البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الدرّة البيضاء في شرح خطبة الزهراء(عليها السلام)

الباحث : تأليف العلاّمة السيّد هادي الحسيني الصائغ المتوفّى 1377هـ تحقيق محمّد جواد نورالدين فخرالدين

اسم المجلة : تراثنا

العدد : 107

السنة : ---

تاريخ إضافة البحث : March / 2 / 2016

عدد زيارات البحث : 2200

حجم ملف البحث : 363.790 KB

 تحميل

الدرّة البيضاء في شرح خطبة الزهراء(عليها السلام)
تأليف
العلاّمة السيّد هادي الحسيني الصائغ
المتوفّى 1377هـ
تحقيق
محمّد جواد نورالدين فخرالدين
مقـدّمة التحقيـق
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين .
من البديهيّات التي لا يمكن التغاضي عنها هو ارتباط تاريخنا الإسلامي بجملة أمور أسهمت إلى حدّ بعيد في دثر الكثير من الحقائق من جهة وتزوير وتلفيق العديد من الحقائق من جهة أخرى ، وذلك منذ البدايات الأولى لتدوينه في العصر الأموي حسبما تقتضيه المصلحة للأنظمة السياسية الحاكمة آنذاك وبما يخدم توطيد أركانها في الحكم لأنّها كانت ترى أنّ نشر تلك الحقائق سيؤدّي إلى زعزعة الأوضاع وتأليب الرأي العام ، ومن أجل ذلك قامت بالترغيب مرّة عن طريق بذل الأموال والعطايا على المدونين سواء كانوا من نقلة الحديث أم من رواته ، وبالترهيب مرّة أخرى بالحبس والقتل والتشريد ، ومن يتتبّع التاريخ الأموي والعبّاسي سيجد أمثلة حيّة على ذلك .
ومن الأمور التي لم تزل مثار نقاش وجدل بين علماء المسلمين على مختلف مذاهبهم ومشاربهم الفكرية هي ظلامة الزهراء(عليها السلام) .
ومن يقرأ هذه الفترة الحرجة من تاريخ المسلمين فإنّه سيرى

صفحه 296
بوضوح تزوير الحقائق ، حيث نجد عدّة تيّارات متمثّلة بمدوّني الحديث والمؤرّخين وعلماء الرجال ومن يسير في ركابهم ممّن دوّنوا تلك المرحلة ، فالبعض حاول أن يطمس الأحداث ولم يتعرّض لها لا من قريب ولا من بعيد ، كما أنّ البعض الآخر كان يزيّف ويحذف حسبما تشتهيه رغبته أو مصلحته ، في الحين الذي كان يحاول بعض المؤرّخين تزويق الأحداث وتبرئة ساحة البعض بإيجاد الأعذار الواهية التي لا تتناسب مع سوء الأفعال .
وهذا ما وجدناه واضحاً وجليّاً عند بحثنا في هذا الموضوع ، وأنا هنا لا أحاول أن أطيل لأنّ ما ذكرته الزهراء(عليها السلام) في خطبتها التي ألقتها على المهاجرين والأنصار ، وما جاء فيها من الأدلّة الدامغة ما لا سبيل إلى إنكاره أو ردّه .
ومن يقرأ بتمعّن وتفحّص مفردات الخطبة سيجد ضالّته التي ينشدها بعيداً عن التعصّب المذهبي .
وعليه سأطرح أمرين مهمّين وأترك للقارئ حرّية الحكم بما ذكرته كتب الصحاح والتواريخ .
وسأبدأ هنا بطرح حديثين للرسول(صلى الله عليه وآله) يكونان النتيجة المتوخّاة من هذا الاستعراض .
فقد تواترت في كتب الصحاح عدد غير قليل من الأحاديث في مناقب وفضائل مولاتنا فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، ومن يحاول الرجوع إليها سيجد أحاديث مسندة لا غبار عليها معتبرة مأخوذ بها ، منها قوله(صلى الله عليه وآله) : «فاطمة
صفحه 297
بضعة منّي يؤذيني من آذاها»(1) ، وحديث آخر عن الرسول(صلى الله عليه وآله) : «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»(2) .
ومن هذا المنطلق سأعالج أمرين :
أولاً : بعد وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وانقلاب الموازين السياسية في سقيفة بني ساعدة وما جرى من الخلاف بين المهاجرين والأنصار حول الخلافة ومن يتولاّها ، فقد احتجّ كلا الطرفين على الآخر بأدلّة ترجّح كفّته ، وكانت نهاية المطاف انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين ، في حين اتّخذ عدد من المهاجرين والأنصار موقفاً معارضاً من هذه البيعة ، لأنّهم وجدوا الأحقّية للإمام علىّ(عليه السلام) في تولّي هذا المركز الحسّاس ، سواء في ما جاء عن الرسول(صلى الله عليه وآله) من أحاديث ترجّح كفّته ، أو في ما يمتلكه من المهارات القيادية والمميّزات الأخرى التي كانت ترشّحه لهذا المنصب .
وعليه كانت البدايات الأولى لهذه المطالبة تتمثّل بالصدّيقة الطاهرة فاطمة(عليها السلام) عندما جاءت إلى الخليفة الأوّل مطالبة بإرثها من الرسول(صلى الله عليه وآله)(3) ، فذكر لها الخليفة أنّه سمع من الرسول(صلى الله عليه وآله) ، «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة» ، وقد احتجّت عليه الزهراء(عليها السلام) بما جاء في القرآن الكريم من آيات المواريث(4) ، ثمّ إنّها احتجّت عليه بقولها : «من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 4/1903 ، مسند أبي عوانة 3/70 ، المعجم الكبير 22/405 ، وذكرته مصادر أخرى .
(2) صحيح البخاري 3/1361 ، السنن الكبرى للبيهقي 5/97 ، المعجم الكبير 22/404 ، فضائل الصحابة للنسائي 1/78 ، وذكرته مصادر أخرى .
(3) ذكرت بعض الروايات أنّها جاءت منفردة وروايات أخرى جاءت مع عمّها العبّاس ابن عبد المطّلب .
(4) منها : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) سورة النساء4 : 11 . (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) سورة مريم19 : 5 ـ 6 . (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الأَْقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الأَْقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) سورة النساء4 : 7 ، وإلى آخر آيات المواريث ، وكلّها عامّة تشمل رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
صفحه 298
يرثك ، قال : أهلي وولدي ، فقالت : فمالي لا أرث النبيّ»(1) ، وفي حديث آخر : «فما لك ترث النبيّ دوني»(2) ، وهذا دليل لا يقبل المناقشة .
والأمر الآخر المرتبط بهذا الموضوع أنّها بعد ذلك طالبته بفدك النحلة التي أنحلها الرسول(صلى الله عليه وآله) لفاطمة(عليها السلام) بعدما نزلت الآية : (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)(3) ، حيث دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاطمة فأعطاها فدك(4) ، إلاّ أنّ الخليفة رفض ادّعاءها وطالبها بالشهود ، فأتت بالإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأمّ أيمن ، فردّت شهادتهما لأسباب معروفة ، وعلّل ذلك الأمر أحد شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي إذ سأله فقال : «أكانت فاطمة صادقة في دعواها؟ قال : نعم ، قال له ـ ابن أبي الحديد ـ فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة؟ فتبسّم ، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرّد دعواها لجأت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء ، لأنّه يكون قد سجّل على نفسه بأنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة وشهود ، قلت : ولهذا استباح أبو بكر شهادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند ابن حنبل 10/10 ، سنن الترمذي 4/157 ، فتح الباري 6/202 ، سنن البيهقي 6/302 ، شرح معاني الآثار للطحاوي 3/308 ، التمهيد 2/314 .
(2) شرح معاني الآثار للهيثمي 3/308 ، وأشارت إلى ذلك في خطبتها .
(3) سورة الإسراء17 : 26 .
(4) شرح معاني الآثار 7/49 ، مسند أبي يعلي 2/344 ، 354 .
صفحه 299
عليّ بن أبي طالب لفاطمة بالنحلة وإلاّ فإنّ يهود خيبر على لؤمهم وإنّ عليّاً دمّرهم لينزّهونه عن شهادة الزور ، وبهذا أيضاً لا بسواه استنوق الجمل فاعتبر ذات اليد متصرّفة مدّعية فطالبها بالبيّنة ، إنّما هي عليه ، الأمر الذي علمنا دبّر بليل»(1) .
وقد علّق ابن كثير على هذه الحادثة بقوله : «واحتاج عليّ أن يراعي خاطرها بعض الشيء»(2) ، وهذا ما أكّده محمود أبو ريّة بقوله : «بقي أمر لابدّ أن نقول كلمة صريحة : ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة (رضي الله عنها) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وما فعل معها في ميراث أبيها ، لأنّها إذا سلّمنا بأنّ خبر الآحاد الظنّي يخصّص الكتاب القطعي ، وأنّه قد تبيّن أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد قال : إنّه لا يورث ، وأنّه لا تخصيص في عموم هذا الخبر ، فإنّ أبا بكر كان سعيه أن يعطي فاطمة (رضي الله عنها) بعض تركة أبيها(صلى الله عليه وآله) كأن يخصّها بفدك ، وهذا من حقّه الذي لا يعارضه فيه أحد ، إذ يجوز للخليفة أن يخصّ من شاء بما شاء . . . . وقد خصّ هو نفسه الزبير بن العوّام ـ وكان صهره على أسماء أمّ عبد الله ـ ومحمّد بن سلمة وغيرهما ببعض متروكات النبىّ(صلى الله عليه وآله) ، على أنّ فدكاً التي منعها أبو بكر لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان»(3) .
لذا كان على الخليفة الأوّل كما أشار السيّد شرف الدين : «أن يتّخذ طريق الحكمة في معالجة هذا الموضع ، ولو فعل ذلك لكان أحمد في العقبى ، وأبعد عن مظانّ الندم ، وأنأى عن مواقف اللوم ، وأجمع لشمل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16/283 ، النصّ والاجتهاد :117 ـ 118 .
(2) البداية و النهاية 5/249 .
(3) مجلّة الرسالة المصرية العدد(518) السنة الحادية عشر ص457 .
صفحه 300
الأمّة ، وأهل له بالخصوص»(1) .
إلاّ أنّ هذا الأمر كان مرتبطاً ارتباطاً كلّيّاً بمقدّرات الخلافة والحكم وفي حالة الإقرار بأمر سينتهي به الحال إلى فقدان الكلّ كما عبّر عنه أستاذ ابن أبي الحديد ، ولم يقف الحال عند هذا فحسب بل ترتّب عليه تركات وعواقب وخيمة متمثّلة بانقسام المسلمين إلى فئات ومذاهب وما تمخّض عنه من صراعات فكرية وعقائدية لا تنتهي إلى يوم القيامة .
وعند قراءتنا لمسيرة الأحداث بعد ذلك نرى عمق الخلاف الذي أصبح بين الزهراء(عليها السلام) والخليفة ، حيث تشير الروايات بدقّة إلى ما سار إليه الأمر وما نجم عنه : «فغضبت بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت»(2) .
وفي رواية أخرى قالت للشيخين : «لا أكلّمهما أبداً فماتت ولا تكلّمهما»(3) .
ولم يقف الأمر عند هذا فحسب بل إنّها أوصت الإمام علىّ(عليه السلام) قبيل وفاتها أن يدفنها ليلاً وأن لا يحضرها الشيخين ، حيث ذكر أنّها : «دفنت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليلاً ولم يشعر أبو بكر حتّى دفنت وصلّى عليها علىّ»(4) ، وعلّل ذلك ابن حجر أنّه : «كان ذلك بوصيّة منها»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النصّ والاجتهاد : 112 .
(2) مسند ابن حنبل 1/6 ، صحيح مسلم 3/1380 ، سنن البيهقي 6/300 ، صحيح ابن حبّان 11/315 ، مسند أبي عوانة 4/251 ، مصنّف عبد الرزاق 5/472 ، الطبقات لابن سعد 2/153 ، تاريخ الطبري 2/236 .
(3) سنن الترمذي 4/157 ، علل الترمذي 1/265 .
(4) صحيح البخاري 4/1549 ، صحيح مسلم 3/1380 ، صحيح ابن حبّان 11/153 ، مسند أبي عوانة 4/251 ، مصنّف عبد الرزاق 5/472 ، كشف الخفاء 1/112 .
(5) فتح الباري 7/464 .

صفحه 301
وفي رواية عن عائشة : «فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئاً ، واستأثر لبيت المال لكلّ ما تركه النبىّ(صلى الله عليه وآله) من بلغة العيش لا يبقي ولا يذر شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت وعاشت بعد النبيّ ستّة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبو بكر . . . .»(1) .
وهذا أمر بديهيّ ولا يحتاج إلى تعليق أو تبيان ، لأنّ دفن الليل وعدم حضور الشيخين دليل على أنّها ماتت وهي غضبى عليهما ـ انظر حديث الرسول(صلى الله عليه وآله) ـ .
ثانياً : ومن الأمور الأخرى التي لم تزل مثار جدل ونقاش بين المسلمين حول مدى صحّة الأقوال التي ذكرت هجوم القوم ـ ممثّلاً بالخليفة الثاني ومن جاء معه ـ على بيت فاطمة(عليها السلام) وحجّته .
فقد ذهب عدد غير قليل من المصادر إلى أنّ بيت الزهراء كشف وذلك بناءً على ما ذكره الخليفة الأوّل على نفسه في الساعات الأخيرة من حياته ، حيث قال : «أما إنّي لا آسي على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهنّ ووددت أني لم أفعلهن ، وثلاث لم أفعلهنّ وددت أني فعلتهنّ ، وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) عنهنّ ، فأمّا الثلاث التي لم أفعلهنّ ، أنّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وأن أغلق على الحرب ، وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة قدّمت الأمر في عنق أحد الرجلين أبو عبيدة أو عمر»(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 4/1549 ، صحيح ابن حبّان 11/153 ، البداية والنهاية 5/285 ـ 286 .
(2) الأحاديث المختارة 1/89 ، مجمع الزوائد 5/203 ، المعجم الكبير 1/62 ، تاريخ الطبري 2/353 ، تاريخ اليعقوبي 2/137 .
صفحه 302
وأشارت مصادر أخرى إلى مهاجمة بيت الزهراء(عليها السلام) بعد أن أمتنع الإمام وعدد من المهاجرين عن المبايعة ، حيث ذكروا أنّه أراد أن يحرق عليهم البيت(1) ، بينما يذكر الطبري : «أتى عمر منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال والله لأحرّقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة»(2) ، بينما يذكر ابن قتيبة : «أنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليٍّ (كرّم الله وجهه) ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ : فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده ، لتخرجنّ أو لأحرّقنّها على من فيها ، فقيل له يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة؟ فقال وإن . . .»(3) .
ولم تقف الروايات عند هذه المأساة فحسب ، بل ذكرت أنّ الزهراء(عليها السلام) قد تعرّضت إلى الضرب(4) ، وأكّدت بعضها على مهاجمتهم البيت وإسقاط جنينها المحسن(5) .
وبناءً على ما تقدّم هناك سائل يسأل : هل كان فعل الخليفة الأوّل والثاني يتناسب مع حبيبة المصطفى(صلى الله عليه وآله)؟ . . . وهل سرّ قلب الرسول(صلى الله عليه وآله)والزهراء(عليها السلام) . . . .
ولكن لا أقول أكثر ممّا قالته مولاتنا فاطمة الزهراء(عليها السلام) : «فنعم الحكم الله والزعيم محمّد(صلى الله عليه وآله) والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ولكلّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصنّف ابن أبي شيبة 7/432 ، تاريخ الطبري 2 / 233 .
(2) تأريخ الطبري 2/233 .
(3) الإمامة والسياسة : 19 .
(4) المغني لعبد الجبّار 20/ق1/ص335 ، الملل والنحل 1/57 ، الفرق بين الفرق : 148 ، الخطط 2/346 ، الوافي بالوفيات 6/17 ، أعلام النساء 4/124 .
(5) الملل والنحل 1/57 ، الوافي بالوفيات 6/17 ، سير أعلام النبلاء 15/578 .
صفحه 303
نبأ مستقرّ» .
وتحاول اليوم بعض الأقلام المأجورة برفض هذه الروايات وإطلاق دعوات معروفة أغراضها وأهدافها ومن يختفي وراءها ويساندها ، ولكن (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ)(1) .
والله من وراء القصد .
المخطوطة :
لقد انكبَّ علماء المسلمين ـ خاصّة الشيعة ـ من المتقدّمين المتأخّرين في رفد المكتبة العربية الإسلامية بدراسات تناولت الأحداث الجسام التي تعرّض لها المسلمون بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) وخاصّة في ظلامة الزهراء(عليها السلام) سواء أكان ذلك بدراسات فردية حملت المضمون نفسه ، أم بدراسات عامّة شملت مسيرة هذه الأحداث وتفاقماتها .
والشيء الذي يقال هنا أنّ هذه الدراسات لم تزل حتّى وقتنا الحاضر بين أخذ وردّ واطروحات جديدة وكأنّ غليل الكتّاب لم يشفَ لعظيم فداحة هذه الحادثة من جهة ، وما ترتّب عليها بعد ذلك من حزازات وانقسامات بين المسلمين من جهة أخرى .
وعليه وظّف مؤلّفنا السيّد هادي الصائغ كافّة قدراته العلمية وسخّرها خدمةً لهذا الموضوع ، حيث شرع بوضع مؤلّفه الذي بين أيدينا (الدرّة البيضاء في شرح خطبة فاطمة الزهراء)(عليها السلام) ليسجّل اسمه في قائمة المؤلّفين الذين كتبوا في هذا المجال ولم تفتهم الفرصة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء 26 : 227 .

صفحه 304
وذكر لنا العلاّمة الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة نفس العنوان المتقدّم كتب فيه مؤلّفون آخرون ، منهم السيّد محمّد تقي بن السيّد إسحاق القمّي المتوفّى 1244هـ وعنوان كتابه (الدرّة البيضاء في شرح خطبة فاطمة الزهراء)(1) .
وكتب آخرون في شمولية أكثر عن حياة الصديقة الطاهرة(عليها السلام) منهم جمال الدين محمّد بن الحسين الواعظ اليزدي الحائري وعنوان كتابه (الدرّة البيضاء في أحوال فاطمة الزهراء)(2) ، وكذلك الشيخ ميرزا نجم الدين جعفر ابن مولانا الميرزا محمّد الطهراني العسكري ، وعنوان كتابه (الدرّة البيضاء في تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء)(3) .
ومن يحاول التتبّع والتقصّي فيمن كتبوا عن حياة الزهراء في معاجم الكتب سيجد مئات المؤلّفات في هذا المضمون .
وتعتبر هذه المخطوطة التي بين أيدينا من المخطوطات المهمّة التي ضمّتها مكتبة الحكيم العامّة في النجف الأشرف ، والشيء الذي يذكر هنا أنّه لم ينشر للسيّد هادي الصائغ من مؤلّفاته سوى رسالته العملية المسمّاة (هداية المسترشدين إلى معرفة أحكام الدين) من بين أكثر من (150) كتاباً ولا نعرف الأسباب التي دعت مؤلّفنا دون نشر كتبه .
والمخطوطة مقروءة بخطّها الجميل الواضح وبلغة بسيطة يسهل على الجميع فهم فحواها ، ثرية في مواضيعها وأطروحاتها ، ومن يقرأها سيجد أنّ السيّد كان محايدا جدّاً في نقاشاته ، ويبذل أقصى جهوده في سبيل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة 8/93 .
(2) الذريعة 8/93 .
(3) الذريعة 8/93 .

صفحه 305
توضيح ما خفي على القارئ من النواحي اللغوية والعقائدية ، أضف إلى ذلك طرح الفكرة بأسلوب جميل ومبسّط ، فنجده في البداية يعرض الخطبة كاملة ، ثمّ بعد ذلك يقتطع فقرات ليشرع بشرحها كمنهج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة .
ولا شكّ أنّ كلّ عمل لا يخلو من سلبيّات ونواقص إلاّ أنّ الهدف العام والمتوخّى من هذا الكتاب قد أدّى غرضه بجميع أشكاله .
وذكر المؤلّف في نهاية المخطوطة بأنّه أنجز هذا السِّفر في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر صفر المظفّر من سنة ألف والثلاثمائة والأربعة والعشرين من الهجرة النبوية ، وقدّم له العلاّمة الشيخ أحمد بن الشيخ علي كاشف الغطاء بعد قراءته لها .
منهجنا في التحقيق :
لقد وردت خطبة فاطمة الزهراء(عليها السلام) في أكثر من مصدر ، واعتمد السيّد هادي الصائغ على كتاب الدرّة النجفية للشيخ يوسف البحراني الذي اعتمد بدوره حسبما ذكره على كتاب شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد مع العلم أنّ ابن أبي الحديد لم يذكر الخطبة كاملة .
واختلفت ألفاظ الخطبة من مصدر لآخر من حيث النقصان أو الزيادة أو اختلاف اللفظ إلا أنّها لاتفقد المعنى العامّ الذي نشدته الصديقة الطاهرة(عليها السلام) .
لذا عند مطابقة الخطبة بما جاء في المصادر لم يكن هناك اختلاف كثير ، لأنّ الروايات كما ذكرنا هي مختلفة في الأصل فلا شكّ أن يحدث هناك اختلاف بالعبارات المنقولة ، على الرغم من أنّا أشرنا في الهامش إلى
صفحه 306
بعض هذه الاختلافات .
و كانت موارد السيّد هادي في مؤلّفه هذا متعدّدة وذلك لشمولية الخطبة من جهة وتعدّد أغراضها من جهة أخرى .
لذا كانت مهمّتنا في هذا الجانب ليست يسيرة حيث حاولنا بقدر المستطاع الرجوع إلى كتب اللغة والعقائد والأدب والفقه والحديث والتاريخ ، كلاًّ حسبما يستوجبه الموضوع المطروح .
إضافة إلى ذلك علّقنا على بعض الأمور التي قد لا نتّفق فيها مع المؤلّف ، وكذلك شاركناه في بعض آرائه ووضعنا أدلّةً تسند حجّة المؤلّف دون المسّ بالمضمون العامّ لخطّة الكتاب .
وفي الختام أوجّه شكري وتقديري ودعائي إلى كلّ من أعانني في هذا الموضوع لاسيّما الأخ العزيز مدير مكتبة الإمام الحكيم العامّة في النجف الأشرف السيّد جواد الحكيم وقسم المخطوطات والمطبوعات وفّقهم الله لما يحبّ ويرضى في خدمة العلم وأهله وإلى جميع من قدّم لي وجه المساعدة ومن الله التوفيق .

المحقّق
1 صفر 1423هـ

صفحه 307
المؤلّف في سطور :
أوّلاً : حياته
اسمه ـ نسبه ـ ولادته ـ نشأته :
هو السيّد هادي بن حسين الصائغ بن جواد بن مهدي الكاتب بن حسين الموسوي الحسيني(1) ، البحراني الأصل(2) ، المعروف من جهة أبيه بالصائغ لامتهانه الصياغة ، ومن جهة جدّه لأبيه بالكاتب لاشتهاره بجودة الخطّ والكتابة(3) .
وكان السيّد رحمه الله ينتهي إلى النسب العلوي من جهة الأب والأمّ ، فمن جهة الأب حسينيّ ، ومن جهة الأم موسويّ غريفي(4) .
والشيء الذي يقال هنا ويثير الألم في النفس هو عند مراجعتنا كتب التراجم والرجال لم نجد له أي ترجمة ، وإن ذكرته بعض المصادر إشارة لبعض من تتلمذ على يده ، ولا نعرف السبب وراء إغفال المصادر ذكره ، وما سجّله لنا فقط الشيخ أغا بزرك في الذريعة ومصفى المقال والباحث جواد عبد الكاظم محسن في مؤلّفه الموسوم (العلاّمة الزاهد السيّد هادي الصائغ) .
ومن المحتمل أنّ إغفال أصحاب التراجم عن ذكره كان بسبب هجرته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصفى المقال :489 ، الذريعة 23/54 ، العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 15 ، مجموعة مخطوطات الفتلاوي ، معجم المؤلّفين 7/13 ، معجم مصنّفي الكتب العربية : 657 .
(2) الذريعة 23/54 ، مصفى المقال : 489 .
(3) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 15 .
(4) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 15 .

صفحه 308
من النجف إلى المسيّب إلاّ أنّ هذا لا يعدّ سبباً وجيهاً لأنّه يعدّ من الأعلام الكبار ممّن لا يغفل ذكره .
ولد (رحمه الله) في النجف الأشرف عام 1302هـ(1) ، ونشأ حياة كريمة في كنف والده السيّد حسين الذي كان يعمل آنذاك في مهنة الصياغة ، ويبدو أنّ والده حرص منذ البداية أن ينحى ولده منحى آخر غير مهنة أبيه وكما هو متعارف . ومن المحتمل أنّه وجد في ولده حبّ طلب العلم ، لذا حرص أن ينشأه نشأة علمية في وقت كانت النجف الأشرف غاصّة بالعلماء والمتعلّمين الذين كانوا يفدون إليها من مختلف أنحاء العالم الإسلامي للانتهال من علومها والتتلمذ على منابرها و ليومنا هذا .
ثانياً : حياته العلمية
أ ـ أساتذته ـ تلامذته :
لم تذكر لنا كتب الرجال ـ كما ذكرنا مسبقاً ـ تفاصيل عن بدايات مشواره العلمي ، ومن هم أهمّ أساتذته الذين تلقّى على أيديهم المعرفة ، ولم يسجّل لنا السيّد كذلك عن نفسه في كرّاس يجمع فيه بعض التفاصيل المهمّة من حياته .
ولا شكّ أنّ بدايات مشواره العلمي كما هو متعارف لدى طلاّب الحوزة العلمية يبدأ بدراسة المقدّمات ومن ثمّ السطوح حتّى يتهيّأ لدراسة البحث الخارج الذي يعتبر أعلى مراتب الدراسة في الحوزة ، وذكر من ترجمه أنّه حضر البحث الخارج عند العديد من العلماء والمراجع الكبار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة 18/81 ، مصفى المقال : 489 ، العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 16 .
صفحه 309
مثل الشيخ قاسم القسّام والسيّد أبو الحسن الأصفهاني ، وتخرج عالماً فاضلاً ، فقيهاً ، أديباً(1) ، وعدّ بعد ذلك من الأعلام المرموقين في مدينة النجف الأشرف .
وكان له من القابليّات العلمية في مختلف المستويات ، لذا حرص عدد غير قليل من طلبة العلم لحضور درسه ، والنهل من علومه ، حيث تخرّج على يديه عدد من الأفاضل الذين نبغوا بعد ذلك وذاع صيتهم ، منهم العلامة السيّد محمّد تقي بحر العلوم الذي قصده في أواخر العقد الثاني من عمره لدراسة كتاب شرح اللمعة الدمشقية(2) ، والسيّد ضياء بحر العلوم(3) ، والشيخ الجليل قاسم حرج(4) ، والشيخ عبد الحسن القرملي(5) ، والشيخ موسى كاشف الغطاء الذي قرأ على يديه كتاب المنطق والبيان(6) ، والشيخ محمّد حسين سميسم(7) ، والشيخ كاظم السوداني الذي درس عنده الفقه(8) ، والشيخ موسى آل نجف الذي درس عنده كتاب المعالم(9) ، والسيّد محمّد جواد الغريفي(10) ، والشيخ عبد الهادي الدجيلي(11) ، والسيّد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 16 .
(2) رجال بحر العلوم : 166 .
(3) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 17 .
(4) شعراء الغريّ 7/73 .
(5) ماضي النجف وحاضرها 3/70 .
(6) ماضي النجف وحاضرها 3/205 .
(7) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 17 .
(8) ماضي النجف وحاضرها 3/440 .
(9) خطباء المنبر الحسيني 1/109 .
(10) مجموعة مخطوطات الفتلاوي .
(11) السيّد هادي الصائغ : 17 .
صفحه 310
صادق الهندي(1) .
ولم تستمر حياة السيّد هادي الصائغ العلمية على هذا المنوال لأنه قد وقع عند رغبة المرجع السيّد أبو الحسن الأصفهاني ليكون أحد وكلائه في مدينة المسيّب عام 1349هـ(2) ، وبذلك يكون قد أنهى فترة مهمّة من حياته في هذه المدينة ، لتأخذ مسيرته جانباً آخر كانت تحتاجه هذه المدينة من الوعظ والإرشاد وتبصرة الناس على المسائل الدينية .
واستطاع وخلال بقائه في هذه المدينة بتأسيس حسينية واقعة في وسط المدينة ليتّخذها مركزاً له ولتصبح موضع اجتماع المتعلّمين والمسترشدين لأحكام الدين وفيها تقام المآتم الحسينية والمواكب العزائية . وكان تأسيس هذه الحسينية عام 1365هـ وكتب فوق بابها من الخارج من الحجر الكاشاني هذان البيتان وفيهما تاريخ البناء(3) .
خير دار على الهدى أسّستها *** كفّ هادي الورى بأمضى العزائم
فأزدهرت بالحسن مذ أرّخوا *** أيّ دار تقام فيها المآتم
وأعدّ لها السيّد مخصّصات تقوم لحاجتها الوقتية .
ولم تكن مدّة بقائه في هذه المدينة بمعزل عن تواصله ونشاطه العلمي ، فقد كانت في بيته حجرة ممتلئة بالكتب المتنوّعة ، وقد اتّخذها ملاذاً لراحته ونشاطاته العلمية واستقبال ضيوفه من الخاصّة والعامّة . وقد زاره خلال مدّة بقائه هناك وفد من علماء جامع الأزهر بمصر عام 1371هـ ، وقد اطّلعوا على مخطوطة كتاب فقهي له عن (الطهارة) فرغبوا في زيارته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السيّد هادي الصائغ : 17 .
(2) السفر المطيّب : 66 .
(3) السفر المطيّب : 55 .

صفحه 311
ومناقشته بمضامينه(1) .
وبعد وفاة السيّد أبو الحسن الأصفهاني عام 1365هـ ، وانتقال المرجعية إلى السيّد محسن الحكيم الذي كان يحتفظ للسيّد بمنزلة خاصّة في نفسه فأقرّه على وكالته في المدينة(2) .
وحظي السيّد هادي الصائغ وخلال مدّة مكوثه في مدينة المسيّب بمكانة جليلة في نفوس أهاليها وذلك نظراً لما لمس فيه من الأخلاق السامية وصدق الكلمة والتواضع والميل الشديد إلى الطبقات الفقيرة ، وظلّ اسمه يتردّد في أنحائها وفضله يعبق في مجالسها إلى يومنا هذا .
ب ـ مؤلّفاته :
صنّف السيّد هادي الصائغ عدداً غير قليل من المؤلّفات في شتّى صنوف العلم والمعرفة ، وذلك لما كان يتمتّع به من قابليّات علمية كبيرة ، فقد نعتته المصادر بمختلف النعوت العلمية ، حسب ما قال عنه السيد محسن الأمين أنّه : «من أفاضل العلماء»(3) ، وقال عنه الشيخ علي قسّام : «كان من المدرّسين ، من الأفاضل ، رجال الدين ، وقد تخرّج عليه جملة من الأفاضل والمجتهدين والمعترف بفضيلته»(4) ، وأطلق عليه كذلك لقب (العلاّمة)(5) ، لتنوّع معارفه وعلومه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 22 .
(2) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 22 .
(3) السيّد محسن الأمين : 56 .
(4) السفر المطيّب : 66 .
(5) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 17 .

صفحه 312
والشيء الذي يقال هنا أنّه لم يرَ النور من كتبه سوى كتاب (هداية المسترشدين إلى معرفة أحكام الدين) المطبوع في بغداد عام 1368هـ ، وألفّ هذا الكتاب حسبما ذكر : «بناءً على مسألة بعض الأخوان إملاء رسالة تشتمل على ما تعمّ به البلوى وتمسّ الحاجة إليه من أحكام العبادات فعزمت على ذلك كلّه متوكّلاً على الله فيما هنالك سائلاً منه الإمداد بإعانته والإسعاد على طاعته والإرشاد في بدء الأمر وخاتمته وراجياً منه أن يوفّقني لإتمامها ويجعلها خالصاً لوجهه الكريم . . . . .)(1) .
وقد عدّت مؤلّفاته أكثر من مائة وخمسين كتاباً أو رسالة(2) ، إلاّ أنّ معظم هذه الكتب قد تفرّقت بعد وفاته لأنّه لم يترك عقب يتولّى شؤونها وكانت كلّها مخطوطة ، وعرضت في سوق الكتب المقام يوم الخميس من كلّ أسبوع في النجف الأشرف وبيعت ، وانتقلت إلى العلاّمة السيّد مهدي الخرسان ومنه إلى دار المخطوطات العراقية ببغداد والتي لا يوجد فيها أيّ أثر لذكر المؤلّف في فهارسها(3) .
إلاّ أنّ الشيخ أغا بزرك الطهراني في سفره الجليل الذريعة حفظ لنا أسماء عدد من تلك المخطوطات ، وأشار الشيخ أغا بزرك إلى أنّ للسيّد هادي فهرسة في كتبه(4) ومن المحتمل أنّه حصل عليها عن طريقه لضمّها في كتابه الذريعة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هداية المسترشدين : 2 .
(2) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 26 .
(3) العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 26ـ27 .
(4) الذريعة 11/7 .

صفحه 313
ومن أهمّ ما ذكر من مؤلّفاته(1) :
1 ـ رسالة أربعين حديثاً في ثلاثة عناوين لكلّ عنوان أربعون حديثاً وعبّر عنها بالأربعينات الثلاثة .
2 ـ رسالة الأسرار الملكوتية في فضل الصلوات المحمّدية .
3 ـ رسالة في الإعجاز .
4 ـ أحسن الغنائم في شرح شواهد ابن الناظم .
5 ـ الأنوار المضيئة في شرح المقصورة الدردية .
6 ـ باب الأبواب إلى معرفة الأعراب (أرجوزة) .
7 ـ البغية أرجوزة في الضوابط الفقهية وتقع فيما يقرب من ستمائة بيت .
8 ـ الدرّة البيضاء في شرح خطبة فاطمة الزهراء ، وهي الآن بين يديك .
9 ـ الدرّة وهي أرجوزة في الضوابط الفقهية .
10 ـ شرح على الخطبة الشقشقية .
11 ـ شروحات وتعليقات على متن كتب باللغة الفارسية .
12 ـ عمدة الأعمال وخير المقال في الأدعية .
13 ـ الكشكول ذكر أنّه حوالي ثلث كشكول البهائي .
14 ـ مشكاة الأنوار في توحيد القادر المختار وسائر الأصول في خمسة أجزاء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) للمزيد من المعلومات أنظر : الذريعة 7/94 ، 11/53 ، 15 / 335 ، 18/81 ، 21/56 ، 117 ، 408 ، 23/54 ، 65 ، 24/64 ، 221 ، مصفى المقال : 489 ، العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 27 ، مجموعة مخطوطات الفتلاوي .

صفحه 314
15 ـ مصباح الليل في شرح دعاء كميل .
16 ـ المقالة الكافية في تعيين الفرقة الناجية .
17 ـ منظومة في المنطق .
18 ـ نظم قطر الندى .
19 ـ النخبة ، وهي أرجوزة في الرجال في ألفي وخمسمائة بيت .
وله شعر كثير صرف أغلبه في نظم الأراجيز العلمية كما رأينا في مؤلّفاته المخطوطة ، وكذلك في مدح ورثاء أهل البيت(عليهم السلام) .
ثالثاً : وفاته
وافاه الأجل بالمسيّب يوم الثلاثاء 21 محرّم سنة 1377هـ(1) ، وشيّع تشييعاً مهيباً ، ونقل جثمانه الطاهر إلى مدينة النجف الأشرف مسقط رأسه ، ودفن في الصحن الحيدري الشريف في جانب القبلة من جهة المشرق .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السفر المطيّب : 67 ، العلاّمة السيّد هادي الصائغ : 28 ، وقد ذكر العلامة آقا بزرك الطهراني سنة وفاة السيّد هادي 1376هـ وهذا غير صحيح الذريعة 18/81 .

صفحه 315

صورة الصفحة الأولى من المخطوطة
صفحه 316
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة
صفحه 317
صورة التقريظ من المخطوطة
صفحه 318
تقريظ بقلم آية الله العظمى
الشيخ أحمد كاشف الغطاء (قدس سره)
أخصّك يا إلهي بالحمد والثناء وأصلّي على نبيّك محمّد سيّد الأنبياء وآله البررة الأتقياء .
وبعد فقد تربّع طرفي من هذه الرسالة في روضة ممطورة ولئالي منثورة ، فرأيت حديقة زهر وحقيبة درٍّ وماء زلالاً وسحراً حلالاً وفصولاً يحسد الخاطر الناظر إذ رآها ويحسد الناظر الخاطر إذا تروّاها ، قد قيّد فيها جوامح المعاني فذلّل صعابها وأوضح مشكلات المباني فأزال نقالها بتراكيب فائقة وأساليب رائقة ، وأن أعظّم أليّتي على مؤلّفها وألزم وصيّتي لمرصّفها أن لا يألو جهداً في طلب العلم ليله ونهاره ويجعل الجدّ والسّعي في ذلك دثاره وشعاره مع المحافظة على تقوى الله التي هي الحصن الرّفيع والكهف المنيع ، وأن لا ينساني من صالح دعواته في خلوائه وجلوائه ، فإنّي أرجو والثقة بالله أن يسعد به كما أسعده ويرشد به كما أرشده والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .
حرّره الأحقر أحمد بن عليّ بن محمّد رضا بن موسى بن جعفر
كاشف الغطاء طيّب الله رمسه .
1324 هجرية يوم 20 ربيع الأوّل
صفحه 319
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .
وبعد ، فيقول العبد الأحقر هادي بن السيّد حسين الحسيني : أنّه قد التمس منّي بعض إخواني المؤمنين أن أشرح خطبة سيّدتنا وسيّدة نساء العالمين شرحاً يوضّح مشكلها ويحلّ معضلها ، وأن أضيف إلى ذلك من أخبار أهل البيت(عليهم السلام) ما يناسب المقام ، فأجبته إلى ذلك راجياً من الله حسن الثواب يوم الحساب وسمّيته بـ : الدرّة البيضاء في شرح خطبة الزهراء(عليها السلام) ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب .
في ذكر سند الخطبة وذكر مَن ذكرها
اعلم أسعدك الله تعالى أنّ هذه الخطبة قد رواها جماعة من الخاصّة والعامّة كشيخنا الطبرسي(رحمه الله) في كتاب الإحتجاج(1) ، وعليّ بن عيسى الإربلي(رحمه الله) في كشف الغمّة(2) ، والشيخ يوسف البحراني في الدرّة النجفية(3) ، وذكر جملة منها شيخنا الصدوق (عليه الرحمة) في كتاب من لا يحضره الفقيه(4) ، كتاب العلل(5) ، والسبط بن الجوزي في تذكرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإحتجاج للطبرسي 1/97 ـ 108 .
(2) كشف الغمّة 1/48 .
(3) الدرّة النجفية : 271 ـ 272 .
(4) من لا يحضره الفقيه 3/567 .
(5) علل الشرائع 1/248 .

صفحه 320
الخواص(1) عن الشعبي ومحمّد بن عمران المرزباني ، والشيخ أسعد بن سقروه في كتاب الفائق عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بسنده إلى الزهري عن عروة عن عائشة نقلاً عنهما ، وابن أبي الحديد في شرح النهج(2) .
وقد وقع الاختلاف الكثير في متنها ونحن ننقلها برواية الدرّة النجفية(3) عن ابن أبي الحديد في شرح النهج عن كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، قال ابن أبي الحديد : «وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدّث كثير الأدب ثقة ورع أثنى عليه المحدّثون ورووا عنه مصنّفاته»(4) .
قال أبو بكر : حدّثني محمّد بن زكريّا قال : حدّثني جعفر بن محمّد ابن عمارة الكندي قال : حدّثني أبي عن الحسين بن صالح بن حيّ قال : حدّثني رجلان من بني هاشم عن زينب بنت علىّ(عليها السلام) بن أبي طالب .
قال : وقال جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه .
قال أبو بكر : وحدّثني عثمان بن عمران العجيفي عن نائل بن نجيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكر جزء من هذه الخطبة ، أنظر : تذكرة الخواص : 317 ـ 318 .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16/211 ـ 213 ، والخطبة التي رواها ليست كاملة وقد أشار إلى ذلك بقوله : «وذكر خطبة طويلة جيّدة قالت في آخرها» .
(3) من المحتمل أنّ الشيخ يوسف البحراني لم يعتمد بصورة كاملة على ما ذكره ابن أبي الحديد لأنّ كما ذكرنا آنفاً أنّ الخطبة التي ذكرها ليست كاملة. وهناك مصادر أخرى ذكرت هذه الخطبة منهم ابن طيفور صاحب كتاب بلاغات النساء الذي يعدّ من المتقدّمين لأنّ سنة وفاته عام (204هـ): ص26 ـ 31، وهو يعدّ من أقدم المصادر لهذه الخطبة والطبري صاحب كتاب دلائل الإمامة: ص 30 ـ 36.
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 / 210 .
صفحه 321
ابن عمر بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمّد بن علىّ(عليه السلام) .
قال أبو بكر : وحدّثني أحمد بن محمّد بن يزيد عن عبد الله بن محمّد بن سليمان عن أبيه عن عبد الله بن حسن بن الحسن قالوا جميعاً :
لمّا بلغ فاطمة(عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار فضرب بينهم وبينها ريطة بيضاء قبطية ثمّ أنّتْ أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء ثمّ أمهلت طويلاً حتّى سكنوا من فورهم ثمّ قالت :
ابتدىء بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد ، الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر بما ألهم ، والثناء بما قدّم ، من عموم نعم ابتدأها ، وسبوغ الآء(1) أسداها ، وتمام منن والاها ، جمّ عن الإحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء أمدها ، وتفاوت عن الإدراك أبدها ، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها ، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها ، وثنى بالندب إلى أمثالها ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك (له)(2)كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وأنار في الفكر معقولها ، الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها ، كوّنها بقدرته ، وذرأها بمشيئته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلاّ تثبيتاً لحكمته ، وتنبيهاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وردت في نسخة المخطوطة (الالاء) والصواب ما ذكر في المتن أنظر ورقة رقم (2) .
(2) سقطت هذه الكلمة من نصّ نسخة المخطوطة ورقة رقم (1) .
صفحه 322
على طاعته ، وإظهاراً لقدرته ، وتعبّداً لبريّته ، وإعزازاً لدعوته ، ثمّ جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، زيادة لعباده من نقمته ، وحياشة لهم إلى جنّته ، وأشهد أنّ أبي محمّداً عبده ورسوله اختاره قبل أن يجتبله واصطفاه قبل أن يبتعثه(1) ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة ، علماً من الله بمآل الأمور ، وأحاطه بحوادث الدهور ، ومعرفة منه بمواقع المقدور ابتعثه إتماماً لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذاً لمقادير رحمته ، فرأى الأمم فرقاً في أديانها ، عابدة لأوثانها ، عكفاً على نيرانها ، منكرة لله مع عرفانها ، فأنار الله بأبي ظلمها ، وفرّج عن القلوب بهمها ، وجلا عن الأبصار غممها ، وقام في الناس بالهداية ، وأنقذهم من الغواية ، وبصّرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم ، ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار بمحمّد(صلى الله عليه وآله) عن تعب هذه الدار(2) ، موضوعاً عنه أعباء الأوزار ، محفوفاً بالملائكة ورضوان الربّ الغفّار ، وجوار الملك الجبّار ، فصلّى الله على أبي نبيّه ، وأمينه بالوحي وخيرته في الخلق ورضيّه ، ورحمة الله وبركاته .
ثمّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت :
وأنتم عباد الله نصب أمره ونهيه ، وحملة كتاب الله ووحيه ، وأمناء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وردت عن الطبرسي العبارات السابقة هكذا : «اختاره قبل أن أرسله وسمّاه قبل أن اجتباه واصطفاه قبل أن ابتعثه» ، الإحتجاج 1/98 .
(2) الأصوب كما ورد عند الطبرسي : «فمحمّد من تعب هذه الدار» الإحتجاج 1/99 .
صفحه 323
الله على أنفسكم ، وبلغائه إلى الأمم حولكم ، لله فيكم عهد قدمه إليكم ، وبقية استخلفها عليكم ، كتاب الله بيّنة بصائره ، منكشفة سرائره متجلّية ظواهره(1) ، قائد إلى الرضوان أتباعه ، ومؤدٍّ إلى النجاة استماعه ، فيه بيان حجج الله النيرة ، ومواعظه المكرّرة ، ومحارمه المحذورة ، وأحكامه الكافية ، وبيّناته الجالية ، وجمله الشافية ، وشرائحه المكتوبة ، ورخصه الموهوبة ، ففرض الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً لكم من الكبر ، والزكاة تزييداً لكم في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحجّ تشييداً للدين ، والعدل تنسّكاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للإسلام ، والصبر معونة على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة ، والبرّ بالوالدين وقاية من السخط ، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدل ، والقصاص حقناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكائيل والموازين تغييراً للبخسة واجتناب قذف المحصنات حجاباً من اللعنة ، والانتهاء عن شرب الخمور تنزيهاً من الرجس ، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفّة ، والتنزّه عن أكل أموال الأيتام والاستيثار بفيئهم إجارة من الظلم ، والعدل في الأحكام إيناساً للرعية ، والتبرّي من صفة الشرك إخلاصاً له للربوبيته ، فاتّقوا الله حقّ تقاته ، وأطيعوا فيما أمركم به ، فإنّما (يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وردت عند الطبرسي هذه العبارة هكذا : «استخلفها عليكم كتاب الله الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع والضياء اللامع بنية بصائره منكشفة سرائره منجلية ظواهره» ، الإحتجاج 1/99 .

صفحه 324
الْعُلَماءُ)(1) ، فاحمدوا الله الذي بعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة ، ونحن وسيلته في خلقه ، ونحن خاصّته ومحلّ قدسه ، ونحن حجّته في غيبته ، ونحن ورثة أنبيائه .
ثمّ قالت :
أنا فاطمة بنت محمّد(صلى الله عليه وآله) أقول عوداً على بدء ، وما أقول ذلك سرفاً ولا شططاً ، فاسمعوا إليّ بأسماع واعية وقلوب راعية ، (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(2) ، فإنْ تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ، فبلّغ الرسالة ، صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن سنن المشركين ، آخذاً بأكظامهم ، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يهشم الأصنام ، ويفلق الهام ، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، حتّى تعرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحقّ عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وتمّت كلمة الإخلاص ، وكنتم على شفا حفرة من النار نهزة الطامع ، ومذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق وتقتاتون الورق ، أذلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم ، حتّى أنقذكم الله برسوله بعد اللتيّا والتي ، وبعد أن مُنِي بُهَمُ الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلّما أوقدوا للحرب ناراً أطفأها الله ، أو نجم قرن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة فاطر 35 : 28 .
(2) سورة التوبة 9 : 128 .

صفحه 325
للشيطان ، أو فغرت فاغرة للمشركين قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، ويطفئ عادية لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، وأنتم في رفاهية آمنون فاكهون وادعون ، حتّى إذا اختار الله لنبيّه دار الأنبياء ، ظهرت حسيكة النفاق وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فنيق المبطلين ، يخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم ، فدعاكم وألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ، فهيهات وأنّى بكم وكيف تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم وزواجره بيّنة وشواهده لائحة وأوامره واضحة ، رغبة عنه تريدون ، أم بغيره تحكمون ، بئس للظالمين بدلاً ، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ، ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ، ويسلس قيادها ، ثمّ أخذتم تورون وقدتها ، وتهيجون جمرتها ، تُسرّون حَسواً في ارتغاء ، وتمشون لأهله ، وولده في الخمر والضرّاء ، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى ، ووخز السنان في الحشا ، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا أفحكم الجاهلية تبغون (ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنُونَ)(1) .
يابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئاً فريّا ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة 5 : 50 .

صفحه 326
فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله والزعيم محمّد(صلى الله عليه وآله) والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولكل نبأ مستقرّ (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ)(1) .
قال : ثمّ التفتت إلى قبر أبيها فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة :
قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثةٌ(2) *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ
أبدت رجال لنا فحوى صدورهم *** لما قضيت وحالت دونك الترب(3)
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا *** إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب
قال : ولم ير النّاس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ ثمّ عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت :
يا معشر البقية وأعضاد الملّة وحضنة الإسلام ما هذه الفترة عن نصرتي ، والونية عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسنة عن ظلامتي ، أما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «المرء يحفظ في ولده» سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما آتيتم ، ألآن مات رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، أمتّم دينه وها إنّ موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهيه ، واستنهر فتقه ، وفقد راتقه ، واظلمّت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، وأضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، وأزيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود11 : 39 .
(2) وردت عند ابن أبي الحديد (هنبئة) شرح نهج البلاغة 16/213 .
(3) وردت عند ابن أبي الحديد (الكتب) شرح نهج البلاغة 16/213 .
صفحه 327
بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته فقال : (وما مُحمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَد خَلَتْ مِن قَبلِه الرُّسُل أفإن ماتَ أو قُتِل انقلَبتم على أعقابكم ومَن ينقلب عَلى عَقبيه فَلن يضُرّ اللهَ شيئاً وسَيَجزي اللهُ الشاكرينَ)(1) .
إيهاً بني قيلة ، أُهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدّعوة ويشملكم(2) الصوت وفيكم العدّة والعدد ، ولكم الدار والجُنن ، وانتم نخبة الله التي انتخب ، وخيرته التي اختار ، باديتم العرب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم إليهم ، حتّى دارت بكم رحى الإسلام ودرّ حلبه ، وخبت نيران الحرب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، أفتأخّرتم بعد الإقدام ونكصتم بعد الشدّة ، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكصوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ، فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا إيمان لهم لعلّهم ينتهون ، ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض وركنتم إلى الدّعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، ودسعتم(3) الذي سوّغتم ، وإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغنيّ حميد .
ألا وقد قلت لكم ما قد قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم وخور القنا(4) وضعف اليقين ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة(5)الظهر ناقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران 3 : 144 .
(2) وردت عند ابن أبي الحديد (انكشتم) شرح نهج البلاغة 16/213 .
(3) وردت عن ابن أبي الحديد (دسغتم) شرح نهج البلاغة 16/213 .
(4) وردت عند ابن أبي الحديد (القناة) شرح نهج البلاغة 16/213 .
(5) وردت عند ابن أبي الحديد (فاحتووها مدبّرة) شرح نهج البلاغة 16/213 .
صفحه 328
الموقدة ، التي تطّلعُ على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ)(1) تمّت .
(في شرح ألفاظ الرواية)
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي
فلنشرع بالمقصود من الشرح ، وينبغي أن نشرح الألفاظ اللغوية في متن الرواية ليكون كالمقدّمة له فنقول :
قال الراوي :
(لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدكاً لاثت خمارها)
الإجماع في اللغة : العزم على الأمر ، ومنه قوله تعالى : (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ)(2) ، وحينئذ فمعنى إجماع أبي بكر : عزمه على غصب فدك منها(عليها السلام) .
قال الشيخ يوسف في الدرّة : «إجماع أبي بكر أي : إحكامه النيّة والعزيمة على منعها فدك ]ومثله في البحار[ والمآل واحد»(3) .
]قال المجلسي(رحمه الله) : لاثت خمارها أي عصبته وجمعته[(4) ، ومعنى اللوث كما في كتب اللغة : التعصّب بالعمامة ، يقال : لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثاً ، أي : تعصّب بها وأدارها على رأسه(5) ، وظاهرها الاختصاص ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء 26 : 227 .
(2) سورة يونس 10 : 71 .
(3) الدرّة النجفية : 272 ، بحار الأنوار 29/247 .
(4) بحار الأنوار 29/247 .
(5) لسان العرب 2/185 .
صفحه 329
وعليه فاستعماله في الخمار من باب الاستعارة والجامع واضح .
(وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها)
اللمّة ـ بضم اللام وتخفيف الميم ـ : الجماعة ، قال ابن الأثير في حديث فاطمة(عليها السلام) : «إنّها خرجت في لمّة من نسائها تطأ ذيلها إلى أبي بكر ، أي : في جماعة من نسائها ، قيل : هي ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وقيل : اللمّة : المثل في السنّ والترب .
قال الجوهري : الهاء عَوضٌ عن الهمزة الذاهبة في وسطه وهو ممّا أخذت عينه كـ : سه ، ومذ ، وأصلها فعلة من الملائمة وهي الموافقة»(1)انتهى .
وعن بعض الفضلاء : احتمال أن يكون بتشديد الميم ، ويحتمله لفظ القاموس حيث قال : «اللمّة ـ بالضمّ ـ : الصاحب والأصحاب في السفر والمونس للواحد والجمع»(2) .
«والحفدة ـ بالتحريك ـ : جمع حافد ، ككفرة جمع كافر ، وهي الخدم والأعوان على ما في القاموس»(3) ، كما قيل به في قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً)(4) ، وقيل : الأختان ، وقيل : الأصهار ، وقيل : بنو المرأة من الزوج الأوّل ، وقيل : ولد الوالد ; لأنّهم كالخدّام في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهاية في غريب الحديث 2/27 ، وورد في نفس المعنى عند مصادر أخرى ينظر : الفائق 3/331 ، غريب الحديث 2/333 ، لسان العرب 15/257 .
(2) القاموس المحيط 1/1496 .
(3) القاموس المحيط 1/354 .
(4) سورة النحل 16 : 72 ، سقطت من نصّ نسخة المخطوطة عبارة (من أزواجكم) .

صفحه 330
الصغر .
قال شيخنا الطريحي بعد نقل هذه الأقوال : «ولعلّه الأصحّ»(1) كما يشهد له قوله(صلى الله عليه وآله) : «تقتل حفدتي بأرض خراسان . . .»(2) فانظره ، ]قال المجلسي(رحمه الله) : «وجمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدّد الثياب انتهى منه»[(3) .
وإنّما كانت صلوات الله عليها تطأ ذيولها لأنّها كانت أثوابها طويلة تستر قدميها محافظة على الستر .
وعن بعض النسخ «تجرّ أدراعها»(4) والأدراع جمع درع وهو القميص .
(ما تخرم مشيتها مشية رسول الله(صلى الله عليه وآله))
]وعن بعض النسخ «في مشي رسول الله(صلى الله عليه وآله)»(5)[ .
]الخرم : النقص والعدول[ أي : ما تنقص مشيتها مشيته شيئاً ، ]وعن النهاية الأثيرية فيه أي في الحديث : «ما خرمت في صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البحرين 1/536 .
(2) أصل الحديث المروي عن الرسول(صلى الله عليه وآله) بحقّ الإمام الرضا(عليه السلام) برواية حمزة بن حمران عن الإمام الصادق عن الرسول(صلى الله عليه وآله) : (تقتل حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها طوس من زاره إليها عارفاً بحقّه أخذته بيدي يوم القيامة وأدخلته الجنّة وإن كان من أهل الكبائر) ، أنظر : أمالي الصدوق : 21 ، من لا يحضره الفقيه 2/584 ، جامع الأخبار : 31 ، روضة الواعظين 1/235 ، عيون أخبار الرضا 2/259 ، بحار الأنوار 99/35 ، وسائل الشيعة 14/554 .
(3) بحار الأنوار 29/248 ـ 249 .
(4) كشف الغمة 1/481 ، بحار الأنوار 29/239 .
(5) بحار الأنوار 29/248 .
صفحه 331
شيئاً»(1) ، أي : ما تركت[ .
(وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار فضُرِبَ بينها وبينهم ريطة بيضاء قبطية)
أي : اجتمعوا ، والحشد : شدّة الاجتماع ، ومنه : مجلس حاشد واحتشدوا القوم لفلان يجتمعوا له وتأهّبوا(2) .
قال في المصباح المنير : حشدت القوم حشداً من باب قتل ، وفي لغة من باب ضرب إذا جمعتهم و(حشدوهم) يستعمل لازماً ومتعدّياً(3) انتهى .
قال في النهاية الأثيرية : الريطة ]بفتح الراء[ كلّ ملائة ليست بلفقتين وقيل : كلّ ثوب دقيق ليّن ، والجمع ريط ورياط(4) .
وقال ابن الأثير : القبطية الثوب من ثياب مصر دقيقة بيضاء وكان منسوب إلى القبط وهم أهل مصر ، وضمّ القاف من تغيير النسب وهذا في الثياب وأمّا في الناس فقبطي بالكسر(5) .
قال في مجمع البحرين : والتغيير في النسبة هنا للاختصاص كما في الدهري بالضم نسبة إلى الدهر بالفتح(6) .
(ثمّ أنَّت أنةً أجهش القوم لها بالبكاء)
في القاموس : جهش إليه كسمع ، ومنه جهشاً وجهوشاً وجهشاناً :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهاية في غريب الحديث 2/27 .
(2) مختار الصحاح 1/58 ، لسان العرب 3/150 .
(3) المصباح المنير 1/136 .
(4) النهاية في غريب الحديث 2/289 .
(5) النهاية في غريب الحديث 4/6 .
(6) مجمع البحرين 3/450 .
صفحه 332
فزع إليه وهو يريد البكاء كالصبي يفزغ إلى أمّه كأجهش(1) .
(ثمّ أمهلت طويلاً حتّى سكنوا من فورهم)
]وفي بعض النسخ (ثمّ أمهلت هنيئة) أي : صبرت زماناً قليلاً منه[
فور الشيء : شدّته ، وهو مأخوذ من فوران القدر وهو غليانها وجيشانها ، ومنه قولهم : ذهبت في حاجة ثمّ أتيت فلاناً من فوري ، أي : قبل أن أسكن فهو استعارة .
(وأمهلتهم صلوات الله عليها لكي يسمعوا كلامها ويعوا قولها)
وفي الإمهال طويلاً دلالة على شدّة فزعهم وهيجانهم كما لا يخفى .
ثمّ لنشرع في شرح الخطبة المزبورة فنقول : قالت صلوات الله وسلامه عليها :
(ابتدئُ بحمد من هو أولى بالحمد)
الحمد هو الثناء بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل للممدوح سواء كان لنعمة أو غيرها ، والشكر فعل يُنبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعماً سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان ، وعليه قول القائل :
أفادتكم النعماء منّي ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجّبا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القاموس المحيط 1/758 .

صفحه 333
فالحمد أعمُّ من جهة المتعلّق وأخصّ من جهة المورد والشكر بالعكس ، وقد ورد في الحديث : «الحمد رأس الشكر»(1) . قال بعض المحقّقين(2) : وإنّما جعله رأس الشكر لأنّ ذكر النعمة باللّسان والثناء على مولاها أشيع لها وأدلّ على مكانها من الاعتقاد لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللّسان الذي هو النطق المفصح عن كلّ خفىّ ، وكان تعالى أولى بالحمد ; لأنّه مالك الجماعات ]هذا تضمين الخبر[ من كلّ مخلوق وخالقهم وسائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، ويقلّب الحيوانات بقدرته ويغذوها من رزقه ويحوطها بكنفه ، ويدبّر كلاًّ بمصلحته ، ويمسك الأشياء بقدرته ، يمسك ما اتصل عن التهافت والمتهافت عن التلاصق والسماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، والأرض أن تخسف إلاّ بإذنه ، إلى غير ذلك من النعم التي لا تحصى بعدّ ولا تحدّ بحدّ ، وهو الذي أسبغ نعمه عليكم ظاهرة وباطنة .
قال بعض الحكماء(رحمه الله) ]المراد به السيّد الداماد(رحمه الله) في شرح الصحيفة السجّادية[ : لأنّ جميع المحامد في الحقيقة له جلّ شأنه ، إذ ما من خير بالذات أو بالعرض في نظام الوجود طولاً وعرضاً إلاّ وهو مستند إليه سبحانه بواسطة أو لا بواسطة .
(والطول والمجد)
الطول ، قال البيضاوي ]في تفسيره[ : الطول : الفضل بترك العقاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والحديث مرفوع عن الرسول(صلى الله عليه وآله) وهو : (الحمد رأس الشكر وما شكر الله عبد لم يحمده) مجموعة ورّام 2/106 .
(2) ينظر : مجمع البحرين 1/569 .
صفحه 334
المستحقّ .
والمجد والتمجيد : التشريف والتعظيم(1) .
قال شيخنا الطريحي(رحمه الله) : وتمجيد الله كأن يقول العبد : (يَا مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يَا فَعَّالاً لِمَا يُرِيدُ يَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ يَا مَنْ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الأعْلَى يَا مَنْ هُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ونحو ذلك(2) .
قيل : والممجّد في عرف الشرع مخصوص بالقائل : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله .
وفي التمجيد وفضله أخبار كثيرة ، ففي مكارم الأخلاق عن زرارة قال : «قلت لأبي جعفر(عليهما السلام) : أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال : أن يمجّد»(3) ، وفي أصول الكافي عن عليّ بن الحسين عن سيف بن عميرة عن محمّد بن مروان عن أبي عبد الله(عليه السلام) مثله(4) ، وفي المكارم أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «إن الله يمجّد نفسه في كلّ يوم وليلة ثلاث مرّات فمن مجّد الله بما مجّد به نفسه ثمّ كان في حال شقوة حوّل إلى سعادة»(5) ، وفيه أيضاً عن النبىّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «إنّ كلّ دعاء لا يكون قبله تمجيد فهو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير البيضاوي 5/35 .
(2) مجمع البحرين 4/172 .
(3) لم ينقل الشيخ الطبرسي هذا الحديث في مكارم الأخلاق بل نقله الشيخ المجلسي في بحار الأنوار 90/220 ، مستدرك الوسائل 5/215 .
(4) ما نقله الشيخ الكليني غير ما ذكره الشيخ الطبرسي في المتن وما نقله المؤلّف والحديث المذكور في كتاب الكافي عن عبد الله بن أعين عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : « إنّ الله تبارك وتعالى يمجّد نفسه في كلّ يوم وليلة ثلاث مرّات فمن مجّد الله بما مجّد به نفسه ثمّ كان في حال شقوة حوّله الله عزّ وجلّ إلى سعادة . . » . الكافي 2/516 .
(5) مكارم الأخلاق : 308 .

صفحه 335
أبتر إنّما التمجيد ثمّ الدعاء ، قلت : ما أدنى ما يجزي من التمجيد؟ قال : قل : (اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ وَأَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»(1) ، إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في ذلك التي ليس هذا موضع ذكرها .
(الحمد لله على ما أنعم)
قد مرّ قُبيل هذا معنى (الحمد) والظاهر أنّ (ما) مصدرية ; لأنّ الحمد على الإنعام الذي هو من أوصاف المنعم أمكن من الحمد على نفس النعمة ، أشار إليه التفتازاني ]في شرح التلخيص[(2) ، والظرف مستقرّ خبر بعد خبر ليظهر تحقّق الاستحقاقين لا لغو متعلّق بالحمد ، فصل بينه وبين عامله تنبيهاً على أنّ الاستحقاق الذاتي أقدم من الوضعي كما قيل ، و(على) للتعليل مثل قوله تعالى : (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ)(3) ، أي : لهدايته إيّاكم ، ولم يُتعرّض للمنعم به إيهاماً لقصور العبارة عن الإحاطة به ، ولئلاّ يتوهّم اختصاصه بشيء دون شيء ولتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن .
(وله الشكر بما ألهم)
قد مرّ معنى الشكر والفرق بينه وبين الحمد عن قريب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عدّة الداعي : 26 ، مكارم الأخلاق : 308 .
(2) نقلاً عن بحار الأنوار 90/221 .
(3) سورة البقرة 2 : 185 .

صفحه 336
وأصل الإلهام في اللغة : الإلقاء في الروع(1) ، يقال : ألهمه الله العلم ، وكأنّه استعمل هنا في مطلق الإعطاء مجازاً استعمالاً للمقيّد في المطلق كما لا يخفى .
(والثناء وبما قدّم)
]قال المجلسي(رحمه الله) : أي : بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقّوها ، ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم الإيجاد والفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء فيكون تأسيساً[(2) .
(من عموم نعم ابتدأها)
هذا بيان لما ألهم وقدّم سبحانه ، وتنكير (نِعَمْ) للتعظيم أو للتكثير ، والابتداء : الإحداث تفضّلاً .
(وسبوغ آلاء أسداها)
هذه الفقرة بمعنى الفقرة السابقة فهي مؤكّدة لها .
قال في المجمع : السبوغ : الشمول(3) ، والآلاء : أفعال ، وهي : النعم ، واحدها أَلى بالقصر والفتح ، وقد تكسر الهمزة ، وعن الغريب واحدها أَلى بالحركات الثلاث ، وقيل : آلآء هي النعم الظاهرة ، والنعماء هي النعم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لسان العرب 12/555 .
(2) بحار الأنوار 90/48 .
(3) مجمع البحرين 2/328 .

صفحه 337
الباطنة ، والإسداء : الإعطاء(1) .
قال في النهاية الأثيرية : «أسدى وأعطى وأولى بمعنى واحد انتهى»(2) .
وفي معنى هاتين الفقرتين الثالثة وهي قولها(عليها السلام) :
(وتمام منن أولاها)
كما هو بيّن لا يخفى .
(جمّ عن الإحصاء عددها)
قال في المصباح المنير : «جمّ الشيء جمّاً من باب ضرب : كثر فهو جمّ تسمية بالمصدر ، ومال جمّ أي كثير انتهى»(3) .
وجمّ هنا بمعنى جلّ ، وربّما يوجد في بعض النسخ وهو مضمون قول سيّد الأوصياء في خطبة له في وصفه تعالى : (ولا يُحصِي نَعْمَاءَهُ العادّون)(4) ، وقال سبحانه وتعالى : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها)(5) ، والإحصاء هو الحصر والعدّ .
وعن القطب الراوندي تفسيره بالإطاقة يقال : أحصيته ، أي : أطقته ، وانتقد عليه ابن أبي الحديد في شرح النهج بأنّه لا يقال أحصيت الحجر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البحرين 1/97 .
(2) النهاية في غريب الحديث 2/356 .
(3) المصباح المنير 1/110 .
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/57 ، بحار الأنوار 74/302 .
(5) سورة النحل 16 : 18 .
صفحه 338
أي : أطقت حمله(1) .
أقول وما ذكره القطب(رحمه الله) من معنى الإحصاء موجود في كتب اللغة .
قال الفيّومي في المصباح : «أحصيته عددته وأحصيته أطقتهُ»(2) .
وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث في تفسير قوله تعالى : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)(3) ، أي : لن تطيقوا عدّه وضبطه(4) .
وقال شيخنا الطريحي(رحمه الله) في مجمع البحرين في تفسير قوله(صلى الله عليه وآله) : (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ، أي : لا أطيقه(5) .
فما أورده ابن أبي الحديد غير وارد بعد وجود هذا المعنى في كتب اللغة ، وللقطب الالتزام بصحّة المثال الذي ذكره فتأمّل ولاحظ .
وفي تفسير الصافي في تفسير قوله تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها)(6) عن الكافي عن السجّاد(عليه السلام) : «أنّه إذا قرأ هذه الآية يقول : سبحانه من لم يجعل في أحد معرفة نعمه إلاّ المعرفة بالتقصير عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي إحدى خطب مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم(عليه السلام) وهي : «الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماءه العادّون ولا يؤدّي حقّه المجتهدون الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل ممدود فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته ووتد بالصخور ميدان أرضه» ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/57 .
(2) المصباح المنير 1/140 .
(3) سورة المزمل 73 : 20 .
(4) النهاية في غريب الحديث 1/398 .
(5) مجمع البحرين 1/528 .
وأصل النصّ المروي عن الرسول(صلى الله عليه وآله) هو دعاء ، أنظر : الكافي 3/324 ، التهذيب 3/185 الإقبال : 702 ، وقد ذكرته مصادر كثيرة .
(6) سورة إبراهيم 14 : 34 .
صفحه 339
معرفتها ، كما لم يجعل في أحد من معرفته إدراكه أكثر من العلم بأنّه لا يدرك ، فشكر تعالى معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره إلاّ المعرفة بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكراً ، كما علم العارفين أنّهم لا يدركونه فجعله إيماناً ، علماً منه أنّه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك ، فإنّ شيئاً من خلقه لا يبلغ مدى عبادته وكيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له ولا كيف ، تعالى الله من ذلك علوّاً كبيراً»(1) .
ويروى : عن طليق بن حبيب أنّه قال : «إنّ حقّ الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد ، فإنّ نعم الله تعالى أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين»(2) .
وقال بعضهم : الحمد لله على نعمه التي منها إقدارنا على الاجتهاد في حمدها ، وإن عجزنا عن إحصائها وعدّها ، ونأى عن الجزاء أمدها ، نأى نأياً ، أي : بَعُد ، والأمد : الغاية ، كالمدى يقال : ما أمدك ، أي : منتهى عمرك ، والمراد بالجزاء والله أعلم هنا الحمد والشكر وبعدت نعمه تعالى عن الحمد والشكر ; لكونها غير متناهية كما مرّ في قولها(عليها السلام) : (جمّ عن الإحصاء عددها) والجزاء : مقابلة الإحسان بإحسان مثله .
(ونأى عن الجزاء أمدها)(3)
وربّما يوجد في بعض النسخ ناء بدل نأى وهي مقلوبة ، وفي بعض النسخ مزيدها بدل أمدها وهما متقاربان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 8/394 .
(2) قصص الأنبياء للراوندي : 161 ، بحار الأنوار 74/78 ، قصص الأنبياء للجزائري : 305 .
(3) في المخطوط (وهو الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) وهو خطأ واضح قد وقع امّا من المصنّف أو الناسخ .
صفحه 340
(وتفاوت عن الإدراك أبدها)
التفاوت : تفاعل من الفوت وهو الفوات ومعنى قولها(عليها السلام) : (وتفاوت) أنّ نعمه تعالى لا تكاد تدركها الأفكار فتعدّها فإنّها كلّما قدّمت في ذلك شبراً فرّت ميلاً عنه ، كيف وقد كان كلّ ما نتعاطاه من أفعالنا الاختيارية مستنداً إلى جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وسائر أسباب حركاتنا مستندة إلى جوده ومستفادة من نعمه ، وكلّ ما يصدر عنّا من الشكر والحمد وسائر العبادات نعمة منه فتقابل نعمه .
وروي (أنّ)(1) هذا الخاطر خطر لداود(عليه السلام) وكذلك لموسى(عليه السلام) فقال : «يا ربّ كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلاّ بنعمة ثانية من نعمك»(2) .
وفي رواية أخرى : «وشكري ذلك نعمة أخرى توجب على الشكر لك ، فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني»(3) .
وفي خبر آخر . «إذا عرفت أنّ النعم منّي رضيت منك بذلك شكراً»(4) .
(وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها)
الاستزادة : استفعال ، والسين للطلب ، أي : أنّه سبحانه قد دعا عباده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم ترد في أصل المخطوطة وقد أضفناها لإتمام المعنى .
(2) قصص الأنبياء للراوندي : 161 ، بحار الأنوار 68/37 ، قصص الأنبياء للجزائري : 305 .
(3) مشكاة الأنوار : 32 ، بحار الأنوار 13/351 .
(4) الكافي 2/98 ، عدّة الداعي : 239 ، مشكاة الأنوار : 32 ، بحار الأنوار 13/351 .

صفحه 341
إلى أن يطلبوا منه زيادة تلك النعم وصورة طلبهم شكرهم إيّاه حيث قال سبحانه : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم)(1) .
عن الصادق(عليه السلام) : «ما أنعم الله على عبد من نعمة فرفعها بقلبه وحمد الله ظاهراً بلسانه فتمّ كلامه حتّى يؤمر له بالمزيد»(2) .
وعنه(عليه السلام) : «من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله قبل أن يظهر شكرها على لسانه»(3) .
وعنه(عليه السلام) : «ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال الحمد لله إلاّ أدّى شكرها»(4) .
وفي رواية أخرى : «وكان الحمد أفضل من تلك النعمة»(5) .
وعنه(عليه السلام) في حديث تفسير وجوه الكفر الوجه الثالث من الكفر : «كفر النعم»(6) قال : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)(7) .
(واستحمد إلى الخلائق بإجزالها)
يعني : أنّه سبحانه قد دعا عباده إلى أن يطلبوا منه الحمد لجزالة النعم التي أنعم بها عليهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ابراهيم 14 : 7 .
(2) الكافي 2/95 ، بحار الأنوار 68/40 .
(3) الكافي 8/128 ، تحف العقول : 357 ، مجموعة ورّام 2/137 ، بحار الأنوار 72/225 .
(4) الكافي 2/96 ، بحار الأنوار 68/32 .
(5) الكافي 68/31 ، مستدرك الوسائل 5/312 .
(6) الكافي 2/390 .
(7) سورة إبراهيم 14 : 7 .
صفحه 342
(كلمة جعل الإخلاص تأويلها)
الإخلاص : عبارة عن نفي الشرك ، والمعنى : إنّ الله سبحانه جعل مرجع كلمة الشهادة ومالها نفي الشرك عنه ، وقد ورد في حديث (الشهادة مدحرة للشيطان) ، أي : محلّ لدحره وطرده وإبعاده ، وسرّ ذلك أنّ غاية الشيطان من الإنسان الشرك بالله ، وكلمة الشهادة تنفيه وتبعده عن مراده ، قاله بعض الأفاضل(1) .
(وضمّن القلوب موصولها)
أي : ما تصل إليه من نفي الشرك والإقرار بالوحدانية .
(وأنار في الفكر معقولها)
أي : أنّه سبحانه قد جعل المعقول من كلمة الشهادة وهو التوحيد ونفي الإشراك منيراً في فكر الخلائق بحيث يُقِرّ بِهِ كلُّ أحد ، وقد ورد في فضل الشهادة أخبار كثيرة لا بأس بذكر طرف منها .
فنقول : روى الصدوق(رحمه الله) في كتاب التوحيد قال : «حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رحمه الله) قال : حدّثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن هلال عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبي حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : سمعته يقول : (ما من شيء أعظم ثواباً من شهادة أن لا إله إلاّ الله لأنّ الله عزّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر : مجمع البحرين 2/12 .
وأصل الحديث المروي عن الرسول(صلى الله عليه وآله) هو دعاء . أنظر : الكافي 3/324 ، التهذيب 3/185 ، الإقبال : 702 ، وقد ذكرته مصادر كثيرة .

صفحه 343
وجلّ لايعدله شيء ولا يشركه في الأمر أحد»(1) .
وفيه أيضاً «عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن سيف عن أخيه عليّ عن أبيه سيف بن عميرة قال : حدّثني الحجّاج بن أرطأة قال : حدّثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)أنّه قال : (الموجبتان من مات يشهد أن لا إله إلاّ الله دخل الجنّة ومن مات يشرك بالله دخل النار»(2) .
وفيه أيضاً «عن جعفر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن عبد الله بن المغيرة الكوفي قال : حدّثني جدّي الحسن بن عليّ الكوفي عن الحسين بن سيف عن أخيه عليّ عن أبيه سيف بن عميرة عن عمرو بن شمر عن جابر ابن يزيد الجعفي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : جاء جبرئيل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال : (يا محمّد طوبى لمن قال من أمّتك : لا إله إلاّ الله وحده وحده وحده»(3) .
وفيه «عن محمّد بن موسى بن المتوكّل(رحمه الله) قال : حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي قال : حدّثنا أحمد ابن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن محمّد بن زياد عن أبان وغيره عن الصادق(عليه السلام) قال : (من ختم صيامه بقول صالح أو عمل صالح يقبل الله منه صيامه ، فقيل له يابن رسول الله ما القول الصالح قال شهادة أن لا اله إلاّ الله»(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوحيد : 19 ، ثواب الأعمال : 3 ، بحار الأنوار 90/194 .
(2) التوحيد : 20 ، جامع الأخبار : 50 ، بحار الأنوار 3/5 .
(3) التوحيد : 21 ، ثواب الأعمال : 5 ، أعلام الدين : 356 ، بحار الأنوار 90/205 ، مستدرك الوسائل 7/212 .
(4) الأمالي : 56 ، التوحيد : 22 ، معاني الأخبار : 236 ، روضة الواعظين 2/340 ، بحار الأنوار 93/103 ، وسائل الشيعة 9/319 .
صفحه 344
وفيه أيضاً : بسند طويل «عن علىّ(عليه السلام) عن النبّي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : (قال الله جلّ جلاله إنّي أنا الله لا اله إلاّ أنا فاعبدوني من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلاّ الله بالإخلاص دخل في حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي»(1) .
ولنكتف بهذا القدر .
(الممتنع من الأبصار رؤيته)
قال سبحانه وتعالى : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(2) .
في أصول الكافي بإسناده إلى محمّد بن أبي عبد الله عن عليّ بن أبي القاسم عن يعقوب بن إسحاق قال : «كتبت إلى أبي محمّد(عليه السلام) أسأله كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟ فوقّع(عليه السلام) : (يا أبا يوسف جلّ سيّدي ومولاي المنعم علىّ وعلى آبائي أن يُرى) ، قال وسألته هل رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربّه ؟ فوقّع(عليه السلام) : (إنّ الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ»(3) .
وفيه أيضاً : عن أحمد بن إدريس عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرّة المحدّث أن اُدخِلَه على أبي الحسن الرضا(عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتّى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال أبو قرّة : إنّا روينا أنّ الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوحيد 24 ـ 25 ، عيون أخبار الرضا 2/134 ، بحار الأنوار 3/6 .
(2) سورة الأنعام 6 : 43 .
(3) الكافي 1/95 ، التوحيد : 108 ، بحار الأنوار 4/43 .
صفحه 345
قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين فقسّم الكلام لموسى(عليه السلام) ولمحمّد(صلى الله عليه وآله)الرؤية ، فقال أبو الحسن(عليه السلام) : فمن المبلّغ عن الله عزّ وجلّ إلى الثقلين من الجنّ والإنس : لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء ، أليس محمّد(صلى الله عليه وآله)؟ ، قال : بلى ، قال : كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول : (لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ)(1) . (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(2) ، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(3)ثمّ يقول : أنا رأيته بعيني ، وأحطت به علماً ، وهو على صورة البشر ، أما تستحون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا ، أن يكون يأتي من عند الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر ، قال أبو قرّة : فإنّه يقول : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخْرَى) ، فقال أبو الحسن(عليه السلام) : إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)(4) ، يقول : ما كذب فؤاد محمّد(صلى الله عليه وآله) ما رأت عيناه ثمّ أخبر بما رأى فقال : (لَقَدْ رَأَى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) فآيات اللهِ غير الله وقد قال الله : (و لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(5) فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة ، فقال أبو قرّة : فتكذّب بالرّوايات؟ فقال أبو الحسن(عليه السلام) : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها ، وما أجمع المسلمون عليه : أنّه لا يحاط به علماً ولا تدركه الأبصار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام6 : 43 .
(2) سورة طه 20 : 110 .
(3) سورة الشورى 42 : 11 .
(4) سورة النجم 53 : 11 .
(5) سورة طه 20 : 110 .

صفحه 346
وليس كمثله شيء»(1) .
وفيه أيضاً «عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : (جاء حبرٌ إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟ ، قال : فقال : ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره ، قال : وكيف رأيته ؟ ، قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(2) ، أقول وفي كثير من الروايات إنّ السائل ذعلب .
قال في مجمع البحرين : «ذعلب ـ بكسر الذال وفتح اللام ـ : اسم رجل من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) ذو لسان فصيح بليغ في الخطب ، شجاع القلب ، وهو الذي قال لأمير المؤمنين رأيت ربّك فقال : (ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربّاً لم أره»(3) .
وفي أصول الكافي «أيضاً بإسناده إلى محمّد بن يحيى وغيره عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : (لمّا أسري بي إلى السماء بلغ بي مكاناً لم يطأه قطّ جبرئيل فكشف له فأراه الله من نور عظمته ما أحبّ في قوله : (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)»(4) .
وفي الفصول المهمّة عن أمالي الصدوق(رحمه الله) عن الطالقاني عن ابن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1/95 ، التوحيد : 110 ـ 111 ، بحار الأنوار 4/36 .
(2) الكافي : 978 ، التوحيد : 109 ، بحار الأنوار 4/44 .
(3) وهو ذعلب اليماني كما ذكرته المصادر ، أنظر : الكافي1/138 ، الاختصاص 235 ، إرشاد القلوب 2/374 ، مجمع البحرين 2/93 .
(4) سورة الأنعام 6 : 103 ، وانظر : الكافي 1/98 .
صفحه 347
عقدة عن المنذر بن محمّد بن عليّ بن إسماعيل الميثمي عن إسماعيل بن الفضل قال : سألت جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد؟ فقال : (سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، يابن الفضل إنّ الأبصار لا تدرك إلاّ ماله لون وكيفية والله خالق الألوان والكيفية»(1) ، والأخبار في ذلك كثيرة وهذا القدر كاف فلنقتصر عليه .
قال المجلسي رحمه الله في البحار : «اعلم أنّ الأمّة اختلفوا في رؤية الله تعالى على أقوال : فذهبت الإماميّة والمعتزلة إلى امتناعها مطلقاً ، وذهبت المشبّهة والكرامية إلى جواز رؤيته تعالى في الجهة والمكان لكونه تعالى عندهم جسماً ، وذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته تعالى منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان ، ونقل(رحمه الله) كلاماً للآبي في كتابه إكمال الإكمال لا حاجة بنا إلى ذكره»(2) .
قال الشيخ عزّ الدين بن أبي الحديد في شرح النّهج : «إنّه قد حكي عن مضر وكهمس وأحمد الجهمي أنّهم أجازوا رؤيته في الدنيا وملامسته ومصافحته ، وزعموا أنّ المخلصين يعانقونه متى شاؤوا ويسمّون الحبّية ، وذكر جملة من نحو هذه الخرافات ولا حاجة بنا إلى ذكرها وسطرها في هذا الكتاب»(3) .
(ومن الألسن صفته)
هذا معطوف على قولها(عليها السلام) : (الممتنع من الأبصار رؤيته) ، أقول :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول المهمّة : 50 ، الأمالي : 410 ، بحار الأنوار 4/31 .
(2) بحار الأنوار 4/58 .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/236 .
صفحه 348
الظاهر أنّ المراد بالصفة هنا معنى الجنس فهي بمعنى الصفات ، أي : إنّ الألسن قد عجزت وامتنعت عن الوصول إلى صفاته والإحاطة بها .
قال السيّد الجزائري(رحمه الله) في شرح دعاء يوم الاثنين من الصحيفة السجّادية عند قوله(عليها السلام) في مقام الثناء عليه تعالى : (كلّت الألسن عن غاية صفته) ما لفظه : وذلك كما عرفت أنّ صفاته تعالى إنّما هي بحسب ما تعتبره عقولنا وتثبته له ، فكلّ أحد يثبت له أشرف طرفي النقيض بحسب ما يتعقّله ويتخيّله أنّه كمال له ، كما تقدّم من أنّ النمل الصّغار لعلّها تتوهّم أنّ له سبحانه زبانيّتين ، أي : قرنين ; لأنّ عدمهما بالنسبة إليها نقصان ، وإلاّ فهو تعالى يجلّ عن كلّ ما نثبته له وننسبه إليه ولولا ما أمرنا بالتضرّع إليه بأسمائه وصفاته الواردة في موارد الأدعية والآثار لما ساغ لنا الجرأة على ساحة جلاله بذكر وصف لم نتحقّق معناه بالنسبة إليه ، ولعلّه نقص بالنسبة إلى ما يليق بجلالة عزّه ، كما قيل : إنّ القول بأنّ سلطان البلد ليس بحائك نقص له وإن كان موافقاً للواقع إذ يوهم إمكان إثبات صفة الحياكة له ، فقولنا الله تعالى ليس بظالم يوهم إمكان إتصافه بهذه الصّفة ; لأنّه لا يقال الجدار ليس بظالم ولا بجاهل لعدم إمكان اتصافه بهما مطلقاً ومن أجل هذا قال سيّد الموحّدين(عليه السلام) : «وكمال توحيده نفي الصفات عنه»(1) انتهى كلامه(رحمه الله)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي إحدى خطب مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة وأشار الإمام(عليه السلام) أنّ نظام التوحيد ونهاية نفي الصفات الزائدة الموجودة عنه إذ أوّل التوحيد نفي الشريك ثمّ نفي التركّب ثمّ نفي الصفات فهذا كماله ونظامه ثمّ استدلّ على نفي زيادة الصفات أي من عبد الله وحده وزعم أنّ له صفات زائدة فلم يعبد إلهاً واحداً بل آلهة كثيرة بل لم يعبد الله أصلاً وقد ذكر نصّ هذه الخطبة : الكافي 1/40 ، تحفة العقول : 61 ، المناقب لابن شهر آشوب 2/46 ، التوحيد : 34 ، عيون أخبار الرضا 1/149 ، الإحتجاج 1/198 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/72 ، عوالي اللئالي 4/126 ، بحار الأنوار 4/227 .

صفحه 349
فانظره .
ويحتمل أنّ المراد بالألسن غير المعنى الذي ذكرناه ، بأن تجعل بمعنى اللّغات ولعلّ الأوّل أقرب .
(ومن الأوهام كيفيته)
أقول : ويقرب هذا من قول بعلها سيّد الموحّدين(عليهما السلام) في مقام الثناء عليه تعالى : «الذي لا يدركه بُعد الهمم»(1) وذلك لأنّ كيفيّته تعالى ليست كالكيفيّات حتّى تدركها الأوهام في مقام التصوّر ، بيان ذلك : أنّ كلّ متصوّر فلابدّ أن يكون محسوساً أو متخيّلاً أو موجوداً من فطرة النفس والاستقراء يشهد بذلك ، مثال المحسوس : السواد والحموضة ، مثال المتخيّل : إنسان يطير أو بحر من دم ، مثال الموجود من فطرة النفس : تصوّر الألم واللذّة ، ولمّا كان الباري سبحانه ليس مثل هذا كلّه امتنع الأوهام عن أن تُدرك كيفيّته ، وهذا مبنيٌّ على أخذ الأوهام بمعناها الأعمّ منها ومن العقول ، ويجوز أن يراد به المعنى المصطلح فيكون المعنى : أنّ الأوهام لا يصدق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي إحدى خطب مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم(عليه السلام) ، وشرح ابن أبي الحديد هذه الكلمات بقوله : (فأمّا قوله لا يدركه بعد الهمم فالإدراك هو الرؤية والنيل والإصابة ومعنى الكلام الحمد لله الذي ليس له بجسم ولا عرض إذ لو كان أحدهما لرآه الراءون إذا أصابوه وإنّما حضّ بعد الهمم بإسناد نفي الإدراك وغوص الفطن بإسناد نفي النيل لغرض جميع . .) : نهج البلاغة 1/68 ، وانظر المصادر التي ذكرت الخطبة : الغارات : 38 ـ 39 ، الإحتجاج 1/199 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/57 ، بحار الأنوار 4/247 .
صفحه 350
حكمها إلاّ فيما كان محسوساً أو متعلّقاً بمحسوس كإدراك الشاة معنى في الذئب ، فأمّا الأمور المجرّدة عن علائق المادّة والوضع فالوهم ينكر وجودها أصلاً فضلاً عن أن يصدّق في إثبات صفة لها ، وقد غلا محمّد بن هاني المغربىّ فيما ينسب إليه من ممدوحة المعزّ أبي تميم معد بن المنصور العلوي حيث قال وهو(1) :
تبّعتُهُ فِكَري حتّى إذا بَلَغَت *** غاياتِها بَين تصويب وتصعيدِ
رأيت موضع برهان يلوح وما *** رأيت موضع تكييف وتحديد
قال بعض الأدباء وهذا مدح يليق بالخالق تعالى ولا يليق بالمخلوق .
(ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها)
الابتداع لغة : الاختراع لا على مثال ، والاختراع : الشقّ ، قيل : وفي الاصطلاح الاختراع : الإحداث لا على مثال سبق ، والابتداع : الإحداث لا عن مادّة ، ولا ينافيه ما ورد : أنّ النطفة إذا وقعت في الرحم قال الله تعالى لملائكة التصوير : احضروا صور آبائه إلى آدم وصوّروا صورته مثل واحدة منها ، لأنّ ذلك التصوير السابق أيضاً منه تعالى وبالآخرة تنتهي إلى آدم ولم يسبق له تصوير .
وحكي عن الغزالي أنّه قال : «قد يظنّ أنّ الخالق والبادئ والمصوّر ألفاظ مترادفة وأنّ الكلّ يرجع إلى الخلق والاختراع ، وليس كذلك بل كلّ ما يخرج من الوجود إلى العدم مفتقر إلى تقديره أوّلاً وإلى إيجاده على وفق التقدير ثانياً وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً ، فالله تعالى خالق من حيث إنّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/61 .

صفحه 351
مقدّر ، وبارىء من حيث إنّه مخترع موجود ، ومصوّر من حيث إنّه مرتّب صور المخترعات أحسن ترتيب ، وهذا كالبنّاء مثلاً فإنّه يحتاج إلى مقدّر يقدّر ما لابدّ منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وهذا يتولاّه المهندس فيرسمه ويصوّره ثمّ يحتاج إلى بنّاء يتولّى الأعمال التي عندها تحدث أصول الأبنية ثمّ يحتاج إلى مزيّن ينقّش ظاهره فيتولاّه غير البنّاء هذه العادة في البناء والتصوير وليس كذلك في أفعاله تعالى بل هو المقدّر والموجد والصانع والبارئ والمصوّر»(1) انتهى . وهو تحقيق حسن .
(وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها)
الأحتذاء مصدر احتذى بمعنى الإقتداء ، والمعنى أنّه سبحانه لم يخلق الأشياء على وفق أمثلة جعلها قبل خلق العالم كما هو دأب المخلوقين في أبنيتهم وصنائعهم وهذا ظاهر .
(كوّنها بقدرته)
أي إنّه سبحانه قد أوجد الأشياء بقدرته ليس مثل غيره من الملوك بالجنود والتوابع وإنّما هو بقدرته الذاتية .
(وذرأها بمشيّته)
قال في مجمع البحرين : «ذرأكم : خلقكم ، وبابه نفع»(2) ، والظاهر أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كلمة الغزالي في المتن جاءت في تفسير اسماء الله تعالى الحسنى ، انظر : المصباح : 319 ، المقام الأسنى : 35 .
(2) مجمع البحرين 2/86 .

صفحه 352
المراد بالمشية أحد مراتب التقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشيء كالتقدير في اللوح مثلاً والإثبات فيه ، فإنّ اللّوح وما أثبت فيه لم يحصل بتقدير آخر في لوح سوى ذلك اللوح وإنّما وجد سائر الأشياء بما قدّر في ذلك اللوح ، قيل : وربّما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار ، وعلى هذا يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير ، وبهذا المعنى فسّر الحديث الذي رواه الصدوق(رحمه الله) في كتاب التوحيد عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال : «خلق الله المشيّة قبل الأشياء ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة»(1) قيل : وهذا المعنى المزبور مناسب لقوله(عليه السلام) : «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسبابها»(2) .
قال شيخنا الطريحي(رحمه الله) في المجمع ما لفظه : «قال بعض أفاضل العلماء : المشيّة والإرادة والقدر والقضاء كلّها بمعنى النقش في اللّوح المحفوظ وهي من صفات الفعل لا الذات ، والتفاوت بينها تفضيل كلّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد عرف أحد العلماء المشيئة بمعنيين : إحداهما يتعلّق بالشائي وهي صفة كمالية قديمة هي نفس ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير والصلاح والآخر يتعلّق بالمُشيء وهو حادث بحدوث المخلوقات لا يتخلف المخلوقات عنه وهو إيجاد سبحانه إيّاها بحسب اختياره وهي ليست صفة زائدة على ذاته عزّ وجلّ وعلى المخلوقات بل هي نسبة بينهما تحدّث بحدوث المخلوقات لفرعيّتها المنتسبين معاً ، بحار الأنوار 4/146 ، وانظر المصادر التي ذكرت الحديث : التوحيد : 339 ، الكافي 1/110 ، بحار الأنوار 4/145 .
(2) هذا الحديث مرويّ عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال : « أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرحاً وجعل لكلّ شرح علماً وجعل لكلّ علم باباً ناطقاً عرفه من عرفه وجهله من جهله ذاك رسول الله(صلى الله عليه وآله)ونحن» ، انظر : الكافي 1/184 ، بصائر الدرجات : 6 ، عوالي اللئالي 3/286 ، بحار الأنوار 2/90 .

صفحه 353
لاحق على سابقه ، ثمّ قال : توقّف أفعال العباد على تلك الأمور السبعة إمّا بالذات وإمّا بجعل الله تعالى ، وتحقيق المقام : إنّ تحرّك القوى البدنية بأمر النفس الناطقة المخصوصة المتعلّقة به ليس من مقتضيات الطبيعة فيكون بجعل جاعل وهو أن يجعل الله سبحانه بدناً مخصوصاً بأن قال كن متحرّكاً بأمرها ثمّ جعل ذلك موقوفاً على الأمور السبعة انتهى»(1) .
أقول : ومراده بالأمور السبعة ما في الحديث المروي عن الصادق(عليه السلام) : «لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ بخصال سبع بمشيّة وإرادة وقدر وقضاء وأذن وكتاب وأجل»(2) .
وعن السيّد الداماد(رحمه الله) أنّه ذكر في حلّ الخبر الذي رواه الصّدوق(رحمه الله) : إنّ المراد بالمشيّة هنا مشيّة العباد لأفعالهم الاختيارية لنقدّسه سبحانه عن مشيّة مخلوقة زائدة على ذاته عزّ وجلّ ، وبالأشياء أفاعيلهم المترتّب وجودها على تلك المشيّة وبذلك تنحلّ شبهة أوردت هنا وهي أنّه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى وتسلسلت الإرادات لا إلى نهاية»(3) انتهى .
وروى الكليني(رحمه الله) بإسناده إلى محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد ابن خالد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال : قال الرضا(عليه السلام) : «قال الله : يابن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء ، وبقوّتي أدّيت فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً ، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وذاك أنّي أولى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البحرين 2/564 .
(2) الكافي 1/149 ، المحاسن 1/244 ، بحار الأنوار 5/175 .
(3) بحار الأنوار 4/146 .

صفحه 354
بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي وذاك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون»(1) .
(من غير حاجة منه إلى تكوينها ولا فائدة له في تصويرها)
في حديث الرضا(عليه السلام) مع عمران الصابي فكان ممّا سأله أنّه قال ـ له(عليه السلام) ـ : «أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق؟ قال(عليه السلام) : سألت فافهم ، أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض ولا يزال كذلك ، ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة ، لا في شيء أقامه ولا في شيء حدّه ولا على شيء حذاه ومثله له ، فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير صفوة واختلافاً وائتلافاً وألواناً وذوقاً وطعماً ، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك ، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلاّ به ، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصاناً ، تعقل هذا يا عمران؟ قال : نعم والله يا سيّدي ، قال(عليه السلام) : واعلم يا عمران إنّه لو كان خلق ما خلق ; لحاجة لم يخلق إلاّ من يستعين به على حاجته ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق ; لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى ، والحاجة يا عمران لا يسعها ; لأنّه لم يحدث من الخلق شيئاً إلاّ حدثت فيه حاجة أخرى ، ولذلك أقول : لم يخلق الخلق لحاجة ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض ، وفضّل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضّل ولا نقمة منه على من ذل»(2)الخبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحاسن 1/145 ، الكافي 1/152 ، فقه الرضا : 350 ـ 351 ، التوحيد : 338 ، عيون أخبار الرضا 1/45 ، قرب الإسناد : 151 .
(2) عيون أخبار الرضا 1/168 ـ 169 ، الإحتجاج : 244 ، بحار الأنوار 54/47 ـ 49 .
صفحه 355
وفي الفصول المهمّة عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن أبي عبد الله ومحمّد بن يحيى رفعاه إلى أبي عبد الله(عليه السلام) في خطبة لأمير المؤمنين(عليه السلام) قال : «والله لم يجهل ولم يتعلّم ، أحاط بالأشياء علماً قبل كونها فلم يزدد بكونها علماً ، علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بها بعد تكوينها ، لم يكوّنها لتشديد سلطان ولا خوف من زوال ولا نقصان ، ولا استعانة على ضدٍّ منافر ولا ندٍّ مكاثر ولا شريك مكابر بل خلائق مربوبون وعباد داخرون»(1) وقد ذكرها الشريف الرضي في نهج البلاغة مع اختلاف بينهما(2) .
(إلاّ تبييناً لحكمته وتنبيهاً على طاعته وإظهاراً لقدرته
وتعبّداً لبريّته وإعزازاً لدعوته)
أقول : إنّ هذه الأشياء المذكورة حِكم لخلق العالم ، وإطلاق الفائدة عليها توسّع وتجوّز ، قال بعض العلماء : «إنّه سبحانه وتعالى خلق الخلق ليظهر به لأرباب العقول صفاته الحميدة وقدرته على كلّ أمر ممكن وعلمه بكلّ معلوم وما يستحقّه من الثناء والحمد»(3) .
وقد ورد الخبر في ذلك أنّه تعالى قال : «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي إحدى خطب مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة حيث استنهض الناس في حرب معاوية في المرّة الثانية واختلفت ألفاظ الخطبة من مصدر لآخر ، أنظر : الفصول المهمّة : 64 ، الكافي 1/134 ـ 135 ، الغارات 1/98 ـ 100 ، التوحيد : 41 ـ 42 ، بحار الأنوار 4/269 ـ 270 .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13/90 ـ 91 .
(3) وهذا القول للمعتزلة البغداديّين حسبما صرّح به ابن أبي الحديد ، انظر : شرح نهج البلاغة 5/163 .

صفحه 356
أعرف فخلقت الخلق لأعرف به»(1) .
قال السيّد الجزائري(رحمه الله) في كتاب الأنوار النعمانية قد أورد على ظاهر هذا الحديث إشكال وحاصله : إنّ الخفاء لا يكون إلاّ مع وجود واحد يخفى عليه الشيء حتّى يتّصف ذلك الشيء بالخفاء ، كما يقال : هذا الشيء مخفيّ عن فلان وخفي عليه الشيء الفلاني ، ولم يكن في عالم الأزل مخلوق حتّى يتصف سبحانه بالخفاء عنه ، فكيف قال مخفيّاً؟ قال : والجواب عن هذا الإشكال من وجهين :
الأوّل : إنّ أرباب اللغة صرّحوا بأنّ خفي الشيء بمعنى ظهر ، قال في الصّحاح نقلاً عن الأصمعي : خفيتُ الشيء وأخفيته كتمته وخفيته ، أيضاً أظهرته ، وهو من باب الأضداد ، ونقل عن أبي عبيدة أيضاً مثله ، ونزل عليه أيضاً قوله تعالى : (إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها)(2) فيمن قرأ بفتح الهمزة أي : أظهرها .
وفي نهاية ابن الأثير مثله ، فالمعنى حينئذ : إنّي كنت كنزاً ظاهراً فخلقت الخلق ليعرفوني على هذا الظهور الذي أنا عليه ولو لم أكن بهذه الغاية من الظّهور لما توصّلوا إلى معرفتي بعد خلقي إيّاهم .
الثاني : أن يكون الخفاء بمعناه الآخر وهو الأنسب بالكنز ، ولكنّ المبادئ إنّما تطلق عليه سبحانه باعتبار غاياتها ولوازمها ، ومعناه حينئذ : إنّي كنت كنزاً مستوراً ومحتجباً تحت سرادق العزّ والجلال فأحببت أن أبرز من تحت هذا الحجاب فخلقت هذا الخلق وأظهرت نفسي لهم من تحت تلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5/163 .
(2) سورة طه 20 : 15 .
صفحه 357
السرادقات ليعرفوني ، فإنّه سبحانه لمّا خلق مخلوقاته تنزّل من ذلك الحجاب إلى غاية الظهور وأزال الموانع التي لو بقيت بعد خلق الخلق على ما كانت عليه قبله لم تصل إلى أقرب درجة من مراتب معرفة العقول الطامحة ، بل انبسط معهم في الخطاب وعاتبهم على ما جنوا رفق عتاب فقال عزّ من قائل : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ)(1)وقال : (إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ)(2) حتّى قالت اليهود والمنافقون : إنّ ربّ محمّد(صلى الله عليه وآله) قد افتقر وإنّه صار عاجزاً فطلب النصر ، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «استقرضكم وله خزائن السماوات والأرض ، واستنصركم وله جنود السماوات والأرض»(3) .
وفي تفسير الصافي عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن قوله تعالى : وَما (خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(4) فقال : «خلقهم ليأمرهم بالعبادة»(5) ، قيل قوله تعالى : (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ)(6) (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)(7) (ولذلك خلقهم) وقال : «خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم»(8) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة 2 : 245 .
(2) سورة محمّد 47 : 7.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10/123 .
(4) سورة الذاريات 51 : 56 .
(5) تفسير الصافي : 475 ، تفسير العيّاشي 2/164 ، تفسير القمّي 2/330 ، علل الشرائع 1/13 ، وسائل الشيعة 1/83 ، بحار الأنوار 5/313 .
(6) سورة هود 11 : 118 .
(7) سورة هود 11: 119 .
(8) التوحيد : 403 ، علل الشرائع 1/13 ، وسائل الشيعة 1/84 ، بحار الأنوار 5/314 .
صفحه 358
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي قال : «خلقهم للأمر والنهي والتكليف وليست خلقة جبران يعبدوه ولكن خلقة اختيار ليختبرهم بالأمر والنهي ومن يطيع الله ومن يعصي»(1) ، وفي حديث آخر هي منسوخة بقوله : ولا يزالون مختلفين(2) .
وحكى ابن أبي الحديد عن جمهور المعتزلة أنّهم قالوا : «إنّ الله تعالى إنّما خلق العالم للإحسان والإنعام على الحيوان ; لأنّ خلقه حيّاً نعمة عليه ; لأنّ حقيقة النعمة موجودة فيه وذلك أنّ النعمة هي المنفعة المفعولة للإحسان ووجود الجسم حيّاً منفعة مفعولة للإحسان ، أمّا بيان كون ذلك منفعة فلأنّ المنفعة هي اللذّة والسرور ودفع المضارّ المخوفة وما أدّى إلى ذلك وصحّحه ، ألا ترى إنّ من أشرف على أن يهوي من جبل فمنعه بعض الناس من ذلك فإنّه يكون منعماً عليه ، ومن سرّ غيره بأمر وأوصل إليه لذّة يكون قد أنعم عليه ، ومن دفع إلى غيره مالاً يكون قد أنعم عليه لأنّه قد مكّنه بدفعه إليه من الانتفاع وصحّحه له ، ولا ريب أنّ وجودنا أحياء يصحّح لنا اللذّات ويمكّننا منها لأنّا لو لم نكن أحياءً لم يصحّ ذلك فينا ، قالوا : وانّما قلنا إنّ هذه المنفعة مفعولة للإحسان لأنّها أمّا أن تكون مفعولة لا لغرض ، أو لغرض والأوّل باطل لأنّ ما يفعل لا لغرض عبث والباري سبحانه لا يجوز عليه العبث لأنّه حكيم ، وأمّا الثاني : فإمّا أن يكون ذلك الغرض عائداً عليه سبحانه بنفع أو دفع ضرر أو يعود على غيره ، الأوّل باطل ; لأنّه غنيٌّ لذاته يستحيل عليه المنافع والمضارّ ، ولا يجوز أن يفعله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القمّي 2/331 .
(2) تفسير القمّي 2/331 .
صفحه 359
لمضرّة يوصلها إلى غيره ، لأنّ القصد إلى الأضرار بالحيوان من غير استحقاق ولا منفعة يوصل إليها بالمضرّة قبيح تعالى الله عنه ، فثبت أنّه سبحانه إنّما خلق الحيوان لنفعه ، وأمّا غير الحيوان فلو لم يفعله لينفع به الحيوان لكان خلقه عبثاً والباري تعالى لا يجوز عليه العبث ، فإذاً جميع ما في العالم إنّما خلقه لينفع به الحيوان»(1) .
(ثمّ جعل الثّواب على طاعته ووضع العقاب
على معصيته زيادة لعباده عن نقمته
وحياشة لهم إلى جنّته)
الثواب على ما عرّفه القوشجي هو : النفع للتعظيم والإجلال(2) ، والعقاب هو : الضرر المقارن للإهانة ، والذود والذيادة ـ بالذال المعجمة ـ : الطّرد والدفع ، وحشت الصيد أحيشه إذا جئته من حواليه لتصرفه عن الحبالة ، وبيان ذلك : أنّ الطّاعة مشقّة الزمها الله تعالى للمكلّف ، وظاهر أنّ المشقّة من غير عوض ظلم وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم ، والعوض لا يكون إلاّ نفعاً ، وإنّ المكلّف إذا علم أنّ المعصية لم يستحقّ عليها العقاب لم يرتدع عن فعلها ولم يفعل ضدّها ، وما ذكر لطف واللّطف على الله تعالى واجب .
(اختاره قبل أن يجتبله)
الاجتبال : افتعال من الجبل وهو الخلق ، يقال : جبلهم الله أي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5/162 .
(2) بحار الأنوار 64/318 .
صفحه 360
خلقهم ، وجبله على الشيء طبعه عليه ، وقد ورد عنه(صلى الله عليه وآله) : «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين»(1) .
(واصطفاه قبل أن يبتعثه)
الاصطفاء : الاستخلاص والبعث : الإرسال .
(إذ الخلائق بالغيب مكنونة وبستر الأهاويل مصونة
وبنهاية العدم مقرونة)
المراد بالأهاويل : ظلمات العدم ، وإضافة النهاية إلى العدم للتأييد ، ويحتمل أن تكون إضافة النهاية إلى العدم بيانية ، ولعلّ الأوّل أقرب ، و(إذ) ظرف للأفعال المتقدّمة .
ففي أصول الكافي عن أحمد بن إدريس عن الحسين بن عبد الله عن محمّد بن عيسى ومحمّد بن عبد الله عن علىّ بن حديد عن مرازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «قال الله تعالى : يا محمّد إنّي خلقتك وعليّاً نوراً ـ يعني روحاً بلا بدن ـ قبل أن أخلق سمواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهلّلني وتمجّدني ، ثمّ جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجّدني وتقدّسني وتهلّلني ، ثمّ قسمتها ثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة : محمّد واحد وعليّ واحد والحسن والحسين ثنتين ، ثمّ خلق الله فاطمة من نور ابتدأها روحاً ، ثمّ مسحنا بيمينه فأضاء نوره فينا»(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المناقب لابن شهرآشوب 1/214 ، الأنوار : 2 ، عوالي اللئالي 4/121 ، مفتاح الفلاح : 41 ، بحار الأنوار 18/278 .
(2) الكافي 1/440 ، بحار الأنوار 15/18 ـ 19 .
صفحه 361
وفيه أيضاً عن الحسين بن محمّد الأشعري عن معلّى بن محمّد عن أبي الفضل عبد الله بن إدريس عن محمّد بن سنان : «قال كنت عند أبي جعفر الثاني(عليه السلام) فأجريت اختلاف الشيعة فقال : (يا محمّد إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيّته ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة عليهم الصلاة والسلام فمكثوا ألف دهر ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورها إليهم فهم يحلّون ما يشاؤون ويحرّمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلاّ أن يشاء الله تبارك وتعالى ، ثمّ قال : يا محمّد هذه الديانة التي من تقدّمها مرق ومن تخلّف عنها محق ومن لزمها لحق ، خذها إليك يا محمّد»(1) (2) .
وعن الخصال ومعاني الأخبار بإسناده المتصل إلى سفيان الثوري عن الصادق عن آبائه عن علىٍّ(عليهم السلام) قال : «إنّ الله تبارك وتعالى خلق نور محمّد(صلى الله عليه وآله) قبل أن يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسيّ واللّوح والقلم والجنّة والنّار وقبل أن يخلق آدم ونوحاً وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان وقبل أن يخلق الأنبياء كلّهم بأربعمائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة»(3) إلى آخر الخبر .
وعن العلل للصدوق عليه الرحمة بإسناد المتّصل إلى معاذ بن جبل «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال : (إنّ الله خلقني وخلق(4) عليّاً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة الآف عام ، قلت : فأين كنتم يا رسول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سقطت من نسخة المخطوطة كلمة : (يا محمّد) .
(2) الكافي1/441 ، بحار الأنوار 15/19 .
(3) الخصال 2/481 ـ 482 ، معاني الأخبار : 306 ـ 307 ، بحار الأنوار 54/175 .
(4) هذه الكلمة غير موجودة في نفس الرواية وهي زائدة من المؤلّف .
صفحه 362
الله؟ قال : قدّام العرش نسبّح الله ونحمده ونقدّسه ونمجّده ، قلت : على أيّ مثال؟ قال : أشباح نور»(1) الخبر .
وعن مصباح الأنوار بإسناده عن أنس عن النبىّ(صلى الله عليه وآله) قال : «إنّ الله خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم حين لا سماء مبنيّة ولا أرض مدحيّة ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنّة ولا نار ، فقال العبّاس : فكيف كان بدو خلقكم يا رسول الله؟ فقال : يا عمّ لمّا أراد الله أن يخلقنا تكلّم بكلمة فخلق منها نوراً ثمّ تكلّم بكلمة أخرى فخلق منها روحاً ثمّ خلط الروح بالنور فخلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فكنّا نسبّحه حين لا تسبيح ونقدّسه حين لا تقديس ، فلمّا أراد الله تعالى أن ينشأ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش من نوري ونوري من نور الله ونوري أفضل من العرش ، ثمّ فتق نور أخي علىّ فخلق منه الملائكة فالملائكة من نور عليٍّ ونور عليٍّ من نور الله وعلىّ أفضل من الملائكة ، ثمّ فتق نور ابنتي فخلق منه السماوات فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة ونور ابنتي فاطمة من نور الله وابنتي أفضل من السماوات والأرض ، ثمّ فتق نور ولدي الحسن وخلق منه الشمس والقمر فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ونور ولدي الحسن من نور الله والحسن أفضل من الشمس والقمر ، ثمّ فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنّة والحور العين فالجنّة والحور العين من نور ولدي الحسين ونور ولدي
الحسين من نور الله وولدي الحسين أفضل من الجنّة والحور العين»(2) الخبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علل الشرائع 1/208 ـ 209 ، دلائل الإمامة : 59 ، بحار الأنوار 15/7 .
(2) ذكر هذه الرواية : تأويل الآيات الظاهرة : 143 ـ 144 ، بحار الأنوار 15/10 ـ 11 .
صفحه 363
وعن كتاب أبي سعيد عبّاد العصفري عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي حمزة قال : «سمعت عليّ بن الحسين(عليهما السلام) يقول : (إنّ الله خلق محمّداً وعليّاً وأحد عشر من ولده من نور عظمته فأقامهم أشباحاً في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق يسبّحون الله ويقدّسونه وهم الأئمّة من ولد رسول الله(صلى الله عليه وآله)»(1) والأخبار في ذلك كثيرة وهذا القدر كاف في المرام .
(علماً من الله بمآل الأمور)
هذا مفعول لأجله والعامل فيه أحد الأفعال المتقدّمة .
(فرأى الأمم فرقاً في أديانها)
فمنهم يهود ومنهم نصارى ومنهم مجوس ومنهم عبدة أصنام ومنهم صابئون ومنهم زنادقة ، فأمّا الأمّة التي بعث محمّداً فيها فهم العرب وكانوا أصنافاً شتّى فمنهم معطّلة ومنهم غير معطّلة قد حصّلوا نوع تحصيل ، أمّا المعطلة فصنف منهم أنكر الخالق والبعث والإعادة وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم : (اِن هي إلاّ حياتُنا الدُّنيا نموتُ ونَحيا وما يُهلكُنا إلاّ الدّهرُ)(2) فجعلوا الجامع لهم الطّبع والمهلك لهم الدّهر ، وصنف منهم اعترف بوجود الخالق وأنكر البعث والإعادة وهم المحكي عنهم في القرآن الكريم (وضَرَبَ لَنا مَثَلاً ونسِيَ خَلقَه قالَ مَنْ يُحيي العِظامَ وهِيَ رميمٌ قُل يُحييها . . .)(3) الآية ، وصنف منهم اعترف بالخالق ونوع من الإعادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1/530 ـ 531، بحار الأنوار 54/202.
(2) سورة الجاثية 45: 24.
(3) سورة يس 36: 78.
صفحه 364
لكنّهم عبدوا الأصنام وزعموا أنّها شفعاؤهم إلى الله في الآخرة فحجّوا لها ونحروا لها الهدي وقرّبوا لها القربان وحلّلوا وحرّموا وهم جمهور العرب ومن هؤلاء قبيلة ثقيف وهم أصحاب اللات بالطائف وقريش وبنو كنانة وغيرهم أصحاب العزّى ، ومنهم من كان يجعل الأصنام على صور الملائكة ويتوجّه بها إلى الملائكة ، ومنهم من كان يعبد الملائكة ، ومنهم من يعبد النيران وهم المجوس(1) .
وأمّا المحصّلة كما قال ابن ميثم(رحمه الله) في شرح النهج فقد كانوا في الجاهلية على ثلاثة أنواع من العلوم أحدها علم الأنساب والتواريخ والأديان والثاني علم تعبير الرؤيا والثالث علم الأنواء وذلك بما يتولاّه الكهنة والقافة منهم ، وعن النبىّ(صلى الله عليه وآله) من قال مطرنا بنو كذا فقد كفر بما أنزل على محمّد(صلى الله عليه وآله) ، ومن غير العرب البراهمة من أهل الهند ومدار مقالتهم على التحسين والتقبيح العقليّين والرّجوع في كلّ الأحكام إلى العقل وإنكار الشّرائع وانتسابهم إلى رجل منهم يقال له برهام ، ومنهم أصحاب البده والبده عندهم شخص في هذا العالم لا يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت ، ومنهم أهل الفكرة وهم أهل العلم منهم بالفلك وأحكام النجوم ، ومنهم أصحاب الروحانيّات الذين أثبتوا وسائط روحانية تأتيهم بالرّسالة من عند الله في صورة البشر من غير كتاب فتأمرهم وتنهاهم ، إلى غير ذلك من أصناف الملل الفاسدة والمذاهب الكاسدة وهي أكثر من أن تحصر وهي مذكورة في الكتب المصنّفة في هذا الفنّ كالملل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حول ما ذكره المؤلّف حول تقسيم ديانات العرب قبل الإسلام واعتقاداتهم مقتبس من كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في باب (القول في أديان العرب في الجاهلية) ، أنظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/11 ـ 12 .
صفحه 365
والنّحل للشهرستاني(1) .
(فأنار الله بأبي ظلمها وفرّج عن القلوب بهمها
وجلا عن الأبصار غممها)
يعني أنّ العناية قد اقتضت بعثته(صلى الله عليه وآله) ليهتدوا به سبيل الحقّ ويفيئوا من ضلالهم القديم إلى سلوك الصراط المستقيم ، فلينقذهم ببركة نوره من ظلم الجهالة إلى ضياء اليقين ، ويفرّج عن قلوبهم كربها ويجلي عن أبصارهم استارها ، ثمّ إنّ الأبصار جمع البصر وهو إدراك البصر وقد يطلق مجازاً على القوّة الباصرة وعليها فالمراد بالغمم الأغشية .
(وقام في الناس بالهداية)
الهداية هي : الدلالة الموصلة إلى المطلوب وهو الفوز بالجنّة ومحو آثار العلائق الجسمانية وقصر العقل على عبادة الرحمن واكتساب الجنان .
(وأنقذهم من الغواية)
الإنقاذ والاستنقاذ والتنقيذ : التخليص ، ومنه حقّاً عليّ أن استنقذه من النّار ، ومنه يا منقذ الغرقى وأمثالها ، والغواية ـ بالفتح ـ : اسم من غوى يغوى من باب ضرب : انهمك في الجهل وهو خلاف الرشد .
(وبصّرهم من العماية)
العماية ـ بفتح العين ـ : الضلالة ، وهو مستعار من العمى المختصّ بالعينين إليها والجامع عدم الاهتداء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة للبحراني 1 /206 ـ 207 .
صفحه 366
(وهداهم إلى الدين القويم ودعاهم
إلى الصراط المستقيم)
أقول : قد مرّ قُبيل هذا معنى الهداية ، والقويم اسم فاعل مأخوذ من القوام ـ بالفتح ـ : وهو العدل والاعتدال قال تعالى : (وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً)(1) أي عدلاً وهو حسن القوام أي : الاعتدال ، ووصف الدين بالقويم كناية عن سهولته وسماحته كما قال سبحانه وتعالى : (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) ، وقال(صلى الله عليه وآله) : (آتيتكم بالحنيفية السمحاء) ، والمراد بالصراط المستقيم : الطريق الذي من سلكه وصل به إلى الجنّة وهو ما يشتمل عليه الشرع(3) كما قال الله تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراط مُسْتَقِيم)(4) صراط الله .
(ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار)
ففي كشف الغمّة لعلىّ بن عيسى الإربلي(رحمه الله) «عن علىّ(عليه السلام) قال : (كان جبرئيل(عليه السلام) ينزل على النبىّ(صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه في كلّ يوم وليلة فيقول : السلام عليك إنّ ربّك يقرئك السلام ويقول كيف تجدك؟ وهو أعلم بك ولكنّه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً إلى ما أعطاك على الخلق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفرقان 25 : 67 .
(2) سورة الحج 22 : 78 .
(3) الحديث الذي ذكره المؤلّف عن الرسول(صلى الله عليه وآله) ليس نصّاً وإنّما المعنى العامّ ونصّه كما يلي : «لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ولكن بعثني بالحنفية السهلة السمحة . .» ، أنظر : الكافي 5/494 ، وسائل الشيعة 20/106 ، بحار الأنوار 22/316 .
(4) (206) سورة الشورى 42 : 52 .
صفحه 367
وأراد أن تكون عيادة المريض سُنّة في أمّتك ، فيقول له النبىّ(صلى الله عليه وآله) : إن كان وجعاً يا جبرئيل أجدني وجعاً ، فقال له جبرئيل : اعلم يا محمّد أنّ الله لم يشدّد عليك وما من أحد من خلقه أكرم عليه منك ولكنّه أحبّ أن يسمع صوتك ودعاءك حتّى تلقاه مستوجباً للدرجة والثواب الذي أعدّه الله لك والكرامة والفضيلة على الخلق ، وإن قال له النبىّ(صلى الله عليه وآله) : أجدني مريحاً في عافية ، قال : له فاحمد الله على ذلك فإنّه يجب أن تحمده وتشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيراً فإنّه يحبّ أن يحمده ويزيده من شكره ، قال : وإنّه نزل عليه في الوقت الذي كان ينزل فيه فعرفنا حسّه فقال علىّ(عليه السلام) : فيخرج من كان في البيت غيري فقال له جبرئيل(عليه السلام) : يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام ويسألك وهو اعلم بك كيف تجدك؟ فقال له النبىّ(صلى الله عليه وآله) : أجدني ميتاً ، قال له جبرئيل : يا محمّد ابشر فإنّ الله إنّما أراد أن يبلغك بما تجد ما أعدّ لك من الكرامة ، قال له النبىّ(صلى الله عليه وآله) : إنّ ملك الموت استأذن علىّ فأذنت له فدخل فاستنظرته مجيئك ، فقال له جبرئيل : يا محمّد إنّ ربّك إليك مشتاق فما استأذن ملك الموت على أحد قبلك ولا يستأذن على أحد بعدك ، فقال له النبىّ(صلى الله عليه وآله) : لا تبرح يا جبرئيل حتّى يعود ، ثمّ أذن للنساء فدخلن عليه فقال لابنته : أدني منّي يا فاطمة ، فاكبّت عليه فناجاها ، فاكبّت فرفعت رأسها وعيناها تهملان دموعاً ، فقال لها : أدني منّي فدنت منه فأكبّت عليه فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك ، فتعجّبنا ما رأينا فسألناها فأخبرتنا : أنّه نعى إليها نفسه فبكت ، فقال لها : يا بنيّة لا تجزعي فإنّي سألت الله أن يجعلك أوّل أهل بيتي لحاقاً بي فأخبرني أنّه قد استجاب لي فضحكت ، قال : ثمّ دعا النبىّ(صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين(عليهما السلام) فقبّلهما وشمّهما وجعل يترشّفهما

صفحه 368
وعيناه تهملان»(1) .
وفيه أيضاً «عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : (لمّا حضرت النبىّ(صلى الله عليه وآله) الوفاة استأذن عليه رجل فخرج إليه علىّ(صلى الله عليه وآله) فقال : ما حاجتك؟ فقال : أريد الدخول على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقال علىّ(عليه السلام) : لست تصل إليه فما حاجتك؟ فقال الرجل : إنّه لابدّ من الدخول عليه ، فدخل علىّ(عليه السلام) فاستأذن النبىّ(صلى الله عليه وآله) فأذن له فدخل فجلس عند رأس رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثمّ قال : يا نبىّ الله إنّي رسول الله إليك ، قال : وأيّ رسل الله أنت؟ قال : أنا ملك الموت أرسلني إليك نخيّرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا ، فقال له النبىّ(صلى الله عليه وآله) : فأمهلني حتّى ينزل جبرئيل فاستشيره ، فنزل جبرئيل فقال : يا رسول الله (وَ لَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)(2) لقاء الله خير لك ، فقال(عليه السلام) : إنّها لقاء ربّي خيرٌ فامض لما أمرت به ، فقال جبرئيل لملك الموت : لا تعجل حتّى أعرج إلى السماء وأهبط ، قال ملك الموت : لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها ، فعند ذلك قال جبرئيل(عليه السلام) : يا محمّد هذا آخر هبوطي إلى الدّنيا إنّما كنت أنت حاجتي فيها»(3) .
(بمحمّد(صلى الله عليه وآله) عن تعب هذه الدار)
قال الشيخ يوسف البحراني في الدرّة النجفية ما لفظه : قال بعض مشايخنا رضوان الله عليهم : لعلّ الظّرف متعلّق بالإيثار يتضمّن معنى العفّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمّة 1/17 ـ 18 ، بحار الأنوار 22/532 ـ 533 .
(2) سورة الضحى93 : 4 ـ 5 .
(3) كشف الغمّة 1/18 ـ 19 ، بحار الأنوار 22/533 ـ 534 .
صفحه 369
ونحوها(1) ، وفي بعض النسخ (محمّد) بدون الباء(2) فتكون الجملة استئنافية أو مؤكّدة للفقرة السابقة أو حاليّة بتقدير الواو ، وفي بعض كتب المناقب القديمة (فمحمّد) وهو أظهر(3) ، وفي رواية كشف الغمّة (رغبة بمحمّد عن تعب هذه الدار)(4) ، وفي رواية أحمد بن أبي طاهر (بأبي عزّت هذه الدار)(5) وهو أظهر ، ولعلّ المراد بالدّار دار القرار ولو كان المراد الدّنيا تكون الجملة معترضة .
(موضوعاً عنه أعباء الأوزار)
الأعباء جمع عبء وهو الحمل الثّقيل والأوزار جمع وزر وهو الذنب .
(وأمينه بالوحي)
وكان(صلى الله عليه وآله) يسمّى بذلك(6) وهو مأخوذ من الأمانة وأدائها وصدق الوعد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدرّة النجفية : 272 .
(2) ذكر الشيخ المجلسي أنّه قد ورد في بعض النسخ (محمّد) بدون الباء ولم يذكر المصدر بحار الأنوار 29/256 ، ولكن ورد عند الطبري (لمحمّد) : دلائل الإمامة : 32 .
(3) أنظر : الإحتجاج 1/97 .
(4) كشف الغمّة 1/480 .
(5) بحار الأنوار 29/257 .
(6) وقد وردت هذه التسمية في مصادر كثيرة أنظر : من لا يحضره الفقيه 1/514 ، بلاغات النساء : 26 ، دلائل الإمامة : 32 ، الإقبال : 381 ، البلد الأمين : 323 ، بحار الأنوار 29/220 ، مستدرك الوسائل 6/54 .
صفحه 370
(وأنتم عباد الله نصب أمره ونهيه)
أي نصبكم الله لأمره ونهيه كما قال بعض الشّراح .
(وحملة كتاب الله ووحيه)
أي متعبّدون بما تضمّنه كتاب الله ووحيه من الأحكام .
(لله فيكم عهد قدّمه إليكم وبقيّة استخلفها عليكم كتاب الله)
لمّا كان هذا الشخص الذي هو النبيّ ليس ممّا يتكوّن وجود مثله في كلّ وقت لما أنّ المادّة التي توجب كمال مثله تقع في قليل من الأمزجة وجب إذن أن يشرّع للناس بعده سنة باقية بأذن الله وأمره ونهيه ووحيه وإنزاله روح القدس عليه وواجب أن يكون قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في أمور المصالح الإنسانية تدبيراً ، والغاية من ذلك التدبير هو بقاء الخلق واستمرارهم على معرفة الصانع المعبود ودوام ذكره وذكر المعاد وحسم وقوع النسيان فيه مع انقراض القرن الذي يلي النبيّ ومن بعده ، فواجب إذن أن يأتيهم بكتاب من عند الله ويكون وافياً بالمطالب الإلهية والأذكار الجاذبة إلى الله تعالى ، ولأخطاره بالبال في كلّ حال مشتملاً على أنواع من الوعد إلى طاعة الله ورسوله بجزيل الثواب عند المصير إليه ، والوعيد على معصيته بعظيم العقاب عند القدوم عليه ، ولابدّ أن يعظّم أمره ويسنّ على الخلق تكراره وحفظه أو بعضه ودراسته وتعلّمه وتعليمه وتفهّم معانيه ومقاصده ليدوم به التذكّر لله سبحانه والملأ الأعلى من ملائكته ، ثمّ يسنّ عليهم أفعالاً وأعمالاً تتكرّر في أوقات مخصوصة تتقارب ، ويتلو بعضها بعضاً مشفوعة

صفحه 371
بألفاظ تقال ، ونيّات تنوى في الخيال ليحصل بها دوام تذكّر المعبود وينتفع بها في أمر المعاد ، وإلاّ فلا فائدة فيها ، وهذه الأفعال كالعبادات الخمس المفروضة على الناس وما يلحقها من الوظائف(1) .
قاله شيخنا ابن ميثم البحراني في شرح النهج : ثمّ أخذت صلوات الله وسلامه عليها في ذكر أوصاف القرآن ونعوته(2) فقالت :
(بيّنة بصائره منكشفة سرائره متجلّية ظواهره)
البصائر : قال في مجمع البحرين : هي الحجج البيّنة ، واحدها بصيرة وهي الدلالة التي يستبصر بها الشيء على ما هو به وهو نور القلب كما أنّ البصر نور العين ، سمّيت بها الدلالة لأنّها تُجلي الحقّ ويبصر فيها ، وهذا كقولها(عليها السلام) : فيه تبيان حجج الله المنيرة(3) .
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) عن(4) رسول الله(صلى الله عليه وآله) في وصفه : «وله ظهر وبطن ، فظاهره حكمة وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد وردت عن الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار(عليهم السلام) أحاديث كثيرة في فضل القرآن لمزيد من المعلومات أنظر : الكافي 1/59 ، 60 ، 62 ، 64 ، 2/600 ـ 602 ، بحار الأنوار 89/106 ـ 107 ، التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) : 13 ، تفسير العيّاشي 1/1 ـ 28 ، وهناك مصادر أخرى يطول ذكرها .
(2) شرح نهج البلاغة للبحراني 1/134 .
(3) مجمع البحرين 2/211 .
(4) غير موجودة في نسخة المخطوطة وأضفناها لإكمال المعنى المتقدّم في المتن .
(5) الكافي 2/599 ، تفسير العيّاشي 1/2 ، النوادر للراوندي : 22 ، وسائل الشيعة 6/17 ، بحار الأنوار 74/117 .
صفحه 372
(قائِد إلى الرّضوان أتباعه) .
الرّضوان ـ بكسر الرّاء وضمّها ـ : أعلى مراتب الرّضا والمراد به الجنّة كما قال(صلى الله عليه وآله) : «من جعله أمامهُ قادهُ إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النّار»(1) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبة له قال فيها في وصفه : «(أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى بِاللهِ شَهِيداً)(2) فجعله الله نوراً يهدي للتي هي أقوم وقال : (فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)(3) وقال : (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ)(4) وقال : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(5) ففي اتّباع ما جاءكم من الله الفوز العظيم وفي تركه الخطأ المبين قال : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى)فجعل في اتّباعه كلّ خير يرجى في الدنيا والآخرة» انتهى(6) .
(مؤدّ إلى النّجاة استماعُه)
]وفي بعض النسخ (مديم للبرية استماعه)(7) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي : 599 ، النوادر للراوندي : 22 ، إرشاد القلوب 1/8 ، أعلام الدين : 102 ، عدّة الداعي : 286 ، وسائل الشيعة 6/171 ، بحار الأنوار 74/136 .
(2) سورة النساء 4 : 166 .
(3) سورة القيامة 75 : 18 .
(4) سورة الأعراف7 : 3 .
(5) سورة هود 11 : 112 .
(6) سورة طه20 : 123 تفسير العيّاشي 1/7 ، بحار الأنوار 26/88 ـ 89 .
(7) علل الشرائع 1/249 ، بحار الأنوار 6/107 ، وقد وردت عند الإربلي (مديماً) ، أنظر : كشف الغمّة 1/483 .
صفحه 373
قال المجلسي(رحمه الله) : «أي ما دام القرآن بينهم لا ينزل عليهم العذاب كما ورد في الأخبار»(1) [ .
الاستماع افتعال مأخوذ من مادّة (س م ع) ، والفرق بينه وبين السّمع أنّ الاستماع يعتبر فيه القصد والالتفات دونه فهو أعمّ مطلقاً منهُ وله وظائف أشار إليها الغزالي في محكي الإحياء وهي تسعة :
أحدها : أن يتصوّر الإنسان حال استماعه للتلاوة عظمة كلام الله سبحانه وإفاضة كماله ولطفه بخلقه في نزوله من عرش جلاله إلى درجة إفهام الخلق في إيصال معاني كلامه إلى أذهانهم .
الثانية : التعظيم للمتكلّم ، وينبغي أن يحضر في ذهن المستمع عظمة المتكلّم ، ويعلم أنّ ما يستمعه ليس بكلام البشر ، فتعظّم الكلام بتعظيم المتكلّم ، وإذ قد علمت أنّ عظمة المتكلّم لا تخطر في القلب بدون الفكر في صفات جلاله ونعوت كماله وأفعاله ، وإذا خطر ببالك الكرسيّ والعرش واللّوح والسماوات والأرضون وما بينهما وعلمت أنّ الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها هو الله الواحد القهّار ، وأنّ الكلّ في قبضته ، والسماوات مطويّات بيمينه ، والكلّ سائر إليه ، وأنّه الذي يقول : هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النّار ولا أبالي ، فإنّك تستحضر من ذلك عظمة المتكلّم ثمّ عظمة الكلام .
الثالثة : التدبّر ، وهو طور وراء حضور القلب المعتبر في معنى الاستماع وهو المقصود منه ، قال سبحانه : (أفلا يتَدَبَّرونَ القُرآنَ أم على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 6/108 .

صفحه 374
قُلوب أقفالها)(1) ، (أفلا يَتَدَبّرون القرآنَ وَلَو كانَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدوا فِيهِ اختِلافاً كثيراً)(2) .
الرابعة : التفهّم ، وهو أن يستوضح من كلّ آية ما يليق بها ، فإنّ القرآن مشتمل على ذكر صفات الله وأفعاله وأحوال أنبيائه والمكذّبين لهم وأحوال ملائكته وذكر أوامره وزواجره وذكر الجنّة والنّار والوعد والوعيد فليتأمّل معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها فتحتها دفائن الأسرار وكنوز الحقائق .
الخامسة : التخلّي من موانع الفهم ، فإنّ أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فحجبت عن عجائب أسراره ، قال(صلى الله عليه وآله) : «لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت ومعاني القرآن وأسراره من جملة الملكوت»(3) .
السادسة : أن يخصّص نفسه بكلّ خطاب في القرآن من أمر أو نهي أو وعد أو وعيد ويقدّر أنّه هو المقصود به ، كذلك إن سَمِعَ قصص الأوّلين والأنبياء(عليهم السلام) عَلِمَ أنّ السّمر غير مقصود وإنّما المقصود الاعتبار ، فلا يعتقد أنّ كلّ خطاب خاصّ في القرآن المراد به الخصوص ، فإنّ القرآن وسائر الخطابات الشرعية واردة بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ، وهي كلّها نور وهدى ورحمة للعالمين ، ولذلك أمر الحقّ تعالى الكافّة بشكر نعمة الكتاب فقال : (واذْكُروا نعمَةَ اللهِ عَلَيْكُم وما أَنزَل عليْكُم مِنَ الكِتابِ والحِكْمةِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة محمّد 47 : 24 .
(2) سورة النساء 4 : 82 .
(3) بحار الأنوار 56/163 .

صفحه 375
يَعِظُكُم بِهِ)(1) .
السابعة : التأثّر ، وهو أن يتأثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له بحسب كلّ فهم حال ووجد يتّصف به عندما يوجّه نفسه في كلّ حالة إلى الجهة التي فهمها من خوف أو حزن أو رجاء أو غيره ، فيستعدّ بذلك وينفعل ويحصل له التأثر والخشية .
الثامنة : الترقّي ، وهو أن يوجّه قلبه وعقله إلى الجهة الحقيقية فيسمع الكلام من الله تعالى لا من القارئ .
التاسعة : التبرّي ، والمراد به أن يبرأ من حوله وقوّته ولا يلتفت إلى نفسه بعين الرّضا والتزكية ، فإذا تلا آيات الوعد ومدح الصالحين حذف نفسه منهم عن درجة الاعتبار ، وشهد فيها الموقنين والصدّيقين ويتشوّق إلى أن يلحقه الله تعالى بهم ، وإذا تلا آيات المقت والذّم في المقصّرين وشهد نفسه هناك وقدّر أنّه المخاطب خوفاً وإشفاقا . فهذه وظائف المستمع .
ثمّ ليعلم أنّ هذه الوظائف المحكيّة عن الغزالي قد حكيت عنه بالنسبة إلى القارئ إلاّ أنّا قد طبّقناها على المستمع حيث وجدناها قابلة للتطبيق عليه سوى وظيفة واحدة أسقطناها من جهة اختصاصها بالقارئ فلاحظ .
(ومحارمه المحذورة)
في نسخة الإحتجاج (ومحارمه المخدّرة)(2)
وعليها فيكون وصفها بالمخدّرة من قبيل الاستعارة بالكناية ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة 2 : 231 .
(2) الإحتجاج 1/99 ، وانظر كذلك : بلاغات النساء : 29 ، دلائل الإمامة : 32 ، بحار الأنوار 29/223 .

صفحه 376
والمخدّرة تخييل .
وفي نسخة البحار عن العلل وصفها (بالمحرّمة)(1) فيكون من باب التأكيد .
(وبيّناته الجالية)
قال الفيّومي : جلا الخبر للنّاس جلاءً ـ بالفتح والمدّ ـ : وضح وانكشف فهو جليٌّ ، وجلوته أوضحته يتعدّى أو لا يتعدّى(2) .
(وأحكامه الكافية)
وفي نسخة الإحتجاج (وبراهينه الكافية) وزاد (وفضائله المندوبة)(3).
(وشرائعه المكتوبة)
أي المفروضة على العباد كقوله تعالى : (كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذينَ من قَبلِكُم)(4) ومنه يقال : الصلاة المكتوبة .
(ورخصه الموهوبة)
وذلك مثل أنّه سبحانه فرض الوضوء والغسل بالماء فقال : (يا أيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علل الشرائع 1/248 ، من لا يحضره الفقيه 3/567 ، بحار الأنوار 89/13 .
(2) المصباح المنير 1/106 .
(3) الإحتجاج 1/99 ، بحار الأنوار 29/223 .
(4) سورة البقرة 2 : 183 .

صفحه 377
الذّينَ آمَنوا إذا قُمتُم إلى الصَّلاة فاَغْسِلوا وُجوهَكُم وأيديكم إلى المرافِقِ وامسَحوا برِؤوسِكُم واَرجُلَكُم إلى الكَعبين وإن كُنتُم جُنُباً فاَطَّهَّروا)(1) ثمّ رخّص لمن لم يجد الماء التيمّم بالتراب فقال : (وَإن كُنْتُم مرضى أو عَلَى سَفَر أو جاءَ اَحَدٌ مِنْكُم من الغائِطِ أو لامستُم النساء فَلَم تَجِدوا ماءً فتيمّموا صَعيداً طَيّباً فاَمسَحوا بِوُجُوهِكُم وأيديكم)(2) ومثله قوله : (حافِظوا على الصّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسطى وقُوموا للّهِ قانِتين)(3)ثمّ رخّص فقال : (وإن خِفتم فَرِجالاً أو رُكباناً) وقوله : (فإذا قَضيُتمُ الصلاةَ فاَذكُروا الله قِياماً وقُعُوداً وَعَلى جنوبِكُم)(4) فقال العالم : الصحيح يصلّي قائماً والمريض يصلّي جالساً فمن لم يقدر فمضطجعاً يومئ إيماء إلى غير ذلك من موارد الرخصة ، وهذا النوع رخصته بعد العزيمة والفريضة وهو الظاهر من السياق ، وهناك نوع آخر وهي الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك فإنّ الله عزّ وجلّ رخّص أن يعاقب الرجل الرجل على فعله به فقال : (وجَزاءُ سَيّئة سَيّئةٌ مِثلُها فَمَن عَفا وأصلَحَ فَأجرُهُ عَلى اللهِ)(5) فهذا بالخيار إن شاء عاقب وإن شاء عفى ، ونوع آخر وهو الرخصة التي ظاهِرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها ولا يراد باطنها فإنّ الله تبارك وتعالى نهى أن يتّخذ المؤمن الكافر وليّاً فقال : (لاَ يَتّخِذِ المؤمِنونَ الكافِرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمِنينَ وَمَن يَفعَل ذلِك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة 5 : 6 .
(2) سورة المائدة 5 : 6 .
(3) سورة البقرة 2 : 238 .
(4) سورة النساء 4 : 103 .
(5) سورة الشورى 42 : 40 .
صفحه 378
فَلَيسَ مِن للهِ في شيء)(1) ثمّ رخّص عند التقية أن يصلّي بصلاته ويصوم بصومه ويعمل بعمله في ظاهره وأن يدين الله في باطنه بخلاف ذلك فقال : (إلاّ أن تَتَّقوا مِنهُم تُقاةً)(2) فهذه أنواع الرخصة .
وفي تفسير علي بن إبراهيم القمّي(رحمه الله) عن الصادق(عليه السلام) مرسلاً أنّه قال : «إنّ الله تبارك وتعالى يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه»(3) .
(ففرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك)
هذا تفريع على مضمون قولها(عليها السلام) : (فيه شرائعه المكتوبة) يعني أنّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى 42 : 40 .
(2) سورة آل عمران 3 : 28 .
(3) تفسير القمّي 1 /15 ـ 16 ، وما ذكره المؤلّف في المتن مقتبس من تفسير القمّي حول موضوع (الرخصة) ، أنظر المصدر نفسه الجزء والصفحات .
وقد ذهبت بعض الروايات إلى أبعد من ذلك ففي وصية لمولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) لأحد أصحابه قال : (وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه وفي إظهار البراءة منّا إن حملك الوجل عليه وفي ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشتك الآفات والعاهات فإنّ تفضيلك أعداءنا علينا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضيرنا وإن إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا ولا ينفعهم ولئن تبرّئت منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنابك لتبقي على نفسك روحك التي بها قوامها ومالها الذي به قيامها وجاهها الذي به تماسكها وتصون من عرضه بذلك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا من بعد ذلك بشهور وسنين إلى أن يفرّج الله تلك الكربة وتزول به تلك الغمّة فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك وينقطع به عن عمل الدين وصلاح إخوانك المؤمنين وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية التي أمرتك بها فإنّك شائط بدمك ودم إخوانك معرض لنعمتك ونعمهم على الزوال مذلّ لهم في أيدي أعداء دين الله وقد أمرك الله بإعزازهم فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضيرك على نفسك وإخوانك أشدّ من ضرر المناصب لنا الكافر بنا) ، أنظر : الإحتجاج 1/239 ، التفسير المنسوب للإمام العسكري(عليه السلام) : 175 ، بحار الأنوار 72/418 ـ 419 ، وسائل الشيعة 16/229 .
صفحه 379
سبحانه وتعالى إنّما فرض الإيمان الذي هو التصديق بالله بأن يصدّق بوجوده وصفاته وبرسله بأن يصدّق بأنّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ، وبكتبه بأن يصدّق بأنّها كلام الله وأنّ مضمونها حقٌّ ، وبالبعث من القبور والصراط والميزان وبالجنَّة والنّار وبالملائكة بأنّهم موجودون وأنّهم عباد مكرّمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، إلى غير ذلك ، وهذا المعنى هو الذي استظهره شيخنا الطريحي(رحمه الله)(1) من معناه في الشرع وإلاّ فلهم خلاف في معناه مذكور في الكتب الكلامية فإن أحببت فراجع ، فلنرجع إلى ما كنّا فيه ، فإنّما فرض الله سبحانه الإيمان تطهيراً من نجاسة الشرك بالله الذي هو عبارة عن عدم الإيمان بالمعنى الذي ذكرناه المذكور في قوله تعالى في مقام تشريع الأحكام (إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)(2) فإنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّيّة كما نصّ عليه علماء الأصول ، ثمّ إنّ الظاهر من نجاستهم العينية كأخويهم لا الحكمية ، ويدلّ على ذلك نقل الإجماع من غير واحد من فقهائنا رحمهم الله ، وإنّ بيان النجاسة الحكمية التي هي الخباثة الباطنية ليس من وظيفة الحكمة الربّانية ، مع أنّها منصرفة إلى العينية بخلاف الحكمية إذ ليست معنى معروفاً لها حتّى ينصرف إليها سيّما مع مساعدة السياق كما لا يخفى ، وهو المحكي عن ابن عبّاس(رضي الله عنه)وتحقيقه مذكور في كتب الفروع فلاحظ(3) .
ثمّ إنّها(عليها السلام) بدأت بالإيمان لأنّه الأصل لجميع الفرائض والسنن وهو الظاهر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البحرين 1/113 .
(2) سورة التوبة 9 : 28 .
(3) لمزيد من المعلومات انظر : المبسوط 2/47 ، تذكرة الفقهاء 1/5 8 69 ، جواهر الكلام 6/42 93 .
صفحه 380
(والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر)
روى الصدوق عليه الرحمة في العلل بإسناده إلى محمّد بن سنان : «أنّ أبا الحسن(عليه السلام) كتب فيما كتب من جواب مسائله : (إنّ علّة الصلاة فإنّها إقرار بالربوبية وخلع الأنداد ، وقيام بين يدي الجبّار جلّ جلاله بالذلّ والمسكنة والخضوع والاعتراف والطلب للإقالة من سالف الذنوب ، ووضع الوجه على الأرض كلّ يوم خمس مرّات إعظاماً لله عزّ وجلّ ، وأن يكون ذاكراً غير ناس ولا بطر ، ويكون خاشعاً متذلّلاً راغباً طالباً للزيادة في الدين والدنيا مع ما فيه من الانزجار(1) والمداومة على ذكر الله عزّ وجلّ بالليل والنهار لئلاّ ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه فيبطر ويطغى ، ويكون في ذكره لربّه وقيامه بين يديه زجراً له عن المعاصي ومانعاً من أنواع الفساد»(2) .
وفي العيون عن عبد الواحد ابن عبدوس عن عليّ بن محمّد بن قتيبة في علل الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام) : «فإن قيل : فلم أمروا بالصلاة؟ قيل : لأنّ في الصلاة الإقرار بالربوبية وهو صلاح عام لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي الجبّار بالذلّ والاستكانة والخضوع والاعتراف وطلب الإقالة من سالف الذنوب ، ووضع الجبهة على الأرض كلّ يوم وليلة ليكون العبد ذاكراً لله تعالى غير ناس له ويكون خاشعاً ]وجلاً[ متذلّلاً طالباً راغباً في الزيادة للدين والدنيا»(3) الخبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الزجر : المنع والنهي والانتهار ، لسان العرب 4/318 .
(2) علل الشرائع 2/317 ، من لا يحضره الفقيه 10/214 ـ 215 ، وسائل الشيعة 4/8 ـ 9 ، بحار الأنوار 79/261 ـ 262 .
(3) نفس الحديث المتقدّم الذكر ولا يوجد اختلاف في المعنى العامّ المتقدّم الذكر الاختلاف في بعض الكلمات . أنظر : عيون أخبار الرضا 2/103 ـ 104 ، علل الشرائع 1/256 ـ 257 ، بحار الأنوار 79/271 ـ 272 .
وأشار الإمام عليّ(عليه السلام) إلى علّة الصلاة وفلسفتها وتشريعها السماوي من كلام له كان يوصي به أصحابه قائلاً : (تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقرّبوا بها فإنّها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حين سئلوا ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلّين وإنّها لتحتّ الذنوب حتّ الورق وتعلّقها إطلاق الربق وشبّهها رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالحمّة تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرّات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن وقد عرف حقّها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولا قرّة عين من ولد ولا مال يقول الله سبحانه : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) نصباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنّة لقول الله سبحانه (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) فكان يأمر أهله ويصبّر نفسه) ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد10/202 .
صفحه 381
وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في ذمّ التكبّر وعن ذلك : «ما حرّض(1) الله عباده المؤمنين بالصلاة والزكاة ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات تسكيناً لأطرافهم وتخشيعاً لأبصارهم وتذليلاً لنفوسهم وتخفيضاً لقلوبهم وإذهاباً للخيلاء عنهم ، لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً ، وإلصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً ، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذلّلاً»(2) الخ .
وفي البحار عن كتاب العلل لمحمّد بن علي بن إبراهيم أنّه قال : «العلّة في الصلاة الاستعباد والإقرار بربوبيّته وخلع الأنداد ، مكرّراً ذلك عليهم في كلّ يوم وليلة خمس مرّات ولئلاّ ينسوا خالقهم ورازقهم ولا يغفلوا عن طاعته ويكونوا أكرمين حامدين شاكرين لنعمه وتفضّله عليهم ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المخطوط (حرص) .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13/163 ، بحار الأنوار 79/275 .
صفحه 382
وعلّة أخرى ليذلّ كلّ جبّار عنيد ومتكبّر ويعترف ويخشع ويخضع ويسجد له ويعلم أنّ له خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً»(1) الخ .
(والزكاة تزييداً لكم في الرزق)
قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : (مَن ذا الذي يُقرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفهُ لَهُ أضعافاً كَثيرةً)(2) والكثير عند الله لا يحصى .
وفي الوسائل عن مبارك العقرقوفي عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال : «إنّما وضعت الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيراً لأموالهم»(3) ، قال : ورواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن يونس عن مبارك العقرقوفي(4) ، ورواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن مبارك العقرقوفي نحوه(5) ، والذي قبله عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان مثله ، ورواه الصدوق عليه الرحمة في العلل عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن يونس بن عبد الرحمن عن مبارك العقرقوفي(6) ، والذي قبله عن محمّد بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 79/275 .
(2) سورة البقرة 2 : 245 .
(3) وسائل الشيعة 9/10 ـ 11 ، من لا يحضره الفقيه 2/4 ، بحار الأنوار 93/18 .
(4) المحاسن 2/319 .
(5) الكافي 3/498 ، وقد ورد هذا الحديث عند الشيخ الكليني كما يأتي : (إنّ الله عزّ وجلّ وضع الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيراً لأموالكم) .
(6) علل الشرائع 2/368 ، وقد ورد هذا الحديث عند الشيخ الصدوق كما يلي : (إنّما وضعت الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيراً لأموال الأغنياء) .
صفحه 383
الحسن عن الصفّار عن العبّاس بن معروف عن عليّ بن مهزيار عن الحسين ابن سعيد عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان مثله .
(والصيام تثبيتاً للإخلاص)
لأنّ فيه صفاء القلب وطهارة الجوارح ، وعمارة الظاهر والباطن ، والشكر على النّعمة ، والإحسان إلى الفقراء ، وزيادة التضرّع والخشوع والبكاء ، وحبل الالتجاء إلى الله ، وسبب انكسار الهمّة ، وتخفيف السيّئات ، ولأنّه أمر لا يطّلع عليه أحدٌ فلا يقوم به على وجهه إلاّ المخلصون(1) .
روى الصدوق(رحمه الله) في عيون أخبار الرضا(عليه السلام) بإسناده عن محمّد بن سنان عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) فيما كتب إليه من جواب مسائله : «علّة الصوم لعرفان مسّ الجوع والعطش ليكون العبد ذليلاً مسكيناً مأجوراً محتسباً صابراً ، ويكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة ، مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات ، واعظاً له في العاجل دليلاً على الآجل ، ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة»(2) .
وفي العيون أيضاً بإسناده إلى عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس عن علىّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري في علل الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام) : «فإن قيل : فلم أمر بالصوم؟ قيل : لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش فيستدلّوا على فقر الآخرة ، وليكون الصائم خاشعاً ذليلاً مستكيناً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما ذكر سالفاً في المتن حول الصيام وفضائله هو أصلاً حديث للرسول(صلى الله عليه وآله) ، أنظر : مصباح الشريعة : 136 ، بحار الأنوار 93/254 ، مستدرك الوسائل 7/500 .
(2) عيون أخبار الرضا 20/91 ، علل الشرائع 2/378 ، من لايحضره الفقيه 2/73 ، وسائل الشيعة 10/8 ، بحار الأنوار 6/97 .
صفحه 384
مأجوراً محتسباً عارفاً صابراً على ما أصابه من الجوع والعطش فيستوجب الثواب ، مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات ، وليكون ذلك واعظاً لهم في العاجل ، وراضياً لهم على أداء ما كلّفهم ، ودليلاً لهم في الأجل ، وليعرفوا شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا فيؤتوا إليهم ما افترض الله تعالى في أموالهم»(1) .
(والحج تشييداً للدين)
وفي نسخة الكشف (تسنية) بدل تشيداً وكأنّه بمعنى الشعار(2) ، وهو ظاهر في العلل والعيون(3) بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام) في حديث طويل قال : «إنّما أمروا بالحجّ لعلّة الوفادة إلى الله عزّ وجلّ ، وطلب الزيادة ، والخروج عن كلّ ما اقترف العبد تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل ، مع ما فيه من إخراج الأموال وتعب الأبدان والاشتغال عن الأهل والولد وحظر النفس عن اللذات ، شاخصاً في الحرّ والبرد ، ثابتاً على ذلك دائماً مع الخضوع والاستكانة والتذلّل ، مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الأرض وغربها ومن في البرّ والبحر ممّن حجّ وممّن لم يحجّ من بين تاجر وجالب وبائع ومشتري وكاسب ومسكين ومكاري وفقير ، وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه ، مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمّة إلى كلّ صقع وناحية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا 2/116 .
(2) بحار الأنوار 29/260 .
(3) علل الشرائع 1/273 ، عيون أخبار الرضا 2/119 ، وسائل الشيعة 11/13 ، بحار الأنوار 96/40 ـ 41 .
صفحه 385
كما قال الله عزّ وجلّ : (فلولا نَفَر من كُلِّ فِرقة طائفةٌ لِيَتفقّهوا في الدّينِ وليُنذِروا قومَهُم إذا رجَعوا إليهم لَعلّهُم يَحذَرونَ)(1) (وَلْيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُم)»(2) .
(والعدل تنسيكاً للقلوب)(3)
أي إنّه سبحانه إنّما فرض العدل لتطهير القلوب من دنس الظّلم ، روي عن النبىّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة»(4) .
(وطاعتنا نظاماً للملّة)
أي قواماً لها ، قال سبحانه وتعالى : (يا أيّها الذينَ آمنوا أطيعوا اللهَ والرسولَ وأولي الأمرِ مِنكُم)(5) وإنّما كانت طاعتهم(عليهم السلام) نظاماً للملّة لأنّهم أبواب الله والسبيل إليه والأدلّة عليه وعيبة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده ، معصومون من الخطأ والزلل قد أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً ، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، أمرهم أمر الله ونهيهم نهي الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله(6) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة 9 : 122 .
(2) سورة الحجّ 22 : 28 .
(3) ووجدت نسخة (مسكاً) بدل (تنسيكاً) وهو بمعنى أن يمسكها عن الخوف والقلق والاضطراب وعن الجور والظلم (المؤلّف) .
(4) مشكاة الأنوار : 315 ـ 316 ، جامع الأخبار : 119 ، عوالي اللئالي 1/361 ، بحار الأنوار 72/352 ، مستدرك الوسائل 11/317 .
(5) سورة النساء 4 : 59 .
(6) ما تقدّم آنفاً في المتن هو أشارة إلى قول الإمام الصادق(عليه السلام) : (الأوصياء هم أبواب الله عزّ وجلّ التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عزّ وجلّ وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه) ، أنظر : الكافي 1/193 ، تأويل الآيات الظاهرة : 92 ، تفسير العيّاشي 1/86 .
وكذلك أشار الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام) إلى نفس المعنى المتقدّم بقوله : «نحن أبواب الله ونحن الصراط المستقيم ونحن عيبة للّه ونحن تراجمة وحيه ونحن أركان توحيده ونحن موضع سرّه» ، معاني الأخبار : 35 .
صفحه 386
وفي العيون والعلل بإسناده إلى علي بن محمّد بن قتيبة عن الفضل ابن شاذان عن الرضا(عليه السلام) في جواب مسائل العلل : «فإن قال : فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل : لعلل كثيرة ، منها : أنّ الخلق لمّا وقفوا على حدٍّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدّي والدخول فيما حظر عليهم ; لأنّه لو لم يكن كذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم فيما يمنعهم عن الفساد ويقيم فيها الحدود والأحكام ، ومنها : أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيِّم ورئيس ، ولما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لابدّ لهم منه ولا قوام لهم إلاّ به ، فيقاتلون به عدوّهم ويقسّمون به فيئهم ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم ، ومنها : أنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة وذهب الدين وغيّرت السنن والأحكام ، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبّهوا ذلك على المسلمين ، لأنّا قد وجدنا الخلق منقوصين غير كاملين محتاجين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت أنحائهم ، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بيّنا وغيّرت الشّرائع والسنن والأحكام والأيمان وكان

صفحه 387
في ذلك فساد الخلق أجمعين»(1) .
(وإمامتنا أماناً من الفرقة)
قد ظهر بيانه في حديث العيون قبيله فانظره .
(والجهاد عِزّاً للإسلام)
قال سبحانه وتعالى : (ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضُهم ببعض لهُدّمَت صَوَامِعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومَساجِدُ يُذكَر فيها اسمُ اللهِ كثيراً)(2) وقال سبحانه : (واَعِدّوا لَهُم ما اَستطعتُم من قُوّة ومِن رِباط الخيلِ تُرهِبونَ به عَدوَّ اللهِ وعَدوَّكم)(3) .
(والصبر معونة على استيجاب الأجر)(4)
قال سبحانه وتعالى : (إنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِساب)(5) وكفى في فضله قوله(صلى الله عليه وآله) : «الصبر نصف الإيمان»(6) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علل الشرائع 1/253 ـ 254 ، عيون أخبار الرضا 2/100 ـ 101 ، بحار الأنوار 6/60 ـ 61 .
(2) سورة الحج 22 : 22 .
(3) سورة الأنفال 8 : 60 .
(4) ووجدت في نسخة (والصبر معونة على الاستنجاب) أي طلب نجابة النفس المؤلّف .
(5) سورة الزمر 39: 10.
(6) إرشاد القلوب 1/127 ، مجموعة ورّام 1/40 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/319 ، بحار الأنوار 79/137 ، مستدرك الوسائل 2/425 .
صفحه 388
قال بعض الأجلّة : معنى كون الصبر نصف الإيمان أنّ الإيمان من العقائد والأعمال والعمل لا يحصل إلاّ بتوطين النّفس على الطاعات وعلى ترك المنهيّات وهذا هو الصبر ، وروي عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية ، فمن صبر عند المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطّاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش»(1) رواه في جامع الأخبار بحذف الإسناد(2) .
وعن الصادق(عليه السلام) أنّه قال : «الصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان»(3) .

(والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة)
وذلك لأنّ الأمر بالعدل والإنصاف وردّ الودائع وأداء الأمانات إلى أهلها وقضاء الديون والصدق في القول وإنجاز الوعد وغير ذلك من محاسن الأخلاق مصلحة للبشر لا محالة ، وإنّما خصّت صلوات الله وسلامه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 2/91 ، مجموعة ورّام 1/40 ، وسائل الشيعة 15/238 ، بحار الأنوار 790/139 .
(2) جامع الأخبار : 116 .
(3) الكافي 2/87 ، مشكاة الأنوار : 21 ، وسائل الشيعة 3/257 .

صفحه 389
عليها العامّة بذلك لأنّ من عداهم وهم العلماء والولاة الآمرون بالمعروف والفاعلون له .
(والبرّ بالوالدين وقاية السّخط)
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعلىٍّ(عليه السلام) : «يا علىّ رضا الله كلّه في رضا الوالدين ويسخط الله في سخطهما»(1) .
وعن علىٍّ(عليه السلام) أنّه قال : «لو علم الله شيئاً في العقوق أدنى من أف لحرّمه ، فليعمل العاقّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنّة ، وليعمل البارّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار»(2) .
وقيل : كان رجل من النسّاك يقبّل كلّ يوم قدم أمّه فأبطأ يوماً على إخوته فسألوه فقال : كنت أتمرّغ في رياض الجنّة فقد بلغنا أنّ الجنّة تحت أقدام الأمّهات(3) .
وبلغنا أنّ الله تعالى كلّم موسى(عليه السلام) ثلاثة الآف وخمسمائة كلمة فكان آخر كلامه : يا ربّ أوصني ، قال : أوصيك بأمّك حسناً قال له سبع مرّات ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع الأخبار : 83 .
(2) أصل الرواية المتقدّمة في المتن روايتان فعن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال : «لو علم الله شيئاً أدنى من أف لنهى عنه و هو من أدنى العقوق و من العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحدّ النظر إليهما» ، الكافي 2/349 ، بحار الأنوار 71/64 .
وعنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «وَليعمل العاق أن يعمل فلن يدخل الجنّة» ، مستدرك وسائل الشيعة 15/193 .
(3) ما جاء في نهاية الفقرة قول الرسول(صلى الله عليه وآله) : «الجنّة تحت أقدام الأمّهات» ، انظر : مستدرك الوسائل 15/180 ، مسند الشهاب 1/102 ، حاشية ابن عابدين 4/125 ، نيل الأوطار 7/4 .
صفحه 390
قال : حسبي ، ثمّ قال : يا موسى إنّ رضاها رضاي وسخطها سخطي(1) .
وعن ابن الجوزي في كتاب البرّ والصلة عن الزهري قال : «كان علي بن الحسين(عليهما السلام) لا يأكل مع أمّه ، وكان أبرّ الناس بأمّه ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف أن آكل معها فتسبق عيني إلى شيء من الطّعام وأنا لا أعلم فآكله فأكون قد عققتها» .
قال السيّد الجزائري(رحمه الله) في شرح الصّحيفة بعد نقله هذا الخبر عن ابن الجوزي ما لفظه أقول : «ولعلّ المراد بالأمّ أمّ التربية لا أمّ التولية لما رواه الصدوق رحمه الله في كتاب العيون عن الرضا(عليه السلام) : أنّ أمّ السجّاد(عليه السلام)ماتت في نفاسها وأنّ لأبيه أمّ ولد ترضعه وتربّيه واشتهرت له بالأمومة إذ نشأ ولا يعرف أمّاً غيرها»(2) انتهى .
(وصلة الأرحام منسأة في العمر)
قال في مجمع البحرين : النسأ : التأخير ، يقال : نسأت الشيء إذا أخّرته : والنساء ـ بالضّمّ والمدّ ـ : مثله(3) وفي الحديث : «صلة الرحم تنسئ الأجل»(4) أي تؤخّره ، ومثله «صلة الرحم مثراة للمال ومنسأة في الأجل» .
روى المحدّث البحراني في كتاب معالم الزلفى عن مجالس الشيخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأمالي : 511 ، وسائل الشيعة 21/492 ، بحار الأنوار 13/330 .
(2) عيون أخبار الرضا 2/128 ، بحار الأنوار 46/8 ـ 9 .
(3) مجمع البحرين 4/300 .
(4) أصل الحديث مرفوع عن الإمام الصادق(عليه السلام) وهو: «صل رحمك ولو بشربة من ماء وأفضل ما توصل به الرحم كفّ الأذى عنه وصلة الرحم منسأة في الأجل محبّبة في الأهل» انظر: الكافي 2/151 ، قرب الإسناد: 156 ، وسائل الشيعة 21/539 ، بحار الأنوار 71/117 .
صفحه 391
الطوسي(رحمه الله) بإسناده عن محمّد بن عبيد الله قال : قال أبو الحسن الرضا(عليه السلام) : «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقى من عمره ثلاث سنين فيصيّرها الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء»(1) .
وفيه عنه بإسناده عن إسحاق بن عمّار قال : قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «ما نعلم شيئاً يزيد في العمر غير صلة الرحم ، حتّى أنّ الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرّحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة ، فيكون قاطعاً للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين»(2) . وفيه عنه أيضاً بإسناده عن الحسن بن عليّ الوشّاء عن أبي الحسن الرّضا(عليه السلام)(3) .
وفيه عنه أيضاً بإسناده عن مجاهد عن أبيه عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «الذنوب التي تعجّل الفناء قطيعة الرحم»(4) .
وفي جامع الأخبار قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : «من يضمن لي خصلة واحدة أضمن له أربعة : من يضمن لي صلة الرحم أضمن له محبّة أهله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أمالي الطوسي : 480 ، معالم الزلفى : 216 ، وانظر كذلك : الكافي 2/150 ، وسائل الشيعة 21/534 ، بحار الأنوار 71/108 .
(2) الكافي 2/152 ـ 153 ، وسائل الشيعة 21/536 ، بحار الأنوار 71/121 ، مستدرك الوسائل 15/234 .
(3) أنظر المصادر المتقدّمة في الهامش السابق .
(4) أصل الحديث المرفوع عن الإمام الصادق(عليه السلام) هو : «الذنوب التي تغيّر النعم البغي والذنوب التي تورث الندم القتل والتي تنزل النقم الظلم والتي تهتك الستر شرب الخمر والتي تحبس الرزق الزنا والتي تعجّل الفناء قطيعة الرحم والتي تردّ الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين» ، أنظر : الكافي 2/447 ـ 448 ، علل الشرائع 2/584 ، معاني الأخبار : 269 ـ 270 ، وسائل الشيعة 16/274 ، بحار الأنوار 101/374 .

صفحه 392
وبكثرة ماله وبطول عمره ويدخل جنّة ربّه . . .»(1) .
وفي أصول الكافي عن عليّ بن الحكم عن خطّاب الأعور عن أبي حمزة قال : قال أبو جعفر(عليه السلام) : «صلة الأرحام تزكّي الأعمال وتنمّي الأموال وتدفع البلوى وتيسّر الحساب وتنسئ في الأجل»(2) .
وفيه أيضاً عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن الحكم الحنّاط قال : قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الدّيار ويزيدان في الأعمار»(3) .
أقول والأخبار في ذلك كثيرة وهذا القدر كاف .
بيان تحقيق ذكره في المقام يليق
اعلم هداك الله أنّ الأخبار قد تضافرت بأنّ صلة الرحم تزيد في العمر وقد سمعت شيئاً قليلاً منها ، وقد أشكل هذا المعنى على كثير من العلماء كما نقل عنهم ، باعتبار أنّ المقدّرات في الأزل والمكتوبات في اللوح المحفوظ لا يتغيّر بالزيادة والنقصان لاستحالة خلاف معلوم الله سبحانه وقد سبق العلم بوجود كلّ ممكن أراد وجوده وبعدم كلّ ممكن أراد بقاءه على حالة العدم الأصلي أو إعدامه بعد إيجاده ، فكيف يمكن الحكم بزيادة العمر ونقصانه بسبب من الأسباب؟ وأجيب عنه : أمّا أوّلاً : فبوروده على سبيل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع الأخبار : 106 .
(2) الكافي 2/150 ، تحف العقول : 299 ، وسائل الشيعة 21/534 ، بحار الأنوار 71/112 ، مستدرك الوسائل 15/237 .
(3) الكافي 2/152 ، وسائل الشيعة 21/535 ، بحار الأنوار 71/120 .

صفحه 393
التّرغيب ، وثانياً : بأنّ المراد الثناء الجميل بعد الموت كما قال الشاعر(1) :
ذكر الفتى عمره الثاني وغايته *** ما فاته وفضول العيش أشغال
وقال آخر :
ماتوا فعاشوا بحسن الذكر بعدهم *** ونحن في صورة الأحياء أموات
وثالثاً : إنّ المراد زيادة البركة في الأجل ، أمّا في نفس الأجل فلا ، وقال شيخنا الشهيد طاب ثراه في القواعد : «وهذا الإشكال ليس بشيء ، أمّا أوّلاً : فلوروده في كلّ ترغيب مذكور في القرآن والسنّة حتّى الوعد والجنّة والنعيم على الإيمان وبجواز الصراط والحور والولدان وكذلك التوعّدات بالنيران وكيفية العذاب ، لأنّا نقول : إنّ الله تعالى علم ارتباط الأسباب بالمسبّبات في الأزل وكتب في اللوح المحفوظ ، فمن علمه مؤمناً فهو مؤمن أقرّ بالإيمان أو لا ، بعث إليه نبيّ أو لا ، ومن علمه كافراً فهو كافر على التقديرات ،
وهذا إلزام يبطل الحكمة في بعثة الأنبياء والأوامر الشرعية والمناهي ومتعلّقاتها ، وفي ذلك هدم الأديان ، والجواب عن الجميع واحد وهو : إنّ الله تعالى كما علم كمّية العمر علم ارتباطه بسببه المخصوص ، وكما علم من زيد دخول الجنّة جعله مرتبطاً بأسبابه المخصوصة من إيجاده وخلق العقل له وبعث الأنبياء ونصب الألطاف وحسن الاختيار والعمل بموجب الشرع ، فالواجب على كلّ مكلّف الإتيان بما أمر به ولا يتّكل على العلم فإنّه مهما صدر منه فهو المعلوم بعينه ، فإذا قال الصادق إنّ زيداً إذا وصل إلى رحمه زاد الله في عمره ثلاثين سنة ففعل كان ذلك إخباراً بأنّ الله تعالى علم أنّ زيداً يفعل ما يصير به عمره زائداً ثلاثين سنة ، كما أنّه إذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ديوان المتنبّي (شرح البرقوقي) 3/506 .

صفحه 394
أخبر أنّ زيداً إذا قال لا اله إلاّ الله دخل الجنّة ففعل تبيّن أنّ الله تعالى علم أنّه يقول ويدخل الجنّة بقوله ، ثمّ قال(رحمه الله) : فإن قلت : كلّ هذا مسلّم ولكن قال الله تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ)(1) وقال تعالى : (ولن يؤُخِّرَ اللهُ نفساً إذا جاءَ اَجَلُها)(2) ، قلت : الأجل صادق على كلّ ما يسمّى أجلاً موهبيّاً كان أو مسبّبيّاً فيحمل ذلك على الموهبي؟ ويكون وقته وفاءً لحقِّ اللّفظ ، ويجاب أيضاً : بأنّ الأجل عبارة عمّا يحصل عنده الموت لا محالة سواء كان بعد العمر الموهبي أو المسبّبي ، ونحن نقول كذلك ; لأنّه عند حصول أجل الموت لا يقع التأخير وليس المراد به العمر إذ الأجل مجرّد الوقت ، وينبّه على قبول العمر الزيادة أو النقصان ـ بعد ما دلّت عليه الأخبار الكثيرة ـ قوله تعالى : (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتاب)(3) انتهى»(4) . وهو تحقيق حسن عليه مسحة من نور .
(والقصاص حقناً للدماء)
قال سبحانه وتعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَْلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(5) وقالت العرب القتل أنفى للقتل(6) ، وإنّما كان القصاص فيه حقن الدم لأنّ الإنسان متى علم بأنّه متى قَتَلَ قُتِل كان ذلك داعياً له إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف 7 : 34 .
(2) سورة المنافقون 63 : 11 .
(3) سورة فاطر 35 : 11 .
(4) القواعد الفقهية 2/55 ـ 57 .
(5) سورة البقرة 2 : 179 .
(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7/215 ، فقه القرآن للراوندي 2/204 .
صفحه 395
أن لا يقدم على القتل ، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص قتل كثير منهم فحقنت به دماؤهم .
(والوفاء بالنذر سبباً للمغفرة)
لأنّه وفاء بعهد الله الذي أمر بوفائه حيث قال جلّ وعلا : (وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الأَْيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها)(1) ، وقال تعالى : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً)(2) ، وقال سبحانه وتعالى مهدّداً لِمن قال ولم يفعل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ)(3) ، ولأنّه قربة يتقرّب بها إليه وكلّ قربة يستحقّ عليها الثواب والثواب سبب للمغفرة .
(وتوفية المكائيل والموازين تغييراً للبخسة)
أي للنقصان ، قال سبحانه وتعالى : (ولا تَبخسوا الناسَ أشيائهم)(4) ، في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفلي عن السّكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «مرّ أمير المؤمنين(عليه السلام) على جارية قد اشترت لحماً من قصّاب وهي تقول : زدني ، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : زدها فإنّه أعظم للبركة»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل 16 : 91 .
(2) سورة الإسراء 17 : 34 .
(3) سورة الصف 61 : 2 ـ 3 .
(4) سورة الأعراف 7 : 85 .
(5) وسائل الشيعة 17/392 ، وانظر كذلك : الكافي 5/152 ، من لا يحضره الفقيه 3/196 ، التهذيب 7/7 ، بحار الأنوار 41/129 .

صفحه 396
وفيه أيضاً عن عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الإسناد عن السندي بن محمّد عن صفوان بن مهران الجمّال قال : قال أبو عبد الله(عليه السلام) : «إنّ فيكم خصلتين هلك بهما من قبلكم من الأمم ، قالوا : وما هو يابن رسول الله ، قال : المكيال والميزان»(1) .
وفي الحديث : «خمس بخمس ، ما نقض(2) القوم عهداً إلاّ سلّط الله عليهم عدوّهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلاّ نشأ فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلاّ فشا فيهم الموت ، ولا طفّفوا الكيل إلاّ منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلاّ حبس عنهم القطر»(3) .
والتطفيف في الكيل : البخس فيه ، قال سبحانه : (ويلٌ للمطفّفين)(4) وفي الصافي عن الكافي عن الباقر(عليه السلام) : «وأنزل في الكيل (ويل للمطفّفين) ولم يجعل الويل لأحد حتّى يسمّيه كافراً ، قال الله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم)(5)»(6) .
(واجتناب قذف المحصنات حجاباً عن اللّعنة)
أقول : قذف المحصنة : رميها بالفاحشة ، قال سبحانه وتعالى : (إنَّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قرب الإسناد : 27 ، وسائل الشيعة 17/393 ـ 394 ، بحار الأنوار 100/107 ، مستدرك الوسائل 13/233 ـ 234 .
(2) في المخطوطة (ما نقص) .
(3) بحار الأنوار 70/370 .
(4) سورة المطفّفين 83: 1.
(5) سورة مريم 19 : 37 .
(6) تفسير الصافي : 543 ، وانظر : الكافي 2/32 ، وسائل الشيعة 1/35 ، بحار الأنوار 66/89 .
صفحه 397
الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)(1) .
وفي من لا يحضره الفقيه والعيون عن محمّد بن سنان عن الرضا(عليه السلام) : «إنّه حرّم الله قذف المحصنات لما فيه من فساد الأنساب ونفي الولد وإبطال المواريث وترك التربية وذهاب المعارف وما فيه من الكبائر والعلل التي تؤدّي إلى فساد الخلق»(2) .
(والانتهاء عن شرب الخمور تنزيهاً من الرجس)
قال سبحانه وتعالى : (إنَّمَا الْخَمْرُ) ـ إلى قوله ـ : (رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ)(3) ، والرجس قيل : القذر ، وقيل : العقاب والغضب كما عن القرافي(4) .
(ومجانبة السّرقة إيجاباً للعفّة)
قيل : لأنّ السرقة تنشأ عن كمال طاعة الشهوة والعبور فيها إلى حدّ الإفراط والفجور ، فكان من غايات تحريمها وقوف من في طباعه ذلك على حدّ العفّة ، وقيل : لأنّ العفّة خلق شريف والطمع خلق دنيّ فحرّمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النور 24 : 23 .
(2) من لا يحضره الفقيه 3/565 ، عيون أخبار الرضا 2/94 ، علل الشرائع 2/480 ، المناقب 4/358 ، وسائل الشيعة 28/174 .
(3) سورة المائدة 5 : 90 ، والآية هي : (إنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَ الأَْزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) .
(4) وأكّدت عدد من المصادر على أنّ الرجس هو النجس . أنظر : التهذيب 1/278 ، فقه القرآن للراوندي 2/276 ، المسائل العثمانية : 113 ، المقنعة : 798 .
صفحه 398
السرقة ليتمرّن الناس على ذلك الخلق الشريف ويجانبوا ذلك الخلق الذميم ، وأيضاً حرّمت لما فيها من تحصين أموال الناس .
وفي العيون عن محمّد بن سنان عن الرضا(عليه السلام) في جواب مسائله في العلل : «وحرّم السرقة لما فيها من فساد الأموال وقتل النفس لو كانت مباحة ، ولما يأتي في التغاصب من القتل والتنازع والتحاسد ، وما يدعوا إلى ترك التجارات والصناعات في المكاسب واقتناء الأموال إذا كان الشيء المقتنى لا يكون أحدٌ أحقّ به من أحد»(1) .
(والتنزّه عن أكل أموال الأيتام والاستيثار
بفيئهم إجارة من الظّلم)
قال الله سبحانه وتعالى : (اِنَّ الذين يأكلونَ أموالَ اليَتامى ظُلماً إنّما يأكلونَ في بُطُونِهم ناراً وسيصلَونَ سعيراً)(2) ، والمراد بالفيء ما يرجع إليهم ويعود من آبائهم من التركة .
عن محمّد بن بابويه في العيون عن محمّد بن سنان عن الرضا(عليه السلام)في جواب مسائله في العلل : «وحرّم أكل مال اليتيم ظلماً لعلل كثيرة من وجوه الفساد ، أوّل ذلك : إنّ الإنسان إذا أكل مال اليتيم ظلماً فقد أعان على قتلِهِ ، إذ اليتيم غير مستغن ولا محتمل لنفسه ولا عليم بشأنه ، ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه ، فإذا أكل ماله فكأنّه قد قتله وصيّره إلى الفقر والفاقة ، مع ما خوّف الله تعالى وجعل من العقوبة في قوله عزّ وجلّ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا 2/97 ، وسائل الشيعة 28/242 ، بحار الأنوار 6/102 .
(2) سورة النساء 4 : 60 .

صفحه 399
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ)»(1)(2) .
وفي كتاب عقاب الأعمال للصّدوق عليه الرحمة بسنده عن أبيه قال : حدّثني عبد الله بن جعفر الحميري عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال : «إنّ في كتاب علىّ(عليه السلام) : إنّ أكل مال اليتامى ظلماً سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده في الدنيا فإنّ الله عزّ وجلّ يقول : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)(3) وأمّا في الآخرة فإنّ عزّ وجلّ يقول : (إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)»(4)(5) .
وفيه أيضاً عن أبيه قال حدّثني سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد ابن عيسى عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة بن محمّد الحضرمي عن سماعة بن مهران قال سمعته يقول : «إنّ الله عزّ وجلّ وعد في مال اليتيم عقوبتين أمّا إحداهما : فعقوبة الآخرة النّار ، وأمّا عقوبة الدنيا فهو قوله عزّ وجلّ : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)(6) يعني بذلك : ليخش أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء 4 : 9 .
(2) علل الشرائع 2/480 ـ 491 ، بحار الأنوار 76/296 ـ 270 .
(3) سورة النساء 4 : 9 .
(4) سورة النساء 4 : 10 .
(5) عقاب الأعمال (المطبوع مع ثواب الأعمال) : 233 ـ 234 ، تفسير العيّاشي 1/223 ، بحار الأنوار 72/8 ، مستدرك الوسائل 13/190 ـ 191 .
(6) سورة النساء 4 : 9 .
صفحه 400
اُخلفه في ذرّيته كما صنع هو بهؤلاء اليتامى»(1) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي بإسناده إلى ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «لمّا أسري بي إلى السماء رأيت قوماً يقذف في أفواههم النار وتخرج من أدبارهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً»(2) .
وفي الصافي عن الكافي عن الباقر(عليه السلام) : «إنّ آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتّى يخرج لهب النار من فيه ، يعرفه أهل الجمع أنّه أكل مال اليتيم»(3) .
(والعدل في الأحكام إيناساً للرعية)
قال الله تبارك وتعالى : (إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِْحْسان وَإِيتاء ذِي الْقُرْبى)(4) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) : «العالم حديقة سياجها الشريعة ، والشريعة سلطان يجب لها الطاعة ، والطاعة سياسة يقوم بها الملك ، والملك راع يعضده الجيش ، والجيش أعوان يكفلهم المال ، والمال رزق تجمعه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكليني 50/128 ، من لا يحضره الفقيه 3/569 ، ثواب الأعمال : 233 ، وسائل الشيعة 25/388 ـ 398 ، تفسير العيّاشي 1/223 ، بحار الأنوار 72/8 ، مستدرك الوسائل 13/190 .
(2) تفسير القمّي 2/132 ، وسائل الشيعة 17/248 ، بحار الأنوار 18/323 ـ 324 .
(3) الكافي 2/31 ـ 32 ، بحار الأنوار 66/89 .
(4) سورة النحل 16 : 90 .

صفحه 401
الرعية ، والرعية سواد يستعبدهم العدل ، والعدل أساس قوام العالم»(1) .
ونقل : أنّه قيل ليزدجرد ملك الفرس ما الذي أوجب لملوككم انتظام الأمور ودوام السرور ، فقال ما معناه : إنّا استعملنا العدل والإنصاف فعمرت بلادنا ، واستعملنا تأديب الخائن وتقريب المشفق الأمين فنمى ملكنا ، واستعملنا الإحسان إلى رعايانا فملكنا قلوبهم ، واستعملنا الصّدق فدانت لنا ملوك الطوائف ، واستعملنا مكارم الأخلاق فاكتسبنا حسن السمعة وبقاء الذكر ، ولم يختلف علينا من نكره خلافه لنا فاستقامت لذلك أمورنا وتمّ سرورنا .
وقالت الحكماء : إذا جار الملك في رعاياه كثر إرجاف الناس بزوال ملكه واحبّوا ظهور أعدائه عليه .
وقالت الحكماء أيضاً : ممّا يجب على السلطان العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه ، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه ، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ، ومدار السياسة كلّها على العدل والإنصاف ، لا يقوم سلطان لأهل الكفر والإيمان إلاّ بهما ، ولا يدور إلاّ عليهما ، مع ترتيب الأمور مراتبها وإنزالها منازلها(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 75/83 .
(2) كان الأولى على المؤلّف أن يستشهد بعهد الإمام عليّ(عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه) حين ولاّه مصر فيعدّ دستوراً لسائر الحكّام ومن يتولّى أمور الرعية حيث وضّح فيه العلاقة المرتبطة بين الحاكم والرعية من جهة والواجبات الملقاة على كلا الطرفين من جهة أخرى .
ومن كلامه(عليه السلام) في هذا العهد : (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان إمّا أخ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق . . . . . . وإذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17/32 ـ 33 .
وعبّر عن هذا العهد ابن أبي الحديد بقوله : (فإنّه نسيج وحده ومنه تعلّم الناس الآداب والقضايا والأحكام والسياسة) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6/72 .
صفحه 402
وفي أصول الكافي عن أبي عليّ الأشعري عن الحسن بن عليّ الكوفي عن عبس بن هشام عن عبد الكريم عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن ، ما أوسع العدل إذا عدل فيه وإن قلّ»(1) .
وفيه عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) مثله(2) .
(فاتّقوا اللهَ حقّ تقاته وأطيعوه فيما أمر به)
أقول : لمّا فرغت سلام الله عليها من ذكر ما أنعم الله به على العباد وتفضّل به عليهم من النعم الجسيمة العظيمة أخذت في ذكر ما يجب عليهم من التقوى وإطاعته في أوامره ونواهيه فقالت : (فاتّقوا الله . . .) ، قال شيخنا الطبرسي عليه الرحمة : قد ذكر في قوله تعالى : (حَقَّ تُقاتِه)(3) وجوه :
أحدها : أنّ معناه (أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى) وهو المرويّ عن أبي عبد الله(عليه السلام)(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 2/146 ، الاختصاص : 261 ، وسائل الشيعة 15/293 ، بحار الأنوار 72/36 ، مستدرك الوسائل 11/317 .
(2) وسائل الشيعة 15/293 ، بحار الأنوار 72/36 .
(3) سورة آل عمران 3 : 102 .
(4) مجمع البيان 1/482 ، معاني الأخبار : 240 ، الزهد : 17 ، تفسير العيّاشي 1/194 ، وسائل الشيعة 15/235 ، بحار الأنوار 67/291 ـ 292 ، مستدرك الوسائل 11/265 .

صفحه 403
ثانيها : أنّه اتّقاء جميع معاصيه ، عن أبي علي الجبائي .
ثالثها : أنّه المجاهدة في الله تعالى ، وأن لا تأخذه فيه لومة لائم ، وأن يقام له بالقسط في الخوف والأمن ، عن مجاهد(1) .
وقولها(عليها السلام) : (وأطيعوه فيما أمر به) مؤكّد لما سبق ، ثمّ استدركت صلوات الله وسلامه عليها : بأنّ من يتّقي الله حقّ تقاته ويخشاه حقّ خشيته ليس إلاّ العلماء العاملون دون غيرهم من العباد لعرّفانهم إيّاه سبحانه حقّ معرفته ، وقد روي عن الصادق(عليه السلام) : أنّ المراد بالعلماء : «من صدّق قوله فعله ومن لم يصدّق قوله فعله فليس بعالم»(2) فقالت ملمّحة للآية الشريفة (إنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)(3) .
وحكي عن بعض مؤلّفات المحقّق الطوسي قدّس سرّه القدّوسي ما حاصله ومعناه : أنّ الخشية والخوف وإن كانا في اللغة بمعنى واحد إلاّ أنّ بين خوف الله وخشيته في عرف أرباب القلوب فرقاً ، وهو أنّ الخوف تألّم النفس من العقاب المتوقّع بسبب ارتكاب المنهيّات والتقصير في الطّاعات ، وهو يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدّاً والمرتبة العليا منه لا تحصل إلاّ للقليل ، والخشية حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحقّ وهيبته وخوف الحجب عنه ، وهذه حالة لا تحصل إلاّ لمن اطّلع على حال الكبرياء وذاق لذّة القرب ولذا قال سبحانه (إنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان 1/482 .
(2) مشكاة الأنوار : 132 ـ 133 ، بحار الأنوار 76/344 .
(3) سورة فاطر 35 : 28 .

صفحه 404
الْعُلَماءُ) ، فالخشية خوف خاصّ وإن كان قد يطلقون عليها لذّة الخوف(1)انتهى .
وعن كتاب مصباح الشريعة عن الصادق(عليه السلام) : «دليل الخشية التعظيم لله والتمسّك بخالص الطّاعة وأوامره والخوف والحذر ودليلهما العلم ثمّ تلا هذه الآية»(2) .
وفي الصافي عن الكافي عن السجّاد(عليه السلام) : «وما العلم بالله والعمل إلاّ إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه وحثّه الخوف على العمل بطاعة الله ، وإنّ أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله تعالى: (إنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)»(3) .
(فاحمدوا الله الذي بعظمته ونوره يبتغي
من في السماوات والأرض إليه الوسيلة
ونحن وسيلته في خلقه)
المراد بالنور : الهدى ، والوسيلة : ما يتوسّل به إليه ويتقرّب ، وهم عليهم الصلاة والسلام وسيلة الخلق إلى الله تعالى ، بهم يكشف الضرّ ويفرّج الهمّ وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه وبهم يهتدي المهتدون وينجي(4) الناجون وبالإعراض عنهم يضلّ الضالّون .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 67/360 .
(2) مصباح الشريعة : 23 ، بحار الأنوار 67/68 ـ 69 ، ويقصد بالآية المتقدّمة الذكر .
(3) تفسير الصافي : 263 ، وانظر : الكافي 8/16 ، الأمالي : 202 ، العُدد القوية : 61 ، تحف العقول : 254 ـ 255 ، مجموعة ورّام 2/38 ، بحار الأنوار 75/150 ، مستدرك الوسائل 11/2345 .
(4) كذا في المخطوطة والصحيح (ينجو) .
صفحه 405
ففي المجلّد السابع من البحار عن كتاب بشارة المصطفى عن أبي علي بن شيخ الطائفة عن أبيه عن المفيد عن محمّد بن عمر عن ابن عقدة عن يحيى بن زكريّا عن الحسين بن سفيان عن أبيه عن محمّد بن إسماعيل عن الثمالي عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين(عليهم السلام) قال : «من دعا الله بنا أفلح ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك»(1) .
وعن الأمالي عن ابن سرور عن ابن عامر عن عمّه عن محمّد بن زياد الأزدي عن المفضّل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «بلية الله عظيمة إن دعوناهم لم يجيبونا وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا» وعن الإحتجاج مثله(2) .
وفي كتاب بصائر الدرجات عن عبد الله بن جعفر عن محمّد بن عليّ عن الحسين بن سعيد عن عليّ بن الصلت عن الحكم وإسماعيل عن بريد قال : «سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول : (بنا عبد الله وبنا عرف الله وبنا وحّد الله ومحمّد حجاب الله»(3) .
قال المجلسىّ عليه الرحمة في بيانه ما لفظه : أي كما أنّ الحجاب متوسّط بين المحجوب والمحجوب عليه كذلك هو(صلى الله عليه وآله) واسطة بين الله وبين خلقه(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ويشير المؤلّف إلى المجلّد السابع من البحار وهي الطبعة الحجرية وقد تعدّدت الطبعات الآن ، بحار الأنوار 23/102 ، 91/2 ، الأمالي : 172 ، بشارة المصطفى : 97 ، وسائل الشيعة 7/102 ـ 103 .
(2) الأمالي : 610 ، المناقب لابن شهراشوب 4/206 ، من لا يحضره الفقيه 4/405 ، الإرشاد 2/167 ـ 168 ، الخرائج 2/893 ، الإحتجاج 2/332 ، إعلام الورى : 270 ، كنز الفوائد 2/37 ، كشف الغمّة 2/128 ، بحار الأنوار 26/253 .
(3) بصائر الدرجات : 64 ، الكافي 1/145 ، بحار الأنوار 102/23 .
(4) بحار الأنوار 102/23 .
صفحه 406
وعن العلل عن الدقّاق عن الكليني عن عليّ بن محمّد عن إسحاق ابن إسماعيل النيسابوري : «إنّ العالم كتب إليه ـ يعني الحسن بن علىّ(عليهما السلام)ـ : (إنّ الله عزّ وجلّ بمنّه ورحمته لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض عليكم لحاجة منه إليه بل رحمة منه إليكم ـ لا إله إلاّ هو ـ ليميز الخبيث من الطيّب وليبتلي ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم ولتتسابقوا إلى رحمته ولتتفاضل منازلكم في جنّته ،
ففرض عليكم الحجّ والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية ، وجعل لكم باباً لتفتحوا به أبواب الفرائض ومفتاحاً إلى سبيله ولولا محمّد(صلى الله عليه وآله) والأوصياء من بعده كنتم حيارى كالبهائم لا تعرفون فرضاً من الفرائض ، وهل يدخل قرية إلاّ من بابها ،
فلمّا منَّ الله عزّ وجلّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم قال الله عزّ وجلّ : (اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم واَتممْتُ عليْكُم نِعمتي وَرَضيتُ لَكُم الإسلامَ ديناً)(1) وفرض عليكم لأوليائه حقوقاً أمركم بأدائها ليحلّ لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومأكلكم ومشربكم ، ويعرّفكم بذلك البركة والنماء والثروة ، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب ،
وقال الله تبارك وتعالى : (قُل لا اَسئلُكُم عليهِ أجراً إلاّ المَودّةَ في القُربى)(2) ، فاعلموا إنّ من بخل فإنّما يبخل على نفسه إنّ الله هو الغنيّ وأنتم الفقراء ـ لا إله إلاّ هو ـ فاعملوا من بعد ما شئتم (فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(3) (ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْب وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة 5 : 3 .
(2) سورة الشورى 42 : 23 .
(3) سورة التوبة 9 : 105 .

صفحه 407
تَعْمَلُونَ)(1) والحمد لله ربّ العالمين(2) .
(ونحن خاصّته)
أي اختصّنا من بين عباده بالكرامة والمنزلة .
(ومحلّ قدسه)
أي محلّ تقديسه سبحانه وتنزيهه عمّا لا يليق به من الصّفات .
(ونحن حجّته في غيبه)
أي إنّه سبحانه يحتجّ على عباده في أوامره ونواهيه وأحكامه يوم القيامة .
(ونحن ورثة أنبيائه)
أمّا كونهم ورثتهم في علومهم ففي المجلّد السابع من البحار عن كتاب الاختصاص عن بن عيسى عن عليّ بن الحكم عن عبد الله بن بكير الهجري عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) كان هبة الله لمحمّد(صلى الله عليه وآله) ورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله أمّا أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله)ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين»(3) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة 9 : 94 .
(2) علل الشرائع 1/249 ـ 250 ، بحار الأنوار 23/99 ـ 100 .
(3) بحار الأنوار 17/146 ، وانظر : الكافي 1/224 ، الاختصاص : 279 ، بصائر الدرجات : 294 .

صفحه 408
وفيه عنه أيضاً أحمد وعبد الله ابنا محمّد بن عيسى عن معمر بن خلاّد عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال : «سمعته يقول : إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا حذوا القذّة بالقذّة»(1)(2) .
وفي كتاب بصائر الدّرجات محمّد بن عبد الحميد وأبو طالب جميعاً عن حنّان بن سدير عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «إنّ لله علماً عامّاً وعلماً خاصّاً ، فأمّا الخاصّ فالذي لم يطّلع عليه ملك مقرّب أو نبيّ مرسل ، وأمّا علمه العامّ الذي اطّلعت عليه الملائكة المقرّبون وأنبياؤه المرسلون فقد وقع ذلك كلّه إلينا ، ثمّ قال : أما تقرؤن (وعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ)»(3)(4) .
وفيه أيضاً أحمد بن محمّد عن ابن أبي عمير أو عمّن رواه عن ابن أبي عمير عن جعفر بن عثمان عن سماعة عن أبي بصير ووهيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال : «إنّ لله علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلاّ هو من ذلك يكون البدآء ، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه ونحن نعلمه»(5) .
وفيه أيضاً محمّد بن إسماعيل عن عليّ بن الحكم عن ضريس عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القذّة بالقذّة قال ابن الأثير يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان ، لسان العرب 3/503 .
(2) الكافي 1/321 ، الاختصاص : 279 ، الإرشاد 2/276 ، بصائر الدرجات : 296 ، كشف الغمّة 2/351 ، بحار الأنوار 26/180 .
(3) سورة لقمان 31 : 34 .
(4) بصائر الدرجات : 110 ، بحار الأنوار 26/163 .
(5) الكافي 1/147 ، بصائر الدرجات : 109 ، بحار الأنوار 40/109 ـ 110 .
صفحه 409
أبي جعفر(عليه السلام) قال سمعته يقول : «إنّ لله علمين : علم مبذول وعلم مكفوف ، فأمّا العلم المبذول فإنّه ليس من شيء يعلمه الملائكة والرّسل إلاّ ونحن نعلمه ، وأمّا المكفوف فهو الذي عنده في أمّ الكتاب إذا خرج نفذ»(1)إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة في هذا المعنى .
وأمّا كونهم(عليهم السلام) ورثتهم في آثارهم وفيما لهم فقد ورد فيه أخبار كثيرة أيضاً فمنها ما رواه في البصائر عن أبي محمّد عن عمران موسى بن جعفر عن أبي أسباط عن محمّد بن الفضيل عن الثمالي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال سمعته يقول : «ألواح موسى عندنا وعصا موسى عندنا ونحن ورثنا النبىّ(صلى الله عليه وآله)»(2) .
وفيه أيضاً عن محمّد بن الحسين عن بن سنان عن عمّار بن مروان عن المنخّل عن جابر قال : قال أبو جعفر(عليه السلام) : «ألم تسمع قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) في علىّ(عليه السلام) : والله لتؤتينّ خاتم سليمان ، والله لتؤتينّ عصا موسى»(3) .
وفيه أيضاً عن محمّد بن عبد الجبّار عن اللؤلؤي عن أبي الحصين الأسدي عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «خرج أمير المؤمنين(عليه السلام)ذات ليلة على أصحابه بعد عتمة وهم في الرحبة وهو يقول : همهمة ليلة مظلمة خرج عليكم الإمام وعليه قميص آدم وفي يده خاتم سليمان وعصى موسى»(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بصائر الدرجات : 109 ، بحار الأنوار 26/163 ـ 164 .
(2) بصائر الدرجات : 183 ، بحار الأنوار 26/218 .
(3) بصائر الدرجات : 187 ـ 188 ، بحار الأنوار 26/220 .
(4) بصائر الدرجات : 188 ، بحار الأنوار 26/220 .
صفحه 410
وفيه أيضاً محمّد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن أبي الحصين مثله .
وفيه أيضاً عن سلمة بن الخطّاب عن عبد الله بن محمّد عن منيع بن الحجّاج البصريّ عن مجاشع عن معلّى عن محمّد بن الفيض عن محمّد بن علىّ(عليهما السلام) قال : «كان عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب ثمّ صارت إلى موسى بن عمران وإنّها لعندنا ، وأنّ عهدي بها وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها ، وإنّها لتنطق إذا استنطقت ، أعدّت لقائمنا(عليه السلام) ليصنع بها كما صنع بها موسى ، وإنّها لتروّع وتلقف ما يأفكون ، وتصنع كما تؤمر ، وإنّها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون ، تفتح لها شعبتان أحدهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعاً ، وتلقف ما يأفكون بلسانها»(1) .
وعن كتاب الاختصاص عن أحمد بن محمّد العطّار عن أبيه عن حمدان بن سليمان عن عبد الله بن سليمان عن عبد الله بن محمّد اليماني عن منيع مثله(2) .
وفي البصائر عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن الحكم عن إسماعيل ابن برّة عن عامر بن خزاعة قال : «كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) فقال : (ألا أريك نعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ قال : قلت بلى ، قال : فدعا بقمطر ففتحه فأخرج منه نعلين كأنّما رفعت الأيدي عنهما تلك الساعة ، فقال : هذه نعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وكان يعجبني بهما كأنّما رفعت الأيدي عنهما تلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1/231 ، كمال الدين 2/673 ـ 674 ، بحار الأنوار 26/219 ـ 220 ، قصص الأنبياء للجزائري : 225 .
(2) لم يذكر الشيخ المفيد الرواية المتقدّمة الذكر في المتن كما ذكرها المؤلّف وإنّما أشار إلى ذلك الشيخ المجلسي في بحار الأنوار 26/220 .
صفحه 411
الساعة»(1) .
وفيه أيضاً عن أحمد بن محمّد بن الحسين عن الحسين بن أسد عن الحسين القمّي عن نعمان بن منذر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) حين قتل عمر ناشدهم فقال : (نشدتكم بالله هل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله) ]ورايته وخاتمه [غيري؟ قالوا : لا»(2) .
وفيه أيضاً عن أحمد بن محمّد عن الأهوازي عن النضير بن سويد عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن أبي بصير قال : «قال أبو عبد الله(عليه السلام) : (ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله) من المتاع سيفاً ودرعاً وعنزة ورحلاً وبغلته الشهباء فورث ذلك كلّه عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)»(3) .
وفي البحار عن كتاب سعد السّعود فيما نزل من القرآن في أهل البيت(عليهم السلام) برواية عبد العزيز بن يحيى الجلودي عن محمّد بن جعفر البزّاز عن عليّ بن الحسن بن فضّال عن محمّد بن أورمة عن الحسن بن موسى ابن جعفر قال : «رأيت في يد أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا(عليهما السلام) خاتم فضّة ناحل فقلت : مثلك يلبس هذا؟ قال : هذا خاتم سليمان بن داود»(4) . إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة الواردة في هذا الباب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بصائر الدرجات : 182 ، بحار الأنوار 26/219 .
ولا أرى أيّ مسوّغ لورود هذه الرواية في هذا الباب وكان الأولى على المؤلّف ذكر روايات هي أكثر دقّة من هذه الرواية المذكورة .
(2) بصائر الدرجات : 182 ، بحار الأنوار 26/219 .
(3) بصائر الدرجات : 186 ، بحار الأنوار 26/211 .
(4) بحار الأنوار 26/223 ، سعد السعود : 236 ، مستدرك الوسائل 3/284 .
صفحه 412
(أقول عوداً على بدء)
وعن بعض النسخ (عوداً أو بدءاً)(1) والمعنى واحد أوّلاً وآخراً .
(وما أقول ذلك سرفاً ولا شططاً)
قال الفيروز آبادي : السرف ـ محرّكة ـ ضدّ القصد والإغفال والخطأ ، سرفه ـ كفرح ـ أغفله وجهل(2) ، وفي المصباح المنير : شطّ في القول شططاً وشطوطاً : أغلظ فيه(3) .
(فاسمعوا إلىّ بأسماع واعية وقلوب راعية)
أقول : كأنّه متضمّن معنى الاستماع والالتفات وهو القدر الجامع بين السّمع والقلب فعدّي بإلى ، والمراد بالأسماع الواعية : الحافظة المتدبّرة ، وقال الفيّومي : وعيت الحديث وعياً ـ من باب وعد ـ : حفظته وتدبّرته(4) .
وقال في مجمع البحرين : وعيت الرجل : إذا تأمّلته وحفظته وتعرّفت أحواله(5) .
(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(6) .
هذا مقول قول .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 29/223 .
(2) القاموس المحيط 1/1058 .
(3) المصباح المنير 1/313 .
(4) المصباح المنير 2/666 .
(5) مجمع البحرين 3/212 .
(6) سورة التوبة 9 : 128 .
صفحه 413
أقول : وقد لمّحت صلوات الله وسلامه عليها به إلى الآية الشريفة ، والمعنى كما في مجمع البيان : لقد جاءكم رسولٌ : يعني محمّداً(صلى الله عليه وآله) ، من أنفسكم : يعني من جنسكم من البشر ، وهذه الآية مسوقة في مقام الامتنان ، عزيز عليه ما عنتم : شديد عليه عنتكم أي ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان ، حريص عليكم أي حريص على من لم يؤمن أن يؤمن ، بالمؤمنين رؤوف رحيم قيل : هما بمعنى واحد ، والرأفة : شدّة الرّحمة ، وقيل : رؤوف بالمطيعين منهم ورحيم بالمذنبين(1) .
(فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم)
يقال : عزوته إلى أبيه عزواً أي نسبته إليه(2) ، أي إنّكم قد عرفتم نسبه وإنّكم حين عزوكم إيّاه يبيّن لكم أنّه أبي ، فلم لا تورثوني منه؟
(فبلّغ الرّسالة صادعاً بالنذارة)
الصدع في الأصل إنّما يستعمل في الزجاجة ونحوها(3) ثمّ استعير للتبليغ ، والجامع شدّة الإبانة ، يقال : صدعت بالحقّ إذا أَبنتهُ وتكلّمت به جهاراً(4) ، قال سبحانه وتعالى : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ)(5) أي أبِن الأمر إبانة لا تنمحي ، والنذارة ـ بالكسر ـ : اسم مصدر بمعنى الإنذار وهو الإعلام(6) على وجه التخويف .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان 3/86 .
(2) لسان العرب 15/52 .
(3) لسان العرب 8/191 .
(4) لسان العرب 8/196 .
(5) سورة الحجر 15 : 94 .
(6) التعاريف 1/694 .
صفحه 414
(مائلاً عن سنن المشركين)
هو حال بعد حال من الضمير في بلغ ، وفي نسخة الكشف : ناكباً بدل مائلاً وهما بمعنى ، والسنن جمع سنّة وهي الطريقة والسنّة المستمرّة مثل غرفة وغرف .
(آخذاً بأكظامهم)
هو حال أخرى من الضمير في بلغ ، والأكظام ـ جمع كظم بفتحتين مثل سبب وأسباب ـ وهو مخرج النفس من الحلق ، وهو كناية عن مزيد التمكّن وأنّه لا يبالي بكثرتهم واجتماعهم(1) .
(يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة)
والمراد بسبيل ربّه : الإسلام ، وبالحكمة : المقالة المحكمة وهو الدليل الواضح المبيّن للحقّ المزيل للشبهة ، والموعظة الحسنة قال البيضاوي : الموعظة الحسنة : الخطابات المقنعة والعبرة النافعة ، والأولى : لدعوة خواصّ الأمّة الطالبين للحقّ ، والثانية : لدعوة عوامهم(2) ، انتهى . وقيل المراد بالموعظة الحسنة : القرآن(3) .
(يهشم الأصنام ويفلق الهام)
أي في الحروب والملاحم ، وكان(صلى الله عليه وآله) يسمّى القتّال لحرصه على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأصل في الكظم الإمساك على غيظ وغمّ ويقال أخذت بكظمه أي بمخرج نفسه ، لسان العرب 12/520 .
(2) تفسير البيضاوي 3/426 .
(3) الكافي 5/13 ، التهذيب 6/127 ، وسائل الشيعة 15/34 .
صفحه 415
الجهاد ومسارعته إلى القراع وذوبه في ذات الله وعدم إحجامه(1) ، ولذلك نقل عن علىّ(عليه السلام) أنّه قال : (كنّا إذا احمرّ البأس اتّقيناه برسول الله(صلى الله عليه وآله) ، لم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه)(2) ، وذلك مشهور من فعله(صلى الله عليه وآله) يوم أحد إذ ذهب القوم في سمع الأرض وبصرها ويوم حنين إذ ولّوا مدبرين وغير ذلك من أيّامه(صلى الله عليه وآله) حتّى أذلّ صناديدهم وقتل طواغيتهم واصطلم(3)جماهيرهم حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر كما كان ذلك في يوم بدر(4) .
قال الشيخ أبو علىّ(رحمه الله) في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : (سيُهزَمُ الجمعُ ويولّونَ الدُبُر)(5) أي جمع كفّار مكّة ، ويولّون الدبر أي ينهزمون فيولّونكم أدبارهم في الهزيمة ، ثمّ أخبر الله سبحانه نبيّه أنّه سيظهره عليهم ويهزمهم فكانت هذه الهزيمة في يوم بدر ، فكان موافقة الخبر للخبر من معجزاته(صلى الله عليه وآله)(6) .
وفي تفسير البيضاوي عن عمر : أنّه لمّا نزلت لم يعلم ما هي فلمّا كان يوم بدر رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) يلبس الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولّون الدّبر فعلِمَه(7) ، ونقلها الزمخشري في الكشّاف عن عكرمة(8) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 16/117 .
(2) مكارم الأخلاق : 18 ، كشف الغمّة 1/9 ، بحار الأنوار 16/116 .
(3) استؤصل فلم يبق منه شيء ، لسان العرب 1/800 .
(4) (380) كشف الغمّة 1/9 ، بحار الأنوار 16/117 .
(5) سورة القمر 54 : 45 .
(6) مجمع البيان 5/194 .
(7) تفسير البيضاوي 5/270 .
(8) الكشّاف 4/41 .
صفحه 416
(حتّى تعرّى الليل عن صبحه وأسفر الحقّ عن محضه)
هذا غاية لقولها(عليها السلام) : فبلّغ ، انتهى ، وهو من باب الاستعارة فإنّه استعير الليل لظلمة الكفر والجهالة ، والجامع عدم الاهتداء ، والصبح للهدى ، والجامع الاهتداء ، وأسفر الحق عن محضه مثله غير أنّه استعارة بالكناية وإثبات الأسفار تخييل لها .
(ونطق زعيم الدين)
قال في مجمع البحرين زعيم القوم : سيّدهم ، والزعيم : الضّمين والكفيل ، ومنه قوله(عليه السلام) : (وأنا بنجاتكم زعيم)(1) أي ضامن لنجاتكم ، فالمراد على هذا بزعم الدين ، المتكفّل به والضامن له .
(وخرست شقاشق الشياطين)
الشقاشق ـ جمع شقشقة بالكسر فيهما ـ : شيء يخرجه البعير إذا هاج ، وإذا قالوا للخطيب ذو شقشقة فإنّما شبّهوه بها(2) ، والظاهر أنّ المراد بالشياطين : الكفّار ; يعني أنّه(صلى الله عليه وآله) قد قاتلهم وكافحهم إلى أن خرست شقاشقهم وبردوا عن عنادهم وسلّموا أمرهم إليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وأصل هذا الحديث مرفوع عن الإمام الصادق حيث قال : «تزاوروا فإنّ في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكراً لأحاديثنا وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم وإن تركتموها ضللتم وهلكتم فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم» ، انظر : الكافي 2/186 ، وسائل الشيعة 16/346 ، بحار الأنوار 71/259 .
(2) لسان العرب 10/185 .
صفحه 417
(وأقرّوا بكلمة الإخلاص)
وفي كلمة الشهادة كما قالت(عليها السلام) : (وتمّت كلمة الإخلاص) .
(وكنتم على شفا حفرة من النار)
أي على طرفها مشرفين على الوقوع فيها لكفرهم إذ لو أدركهم الموت وهم على تلك الحالة لوقعوا فيها .
(نهزة الطامع)
النهزة ـ بالضم ـ : الفرصة(1) ، أي إنّهم كانوا محلّ نهزة الطامع فإنّ كلّ طامع كان قادراً عليهم وكانوا عندهم محلّ فرصة ينتهزونها أي يغتنمونها .
(ومذقة الشارب)
المذقة ـ بضمّ الميم وفتحها ـ : الشربة من اللبن الممزوج بالماء(2) .
(وقبسة العجلان)
القبسة ـ بالضمّ ـ : شعلة من نار تقبس من معظمها(3) ، والمراد منهم كانوا أذلاّء يتخطفهم الناس بسهولة قبل أن يعزّهم الله بالإسلام .
(تشربون الطرق وتقتاتون الورق)
قال الجوهري في الصحاح : الطرق والطّروق : ماء السماء الذي تبول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لسان العرب 7/94 .
(2) لسان العرب 4/391 .
(3) لسان العرب 14/139 .
صفحه 418
فيه الإبل وتبعر ، حكاه عن أبي زيد(1) ، والورق ـ بالتحريك ـ : ورق الشجر ، قال بعضهم : وفيه وصف لهم بخباثة المشرب وخشونة المأكل .
(أذلّة خاسئين تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم)
المراد أنّهم أذلّة قليلون يخافون أن يتخطّفهم الناس لقلّتهم وذلّتهم .
(حتّى أنقذكم الله برسوله بعد اللتيا واللّتي)
أقول : الظاهر عودة إلى قولها(عليها السلام) : (وكنتم على شفا حفرة من النار) وفاقاً للآية الشريفة ، واللتيّا ـ بفتح اللام وتشديد الياء ـ : تصغير التي ، وجوّز بعضهم فيه ضمّ اللام ، وهما كنائيّان عن الداهية الصغيرة والكبيرة(2) ، وقد يسمّونها بهما أي بعد الجهد والصعوبة .
(وبعد أن مُني بُهمُ الرجال وذؤبان العرب
ومردة أهل الكتاب)
يقال : مني بكذا على صيغة المجهول أي ابتُلي(3) ، والبهم كصرد جمع بهمة : الشجعان(4) منهم كقوله :
ببهمة منيت شهم قلب *** منجذ لاذي كهام ينبوا
وإنّما ابتُلي بهم الشجعان لأنّهم لشدّة بأسهم لا يدرى من أين يؤتون ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح 1/64 ، الفائق 1/235 ، لسان العرب 10/216 .
(2) مختار الصحاح 1/247 .
(3) لسان العرب 15/294 .
(4) لسان العرب 12/159 .
صفحه 419
وذؤبان العرب صعاليكها الذين يتلصّصون ، والمردة جمع مريد وهم العتاة المتكبّرون(1) .
ثمّ قالت(عليها السلام) :
(كلّما أوقدوا للحرب ناراً أطفأها الله)
أي إنّ هؤلاء المردة كلّما أوقدوا ناراً لحرب محمّد(صلى الله عليه وآله) أطفأها الله بنصره إيّاه حتّى قيل إنّ اليهود كانوا أشدّ أهل الحجاز بأساً وأمنعهم داراً حتّى أنّ قريشاً كانت تعضد بهم ، والأوس والخزرج لا تستبق إلى مخالفتهم وتتكثّر بنصرتهم ، فأباد الله خضراءهم واستأصل شافتهم واجتثّ أصلهم فأجلى النبىّ(صلى الله عليه وآله) بني النضير وبني قينقاع وقتل بني قريظة وشرّد أهل خيبر وغلب على فدك ودان له أهل وادي القرى فمحى الله تعالى آثارهم صاغرين .
(أو نجم قرن للشّيطان أو فغرت فاغرة للمشركين
قذف أخاه في لهواتها)
نجم الشيء نجوماً كنصر : ظهر وطلع(2) ، وقرن الشيطان قال في القاموس قرن الشيطان وقرناؤه : أمّته والمتّبعون لرأيه أو قوّته وانتشاره وتسلّطه(3) ، وفغر فاه أي فتحه ، وفغر فوه أي انفتح يتعدّى ولا يتعدّى(4) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وأشار ابن منظور إلى نفس ما ذكرته مولاتنا فاطمة الزهراء(عليها السلام) أنّ المردة هم أهل الكتاب ، انظر : لسان العرب 8/444 .
(2) مختار الصحاح 1/270 ، الفائق 1/416 ، لسان العرب 12/568 .
(3) القاموس المحيط 1/1579 .
(4) لسان العرب 3/378 .
صفحه 420
والفاغرة من المشركين : الطائفة العادية منهم تشبيهاً بالحيّة أو السبع ،
والقذف : الرّمي ويستعمل بالحجارة ، واللهوات جمع لهاة وهي اللحمة في أقصى سقف الفم(1) .
والمعنى كلّما قصده طائفة من المشركين أو عرضت له داهية بعث أخاه ـ يعني عليّاً(عليه السلام) ـ لدفعها وعرّضه للمهالك كقصّة المبيت على فراشه(صلى الله عليه وآله) .
(فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه)
انكفأ بالهمزة : رجع ، والصماخ ـ بالكسر ـ : خرق الأذن أو الأذن نفسها كما في القاموس(2) ، والأخمص : ما يصيب الأرض من باطن القدم عند المشي ، ووطئ الصماخ بالأخمص كناية عن القهر والغلبة على أبلغ وجه كما لا يخفى .
(ويطفىء عادية لهبها بسيفه مكدوداً في ذات الله)
المكدود اسم مفعول من الكد وهو التعب(3) ، وذات الله : أمره ودينه .
(وأنتم في رفاهية آمنون فاكهون وادعون)
الرفاهية ككراهية مصدر ، رفه عيشه كفرح إذا اتّسع ، وقال الجوهري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لسان العرب 15/262 .
(2) القاموس المحيط 1/326 ، لسان العرب 3/34 .
(3) لسان العرب 3/378 .

صفحه 421
في الصّحاح في قوله تعالى : (وَنَعْمَة كانُوا فِيها فاكِهِينَ)(1) أي ناعمين(2) ،
ووادعون مأخوذ من الدعة وهي السعة(3) ، والمعنى : أنّكم كنتم آمنين ناعمين في المعيشة ذوي سعة وراحة فيها .
(حتّى إذا اختار الله لنبيّه دار الأنبياء)
وهي دار الآخرة .
(ظهرت حسيكة النفاق وسمل جلباب الدين ونطق كاظم
الغاوين ونبغ خامل الأقلّين وهدر فنيق المبطلين
يخطر في عرصاتكم)
قال في القاموس : الحسك : الحقد والعداوة كالحسيكة والحساكة والحسكة ، وحسك عَلَيَّ كفرح فهو حسك غضب(4) ، وعلى هذا فالإضافة بيانية ، وسمل الثوب سمولاً وسمولة : الخلق(5) .
والجلباب قال في القاموس : القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة ، أو ما تغطّي به ثيابها من فوق كالملحفة وهو الخمار(6) ، وهو كناية عن قصدهم إطفاء نور الإسلام ولكن يأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الدخان 44 : 27 .
(2) مختار الصحاح 1/213 .
(3) الأصوب كما ذكره ابن منظور : (الدعة هي الراحة) وهذا ما قصدته مولاتنا فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، لسان العرب 8/391 .
(4) القاموس المحيط 1/1313 .
(5) مختار الصحاح 1/132 ، لسان العرب 11/345 .
(6) القاموس المحيط 1/88 .

صفحه 422
الكافرون .
والكاظم اسم فاعل من كَظِمَ الرجل بمعنى كظوماً إذا سكت ، ونبغ الشيء كمنع ونصر أي ظهر ، والخامل قال الجوهري : هو الساقط الذي لا نباهة له(1) ، والمراد بالأقلّين : الأذلّين .
وفي نسخة الكشف (فنطق كاظم ونبغ خامل)
والهدير : ترديد صوت الفحل في حنجرته ، والفنيق قال الجوهري : هو الفحل المكرم(2) ، وقال أبو زيد : هو اسم من أسمائه والجمع فنق ، ذكره في كتاب الإبل انتهى ، ويخطر قال في القاموس : الخطر : الفحل يخطر خطراً وخطراناً وخطيراً : ضرب به يميناً وشمالاً(3) .
(وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم فدعاكم وألفاكم لدعوته
مستجيبين وللغرّة فيه ملاحظين)
أقول : أطلع الشيطان رأسه كناية عن شدّة جهلهم ، والغرّة ـ بالغين المعجمة ـ : الغفلة(4) ، أو اغترّه : أتاه على غرّة منه .
(ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً وأحمشكم
فألفاكم غضاباً)
الإحماش : الإغضاب ، والمعنى أنّ الشيطان لعنه الله حين أطلع رأسه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح 1/80 .
(2) مختار الصحاح 1/82 ، لسان العرب 6/283 10/313 .
(3) القاموس المحيط 1/494 .
(4) مختار الصحاح 1/199 ، لسان العرب 5/16 ، المصباح المنير 2/449 .
صفحه 423
من مغرزه قد استنهضهم إليه فنهضوا إليه خفافاً مجيبين إليه وحملهم على الغضب فوجدهم مغضبين لغضبه أو من عند أنفسهم وهو ظاهر .
(فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير شربكم)
هذا تفريع على قولها صلوات الله وسلامه عليها : (فنهضوا إليه . . . إلخ) أي إنّهم قد تعدّوا أطوارهم بإجابتهم للشيطان فإنّ الشيطان لهم عدوٌّ مبين وذلك واضح .
ثمّ قالت صلوات الله عليها :
(هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لمّا يندمل)
هذا في مثل المقال يؤتى بها لأجل الاقتضاب الذي فيه نوع ارتباط كما قال سبحانه وتعالى بعد ذكر أهل الجنّة : (هذا وإنّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب)(1) فهو اقتضاب لكن فيه نوع ارتباط لأنّ بعده الواو للحال كما في المقام ، ونقل عن ابن الأثير : إنّ لفظ هذا في مثل المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر ، ثمّ قال : وذلك من فضل الخطاب الذي هو أحسن موقعاً من التخلّص انتهى .
والمراد بالعهد : موته(صلى الله عليه وآله) ، والكلم : الجرح ، والمراد بالرحيب : المتّسع ، ويقرب منه قولها(عليها السلام) : (والجرح لمّا يندمل) وهذا كناية عن عظم الأمر وشدّته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ص 38: 55 .

صفحه 424
(ألا في الفتنة سقطوا)
هذا من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة كما لا يخفى .
(فهيهات وأنّى بكم)
أقول : الظاهر أنّ فاعل هيهات مضمر عائد إلى المفهوم من الكلام السابق أي هيهات الخروج من الفتنة بعد سقوطهم بها ، (وأنّى بكم) كلام أخرج مخرج التعجّب أي كيف تخرجون منها وقد فعلتم الأفاعيل العظيمة الشنيعة .
(وأنّى تؤفكون)(1)
أي كيف يمثلون عن الحقّ والحال أنّ (كتاب الله بينكم)(2) تتداولونه قد بيّنت فيه الزواجر عن الباطل ولاحت فيه الشواهد واوضحت فيه الأوامر بالطاعات .
(رغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون)
يعني أنّكم خالفتم كتاب الله ولكن لم يبن وجه المخالفة أمن جهة الرغبة عنه والزهاد فيه أم من جهة الحكم بغير كتاب الله من الأباطيل؟ ويمكن أن تجعل (أم) منقطعة بمعنى بل ولكنّه خلاف الظاهر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصواب ورد في الخطبة (كيف تؤفكون) .
(2) نصّ الخطبة (وكتاب الله بين أظهركم وزواجره بيّنة وشواهده لائحة وأوامره واضحة) .

صفحه 425
(بئس للظالمين بدلاً)
اسم بئس(1) ضمير فسّر بقولها(عليها السلام) : (بدلاً) أي بئس البدل للظالمين
بدلاً لهم ، يعني بئس ما استبدلوا بكتاب الله إذ اتّبعوا غيره وحكموا به .
(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه
وهو في الآخرة من الخاسرين)
فيه إشارة إلى أنّهم قد ابتغوا ديناً وطلبوا غير الإسلام بسبب مخالفة كتاب الله وحكمهم بخلاف حكمه لأنّه هو قاعدة الإسلام وبأتباعه يحصل الإسلام وهم في الآخرة من الهالكين لأنّ الخسران ذهاب رأس المال .
(ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها
ويسلس قيادها)
ريث ـ بالفتح ـ بمعنى : قدر(2) ، ونسبت إلى أهل الحجاز خاصّة ، وتستعمل مع (ما) ، قال الفيومي في مصباحه : ريثما فعل كذا أي قدر ما فعله ، ووقف ريثما صلّينا أي قدر ما(3) ، ونفرة الدابّة ذهابها وعدم انقيادها ، والسلس ـ بكسر اللام ـ : السهل الليّن(4) ، الانقياد وضمير المؤنّث قال بعضهم : يرجع إلى فتنة وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) أي لم يعتبروا إلى ذهاب أثر تلك المصيبة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بئس حسبما ذكر الجوهري : (كلمة ذمّ وهي ضدّ نعم) ، انظر : مختار الصحاح 1/16 .
(2) لسان العرب 2/159 .
(3) المصباح المنير 1/247 .
(4) العين 2/210 ، القاموس المحيط 1/1224 ، لسان العرب 6/106 .
صفحه 426
(ثمّ أخذتم تورون وقدتها وتهيجون
جمرتها تسرّون حسواً في ارتغاء
وتمشون لأهله وولده في الخمر والضرّاء)
قولها(عليها السلام) : (ثمّ أخذتم . . . إلخ) هذا استدراك من قولها : (ثمّ لم تلبثوا) انتهى ، وضمير المؤنّث يعود إلى الفتنة ، وتسرّون من الإسرار وهو ضد الإعلان ، والحسو ـ بفتح الحاء فسكون السين ـ : شرب المرق وغيره شيئاً فشيئاً(1) ، والارتغاء افتعال من ارتغيت الشيء إذا شربت رغوته وهو زبده الذي يعلوه(2) كما قاله الجوهري في الصحاح قال : وفي المثل (يسرّ حسواً في ارتغاء) يضرب لمن يظهر أمراً ويريد غيره ، قال الشعبي لمن سأله عن رجل قبل أم امرأته؟ قال : يسرّ حسواً في ارتغاء وقد حرمت عليه امرأته(3) انتهى .
فهي صلوات الله عليها قد لمّحت بقولها : (تسرّون انتهى . . .) إلى المثل أي إنّكم تظهرون الإسلام والمودّة للرسول(صلى الله عليه وآله) ولكن تريدون خلافه ، إذ لم تجرّوا على مقتضى المودّة في عدم النصرة لبنت نبيّهم(صلى الله عليه وآله) ، والخمر بالتحريك قال الجوهري : ما واراك من شيء ، يقال : توارى الصيد عنّي في خمر الوادي(4) .
قال ابن السكّيت : خمره ما واراه من جرف أو جبل من جبال الرّمل أو شجر أو شيء ، قال : ومنه قولهم : دخل فلان في خمار الناس أي فيما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العين 3/270 ، مختار الصحاح 1/58 ، لسان العرب 3/270 .
(2) المصباح المنير 1/232 ، لسان العرب 14/330 .
(3) مختار الصحاح 1/58 ، لسان العرب 14/330 .
(4) مختار الصحاح 1/299 ، لسان العرب 4/256 .
صفحه 427
يواريه ويستره منهم ، والضرّاء بالفتح ، قال الجوهري : الشجر الملتفّ في الوادي ، يقال : توارى الصيد منّي في ضرّاء وفلان يمشي الضرّاء إذا مستخفياً فيما يوارى من الشجر ، ويقال للرجل إذا أختل صاحبه : هو يدبّ له الضرّاء ويمشي له الخمر(1) .
(ونصبر منكم على مثل حزّ المُدى)
الحزّ ـ بالحاء المهملة ـ : القطع(2) ، والمُدى جمع مدية(3) وهي السكّين .
(ووخز السنان في الحشا)
الوخز : الطعن بالرمح ونحوه بحيث لا يكون نافذاً(4) ، وهذا وما قبله كناية عن شدّة ما رأته منهم من المصائب العظيمة ، ثمّ بيّنت صلوات الله عليها بعض ما صبرت عليه من فعالهم فقالت :
(وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا)
وزاد في كشف الغمّة : (أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟!) يقول الله عزّ وجلّ ثناؤه : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ)(5) ، وقال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح 1/266 ، لسان العرب 14/483 .
(2) العين 2/147 .
(3) القاموس المحيط 1/1719 ، المصباح المنير 2/567 .
(4) العين 4/291 ، لسان العرب 7/281 .
(5) سورة النمل 27 : 16 .
صفحه 428
فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريّا إذ قال : (رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)(1) ، وقال تبارك وتعالى : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(2) فزعمتم أن لاحظّ ولا إرث لي من أبي ، أفحكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثان ، أم أنتم أعلم بعموم القرآن وخصوصه من أبي(صلى الله عليه وآله)(3)؟
(أفحكم الجاهلية تبغون)
من جهة عدم توريثهم أولادهم : ثمّ أضربت فقالت : لا ينبغي منكم أن تبتغوا حكم الجاهلية وقد حكم الله تعالى في كتابه العزيز بالتوريث كما ذكرت .
(ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون به)
فإن كنتم قد أيقنتم بحكم الله تعالى فلِم أنكرتم إرثي من أبي؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة مريم 19 : 5 ـ 6 .
(2) سورة النساء 4 : 11 .
(3) كشف الغمّة 1/488 .
من الاحتجاجات المهمّة التي طرحتها الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) على الخليفة أبو بكر عندما وفدت إليه تطالب بإرثها من الرسول(صلى الله عليه وآله) وذكر لها أنّه سمع عن الرسول في حديث منفرد : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة» وكأنّ ما ادّعاه جاء لينسخ الآيات القرآنية من جهة وأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) من جهة أخرى لذا احتجّت(عليها السلام)بما صرّحت الآيات القرآنية في حجّة ليس لها أي جواب وكان الأولى على الرسول(صلى الله عليه وآله) أن يحدّث هذا الحديث الذي سمّعه الخليفة فاطمة(عليها السلام) لأنّه يمسّها أكثر من غيرها وانكب علماء المسلمين بمختلف تيّاراتهم ومذاهبهم في معالجة هذه القضية في بحوث ومؤلّفات إلى يومنا هذا ردّاً على الدعوى التي أطلقها الخليفة الأوّل .
صفحه 429
(يابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي؟
لقد جئت شيئاً فريّا)
أي عجيباً ، ويقال : عظيماً في أنّك ترث أباك ولا أرث أبي .
(فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك)
الضمير في (فدونكها) يعود إلى فدك المفهومة من السياق ، ودونك الشيء بمعنى خذه فهي بمعنى الأمر والأمر للتهديد مثل قوله تعالى : (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ)(1) ، وشبّهتها في كونها مسلّمة له بحيث لا يعارضه في أخذها أحد بالناقة المنقادة المهيّأة للركوب ، واستقرب شيخنا البحراني كون الضمير يعود للخلافة قال : فإنّ إشارات الخطبة وعباراتها كلّها إنّما ترجع إلى ذلك ، ثمّ قال : وهذا الحمل أنسب بقولها(عليها السلام) : (تلقاك يوم حشرك)(2) .
وأقول : ما ذكره خلاف الظاهر من الإشارات والعبارات كما لا يخفى على المنصف ، وأمّا قولها : (تلقاك يوم حشرك) فالمراد به : العقاب المعدّ له في غصبه إيّاها منها(عليها السلام) ، وفي نسخة الكشف بدل (مرحولة) (مزمومة) وكأنّه تأكيد لمخطومة كما لا يخفى .
(فنعم الحكم الله)
يوم القيامة بيني وبينك في اغتصابكها منّي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة فصلت 41 : 40 .
(2) الدرة النجفية : 273 .

صفحه 430
(والزعيم محمّد)
والشاهد محمّد(صلى الله عليه وآله) .
(والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون)
العادلون عن الحقّ الذي أمر الله تعالى به فلا يحصلون من ذلك إلاّ الباطل ، والعدول عن الحقّ إليها إلاّ العذاب الدائم الأليم .
(ولكلّ نبأ مستقر)
ولكلّ عمل مستقرّ عند الله حتّى يجازى به ، قال الطبرسي(رحمه الله) في مجمع البيان نقلاً عن الحسن : (فَسوفَ تَعْلَمُونَ) أيّها المبطلون يوم القيامة (مَنْ يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزيهِ)(1) يهينه ويفضحه في الدنيا ، كما في مجمع البيان : (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيْمٌ) أي وينزل عليه عذاب دائم في الآخرة(2) .
قال الراوي : ثمّ التفتت إلى قبر أبيها شاكية إليه فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة(3) :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم نكثر الخطب
أبدت رجال لنا فحوى صدورهم *** لمّا قضيت وحالت دونك الترب
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا *** إذ(4) غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود 11 : 39 .
(2) مجمع البيان 3/ 159 ـ 160 .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16/212 .
(4) وردت عند أبي الحديد (إذا) نهج البلاغة 16/212 .
صفحه 431
ففي المجلّد العاشر من البحار عن محمّد بن يعقوب الكليني(رحمه الله) في الكافي عن حميد عن ابن سماعة من أحمد بن الحسن عن أبان عن محمّد ابن المفضّل قال : سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول : جاءت فاطمة إلى سارية في المسجد وهي تقول وتخاطب النبىّ(صلى الله عليه وآله) :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا(1)
وفي تذكرة الخواصّ للسبط بن الجوزي عن الشعبي : أنّها(عليها السلام) بعد أن خطبت الخطبة أومأت إلى قبر النبىّ(صلى الله عليه وآله) وقالت :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واغتيل أهلك لما اغتالك الترب
وقد رزينا بما لم يرزه أحد *** من البرية لا عجمٌ ولا عرب
قال : ثمّ إنّها اعتزلت القوم ولم تزل تندب رسول الله وتبكيه حتّى لحقت به(2) .
وعن مناقب ابن شهرآشوب : أنشدت الزهراء بعد وفاة أبيها(عليها السلام)(3) :
وقد رزينا به محضاً خليقته *** صافي الضرائب والأعراق والنسب
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به *** عليك تنزل من ذي العزّة الكتب
وكان جبريل روح القدس زائرنا *** فغاب عنّا وكلّ الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا *** لما مضيت وحالت دونك الحجب
إنّا رزينا بما لم يرز ذو شجن *** من البرية لا عجم ولا عرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأصوب كما ذكره الشيخ المجلسي (ولا تغب) .
(2) تذكرة الخواص : 318 .
(3) المناقب لابن شهراشوب 3/361 ، بحار الأنوار 43/196 .
صفحه 432
ضاقت عليّ بلاد بعدما رحبت *** وسيم سبطاك خسفاً فيه لي نصب
فأنت والله خير الخلق كلّهم *** وأصدق الناس حيث الصدق والكذب
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت *** منا العيون بتهمال له سكب
وفي نهاية ابن الأثير في مادّة هنبث في الحديث : إنّ فاطمة(عليها السلام) قالت بعد موت النبىّ(صلى الله عليه وآله) :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكر تمام البيتين وقال : الهنبثة واحدة الهنابث وهي الأمور الشدائد المختلفة ، والهنبثة الاختلاط في القول(1) ، ومثله في مجمع البحرين(2) ، والشهود : الحضور ، والخطب : جمع خطب ـ بالفتح ـ وهو الأمر الذي تقع فيه المخاطبة والشأن والحال(3) ، والوابل : المطر الغزير(4) .
(ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ)
أي يوم إذ ندبت أباها بهذه النّدبة .
(ثمّ عدلت من قبر أبيها إلى مسجد الأنصار)
وفي نسخة : (ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار) فقالت معاتبة إيّاهم :
(يا معشر البقيّة)
أي بقية الأنصار .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهاية في غريب الحديث 5/276 .
(2) مجمع البحرين 4/441 .
(3) لسان العرب 1/310 .
(4) القاموس المحيط 1/518 ، لسان العرب 5/378 .
صفحه 433
(وأعضاد الملّة)
أي حملة ملّة الإسلام .
(وحضنة الإسلام)
بمعناه .
(ما هذه الفترة عن نصرتي)
الفترة ـ بالفاء المفتوحة والتاء الساكنة ـ : السكون(1) .
(والسنة عن ظلامتي)
السنة ـ بالكسر ـ : مصدر وسن يوسن ـ كعلم يعلم ـ وسناً ، والسنة : أوّل النوم كما قال سبحانه : (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ)(2) ، أو النوم الخفيف ، والهاء عوض عن الواو(3) ، والظلامة بالضمّ كالظلمة بالكسر ما أخذه الظالم منك(4) ، ومؤدّى هذه الفقرة والفقرة السابقة واحد .
(أما كان رسول الله يقول المرء يحفظ في ولده)
ولم تحفظوه في بنته سيّما مع قوله(صلى الله عليه وآله) : «فاطمة بضعة منّي من آذاها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفراهيدي 7/173 ، التوقيف على أمّهات التعاريف 1/549 .
(2) سورة البقرة 2 : 255 .
(3) القاموس المحيط 1/1598 ، المصباح المنير 2/660 ، لسان العرب 13/449 .
(4) لسان العرب 12/375 .

صفحه 434
فقد آذاني ومن أهانها فقد أهانني ومن أغضبها فقد أغضبني»(1) .
(سرعان ما أحدثتم وعجلان ما أتيتم)
سرعان مثلّثة السين ، وعجلان إسما فعل بمعنى : سرع وعجل ، قيل : وفيهما معنى التعجّب أي ما أسرع وأعجل(2) ، وفي نسخة الكشف : (وسرعان ذا إهالة) وهو مثل يضرب لكينونة الشيء قبل وقته ، وأصله على ما قيل : إنّ رجلاً كان له نعجة عجفاء وكان رعامها يسيل من منخريها لهزالها فقيل : ما هذا الذي يسيل؟ فقال : ودكها ، فقال السائل : سرعان ذا إهالة ، ونصب إهالة على الحال ، و(ذا) إشارة إلى الرعام ـ بالعين المهملة ـ وهو المخاط أي سرع الرعام حال كونه إهالة ، ويجوز أن يحمل على التمييز على تقدير نقل الفعل مثل قولهم : تصبّب زيد عرقاً .
(الآن مات رسول الله)
أي حين ظهروا فحوى صدورهم وفعلوا ما فعلوا .
(أمتّم دينه )
أي تنبّهوا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وأشارت إلى هذا الحديث المتقدّم في المتن مجموعة كبيرة من مصادر الحديث ، انظر : صحيح مسلم 15/406 408 ، المستدرك على الصحيحين 3/172 ـ 173 ، مسند أبي عوانة 3/70 ، سنن الترمذي 5/698 ، مجمع الزوائد 4/255 ، 9/203 ، سنن أبي داود 2/226 ، سنن ابن ماجه 1/643 ـ 644 ، فضائل الصحابة 2/755 ـ 759 ، فضائل الصحابة 1/78 .
(2) العين 1/227 ، لسان العرب 11/425 .
صفحه 435
(ها إنّ موته لعمري خطب جليل استوسع وهيه
واستنهر فتقه وفقد راتقه)
الوهي كالرمي : الشقّ والخرق(1) ، يقال : وهي الثوب إذا بلى وتخرّق ، واستنهر من النهر بالتحريك قال في القاموس : النهر محرّكة : السعة(2) ، والفتق : الشقّ(3) ، والضمائر تعود إلى الخطب المزبور ، وفي نسخة الكشف : واستهتر بالتاء وهو بمعناه .
(واظلمّت الأرض له وخشعت الجبال وأكدت الآمال)
يقال : أكدى فلان إذا بخل وقلّ خيره(4) أي لم يبق بعده(صلى الله عليه وآله) مؤمّل فبفقده فقدت الآمال .
(وأضيع بعده الحريم)
حريم الرجل : ما يقاتل عنه ويحميه .
(وهتكت الحرمة)
الحرمة : ما لا يحمل انتهاكه .
(وأذيلت المصونة)
هو مأخوذ من الأذالة وهي الإهانة ، قال في القاموس : وأذلته : أهنته ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القاموس المحيط 1/1733 ، لسان العرب 15/417 .
(2) القاموس المحيط 1/629 .
(3) لسان العرب 10/296 .
(4) لسان العرب 15/216 .
صفحه 436
ولم أحسن القيام عليه(1) .
(وتلك نازلة أعلن كتاب الله قبل موته وأنبأكم بها فقال : (وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ))(2) .
ففي روضة الكافي في خطبة الوسيلة لأمير المؤمنين(عليه السلام) : «حتّى إذا دعا الله عزّ وجلّ نبيّه ورفع إليه لم يك ذلك بعده إلاّ كلمة من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب وانتكصوا على الأدبار وطلبوا بالأوتار وأظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا الديار وغيّروا آثار رسول الله(صلى الله عليه وآله) ورغبوا عن أحكامه وبعدوا من أنواره واستبدلوا بمستخلفه بديلاً اتّخذوه وكانوا ظالمين وزعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله ممن اختاره الرسول(صلى الله عليه وآله) لمقامه وأنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري والأنصاري الربّاني ناموس هاشم بن عبد مناف»(3) وفي احتجاج الطبرسي(رحمه الله) في خطبة الغدير أنّه(صلى الله عليه وآله) قال : «معاشر الناس أنذرتكم أنّي رسول قد خلت من قبلي الرّسل أفإن متّ أو قتلت انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ألا وإنّ عليّاً هو الموصوف بالصبر والشكر ثمّ من بعده ولدي من صلبه»(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القاموس المحيط 12/247 ، وانظر : العين 8/199 ، لسان العرب 3/59 .
(2) سورة آل عمران 3 : 144 .
(3) الكافي 8/29 .
(4) الإحتجاج 1/62 .
صفحه 437
وفي إعلام الورى «أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمّا ثقل مرضه وحضره الموت قال لعليّ(عليه السلام) : ضع رأسي يا عليّ في حجرك فقد جاء أمر الله عزّ وجلّ فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ثمّ وجّهني إلى القبلة وتولّ أمري وصلّ عليّ أوّل الناس ولا تفارقني حتّى تواريني في رمسي واستعن بالله عزّ وجلّ وأخذ عليٌّ رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه وأكبّت فاطمة تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ففتح رسول الله(صلى الله عليه وآله) عينيه وقال بصوت ضئيل : يا بنيّة هذا قول عمّك أبي طالب لا تقوليه ولكن قولي : (وما محمدٌ إلاّ رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن ماتَ أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم)(1) فبكت طويلاً ،
فأومى إليها بالدنوّ منه فدنت إليه فأسرّ إليها شيئاً تهلّل له وجهها ثمّ قضى ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسح بها ثمّ وجّهه وغمّضه ومدّ عليه إزاره واشتغل بالنظر إلى أمره فسُئلت : ما الذي قال إليك رسول الله فسرى عنك ، قالت : أخبرني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به وأنّه لن تطول المدّة بعده حتّى أدركه فسرى ذلك عنّي»(2) .
وفي الصافي عن العيّاشي عن الباقر(عليه السلام) قال : كان الناس أهل ردّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلاّ ثلاثة ، قيل : ومن الثلاثة؟ قال : المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسي ثمّ عرف أناس بعد يسير فقال : هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران 3 : 144 .
(2) الطبرسي : 136 ، الإرشاد 1/186 ـ 187 ، إيمان أبي طالب لفخار : 304 ـ 305 ، بحار الأنوار 220/470 .
صفحه 438
وأبوا أن يبايعوا حتّى جاؤوا بأمير المؤمنين(عليه السلام) مكرهاً فبايع وذلك قول الله عزّ وجلّ : (وما محمدٌ إلاّ رسولٌ . . .)» الآية(1) .
(ايهاً بني قيلة)
ايهاً ـ بفتح الهمزة ـ بمعنى هيهات كما في الصحاح(2) ، وقال ابن الأثير : «إذا قلت إيهاً بالنصب فإنّما تأمره بالسّكوت(3) ، وبنو قيلة : قبيلتا الأنصار وهما الأوس والخزرج وقيلة إسم أم لهم قديمة بالقاف ثمّ الياء المثنّاة من تحت وهي قيلة بنت كاهل» قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث(4) .
(اهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة
ويشملكم الصوت)
أي إنّكم لا معذرة لكم مع بلوغكم دعوتي وسماعكم صوتي مع تمكّنكم من النصرة لأنّ (فيكم العدّة) والاستعداد (والعدد) الكثير (ولكم الدار والجُنن) وهي جمع جنّة بالضمّ وهي ما استترت به من السلاح(5) أي فيمكنكم القتال إن آل الأمر إليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الصافي : 311 و106 ، تفسير العيّاشي 1/199 ، رجال الكشّي : 6 ، الكافي 8/245 ـ 246 ، تأويل الآيات الظاهرة : 128 ، بحار الأنوار 28/237 .
(2) مختار الصحاح 1/15 ، القاموس المحيط 1/1604 ، لسان العرب 13/474 .
(3) النهاية في غريب الحديث 1/87 .
(4) النهاية في غريب الحديث 4/134 .
(5) مختار الصحاح 1/48 ، لسان العرب 13/92 .

صفحه 439
(وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار)
إذ هداكم إلى الإسلام .
(باديتم العرب وبادهتم الأمور)
أي جاهرتم العرب في دعوتكم الشجاعة وفاجأتم الأمور العظام .
(وكافحتم البهم)
أي الشجعان ، جمع بهمة بالضمّ(1) ، أي في الجهاد مع النبىّ(صلى الله عليه وآله) في حروبه مع المشركين .
(حتّى دارت بكم رحا الإسلام ودرّ حلبه)
أي بكم قد نتجت نتائجه بمجاهدتكم المشركين مع النبىّ(صلى الله عليه وآله) .
(وخبت نيران الحرب)
بغلبتكم إيّاهم .
(وسكن فورة الشرك)
بالإهتداء إلى الإسلام .
(وهدأت دعوة الهرج)
أي سكنت دعوة الفتنة والاختلاط حين أقرّوا بالإسلام وهدوا إليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غريب الحديث 2/122 ، القاموس المحيط 1/1398 .
صفحه 440
(واستوسق نظام الدين)
أي اجتمع الدين بعد أن كان متفرّقاً ، شبّهته(عليها السلام) بالنظام الذي فيه الدّر المتفرّق أي بكم معشر الأنصار قد اجتمعت تلك الدّراري وهو من أحسن التشبيهات وأبلغها .
(أفتأخّرتم بعد الإقدام)
في عدم نصرتي حيث نصرتم أبي ولم تنصروني .
(ونكصتم بعد الشدّة)
النّكوص : الرّجوع إلى وراء وهو القهقرى .
(وجبنتم بعد الشجاعة)
في نصرتكم للنبىّ(صلى الله عليه وآله) في حروبه وغزواته .
(عن قوم نكثوا أيمانهم)
متعلّق بجبنتم ، والقوم هم الظالمون لها(عليها السلام) ، ومعنى نكثوا أيمانهم : نقضوا عهدهم بعد عهادهم للنبىّ(صلى الله عليه وآله) في عدم نقضه .
(وطعنوا في دينكم) وعابوه (أنّهم لا إيمان لهم)
في الحقيقة والواقع وإلاّ لما طعنوا في الدين وإن أظهروا الإسلام وادّعوه .
(لعلّهم ينتهون)
عن كفرهم بسبب مقاتلتكم إيّاهم .
صفحه 441
(إلاّ وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض
وركنتم إلى الدعة)
أخلدتم أي ركنتم إلى الذلّ حيث لم تأخذكم حميّة الإسلام ، وركنتم إلى الدعة أي إلى الراحة والسكون ، وعبّرت(عليها السلام) بأخلدتم وركنتم للتفنّن وهذا من أشدّ التوبيخ والتعيير لهم .

(فجحدتم الذي وعيتم)
وسمعتموه من النبىّ(صلى الله عليه وآله) في أمر الإسلام .

(ودسعتم الذي سوّغتم)
الدسع كالمنع : الدفع والقيء(1) ، وساغ الشرابُ يسوغ سوغاً إذا سهل مدخله في الحلق(2) ، وفي نسخة الكشف (ولفظتم) بدل (ودسعتم) وهما متقاربان .

(وإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً) من الثقلين (فإنّ الله لغنىّ) عنكم (حميد) في أفعاله .

(ألا وقد قلت لكم ما قلت)
جاءت بالموصول للتفخيم لعظم ما قالت(عليها السلام) في مقام التقريع والتعيير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العين 1/324 ، النهاية في غريب الحديث 2/117 ، لسان العرب 8/84 .
(2) العين 4/433 ، القاموس المحيط 1/1012 ، المصباح المنير 1/295 .
(على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم)
الخذلة : ترك النصر وخامرتكم أي خالطتكم .
(وخور القنا)
الخور ـ بالفتح والتحريك ـ : الضعف(1) ، والقنا جمع قناة وهي الرّمح(2) ، ولعلّ المراد بخور القنا : ضعف ما يعتمد عليه في النصرة على العدوّ .
(فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ناقبة
الخفّ باقية العار موسومة بالشنار)
الظاهر أنّ الضمير يعود إلى فدك ، والحقب ـ بالتحريك ـ : حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير ، يقال : أحقبت البعير إذا شددته به(3) ، وحكي عن بعض الفضلاء : إنّ الأنسب في هذا المقام (احقبوها) بصيغة الأفعال أي شدّوا عليها ذلك وهيّؤوها للرّكوب ولكن فيما وصلت إلينا من الروايات على بناء الافتعال ، والدبر ـ بالتحريك ـ : الجرح في ظهر البعير(4) ، والنقب ـ بالتحريك ـ : دقّة خفّ البعير(5) ، وقال في النهاية : الشنار : العيب والعار ، وقيل : هو العيب الذي فيه عار(6) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العين 4/302 ، الفائق 1/402 ، مختار الصحاح 1/80 ، لسان العرب 4/262 .
(2) مختار الصحاح 1/231 ، القاموس المحيط 1/610 ، المصباح المنير 2/517 .
(3) العين 3/52 ، المصباح المنير 1/143 ، لسان العرب 1/324 .
(4) النهاية في غريب الحديث 2/97 ، لسان العرب 4/274 .
(5) الفائق 4/19 ، لسان العرب 1/765 .
(6) النهاية في غريب الحديث 2/504 ، وأنظر : العين 6/251 ، القاموس المحيط 1/539 ، لسان العرب 4/430 .
صفحه 442

صفحه 443
(موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة)
أي بسبب اغتصابها منها(عليها السلام) .

(فبعين الله ما تعملون)
أي بعلم الله عملكم أيّها الناكثون والغاصبون .

(وسوف يجازيكم عليه)
يوم القيامة (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ)(1) في يوم القيامة ، وزاد في نسخة الكشف : «وأنا بنت نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إنّا عاملون وانتظروا إنّا منتظرون» .
تمّت هذه الوريقات في شرح الخطبة الشريفة العلية الشّأن يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر صفر المظفّر من سنة ألف والثلاثمائة والأربعة والعشرين من الهجرة النبوية على هاجرها ألف ألف تحية والحمد لله ظاهراً وباطناً أوّلاً وآخراً .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء 26 : 227 .
صفحه 444

المصادر
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ الأحاديث المختارة : للمقدسي ، محمّد بن عبد الواحد ، تحقيق عبد الملك ابن عبد الله ، مكتبة النهضة الحديثة ، مكّة المكرمة 1410هـ .
3 ـ أعلام الدين : للديلمي ، الحسن بن محمّد ، مؤسّسة آل البيت ، قم 1408هـ .
4 ـ أعلام النساء : لكحّالة ، عمر ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت 1404هـ .
5 ـ الإحتجاج : للطبري ، أحمد بن عليّ ، نشر المرتضى ، مشهد ، 1403هـ .
6 ـ الإختصاص : للمفيد ، محمّد بن النعمان ، المؤتمر للشيخ المفيد ، رقم 1413هـ .
7 ـ إرشاد القلوب : للديلمي ، الحسن بن محمّد ، دار الشريف الرضي ، 1412هـ .
8 ـ إقبال الأعمال : لابن طاووس ، عليّ بن طاووس ، دار الكتب الإسلامية ، طهران 1367هـ .
9 ـ الأمالي : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، المكتبة الإسلامية ، قم 1404هـ .
10 ـ الأمالي : للمفيد ، محمّد بن النعمان ، المؤتمر للشيخ المفيد ، 1413هـ .
11 ـ الإمامة والسياسية : لابن قتيبة ، عبد الله بن مسلم ، تحقيق محمّد الزيني ، دار الأندلس ، النجف الأشرف .

صفحه 445
12 ـ إيمان أبي طالب : لفخّار ، بن معد الموسوي ، دار سيّد الشهداء للنشر ، قم 1410هـ .
13 ـ بحار الأنوار : للمجلسي ، محمّد باقر ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت 1404هـ .
14 ـ البداية والنهاية : لابن كثير ، إسماعيل بن عمر ، مكتبة المعارف ، بيروت .
15 ـ بشارة المصطفى : للطبرسي ، عماد الدين ، المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف 1383هـ .
16 ـ بصائر الدرجات : للصفّار ، محمّد بن الحسن ، مكتبة آية الله مرعشي ، قم 1404هـ .
17 ـ بلاغات النساء : لابن طيفور ، أحمد بن أبي طاهر ، دار الشريف الرضي ، قم .
18 ـ البلد الأمين : للكفعمي ، إبراهيم بن عليّ طبع حجري .
19 ـ تاريخ الطبري : للطبري ، محمّد بن جرير ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1407هـ .
20 ـ تاريخ اليعقوبي : لليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب ، دار صادر ، بيروت .
21 ـ تأويل الآيات الظاهرة : للحسيني ، شرف الدين . مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم 1409هـ .
22 ـ تحف العقول : للحرّاني ، الحسن بن شعبة ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، 14هـ .
23 ـ تذكرة الخواصّ : لسبط ابن الجوزي ، يوسف بن قزاوغلي ، المطبعة العلمية ، النجف الشرف 1369هـ .
24 ـ تذكرة الفقهاء : للعلاّمة الحلّي ، جمال الدين الحسن بن يوسف ، المكتبة المرتضوية .
صفحه 446
25 ـ التعاريف : للمناوي ، محمّد بن عبد الرؤوف ، تحقيق محمّد ، دار الفكر ، بيروت 1410هـ .
26 ـ تفسير البيضاوي : للبيضاوي ، تحقيق عبد القادر عرفات ، دار الفكر ، بيروت 1416هـ .
27 ـ تفسير الصافي : للفيض الكاشاني ، محمّد بن مرتضى ، طبع حجري .
28 ـ تفسير العيّاشي : للعيّاشي ، المطبعة العلمية ، طهران 1380هـ .
29 ـ تفسير القمّي : للقمّي ، عليّ بن إبراهيم ، مؤسّسة دار الكتاب ، قم 1404هـ .
30 ـ التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري(عليه السلام) : مدرسة الإمام المهدي ، قم 1409هـ .
31 ـ التمهيد : لابن عبد البرّ ، يوسف بن عبد الله ، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي ومحمّد عبد الكريم البكري ، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الإسلامية ، المغرب 1387هـ .
32 ـ التوحيد : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن علي ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم 1398هـ .
33 ـ ثواب الأعمال : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، دار الرضي للنشر ، قم 1406هـ .
34 ـ جامع الأخبار : للشعيري ، تاج الدين ، دار الرضي للنشر ، قم .
35 ـ جواهر الكلام : للجواهري ، محمّد حسن ، دار الكتب الإسلامية ، طهران .
36 ـ الخرائج والجرائح : لابن الرواندي ، قطب الدين ، مؤسّسة الإمام المهدي ، قم 1409هـ .
37 ـ خطباء المنبر الحسيني : للمرجاني ، حيدر ، مطبعة دار النشر والتأليف ، النجف الأشرف 1368هـ .

صفحه 447
38 ـ الخطط : للمقريزي ، تقيّ الدين ، دار صادر ، بيروت .
39 ـ الدرّة النجفية : للبحراني ، يوسف ، طبع حجري ، مطبعة سيّد مرتضى ، 1314هـ .
40 ـ دلائل الإمامة : للطبري ، محمّد بن جرير ، دار الذخائر للمطبوعات ، قم .
41 ـ ديوان المتنبّي : شرح عبد الرحمن البرقوقي ، مطبعة الاستقامة ، مصر 1357هـ .
42 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : لآقا بزرك ، محمّد محسن الطهراني ، المكتبة الإسلامية ، قم 1408هـ .
43 ـ رجال السيّد بحر العلوم : لبحر العلوم ، محمّد مهدي ، تعليق السيّد محمّد بحر العلوم والسيّد حسين بحر العلوم ، مطبعة الآداب ، النجف 1385هـ .
44 ـ روضة الواعظين : لابن الفتّال ، محمّد بن الحسن . دار الرضي ، رقم .
45 ـ الزهد : للأهوازي ، حسن بن سعيد ، نشر السيّد أبو الفضل ، 1405هـ .
46 ـ سعد السعود : لابن طاووس ، عليّ بن طاووس ، دار الذخائر ، قم .
47 ـ السفر المطيّب : للقسّام ، علي ، مطبعة الآداب ، النجف الأشرف 1394هـ .
48 ـ سنن ابن ماجة : لابن ماجة ، محمّد بن يزيد ، تحقيق محمّد فؤاد وعبد الباقي ، دار الفكر ، بيروت .
49 ـ سنن أبي داود : لأبي داود ، سليمان بن الأشعث ، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد ، دار الفكر .
50 ـ سنن الترمذي : للترمذي ، محمّد بن عيسى ، تحقيق أحمد محمّد شاكر وآخرون ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
51 ـ السنن الكبرى : للبيهقي ، أحمد بن الحسين ، تحقيق محمّد عبد القادر ، مكتبة دار الباز ، مكّة المكرّمة 1414هـ .
صفحه 448
52 ـ السيّد محسن الأمين بقلمه وأقلام آخرين : الأمين ، حسن . دار العرفان ، صيدا 1376هـ .
53 ـ السيّد هادي الصائغ العلاّمة الزاهد : لجواد عبد الكاظم محسن ، مؤسّسة البلاغ ، بيروت .
54 ـ سير أعلام النبلاء : للذهبي ، شمس الدين محمّد بن أحمد ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت 1406هـ .
55 ـ شرح معاني الآثار : للطحاوي ، أحمد بن محمّد ، تحقيق محمّد النجّار ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1399هـ .
56 ـ شرح نهج البلاغة : لابن أبي الحديد ، عبد الحميد المعتزلي ، مكتبة آية الله مرعشي ، رقم 1404هـ .
57 ـ شرح نهج البلاغة : للبحراني ، ميثم بن عليّ ، المطبعة الحيدرية ، طهران 1378هـ .
58 ـ شعراء الغريّ : للخاقاني ، علي ، المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف 1374هـ .
59 ـ صحيح ابن حبّان : لابن حبّان ، محمّد بن حبّان ، تحقيق شعيب الأرنؤوط ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت 1414هـ .
60 ـ صحيح البخاري : للبخاري ، محمّد بن إسماعيل ، تحقيق مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ، بيروت ، 1407هـ .
61 ـ صحيح مسلم : لمسلم ، بن الحجّاج النيسابوري ، تحقيق محمّد فؤاد وعبد الباقي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
62 ـ الطبقات الكبرى : لابن سعد ، محمّد ، دار صادر ، بيروت .
63 ـ العدد القوية : لرضيّ الدين ، الحلّي ، مكتبة آية الله مرعشي ، قم 1408هـ .

صفحه 449
64 ـ عدّة الداعي : لابن فهد الحلّي ، أحمد ، دار الكتاب الإسلامي ، قم 1407هـ .
65 ـ علل الترمذي : للقاضي ، أبو طالب ، تحقيق صبحي السامرائي وآخرون ، عالم الكتب ، بيروت 1409هـ .
66 ـ علل الشرائع : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، مكتبة الداوري ، قم .
67 ـ عوالي اللئالي : للأحسائي ، ابن أبي جمهور ، دار سيّد الشهداء ، قم 1405هـ .
68 ـ العين : للفراهيدي ، الخليل بن أحمد ، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، دار مكتبة الهلال .
69 ـ عيون أخبار الرضا : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، دار العالم للنشر ، 1378هـ .
70 ـ الغارات : للثقفي ، إبراهيم بن محمّد ، دار الكتاب ، قم 1410هـ .
71 ـ غريب الحديث : لابن الجوزي ، عبد الرحمن بن عليّ ، تحقيق عبد المعطي أمين ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1985 .
72 ـ غريب الحديث : لابن قتيبة ، عبد الله بن مسلم ، تحقيق عبد الله الجبوري ، مطبعة العاني ، بغداد 1397هـ .
73 ـ فتح الباري : لابن حجر ، أحمد بن عليّ العسقلاني ، تحقيق محمّد فؤاد الباقي ومحبّ الدين الخطيب ، دار المعرفة ، بيروت 1379هـ .
74 ـ الفرق بين الفرق : للبغدادي ، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم ، دار المعرفة ، بيروت .
75 ـ الفصول المهمّة : للحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1378 .
76 ـ فضائل الصحابة : لابن حنبل ، أحمد ، تحقيق وصيّ الله محمّد ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت 1401هـ .
صفحه 450
77 ـ فضائل الصحابة : للنسائي ، أحمد بن شعيب ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1405هـ .
78 ـ فقه الرضا : للإمام الرضا ، عليّ بن موسى ، المؤتمر للإمام الرضا ، 1406هـ .
79 ـ فقه القرآن : لابن الرواندي ، قطب الدين ، مكتبة آية الله مرعشي ، قم 1405هـ .
80 ـ القاموس المحيط : للفيروز آبادي ، محمّد بن يعقوب . د .ت .
81 ـ القرآن الكريم .
82 ـ قرب الإسناد : للحميري ، عبد الله بن جعفر ، مكتبة نينوى ، طهران .
83 ـ قصص الأنبياء : للجزائري ، نعمة الله ، مكتبة آية الله مرعشي ، قم 1404هـ .
84 ـ قصص الأنبياء : لابن الرواندي ، قطب الدين ، مؤسّسة البحوث الإسلامية ، قم 1409هـ .
85 ـ الكافي : للكليني ، أبو جعفر محمّد بن يعقوب ، دار الكتب الإسلامية ، طهران 1365هـ .
86 ـ الكشّاف : للزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود ، دار الفكر للطباعة والنشر 1977 .
87 ـ كشف الخفاء : للعجلوني ، إسماعيل بن محمّد . تحقيق أحمد القلاشي ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت .
88 ـ كشف الغمّة ، للإربلي : عليّ بن عيسى . مكتبة بني هاشم ، تبريز 1381هـ .
89 ـ كمال الدين : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، دار الكتب الإسلامية ، قم 1395 هـ .
90 ـ لسان العرب : لابن منظور ، محمّد بن مكرم ، دار صادر ، بيروت .
91 ـ لسان الميزان : لابن حجر ، أحمد بن علي العسقلاني ، تحقيق دائرة المعارف النظامية ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت 1406هـ .
صفحه 451
92 ـ ماضي النجف وحاضرها : لمحبوبة ، جعفر ، مطبعة النعمان ، النجف الأشرف 1376هـ .
93 ـ مجمع البحرين : للطريحي ، فخر الدين بن محمّد ، قم 1385هـ .
94 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن : للطبرسي ، الفضل بن الحسن ، تحقيق هاشم الرسولي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1379هـ .
95 ـ مجمع الزوائد : للهيثمي ، عليّ بن أبي بكر ، دار الكتاب العربي ، بيروت 1407هـ .
96 ـ مجموعة الفتلاوي الخطّية : الفتلاوي ، كاظم ، مكتبته الخاصّة .
97 ـ مجموعة ورّام : لورّام ، ابن أبي فراس ، مكتبة الفقيه ، قم .
98 ـ المحاسن : للبرقي ، أحمد بن محمّد ، دار الكتب الإسلامية ، قم 1371هـ .
99 ـ مختار الصحاح : للجوهري ، محمّد بن أبي بكر ، تحقيق محمود خاطر ، مكتبة لبنان 1415هـ .
100 ـ المسائل العثمانية : للمفيد ، محمّد بن النعمان ، المؤتمر للشيخ المفيد ، قم 1413هـ .
101 ـ مستدرك الوسائل : للنوري ، حسين ، مؤسّسة آل البيت ، قم 1408هـ .
102 ـ مسكّن الفؤاد : للشهيد الثاني ، زين الدين بن علي ، مكتبة بصيري ، قم .
103 ـ مسند أبي عوانة : لأبي عوانة ، يعقوب بن إسحاق ، تحقيق أيمن بن عارف الدمشقي ، بيروت 1998 .
104 ـ مسند أبي يعلى : لأبي يعلي ، أحمد بن علي ، دار المأمون للتراث ، تحقيق حسن سليم ، دمشق 1404هـ .
105 ـ مسند أحمد بن حنبل : لابن حنبل ، أحمد ، مؤسّسة قرطبة ، مصر .
106 ـ مسند الشهاب : للقضاعي ، محمّد بن سلامة ، تحقيق حمدي بن عبد المجيد ، مؤسّسة الرسالة ، بيروت 1407هـ .
107 ـ مشكاة الأنوار : للطبرسي ، علي بن الحسن ، المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف 1385هـ .
108 ـ المصباح : للكفعمي ، إبراهيم بن علي ، دار الرضي ، قم 1405هـ .
109 ـ مصباح الشريعة : للإمام الصادق ، جعفر بن محمّد ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت 1400هـ .
110 ـ المصباح المنير : للفيّومي ، أحمد بن محمّد ، المكتبة العلمية ، بيروت .
111 ـ مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال : لآقا بزرك ، محمّد محسن الطهراني . إيران 1959 .
112 ـ مصنّف ابن أبي شيبة : لابن أبي شيبة ، أبو بكر عبد الله محمّد ، تحقيق كمال يوسف ، مكتبة الرشد ، الرياض .
113 ـ مصنّف عبد الرزاق : لعبد الرزّاق بن همّام الصنعاني ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، المكتب الإسلامي ، بيروت .
114 ـ معالم الزلفى : للبحراني ، هاشم سليمان ، طبع حجري ، طهران .
115 ـ معاني الأخبار : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم 1403هـ .
116 ـ المعجم الكبير : الطبراني ، سليمان بن أحمد ، تحقيق حمدي عبد الحميد ، مكتبة العلوم والحكمة ، الموصل 1404هـ .
117 ـ معجم المؤلّفين : لكحّالة ، عمر ، مطبع الترقّي ، دمشق 1376هـ .
118 ـ المغني : لعبد الجبّار ، أبو الحسن ، المؤسّسة المصرية العامّة .
119 ـ مفتاح الفلاح : للبهائي ، دار الأضواء ، بيروت 1405هـ .
120 ـ المقام الأسنى : للكفعمي ، إبراهيم بن عليّ مؤسّسة قائم آل محمّد ، 1412هـ .
121 ـ المقنعة : للمفيد ، محمّد بن النعمان ، المؤتمر للشيخ المفيد ، قم 1413هـ .
صفحه 452
122 ـ مكارم الأخلاق : للطبرسي ، الحسن بن الفضل . دار الشرف الرفيع ، قم 1412هـ .
123 ـ الملل والنحل : للشهرستاني ، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم ، دار المعرفة ، بيروت .
124 ـ المناقب : لابن شهراشوب ، محمّد ، مؤسّسة العلاّمة للنشر ، قم 1379هـ .
125 ـ من لا يحضره الفقيه : للصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم 1403هـ .
126 ـ ميزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي ، شمس الدين محمّد بن أحمد ، تحقيق الشيخ عليّ محمّد معوّض ، والشيخ عادل أحمد ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1995 .
127 ـ النصّ والاجتهاد : لشرف الدين ، عبد الحسين ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت 1966 .
128 ـ النوادر : للراوندي ، فضل الله ، مؤسّسة دار الكتاب ، قم .
129 ـ النهاية في غريب الأثر : لابن الأثير ، أبو السعادات المبارك بن محمود ، تحقيق أحمد الزاوي ومحمود محمّد ، المكتبة العلمية ، بيروت 1979م .
130 ـ مجلّة الرسالة : العدد (518) ، السنة الحادية عشر .
131 ـ نيل الأوطار : للشوكاني ، محمّد بن علي ، دار الجيل ، بيروت 1973 .
132 ـ الوافي بالوفيات : للصفدي ، صلاح الدين بن أبيك ، طبع 1401هـ .ق .
133 ـ وسائل الشيعة : للحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، مؤسّسة آل البيت ، قم 1409هـ .
134 ـ هداية المسترشدين : للصائغ ، هادي حسين ، مطبعة الجامعة ، بغداد 1949م .