البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظرية الإنسان الكامل بين مذاهب علم النفس وآراء صدر المتألهين

الباحث :  أ. علي زينتي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  42
السنة :  السنة الحادية عشر صيف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  348
نظرية الإنسان الكامل
بين مذاهب علم النفس وآراء صدر المتألهين

أ. علي زينتي (*)

ترجمة: محمد عبدالرزاق

تمهيد
لم تكن مسألة الاهتمام بالإنسان ودراسة أبعاده ظاهرةً مستحدثة وجديدة، بل إن المذاهب والثقافات عنيت بها منذ القدم، فقلّما نجدُ مفكراً أو فيلسوفاً أو منظومة فكرية لم تتطرق بشكل أو بآخر للإنسان، وما يتعلق به من أُمور (1) .
بعبارة أُخرى: إنّ علم الإنسان وإن أخذ اليوم طابعاً حداثوياً، واعتبره البعض من جملة العلوم الحديثة الولادة أو أنّه وليد عصر الاكتشافات، بمعنى أن الإنسان يتخذ من المجتمعات البعيدة عن الصناعة الجديدة بغية تحقيق إنسانيته، واضعاً نصب عينيه عناوين من قبيل: «المجتمع المتوحش» و «البدائي» و «القبلي» و «التقليدي» وأحياناً «الأُميّ» وغيرها بغية إدرك حقيقة الإنسان (2) .
فهذه الدراسة لا تتخذ ذلك المستثنى ولا تبقي على الدائرة الضيقة في الوقت ذاته، فلا نقول إن ذاك العصر هو بدايات علم الإنسان، بل إنّ الأمر بات محطّ اهتمام القدماء ابتداءً من فلسفات الهند واليونان وعلماء القرون الوسطى، وحتى منارات الفكر الإسلامي وعصر النهضة وإلى يومنا هذا، حيث عُني الإنسان بدراسة لأبعاده الوجودية (3) . أمّا هدفنا المنشود هنا، فهو لا يتعدى الرغبة الذاتية والطامحة لمعرفة أنفسنا، باعتبار ذلك من الفضول المباح.
________________________________________
(*)ماجستير علم النفس من مؤسسة الإمام الخميني ! للتعليم والدراسات، من إيران.
(1)حسين أديبي، زمينه إنسان شناسي [مبادئ علم الإنسان]، ص2 ـ 7.
(2)علي أصغر حلبي، إنسان در اسلام ومكاتب غرب [الإنسان في الإسلام والمذاهب الغربية]، ص21، سنة الطبع 1374 هـ . شمسي.
(3)الإسلام والإنسان، نشر مكتب التنسيق بين الحوزة والجامعة، ص5، سنة الطبع1377هـ . شمسي.

[الصفحة - 246]


ويجب أن لا ننسى أنّ لكل مرحلة من تطور الإنسان مفاهيم خاصة بها، وأنّ لكل مفكر ولكل مدرسة فكرية مفاهيمها التي ترتكز عليها، الأمر الذي يكشف لنا عبر طياته الرأي المختار في علم الإنسان لدى كل واحد من الفلاسفة والمذاهب (4) .
إنّ الإنسان بين جسدٍ يشرّحه علماء الجراحة وبين نفس يدرسها علماء النفس، أو وصف الفلاسفة لكنِهِه الوجودي، وما نلمسه نحن إذا ما تأملنا في تفاصيله المادية من مواد كيميائية وأنسجة، وما إلى ذلك من خلايا معقدة يحاول علماء الفسلجة دركها، كل تلك التفاصيل تدلّ على أنّ الإنسان هو مركب من أعضاءٍ ونفسٍ عاقلة ظرفها الزمن وامتداداته (5) .
من هنا، كان لكلٍ رأيه في تشخيص أبعاد الإنسان، فقيل إنّه «حيوان اجتماعي» ، وذهب آخرون إلى أنّه «حيوان ذو رمزية»، وغير هؤلاء ممن عرّف الإنسان بأنه «حيوان يصنع الآلات»، أو أنه «حيوان ناطق يفكر» (6) ، وهو ذات الاختلاف الدائر بين المذاهب الفكرية، ففي المشرق يأخذ علم الإنسان قالباً دينياً، حتى يكاد يمكن القول بأنّ أنماط معاني علم الإنسان في الشرق متعددة بتعدد الأديان هناك، أما في الغرب فقد خضعَ هذا المفهوم لثلاث مراحل بين الفلسفة والدين والعلم(7) . وفي الحقيقة لم يخلُ ذلك الاختلاف من بصمات نوعية الانطباع والفهم للكون والوجود.
من جهة أُخرى لا شك أنّ تعريف الإنسان بهذه الغاية ـ أياً كانت الأساليب والرؤى الكونية ـ هو بمثابة نظرية معينة في معرفة الإنسان تعنى بوصفه. لكن إلى جانب بيان صفات الإنسان الوجودية وانفعالاته واستجاباته ودوافعه الكامنة، ثمة رؤية أُخرى اهتم بها أتباع علم الإنسان سابقاً وحاضراً، وهو فيما يتعلق بضروريات الإنسان ومحظوراته، وما هو الإنسان؟ وكيف يجب أن يكون؟ وما هو الإنسان المثالي والكامل؟
بعبارة أُخرى، إنّ الميول والدافع الذاتي نحو تحقيق الكمال هو الذي يدعو الإنسان إلى درك أوصافه وخصائصه، فيجرّه إلى معرفة «الضرورات» و«المحظورات» الإنسانية، والاطلاع على الإنسان النموذجي والمثالي (الإنسان الكامل) . والحقيقة أنّ الرغبة في نيل الكمال ورفع النقص والرذيلة، هي التي تدعو الإنسان من أعماقه للبحث
________________________________________
(4)حسين أديبي، مصدر سابق، ص2 ـ 7.
(5)الكسيس كاريل، إنسان موجود ناشناخته [الإنسان ذلك المجهول].
(6)حسين أديبي، مصدر سابق، ص2 ـ 7.
(7)الإسلام والإنسان، مصدر سابق، ص14 ـ 15.

[الصفحة - 247]


عن النموذج المطلوب، لذا يمكن القول إنّ اهتمام الإنسان بالتعرف على هذا النموذج له سابقة تأريخية تمتد بامتداد توالد الميول والرغبة في تحقيق الكمال، الأمر الذي دعا الإنسان قديماً ليتخذ من الوجودات الميتافيزيقية وأرباب النوع والأبطال الأُسطوريين وأحياناً الشخصيات التاريخية، قدوةً ونموذجاً للإنسان الكامل.
من هنا، فنحن نلمس في كل الأديان والثقافات آثاراً لوجود الإنسان الكامل (8) . نذكر من تلك المذاهب: بوغا، البوذا، كونفوشيوس، أرسطو، زرادشت، أفلاطون، أبيكو، نيتشه، ماركس، سارتر، العرفاء، المتصوفة، الفلاسفة، وبعض علماء النفس المعاصرين ممّن تحدّث وتطرّق لنظرية الإنسان الكامل، وقدم مصداقه في ذلك وفقاً لرؤيته، وما يحكم عليها من أجواء وطقوس، أمثال «ارهات»، «كيون تسو»، «الإنسان الحر»، «الفيلسوف»، «الإنسان المثالي»، «القطب»، «الشيخ»، «الإنسان العظيم»، «خليفة الله»، «الإنسان الخلاق»، «صانع ذاته»، و «تحقيق الذات»، ولعل هذه المسميات تتعدد بتعدد الباحثين في علم الإنسان.
وقبل أن نقوّم مفهومنا للإنسان الكامل وما هي أوصافه، نودّ التطرق لذلك عند علماء النفس، وعند صدر الفلاسفة وشيخ العرفاء (صدر المتألهين) للوقوف عن كثب على رأيه ومقارنته بآراء علماء النفس.
أهمية علم الإنسان في معرفة البشر
إنّ سر إدراك الربوبية ومعرفة الوجود كامنٌ في جوهر معرفة الإنسان، وبينما تمحور علم البشرية حول ثلاث نقاط هي معرفة الرب، معرفة الإنسان، معرفة الكون (9) ، إلاّ أن جميع هذه تعود في حقيقتها لمعرفة الإنسان خاصة. وهذا هو معنى كلام الأولياء (10) والعظماء وبعض العلماء (11) ، حيث أشاروا إلى أنّ معرفة الإنسان نفسه من أفضل السبل وأقربها للوصول إلى معرفة حقيقة الوجود المطلقة المقدسة.
نستنتج من هذا، إنّ نظرة كل عالم ومفكر لأهمية الإنسان تتبع مستوى ونوع إدراكه للعالَم من حوله. فنحن نرى الفيلسوف المادي عندما ينظر للإنسان من منظاره المادي، يصور لنا الإنسان كموجود محب للسلطة والدمار، كما ذهب (هيبز) للقول
________________________________________
(8)سيماي إنسان كامل از ديدگاه مكاتب [مظاهر الإنسان الكامل من وجهة نظر المذاهب] 1: 15.
(9)علم الإنسان، نشر مؤسسة الإمام الخميني ) للتعليم والتحقيق، ص13 ـ 15، سنة الطبع 1376هـ شمسي.
(10)قال الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم): ((من عرف نفسه فقد عرف ربه)). أورده المجلسي في بحار الأنوار2: 32؛ وقال علي (عليه السلام): ((أفضل المعرفة معرفة الإنسان نفسه)). أورده الآمدي في غرر الحكم ودرر الكلم، ص172.
(11)يقول غاندي (نقلاً عن كتاب الإسلام والإنسان، مصدر سابق): لا توجد في العالم إلاّ حقيقة واحدة، وهي معرفة الذات (معرفة الإنسان لذاته)، فكل من عرف نفسه عرف ربه والآخرين، وإذا لم يعرف نفسه جهل بكل شيء. راجع كتاب رؤيتي، غاندي، ص22 ـ 23.

[الصفحة - 248]


بذئبية الإنسان للانسان. أما إذا كانت نظرة العالِم معنوية لما يدور من حوله من كونيات، فإنه سيصنف الإنسان في أعلى درجات الوجود، كما قدم (اسبينوزا) الإنسان نموذجاً لإنسان الرب (12)، أو أن يشترط (كي يركه غورد) للوصول إلى الكمالات بالمثول أمام الرب، ويعرف (سارتر) الإنسان بالموجود (المجعول) بنقطة ارتكاز بكينونته لا ارتباط لها بالكون، بحيث لا يمكنه التمييز بين الشر والخير بمفرده (13) .
تأسيساً على ذلك، لا يمكن أن يجمع أحدهم بين رؤية مادية للإنسان ومعنوية للوجود والطبيعة الميتافيزيقية، وكذلك العكس لا يصح أي برؤية معنوية للانسان مع تفسير مادي للكون والوجود. بعبارة أُخرى: إنّ معرفة كل فرد لنفسه لا بدّ لها من التأثر بأفكاره، ومعتقداته، وهكذا على صعيد علم الإنسان لديه.
بعد أن اتضحت أهمية معرفة الإنسان، وضرورة تحديد نمط الإنسان الكامل باعتباره نموذجاً لذلك. ننتقل الآن إلى تحليل ودراسة الإنسان المثالي لدى مذاهب علم النفس ونظريات صدر المتألهين.
الإنسان الكامل (السالم) عند المذاهب النفسية
المدرسة البنيوية:
عندما نتطرق لبحوث علم النفس فنعني بذلك العلم المجرد عن الفلسفة. نعم، كان علماؤه الرواد الأوائل فلاسفةً في واقع الأمر، لذلك نجد بعض الباحثين في الأُصول التاريخية لهذا العلم يجمعون بين آراء الفلاسفة أحياناً. أما علم النفس الحديث فلا يتجاوز عمره المئة عام عندما حدّدوا موضوع علم النفس، ووضعوا حجره الأساس ليدعموا بذلك استقلاليته عن الفلسفة. لذا لا يعترف الفلاسفة اليوم بتعريف علماء النفس لعلمهم (14) . أمّا إسهامهم بآراء الفلاسفة في معرض دراسة هذا العلم من الناحية التاريخية، فهو مقتصر بما يرتبط بتأسيس علم النفس الحديث. حيث لا يمكن تجاهل دور العلماء في السابق وبحوثهم في ماهية الإنسان ونوعه، وما لذلك من تأثير على تطور علم النفس كعلم مستقل وتجريبي غالباً (15) .
________________________________________
(12)مسعود آذربيجاني، إنسان كامل از ديدگاه اسلام وروان شناسي [الإنسان الكامل من وجهة نظر الإسلام وعلم النفس]، مجلة الحوزة والجامعة، السنة الثالثة، عدد 9.
(13)إنسان كامل از ديدگاه مكاتب، مصدر سابق 7: 53 ـ 54.
(14)تاريخ روان شناسي نوين [تاريخ علم النفس الحديث] 1: 20 ـ 31 و ص9.
(15)تاريخ روان شناسي نوين [تاريخ علم النفس الحديث] 1: 20 ـ 31 و ص9.

[الصفحة - 249]


إذن، فنحن إذْ نتحدث هنا عن علم النفس نعني منه ما أعقب «المذهب التربوي» (16) ، الذي يرى أكثر الباحثين في تاريخ علم النفس أن بداياته تعود إلى سنة (1880) باعتباره أول مذاهب علم النفس الرسمية، مع وجود اختلاف في الرأي حول شخصية مؤسسه أو مؤسسيه الحقيقيين، إلاّ أن الجميع اتفق على أهمية ومحورية دور «ويلهولم دوانت» وتأسيسه لأوّل مختبر نفساني سنة (1879)، ممّا منح هذا العلم مكانته بين العلوم الطبيعية الأُخرى (17) .
والجدير بالاهتمام من ذلك هو أن علم النفس ظهر بحلته التجريبية في وقت كان الفكر الأوربي تُهيمن عليه الأُطر «الاستدلالية» و«التجربية» و «المادية» ، ممّا يبيّن لنا مدى تأثره بتلك الأفكار والنزعة الاستكشافية في درك السلوك الإنساني وفهم انفعالاته العضوية، لذا فهو عاجزٌ عن تعريف الإنسان وتقديمه موضوعاً باعتبار خصائصه الوجودية وتعددها. من هنا، تحددت بحوث هذا المذهب بجملة من متعلقات الإنسان، أو أنه لم يلج في تفاصيلها، فبدلاً من استيعاب جميع جوانب حياة الإنسان اكتفى بدراسة تبلور معلومات الإنسان، وتقنين الأُصول الحاكمة في معرفته.
لقد اتخذ المذهب البنيوي من التجربة المباشرة ـ في مقابل التجربة غير المباشرة ـ موضوعاً له، أي من خلال تقصي تأثر الحواس بالصور الذهنية عبر المحيط الخارجي. حيث إنّ هدف أتباع هذا المذهب هو نسبة العمليات الإدراكية إلى العناصر الأصلية، والكشف عن نوع العلاقة الحاصلة بين هذه العناصر والقوانين المرتبطة بها، دون استيعاب سائر جوانب وأبعاد الإنسان ومعرفته عن هذا الطريق.
بعد ذلك جاء «المذهب الحيوي الطبعي» ليوظف علم النفس فيما يخص الحياة الروحية ورصد ظواهرها وظروفها، فتناول اُسس الإدراك العضوية في معرفة الإدراك البشري. بعبارة أوضح، إنّ موضوع علم النفس هذه المرة هو عين الإدراك وطرق معرفة الإنسان، وذلك بأُسلوب كمّي وتجريبي بتسليط الضوء على الانفعالات الفسيلولوجية والحركية ـ الكيميائية برؤية يغلب عليها الطابع البيولوجي.
إذن، فحتى هذا الوقت كان علم النفس في غيبوبة تامة عما عليه الإنسان وخصوصياته المعتمدة وأبعاده المختلفة. فهؤلاء ـ في أقل تقدير ـ تجاهلوا الإنسان
________________________________________
(16)مكاتب روان شناسي ونقد آن [مذاهب علم النفس ونقدها] 1: 23.
(17)تاريخ روان شناسي نوين 1: 22.

[الصفحة - 250]


واستعداداته الكامنة (18) دون إبقاء حيزٍ لفكرة الإنسان غير المادي (19) . وكأن الإنسان ليس سوى الجسد وانفعالاته!
المدرسة السلوكية
يتضح من تعاريف المذهب السلوكي، وارتكازه على الاتجاه المادي (20) ، وتأثره البالغ بالمذهب «الحيوي» (21) ، أنه لا يمكن مقارنته بمذهب ملا صدرا (رحمه الله) ، حيث إنّ تجاهل البعد الروحي في الإنسان ـ بشكل عام ـ بالإضافة للعديد من الجوانب المادية الأُخرى، وانحصار ذلك في دراسة السلوك الشخصي الحسي (المثير والاستجابة (22) )، لم يبقِ مجالاً لمقارنة هذا المذهب بأفكار صدر المتألهين، مما سلبه إمكانية تقديم نموذج إنساني كامل (23) .
المدرسة التحليلية (التحليل النفسي)
بظهور مذهب التحليل النفسي (التعليل النفساني) دخل علم النفس مرحلة جديدة ومؤثرة في نهوضه العلمي، فترك ذلك بصمات واضحة في أكثر من مجال وصعيد (24) . وكانت أفكار (فرويد) هي الأكثر تأثيراً على هذا المذهب، حيث كان يُصرُّ على رفض أي نوع من أنواع التفكير الميتافيزيقي، ودعا لدراسة الكون دراسة علمية بحتة. وهذا هو ذات الالتزام بالدقة العلمية والجنوح نحو الاستدلالية، بالإصرار على ضرورة إيجاد تفسير علمي لكل ظاهرة ميتافيزيقية، لذا تأثر فرويد ـ نظراً لرسالته الجبرية تجاه الإنسان ـ بآراء دارون (25) . وكان ينظر للانسان ـ قبل مجيء دارون ـ بأنه عبارة عن فصيلة مميزة عن سائر الحيوانات أهم خصائصها هي الروح، بينما تعتبر أحدث نظريات دارون الإنسان قسماً تابعاً للطبيعة، وحيواناً كسائر الحيوانات الأُخرى. وهذا يعني أن دراسة الإنسان قد أخذت طابعاً طبيعياً موضوعها الإنسان ذاته، لا من حيث كونه موجوداً بخصائص أكبر تعقيداً عن سائر الحيوانات (26) .
ولا شك أن هذا الرأي لا يمنع من استخراج النموذج الأمثل للانسان فحسب، بل إنه يجره للسقوط بين نظريات أتباع هذا المذهب، ناهيك عما نشاهده من مادية
________________________________________
(18)دوان شولتس، روان شناسي كمال [علم التكامل النفسي]، ترجمة گيتي خوشدل، ص7.
(19)ترجمة أسرار الآيات، تحقيق وترجمة محمّد خواجوي، ص116 و161 و252.
(20)مكاتب روان شناسي ونقد آن، مصدر سابق 2: 115 و 25.
(21)مكاتب روان شناسي ونقد آن، مصدر سابق 2: 115 و 25.
(22)تاريخ روان شناسي، مصدر سابق 1: 86.
(23)يراجع، مكاتب روان شناسي،مصدر سابق، الجزء 1 و2.
(24)مكاتب روانشناسي، مصدر سابق 1: 277 و285 و263.
(25)مكاتب روانشناسي، مصدر سابق 1: 277 و285 و263.
(26)مكاتب روانشناسي، مصدر سابق 1: 277 و285 و263.

[الصفحة - 251]


مطلقة في آرائهم. وقد تحولت نظرياتهم لدراسة الإنسان فيما بعد إلى طرق لمعالجة الاضطرابات النفسية، حيث يمكن القول إن هذا المذهب كان منحرفاً ـ ومنذ البداية ـ عن غايته الأصلية في علم النفس إلى غاية أُخرى هي التعليل النفساني، وموضوعها الاختلال في السلوك (27) . في الحقيقة كان مذهب مدرسة التحليل النفسي ـ نوعاً ما ـ استمراراً للمذاهب السابقة، فمع أنه منح التأصيل لمفهوم اللاشعورية، وقدّم انطباعاً رومنطيقياً عن الإنسان، إلاّ أنه لم يتخلَّ عن نظريته المادية في ذلك. فكلا هذين الاتجاهين (المذاهب السابقة ومذهب التحليل النفسي) قدّما تفسيراً مادياً وبيولوجياً عن الإنسان والوجود، وإن وجد اختلاف بينهما في الموضوع، حيث تناولت المذاهب السابقة السلوك المحسوس، واتصف المذهب التحليلي بالرومنطيقية اللاشعورية كدرجة من مراتب النفس(28) .
تأسيساً على ذلك ـ وحتى الآن ـ ثمة تفاوت جوهري بين علم النفس الحديث وعلم النفس الفلسفي وآراء الحكماء، فحقيقة نظرة علم النفس الحديث للإنسان في أن حاله كحال النبات النامي (29) . إذ من الطبيعي صعوبة مقارنة عنصرين مختلفين ذاتاً، مضافاً لمحدودية رؤية تلك المذاهب في دراسة حقيقة الإنسان، متجاهلةً ذلك التكامل الذي من الممكن أن يناله الإنسان، فتجاهلت بذلك القوة والاستعداد الإنساني. وعليه، فلا تكون نتائج هذه الرؤية الضيقة إلاّ محدودة وسطحية، ممّا قد يجرها للتخلي عن الهدف الأسمى وراء دراسة وتحليل الصفات الإنسانية، حيث إنّ أقصى مطلوبهم هو تشبيه الإنسان بماكنة أو بمريض بائس؛ ليدركوا حقيقته، ففي هذه الحالة لا مناص من تجاهل قوة الإنسان واستعداداته. وبذلك يكونوا قد ابتعدوا عن دائرة البحث (30) .
مدرسة الجشطلت
على خلاف المدارس السابقة لم تتمتع مدرسة الجشطلت بفلسفة واضحة وصريحة (31) ، غير أنّها كانت مواكبة للفلسفة السائدة لمحل ولادتها (ألمانيا)، ذلك الاتجاه «النسبي الاستدلالي» في دراسة الظواهر، من جهة أُخرى تدرس الجشطلت
________________________________________
(27)شهريار زرشناسي، سمبوليسم در آراء أريك فروم [الرمزية في آراء أريك فروم] ، ص4 ـ 23 و28 و7 ـ 28.
(28)شهريار زرشناسي، سمبوليسم در آراء أريك فروم [الرمزية في آراء أريك فروم] ، ص4 ـ 23 و28 و7 ـ 28.
(29)شهريار زرشناسي، سمبوليسم در آراء أريك فروم [الرمزية في آراء أريك فروم] ، ص4 ـ 23 و28 و7 ـ 28.
(30)دوان شولتس، مصدر سابق، ص6 ـ 8.
(31)مكاتب روان شناسي ونقد آن، مصدر سابق 2: 349 و410.

[الصفحة - 252]


الإنسان مركباً من جسم وروح، فعارضت بذلك جميع أُصول علم النفس السائدة آنذاك (32) .
إلاّ أنها لم تتمكن، باعتبارها أول حركة متمردة على التقليد في علم النفس، من التفوق على نظائرها أو أن تقدّم تعريفاً جامعاً ومقنعاً للإنسان، ناهيك عن التأثر الشخصي لجشطلت بالحركات الإنسانية والليبرالية الجديدة (33) ، واعتماده على «النسبية والاستدلالية» في نظرياته، الأمر الذي يمنع من شمولية هذه المفاهيم لأبعاد الإنسان، لذا يصعب مقارنتها بأفكار ونظريات ملا صدرا (رحمه الله)، حيث إن فرض النسبية لحقيقة الأشياء، لا يترك لنا مجالاً في دراسة الإنسان إلاّ مرتبطاً بأُمور أُخرى. هذا يعني عدم درك حقيقة الأشياء حتى ذات الإنسان؛ لأن طرف المعادلة متغيرٌ ليس ثابتاً، وبالنتيجة لا تتحقق المعرفة المطلقة (34) . ثم إن تأثّر جشطلت بالشعارات الإنسانية، وارتباط معرفة الإنسان بالمادة، كانت قد ضيّقت دائرة دراساته بما يتعلق بوجود الإنسان.
وهكذا ظهر علم النفس ذو الاتجاه الإنساني، كقوة وعنصر ثالث لعلم النفس في قبال الأفكار الضيقة غير الإنسانية والعقيمة بزعامة السلوكيين، وأتباع التعليل النفساني وغيرهم؛ ليكون هدفه تقديم تعريف شامل للإنسان، لا سيما من ناحية بيان استعداداته كالتفكير والإدراك، النمو، التطوّر، التكامل والتعايش مع مختلف الظروف (35) .
إذن، في هذه المرحلة من تاريخ علم النفس، أصبح بالإمكان إجراء التطبيقات والتحليلات على مفهوم الإنسان الكامل، فالمذهب الإنساني هو الوحيد الذي تصدى للتعريف بحقيقة الإنسان، وهي غاية تتجلّى أيضاً من وراء التحام الحركة الإنسانية بعلم النفس الكامل.
مذهب الكمال
نظرت مدرسة التكامل لماهية الإنسان من نافذة جديدة. فالإنسان عندها مختلف عما هو عليه عند السلوكيين وأصحاب التحليل النفسي (التعليل النفساني)، وما كانت عليه من الأشكال التقليدية عند مذاهب علم النفس الأُخرى. فلم يعد
________________________________________
(32)مكاتب روان شناسي ونقد آن، مصدر سابق 2: 349 و410.
(33)شهريار زرشناسي، مصدر سابق، ص28.
(34)مكاتب روان شناسي ونقد آن، مصدر سابق2: 5 ـ 352.
(35)تاريخ روان شناسي نوين، مصدر سابق، ص8 ـ 367.

[الصفحة - 253]


الإنسان مجرد ماكنة أو مريض بائس عاجز كما قرره السلوكيون وأتباع مدرسة التحليل النفسي، إنما المعني هذه المرة هو الطبيعة السلمية له، وما هو أسمى من الاضطراب أو الاختلال، تحقيقاً للتكامل واليقظة في جوهر الإنسان، وتفعيل جميع استعداداته الكامنة. ومع اعتراف مدرسة التكامل بالعوامل الخارجية ـ كما ذهب إليه السلوكيون ـ والقوى الغريزية ـ كما قال به أصحاب مدرسة التحليل النفسي ـ إلاّ أن التكامليين لا يفرطون بالإنسان كضحية لتلك العوامل وتحولاتها. بل، يحتمون على الإنسان أن يتغلب على الماضي والطبيعة والمحيط البيئي (36) .
ويتمتع الإنسان ـ وفقاً لهذه المدرسة ـ بالغرائز الإيجابية والسجايا الحميدة، وله أن يطوّرها. إنّ نظريات هذه المدرسة لا تتوقف عند «الاختلال الحاصل» ، بل تتعدّاه إلى مستويات عالية من الكمال الإنساني، ويقول أربابهما بلا بدّية تفعيل القابليات وتحقيقها. وعندهم سبع نظريات بارزة في وصف وتعريف الإنسان الكامل، لكل واحدة وجهتها الخاصة مع وجود قواسم مشتركة فيما بينها. نشير لها باختصار ثم نفصل القول في أهمها ـ باتفاق الجميع (37) ـ وأشملها (38) ، ثم نقارن بينها وبين نظرية ملا صدرا (رحمه الله):
1 ـ الإنسان الكامل عند «غوردن آلبورت» (1897 ـ 1967) تحت عنوان: «الإنسان البالغ أو الناضج».
2 ـ الإنسان الكامل عند «كارل راجرز» (1902 ـ 1987) تحت عنوان: «الإنسان سديد القول والفعل».
3 ـ الإنسان الكامل عند «أريك فروم» (1900 ـ 1980) تحت عنوان: «المنتج».
4 ـ الإنسان الكامل عند «كارل غوستافينغ» (1875 ـ 1961) وعنوانه: «الحائز على الفردية».
5 ـ الإنسان الكامل عند «فكتور فرانكل» (1905) بعنوان: «ما وراء الذات»، و«ذو الجوهر».
6 ـ الإنسان الكامل عند «فريتز برلز» (1893 ـ 1970) وعنوانه: «إنسان هذا المكان وذاك الزمان».
________________________________________
(36)دوان شولتس، مصدر سابق، ص5 ـ 9.
(37)تاريخ روان شناسي نوين، 2: 371.
(38)شاملو، مكتبها ونظريّها در روان شناسي شخصيت [النظريات والمذاهب في علم النفس للشخصية]، ص111.

[الصفحة - 254]