البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

فلسفة الإمامة عند صدر المتألهين الشيرازي تحليل لشخصية الأئمة(عليهم السلام)وصفاتهم في ضوء الحكمة المتعالية

الباحث :  د. يحيى يثربي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  43
السنة :  السنة الحادية عشر خريف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  308
فلسفة الإمامة عند صدر المتألهين الشيرازي
تحليل لشخصية الأئمة(عليهم السلام)وصفاتهم في ضوء الحكمة المتعالية

د. يحيى يثربي (*)

ترجمة: الشيخ موسى ضاهر

إطلالة على البحث
لا تُضع يا حافظ من يدك عصمة سفينة نوح
وإلاّ أطاح طوفان الحوادث بكل بنيانك
الإمام هو مشعل الهداية المنير، والإمامة هي سفينة النجاة في خضمّ طوفان الحياة المادية. ونظراً لكون هذا الموضوع من الأُصول الاعتقادية لمذهب التشيّع وأحد مسائله الفكرية، فقد تابع العلماء الكبار، والمحققون، وعلماء الكلام، التعرض له والبحث بشأنه.
ولا يعتبر ما لدينا من أبحاث موجزة ومستفيضة، ومن كتب مختصرة وتفصيلية، حول: الإمامة؛ مقام الإمام؛ مصداق الإمام؛ أوصاف الأئمة؛ وغير ذلك من المسائل، لا يعتبر ذلك قليلاً.
وما نقدّمة في هذا المقال المختصر، لمحبّي أهل بيت العصمة، هو بحث يهدف إلى بيان وتحليل مفهوم الإمامة، وصفات الأئمة، على أساس أُصول الحكمة المتعالية لصدر المتألهين الشيرازي(قدس سره) وقواعدها.
فالحكمة المتعالية، التي نُظِّمت ودوّنت في القرن العاشر الهجري على يد (الملا صدرا) بالاستفادة من مباني الحكمة المشائية، والعرفان الإسلامي على حدٍّ سواء وفي آن واحد، تصلح أن تكون أساساً مُحكماً وفعّالاً لبيان وشرح كثير من الأُصول
________________________________________
(*) أستاذ الفلسفة في جامعة طهران، متخصّص في الفلسفة الصدرائية والعرفان الإسلامي.

[الصفحة - 198]


والمسائل الدينية. وقد استفاد (الملا صدر) نفسهُ من هذا الأساس لحلِّ معضلاتٍ عدة، من قبيل إثبات الواجب، التوحيد، دفع شبهة ابن كمّونة، العلم الإلهي، حدوث العالم، المعاد الجسماني، وغير ذلك من المسائل.
ودون شك، يمكن لنتائج وآثار مباني هذه الحكمة أن تتعدى ما ذكرناه، لتلعب دوراً في حلّ المشكلات الفكرية.
فيما يلي، نبحث ـ كنموذج ـ في إحدى المسائل الاعتقادية المهمة لدى الشيعة في ضوء مبنى الحكمة المتعالية. فبالاستفادة من مباني هذه الحكمة، سوف نقوم ببيان مقام الإمامة ومنـزلتها، وفي السياق نوضح عدداً من المسائل المهمة المتعلقة بالبحث، والتي من جملتها؛ عينية مقام الإمامة؛ مباني كل صفة من صفات الإمام؛ إرتباط هذه الصفات وعلاقتها بالإمام؛ إرتباط هذه الصفات وعلاقتها ببعضها البعض، وعشرات المسائل العلمية الدقيقة الأُخر.
وأمّا المسألة التي تستحق العناية، فهي أنّ صدر المتألهين في الشرح الذي كتبه على اُصول الكافي، قد بيَّن في كتاب الحجّة منه بعض المسائل المرتبطة بالنبوة والإمامة، لا على أساس أُصول الحكمة المتعالية، وإنما على أساس المباني المشائية؛ ومن جملة ذلك أنّه فسّر الوحي والإلهام على أساس كمال القوة النظرية، وتفوّق قوة الحدس، والذي هو أحد مباني الفلسفة المشائية الإسلامية (1).
كذلك، فسّر وبيّن مسألة استمرار وجود الإمام ـ ومن دون الالتفات والتوجه إلى القوس النـزولي والصعودي للوجود ـ على أساس قاعدة إمكان الأشرف، وهي من قواعد الحكمة الإشراقية، في الوقت الذي يعدُّ بيان تلك المسألة على أساس اُصول الحكمة المتعالية وقواعدها، أكثر متانة ووضوحاً.
وعلى أيّة حال تمثل هذه المقالة محاولة من كاتبها، حيث الأملُ أن تلقى قبول الحقّ تعالى، وأن تكون وسيلة للتوسل بحمى الولاية. وتوقّعي من المحققين الأعزاء أن لا يبخلوا بإرشاداتهم وملاحظاتهم، لإنضاج هذا البحث، ورفع أيّ نقص فيه:
ذاك العهد الذي عقدناه معك في الوادي الأيمن
كي نذهب إلى الميقات ونقول كموسى «أرني»
________________________________________
(1) شرح اُصول الكافي، صدر المتألهين، كتاب الحجّة، باب 3، حديث 1.

[الصفحة - 199]


أولاً: ما هي الإمامة؟
قال الإمام الرضا (عليه السلام): «إنّ الإمامة أجلُّ قدراً وأعظم شأناً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم» (2).
تتمتع الإمامة في مذهب التشيّع بأهمية خاصة، وتُعتبر أصلاً أساسياً من الأُصول الاعتقادية لأتباعه. فمن وجهة نظر هذا المذهب، يجب أن يتحلّى خليفة النبي الخاتم(رضي الله عنهما) بصفات، من الممكن أن تتلخص بنحو كلّي في الاُمور التالية:
1 ـ يستند مقام الإمامة إلى استعداد ولياقة عينية خاصة، هي ثمرة العطاء والعناية الإلهيتين، وعليه فلا دور لاكتساب الشخص، ولا لاختيار الناس وتنصيبهم في تحققه (3).
2 ـ يؤيَّدُ الإمام دوماً بواسطة الإمدادات الغيبية، والإلهام السماوي، وهو ما يفسر حيازة الإمام في كلّ عصر لأرفع درجات العلم والمعرفة، واطلاعه على جميع المصالح والأسرار اللازمة لتوفير سعادة الدنيا والآخرة للناس (4).
3 ـ الإمام رقيب وحاكم على جميع حوادث العالم، وأعمال الناس (5).
4 ـ يتحلّى الإمام بصفة العصمة، ويأمن من المعصية والزلل. بناءً عليه، كان إمام كلِّ عصر أتقى أهل زمانه وأعدلهم، وحائزاً على أرفع درجات الفضيلة الأخلاقية والعملية (6).
5 ـ يمكن أن تكون للإمام أعمال خارقة للعادة بوصفها معجزات وكرامات على صعيد العلم والعمل (7).
6 ـ يوجد في كلّ عصر شخص واحد بوصفه الإمام، والمرجع، والحاكم المطلق على دين الناس ودنياهم (8).
7 ـ ما دام الإنسان موجوداً في عالم الوجود، فلن يخلو العالم من إمام (9).
8 ـ تؤدي إطاعة الإمام واتباعه في الظاهر والباطن، وفي الاُمور المتعلقة بالدنيا والآخرة إلى النجاة والسعادة، ومخالفتُه إلى الشقاء والهلاك (10).
ثانياً: المباني الفلسفية لصفات الأئمة (عليهم السلام)
هدفنا في هذا الجزء من البحث هو أنْ نعرضَ لمباني واقعية هذه الصفات
________________________________________
(2)اُصول الكافي، محمد بن يعقوب الكليني (ت / 329هـ)، ترجمة السيد جواد مصطفوي، ط. انتشارات علمية إسلامية ـ طهران، الرواية رقم 518. ملاحظة: من أجل مراعاة قيمة هذا الكتاب الشريف وأهميته الخاصّة، والذي تم تأليفه في زمن الغيبة الصغرى، وكذلك من أجل مراعاة سعة المقالة والاختصار، تم اختيار جميع الروايات من هذا الكتاب الكبير، ولهذا سنكتفي بذكر أرقام الروايات فقط.
(3) المصدر السابق، 518.
(4) المصرد السابق، 518، 552، 556.
(5) المصدر السابق، 491، 495، 692، 694، 686.
(6) المصدر السابق، 518، 719، 716.
(7) المصدر السابق، 920 ـ 924، 1295 ـ 1299، 1288.
(8) المصدر السابق، 518، 923.
(9) المصدر السابق، 459، 454، 452.
(10) المصدر السابق، 481، 483، 515 ـ 517.

[الصفحة - 200]


وعينيتها في وجود الإمام، وأنه لماذا ترتبط معاً في وجوده.
بالطبع، لقد بُحث موضوع الإمام والإمامة في الكتب الكلامية على أساس مباني علم الكلام، وبُرهن فيها على صفات الأئمة بالاستناد إلى مبانيه، من قبيل: الاستناد إلى قاعدة اللطف في إثبات وجود الإمام، وبالاستناد إلى النقل في إثبات صفات الأئمة، فضلاً عن الاستفادة من مبانٍ كلامية اُخر من قبيل: «قبح تقدم المفضول على الفاضل»، والاستدلال على العصمة بواسطة هذه المباني نفسه(11).
وأمّا مقصودنا في هذه المقالة، فهو تحليل وبيان صفات الأئمة والروابط فيما بينها، على أساس مباني الحكمة المتعالية لصدر المتألهين. ولتوضيح هذا المطلب، من الضروري أن نستحضر عدة أُصول ومبانٍ فلسفية:
1 ـ لعالم الوجود مراتب ودرجات يُشار إليها عادة من ناحيتين: ناحية قوس النـزول، والاُخرى ناحية قوس الصعود.
في قوس النـزول، يقع عالم العقول والمجرّدات بعد مبدأ الوجود، ومن ثمّ يقع عالم المثال، ومن بعده عالم المادة.
وفي قوس الصعود، نصلُ من عالم المادة إلى عالم المثال، ومنه إلى عالم المجرّدات.
قوس النـزول هو أحد لوازم نظام العلّية في عالم الوجود، بمعنى أنّه وبسبب ضعف كلِّ معلول قياساً إلى علّته، كلّما ابتعدنا أكثر عن مبدأ الوجود، كلّما وصلنا إلى مرتبة أضعف من مراتب الوجود (12).
وأمّا مبنى قوس الصعود، فهو الحركة الجوهرية لعالم المادة، والتي قد أشار إليها وبرهن عليها صدر المتألهين (13). فبناء علىالحركة الجوهرية، كلُّ عالم المادة هو في حالة خروج من القوة إلى الفعل، ومن البديهي أنّ الفعلية التامّة لا تتحقق إلاّ بنيل مرتبة التجرّد التام. وعليه، فحركة عالم المادة تضع عالم المادة بشكل تلقائي في مسير التجرّد.
2 ـ إنّ موضوع تحول وتبدّل موجودٍ مادّي إلى موجود مجرّد، من دون فرض وقبول أصلٍ أساسي آخر، هو أمر غير ممكن؛ وذلك الأصل الأساس هو كون وجود
________________________________________
(11) تجريد العقائد، الخواجة نصير الدين الطوسي، المقصد الخامس؛ والباب الحادي عشر، العلامة الحلّي، الفصل السادس.
(12) الشفاء، ابن سينا، بحث الإلهيات، المقالة 10، الفصل 1، النجاة، ط. جامعة طهران، ص698 و699.
(13) الأسفار الأربعة، الطبعة الجديدة، ج3، ص61 ـ 112.

[الصفحة - 201]


الإنسان «الكون الجامع»، بمعنى أنّ لكلّ موجود في عالم الوجود حدّاً معيّناً، لكنَّ أحد موجودات العالم ـ أي الإنسان ـ شامل وحده لجميع حدود عالم الوجود، ولهذا يسمّى ذلك الموجود باسم «العالم الصغير». وقد ورد هذا المضمون في بيت منسوب للإمام عليّ (عليه السلام) حيث يقول:
وتحسبُ أنك جِـرمٌ صغيـــر وفيك انطوى العالم الأكبر (14)
بناء عليه، ومن بين جميع موجودات العالم، الإنسان فقط هو الذي يمكن أن يقيم رابطة وعلاقة بين عالم المادة وعالم المجرّدات. وفي الواقع، أنّ وجود الإنسان هو رابطة وجسر اتصال جميع العوالم والدرجات المختلفة لعالم الوجود، والإنسان هو مهدُ وموضوع حركةٍ من قوةٍ بلا نهاية إلى فعلية لا متناهية. ولذا، فإنّ من الممكن لأدنى درجات الوجود على الإطلاق إلى أعلاها على الإطلاق أن تتحقق في قوس الوجود الصعودي للإنسان، ومن أضعف مراحل الجماد على الإطلاق إلى أعلى مراحله على الإطلاق، وبعد ذلك الانتقال من الجمادية إلى النباتية، ثم السير والتحول من أدنى مراحل النبات على الإطلاق إلى أعلاها على الإطلاق، وبعد ذلك الانتقال إلى مرحلة الحيوان، والتحول في المراتب المختلفة للحيوانية والوصول إلى آخر درجة من الوجود الحيواني، وفي النهاية الانتقال من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، ثم التحول في مراتبه المختلفة ونيل أعلى درجات التجرّد على الإطلاق، وذلك بالعبور من عالم المادة وعالم المثال إلى عتبة جناب الحقّ والفناء في الحقّ، ومن ثم البقاء بالحق.
ويشير الشاعر مولوي إلى هذه الانتقالات بوصفها موتاً، فينشد قائلاً:
عن الجماد فنيتُ وصرتُ نامياً
وعن النماء فنيت فصرت في الحيوانية
ثم مِتُّ عن الحيوانية وصرت إنساناً
فممّ أخاف؟! ومتي أصبحتُ أنقص بالموت؟!
وأريد اُخرى أن أموت لأعبر البشرية
كي أطالَ من الملائكة أجنحة وريشا
ولابدّ أن أرقى عن الملائك وأحلّق في
________________________________________
(14) شرح ديوان الميبُدي، الطبعة الحجرية في حاشية شرح نهج البلاغة لمحمد باقر اللاهيجاني، ص217.

[الصفحة - 202]


فضاء «كلُّ شيء هالك إلاّ وجهه»
ثم أفنى أُخرى عن ملائكيتي
واتحقق بما لا يرقى إليه وهمُ
فأعدَمُ، أعدمُ، ومثل الأُرغن
أُضحي مردّداً «إنا إليه راجعون» (15)
3 ـ بناءً على «أصالة الوجود» (16)، يعدُّ الوجود منبعُ جميع الآثار والخواص، إذ ليس للأصالة من معنى سوى «منشأية الآثار». وفي الواقع، فإنّه لا شيء له تحقق خارجي غير الوجود، لذا فجميع الآثار والخواص تنبعُ من الوجود فقط، وكما أنّ الوجود حقيقة مشككة، فسيكون لتلك الآثار مراتب مختلفة ومتفاوتة، مثلاً: الحياة، العلم، الإرادة، القدرة، الفعل والتأثير، هي صفات منشؤها حقيقة الوجود. وهذه الآثار هي للوجود الذاتي، وغير قابلة للانفكاك عنه؛ لأنّ هذه الحقائق والصفات إن كانت خارجة عن ذات الوجود، فبناءً على أصالة الوجود، سوف لن يكون لها أي واقعية، إذ لا تحقق لواقعية اُخرى سوى الوجود (17).
وعليه، فالحقيقة الأصيلة هي هذا الوجود، وكلُّ الخيرات والكمالات هي آثاره، وحيث إنّ للوجود بلحاظ الشدة والضعف مراتب مختلفة، فستكون له أيضاً مراتب مختلفة بلحاظ هذه الآثار. مثلاً، لن يكون العلم في الواجب، وفي العقول، وفي النفوس واحداً، بل يتفاوت كمالاً ونقصاناً؛ إلاّ أنّ المسلّم هو أنّ أيّاً من درجات الوجود لن تخلو من هذه الخواص والآثار (18). ولكنْ بالمقدار الذي تضعف معه درجة الوجود، تنحو هذه الآثار والخواص إلى الضعف أيضاً. فمثلاً، بما أنّ الهيولي ومادة المواد لا تملك أي فعليةٍ من حيث الوجود، فليس لها أيضاً أيّ نوعٍ من أنواع الفعلية من حيث آثار الوجود ولوازمه.
في مرحلة الجماد فإنّ اللوازم والآثار ضعيفة أيضاً؛ لأنّ الوجود ضعيف، بنحو لا نشعر معه ولا نعلمُ بحياتها وإحساساتها. وأمّا في الحيوان والإنسان، وحيث إنّ درجة الوجود قوية وعالية، فآثار الوجود ولوازمه ـ من قبل الحسّ والحركة والإرادة والفاعلية أشدّ قوة ووضوحاً.
________________________________________
(15) المثنوي، بتصحيح نيكلسون، ج2، ص222.
(16) على الرغم من أنّ عرفاء الإسلام كانوا قد طرحوا بحث أصالة الوجود قبل صدر المتألهين بسنوات، إلاّ أن هذا الموضوع قد بحث واُثبت على أفضل وجه بواسطته. راجع الأسفار ج1، ص38 ـ 67؛ وشرح المنظومة للملا هادي السبزواري، قسم الحكمة، ص10 ـ 15؛ ونهاية الحكمة للعلامة الطباطبائي، المرحلة الاُولى، الفصل الثاني.
(17) نهاية الحكمة،المرحلة الاُولى، الفصل الثالث.
(18) تعليقات المرحوم الآملي على شرح منظومة السبزواري، ج2، ص294.

[الصفحة - 203]


وقد اعتبر صدر المتألهين الكشف عن هذا المطلب من مختصات فلسفته، كما اعتبر أنّ ابن سينا وأتباعه قد عجزوا عن الالتفات إليه. لكنه في الوقت نفسه يعترف بالتفات العرفاء لهذه المسألة(19)، بل إنّ «الأهداف» و«الرغبات» أيضاً مختلفة ومتفاوتة بحسب اختلافها في مراتب الوجود ودرجاته (20).
ومن ذلك فإنّ العالم برمّته وجميع الموجودات ـ من وجهة نظر العرفاء أيضاً ـ هي مظهر من مظاهر الحقّ وتشكل كلُّ ظاهرة بحد ذاتها مظهراً لصفات الحقّ وكمالاته.
الوجود بالصفات التي كانت خافية فيه
يسري في أعيان العالم جميعها
كل وصفٍ في العين التي كانت قابلة له
أصبح عياناً علي قدر قبوله (21).
في ضوء هذا، سيستفيد كلُّ نوعٍ من الأنواع المختلفة لعالم الوجود، بمستوى ما يحصّله من الكمالات الوجودية. ومن آثار تلك الكمالات ولوازمها؛ كما أنّ الحس والحركة يتحقق ظهورهما في مرتبة الحيوانات، وإدراك الكليات في مقام الإنسان. ولهذا السبب تُعتبر الفاعلية الإلهية من شؤون الموجودات المجرّدة فقط، وتُعدُّ الأجسام، بل والنفوس المتعلقة بالأجسام التي لم تصل إلى درجةٍ خاصة من التجرّد، فاقدة للفاعلية الإلهية.
لقد اشار ابن سينا في مؤلفاته إلى عدم إمكان علّية جسم بالنسبة إلى جسم آخر مطلقاً، وقام بإثبات ذلك (22)، أي أنّ الفاعلية الإلهية لا يمكنها أن تتحقق في المرتبة الوجودية للأجسام. ويمكن الإشارة للجسم، فقط بعنوانه أرضية وعلّة معدّة. وتستطيع النفوس، في الدرجات الدانية من حيث الكمالات الوجودية، أن تشكّل فقط فاعلاً طبيعياً، إلاّ أنّ بإمكانها أن تنال الفاعلية الإلهية في الدرجات الأرفع، كما يصرّح بذلك العرفاء والفلاسفة.
يقول ابن عربي:
«بالوهم يخلقُ كلُّ إنسان في قوة خياله ما لا وجود له إلاّ فيها.. ولكن العارف
________________________________________
(19) الاسفار، ج7، ص173، وليُراجع أيضاً بحث العلة والمعلول، ج2، ص127 فصاعداً، وبحث العاقل والمعقول ج3، ص278 فصاعداً. يصرح القونوي بتبعية العلم للوجود من حيث الكمال والنقص.وراجع أيضاً النصوص، بشرح السيد جلال الدين الآشتياني، مركز نشر دانشكَاهي، ص13.
(20) الأسفار، ج7، ص179.
(21) طرائق الحقائق، ج7، ص179.
(22) الإشارات والتنبيهات، النمط السادس، الفصل السادس والثلاثون، النجاة، تصحيح: دانش پژوه، ص379؛ حكمة الإشراق؛ مجموعة مصنفات شيخ الإشراق ج2، ص110 و119.

[الصفحة - 204]


يستطيع أن يخلق بهمته حقائق، هي في الواقع لها وجود خارج محور حالاته، وبقاؤها منوط بهمة ذلك العارف.. فمتى ما طرأت على العارف غفلةٌ عن حفظ تلك الظواهر، عُدمَ ذلك المخلوق»(23).
ويرى شيخ الإشراق (السهروردي) أنّ الناس الذين وصلوا إلى درجة خاصة من التجرّد، قادرون على إيجاد «الجوهر المثالي»، ويُسمّي هذا المقام بمقام «كُن» (24). أمّا ابن سينا فيعتبر إمكان التأثير على الطبيعة أمراً لازماً لنفوس الأنبياء، بمعنى أن نفس الإنسان ـ في مرحلة من مراحل الكمال ـ تحوز على قدرة التصرف في الطبيعة، أي أن نفس الإنسان في مرحلةٍمن مراحل الكمال والتجرّد تتعدى ما هو أبعد من حيطة بدنها، وتصبح منشأً للتأثير في الأجسام الاُخر، وتحوز قدرة تغيـير العناصر وإيجاد الحوادث؛ وبشكل عام، تنفذُ إرادتها في عالم الطبيعة (25). كذلك تختلف الخواصُّ الاُخر، من قبيل العلم والإرادة، وتتفاوت على أساس درجات الوجود أيضاً. ولا يرى شيخ الإشراق المعارف المرتبطة بالحكمة ممكنة قبل حصول ملكة خلع البدن (26)، مثلما يعتبر الغزالي أنّ الوصول إلى المعرفة العرفانية مشروط بالتبدّل (27). وقد أكد الشاعر مولوي مرات عدة في كتابه «المثنوي» على هذه المسألة كما في قوله:
إغسل الروح وبواسطتها إعرفها.
أو:
إغسل الروح من الجماد الموجود في العالم...
أو:
فأقم قيامتك كي ترى القيامة، فشرط رؤية كل شيء هو هذا.
ويربط بهمنيار، نقلاً عن أرسطو، الوصول إلى الحكمة، ونيل ما وراء الطبيعة بالولادة الجديدة(28). واعتبر الملا هادي السبزواري في بحث قدرة الحقّ تعالى أنّ الإيجاد نتيجة الوجود وفرعه(29).
ويرى ابن سينا أنّ القوى الإدراكية للبشر عاجزة عن إدراك الحقائق غير المادية ما دامت أسيرة العالم المادي (30). وقام ابن سينا بتصنيف إدراك الإنسان إلى طبقات ـ من العقل الهيولاني إلى العقل المستفاد ـ وتبنّي وجود نوعٍ وحدٍّ خاص من الإدراك
________________________________________
(23) ابن عربي، فصوص الحِكم، فصَّ إسحاقي.
(24)حكمة الإشراق، مجموعة المصنفات، ج2، ص242. كلمة «كن» هي إشارة إلى الآية 82 من السورة يس: إنما أمرهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون، والعارف في مقام «كُن» يملك قدرة كهذه أي القدرة على الفاعلية الإلهية.
(25) الشفاء، بحث الطبيعيات، الفن 6، المقالة4، الفصل 4.
(26) التلويحات (للسهروردي)، مجموعة المصنفات، ج1، ص113؛ وأيضاً مجموعة الآثار، ج3، ص63، حيث يتبنّى وجود محل خاص للعلم الشهودي.
(27) المنقذ من الضلال، طبعة مصر، ص58 ـ 60.
(28) مبدأ ومعاد، جوادي الآملي، ص33، نقلاً عن التحصيل لبهمنيار ص581.
(29) شرح منظومة الحكمة، الطبعة الحجرية، طهران، ص179.
(30) الإشارات والتنبيهات، النمط السادس، الفصل 14.

[الصفحة - 205]


لكل واحدةٍ من هذه الطبقات والمراتب؛ وكمثال، يعدُّ إدراك الكليات (التعقل) شأناً مختصاً بالدرجة المجرّدة وغير المادية من قوة الإدراك (31).
بالالتفات إلى المقدمات المشار إليها، ينكسر الحدُّ بين التجرّد والمادية، في وجود الإنسان، والذي يمثل «الكون الجامع» بحسب ما يصطلح عليه الفلاسفة والعرفاء، بمعنى أنّ المادة تشق طريقها نحو التجرّد من خلال مسير الإنسان، وعلى هذا تعتبرُ جميع مراتب الوجود ـ من أضعف مراحل عالم المادة على الإطلاق إلى أرفع مراتب عالم التجرّد على الإطلاق ـ قابلة للتحقق في وجود الإنسان.
ومثلُ هكذا قوسٍ صعودي لم يكن ليُستدلّ عليه ويُفسَّرَ بسهولة، حتى على أساس القول بإمكان التشكيل في الجوهر (32)، إلاّ أنّ قبول الحركة في الجوهر والتشكيك في الوجود، يجعل من هذا التفسير والتبرير، أمراً أسهل.
برعاية النكات المذكورة، يمكن لصفات وخواص وآثار كلّ مراتب الوجود ودرجاته أن تتحقق في وجود فردٍ من أفراد الإنسان. وعلى أساس مسألة «الكون الجامع»، والحركة الجوهرية، يملك كلُّ فردٍ من أفراد البشر سائر المراتب ـ من أدنى مراتب الوجود على الإطلاق إلى أعلاها وأرفعها ـ التي تحت تصرفه، وفي دائرة وجوده. وعليه، فإنّ جميع ظواهر عالم الوجود وإن كانت في حركة تكامل، إلاّ أن هذا التكامل يستطيع أن يحقق هدفه النهائي، والذي يتمثل في التجرّد والفعلية المطلقة، في وجود الإنسان فقط.
4 ـ بما أنّ تمام عالم المادة ـ على أساس القول بالحركة الجوهرية ـ هو في تحرك سيّال دائم، وأنّ كلّ حركة تستلزمُ نوعاً من الاشتداد والتكامل، وعندما يكون أصل الحركة مبني على الخروج من القوة إلى الفعلية، فإنّ الوصول إلى الفعلية التامة والتجرّد ـ في النتيجة ـ يشكل الهدف النهائي للحركة.
إنطلاقاً من هذا، يتقدّم كلُّ عالم المادة ويسيرُ باتجاه التجرّد، وهذا المسير التكاملي إنّما يحصل في مسيرة الإنسان نحو التجرّد. وأمّا بشأن مسير الظواهر الاُخر، فيعدُّ هذا الأمر ممكنا، فقط عن طريق «فساد» تلك الظاهرة وانتقال أجزائها إلى الدائرة الوجودية للإنسان.
________________________________________
(31) الإشارات والتنبيهات، النمط الثالث، الفصل 7 ـ 14.
(32)إذ على أساس القول بالتشكيك في الجوهر، الاختلاف في أفراد نوعٍ واحد ـ مثلاً اختلاف أفراد الأنوار ـ هو الاختلاف الوحيد الذي يقبل التبرير، وليس إمكان الاشتداد في فرد معين، بنحو يتغيّر فيه نور ضعيف مثلاً إلى نور قوي، هكذا تغير واشتداد يقبل البيان والتفسير فقط على أساس قبول الحركة الجوهرية والتشكيك في الوجود، والذي ـ أي التشكيك ـ هو إحدى المقدمات في بيان الحركة الجوهرية. وليس خافياً أن نوعاً من «التشكيك في الجنس» (المصطلح من الكاتب) قد طرح في بعض المصادر، بمعنى أنّ أواخر كلِّ واحد من المواليد الثلاثة، يتّصل ببداية الآخر، أي أنّه يشمل الجماد من أدنى أنواعه إلى أكمل أنواعه الذي يقربُ من النبات. ويشمل النبات، من النوع الضعيف القريب من الجماد إلى النوع القوي القريب من الحيوان.ويشمل الحيوان من الأنواع الضعيفة كالحلزونيات والمرجانيات إلى الحيوانات الأكمل من قبيل القرود. (راجع: رسائل إخوان الصفا ج4، ص276 ـ 280؛ ومقدمة ابن خلدون، ترجمة محمد بروين كنابادي، ج1 ص177). طبعاً، في هذا التشكيك لا تتبدل الأنواع إلى بعضها البعض، أي أنّ حيواناً ضعيفاً لا يتبدل أبداً إلى حيوان قوي. بمعنى أنّه لا يرتقي الحلزون إلى درجة القرد، أي أنّ الحلزون يبقى حلزوناً، والقرد قرداً، ومن البديهي أنّ هذه المسألة لا يمكن أن تكون مبنى تفسير وقبول قوس الصعود.

[الصفحة - 206]


وعليه، فإنّ هدف الحركة في جميع الأنواع الاُخر، هو في الواقع، الوصول إلى الإنسان. وهدف وجود الإنسان هو الوصول إلى التجرّد التام وخلافة الله (33). بل إنّ شيخ الإشراق، ونقلاً عن بوذا وحكماء الشرق القدماء قد اعتبر أنّ ظهور النفس والحياة هو أمر ممكن أصلاً في الإنسان فقط، ويرى أنّ حياة الأنواع الاُخر قد نشأت من حياة الإنسان، وعلى أساس التناسخ (34).
ولعل نفس هذه النكتة هي التي منحت حياة الناس حرمة خاصة، بمعنى أنّ قتلَ وإفناء أيّ واحدٍ من أنواع عالم المادة، ليس بأهمية قتل الإنسان.
على هذا، فالإنسان ـ ورغم أنه موجود مادي ـ يمكنه أن يعبر حدود المادة، إذ أنّ ولادة جديدة يمكنها أن تحدث في وجوده، بمعنى أنّ موجوداً مجرّداً يولد من داخل المادة، وبهذه الولادة تصل الحركة الدائمة لعالم المادة إلى النتيجة، التي لو أننا لم نأخذها بعين الاعتبار، وقلنا أن الحركة تنشأ من الطبيعة، فستكون هذه الحركة حركة عبثية وبلا هدف. وعندما تتحقق هذه الولادة الجديدة، يتخطى الإنسان في الواقع حدود المادة.
ومثل هذا الأمر ـ في حال لو توفرت له الشروط والظروف اللازمة ـ يمكن تحققه في جميع الناس، بمعنى أنّ جميع «الأجساد» تحمل في طياتها أرواحها.
يقول الشاعر مولوي:
البدنُ هو كمريم، وفي كلٍّ منّا عيساهُ
فإن جاءنا المخاضُ ولد كلٌّ منّا عيساهُ (35).
ويضيف:
البدنُ كالأم يحمل طفلاً هو الروح
والموت هو المخاض والزلزلة
وكأنه يشعر في وجوده بمثل هذه الولادة فعلاً.
ومن البديهي أنّ المراد من الموت هو الموت الاختياري، وكما يصطلح العرفاء بشأنه، هو الفناء، والبقاء بعد الفناء. وليس المقصود من كلّ هذا الموت والفناء سوى كسر حدٍّ من حدود الوجود، والارتقاء إلى الحدّ الذي يعلوه. ونعني بهذا كلّه، هو أنّ
________________________________________
(33) الأسفار، ج9، ص194 ـ 197.
(34) حكمة الإشراق، ص217.
(35) فيه ما فيه، الفصل الخامس.

[الصفحة - 207]


الإنسان يفوز في سيره التكاملي بمرتبة أرفع من مراتب الوجود.
ونظراً لأنّه حصل مرتبة جديدة وأكمل من مراتب الوجود، فبالطبع سينال خصائص وآثاراً جديدة أيضاً، متناسبةً مع هذه المرتبة. وكلما كانت مرتبة الوجود المستحصلة مرتبة غير اعتيادية، فسوف تكون خصائصها وآثارها أيضاً خارقة للعادة وإعجازية. وهنا ترتبط معاً وتتصل المعرفة الإعجازية (الوحي والإلهام)، والتأثير الإعجازي (المعجزة والكرامة)، والإرادة والسلوك الإعجازيان (الخُلُق العظيم والعصمة).
غير أن هذا الارتباط والاتصال، ليس ارتباطاً ظاهرياً واعتبارياً، بل هو ارتباط فلسفي وحقيقي. إرتباط على أساس الوجود والواقعية. إرتباط على أساس «ما هو كائن» لا «ما ينبغي أن يكون»، وهذا هو المبنى الفلسفي لارتباط صفات الأئمة بوجود الإمام، وأيضاً لارتباط تلك الصفات مع بعضها البعض.
لا تكون الروح إلاّ العلمَ في الامتحان
كلُّ من كان علمه أكثر فروحه أوسع
إن روحنا هي أشرف من روح الحيوان
لماذا؟ لأن لديها علماً أكثر
وروح الملك أرفع من روحنا
لأنه منـزّه عن «الحسّ المشترك»
وروح أرباب القلوب أشرف من الملك
فدع جانباً هذا التحيّر
ولهذا صار آدم مسجودها
إذ روحه أوسع من وجودها
وإلاّ لم يكن لائقأ الأمر
بسجود الأشرف للأخَسِّ
متى يرضى عدل الله ولطفُه
أن تسجد وردة أمام الشوكة
________________________________________

[الصفحة - 208]


فإن توسّعتِ الروحُ تجاوزتِ الفناءَ
وأطاعتها أرواح جميع الأشياء (36)
ثالثاً: البيان والتفسير الفلسفي لصفات الأئمة (عليهم السلام)
1 ـ عينية مقام الإمام وصفات الإمام
كما سبق وذكرنا، يملك الإمام باعتبار الدرجة الوجودية أرفع مقام في قوس الصعود، وتنبع الإمامة وصفات الإمام من درجة الوجود الرفيعة هذه، وبما أن الكمالات الوجودية هي أمر خارجي وعيني، فإنه لن يكون لاختيار الناس وتنصيبهم دور في تحقق ذلك المقام وتلك الصفات. ويطرح الإمام الرضا (عليه السلام) هذه المسألة في الرواية رقم 518 من أصول الكافي المتقدم ذكرها، ويعتبر في هذا الحديث أن مقام الإمامة هو أرفع من أن يتمكن الناس بتعيينهم واختيارهم أن يحققوه، بل تكليفهم هو معرفة الأولياء (37).
وهنا نشير إلى نكات عدة:
أ ـ الإمام يجب أن يُعرّفه وينصّبه الله تعالى، وليس الناس، إذ بإمكان المقامات العالية في السير الصعودي للوجود أن تحيط بالمقامات الأدنى، وأمّا المقامات الدانية فلا قدرة لها على الإحاطة بالمقامات الأعلى، ولهذا يجب أن يُعرَّفَ الإمام وينصَّبَ من قبلِ الله تعالى لا من قبل الناس (38).
وفي حال لم يحصل ذلك، فالناس إمّا يقعون في الخطأ ويختارون بدلاً عن الإمام غيره، في حين أن مقام الإمامة ليس سوى من شأن ذلك الفرد الأرفع والحائز على الدرجة الوجودية للإمام، وغيرهُ من الأشخاص الذين يمتلكون مراتب متدنية في النقص، وهم في درجات أدنى من حيث الكمالات الوجودية، فإيديهم قاصرة عن هذا المقام، حيث: {لا يَنالُ عَهْدِيَ الظَّالمين} (39)، مثلما أكّد الإمام الرضا (عليه السلام) من أنّ الآخرين لا يقدرون على بلوغ مقام الإمام (40).
أو أنهم يقومون بإنكار أصل الإمامة؛ لأنّ الإمام ـ كما هو النبي تماماً ـ إنسان في الظاهر، والناس لا يملكون دليلاً ليؤمنوا بوجود حقيقة الكمال في فردٍ بعينه؛ ولهذا
________________________________________
(36) مولوي، المثنوي، تصحيح نيكلسون، ج1، ص434.
(37) اُصول الكافي، الرواية 1181 ـ 1183.
(38) المصدر السابق، 518.
(39) القرآن الكريم، البقرة، الآية 124.
(40) اُصول الكافي، الرواية رقم 518، وقد اُكّد في هذه الرواية على ضرورة تعريف الإمام من قبل النبي (رضي الله عنهما).

[الصفحة - 209]


يجب على النبي أو الإمام السابق أن يعرّف الإمام اللاحق، كي لا يقع الناس في الخطأ أو ينجرّوا إلى الإنكار.
ب ـ مقامُ الإمامة هو مقام مخوَّلُ وموهوب، وليس أمراً اكتسابياً. فالإنسان الذي هو «الكون الجامع»، وجميع درجات الوجود قابلة بالقوة للتحقق في دائرة وجوده، ينالُ بعضاً من هذه الدرجات بنحو إرادي، كما هو الحال في عبوره من المراحل النباتية والحيوانية، وأمّا نيل بعض الدرجات الأرفع فهو رهن بالرياضة، والسعي، وبناء النفس، حيث لا يمكن «للولادة الثانوية»(41)، والانتقالِ من مراحل العالم المادي إلى مقامام عالم المجرّدات أن يحصلا من دون السعي والمجاهدة، سوى في حالة «المحبوبون» و«المجذوبون السالكون»، الذين لا يكون سيرهم على أساس الرياضة والمجاهدة، وإنما كنتيجة للعناية والجذبة الإلهية.
والأنبياء والأولياء هم من هؤلاء المحبوبين. وقد أكد الإمام الرضا (عليه السلام) على هذه المسألة، واعتبر أنّ الأئمة (عليهم السلام) يُحسدون من جهلةِ الناس بسبب نفسِ هذا التفَضّل الإلهي (42).
ج ـ في ضوء هذا التفسير والشرح، لا يكون تحقق مقام الإمامة ـ كما في النبوة ـ رهناً بسنّ الأفراد وأعمارهم؛ لأنّ منشأ كمال الإمام هو الإمداد الغيبي، والعناية والجذبة الإلهيتين، وليس النمو الظاهري ومرور الأعوام والسنين. وقد أشار الإمام الرضا (عليه السلام) إلى هذا الأمر (43)، ونمتلك روايات متعدّدة تصرّح بأنّ روح وقلب وبدن الأئمة (عليهم السلام) كلها تختلف عن الآخرين (44)، وحتى حملهم وولادتهم هي أيضاً اُمور غير اعتيادية (45).
2 ـ الإمام محلّ للعون والإلهام الغيبي دائماً
هذا العون والإلهام هو بدوره نتيجة للرفعة الوجودية للإمام، إذ أنّ الإمام أيضاً يتمتع، مثل النبي، بدرجة وجودية خاصة، هي بالقياس إلى الآخرين غير اعتيادية، وإعجازية؛ ولهذا فآثارها ـ كما مرّت الإشارة ـ إعجازية أيضاً، ومنها نفس ذلك العلم الخارق للعادة الذي يملكه الإمام.
وهنا نشير إلى نكات مهمة عديدة، بوصفها نتائج لهذا الأصل، والتي أكّدت عليها الأحاديث والأخبار:
________________________________________
(41) إشارة إلى ظهور الطبيعة الثانوية والتحوّل الوجودي المأخوذ من حديث عن عيسى (عليه السلام)، ومضمونها أنه من لم يولد مرتين لم يدخل ملكوت السماء؛ أحاديث المثنوي، ص96.
(42) اُصول الكافي، الرواية 518 و521.
(43) المصدر السابق، 991.
(44) المصدر السابق، 105 ـ 108.
(45) المصدر السابق، 996 ـ 1004.

[الصفحة - 210]


أ ـ الإمامة هي باطن النبوة، وكلاهما يرتويان من نبعٍ واحد، حيث أوضح الإمام الرضا ( عليه السلام) هذه المسألة، معتبراً أنّ الفرق الوحيد بين النبي والإمام يكمن في أنّ النبي يرى الملَك ويسمع كلامه، وأمّا الإمام فيسمع كلامه ولا يراه (46). وعلى أساس هذا التفاوت سمّي الأئمة بـ«المحدَّثين» و«المفهَّمين» (47).
ب ـ نظراً لأنّ الإمام لم يكن ليأتي في الرتبة الثانية بعد النبي، من حيث الكمالات الوجودية، إلاّ لأنّ للإمامة اتصالاً وارتباطاً وثيقاً بالنبوة. فالإمام هو الوارث بالحق لعلوم الأنبياء وكُتبهم ـ وقد عرّف الإمام الرضا (عليه السلام) الأئمة (عليهم السلام) بعنوانهم صفوة الله وورثة كتاب الحقّ(48) ـ وهو على معرفة بجميع الكتب السماوية بأي لغةٍ نزلت، كما صرّح الإمام موسى بن جعفر بذلك (49).
ج ـ جاء ذكرُ هذه الوراثة في لسان الأحاديث والأخبار بتعابير مختلفة من قبيل:
أً ـ الأئمة هم الراسخون في العلم، والعالمون بتأويل آيات القرآن. وأصل منشأ التفسيرات المتعددة للقرآن هو نفس هذا التفاوت في الدرجات الوجودية للناس، حيث إنّ كلّ إنسان وبحسب درجة كماله وتجرّده، يدرك بعضاً من الحقائق القرآنية (50).
بً ـ خزنة العلم الإلهي وتراجمة الوحي (51).
جً ـ الأئمة شركاء النبي الأكرم، عليهم الصلاة والسلام (52).
دً ـ علامات الأنبياء الماضين وآياتهم موجودة عندهم، من قبيل: ألواح موسى وعصاه، خاتم سليمان، قميص يوسف، سلاح النبي الأكرم (رضي الله عنهما)، والكُتُب المختومة، والصحيفة، والجامعة، وغير ذلك (53)، والتي ترمز لوراثة علم الأنبياء عليهم السلام وقدراتهم.
هـً ـ إنتقال الروح القدسي «روح القدس» من النبي إلى الإمام كما صرّح الإمام الصادق (عليه السلام) بذلك، حيث قال: «منذ أنزل الله عزَّ وجلَّ ذلك الروح على محمد (رضي الله عنهما)، ما صعد إلى السماء وإنّه لفينا» (54).
د ـ بما أنّ علمَ الإمام هو علمٌ لدُنيّ ونتيجةٌ للإلهام، فهو يمتاز بالخصائص التالية:
________________________________________
(46) المصدر السابق، 518 و435.
(47) المصدر السابق، عن الرضا (عليه السلام)، الرواية 705، وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، الرواية 699، وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، الرواية 697 و700، ولتراجع روايات 1020 ـ 1024 و1031 ـ 1035 و582 ـ 584 وأن علم الأئمة هو من الأسرار الإلهية، أبو الحسن (عليه السلام)، 656.
(48) المصدر السابق، عن الرضا (عليه السلام)، 559 وفي هذا الباب عن الأئمة الآخرين روايات 552 ـ 556 و589 ـ 592.
(49) المصدر السابق، 655، وأيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، الرواية 601 و653 ـ 655.
(50) المصدر السابق، الإمام الصادق (عليه السلام)، 449 ـ 451، وليراجع الأسفار فيما يتعلق بارتباط بطون القرآن بدرجات الوجود، الجزء 7، ص36 فصاعداً.
(51) المصدر السابق، 500 ـ 505، باستثناء الأئمة، ليس من شخص جامع لجميع العلوم القرآنية، الإمام الباقر والصادق ، 402 ـ 407.
(52) المصدر السابق، 678 ـ 680.
(53) المصدر السابق، الإمامين الباقر والصادق ، 611 ـ 636.
(54) المصدر السابق، 709 ـ 715. والمسألة التي تستحق الذكر هي أنّ عليّاً (عليه السلام) يعتبر الروح غير الملائكة، الرواية 716.

[الصفحة - 211]


أً ـ الإمام هو أعلم أهل زمانه؛ لأنّ علمه من آثار وجوده، ووجوده هو الأرفع في كلِّ عصر (55).
بً ـ علم الأئمة هو علم مستمر، يشتد في كل لحظة ويزداد من خلال اتصاله بالمنبع اللامتناهي، أي الإلهام (56). يقول الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ـ الإمام السابع ـ بأنّ لعلم الإمام ثلاث جهات: الماضي، المستقبل، الحادث، ويقول: إنّ النوع الثالث ـ أي الحادث ـ هو حصيلة الإلهام على قلب الإمام والإبلاغ في اُذنه، وهو أرفع أنواع علوم الأئمة على الإطلاق؛ غير أنّه يذَكّر بعدم مجيء نبي بعد نبي الإسلام الأكرم(رضي الله عنهما)، مشيراً إلى أنّه لا ينبغي اعتبار الإمام نبي(57).
جً ـ كلّما أراد الإمام أن يعلم شيئاً، فإنّ الله يعلّمه (58).
دً ـ لو يجدُ الأئمة أفراداً صالحين يحفظون السرّ، وفي الواقع أفراداً يليقون بدرجتهم الوجودية؛ لأخبروهم بكلّ شيء (59).
هـً ـ علم الأئمة هو العلمُ الأوحد المنـّزه عن الخطأ والباطل (60).
3 ـ الإمام حاكم ورقيب على جميع حوادث العالم وأعمال الناس
بناء على القول بوحدة الوجود ومراتبه التشكيكية، كما مرّ سابقاً، يقف الإمام على رأس هرم عالم الإمكان بحكم حيازته لأرفع درجات الوجود على الإطلاق؛ والذي من نتائجه ما يلي:
أ ـ الولاية التكوينية للإمام على عالم الممكنات (61).
ب ـ الإشراف والرقابة على سير الحوادث، ومن جملتها أعمال الناس، حيث ورد في الروايات أنّ جميع أعمال الناس تُعرضُ على النبي الأكرم (رضي الله عنهما) والأئمة(عليهم السلام) (62).
4 ـ للإمام صفة العصمة وهو في أعلى درجات الفضيلة والتقوى
يتمتّعُ الأئمة بسبب درجتهم الوجودية الرفيعة بالآثار الرفيعة لتلك الدرجة، ومن جملة هذه الآثار، البعد عن الخطأ والمعصية، إذ أنّ المعصية والخطأ معلولان للجهل والنقصان، والإمام بريء من الجهل والنقصان. فالإنسان غير الجاهل، الذي لا يعاني النقص والضعف، كيف يمكن له أن يخطأ أو يزلّ؟!
________________________________________
(55) المصدر السابق، 672 ـ 677، الأئمة منبع العلوم، 1036 و 1037.
(56) المصدر السابق، الإمام الصادق (عليه السلام)، 555 و556 و649 ـ 652 والزيادة في كل ليلة جمعة 464 ـ 648.
(57) المصدر السابق، 681.
(58) المصدر السابق، الإمام الصادق (عليه السلام)، 661 ـ 663 و672 ـ 675.
(59) المصدر السابق، الإمامين الباقر والصادق ، 684 و 685.
(60) المصدر السابق، الإمامين الباقر والصادق ، 637.
(61) المصدر السابق، تحت عنوان أنّ الأئمة هم وسائط فيض الحقّ، وأنّ الله قد فوّض إليهم إدارة اُمور العالم، الروايات 686 و693 و 694.
(62) المصدر السابق، 574 ـ 579، الأئمة يعرفون باطن وحقيقة الناس، الإمام الرضا (عليه السلام) 593.

[الصفحة - 212]


من جانب آخر، أهم عامل لوقوع الإنسان في الخطأ هو الهوى والهوس، والشهوة والغضب، وقد عرفنا أنّ مراتب الوجود العليا لا تقع أسيرة، أو في قيود المراتب الأدنى منها.
لذا فالإمام الذي يتربع فوق قمّة هرم الوجود، لن يكون له أدنى تعلّقٍ بالجاه والمال، وبزينة الدنيا وزخرفها؛ ولهذا السبب بذاته لم يكن للنبي الأكرم (رضي الله عنهما) تعلّق بالدنيا؛ لأنّه كان يقفو إثر مطلوبٍ ومحبوبٍ لا تسعه الأرض ولا السماء، والدنيا والآخرة في قباله كحبةٍ شعير لا تساوي شيئاً.
في ضوء هذا التحليل، يمكن الوصول إلى النتائج التالية:
أ ـ الإمام معصوم من الخطأ والمعصية (63).
ب ـ القيادة مصانة من الخطأ والانحراف، ومحصورة بالإمام، واتّباع غير المعصوم ـ مع وجود المعصوم ـ أمرٌ خلافُ العقل والمنطق، ولذا يَعتبرُ الإمام الرض(عليه السلام) النجوم وعلامات الهداية المطروحة في القرآن الكريم هم الأئمة (عليهم السلام) (64).
ج ـ تعدُّ طاعة القائد المعصوم ـ عقلاً وشرعاً ـ من الاُمور الواجبة والضرورية، كما صرّح بذلك الإمامان موسى بن جعفر والرضا (65).
د ـ مع احتمال وجود القيادة المعصومة، يُعدُّ الفحص والبحث عنه من أجل معرفته أمراً واجباً ولازماً، بحكم العقل والشرع (66).
هـ ـ مع التقصير في معرفة الإمام المعصوم وفي التفويض والتسليم إليه، تفقد أعمال الإنسان قيمتها، ولن تُقبل بسبب إهمالِ تكليف أساسي (67).
و ـ الثبات والاستقامة على الولاية أمر واجب ولازم، ولا يمكن للإنسان أن يستغني عن الولاية مطلق (68).
5 ـ يمكن للإمام أن يكون مصدراً للإعجاز وظهور الكرامة
كما بيّنا في الفقرة الثانية المتعلقة بالمباني الفلسفية لصفات الأئمة، أنّ الفاعلية الإلهية ـ أي القدرة على إيجاد الماهيات المعدومة، وإعدام الماهيات الموجودة، والتصرف في عالم الوجود ومادة العالم ـ ليست من شأن الدرجات الدانية للوجود، كالجماد والنبات والحيوان، بل تنحصر بالموجودات ما فوق المادة، أي الموجودات المفارقة والمجرّدة.
________________________________________
(63) المصدر السابق، 518 و716 ـ 719.
(64) المصدر السابق، 496 ـ 499، الأئمة هم فقط منشأ الحقّ، والآخرون هم منشأ الباطل 1038 ـ 1043، وأهل الذّكر الذين يرجع إليهم ويُسألون هم الأئمة، الإمام الرضا (عليه السلام)، 545، والخلفاءُ وبابُ معرفة الحقّ هم الأئمة، 506 ـ 508، والعلامات والنجوم هم الأئمة، الإمام الرضا (عليه السلام)، 1527.
(65) المصدر السابق، 481 و483 ولزوم التسليم 1009 ـ 1016.
(66) المصدر السابق، 1017 ـ 1019 و1181 ـ 1183.
(67) المصدر السابق، 460 ـ 468 و965 و 966.
(68) المصدر السابق، 580 و 581.

[الصفحة - 213]