البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تدوين السنة النبوية دراسة في المواقف والاتجاهات

الباحث :  أ. محمد تقي الكرمي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  43
السنة :  السنة الحادية عشر خريف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  270
تدوين السنة النبوية
دراسة في المواقف والاتجاهات

أ. محمد تقي الكرمي (*)

ترجمة: عباس الأسدي

السُنّة في اللغة تعني المنهج والعادة الحميدة أو الذميمة (1). ولهذا المصطلح معنىً حسي ـ عملي، ويشير إلى اتباع شخص لآخر أو لجماعة وبالعكس. ثم انتقل المصطلح من قبل علماء الحديث والشريعة وأصولها من إطار الدلالة اللغوية إلى دائرة الاصطلاح، بحيث أصبح يدل على قول النبي وفعله وتقريره (2).
ورغم أن مصطلح «السنة» أوسع في المعنى من مصطلح «السنة الحديث»، غير أنهما يتطابقان عملياً في الكثير من الحالات، ولهذا سُمّيت المجموعات الروائية بالسنن، مثل سنن ابن أبي داود وابن ماجة (3).
في باب السير التاريخية ثمة اختلاف في الرأي واضح في استخدام هذا اللفظ ومعناه الاصطلاحي بين المدافعين التقليديين عن الإسلام وبين المستشرقين والناقدين؛ إذ تسعى الطائفة الأولى حصر معناه بعصر النبي والصحابة من خلال الاستشهاد بأشعار العرب قبل الإسلام والآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية، فيما يرى المستشرقون والناقدون أن هذا المعنى خاطئ وغير علمي، وأن «السنة السنة» في بدايتها كانت تعني الطريقة والعادة والعرف، لكن جرى تحوير اللفظ تدريجياً من جانب أهل الحديث والشريعة حتى تبدّل أواخر القرن الهجري الثاني إلى مصطلح حقوقي (4)، وأصبح قياساً بـ«السنة الكتاب» مصدراً مستقلاً في التشريع (5). فلم يُخصّص مصطلح «السنة
________________________________________
(*) باحث، من إيران.
(1) لسان العرب، ذيل المصطلح سنن، ج15، ص225.
(2) السنة قبل التدوين، محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، ص14ـ20، انظر أيضاً: توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، أسسه واتجاهاته، رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي، مصر، 1981، ص11ـ18.
(3) دائرة المعارف الإسلامية، ج12، ص281ـ 286.
(4) نحو تطوير التشريع الإسلامي، عبد ا أحمد النعيم، سينا للنشر، القاهرة 1994، ص49.
(5) دائرة المعارف الإسلامية، ج12، ص283.

[الصفحة - 64]


السُنّة» في المدارس الفقهية القديمة في العراق والحجاز وقبل تدوين الشريعة بتقرير النبي وفعله وقوله، إنما استخدم بمعنى مجموعة النظريات الاجتماعية أو الأمور المتعارفة والمقبولة (6). وكان من المشكل حتى بعد قرون لعموم أهل الحديث والشريعة التمييز بين أحاديث النبي وأقوال الصحابة، بحيث أصبح تحديد الإطار المعنائي للسنّة مثار جدال ونزاع؛ فعلى سبيل المثال اعتبر مالك وأحمد بن حنبل فتاوى الصحابة تدخل في إطار السنّة (7)، فيما اعتقد الشافعي أن «السنة السنة» تدلّ على سنّة الرسول فقط إذا خلا اللفظ من قيد إضافي (8).
يمكن القول بالنتيجة بأن «السنة السنة النبوية» مصطلح مستحدث تمّت بلورته في العصور التالية، وهذا ما يرفضه المدافعين التقليديين عن الإسلام ويعدّونه متطرفاً إلى حدٍّ ما، لأن هذا الرأي يجعل:
أولاً: سنة النبي امتداداً للآداب والتقاليد والسنن الجاهلية، ويتجاهل دورها الأساسي وتأثيرها الواضح في تكوين الأمة الإسلامية الفتية، أو أنه يقلّل من هذا الدور.
ثانياً: صحة ووثاقة سنة النبي كمصدر ثانٍ للتشريع في معرض الشكّ، ويسلب أي اعتبار عنها، في حين تكشف جهود المسلمين الأوائل في تدوين الحديث بصورة دقيقة وإرساء أسس هذا العلم (التمييز بين الموثوق من عدمه وضبط رجال السند في الرواية وأمثال ذلك) عن إيلاء أهمية خاصة للسنة النبوية.
ثالثاً: إن الدراسة الدقيقة لمصطلح السنة وملاحظة تطوره التاريخي، وهو ما يقوم به عامة المستشرقين المتخصصين في فقه اللغة، لن تنفع إلا في الوقوف على بعض الملاحظات العلمية ـ التاريخية، ذلك أن جوهر السنة هو طاعة النبي واتباعه، وإذا اختلف المسلمون في تحديد الدائرة المعنائية للمصطلح، فإنهم يجمعون على وجوب هذه الطاعة بوصفها فرضاً إلهي (9). يعتقد أن هذا الاستدلال يتجاهل التطور التاريخي للسنة، ويصادر الحقيقة وفق ما يرى، لأن تأويل مصطلح طاعة النبي المذكور في الآيات القرآنية بالطاعة الحقوقية والشرعية هو ادعاء، وأن إثبات عدم وجود اختلاف صريح بين معنى سنة النبي في القرن الأول (قبل تدوين الشريعة) ومعناها في القرون التالية (بعد تدوين الشريعة) يحتاج بذاته إلى دليل، وذلك لوجود تمايز بين
________________________________________
(6) في تاريخ التشريع الإسلامي، كولسون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1992، ص65.
(7) ابن حنبل، حياته وعصره، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ص251.
(8) أصول السرخسي، محمد بن أحمد السرخسي، لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدر آباد الدكن، 1372 هـ، ج1، ص113 ـ114.
(9)كمثال أنظر: السورة4، الآية80؛ السورة8، الآية20؛ السورة 59، الآية27.دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1992، ص10.

[الصفحة - 65]


السنة بمعناها الاصطلاحي (حجية تقرير النبي وقوله وفعله، وكونها ملزمة للمسلم) ومعناها الحسي ـ العملي، وأن القطع بأي حكم حول مصطلحات القرآن أو السنة النبوية المنقولة رهين بإجراء أبحاث لغوية ـ تاريخية، حيث لم تجر حتى الآن أية دراسات رئيسية وواضحة في هذا الباب.
فيما يلي سنحاول تقديم دراسة حول «السنة السنة النبوية» في ثلاثة أبعاد:
1ـ صحة السنة النبوية ووثاقتها.
2ـ حجية السنة النبوية.
3ـ قطعية السنة النبوية.
ومن الضروري أن نؤكد أن القصد من مصطلح «السنة السنة النبوية» هنا هو الروايات الفقهية الواردة عن النبي دون الروايات الأخرى.
صحة السنة النبوية ووثاقتها
السنة النبوية هي مجموعة كبيرة من المعلومات الشفوية في معظمها والمنسوبة إلى النبي التي وصلتنا عبر سلسلة من الرواة، ومن الطبيعي فإن الراوي هو من العناصر التي يتشكل منها الحديث النبوي أو الرواية، وان اعتبار الرواية يرتبط باعتبار الراوي أو كثرة الرواة.
تقسّم المدرسة القديمة الرواية من ناحية كثرة رواتها (التي تعتبر في الرؤية العلمية القديمة دليلاً على صحة مضمون الرواية وتفيد العلم واليقين) أو قلتها، إلى قسمين: المتواتر والآحاد:
1ـ الخبر المتواتر: هو الخبر الذي ينقله عدد كثير من الرواة بحيث يستحيل اتفاقهم على الكذب، ومثل هذا الخبر يبعث على الاطمئنان.
2ـ الخبر الواحد: هو الخبر الذي ينقله شخص واحد أو عدة أشخاص، وبالنتيجة فإن مضمونه ليس قطعياً ويحتاج إلى القرائن والشواهد.
وقد جرت في باب حجية الخبر الواحد الذي يضمّ أغلب الروايات المنقولة عن النبي دراسات طويلة عريضة, وتم توجيه انتقادات جادة من جانب العلماء
________________________________________

[الصفحة - 66]


العقليين خاصة المتكلمين المعتزلة، وتلاحظ كثرة المناظرات بين المدافعين عن حجية الأخبار ومنكريها في معظم الكتب الفقهية التي ألّفت في القرون الأولى (لاسيما القرنين الثاني والثالث)، وقد قدّم الشافعي في أحد مؤلفاته تقريراً موثقاً عن أمثال هذه المناظرات (10). وما هو مهم في هذه المناظرات ليس انتصار أو انكسار المتناظرين، إنما نوع الأدلة التي يسوقها كل طرف ضد الآخر؛ بحيث فتح باب «السنة التأويل الفقهي» مع تطور هذه السجالات، لتستخدم في هذا السياق الكثير من الآيات القرآنية وتتبلور تبعاً لذلك مفاهيم جديدة أصبحت تدريجيا الحجر الأساس لعلم الشريعة والكلام، مثل: الشمولية والكلية في القرآن (السورة16، الآية89)، وكمال الشريعة وخلودها(السورة5، الآية3)، وتقسيم الوحي إلى المتلوّ (القرآن) وغير المتلو (السنّة) ( السورة62،الآية2)ووجوب طاعة الرسول ( السورة4، الآية80، و السورة 59، الآية7)، وعصمة النبي في أمر الشريعة (السورة53، الآيتان 3و4)، وقداسة صحابة النبي وعدالتهم المطلقة، وفي شكله المتطرف، القول بعصمة جميع رواة الحديث النبوي، لأنه لا يمكن في غير ذلك الاعتماد على صحة الروايات المنقولة عن النبي، وبالنتيجة لا تتحقق الطاعة للرسول وهو أمر مفروض (11).
دور «السنة الإسناد» في الحديث النبوي
إن ما هو مهم في باب وثاقة الحديث النبوي وصحته هو «السنة الإسناد»، ويتكون من سلسلة من الرواة يتصلون مع بعضهم زمنياً حتى عهد النبي، وتتم هذه الصلة في الغالب شفوياً اعتماداً على ذاكرة الرواة. ويعتمد استخدام الإسناد في الرواية على افتراض مسبق وهو أن هذا الأسلوب في نقل الرواية ليس مستحدثاً بأي وجه من الوجوه، ويعود قدمه إلى عهد النبي وبعد وفاته مباشرة، إذ كان هذا الأمر متعارفاً بين الصحابة.
مهما يكن ، فإن «السنة الإسناد» في الرواية احتل مكانته الخاصة، وأصبح معياراً للأخذ بالرواية أو رفضه (12)، وقد بذل المسلمون منذ القرن الثاني جُلّ سعيهم للوصول إلى تفسير دقيق وعلمي «السنة للإسناد»، ما أفضى إلى تأسيس علم جديد
________________________________________
(10) الأم، كتاب جماع العلم، دار المعرفة، بيروت، ج7، ص271ـ 286.
(11) الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الأندلسي، ج1، ص120ـ131؛ أنظر أيضاً الفصل الثاني من البحث المهم: مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي، عبد المجيد تركي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994، ص93ـ162.
(12) صحيح مسلم، المقدمة، باب أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلاّ عن الثقاة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ج1، ص14.

[الصفحة - 67]


باسم «السنة علم الحديث». ومنذ ذلك الحين ارتبط اعتبار الكلام بقواعد خاصة أحيطت بصفة الاعتبار عبر «السنة إجماع» علماء الشريعة، وسعت جميع الفرق والمدارس الإسلامية إلى الالتزام بتلك القواعد لإضفاء الاعتبار على كلامها، رغم عدم وجود إجماع على تفسير هذه القواعد وحدود استخدامها، وذهبت كل فرقة إلى تأويلها تبعاً لظروفها وافتراضاتها المسبقة (13).
نظرية «السنةشاخت» الانتقادية حول السنّة النبوية
ثمة أبحاث انتقادية متنوعة باتت توجّه اليوم إلى موضوع «السنة الإسناد» في إطار الأحاديث النبوية؛ فيما اكتفى عامة الناقدون القدامى بمناقشة ظاهرة «السنة جعل الحديث» فقط، ورفضوا على هذا الأساس روايات كثيرة؛ ومع ذلك فإنهم لم يستطيعوا تقديم توضيح انتقادي تاريخي عن الظاهرة المذكورة والخوض في العلل المعرفية لها، بسبب عدم توفرهم على الأدوات العلمية اللازمة. بيد أن تطور العلوم الإنسانية واللغوية، وإبداع مناهج جديدة في انتقاد النصوص، هيأ لنقّاد القرنين الأخيرين ـ لاسيما المستشرقين منهم ـ الفرصة للبحث في التراث الإسلامي من جديد، والتوصل إلى نتائج ملحوظة؛ ويمكن الإشارة في باب الحديث النبوي إلى الأبحاث العلمية والدقيقة لأمثال «السنة جولدزيهر» و«السنة شاخت»، لاسيما هذا الأخير الذي ركّز دراساته حول الشريعة الإسلامية والتحري الدقيق للأحاديث الفقهية المنقولة عن النبي؛ ولوسعة إطلاعه على القوانين الحقوقية القديمة في منطقة الشرق الأدنى والشرق الأوسط، استطاع ولأول مرة من أن يقدم تفسيراً منتظماً وعلمياً لتطور الشريعة الإسلامية وتبلورها، ليتوصل إلى نتائج رائعة؛ وفيما يلي اختصاراً لنظريته في باب التكامل التاريخي للشريعة ودور الإسناد في الحديث النبوي:
خلافاً للرأي المشهور الذي يعتقد أن تكامل «السنة الإسناد» اقترن مع تكامل الحديث النبوي، يرى شاخت ضرورة التمييز بين ثلاثة أشياء:
1ـ السنة العرفية: وهي مجموعة الآداب والسنن الشرعية والعرفية التي كانت سائدة قبل تدوين الشريعة رسمياً.
________________________________________
(13)ما يلاحظ هنا أن مع تكامل الشريعة الإسلامية وتطورها، تبلورت علاقات معقدة بين "الإجماع" كمصدر ثالث في التشريع، "والسنة"؛ فالإجماع من جهة الحجية في مرتبة أدنى من السنة، لكنه من جهة أخرى يعطي المشروعية لها.

[الصفحة - 68]


2ـ الحديث: مجموعة المعلومات الشفوية التي تعكس قول وفعل بعض الصالحين من السلف.
3ـ الإسناد: سلسلة من الرواة التي تذكر في بداية كل نقل، ويعتمد اعتبار الرواية أو عدمه على وثاقة رواة السلسلة.
يعتقد شاخت أن هذه الثلاثة لم تتبلور في زمن واحد، إنما ظهر الحديث النبوي من الناحية الزمنية والتاريخية بعد السنة العرفية، وجاء الإسناد متأخراً قليلاً عن الحديث النبوي؛ ولهذا ينظر بشكّ في صحة «السنة السنة النبوية» وأصالتها، ويرى أنها في حقيقتها مجموعة من فتاوى الفقهاء أخذت بمرور الزمن صبغة الحديث بعد وضع الإسناد في بدايتها. هذه النتيجة مسبوقة ببعض الملاحظات التاريخية التي توضح مراحل تكامل الشريعة:
أـ لم يكن للعرب قبل الإسلام قوانين حقوقية متطورة، بل كانت القوانين الحاكمة بدائية إلى حد ما، وخليطة من القوانين والآداب والتقاليد والأعراف المحلية التي تختلف من منطقة إلى أخرى حسب نمط المعيشة فيها، مثال ذلك أن القوانين التي كانت سائدة في مكة التي تعتمد على التجارة، تختلف عن تلك التي سادت في المدينة التي تعتمد على الزراعة. ويمكن الإشارة في التكوين القبلي العربي إلى وجود بعض الأنظمة الاجتماعية والحقوقية، مثل العشيرة والإرث والقصاص؛ ومع ذلك لم يكن للعرب أي نظام حقوقي منسجم وقوي.
ب ـ بظهور الإسلام، وجد العرب أنفسهم أمام حالة جديدة، لأن القرآن جلب معه بعض القوانين والأحكام الجديدة التي تغيّر من عاداتهم وأعرافهم القبلية، لاسيما أنه قدّم مجموعة منتظمة من القوانين في مجال الأسرة والحدود. فقد أضفى الإسلام الشرعية على نظام الأسرة بدلاً من نظام القبيلة، وقام بتغييرات جوهرية في بعض قوانين الزواج والطلاق والإرث، كما أنه نظّم القوانين الجزائية. أما في الأنظمة الاجتماعية الأخرى فإن القوانين الإسلامية جاءت امتداداً للقوانين والأعراف التي كانت سائدة ما عدا بعض الحالات الجزئية؛ مثال ذلك لم يغير الإسلام النظام القضائي المتعارف بين العرب، بحيث أن النبي والخلفاء من بعده مارسوا دور الحكم في حل
________________________________________

[الصفحة - 69]


المنازعات بين الأفراد كما كان يُمارس قبل الإسلام. في هذا السياق سعى بعض الفقهاء لنسبة النظام القضائي الحالي في الإسلام إلى عهد النبي أو أثناء خلافة عمر، مستندين في ذلك إلى عدد من الروايات، ومنها توصية النبي إلى معاذ ورسالة عمر إلى شريح القاضي، حيث طلبت التوصيتان اعتماد الكتاب والسنة والاجتهاد (بالرأي) في حلّ النزاعات بين الأفراد. لكن يستنتج من خلال النظرة الثاقبة بأن هذه التوصيات والرسائل مزورة قد جرى وضعها في القرون التالية ، بدليل أن البعض أمثال ابن حزم ذهب في كتابه «السنة ابطال القياس» إلى عدم اعتبار هذه الطائفة من الروايات، فيما أنكر أهل المدينة تعيين شريح القاضي من قبل عمر (14). ثم أن هذه الطائفة من الروايات تشتمل على مفاهيم ومصطلحات قانونية دقيقة تدلّ على أنها كتبت في العهود التالية.
نضيف هنا بأن للشيعة الإمامية روايات كثيرة حول قضاء أمير المؤمنين، لكنها تُسرد لإثبات علوّ منزلته على الآخرين وبيان شخصيته الفذة، وتصاغ عادة على شكل قصص تثير إعجاب السامع أو القارئ، وتحتاج هذه الروايات التي تتحدث لغتها القصصية بصورة أسطورية مثيرة إلى توضيحات علمية، وإذا ثبتت صحة بعضها فإنها لا توحي بوجود نظام قضائي معقّد في ذلك العصر.
ج ـ واجه العرب ثقافات وتقاليد متنوعة مع اتساع رقعة الإسلام وامتدادها إلى أقاصي الأرض، خاصة في إيران والروم حيث كانت أكثر تطوراً وحضارة قياساً بالمناطق الأخرى. وتعرّف العرب على أنظمة مالية وإدارية معقدة لم يكن لهم عهد بها، فلم يعرف العرب بيت المال أو الخزانة أو ديوان الضرائب لا قبل الإسلام ولا بعده: (كانت الأموال التي يستحصل عليها من البلاد المفتوحة من الغنائم والجزية والخراج وغير ذلك تُقسّم بين المسلمين، ولم تكن هناك خزانة أو بيت المال. وأورد المؤرخون أن آخر كمية من المال وصلت بيد النبي عبارة عن مبلغ ثمانمائة ألف درهم من البحرين، لم يترك مكانه إلاّ بعد أن وزعها كلها) (15). ويقال أن فكرة تأسيس الديوان والنظام المالي حصلت أيام خلافة عمر التي وضعت فيها أيضاً الكثير من القوانين الجديدة، وهي قوانين اقتبست بشكل مباشر من الكتاب أو الأحاديث
________________________________________
(14) أخبار القضاة، محمد بن خلف بن حيان وكيع، عالم الكتب، بيروت، ج2، ص189ـ190.
(15) ماليات سرانة وتأثير آن در گرايش به إسلام (الضريبة الفردية وتأثيرها على اعتناق الإسلام)، دانيل دنت، ترجمة محمد علي موحد، انتشارات خوارزمي، طهران، 1358، ص14، مقدمة المترجم.

[الصفحة - 70]


المشهورة للنبي، لا بل أن أغلبها مأخوذ من اجتهادات الصحابة وخاصة عمر، لأن الإسلام ـ كما قلنا ـ لم يأتي بقوانين منسجمة سوى في مجالي الأسرة والحدود.
واجه العرب في هذه المرحلة حالتين جديدتين تماماً؛ الأولى: تغير النظام القبلي العربي السابق بشكل أساسي، لأن الجيش العربي لم يتجه إلى ميدان الحرب هذه المرة من خلال قبيلة واحدة، إنما ضمّ في صفوفه قبائل وطوائف مختلفة بتقاليد وآداب متعددة، ليزول بالتالي النظم الاجتماعي القبلي القديم ويحل محله نظم من نوع جديد، وظهر شكل آخر من القبيلة العربية، حتى اعتقد بعض الباحثين أن هذه التطورات في التكوين القبلي العربي وفّر أرضية نمو وتشكّل الدولة العربية.
الثانية: أن العرب الفاتحين كانوا يواجهون أقواماً لهم ثقافتهم وتقاليدهم الوطنية أو المحلية ودون أن يتوفروا على أدنى اطلاع بالثقافة الإسلامية الجديدة والتعاليم القرآنية، ولهذا فإن الحديث عن وجود نظام منسجم في التشريع ورجوعهم إلى الكتاب والسنّة منذ البداية كلام لا أساس له؛ بل كان المسلمون يحترمون بعد فتح أي أرض ثقافة سكّانها وأعرافهم القومية والمحلية، ويتعاملون معهم طبق الطريقة المتبعة هناك.
إن النمو السريع للإسلام وامتداده وبروز مسائل جديدة وعدم وجود نظرية حقوقية منسجمة في الكثير من الأمور هي من العوامل التي أدت بالمسلمين والصحابة على وجه الخصوص إلى الابتعاد عن النصّ الظاهري للقرآن بل عن روحه أيضاً، واللجوء إلى الاجتهاد الذاتي لحل المسائل المستحدثة التي واجهتهم.
دـ زادت الشقة بين المسلمين وتعاليم القرآن يوماً بعد يوم بعد مجيء العهد الأموي وانتهاء عهد الصحابة وتبديل الخلافة إلى حكم وراثي وانتقال مركز الحكومة من مدينة النبي وهي مكان مقدس إلى الشام. ولم يدّخر الأمويون أسلوبا إلاّ واستخدموه لبسط سلطتهم واضعين جانباً التعاليم القرآنية، وقد أنكر بعض الصحابة هذا السلوك وخاصة في عهد معاوية (16). من جهة أخرى اتسعت في هذه المرحلة الدواوين الإدارية والأنظمة المالية التي اقتبسها العرب من الروم وإيران. وينسب المؤرخون إلى هذه البرهة تأسيس جهاز قضائي مستقل، وبالطبع لم تكن هناك طريقة
________________________________________
(16) الرسالة، الشافعي، ص446.

[الصفحة - 71]


محددة في تعيين القضاة، إنما يصار إلى اختيار القاضي في كل مدينة أو حاضرة من قبل قائد الجيش الفاتح أو الوالي (17).
كان التقليد المتبع في سياسة الأمويين لاسيما في الأراضي المفتوحة ـ وبتأثير تام من الظروف الزمنية السائدة ـ أن يتركوا النظم والقوانين كما هي عليه إلاّ في بعض الحالات الاستثنائية، هذه السياسة تم تطبيقها أيضاً على الجهاز القضائي حيث كان القضاة لا يُعزلون عن مناصبهم، لاطلاعهم على القوانين الحاكمة، وقدرتهم على تمشية الأمور بسهولة ويسر وهم يستندون على مصادر حقوقية عبارة عن مزيج من القوانين المحلية والمقررات الإسلامية. تتضح هذه السياسة بشكل جلي عبر إلقاء نظرة على كتاب «السنة الولاة والقضاة» للكندي مؤرخ القرنين الهجريين الثاني والثالث، حينما يتحدث عن تعيين السلطة الأموية قضاة في مصر أمثال عابس بن سعيد وعبد الرحمن بن حجيرة وعياض بن عبد الله وتوبة بن نمير الحضرمي في السنوات 60و69و99و115 على الترتيب ، ولم يكن هؤلاء من القضاة المحترفين رغم ما أوكل إليهم إضافة إلى أمر القضاء مسؤوليات في الديوان، وكان القضاء يتم على أساس التجربة الشخصية ومدى الاطلاع على القوانين، فيما كانت تصدر الفتاوى اعتماداً على تقوى القاضي ونزاهته (18).
وأصبح هذا الأمر عاملاً مهماً في اختلاف الفتاوى الشرعية بلحاظ أن أحكام القرآن لم تكن منسجمة ـ كما قلنا ـ حتى في مجالي الأسرة والحدود. ثم أن تعدد قراءات القرآن زاد في اختلاف الفتاوى خاصة في باب الزواج والطلاق والإرث (19).
انتظم الجهاز القضائي بمضي الزمان حتى أوكلت إدارة الشؤون القضائية في أواخر القرن الهجري الأول إلى أفراد كفوئين ومتخصصين، بينهم أتقياء كانوا مستائين من الوضع حينذاك، لما يرونه بأم العين من نقض صريح لتعاليم القرآن من جانب الحكام أو الولاة تحقيقاً لمصالحهم الذاتية، وسيادة روح البذخ والترف والعنصرية ما يتنافى مع روح القرآن الحقيقية، فانصرف جهدهم لإحياء المفاهيم والقيم الدينية القرآنية من جهة، وبذلوا السعي ـ من جهة أخرى ـ لنقد القوانين الإدارية والحكومية وإصلاحها وتطبيقها على التعاليم القرآنية ما أمكن إلى ذلك سبيلا، فتم الإبقاء على ما
________________________________________
(17) أخبار القضاة، وكيع، ج1، ص141.
(18) الولاة والقضاة، أبي عمر محمد بن يوسف الكندي، تحقيق فن گست، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، 1908، ص311و314و336 و342).
(19) كمثال انظر: السورة 65، الآية61؛ اختلاف قراءة ابن مسعود الذي سكن الكوفة منذ خلافة عمر مع المصحف العثماني وتأثير ذلك على الفتاوى الفقهية؛ وانظر أيضاً: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، ج2، ص80.

[الصفحة - 72]


يتوافق مع القرآن وإلغاء ما لا يتفق معه.
كانت هذه الحركة محاولة من الناقدين لتطبيق الأحكام القرآنية، وبدأت مستهدفة الإصلاح الإداري، لكنها تحولت تدريجياً إلى معارضة لحكم بني أمية، وانتقلت من نقد الوضع الإداري السائد إلى نقد القيم الأخلاقية الحاكمة. وكان معظم الناقدين من التابعين الذين عاشوا في المدينة، إذ عزّ عليهم أن يروا الفساد والانحراف وقد ألقى بظله على المجتمع، فيما لفّ النسيان سنة النبي والصحابة والصالحين، وجرى تحريم حلال الله وتحليل حرامه، فهبّوا لانتقاد السلطة وأنصارها، لأنهم كانوا يرون في أنفسهم بأنهم حماة الدين وأتباع السنّة والسلف الصالح بحقّ.
إن الهدف الذي كان يتوخاه هؤلاء المعترضون بناء مجتمع إسلامي موحد على أساس تعاليم الدين والأخلاق المستوحاة من القرآن، والمجتمع المثالي المطلوب في رأيهم هو ذلك المجتمع الذي يتحكم الدين في قوانينه بصورة عملية. كان هؤلاء النقاد من علماء الدين الأتقياء الذين يتجنبون تبوّء مناصب إدارية أو دنيوية خلافاً للنقاد الأوائل الذين خدموا في الجهاز القضائي الأموي، لهذا فإن دعوتهم لتطبيق الدين على القانون كان يهدف إلى إرساء إطار أخلاقي ـ ديني للقانون أكثر من كونه دعوة لتنظيم القوانين الإدارية وتكييفها وفقاً للوحي والقرآن، ليصبح هذا الإطار على هيئة مجموعة من الأوامر والنواهي (الأحكام الشرعية).
وهذه الأخيرة عبارة عن مجموعة متماسكة من القوانين والأخلاق بالشكل الذي يتعذر الفصل بينهما، لأن الكثير من التعاليم الأخلاقية تم تبيينها في إطار من القانون الشرعي، وبالعكس طرحت بعض القوانين الشرعية على هيئة تعاليم أخلاقية. ولابد من ملاحظة أن سبب تداخل الأخلاق والدين والقانون لا يعود فقط إلى العلل التاريخية أو تقوى مؤسسي القانون الشرعي، إنما يرجع أيضاً إلى فطرة القرآن في بيان الأحكام الشرعية، فقد مزج القرآن بين القانون وبين طاعة الله، حتى أصبح من المستحيل تفكيك الإلزام القانوني عن الإلزام الديني ـ الإلهي؛ فالقانون يتبع إرادة الله وفي سياق الطاعة المطلقة لهذه الإرادة، ومن هذه الإرادة يكتسب الشرعية. لهذا فإن أي سؤال حول طبيعة القانون يرتبط مع السؤال عن طبيعة الإرادة الإلهية، ليأتي
________________________________________

[الصفحة - 73]


الجواب حازماً جازماً: القانون عبارة عن مجموعة من التعاليم النازلة من الله تعالى، وتحقق الإسلام رهين بطاعة هذه التعاليم، فيما يؤدي إنكارها إلى الخروج من الإسلام. ولمّا كان القرآن يعرّف نفسه على أنه كتاب وحي وسبيل هداية وبشرى للمؤمنين، فإنه يسعى إلى تسخير عالم الإنسان، وبسط حاكمية الله، وجعل الإنسان محكوماً بالإرادة الإلهية، ويتم هذا الأمر عبر نزول مجموعة من التعاليم والنصائح وإبلاغ بعض الأحكام الشرعية؛ لهذا ليس من العبث أن تتسم الصياغة القرآنية بأسلوبها الخاص، وتحمل رسالة القرآن تركيباً من أقوال متنوعة، فالوجه اللغوي الذي يستخدمه في بيان بعض الأحكام الشرعية ليس وجهاً حقوقياً بالمعنى الدقيق للكلمة، إنما هو «السنة مجمل» على حد تعبير الفقهاء يحمل في طياته عدة معاني.
إن الأحكام الشرعية للقرآن مزيج من القانون والعناصر الأخلاقية الدينية، ومن المشكل جداً تفكيك آثار معظم آياته، وكذلك تفكيك النتائج القانونية والأخلاقية لهذه الآثار؛ ولإثبات ذلك يكفي إلقاء نظرة على بعض التشريعات القرآنية، مثال ذلك أن القرآن يبين في إطار تعابير متشابهة حرمة الخمر والربا دون أية إشارة إلى الفرق بين الاثنين رغم اختلاف النتائج الحقوقية المترتبة لكل منهما:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(المائدة:90). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:130).
كذلك الآيات المتعلقة بحرمة أكل أموال اليتامى (السورة4، الآية110)، أو عدم جواز الظلم في المعاملات, أو وجوب تحقق العدالة؛ فهذه مفاهيم لها وجود في القرآن المليء بالمفاهيم الحقوقية والدينية ـ الأخلاقية، دون أن يميز بين نتائجها المختلفة ويبين خصائص كل منها، أو أنه تمّ تبيينها بلغة حقوقية بحتة. لهذا يعتقد شاخت وكولسون أن من الخطأ أن يطلق على هذه المفاهيم بـ«السنة الشريعة الإسلامية» ويراد منها «السنة القانون» بالمعنى الدقيق للكلمة، لعدم وجود مفهوم «السنة القانون» أساساً في الإسلام، وما هو موجود نظام يشتمل على مجموعة من الواجبات
________________________________________

[الصفحة - 74]


والمحرمات الدينية الممتزجة أيضاً بعناصر ومفاهيم خارج نطاق القانون (20).
هـ ـ بمضي الزمن تضاعفت حالة النقد الديني ـ الاجتماعي بتأثير الظروف السياسية والاجتماعية الحاكمة، وارتفع عدد النقاد، لينتهي بتأسيس مدارس فقهية مختلفة في أوائل القرن الهجري الثاني مع مجيء السلطة العباسية، وأطلق عليها شاخت اسم «السنة المدارس الفقهية القديمة» وعلى رأسها المدرستين الفقهيتين في المدينة والكوفة.
كانت هذه المدارس تضع القانون غالباً بالاعتماد على «السنة الرأي»، وتكسب مشروعيته من «العرف الجاري» و«الأحكام الشرعيةـ الدينية للقرآن» و«الإجماع»، لاسيما وأن هذه المشروعية تؤدي دوراً رئيسياً في إضفاء الشرعية على فتاواها.
مضافاً لعنصر الإجماع الذي يؤخذ بالاعتبار في جميع المدارس ويستخدم في إفحام الخصم، فإن هذه المدارس تحتاج إلى عامل آخر لإضفاء الشرعية على منهجها، يمكن أن يعزز مكانتها ويسوّغ لعملها الاجتهادي، لهذا اضطرت لنسبة آرائها الفقهية إلى أفراد معروفين من السلف. ففي بداية الأمر كان الأمر يتم بصورة غير منسجمة، وتنتسب المدرسة الفقهية إلى ماضٍ قريب، نحو انتساب المدرسة الفقهية الكوفية إلى إبراهيم النخعي وهو فقيه تابعي معروف توفي سنة 95هـ، وانتساب المدرسة الفقهية المدينة في آرائها إلى الفقيه التابعي سعيد بن المسيب المتوفى سنة94 هـ. شمل هذا الانتساب شيئاً فشيئاً كبار الصحابة أمثال ابن مسعود وعلي وابن عباس وعمر، وفي خاتمة المطاف اضطرت جميع المدارس الفقهية لإرجاع آرائها إلى النبي من أجل الحصول على المزيد من الشرعية والاعتبار.
وـ ترك العمل بالمدارس الفقهية القديمة ردود فعل مختلفة بين المسلمين، منها أن بعض المتشددين الذين أطلقوا على أنفسهم فيما بعد «أهل الحديث» وجهوا انتقادات إلى أهل الشريعة، ورأوا أنه لا يكفي إرجاع الأمور الشرعية إلى النبي لتحقيق المجتمع الأخلاقي ـ الديني المثالي. وخوفاً من ضياع التعاليم القرآنية وسنة السلف الصالح دعوا بإصرار إلى مقارنة الآراء والاستنباطات العلمية مع كمّ هائل من الأقوال التي زعموا أنها منقولة عن النبي ، وقد وصلتنا شفوياً عن طريق سلسلة متصلة من
________________________________________
(20) أنظر الفصل التاسع من كتاب: تراث الإسلام ـ في الشريعة الإسلامية ـ، جوزيف شاخت، عالم المعرفة، الكويت، 1998، ج2، ص99ـ106؛ كذلك أنظر دراسة ونقد لآراء كولسون في مقال: النظام القانوني الإسلامي في الدراسات الاستشراقية المعاصرة، دراسة لمنهج المستشرق نويل، ج، كولسون ، للدكتور محمد سليم العوا في كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1985، ج1، ص255، 260-262، 266، 268.

[الصفحة - 75]


الرواة الثقاة، وذلك منعاً لتدخل أي رأي أو تأويل الوحي بما تشتهي النفس؛ من هنا فإنها قدمت الحديث النبوي (قول النبي وفعله وتقريره) على الرأي لدى حصول أي تعارض بينهما، حتى وإن كان هذا الرأي منسوباً إلى النبي نفسه، فقد تجنّب أهل الحديث استخدام الرأي وإقحامه ووثقوا بالحديث النبوي فقط.
انتفضت المدارس الفقهية القديمة بشدة بوجه أهل الحديث، وأنكروا مشروعية هذه الظاهرة الجديدة التي تتنسب إلى النبي لكنها غير مألوفة وغير متجانسة إلى حدٍ كبير؛ من جهتهم نهض أهل الحديث للدفاع عن حديث النبي ليبدأ سجال تاريخي عنيف بين أهل الرأي وأهل الحديث. من هذه النقطة بالذات بدأ الشافعي دوره التاريخي ، واستطاع إلى حد ما من رأب الصدع بين أهل الحديث وأهل الرأي عبر تدوين علم أصول الفقه وتنظيم أدوات ومناهج الاستنباط، وتمكّن من التقدم خطوة كبيرة في حلّ النزاع بين الطرفين بتثبيت السنة النبوية كمصدر مهم في التشريع من جهة، وإضفاء الحجية على القياس شريطة أن يستند على السنة من جهة أخرى.
يستنتج شاخت أخيراً بأن الإسناد في أكثر الأحاديث النبوية لاسيما في الأحاديث الفقهية هو مزور ومن صنع الرواة أنفسهم دون أن تكون له أية قيمة علمية ـ تاريخية. مضافاً لذلك يعتقد أن ظاهرة «الإسناد» ولدت أولاً بصورتها الابتدائية المضطربة المنقطعة (المرسلة)، إلا أنها تكاملت تدريجياً من خلال جهود متواصلة وشاملة قام بها عدد كبير من الرواة والمحدثين مستفيدين من الأساليب الانتقادية للحديث، وجرى تدوينها في مجموعات مختلفة.
(تم تأليف المجموعة الأولى من الأحاديث المكتوبة لمقاصد فقهية وليس لدراسة الحديث، ففي السنوات الأولى للقرن الإسلامي الثالث انفصلت دراسة الحديث إلى حد ما عن المدارس الفقهية لتصبح واحدة من المجالات الدراسية المستقلة، غير أن نتائج هذه الأبحاث سرعان ما استخدمت ثانية في الفقه، لتأتي ثمرة هذا التلاقي بين الفقه والحديث في منتصف القرن على هيئة مجموعتين أوليتين انتقاديتين وضع كل مؤلّف عنوان «الصحيح» على كتابه، والمؤلفان هما على الترتيب البخاري ومسلم. ولم يمرّ وقت طويل حتى اكتسب كلاهما مرجعية قانونية وشرعية) (21).
________________________________________
(21) اسلام، بررسي تاريخي (الإسلام، دراسة تاريخية)، هميلتون كيب، ترجمة منوچهر أميري، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران 1367، ص97.

[الصفحة - 76]


يقسم شاخت منكري اعتبار الحديث النبوي إلى طائفتين متطرفة ومعتدلة، الطائفة المتطرفة هي المعتزلة، والمعتدلة تتمثل في المدارس الفقهية القديمة التي تلخص في ثلاثة مدارس رئيسية هي المدينة والشام والعراق.
اعتمدت مدرسة المدينة في استنباط القوانين الشرعية غالباً على العرف المقبول وإجماع أهل المدينة، ولم تبق هذه المدرسة بمنأى عن تأثير السنة النبوية المنقولة، وأبرز وجوهها مالك بن أنس الذي استطاع بتأليفه كتاب «الموطّأ» التقدم خطوة مهمة نحو تدوين علم الفقه.
أما المنهج الاستدلالي عند مالك في كتابه فيقوم على أساس ذكر المسألة في البداية، ثم يفسرها مستنداً على بعض الدلائل والشواهد، ويبادر إلى إثباتها أو نفيها. ويجمع عامة الشرّاح والفقهاء من بعده بأن أهم معيار استند عليه مالك في إثبات الأحكام الفقهية هو إجماع أهل المدينة والعرف السائد بينهم، وأن الأحاديث النبوية المعتبرة لديه هي ما اتفقت مع هذا المعيار (22). وتتضح أهمية إجماع أهل المدينة عند مالك من رسالته إلى فقيه مصر ليث بن سعد (ت 175 هـ)، إذ أعرب عن استغرابه عمّا سمعه من أن الفقيه المصري يفتي بما هو مغاير لإجماع أهل المدينة، ودعاه إلى تبعية أهل المدينة لكون هذه البقعة محل نزول الوحي وإبلاغ الحلال والحرام ومسكن النبي والصحابة (23).
وفي هذا الصدد أيضاً يلاحظ الردّ الواعي الذي وجهه ليث بن سعد لمالك ويتضمن عدة ملاحظات أساسية، منها أن الكثير من هؤلاء الصحابة الذين أشار إليهم أوفدوا إلى مناطق بعيدة جهاداً في سبيل الله، ومنهم من أقام فيها وباشر بتفسير الكتاب والسنة كل حسب فهمه وإدراكه. كما أنهم يختلفون في الرأي في الكثير من المسائل، هذا الخلاف الذي اشتد في عهد التابعين ولم ينج منه حتى فقهاء أهل المدينة؛ وأشار ليث كذلك إلى حالات قدّم فيها مالك عرف أهل المدينة على الحديث النبوي (24)، ونقل أن ليث بن سعد قال بأن مالك عمل في سبعين مسألة خلافاً لسنة رسول الله(25). وينقل الدار قطني (ت 385 هـ) مجموعة من الأحاديث أوردها مالك في الموطّأ خالفه فيها الرواة من حيث السند و من حيث المضمون (26).
________________________________________
(22) خبر الواحد في السنة وأثره في الفقه الإسلامي، سهير رشاد مهنا، دار الشروق، القاهرة، ص97.
(23) ترتيب المدارك وتقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك، القاضي عياض، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج1، ص64.
(24) يراجع النص الكامل للردّ في كتاب: إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1996، ج1، ص75 ـ80.
(25) أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، أوفسيت قم، ص299.
(26) الأحاديث التي خولف فيها مالك مالك بن أنس، لأبي الحسن الدار قطني، تحقيق أبي عبد الباري، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، 1997.

[الصفحة - 77]


والأوضح من كل هذا، الرأي الذي أدلى به مالك في باب «بيع الخيار» وحكم فيه بمنعه وبطلانه بعد نقل حديث لرسول الله بجوازه، لأن أهل المدينة لم يعملوا به (27).
أما مدرسة العراق فهي عقلية ذهبت إلى أن القياس مصدراً معتبراً في التشريع، أبرز فقهاؤها أبو حنيفة، حيث يرى أن الحديث النبوي المعتبر هو الذي لا يتعارض مع مقتضى القياس، وفي غير ذلك فإن القياس مقدم على السنة النبوية، إلاّ إذا كان الحديث معتبراً جداً ومشهور (28). ويذكر ابن قيم الجوزية في كتاب «إعلام الموقعين» حالات كثيرة قدّم فيها أهل العراق القياس على الحديث النبوي (29).
ويتألق أبو عمر عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي (ت 157 هـ) كفقيه وحيد في مدرسة الشام ثالث مدرسة فقهية قديمة، ولم تصلنا منه إلاّ آراء متعددة نقلها الطبري في كتاب «اختلاف الفقهاء» وآخرون. ومن الذين انبروا للردّ على الآراء الفقهية للأوزاعي تلميذ أبو حنيفة أبو يوسف (ت 182هـ)، والشيباني في كتاب مستقل باسم «الردّ على سير الأوزاعي». بملاحظة الآراء الفقهية المنقولة عنه في هذا الكتاب يستنتج شاخت بأنه كان يميل كفقهاء أهل العراق في عرض الكثير من الأمور الإجماعية والمقبولة وبعض آرائه الاجتهادية على هيئة حديث نبوي لإضفاء المشروعية عليها.
يستنتج شاخت بعد دراسة هذه المدارس الفقهية الثلاثة بأن أغلب الإسناد الذي استخدم في بداية الأحاديث الفقهية المنقولة عن النبي مختلق، وأن كل طائفة أو مدرسة حاولت إضفاء الشرعية على آرائها من خلال وضع سلسلة الإسناد حسب هواها وأنهتها بالنبي؛ وأن «الإسناد» بدأ بصورة أولية غير دقيقة ومرسلة، ثم تم إصلاحه تدريجياً حتى وصل كماله في النصف الثاني من القرن الثالث (30).
الناقد الإسلامي يرفض آراء المستشرقين
واجهت الأبحاث الانتقادية والتاريخية لمستشرقين أمثال شاخت حول قيمة الأحاديث الفقهية المنقولة عن النبي وأصالتها إنكار واحتجاج بعض الناقدين الإسلاميين، ومنهم محمد مصطفى الأعظمي الذي كتب بحثاً مفيداً واسعاً في باب
________________________________________
(27) الموطأ، مالك بن أنس ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، بيروت 1985، ج2، ص671؛ أيضاً: المدونة الكبرى، سحنون، دار صادر، بيروت، ج9، ص188؛ أنظر كذلك دفاع الفقهاء المالكية عن فتوى مالك وتأويلها بالشكل الذي ينسجم مع السنة النبوية في: القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لأبي بكر بن العربي المعافري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1992، ج2، ص845.
(28) أصول السرخسي، دار الكتاب العربي، 1372 هـ، ج1، ص341.
(29) اعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1996، ج1، ص254 و271.
(30) راجعت في نقل وبيان أهم آراء شاخت الكتب التالية: المقدمة النافعة التي كتبها عبد المجيد تركي على كتاب أحكام الفصول في أحكام الأصول، تأليف أبو وليد الباجي؛ كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1992؛ الفصل الثاني من كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، مقال: المستشرق شاخت والسنة النبوية، محمد مصطفى الأعظمي، تونس، 1985، ج1، ص61ـ110؛ في تاريخ التشريع الإسلامي، كولسون، ترجمة محمد أحمد سراج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1992؛ نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي، علي حسن عبد القادر، دار الكتب الحديثة، القاهرة.

[الصفحة - 78]


تدوين السنة النبوية، مخصِّصاً قسماً مهماً منه ـ نحو سبعمائة صفحة ـ في بيان آراء شاخت ونقدها. في الباب الأول تحدّث عن مكانة السنة النبوية عند المسلمين الأوائل، واستشهد بمصاديق تاريخية ودينية وكلامية في إثبات استخدام المعنى الاصطلاحي للسنة (قول النبي وفعله وتقريره) منذ البداية، وتوفرها على معنى واضح عند المسلمين الأوائل (خلافاً لآراء مستشرقين أمثال شاخت الذين يعتقدون بأن هذا المفهوم تبلور تدريجياً).
في الباب الثاني تناول الحالة الثقافية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده، مشيراً في بعض فقراته إلى وجود الكتابة قبل الإسلام ودعوة القرآن إلى التعلم والتأكيد عليه وجهد النبي في هذا المضمار، وانتشار الكتابة بشكل واسع في العهد النبوي.
في الباب الثالث تطرق الأعظمي إلى دواعي وموانع كتابة الأحاديث النبوية، وبتأويله بعض هذه الأحاديث التي تنهي عن الكتابة يحاول أن يبرهن على أن هذه الروايات مقطعية تخصّ مرحلة معينة لئلا تختلط الأحاديث النبوية مع الآيات القرآنية.
قدّم الكاتب في الباب الرابع شرحاً موسعاً حول المسار التاريخي لكتابة الحديث منذ عهد النبي وحتى منتصف القرن الهجري الثاني، ويثبت بذكر أسماء 52 صحابياً و99 تابعياً و252 من أتباع التابعين أن تدوين الحديث النبوي يرتبط بالصدر الأول خلافاً لما ذهب إليه شاخت.
في الجزء الثاني من الكتاب الذي يشتمل على الأبواب الخامس والسادس والسابع والثامن ناقش الكاتب أساليب أخذ الحديث ونقله، والكتاب وأدوات الكتابة وشكلها وموادها، والإسناد وصحة الأحاديث النبوية ووثاقتها؛ وخصص البابين الأخيرين لتوضيح آراء شاخت ونقدها؛ وقد اتهمه بأنه مغرض، ويعتمد على أساليب الكتب الفقهية في نقل الحديث مع تعميمها على جميع كتب الحديث، ويستند إلى الحدس والظن بدلاً من الدلائل العلمية، ويأخذ النتائج الكلية والمشكوكة، وأخيراً يستعجل في فهم الإسناد والمصادر التاريخية ونقدها.
إن آراء الأعظمي في هذا الكتاب مسبوقة بافتراضات وخلفيات بعضها كلامي وديني يحتاج إلى توضيح تاريخي، وبعضها يتصف بصيغة ايديولوجية ومنها:
________________________________________

[الصفحة - 79]