(96) المصدر السابق: ص170.
(97) العلامة، كشف المراد: ص285.
(98) الخلافة والإمامة في الإسلام: ص170.
(99) ابن خلدون، المقدمة: ص196- 197.
(100) المصدر السابق: ص197.
(101) الشعراء: 214.

[الصفحات - 254]


المطلب كافة، وعرض عليهم الدعوة بعد مأدبة أقامها لهم، فقال لهم: أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم وقام عليّ(عليه السلام)، فقال الرسول (رضي الله عنهما) لقومه: إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يتضاحكون، وقالوا لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (102).
وأما من الأُمور الخفية التي يحتج بها الإمامية فنكتفي بهذه الرواية التي نقلها ابن خلدون، إذ يذكر بأن الرسول (رضي الله عنهما) بعث علياً (عليه السلام) لقراءة سورة براءة في الموسم حين اُنزلت، فإنه بعث بها أولاً أبا بكر(رضي الله عنه)، ثم اُوحي إليه ليبلغها رجل منك أو من قومك، فبعث علياً (عليه السلام)، وهذا ما يدلل على رأي الإمامية بتقديم عليّ(عليه السلام)، حيث لم يُعرف أنه قدّم أحداً على عليّ أبد (103).
ويضيف ابن خلدون: «إن هذه النصوص تدل على تعيين عليّ وتشخيصه، وكذلك تنتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الإمامية» (104)، وهو طرح لما قالته الإمامية من أن الحديث النبوي أكد على أن الأئمة يتعاقبون اثني عشر لا يزيدون ولا ينقصون (105)، ودليلهم - أي الإمامية - على صحة الحديث إضافة إلى وروده في كتبهم، وروده في صحيح البخاري من ثلاثة طرق (106)، وفي صحيح مسلم من تسعة طرق (107)، وفي سنن الترمذي من طريق واحد (108)، ونص الحديث: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»(109).
ويبدو أن ابن خلدون طعن في كل المصادر والطرق التي تحرّت صدق هذا الحديث فيها؛ لأنه قال في معرض حديثه إن ذلك من اعتقاد الإمامية، وإنهم يعتمدون على نصوص أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه (110)، فهل كل المصادر نقلت حديثاً موضوعاً مطعوناً في طريقة نقله؟
ثم يقسّم ابن خلدون مذاهب الإمامية إلى أقسام. فمنهم الزيدية، وهم لا يتبرؤون من الشيخين مع تفضيلهم لعليّ (عليه السلام)، ولكنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل (111)، ومنهم الكيسانية نسبة إلى كيسان مولى محمد بن الحنفية، ومنهم الغلاة الذين قالوا بأُلوهية الأئمة، وقد حرّقهم عليّ (عليه السلام) بالنار (112)، ومنهم من
________________________________________
(102) النسائي، خصائص أمير المؤمنين: ص97-98؛ الطبري، تأريخ الرسل والملوك 2: 319-321؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ 2: 22؛ ابن كثير، السيرة النبوية: ص 458-459.
(103) ابن خلدون، المقدمة: ص179؛ وقد ورد نص الرواية في ابن هشام، السيرة النبوية 4: 148؛ النسائي، خصائص أمير المؤمنين: ص109؛ سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص42-43؛ الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة 1: 295.
(104) ابن خلدون، المقدمة: ص197.
(105) آل ياسين، الإمامة: ص46.
(106) البخاري: صحيح البخاري 8: 127.
(107) الإمام مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، 12: 201.
(108) الترمذي، الجامع الصحيح: ص609.
(109) ينظر إلى نص الحديث إضافة إلى كتب الصحاح: ابن حبان، الثقات 7: 241؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 3: 618؛ الطبراني، المعجم الكبير 2: 196؛ آل ياسين، الإمامة: ص46.
(110) ابن خلدون، المقدمة: ص197.
(111) المصدر نفسه.
(112) المصدر السابق: ص198.

[الصفحات - 255]


قال بالتناسخ، ومنهم الواقفية الذين يقفون عند أحد الأئمة لا يتجاوزونه (113).
ويأخذ ابن خلدون بسرد ما وصل إليه كل من أصحاب هؤلاء المذاهب، وفي كل واحدة من مقالاته تلك، على حد قوله، للشيعة اختلاف كثير إلاّ أن هذه هي أشهر مذاهبهم والتي تم ذكرها، ثم أحال من يريد استيعابها ومطالعتها ومعرفة المزيد من تفاصيلها إلى كتاب الملل والنحل لابن حزم والشهرستاني (114).
ومن خلال ما ذكره ابن خلدون في مذاهب الشيعة، وفي حكمه في الإمامة، فإن مفهومه لهذه القضية واضح لا لبس فيه، وهو إنكاره لمذهبهم، ومحاولته الحطّ من شأنهم، وما نسبه لهم من وضع الأحاديث المطعون في روايتها، أو التأويل الفاسد للأحاديث النبوية التي لا يعرفها جهابذة السنة ونقلة الشريعة، كما يقول (115)، أو وصفه للإمامية وخاصة الاثني عشرية منهم بقوله: «وقال مثله غلاة الإمامية وخصوصاً الاثني عشرية» (116).
ويستدل ابن خلدون على غلو الشيعة الاثني عشرية بما قالوه في قضية الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشريف)إذ يقول: «يزعمون أن الثاني عشر من أئمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلة، وتغيب حين اعتقل مع اُمّه وغاب هناك، وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً، يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي، وهم الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر، ويقفون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب، وقد قدموا مركباً فيهتفون باسمه ويدعونه إلى الخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية، وهم على ذلك لهذا العهد» (117).
لقد أشار ابن خلدون إلى ما قاله الترمذي في الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشريف)نقلاً عن الرسول: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (118)، وفي مكان آخر عن الرسول (رضي الله عنهما): «أنه في اُمتي المهدي» (119)، وكان على ابن خلدون أن يطّلع على مسند الإمام أحمد الذي نقل مئة وستة وثلاثين حديثاً بإسناده عن الرسول (رضي الله عنهما) فيما يرتبط بالمهدي (عجل الله تعالی فرجه الشريف)وأوصافه وعلامات ظهوره (120)، ليتأكد من أن هذا الأمر ليس من اختلاقات الإمامية أو من بنات
________________________________________
(113) المصدر نفسه.
(114) المصدر السابق: ص202.
(115) المصدر السابق: ص197.
(116) المصدر السابق: ص199.
(117) المصدر نفسه.
(118) الترمذي، الجامع الصحيح: ص611.
(119) المصدر نفسه.
(120) ينظر: مؤسسة النشر الإسلامي، أحاديث المهدي: ص34-76.

[الصفحات - 256]


أفكارهم، بل نقله محدّثون ومؤرخون ثقات (121)، كان هو من بينهم، ولكنه على ما يبدو نسي أو تناسى متعمداً أنه كان قد نقل حديث الرسول (رضي الله عنهما) عن الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشريف)في كتابه بالنصّ القائل: «الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(122).
لقد كان على هذا المؤرخ الفذ أن لا ينزلق إلى مهاوي العصبية والتعصب، والمذهبية والتمذهب، وهو يتناول قضية في غاية الخطورة وهي قضية الإمامة أو الخلافة، والتي تشكل قمة السلطة في نظام الحكم الإسلامي.
* * *
________________________________________
(121) المستدرك على الصحيحين 4: 514؛ الكنجي الشافعي، البيان في أخبار صاحب الزمان: ص505؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء 15: 253.
(122) ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر 1: 314.

[الصفحات - 257]