البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مفهوم الإمامة، قراءة في تفسير المنار آية الولاية أُنموذجاً

الباحث :  د. علي أوسط باقري
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  42
السنة :  السنة الحادية عشر صيف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  181
مفهوم الإمامة، قراءة في تفسير المنار
آية الولاية أُنموذجاً

د. علي أوسط باقري (*)

ترجمة: محمد عبد الرزاق

تمهيد
تفسير المنار هو من أهم تفاسير القرن الرابع عشر الهجري، وهو شرح لآيات القرآن عبر سبل إرشادية مبتكرة. والتفسير من أوله وحتى الآية 125 من سورة النساء، هو عبارة عن محاضرات ألقاها الإمام محمد عبده في جامع الأزهر، ثم قام بجمعها وتنقيحها تلميذه المميّز محمد رشيد رضا، واستكمل التفسير حتى (الآية 52 من سورة يوسف).
هذا التفسير يتضمن اتجاهات عديدة، أبرزها في الجانب الاجتماعي والعقلي والإرشادي. ولم تخلو جميع تلك الاتجاهات من نـزعة متطرفة واضحة، فإن من أهم سلبيات المنار التي حطّت من منـزلتهِ العلمية، هو نـزعاته الوهابية والمعادية للشيعة. وتتجلى هذه النـزعات في نفيه لمبدأ الشفاعة، وتأويل بعض معاجز القرآن، وما ورد من تفسير لمباحث الولاية والإمامة دون إيراد أدلة مقنعة في ذلك.
ثم تجاهل مؤلفه لجمة من التفاسير الشهيرة كتفسيري الطبرسي والشيخ الطوسي ـ من الشيعة ـ وسائر آراء مفسري أهل السنة في خصوص الآيات النازلة بحق أهل البيت (عليهم السلام)، كل ذلك دليل على تعنتّه وتطرفه الواضح.
بدايةً سنتناول في هذا المقال ما جاء في تفسيري الطوسي والطبرسي ـ كاُنموذجٍ ـ لآية «الولاية»، ثم نستعرض بالنقد والتحليل رأي صاحب المنار في تفسير
________________________________________
(*)باحث إسلامي، من إيران.

[الصفحة - 291]


الآية المذكورة، وبذلك سنثبت هشاشة الاعتراضات التي أوردها مؤلف المنار، وتجاهله غير المبرر لأضخم التفاسير الموجودة آنذاك، حيث تضمنت ردوداً وافية على تلك الاعتراضات مسبقاً.
آية الولاية
{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } )المائدة، 55(.
تعرف هذه الآية بآية (الولاية)، وتتضمن بحوثاً وتساؤلات على النحو التالي:
• ما معنى «الولاية» في قوله تعالى: { وَلِيُّكُمُ الله } ؟ هل هي بمعنى النصرة والمودّة أم هي بمعنى السلطة والتحكم.
• من هم { وَالَّذِينَ آمَنُواْ } ؟ هل هم كافة المؤمنين أم هو شخص معين؟
• ما هو معنى الركوع في قوله تعالى: { وَهُمْ رَاكِعُونَ } هل هو بمعنى الخضوع والخشوع، أو بمعنى الركوع ذلك الركن المقرر في جملة أركان الصلاة؟
تفسير علماء الشيعة:
ذهب مفسرو الشيعة إلى أن المراد من (الوليّ) في الآية الشريفة، هو الأولى والأحق، وأن المقصود بـ { وَالَّذِينَ آمَنُواْ } ، هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، أمّا الركوع فهو بمعنى ركوع الصلاة وأحد أركانها، وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: ولاية التصرف والحكم: يقول شيخ الطائفة (الطوسي) (رحمه الله) في تفسير الآية: «قد ثبت أن الوليّ في الآية بمعنى الأولى والأحق». وفي مقام إثبات هذا الأمر أقام دليلين على ذلك:
«الأول: إن الله تعالى نفى أن يكون لنا وليّ غير الله وغير رسوله، والذين آمنوا بلفظة «إنما»، ولو كان المراد به الموالاة في الدين، لما خص بها المذكورين؛ لأنّ الموالاة في الدين عامة في المؤمنين كلهم. قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } (1) .
________________________________________
(1)سورة التوبة: 71.

[الصفحة - 292]


الثاني: ويدل أيضاً على أن الولاية في الآية مختصة أنهُ قال: { وَلِيُّكُمُ } ، فخاطب به جميع المؤمنين ودخل فيه النبي (صلي الله عليه و آل وسلم) وغيره، ثم قال: { ورسوله } ، فأخرج النبي(صلي الله عليه و آل وسلم) من جملتهم؛ لكونهم مضافين إلى ولايته، فلما قال: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ }، وجب أيضاً أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جُعلت لـه الولاية. وإلاّ أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه، وأدى إلى أن يكون كل واحد منهم وليّ نفسه، وذلك محال» (2) .
وتأسيساً على ذلك، نستنتج أن المراد من { وَالَّذِينَ آمَنُواْ } ليس المؤمنون كافة؛ لأنّ المخاطب في الآية هم المؤمنون، فلو كان { وَالَّذِينَ آمَنُواْ } هم جميع المؤمنين لاستلزم انعدام المخاطب؛ لخروجهم جميعاً من المضاف إليه في { وليكم } . إذن فـ «الولاية» في الآية هي ليست بمعنى النصرة والمودّة، بل بمعنى القيادة والتولّي ممّا هو مختص بالله ورسوله وبعض المؤمنين.
ثانياً: المصداق في قوله { وَالَّذِينَ آمَنُواْ } : المراد من الذين آمنوا في آية الولاية هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك لثلاثة وجوه يذكرها شيخ الطائفة فيقول:
1 ـ إنّ كل من قال: إنّ معنى الوليّ في الآية معنى الأحق، قال: إنه هو المخصوص به بإضافة الله ورسوله، وبما أنه قد ثبت من معنى الولاية التولّي والاستخلاف. إذن، { وَالَّذِينَ آمَنُواْ } هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
2 ـ إنّ الطائفتين المختلفتين الشيعة والسنة رووا أن الآية نـزلت فيه (عليه السلام) خاصة، حين تصدق بخاتمه أثناء الركوع.
3 ـ إن الله تعالى وصف الذين آمنوا بصفاتٍ ليست حاصلة إلاّ فيه (عليه السلام). وأجمعت الأُمّة على أنه لم يؤتِ الزكاة في حال الركوع غير أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) .
ثم طرح الشيخ الطوسي سؤالين وأجاب عنهما، فقال:
أ ـ وليس لأحدٍ أن يقول: إنّ قوله: { وَهُمْ رَاكِعُونَ } ليس هو حالاً لـ { يؤتون الزكاة } بل، المراد به أن من صفتهم إيتاء الزكاة؛ لان ذلك خلاف لأهل العربية؛ لأن القائل إذا قال لغيره لقيت فلاناً وهو راكب، لم يُفهم منه إلاّ لقاؤه لـه في حال الركوب، ولم يُفهم منه أن من شأنه الركوب.
________________________________________
(2)يراجع: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج3، ص563، مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم.
(3)المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 293]


ب ـ وإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الركوع المذكور في الآية المراد به الخضوع، كأنه قال: يؤتون الزكاة خاضعين متواضعين، قلنا: الركوع هو التطأطؤ المخصوص، وإنما يقال للخضوع ركوع تشبيهاً ومجازاً؛ لأنّ فيه ضرباً من الانخفاض، ويدل على ما قلناه نص أهل اللغة عليه.
ثم يعرّج الطوسي في ختام البحث على معنى «الوليّ» لغة، فيقول: فأمّا الوليّ بمعنى الناصر فلسنا ندفعه في اللغة، لكن لا يجوز أن يكون مراداً في الآية لما بيّناهُ من نفي الاختصاص (4) .
يلاحظ ممّا سبق، أن الطوسي دلل من خلال حصر الآية على أنّ معنى «الولاية» لا يمكن أن يكون موالاةً في الدين ونصرته، بل هو بمعنى «تولّي الأُمور والسيطرة عليها»، فالأقوال في تفسير معنى الولاية منحصرة في ثلاثة فقط.
وقد تناول الشيخ الطوسي إثبات ذلك وبشكل أوسع في تلخيص الشافي (5) .
كذلك الطبرسي سار على نهج الطوسي في تفسير (مجمع البيان) في معرض إيضاح رأي الشيعة في الآية المباركة (6) .
المصادر السنّية ورأيها في سبب نـزول الآية: لقد أثبتت مصادر متعددة من أهل السنة بأنّ الآية نـزلت في فضل عليّ (عليه السلام)، نذكر منها:
1 ـ أبو عبدالرحمن النسائي (المتوفى 303هـ) في كتابه (سنن النسائي)، ولا بد من التذكير هنا بأنّ هذه الروايات قد اُسقطت من طبعات الكتاب الجديدة، إلاّ أن أبا الحسن رزين العبدري الأندلسي (المتوفى 535هـ) قد نقلها عن السنن في كتاب (التجريد للصحاح الستة) (7) .
2 ـ ابن جرير الطبري (المتوفى 310هـ) في (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، ج4، ص390، ط. دار الفكر.
3 ـ أبو القاسم الطبراني (المتوفى 360هـ) في (المعجم الأوسط)، ج8، ص129، 130 / ح6228، تحقيق الدكتور محمود الطحان، مكتبة المعارف ـ الرياض 1415هـ / 1995م.
________________________________________
(4)المصدر السابق، ص563 ـ 564.
(5)المصدر السابق نفسه؛ تخليص الشافي، ج2، ص1 فما بعد، الطبعة الثالثة، منشورات العزيزي ـ قم، 1394هـ/ 1974م.
(6)الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص275، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1418هـ / 1997م.
(7)يراجع: القاضي التستري، إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ج2، ص399 وج3، ص505.

[الصفحة - 294]


8 ـ جار الله الزمخشري (المتوفى 538هـ) في (الكشاف)، ج2، ص649، طبعة مكتبة الإعلام الإسلامي ـ قم، 1414هـ.
4 ـ أبو بكر الجصاص الرازي (المتوفى 370هـ)، في (أحكام القرآن)، ج2، ص558، 559، ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1415هـ / 1994م.
5 ـ أبو الحسن الواحدي النيشابوري (المتوفى 468هـ) في (أسباب نـزول القرآن)، ص201 و202، تحقيق البسيوني، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1411هـ / 1991م.
6 ـ أبو القاسم الحاكم الحسكاني (المتوفى 490هـ) في (شواهد التنـزيل)، ج1، ص209، تحقيق وتعليق محمد باقر المحمودي، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ طهران، 1411هـ / 1990م.
7 ـ عماد الدين محمد الطبري المعروف بـ(ألْكِيَا الهرّاسي) (المتوفى 504هـ) في (أحكام القرآن)، ج3 و4، ص84، ط. الثانية، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1405هـ / 1985م.
9 ـ ابن عساكر (المتوفى 571هـ) في (تاريخ مدينة دمشق)، ج42، ص356، 357، دار الفكر ـ بيروت، 1415هـ / 1995م.
10 ـ جلال الدين السيوطي (المتوفى 911هـ) في (أسباب النـزول)، ص147، 148، دار الهجرة ـ بيروت، 1410هـ / 1990م.
ولتتبع بقية المصادر يمكنك مراجعة: العلاّمة الأميني في الغدير، طبعة دار الكتب الإسلامية ـ طهران، 1366هـ، ج3، ص221 وإلى آخر الموضوع. كذلك تراجع: تعليقات آية الله العظمى المرعشي النجفي على كتاب (إحقاق الحق) للقاضي نور الله التستري، ج2، ص399 إلى آخر المجلد، وج3، ص502، وج20، ص2 إلى نهاية المجلد. وقد استقرأ السيد المرعشي النجفي مصادر عديدة كان بعضها من النسخ المخطوطة، والتي لا توجد سوى في العامة بقم. تفسير رشيد رضا لآية الولاية ونقده.
هنا نستعرض رأي رشيد رضا في آية الولاية، وانتقاداته لتفاسير الشيعة في ثلاثة محاور، ثم نتناول ذلك بالنقد والتحليل:
________________________________________

[الصفحة - 295]


المحور الأول ـ مفهوم «الولاية»
يذهب الكاتب إلى أن المعنى في الآية هو «ولاية النصر».
وليس لـه في ذلك سوى دليل واحد هو السياق، فيقول في هذا الصدد: وقد بيّنا ضعف كون المؤمنين في الآية يراد به شخص واحد، وعلمنا من السياق أن الولاية ها هنا ولاية النصر، لا ولاية التصرف والحكم، إذ لا مناسبة لـه في هذا السياق. إذن، يتضح من أن المراد بالولاية هو الولاية في النصر، أي أيها المؤمنون! إنّ ناصركم ووليكم هو الله ورسوله (صلي الله عليه و آل وسلم) والمؤمنون (8) .
النقد:
يمكن العمل بقرينة السياق فيما إذا كانت الآيات متحدة النـزول، وقد اختلف النـزول بين آية الولاية وسابقاتها، وإن اقترنت بها، فلا مجال لقرينة السياق هنا، فهي آية مستقلة بذاتها، لا يستلزم فهمها الرجوع لسابقاتها (9) .
وقد اختلف أيضاً سبب النـزول بين آية الولاية والآيات السابقة.
هذا من جهة، ومن جهةٍ اُخرى، يمكن تأثير قرينة السياق على معنى الآية في حال انعدام دليل مخالف لـها، وبما أن مضمون الآية لا يمكن أن يكون بمعنى ولاية النصر إطلاقاً. إذن، لا مجال لقرينة السياق أيضاً.
وكان يجدر برشيد رضا أن يستعرض آراء الطوسي في التبيان وتلخيص الشافي، أو الطبرسي وغيرهم من المفسرين، لا أن يكتفي بالاستدلال الروائي للشيعة، ثم يقدم رواياته اعتماداً على قرينة السياق.
المحور الثاني ـ مفهوم
{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ }
يعتقد صاحب المنار أن المراد من { الَّذِينَ آمَنُواْ } ، هم المؤمنون الأبرار. واعتراضه الوحيد على رأي الشيعة في ذلك هو رفضه للتعبير عن المفرد بالذين آمنوا، ممّا لا يقع في كلام الفصحاء من الناس، فهل يقع في المعجز من كلام الله؟
النقد:
صحيحٌ أن الظاهر اللفظي لـ { والَّذِينَ آمَنُواْ } جمعٌ لا مفرد، لكننا أثبتنا أن معنى
________________________________________
(8)رشيد رضا، تفسير المنار، ج6، ص443، دار المعرفة ـ بيروت، 1404هـ / 1984م.
(9)للاطلاع أكثر على هذا الموضوع، وهل أن الآية تنسجم مع الآيات السابقة في حالة حملنا المعنى على الأولى والأحق بالتصرف؟ يراجع: السيد محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، ج6، ص6، إسماعيليان للطباعة والنشر ـ قم.

[الصفحة - 296]


«الولاية» هو التصرف والحكم، وأن هذا المعنى لا ينطبق سوى على شخص واحد هو الإمام عليّ (عليه السلام)، إذن، فهو مفرد لا جمع، لكن هل هذا الاستخدام هو مخالف لأُصول الفصاحة العربية؟
وإذا كان كذلك، فلماذا تمسّك بهذا الرأي الزمخشري وهو إمام البلاغة في التفسير؟ يقول الزمخشري بعد إثبات نـزول الآية في عليّ (رضي الله عنه): فإن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ (عليه السلام)واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقّد الفقراء، حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخّروه إلى الفراغ منها (10) .
وقد أضاف المرحوم شرف الدين وجهاً آخر في ذلك، وهو أنه لو كان بلفظ المفرد، لأثار تحفظ خصوم عليّ (عليه السلام)؛ لاستحالة انطباق هذه الصفات على غيره. فقد يجرّهم ذلك لليأس، واتهام الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) بتقديم الأقارب والعشيرة (11) . كما حصل ذلك حين طلب (صلي الله عليه و آله وسلم) الدواة لكتابة وصيتهِ، فقالوا: إنه ليهجر (12) .
وثمة فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله فيه، وبين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع، لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه، وبما أن جميع صفات الآية منحصرة في عليّ (عليه السلام)، فلا مصداق لـها غيره (13) .
إطلاق الجمع وإرادة المفرد: تستخدم بعض اللغات الجمع بعنوان المفرد، فمثلاً في اللغة الفارسية يجمع المفرد للاحترام والتقدير، ويخاطب شخص واحد بلفظ الجمع، وذلك رائج مستخدم كثيراً. كذلك في اللغة العربية، تُستخدم صيغة الجمع ويراد منها المفرد الواحد، يقول الشاعر:
جاء الشتاء وقميصي أخلاقْ شر آذمٌ يضحك منها التوّاقْ
فأطلق أخلاق وأراد خَلَقاً وهو البالي من الثياب (14) .
ويذكر الحدادي بعد استعراضه لجملة من الآيات التي ورد فيها استخدام صيغة الجمع بدل المفرد، فيقول: «سائغٌ في كلام العرب ذكر الواحد بلفظ الجمع، وذكر
________________________________________
(10)الزمخشري، الكشاف، ج1، ص649.
(11)يراجع: السيد عبدالحسين شرف الدين، المراجعات، ص236، الطبعة الثانية، دار اُسوة ـ قم، 1416هـ.
(12)يراجع: ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج2، ص436، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.
(13)الميزان، ج6، ص9؛ محمد تقي مصباح اليزدي وآخرون، الإمامة والولاية في القرآن الكريم، ص72: يجب أن نميّز بين استعمال لفظ الجمع في المفرد وبين انطباق العنوان الجمعي على الواحد الذي تحقق من أفراد العنوان الجمعي مع إمكان انطباق هذا العنوان على أفراد آخرين يُفترض تحققهم.
(14)يراجع: أبو النصر أحمد بن محمد السمرقندي المعروف بالحدادي، المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى، ص285، 286، دار القلم ـ بيروت، دار العلوم ـ دمشق، 1408هـ / 1998م.

[الصفحة - 297]


الجمع بلفظ الواحد، والتثنية بلفظ الجمع، والجمع بلفظ التثنية» (15) .
أمّا الزركشي في النوع الثاني والأربعين من البرهان في وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن، وكذلك السادس والأربعين في أساليب القرآن وفنونهه البليغة فقد أشار هناك لبعض الآيات التي استُخدمت فيها صِيَغ الجمعِ وكان مرادها المفرد (16) ، وإليك هنا طائفة من تلك الآيات:
1 ـ { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} (المائدة / 52).
ذكرت بعض التفاسير أنها نـزل في عبدالله بن اُبيّ بن سلول حين جاء عبادة بن الصامت بعد معركة بدر إلى رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم)، فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، فقال عبدالله بن اُبي: «لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، إني رجل لا بد لي منهم» خشيةً منهم، فأنـزل الله تعالى الآية. يراجع في ذلك: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج3، ص1190، 1191، ط. الرياض، طيبة 1418هـ / 1997م؛ ابن أبي حاتم الرازي، تفسير القرآن العظيم، ص1157، مكتبة نـزار مصطفى الباز، مكة المكرمة ـ الرياض، 1417هـ / 1997م؛ الواحدي النيشابوري، أسباب نـزول القرآن، ص201.
2 ـ { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } (آل عمران / 81) قال عكرمة والسدي ومقاتل: إنّ هذا الكلام لفنحصاص بن عازوراء، وذهب الحسن البصري إلى أن القائل هو حييّ بن أخطب (17) ، وعلى كل حال، فالقائل مفرد وصيغته في القرآن وردت جمعاً.
3 ـ { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } (البقرة / 215)، فلم يكن السائل سوى شخص واحد وعُبّر عنه بالجمع(18) .
4 ـ { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ } (النساء / 176)، والكلالة هي إخوة وأخوات الميت ممن لا أب واُمّ أو ابن لـه (19) . وقد ذهب جملة من المفسرين إلى أنها نـزلت بسبب جابر، حين مرض، وجاء رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم) لعيادته فقال لـه: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يردّ عليه الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) حتى نـزلت الآية، وكان لجابر
________________________________________
(15)المصدر السابق نفسه، ص283.
(16)يراجع: بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص361 فما بعد (خطاب الواحد بلفظ الجمع)، الطبعة الثانية، دار المعرفة ـ بيروت، 1415هـ / 1994م وج3، ص94، 95 (إطلاق الجمع وإرادة الواحد).
(17)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد 2، ج4، ص275؛ علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الخازن، لباب التأويل في معاني التنـزيل، ج1، ص326، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1415هـ / 1995م؛ الواحدي، أسباب نـزول القرآن، ص137 و138؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص434.
(18)الجامع لأحكام القرآن، المجلد الأول، ج2، ص35: نـزلت الآية في عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً، فقال: يا رسول الله! إن مالي كثير، فبماذا أتصدّق وعلى من أنفق؟ فنـزلت (يسألونك)؛ علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن، تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنـزيل)، ج1، ص144.
(19)يقول الطبرسي في معرض بيان وجوه الاختلاف في معنى (الكلالة): ((والمروي عن أئمتنا أنّ الكلالة، الإخوة والأخوات. مجمع البيان، ج3، ص26.

[الصفحة - 298]


تسع أخوات (20) ، فالسائل شخص واحد وأطلق عليه صيغة الجمع في (يستفتونك).
وقد أحصى العلامة الأميني عشرين آية من هذا القبيل، أي اطلاق الجمع وإرادة المفرد (21) .
المحور الثالث ـ مفهوم «الركوع»
يقول رشيد رضا: إن الركوع هو بمعنى الخضوع والخشوع، أي أنهم يعطون الزكاة مهطعين دون رياء، أو مع كونهم فقراء هم ينفقون. واستند في ذلك إلى مصادر اللغة، فنقل عن أساس البلاغة من أن العرب كانت تطلق «الراكع» على كل من آمن بالله ونبذ الأوثان، وكذلك يقولون: «ركع إلى الله»، أي استعان به وحده، واستخدم العرب «الركوع» في الضعف مجازاً فيقولون: «ركع الرجل» إذا ألمّ به الفقر والحاجة إلى المال.
النقد:
أولاً: إن المعنى الأصلي والحقيقي «للركوع» هو الانحناء والتطأطؤ وإن استخدامه في معنى الإيمان بالله ونبذ الأوثان هو من مصاديقه الخاصة، يقول الزمخشري في أساس البلاغة ـ المصدر الذي استند إليه رشيد رضا آنفاً ـ : شيخٌ راكع: منحنٍ من الكبر، وشيوخ ركّع، ومنه ركوع الصلاة، ثم يضيف قائلاً: وكانت العرب تسمّي من آمن بالله ولم يعبد الأوثان راكعاً (22) .
فتقديم معنى الانحناء على غيره يُعلم منه ـ وحسب نظر (أساس اللغة) المعنى الأصلي للركوع هو الانحناء، وقد صرح بذلك لغويون آخرون في مصادر مختلفة (23) . وعلى هذا الأساس، فالركوع الوارد في الآية الشريفة هو بمعنى ركوع الصلاة.
ثانياً: لقد وردت كلمة الركوع «اسماً وفعلاً» في آيات اُخر من القرآن، كان غالبتها في معنى ركوع الصلاة، حيث إن المفسرين اختاروا ذلك مع انعدام القرينة على خلافه، وفسّروا الركوع في بعض الآيات بالخشوع والخضوع لوجود قرائن على ذلك (24) .
أمّا آية البحث فنقول فيها: إنها بمعنى الركوع في الصلاة وذلك لعدم وجود
________________________________________
(20)يراجع: الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص388؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص482 (وقد نقل ابن كثير سبب نـزول الآية عن مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص298، وصحيح البخاري، حديث رقم 6743، وصحيح مسلم، حديث رقم 1616؛ علي بن محمد الخازن، تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنـزيل)، ج1، ص254.
(21)يراجع: العلامة الأميني، الغدير، ج3، ص163 فما بعدها.
(22)الزمخشري، أساس البلاغة، تحقيق عبدالرحيم محمود، ص77.
(23)قال الخليل في كتاب العين: كل شيء ينكب لوجهه فتمسّ ركبتهُ الأرض أو لا تمسها بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكعٌ؛ معجم مقاييس اللغة: الراء والكاف والعين أصل واحد يدل على انحناء في الإنسان وغيره، يقال: ركع الرجل إذا انحنى، وكل منحن راكع؛ مصباح اللغة: ركع ركوعاً: انحنى، ركع: قام إلى الصلاة.
(24)ورد استخدام (الركوع) في 9 آيات من القرآن الكريم (اسماً وفعلاً) وفي 6 آيات بمعنى الانحناء في الصلاة، وقد حمل المفسرون لفظ الركوع في القرآن على ركن الصلاة، إلاّ في حالة وجود قرينة تحرف المعنى فالآيات 48 من سورة المرسلات و43 من آل عمران و43 من البقرة، كلها بمعنى الخشوع والخضوع؛ ذلك لأن هذه الآيات نازلة في غير المسلمين، ممن لا ركوع في صلاتهم. نعم، قد يذكر البعض احتمالاً في بعض وجوه تلك الآيات من انطباقه على غير ركوع الصلاة، محاولة منهم في تأويل استخدام الركوع بمعنى الانحناء. (يراجع: الكشاف، ج4، ص682؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج1، 336 وج8، ص339).

[الصفحة - 299]