البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية ( 1 )

الباحث : السـيّد زهير الأعرجي

اسم المجلة : تراثنا

العدد : 102

السنة : السنة السادسة والعشرون / ربيع الاخرة - جمادى الاخرة 1431 هـ

تاريخ إضافة البحث : March / 2 / 2016

عدد زيارات البحث : 1985

حجم ملف البحث : 115.278 KB

 تحميل

مناهج الفقهاء في المدرسة الإمامية ( 1 )
السـيّد زهير الأعرجي
المقدّمة :
المنهج هو الطريقة العلمية التي يستخدمها الفقيه لإيصال الشريعة وأحكامها إلى طلاّبها ، والمنهج العلمي ـ الذي هو عملية علمية لترتيب الأفكار وتنظيمها ـ له أهداف طولية متوازية ، فالمنهج الاستدلالي يخاطب الفقهاء والمجتهدين ، والمنهج الفتوائي والرسائل العملية يخاطبان المقلِّدين ، والمنهج المقارَن يخاطب المعتقدين بعقائد المذاهب الأخرى ، والمنهج الإختصاري يخاطب أهل العلم بدرجاتهم ، ومنهج التقريرات يخاطب الطلبة من العلوم الدينية و . . . ، واستقراءً لنتاجات فقهاء الشيعة الإمامية من فطاحل مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فقد استخلصنا ستّة عشر منهجاً انتهجها الفقهاء في مسلكهم العلمي منذ القرن الرابع الهجري وحتّى اليوم ، وهذه المناهج هي :
صفحه 8
1 ـ منهج الفقه الاستدلالي .
2 ـ منهج المختصرات .
3 ـ منهج الفقه المقارَن .
4 ـ منهج الشرح الاستدلالي .
5 ـ منهج التعليقات والحواشي .
6 ـ منهج النقد العلمي .
7 ـ منهج العويص والأشباه والنظائر .
8 ـ منهج الردود والمواجهات العلمية .
9 ـ منهج الرسائل العملية .
10 ـ منهج الفقه الفتوائي .
11 ـ منهج المجاميع الحديثية .
12 ـ منهج التقريرات .
13 ـ منهج الرسائل (القصيرة) .
14 ـ منهج الأمالي والمجالس .
15 ـ منهج السؤال والجواب .
16 ـ منهج القواعد الفقهية .
ولاشكّ أنّ طريقة الفقهاء على مذهب أهل بيت النبوّة(عليهم السلام) تتميّز بالميزة العلمية في البحث عن الدليل الشرعي ، ونقصد بالعلمية هو التزام طريق القطع واليقين في الركون إلى النصوص الشرعية التي يحتاجها الفقيه في استنباط الأحكام ، ولا يتوقّف منهج الفقيه عند الوصول إلى مدارك الحكم الشرعي ، بل يتعدّى إلى عرض ذلك الحكم على أهل العلم

صفحه 9
والمعرفة ; فإذن لدينا خطّان غير منفصلين في مناهج فقهاء الإمامية :
الأوّل : الوصول إلى مدارك الحكم الشرعي .
الثاني : توصيل الحكم الشرعي إلى طلبة العلم الديني والمكلّفين عبر المتون الفقهية والموسوعات والرسائل والمختصرات والجوابات والفتاوى والتقريرات والتعليقات والحواشي ونحوها .
ومنهجنا في هذا البحث :
1 ـ عرض نماذج منتقاة من المصادر الفقهية في المدرسة الإمامية ، وقد لوحظ في تلك النماذج مقدار القيمة العلمية والتاريخية للمصدر الفقهي . ولابدّ من التنويه هنا بأنّنا حاولنا مراعاة الموضوعية والاستقصاء الشامل لمصادر الفقه الإمامي ، إلاّ أنّ ذلك لا يعني استقصاءَها جميعاً ، فذلك عمل خارج عن قدرتنا المحدودة .
2 ـ حاولنا اقتطاف مقاطع مفصّلة وطويلة على الأغلب من الكتب الفقهية ، لأنّ هدف البحث هو دراسة المنهج في كلِّ كتاب ، وذلك يستدعي اقتطاع أمثلة متميّزة ونماذج تعكس المستوى العلمي للكتاب موضوع البحث ، ومجرّد الإشارة العابرة أو النصّ المختصر لا يكفي أحياناً في طلب المراد .
3 ـ ومن أجل فهم المنهج العلمي للفقيه انتخبنا موضوعاً فقهيّاً واحداً أو أكثر للتدليل على قوّة استدلال المصنّف وطبيعة منهجه العلمي للوصول إلى الثمرة التي توخّاها من بحثه .
4 ـ الكلمات المطبوعة بالحروف الغامقة أحياناً ترجع إلى متن

صفحه 10
المصنّف ، بينما ترجع الكلمات بالحروف العادية إلى الشارح .
5 ـ نحاول التأكيد مرّة أخرى أنّ مناهج الفقهاء في البحث هي الطرق التي استخدمها فقهاء الإمامية في ترتيب الأفكار الفقهية وتنظيمها ، ولابدّ من قراءة هذا البحث لكي يتوضّح الأمر .
1 ـ منهج الفقه الاستدلالي :
أ ـ المنهج الموسوعي :
مقدّمة :
المنهج الموسوعي الاستدلالي هو المنهج الذي يعرض الأحكام الشرعية مع أدلّتها التفصيلية مع بحث ونقاش علمي بإبرام أو نقض ، ترجيح أو تضعيف ، قبول أو ردٍّ ، على نحو الإحاطة بالروايات المسندة والمباني المؤيّدة وكثرة الفروع وتشعّبها ، بحيث تتمدّد المسائل الفقهية على مساحات واسعة من البحث العلمي فتخرج عن إطار الكتاب المحدود لتتعدّى بسعتها بحراً واسعاً من العلم .
طبيعة المنهج الاستدلالي الموسوعي :
يأخذ الإستدلال الفقهي في طبيعته مباني البحث عن ظواهر القرآن الكريم وسند الرواية ومتنها والأصول الشرعية والعقلية والأصول اللغوية بهدف الوصول إلى ثمرة استخراج الحكم الشرعي من مصادره الصحيحة ، ولا يتمّ الإستدلال إلاّ بالإحاطة الشاملة بأقوال الفقهاء وأدلّتهم ومناقشتها مناقشة موضوعية ، ويتحتّم على الفقيه اتّخاذ الموقف الاجتهادي من

صفحه 11
الروايات الضعيفة المنجبرة بعمل الأصحاب ، بل لابدّ من استلهام حجّية الإجماع ودليل العقل والبراءة والاحتياط والاستصحاب والعلّة المنصوصة والتعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية .
ولاشكّ أنّ بناء المنهج الاستدلالي الموسوعي يرجع فضله إلى عصبة من فقهاء الإمامية الأجلاّء بمثابرتهم في فهم أفق الشريعة الواسع واستحداثهم أُسلوب البحث العلمي عن الدليل ، ومن ذلك : الشمولية والاستيعاب عند الشّيخ النجفي (ت 1266 هـ) في جواهر الكلام ، ونقد الروايات ومواخاة الآراء عند الشّيخ البحراني (ت 1186 هـ) في الحدائق الناضرة ، ومناقشة الآراء الفقهية بعد عرضها عند السيّد محمّد جواد العاملي (ت 1226 هـ) في مفتاح الكرامة ، والتفصيل في شرح المسائل الفقهية عند الفاضل الهندي (ت 1137 هـ) في كشف اللثام ، ودقّة نقل الرواية وقوّة الاستدلال عند السيّد السند محمّد العاملي (ت 1009 هـ) في مدارك الأحكام ، وكثرة التفريعات وتشعّبها عند الشّيخ النراقي (ت 1245 هـ) في مستند الشيعة .
1 ـ منهج جواهر الكلام :
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمّد حسن النجفي (ت 1266 هـ) في ثلاثة وأربعين مجلّداً ، وهو كتاب فقهي استدلالي موسوعي ، قام المصنِّف فيه بشرح كتاب شرائع الإسلام للمحقِّق الحلِّي شرحاً متميّزاً بحيث يصعب على القارئ التفريق عند قراءته بين المتن والشرح .

صفحه 12
ولا شكّ أنّ هناك فاصلاً زمنيّاً واسعاً بين تأليف كتاب شرائع الإسلام في (ق. 7 هـ) وتأليف كتاب جواهر الكلام في (ق. 13 هـ) يقرب من ستّة قرون ، فاقتضى ذلك تضخّم المطالب الفقهية وتوسّعها وتكاملها ، فتعرّض لها الشّيخ النجفي بأجود الطرق موصلاً عصر المحقّق الحلّي بعصره .
تميّز منهج الجواهر :
ويتميّز منهج جواهر الكلام بالشمولية في فهم المسألة الفقهية والإستدلال بما قاله الفقهاء السابقون أمثال : ابن أبي عقيل ، وابن الجنيد ، والصدوقين ، والشّيخ المفيد ، والسيّد المرتضى ، والشّيخ الطّوسي ، وسلاّر ، وابن حمزة ، وابن زهرة ، وابن إدريس ، والمحقّق الحلّي ، والعلاّمة الحلّي ، وفخر المحقّقين ، والشّهيد الأوّل ، والشّهيد الثاني ، والمقدّس الأردبيلي ، والعلاّمة المجلسي ، والوحيد البهبهاني ، وغيرهم من الأجلاّء .
وللتدليل على خصوصية اعتماد المصنِّف على المصادر الفقهية نذكر اعتماده على كتاب واحد مثل كشف اللثام للفاضل الهندي ، فقد ذكره في الجزء الأوّل في (80) مورداً ، وذكره في الجزء الثامن (138) مرّة ، وفي الجزء التاسع (80) مرّة ، وفي الجزء العاشر في (85) مورداً ، وفي الجزء الحادي عشر في (150) مورداً ، وفي الجزء الثالث والأربعين في (280) مورداً ، وفي الجزء الحادي والأربعين في (200) مورداً(1) .
قال الشّيخ محمّد رضا المظفّر (ت 1380 هـ) في مقدّمته على جواهر الكلام :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف اللثام ـ المقدّمة : 33 .
صفحه 13
«كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام الموسوعة الفقهية التي فاقت جميع ما سبقها من الموسوعات سعةً وجمعاً وإحاطةً بأقوال العلماء وأدلّتهم ، فوفّق الكتاب توفيقاً منقطع النظير في إقبال أهل العلم عليه . . .
والسرّ في هذا الإقبال على الكتاب يرجع إلى أنّه كتاب لم يؤلّف مثله في سعته وإحاطته بأقوال العلماء وأدلّتهم ومناقشتها مع بعد نظر وتحقيق .
مضافاً إلى أنّه كتاب كامل في أبواب الفقه كلّها جامع لجميع كتبه . وميزة ثالثة تفرّد بها أنّه على نسق واحد وأسلوب واحد وبنفس السعة التي ابتدأ بها انتهى إليها .
ورابعاً أنّ به الغنى عن كثير من الكتب الفقهية الأخرى ولا يستغنى بها عنه ، فإنّ المجتهد ـ إذا حصل على نسخة صحيحة منه ـ يستطيع أن يطمئنّ إلى استنباط الحكم الشرعي بالرجوع إليه فقط وليس له أن يطمئنّ إلى ذلك عند الرجوع إلى ما سواه في أكثر المسائل الفقهية حتّى في هذه العصور الأخيرة . . .
وميزة خامسة في الجواهر أنّه احتوى على كثير من التفرّعات الفقهية النادرة بما قد لا تجده في غيره من الموسوعات الأخرى ، فهو جامع لاُمّهات المسائل وفروعها فالجواهر جواهر بجميع ما تعطي هذه الكلمة من دلالة ، فهو اسم على مسمّاه ، وهذا كلّه سرّ خلوده وتفوّقه وبقائه مرجعاً للفقهاء على طول الزمن . . .»(1) .
خصائص منهج الجواهر :
ويستند منهج جواهر الكلام على خصائص متعدّدة ، منها :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام ـ المقدّمة : 13 ـ 14 .

صفحه 14
أوّلاً : الشمولية والاستيعاب في عرض المسألة الفقهية من زاوية تأريخها الفقهي أو الآراء التي قيلت فيها أو أسماء المصادر التي تناولتها ، ومن النماذج التي يمكن عرضها في هذا النطاق :
النموذج الأوّل : القنوت من مستحبّات الصّلاة : والقنوت من مستحبّات الصّلاة كما ورد في الكثير من الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وما ورد من أنّه سنّة حمله الفقهاء على إرادة قصد الاستحباب . قال المصنّف :
«القنوت وهو لغةً : الطاعة والسكون والدعاء والقيام في الصّلاة والإمساك عن الكلام والخشوع والصّلاة وطول القيام والعبادة ، وعرفاً شرعيّاً أو متشرّعيّاً : الذكر في حال مخصوص ، وربّما يفوح من بعض النصوص اعتبار رفع اليدين فيه وإن كان ما ستعرف من كلام الأصحاب ظاهراً في أنّه من المستحبّات فيه .
وكيف كان فلا خلاف بين المسلمين في مشروعيته في الصّلاة في الجملة ، كما أنّه لا خلاف أجده بين الفرقة المحقّة منهم في مشروعيته في كلِّ صلاة مستقلّة لا يراعى فيها الجزئية من صلاة أخرى ولو كانت ركعة واحدة كالوتر والوتيرة ، لكن المشهور بينهم شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع الندب ، بل في الذكرى دعواه صريحاً ، بل حكاه في التذكرة أيضاً .
قال في موضع منها : وهو مستحبٌّ في كلِّ صلاة مرّة واحدة فرضاً كانت أو نفلاً أداءً أو قضاءً عند علمائنا أجمع .
وفي آخر : القنوت سنّة ليس بفرض عند علمائنا أجمع ، وقد يجري في بعض عبارات علمائنا الوجوب ، والقصد شدّة الاستحباب .
وقال في بحث الجمعة من المنتهى : القنوت كلّه مستحبّ وإن كان بعض الأصحاب قد يأتي في عبارته الوجوب . وقال في المعتبر : اتّفق الأصحاب على استحباب القنوت في كلِّ صلاة ـ فرضاً كانت

صفحه 15
أو نفلاً ـ مرّةً ، وهو مذهب علمائنا كافّة . ثمّ حكى خلاف العامّة ، لكن قال بعد ذلك : المسألة الثانية : قال ابن بابويه : القنوت سنّة واجبة من تركه عمداً أعاد لقوله تعالى : (وَقُوْمُوا للهِ قَانِتِيْنَ)(1) ، وروى ذلك ابن أذينة عن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (القنوت في الجمعة والوتر والعشاء والعتمة والغداة ، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له) ، وبه قال ابن أبي عقيل . . . إلى آخره .
ثمّ أخذ في الاحتجاج بالأصل ونحوه . لكنّه كما ترى ظاهر في إرادته مطلق المشروعية من الاستحباب أوّلاً في مقابلة العامّة ، ومثله وقع للمنتهى في بحث القنوت ، بل الظاهر أنّه المراد ممّا وقع في كشف الحقِّ أيضاً : ذهبت الإمامية إلى أنّ القنوت مستحبٌّ ، ومحلّه بعد القراءة قبل الركوع . . .»(2) .
وهكذا يستمرّ في بحث استحباب القنوت بتلك الكيفية على مدار اثنتين وثلاثين صفحة (أي من الصفحة 353 ولحدّ الصفحة 385 من الجزء العاشر) .
ويستفاد من بحثه في هذه المسألة الأمور التالية :
1 ـ تعريف مختصر لمعنى القنوت عرفاً وشرعاً وعدم الخوض في مناقشة التعاريف الأُخرى وردِّها .
2 ـ إجماع المسلمين بمختلف مذاهبهم على مشروعية القنوت .
3 ـ الشهرة العظيمة التي تكاد تبلغ الإجماع باستحباب القنوت .
4 ـ عند الإشارة إليه بالوجوب إنّما كان يُقصد به شدّة الاستحباب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة 2 : 239 .
(2) جواهر الكلام 10 / 352 ـ 353 .

صفحه 16
5 ـ الردّ على من قال بإعادة الصّلاة إذا ترك القنوت عمداً .
وينتهي البحث باستحباب القنوت عند الإمامية ، ومحلّه بعد القراءة قبل الركوع .
ولايستطيع القارىء وبعد أن يقرأ هذا البحث في جواهر الكلام إلاّ أن يسجّل الملاحظة التالية : إنّ في البحث شمولية رائعة واستيعاباً لموارد الموضوع من جميع أطرافه وبداية معمّقة ونهاية موفّقة في استنباط الحكم .
ثانياً : اختصار التعاريف وعدم الوقوف عندها طويلاً مناقشةً وردّاً . فالتعريف ينبغي أن يكون جامعاً مانعاً لا مورداً للأخذ والردّ كما يعتقد المصنّف . ومن تلك التعاريف نعرض ثلاثة تعاريف وردت في جواهر الكلام ضمن النموذج الثاني .
النموذج الثاني : التعاريف :
«اللعان هو لغةً الطرد والإبعاد ، وشرعاً مباهلة بين الزوجين على وجه مخصوص»(1) .
«والعتق قيل : هو بالكسر الحرّية ، وبالفتح المصدر كالإعتاق ، ويقال : عتق العبد ، خرج من الرقّ فهو عتيق»(2) .
«الجعالة بتثليث الجيم وإن كان كسرها أشهر كما في المسالك ، وهي على ما صرّح به غير واحد لغةً ما يجعل للإنسان على شيء بفعله ، وشرعاً إنشاء الالتزام بعوض على عمل محلّل مقصود بصيغة دالّة على ذلك ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام 34 / 2 .
(2) جواهر الكلام 34 / 86 .

صفحه 17
والمراد ما يعتبر فيها شرعاً كما في غيرها من العقود والإيقاعات ، إذ لا حقيقة لها في الشرع غير ما في اللغة كما ذكرناه»(1) .
والمستفاد من تعاريف المصنِّف :
1 ـ إنّها مختصرة جامعة مانعة لحدود المعرَّف به .
2 ـ إنّه لم يتطرَّق أصلاً إلى الموارد المختَلف عليها في التعاريف إلاّ إذا كان المورد يتطلّب ذلك ، حيث أورد قول المشهور في المسالك .
3 ـ إنّه يعرض التعريف بقسميه : اللغوي ـ وهو ما أجمع عليه أهل اللغة ـ والشرعي ـ وهو المشهور المتداول بين الفقهاء ـ ثمّ يعطي المراد ممّا أراده الفقهاء بتعريفهم .
4 ـ إبراز تطابق اللغة مع الشرع في موارد التطابق وإبراز الإختلاف في موارد الإختلاف .
ثالثاً : استخدم المصنِّف مصطلحات مثل : الإجماع ، والشهرة ، والعرف ، وضرورات الدين والمذهب :
أ ـ الشهرة والإجماع : فالشهرة في لغة الفقهاء هي ما لا يبلغ درجة الإجماع من الأقوال في المسائل الفقهية ، وهي على قسمين : الشهرة في الرواية وهو شيوع نقل الخبر من عدّة رواة ولكن لا يبلغ حدّ التواتر ، والشهرة في الفتوى وهو شيوع نقل الفتوى عند الفقهاء بدرجة لا يبلغ حدّ الإجماع الموجب للقطع بقول المعصوم (عليه السلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام 35 / 187 .

صفحه 18

والإجماع : هو اتفاق الفقهاء على حكم شرعيٍّ بحيث يكشف كشفاً قطعيّاً عن قول المعصوم (عليه السلام) ، فالحجّة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف .
النموذج الثالث : في قول : (آمين) : ومن منهج المصنّف تطبيق اصطلاحات الإجماع والشهرة والعرف وضرورات الدين والمذهب على المسائل العملية ، فعدم جواز (آمين) بعد الحمد مثلاً مشهور شهرة كادت تكون إجماعاً .
ولمّا كان المقصد في العبادة هو الصحّة والفساد فإنّ النهي عن (آمين) بعد الحمد يعبّر عن فساد المنهي عنه عقلاً . قال المصنّف :
«لا يجوز قول : (آمين) في آخر الحمد عند المشهور بين الأصحاب القدماء والمتأخّرين شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً كما اعترف به في جامع المقاصد ، بل في المنتهى وعن كشف الالتباس نسبته إلى علمائنا مشعرين بدعوى الإجماع عليه . . .»(1) .
ب ـ العرف : اُختلف في تعريف حدود العرف ، ولكن الواضح أنّ العرف ينطبق على ما تعارفه النّاس من قضايا عقلية أو مباني ذهنية وساروا عليه قولاً أو فعلاً ، وهو أقرب إلى عادة الناس ، والعرف ليس أصلاً بذاته .
ويستأنف المصنّف نقاشه في عدم جواز قول : (آمين) بعد الحمد بقوله :
«والمناقشة في ذلك كلّه بأنّ النهي إنّما يقتضي الحرمة دون البطلان المنحصر في المتعلّق بها أو جزئها أو شرطها بخلاف الأمر الخارج كما في المقام يدفعها منع حصر اقتضاء الفساد في ذلك ، بل العرف أكمل شاهد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام 10 / 2 .

صفحه 19
على اقتضائه مع تعلّقه ولو بالأمر الخارج ، خصوصاً من مثل الشارع المعدّ لبيان الصحّة والفساد اللذين هما المقصد الأهمّ في العبادة ، وخصوصاً مع ملاحظة حاله في الإتّكال على بيانهما في مثل هذه المركّبات بالأمر والنهي ، بل لعلّه المتعارف في بيان كلّ مركّب حسّي وعقلي كما لا يخفى على من اختبر العرف . . .»(1) .
والعرف يفهم أنّ (آمين) من كلام الناس ، وهذا تعليل للبطلان ، حيث لا تصلح تلك الكلمات في الصّلاة ، وهي ليست دعاءً ولا قرآناً بل اسم للدّعاء ، والإسم غير المسمّى .
ج ـ ضرورات الدين والمذهب : والضرورة هي الصورة التي لا يقوم الدين إلاّ بها ، وإذا كان الطعام ضرورة لبقاء الإنسان على قيد الحياة ـ وهذا لا يحتاج إلى استدلال ـ فإنّ الصّلاة وأركانها ضرورة لثبوت الدين في قلوب الناس ، ومن ذلك الركوع باعتباره فعلاً من أفعال الصّلاة .
قال في الركوع :
«الركوع : وهو واجب فيها في الجملة بالضرورة من الدين ـ كما اعترف به بعض الأساطين ـ فضلاً عن السنّة المتواترة والكتاب المبين»(2) .
والضروري هو ما يقابل الاستدلالي(3) ، أي إنّ الضروري لا يحتاج إلى استدلال لإثباته ; فالمقصود من كونه ضرورة من الدين أنّ إثبات الركوع في الصّلاة لا يحتاج إلى استدلال .
الثمرة : والمستفاد من استخدام المصنّف للمصطلحات الفقهية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام 10 / 5 .
(2) جواهر الكلام 10 / 69 .
(3) ذكرى الشيعة 1 / 41 .

صفحه 20
والأصولية :
1 ـ إنّ المصنّف استخدم اصطلاحاً جديداً نسبيّاً وأعطاه أبعاداً مهمّةً ، وهو الاصطلاح الوسطي بين الشهرة والإجماع أو كما يعبّر عنه بـ (الشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعاً) ، وهذا الاصطلاح أقرب إلى الإجماع من الشهرة نفسها ، ولم نجد من استخدم ذلك الأُسلوب بتلك الكثرة إلاّ صاحب الحدائق (ت 1186 هـ)(رحمه الله) .
2 ـ إنّه في بحثه عن عدم جواز قول : (آمين) بعد الحمد بيَّن أنّ صيغة النهي ظاهرةٌ في التحريم ، لا لأنّها موضوعة لمفهوم الحرمة وحقيقتها ، بل لظهور صيغة (إفعل) في الوجوب ، فيكون صدور النهي من المولى مصداقاً لحكم العقل أو ارتكاز العقلاء ، وطبيعة النهي عن الشيء يقتضي فساد المنهىّ عنه عقلاً . وهذا هو مبنى المصنّف في مناقشة عدم جواز قول : (آمين) بعد الحمد .
3 ـ التأكيد على جملة أحكام اعتبرها المصنّف من ضرورات الدين أو المذهب ، كما في عرضه لماهية الركوع .
رابعاً : ومن منهج المصنّف مناقشة أسانيد الروايات ، فقد ناقش العلاّمة الحلّي في توثيق عليّ بن الحسن بن فضّال(1) ، وناقش الشّهيد الثاني في توثيق معاوية بن حكيم في كونه فطحيّاً(2) ، لكنّه آمن بقبول الروايات الضعيفة المنجبرة بعمل الأصحاب ، وهو منهج آمن به أغلب فقهاء الإمامية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام 17 / 191 .
(2) جواهر الكلام 29 / 108 .

صفحه 21
2 ـ منهج الحدائق الناضرة :
كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة للشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ) في خمسة وعشرين مجلّداً أضيف إليه مجلّدان باسم عيون الحقائق الناضرة في تتمّة الحدائق الناضرة للشيخ حسين البحراني ، هو مجموعة فقهية في الفرائض والسنن تحوي على جميع فروع الفقه ، منهجها أنّها ضمّت : «في طيِّها الأقوال والآراء وأصول الدلائل ، وحوت بين دفّتيها جميع ما ورد من الأحاديث عن الصادع الكريم وأئمّة العترة الطاهرة ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ في الأحكام الشرعية ، وقد انبرى لكلمات الفقهاء وما فهموه من الروايات فافتوا بمؤدّى اجتهادهم ونتيجة أنظارهم ومحصّل استنباطهم وافقَ الشهرة القائمة والإجماع بقسميه أو خالف ، ثمّ ضمّ إلى كلِّ رأي أدلّته وأضاف إلى كلِّ قول مستنده وما يؤيّده ويدعمه ، ثمّ حاول نقاشها بما يمكن أن يورد عليها من نقود ومؤاخذات ، فإن تمّ عنده دليل ورأى الشبهة مزيّفة ردّها وأبطلها وأحكم الدليل وأثبته واختار ما أدّى إليه اجتهاده . . .»(1) .
ومن أجل توضيح ذلك المنهج وضع المصنِّف مقدّمات أوصلها إلى اثنتي عشرة مقدّمة في بداية كتابه شرَحَ فيها متبنّياته الإخبارية (والأصولية أيضاً) في أخبار الكتب الحديثية الأربعة ، وحجّية ظواهر الكتاب ، وحجّية الإجماع ، ودليل العقل ، والبراءة ، والاحتياط ، والاستصحاب ، والعلّة المنصوصة ، والتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية ، ونحوها .
ومن استوعب تلك المقدّمات استوعب منهجه النقدي الاستدلالي في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة ـ مقدّمة السيّد عبد العزيز الطباطبائي 1 / ذ ـ ض .

صفحه 22
مناقشة الأحكام الشرعية .
نماذج من منهج الحدائق :
ولو أردنا الوصول إلى منهج المصنّف فلابدّ لنا من دراسة بعض المسائل الفقهية التي ناقشها بإسهاب ، ومنها ـ مثلاًـ : حكم ملاقاة النجاسة للماء القليل الراكد ، وحكم : ليس في مال اليتيم زكاة .
النموذج الأوّل : حكم ملاقاة النجاسة للقليل الراكد : لم يشأ المصنّف أن يذكر الحكم الشرعي المجمع عليه بين الفقهاء وإسناده بالروايات الصحيحة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حتّى ذكر أوجه الخلاف بينهم ، فقال :
«المقام الأوّل : الظاهر أنّه لا خلاف بين أصحابنا رضوان الله عليهم ـ نصّاً وفتوىً ـ في نجاسة الماء القليل بتغيّره بالنجاسة في أحد الأوصاف الثلاثة ، إنّما الخلاف في النجاسة بمجرّد الملاقاة ، فالمشهور ـ بل كاد يكون إجماعاً بل ادّعى عليه في الخلاف في غير موضع الإجماع ـ هو النجاسة ، وعُزي إلى الحسن بن أبي عقيل(رحمه الله) القول بعدم النجاسة إلاّ بالتغيّر ، واختار هذا القول جمعٌ من متأخّري المتأخّرين .
ولابدّ من نقل الأخبار هنا من الطرفين والكلام بما يرفع التناقض من البين ، فنقول : أمّا ما يدلّ من الأخبار على القول المشهور الذي هو عندنا المؤيّد المنصور ، فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) وسئل عن الماء تبول فيه الدوابّ وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب ،

صفحه 23
قال : إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء»(1) .
وبعد نقل تلك الرواية استطرد المصنِّف بنقل روايات عديدة تسند هذا الرأي فأوصلها إلى ستّة وثلاثين حديثاً صحيحاً أو حسناً أو موثّقاً أو روايةً يؤيّد القول الأوّل (المشهور) وهو أنّ ما نقص عن الكرِّ ينفعل بالنجاسة ، ثمّ قال : «هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار التي تصلح لأن تكون مستنداً للقول المشهور ، وهي كما ترى على ذلك المطلب واضحة الظهور عارية عن القصور»(2) .
ولم يكن عرض الروايات المؤيّدة للقول الأوّل نهاية مطلب المصنّف ولا غاية مبتغاه ، بل قام بعرض الروايات المؤيّدة للقول الثاني ، ومنها صحيحة حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال : (كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب ، وإذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا تتوضّأ منه ولا تشرب)(3) .
ثمّ يذكر بعد هذا الحديث ثلاثة عشر حديثاً يؤيّد القول الثاني الدالّ على جواز الوضوء والشرب من الماء الذي لاقته النجاسة إلاّ مع غلبة أوصاف النجاسة .
وأمام هذا الكمّ الكبير من الأحاديث المتعارضة كان لابدّ له من تحليل ظروف السؤال والسائل ومعرفة المكان والزمان وطبيعة الحياة زمن النصّ ، وهذا ما يفهم من كلام المصنِّف ملخّصاً ضمن النقاط التالية :
1 ـ إنّ الغالب في السؤال عن مياه الغدران ومياه الطرق هو بلوغها الكرّ الواحد أو أكثر ، وجواب الإمام (عليه السلام) كان يلحظ بلوغ الكثرة التي لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة 1 / 280 ـ 281 .
(2) الحدائق الناضرة 1 / 289 .
(3) الحدائق الناضرة 1 / 290 .
صفحه 24
ينفعل معها الماء بمجرّد الملاقاة .
2 ـ إنّ المناط في النجاسة والطهارة هو التغيّر وعدمه مثل وقوع الميتة وأبوال الدواب ونحوها .
3 ـ إنّ ورود الدوابّ للشرب أو لغيره وتبوّلها في الماء إنّما يكون في المياه التي لا تنقص مساحتها عن كرور عديدة فضلاً عن كرٍّ ، وما قدر كرٍّ من ماء وما قدر مساحته حتّى يحتمل أنّه يقوم بشيء واحد من تلك الأشياء المعدودة .
4 ـ إنّ ظاهر السؤال كان عن مياه الطرق الواقعة بين مكّة والمدينة أو بينها وبين العراق ونحوها من الأمكنة التي لا وجود للمياه الجارية فيها غالباً .
ويستفيض المصنّف في نقاش موضوع البحث نقضاً وإبراماً ويورد العديد من آراء الفقهاء ويردها ثمّ يوصلنا إلى نتيجة مبناه فيقول :
«والتحقيق عندي في الجواب أنّ المقصود بالإفادة بمثل هذا الكلام أمران : أحدهما عموم المنطوق والثاني عموم المفهوم ، والرواة قد فهموا حكم المفهوم من ذلك كذلك ولذلك سكتوا عن الاستفسار ، وإلاّ فمثل هؤلاء الأجلاّء كزرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما من فضلاء الرواة ومحقّقيهم كيف يسكتون ويرضون بفهم بعض المقصود مع توفّر حاجة الأمّة إلى ذلك ـ ولاسيّما زرارة الذي من عادته تنقيح الأسئلة والفحص عن جملة فروع المسألة ـ ويقنعون باستفادة انه إذا نقص عن كر نجسه شيء ما ؟ !
ويرشدك إلى ما ذكرنا جوابه (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم الأولى من تلك الروايات المتقدّمة لما سأل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه
صفحه 25
الكلاب ويغتسل فيه الجنب ، قال : (إذا بلغ قدر كرٍّ لم ينجّسه شيء) فإنّه من الظاهر البيّن أنّ السائل أراد السؤال عن حال هذا الماء بعد وقوع هذه الأشياء أو أحدها فيه وأنّه هل ينجس بمجرّد ملاقاتها أم لا ، فأجابه (عليه السلام)بوجه عامٍّ وقاعدة كلّية في كلّ ماء وكلِّ نجاسة وهو التحديد ببلوغ الكرّية وعدمه وأنّه لا ينجس مع الأوّل وينجس مع الثاني ، ولو لم يفهم السائل عموم المفهوم من جوابه (عليه السلام) بذلك وأنّه إذا نقص عن الكرّية ينجس بملاقاة تلك النجاسات المسؤول عن ملاقاتها لاستفسر منه البتة لأنّه أحد طرفي الترديد في جوابه (عليه السلام) ، إذ حاصل جوابه أنّه إذا بلغ الماء كرّاً لم ينجّسه شيء وإذا لم يبلغ نجّسه شيء ، فلو لم يفهم السائل عموم لفظ (شيء) الذي في جانب المفهوم على وجه يشمل النجاسات المسؤول عنها وغيرها بقرينة المقام ـ ولاسيّما السؤال هنا عن وقوع تلك الأشياء المخصوصة ـ لراجع في السؤال عن تنجّسه بتلك الأشياء المخصوصة ، إذ بناء على ما يقولونه من عدم العموم لم يحصل الجواب عن السؤال ، ومع غفلة السائل كيف يرضى الإمام (عليه السلام) بعدم إفادته ذلك مع أنّه مناط السؤال والبلوى به عامّ في جميع الأحوال ؟ !»(1) .
وبذلك أوصلنا المصنِّف إلى فهم نتيجة الإستدلال ، وهي أنّ منطوق المسألة واضح جليّ وهو أنّ الماء إذا بلغ كرّاً لا ينجّسه شيء ، ومفهوم المسألة أنّ الماء إذا لم يبلغ الكرّ نجّسه الشيء النجس ، وبذلك فهو يؤيّد القول الأوّل (المشهور) الذي ورد فيه سبعة وثلاثون حديثاً ويطرح القول الثاني الذي ورد فيه أربعة عشر حديثاً معارضاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة 1 / 312 .

صفحه 26
النموذج الثاني : ليس في مال اليتيم زكاة : أحياناً يحمل الفقهاء لفظ الأمر لوجود القرينة في الروايات على معنى الاستحباب ، إلاّ أنّ المصنّف لم يؤمن بذلك واستدلّ استدلالاً عقليّاً بعدم وجوب أو استحباب الزكاة في مال اليتيم : بأنّ الزكاة كناية عن محو الذنوب ، وهو أمرٌ منتف في اليتيم لأنّه قاصر . واستدلّ استدلالاً شرعيّاً بعدم انطباق الرواية على المورد ، لأنّها جاءت تقيّةً . وهذا المنحى يؤيّد ما قاله في المقدّمة الثالثة بشأن لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب(1) ، ومرجعه إلى دلالة المفهوم موافقة أو مخالفة . لاحظ هنا منهج المصنّف في نقده لآراء الفقهاء في باب : هل يعتبر البلوغ والعقل في زكاة الغلاّت والمواشي ؟ قال :
«ففي صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنّهما قالا : مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شيء ، فأمّا الغلاّت فإنّ عليها الصدقة الواجبة»(2) . قال في ردّه :
«أجاب عنها جملة من المتأخّرين بالحمل على الاستحباب ، وأيّده بعضهم بأنّ لفظ الوجوب في الأخبار أعمّ من المعنى المصطلح فإنّه كثيراً ما يرد بمعنى مجرّد الثبوت أو تأكّد الاستحباب ، فيجب حمل هذه الصحيحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحد أدلّة العقل هو ما يتوقّف فيه الخطاب ، وهو ثلاثة :
أ ـ لحن الخطاب ، كقوله تعالى : (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَت) أراد : فضرب .
ب ـ فحوى الخطاب : وهو ما يدلّ عليه بالتنبيه ، كقوله تعالى : (وَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) .
ج ـ دليل الخطاب : وهو تعليق الحكم على أحد وصفي الحقيقة ، كقوله : (في سائمة الغنم الزكاة) .
(2) الحدائق الناضرة 1 / 18 .

صفحه 27
على تأكّد الاستحباب أو ثبوته جمعاً بين الأدلّة»(1) . ثمّ ردّ على ذلك قائلاً :
«أقول : فيه أوّلاً : إنّ ما ذكروه من أنّ لفظ الوجوب في الأخبار أعمّ من المعنيين المذكورين متّجه ، إلاّ أنّه متى كان الأمر كذلك فإنّه يصير لفظ الوجوب في الأخبار من قبيل اللفظ المشترك الذي لا يحمل على أحد معنييه إلاّ مع القرينة ، ومجرّد اختلاف الأخبار ووجود هذه الرواية في مقابل هذه الصحيحة لا يكون قرينةً على الاستحباب .
وبالجملة : فإنّ الجمع المذكور غير تامٍّ وإن اشتهر بينهم الجمع بين الأخبار بذلك في كلِّ موضع وأنّه قاعدة كلّيّة في جميع أبواب الفقه في مقام اختلاف الأخبار إلاّ أنّه لا دليل عليه . وأيضاً فإنّه متى قيل بالاستحباب وجواز التصرّف في مال اليتيم فالقول بالوجوب وقوفاً على ظاهر الصحيحة المذكورة أحوط وأولى كما لا يخفى .
وثانياً : إنّ الأظهر هو حمل الصحيحة المذكورة على التقية ، فإنّ الوجوب مذهب الجمهور كما نقله العلاّمة في المنتهى حيث قال : واختلف علماؤنا في وجوب الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين ، فأثبته الشيخان وأتباعهما وبه قال فقهاء الجمهور ونقلوه أيضاً عن عليّ والحسن بن عليّ (عليهما السلام) وجابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد وإسحاق وأبي ثور(2) ، انتهى .
أقول : وممّا يؤيّد القول الأوّل إطلاق جملة من الأخبار بأنّه ليس في مال اليتيم زكاة ، وظاهر قوله عزّ وجلّ : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة 12 / 19 .
(2) المغني 2 / 602 .

صفحه 28
وَتُزَكِّيْهِمْ بِهَا)(1) ، وهو كناية عمّا يوجب محو الذنوب والآثام ، وهذا إنّما يترتّب على البالغ ، ومنه تظهر قوّة القول المشهور .
وأنت خبير بأنّ ظاهر الصحيحة التي هي مستند الشيخين واتباعهما إنّما دلّ على الغلاّت خاصّة ، وأمّا المواشي فلا دلالة فيه عليها ، وليس غير ذلك في الباب ، ومورد النصِّ المذكور إنّما هو اليتيم وأمّا المجنون فلا نصّ فيه ، مع أنّ المنقول عنهم القول بالوجوب في الموضعين ، ومنه يظهر أنّ حكم المتأخّرين بالاستحباب في الموضعين المذكورين للتفصّي من خلاف الشيخين لا معنى له ، فإنّ الاستحباب حكم شرعي كالوجوب والتحريم يتوقّف على الدليل ، ومجرّد وجود الخلاف ولاسيّما إذا لم يكن عن دليل لا يصلح لأن يكون مستنداً ، وكذا حكمهم بالاستحباب في غلاّت اليتيم ، ومتى حملنا الصحيحة المذكورة على التقية كما هو الظاهر فإنّه لا وجه للاستحباب حينئذ»(2) .
ويمكننا عرض استدلاله ملخّصاً عبر النقاط التالية :
1 ـ طَرَحَ المصنّف عنوان المسألة على شكل استفهامي لا تقريري ، وهو : هل يعتبر البلوغ والعقل في زكاة الغلاّت والمواشي ؟ وهذا الأسلوب أبلغ في طرح موضوع البحث من مجرّد ذكر العنوان .
2 ـ ذَكرَ رواية زرارة ومحمّد بن مسلم الصحيحة التي يُفهم منها وجوب الزكاة على الغلاّت التي يملكها اليتيم .
3 ـ ذَكرَ ردّ جملة من الفقهاء المتأخّرين على تلك الرواية ، حيث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة 9 : 103 .
(2) الحدائق الناضرة 12 / 19 ـ 20 .

صفحه 29
حملوا الوجوب على شدّة الاستحباب .
4 ـ ردّ على من قال بالحمل على الاستحباب وقال : إنّ الجمع بين الصحيحة واختلاف الأخبار لا يكون قرينةً على الاستحباب ، بل لو أخذنا الصحيحة ـ دون بقية الأخبار والقرائن ـ لكان الوجوب ظاهراً هو الحكم .
5 ـ وبعد أن مهّد الطريق لاستدلاله تمهيداً قويّاً أعلن أنّ حمل الرواية ـ الصحيحة سنداً ـ على التقية هو الأصحّ .
6 ـ أثبت مبناه الجديد ـ وهو الحمل على التقية ـ عبر :
أ ـ اختلاف فقهائنا في وجوب الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين .
ب ـ إنّ الوجوب قال به فقهاء الجمهور .
7 ـ أيّد مبناه تأييداً عقليّاً بأنّ العلّة في دفع الزكاة عموماً هي محو الذنوب والآثام ، وهي علّة منتفية بانتفاء الموضوع في اليتيم وذلك لقصوره .
8 ـ ثمّ أيّده مرّة أُخرى بأنّ حكم المتأخّرين بالاستحباب لا دليل عليه ، وربّما كان منشأ الحكم هو الابتعاد عن مبنى الشيخين (المفيد والطّوسي) القائل بوجوب الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين ، فأحكم رأيه الذي لا نقاش فيه ، وهو أنّ الاستحباب حكم شرعيٌّ كالوجوب والتحريم ولا يثبت إلاّ بالدليل .
9 ـ الحكم الأخير للمصنّف أنّه لا زكاة على مال اليتيم لا وجوباً ولا استحباباً .
3 ـ منهج مفتاح الكرامة :
كتاب مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة للسيّد محمّد جواد العاملي (ت 1226 هـ) في واحد وعشرين مجلّداً ، وهو كتاب فقهي

صفحه 30
استدلالي موسوعي ، يميّزه شمولية البحث في المسألة الفقهية ، يحتوي على جميع كتب الفقه عدا مقدار من كتاب الزكاة وتمام كتاب الخمس والحجّ والصوم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسبق والرماية وبعض الوصايا وكتب قليلة أخرى .
نقل المصنّف عن ابن عقيل وابن الجنيد والشّيخ المفيد والسيّد المرتضى والشّيخ الطّوسي والعلاّمة الحلّي ، وما وجده في المقنع والهداية والنهاية والخلاف والمبسوط ، وروايات الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه ، وما وجده في التذكرة والتحرير والمختلف والمنتهى وغيرها من تصنيفات الطائفة ومصنّفيهم .
ومنهجه يبدأ بتقديم نصِّ القواعد ، ثمّ يعقّبه بما وافقه من كتب الفقهاء ، ثمّ ينقل الإجماع والشهرة ، ثمّ يذكّر بحجّة المخالِف وأدلّته ، ثمّ ينهي القول بإبداء رأيه بديباجة : قلتُ .
نماذج من منهجه :
درج المصنِّف على مناقشة من سبقه من الفقهاء ، فهو وإن يصرِّح بنقل الإجماع والشهرة إلاّ أنّه يناقش مبانيهم ويردّها حتّى يصل إلى ثمرة النزاع ومن ثمّ يحكم برأيه العلمي في المسألة الفقهية ، ومن ذلك نقاشه في وجوب الوضوء والشكِّ في النية .
النموذج الأوّل : وجوب الوضوء : ولا يفهم الوضوء في الشريعة إلاّ كمقدّمة لواجب آخر وهو الصّلاة ، ولكن أيّ صلاة ؟ هل هي مطلق الصّلاة أم الصّلاة المخصوصة ؟ قال الفقهاء : إنّ الوضوء واجب للواجب من
الصّلاة ، وهي الصّلاة التي من أركانها الركوع ، فتخرج عندها الصّلاة على
صفحه 31
الميِّت . قال قدّس الله تعالى روحه « . . . فالوضوء يجب للواجب من الصّلاة . . . بالأصل أو بالعارض ، واللام للعهد ، يعني ذات الركوع ; أو المراد بالواجب : الواجب العيني ، فلا تدخل صلاة الجنازة ; أو يقال : إنّ إطلاق اسم الصّلاة عليها مجاز كما صرّح به جماعة كما في المسالك .
ووجوبه للصلاة معلوم بالضرورة من الدين ونصّ الكتاب المجيد والسنّة الغرّاء ، مضافاً إلى الإجماعات المنقولة في عدّة مواضع ، ووجوبه للصّلاة لا لنفسه ثابت بالإجماع المعلوم والمنقول كما في التذكرة والذكرى ومجمع الفوائد في مبحث الغسل وروض الجنان وظاهر السرائر في مبحث الغسل ، وهو ظاهر الأمالي وظاهر آيات أحكام الجواد حيث قال : صدر الآية يدلّ على الوجوب لغيره وعجزها كذلك إجماعاً ، بل ربّما لاح من البيان حيث قال : والأكثر على انحصار وجوب الطهارة في هذه الأمور حيث تجب .
واستثنى بعضهم غسل الجنابة من البين ، وهو تحكّم ظاهر ، وفرّعوا على ذلك الإيقاع قبل هذه الأسباب بنيّة الوجوب أو الندب ، مع اتّفاقهم على أنّ الوجوب موسّع وأنّ تضييقه تابع لتضييق هذه الغايات . وقال الفاضل فيض الله : نفى الشّهيد الثاني في شرح الإرشاد الخلاف بين الأصحاب في غير غسل الجنابة»(1) .
ونستفيد من هذا البحث جملة موارد ، منها :
1 ـ شرح قاعدة (وجوب الوضوء للواجب من الصّلاة) عبر تعيين الواجب العيني وهو الصّلاة الواجبة التي لا تتمّ إلاّ بالوضوء ، أمّا صلاة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفتاح الكرا مة 1 / 9 ـ 10 .
صفحه 32
الجنائز فهي إمّا أنّها صلاة بالمعنى المجازي فليس فيها وضوء ، وإمّا أنّها ليست واجباً عينيّاً فليس لها مقدّمة .
2 ـ إنّ الوضوء واجب لغيره ، وهو معلوم بالضرورة .
3 ـ استخدام الإجماع المعلوم والمنقول على وجوب الوضوء لغيره .
4 ـ الردّ على من قال باستثناء غسل الجنابة من كونه واجباً لغيره واعتبره تحكّماً ظاهراً .
النموذج الثاني : الشكّ في النية : لاشكّ أنّ النية شرطٌ في الطهارة . وإذا كانت النية جزءً من الفعل العبادي ـ وهو الوضوء هنا ـ فإنّ الشكّ في النية ينزل منزلة الشكّ في غسل الوجه أو اليدين . يبحث المصنِّف هذه المسألة قائلاً :
«قوله قدّس الله تعالى روحه . . . ولو شكّ في شيء من أفعال الطهارة فكذلك إن كان على حاله . . .»(1) . وبعد أن ينقِّح البحث ينتهي منه ويقول :
«وفي نهاية الأحكام والدروس والبيان وإرشاد الجعفرية والمقاصد العلية : إنّ الشكّ في النية كالشكّ في بعض الأعضاء ، وقرّبه في الذكرى واستند في ذلك إلى أنّها من أفعال الصّلاة .
قلتُ : والمصنّف في نهاية الأحكام يذهب إلى أنّها شرطٌ في الطهارة ، ونقل على ذلك الإجماع في المنتهى وغيره ، وقضية ذلك أنّ الشكّ في الشروط كالشكِّ في الأعضاء ، لكن قضية احتجاجهم في الأعضاء قصرُهم الحكم عليها ، وعليه فتظهر ثمرة النزاع في أنّ النية شرطٌ أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفتاح الكرامة 1 / 494 .

صفحه 33
جزء . . .»(1) .
ويفهم من ذلك :
1 ـ عند البحث في الشكِّ في نية الطهارة يعرض المصنِّف رأي الفقهاء في مصنّفاتهم بأنّ الشكّ في النيّة يطابق الشكّ في غسل الأعضاء أو مسحها .
2 ـ يعرض المصنّف رأيه عبر عرض رأي العلاّمة في القواعد بقوله : «قلتُ ـ أي صاحب مفتاح الكرامة ـ : والمصنِّف ـ أي العلاّمة ـ في نهاية الأحكام يذهب إلى أنّها شرط في الطهارة» . ثمّ ينقل الإجماع في المسألة ويردّ عليها .
3 ـ يذكر المصنّف أخيراً زبدة البحث وهي أنّ النية شرطٌ في الطهارة ، أو بمعنى آخر أنّ وجوب الطهارة متوقِّف على النية بنحو الشرطية .
4 ـ منهج كشف اللثام :
كتاب كشف اللثام عن قواعد الأحكام للشيخ بهاء الدين محمّد بن الحسن الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي (ت 1137 هـ) في عشر مجلّدات ، وهو كتاب فقهي استدلالي موسع .
ومنهجه الاستدلال بالطريق المعهود عند الإمامية والنقل المسهب للأقوال الواردة في الكتب الفقهية للمتقدّمين بلا واسطة ، ويمتاز الكتاب باستيعاب الآراء الفقهية عند فقهاء الشيعة وعرضها باختصار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفتاح الكرامة 1 / 496 .
صفحه 34
ابتدأ المصنِّف شرحه على قواعد الأحكام بكتاب النكاح وما تلاه من الكتب الفقهية ، فقد جاء الكتاب ليتمِّم جامع المقاصد في شرح القواعد ، ثمّ عاد مبتدئاً بكتاب الطهارة ثمّ الصّلاة حيث توقّف في نهاية مبحث (ما يوجب إعادة الصّلاة) ، فهذه الدورة الفقهية ناقصة لبعض الأبواب ككتاب الزكاة والخمس والأنفال والصوم والمتاجر وكتب قليلة أخرى .
نماذج من منهجه :
وفيما يلي نماذج من منهج المصنِّف اقتطفناها من كتابه :
النموذج الأوّل : الوضوء يبيح مسّ القرآن الكريم : هل يجوز مسّ كتابة القرآن الكريم بدون أداء الوضوء ؟ اختلف الفقهاء في ذلك ، فمنهم من قال بالحرمة ، ومنهم من قال بالكراهية . ومبنى المصنّف هو وجوب الوضوء قبل مسِّ كتابة القرآن الكريم ، لأنّ معنى التطهير في آية (لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُوْنَ)(1) هو الطهارة من الحدث والجنابة والحيض . يقول في أحكام الصّلاة :
«يستباح بالوضوء الصّلاة مطلقاً والطواف الواجب للمحدث إجماعاً ومسُّ كتابة القرآن له في الأقوى ، إذ يحرم مسّها عليه على الأقوى وفاقاً للخلاف والتهذيب والفقيه والكافي وأحكام الراوندي وابني سعيد ، لقوله تعالى : (لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُوْنَ) . وفيه احتمال العود على (كِتَاب مَكْنُوْن) والتطهير من الكفر . ولكن حكى في المجمع عن الباقر (عليه السلام) أنّ المعنى : المطهّرون من الأحداث والجنابات ، وأنّه لا يجوز للجنب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الواقعة 96 : 79 .
صفحه 35
والحائض والمحدث مسّ المصحف . ولخبر أبي بصير سأل الصادق (عليه السلام) عمّن قرأ القرآن وهو على غير وضوء ، فقال : (لا بأس ولا يمسُّ الكتاب) . ومرسل حريز عنه (عليه السلام) : أنّه كان عنده ابنه إسماعيل فقال : (يا بُني إقرأ المصحف ، فقال : إنّي لستُ على وضوء ، فقال : لا تمسُّ الكتابة ومسَّ الورق واقرأه) . وقول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر إبراهيم بن عبد الحميد : (المصحف لا تمسّه على غير طهر ولا جُنُباً ، ولا تمسّ خيطه ، وتعلِّقه ، إنّ الله يقول : (لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُوْنَ)) .
وخلافاً للمبسوط وابني إدريس والبرّاج ، للأصل ، واحتمال الأخبار بعد تسليمها الكراهة ; لورود جواز مسِّ الجنب ما عليه اسم الله أو اسم رسوله من الدراهم فالمحدث أولى . وفيه احتمال عدم مسِّ الإسم»(1) .
ونستنتج من كشفه للثام القواعد :
1 ـ إنّه أبرز الحكم القائل بإباحة الوضوء لمسِّ القرآن الكريم .
2 ـ إنّه ذَكَرَ من آمن بذلك من الفقهاء كالشيخ الطّوسي والصدوق والكليني والراوندي وابني سعيد .
3 ـ إنّه استدلّ على الحكم بالآية القرآنية : (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُوْنَ) .
4 ـ إنّه ذكر من احتمل أن يكون التطهير في الآية من باب التطهير من الكفر ، وذلك المبنى لا يقتضي مجرّد الوضوء .
5 ـ ثمّ ردّ من احتمل ذلك برواية الإمام الباقر (عليه السلام) بأن المطهَّر هو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف اللثام 1 / 575 ـ 576 .
صفحه 36
المطهَّر من الحدث والجنابة والحيض .
6 ـ ذَكَرَ المخالفين لهذا الرأي من الفقهاء وعدّدهم بأشخاصهم ، وهم : الشّيخ الطّوسي في المبسوط وابن ادريس وابن البرّاج .
7 ـ احتمل أن يكون مبنى المخالفين للرأي الكراهة وليست الحرمة .
8 ـ افتى بحرمة مسِّ كتابة القرآن للمحدِث .
النموذج الثاني : الوضوء ومسألة غسل الأذنين وهل أنّ الأذنين من الوجه أم لا ؟
قال بعض فقهاء العامّة : إنّهما من الوجه ، وأوجب غسلهما أو مسحهما ، وقال البعض الآخر باستحباب ذلك ، بينما حرّم فقهاء الإمامية ذلك وقالوا : إنّ ذلك بدعة في الدين . قال المصنّف في الوضوء باب غسل الأذنين :
«وغسل الأذنين كما أوجبه الزهري لكونهما من الوجه ، ومسحهما كما استحبّه الجمهور ، وأوجبه إسحاق بن راهويه وأحمد في وجه بدعة عندنا ، ومن العامّة من يغسل ما أقبل منهما ويمسح ما أدبر ، وكذا التطوّق ـ أي مسح العنق عند مسح الرأس ـ بدعة عندنا ; لخلوّ النصوص والوضوءات البيانية عنه ، واستحبّه الشافعي ، نعم روي عن الصادق (عليه السلام) : (إذا فرغ أحدكم من وضوئه فليأخذ كفّاً من ماء فليمسح به قفاه يكون فكاك رقبته من النّار) وإذا كانت هذه بدعاً فلا يجوز شيء منها إلاّ للتقية فقد يجب ، وليس شيء منها إلاّ للتقية مبطلاً للأصل بل لغو وإن اعتقد المشروعية والجزئية ، مع احتمال الإبطال حينئذ»(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف اللثام 1 / 583 ـ 584 .

صفحه 37
ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّ في غسل الأذنين أو مسحهما أربعة آراء :
أ ـ الوجوب في غسل الأذنين ، قال به الزهري لكونهما من الوجه .
ب ـ الوجوب في مسح الأذنين ، وقال به إسحاق بن راهويه وأحمد .
ج ـ الاستحباب في مسح الأذنين ، وقال به الجمهور .
د ـ غسل الأذنين أو مسحهما بدعة عند فقهاء الإمامية .
2 ـ إنّ في التطوّق وهو مسح العنق عن مسح الرأس ثلاثة آراء :
أ ـ الاستحباب ، قال به الشافعي .
ب ـ إنّه بدعة عند فقهاء الإمامية .
ج ـ الوجوب تقيّةً عند فقهاء الإمامية .
ويمكن ملاحظة طريقة المصنِّف في تسلسل الأفكار وضغط العبارة ونقل الآراء المتفاوتة ، بحيث تبدو ظاهراً وكأنّها فقرة واحدة منسجمة في الترتيب والعرض .
النموذج الثالث : إعادة الطهارة والصّلاة عند تذكّر الخلل : هناك بعض حالات الابتلاء التي تواجه المكلّف أحياناً ، ومنها أنّه لو توضّأ وضوءين الأوّل واجب والثاني مستحبّ والتفت إلى أنّه أخلّ بغسل عضو أو بمسحه في أحد الوضوءين فعليه إعادة الطهارة والصّلاة . يقول المصنِّف :
«ولو جدّد الطهارة ندباً وذكر إخلال عضو من إحديهما أعاد الطهارة والصّلاة إن صلّى بعدهما أو بينهما ، وإن تعدّدت الصّلاة حتّى صلّى بكلّ طهارة صلاة فإنّه يعيد الثانية أيضاً على رأي وفاقاً لابن إدريس ، فإنّ الندب لا يجزئ عن الواجب مع احتمال الإخلال في الواجب ، فالطهارة مشكوكة ، وكذا لو جدّد واجباً بالنذر وشبهه على ما اختار من لزوم نية الرفع أو
صفحه 38
الاستباحة ، وخلافاً للشيخ والقاضي وابني حمزة وسعيد فصحّحوا ما وقع بعد الثانية مع إيجابهم نية الرفع أو الإستباحة ، فلعلّهم استندوا إلى أنّه شرع التجديد لتدارك الخلل في السابق .
وفي المعتبر : الوجه صحّة الصّلاة إذا نوى بالثانية الصّلاة ، لأنّها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة لا تحصل إلاّ بها ، فهو ينزل نية هذه الفضيلة منزلة نية الإستباحة . وقوّى في المنتهى صحّة الصّلاة بناءً على شكّه في الإخلال بشيء من الطهارة الأولى بعد الإنصراف فلا عبرة به ، وهو قويٌّ محكيٌّ عن ابن طاووس . . .»(1) .
ونستنتج من ذلك :
1 ـ إنّ المكلّف لو كان متوضّأً ثمّ بدا له تجديد الطهارة بالوضوء ثانية على وجه الاستحباب ثمّ تذكّر أنّه أخلّ بأحد الوضوءين أصبحت الطهارة الآن مشكوكاً فيها ، والندب لا يجزىء عن الواجب مع احتمال الإخلال بالواجب ، وهذا هو رأي ابن إدريس .
2 ـ أمّا الشّيخ والقاضي وابنا حمزة وسعيد فقد صحّحوا ما وقع من صلاة بعد الطهارة الثانية ، وهذا خلاف الرأي الأوّل .
3 ـ وأمّا العلاّمة في المعتبر فقد قال بصحّة الصّلاة إذا نوى المكلّف بالطهارة الثانية الصلاة ، لأنّها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة الصّلاة .
4 ـ أمّا صاحب كتاب المنتهى فقد قوّى صحّة الصّلاة بناءً على شكِّه في الإخلال بشيء من الطهارة الأولى بعد الإنصراف ، وذلك الشكّ لا عبرة له .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف اللثام 1 / 589 ـ 590 .

صفحه 39
5 ـ إنّ رأي المصنِّف أن يعيد الصّلاة والطهارة وإن تعدّدت الصّلاة كما في المتن .
5 ـ منهج مدارك الأحكام :
كتاب مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام للسيِّد محمّد بن عليّ العاملي (ت 1009 هـ) في ثمانية مجلّدات ، وهو من الكتب الفقهية الاستدلالية ، ومنهج المصنِّف الإعتماد على الروايات المعتبرة مع الدقّة في نقلها ، ولذلك يعتبر من الكتب المعتمدة في نقل الرواية وقوّة الاستدلال ، وكان من منهج المصنِّف اعتقاده بضعف ما يرويه غير الإمامي الإثني عشري .
نقد كتاب المدارك :
ولذلك تعرّض هذا الكتاب إلى بعض الانتقادات ، ومنها انتقاد الشّيخ البحراني للمصنّف بأنّه قد سلك في الأخبار مسلكاً وعراً ونهج منهجاً عسراً و . . . . قال ما نصّه :
« . . . السيّد محمّد صاحب المدارك ، فإنّه ردّ أكثر الأحاديث من الموثّقات والضعاف باصطلاحه ، وله فيها اضطراب كما لا يخفى على من راجع كتابه ، فيما بين أن يردّها تارة وما بين أن يستدلّ بها أخرى ، وله أيضاً في جملة من الرجال مثل إبراهيم بن هاشم ومسمع بن عبد الملك ونحوهما اضطراب عظيم ، فيما بين أن يصف أخبارهم بالصحّة تارة وبالحسن أخرى وبين أن يطعن فيها ويردها ، يدور في ذلك مدار غرضه في المقام ، مع جملة من المواضع التي سلك فيها سبيل المجازفة ، كما

صفحه 40
أوضحنا جميع ذلك ممّا لا يرتاب فيه المتأمّل في شرحنا على كتاب المدارك الموسوم بتدارك المدارك وكتاب الحدائق الناضرة»(1) .
ورُدَّ على ذلك بأنّ المصنِّف لم يضطرب مبناه ، والتمسُّك بالمبنى الأصولي أو الفقهي أو الرجالي لا يدلّ على الاضطراب ، فقد يردُّ المصنِّفُ روايةً معيّنةً ولكن يستدلّ بها إذا كانت مشهورة عند الفقهاء ، فالمبنى هو الأخذ بعمل الأصحاب لا الأخذ بالرواية ، وهذا الفارق ينبغي ملاحظته في مباني الفقهاء .
والتحقيق أنّ المنهج الاستدلالي للسيِّد العاملي صاحب المدارك لا يعلوه منهج آخر ، فتراه متقناً في البحث عن أسانيد الرواة ، واستدلاله لا يعلو عليه استدلال مصنّف آخر في زمانه .
نماذج من منهجه :
من أجل تشخيص منهج المصنّف لابدّ من دراسة نماذج من بحثه ، ومن ذلك منزوحات البئر :
النموذج الأوّل : منزوحات البئر في حالة صبِّ المسكر : والبئر كان من أهمِّ مصادر الماء في الحجاز زمن النصِّ ، وكان الناس يحفرون الآبار للسقاية والغسل والوضوء ونحوها ، ولذلك فقد كثر في الرواية استخدام البئر وكثرت الأسئلة حول المشاكل التي كان يبتلي بها الناس مع الآبار كوقوع الميتة والخمر فيها ، فكان يقتضي تطهير البئر من النجاسات بنزح كمّية معيّنة من ماء البئر بالدلاء ، وفي ذلك يقول المصنّف :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لؤلؤة البحرين : 45 .
صفحه 41
«قوله : وطريق تطهيره بنزح جميعه إن وقع فيها مسكر : المراد بالمسكر هنا ما كان مائعاً بالأصالة ، وإطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق بين قليل المسكر وكثيره ، وبه صرّح المتأخّرون ، واحتجّ عليه في المختلف بصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في البئر يبول فيه الصبيّ أو يصبّ فيها بول أو خمر ، فقال : (ينزح الماء كلّه) . وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : (إن سقط في البئر دابّة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء ، فإن مات فيها ثور أو نحوه أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه) . وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : (إذا سقط في البئر شيء صغير فمات فيها فانزح منها دلاء ، قال : فإن وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء ، وإن مات فيها بعير أو صبّ فيها خمر فلينزح) .
وفيه نظر ، فإنّ هذه الأخبار كلّها واردة بلفظ الصبِّ وهو يؤذن بالغلبة والكثرة ، مع أنّها مخالفة لما عليه الأصحاب في حكم البول وموت الدابّة الصغيرة وغير ذلك ، وتأويلها بما يوافق المشهور بعيد جدّاً . ونقل عن ابن بابويه رحمه الله في المقنع أنّه أوجب في القطرة من الخمر عشرين دلواً ، وربّما كان مستنده رواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) في بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر ، قال : (الدَّم والخمر والميِّت ولحم الخنزير في ذلك كلّه واحد يُنزَح منها عشرون دلواً ، فإن غلبت الريح نُزِحت حتّى تطيب) . وهي قاصرة من حيث السند لجهالة بعض رجالها فلا يسوغ العمل بها ، وأيضاً فإنّ ظاهرها الإكتفاء بالعشرين في الخمر وما معه مطلقاً ولا قائل به .
وبالجملة : فالفرق بين قليل الخمر وكثيره متّجه إلاّ أنّ مقدار النزح في القليل غير معلوم ، ولا يبعد إلحاقه بغير المنصوص إن قلنا بنجاسة الخمر ، وإلاّ لم يجب في القليل شيء ، وكان الكلام في الكثير كما في اغتسال

صفحه 42
الجنب»(1) .
ونستنتج ممّا ذكر :
1 ـ تصريح المصنّف أنّ إطلاق عبارة المسكر يفهم منها الكثير أو القليل على حدٍّ سواء ، فالإطلاق لا يترك للمرء إدراك كمّية محدّدة تنجّس البئر .
2 ـ احتجاج الفقهاء المتأخّرين على صحّة ذلك بروايات صحيحة ثلاث عن رواة إجلاّء هم : معاوية بن عمّار ، وعبد الله بن سنان ، والحلبي .
3 ـ ردّ المصنّف على تلك الروايات وما حُمِلت عليه قائلاً : إنّها وردت بلفظ الصبِّ وهو يؤذن بالغلبة والكثرة ، ولا يمكن تأويلها بحكم البول أو موت الدابّة الصغيرة وغير ذلك .
4 ـ احتجّ بقصور رواية زرارة (الدَّم والخمر والميِّت ولحم الخنـزير في ذلك كلِّه واحد . . . الخ) ، وقال : إنّها قاصرة السند ، حيث إنّ نوح بن شعيب الخراساني لم يذكر في كتب الرجال . وإنّ ظاهرها الاكتفاء بالعشرين في الخمر . . . ولا قائل به .
5 ـ يتوصّل المصنّف إلى أنّه لابدَّ من التفريق بين الخمر الكثير والقليل ، والقليل غير منصوص فلا يبعد إلحاقه بالمنصوص إن قلنا بنجاسة الخمر ، وإلاّ لم يجب في وقوع القليل منه في البئر شيء .
النموذج الثاني : منزوحات البئر في حالة موت الدابّة : ومشكلة وقوع الدابّة في البئر أكثر ابتلاءً من صبّ الخمر ، لأنّ الدابة تبحث عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مدارك الأحكام 1 / 62 ـ 63 .

صفحه 43
رزقها في الأرض على الأغلب وهي جاهلة بما يخبِّىء لها القدر فتقع في البئر وتموت ، فكان لابدَّ من تطهير البئر من نجاستها . قال المصنِّف :
«قوله : وبنزح كرٍّ إن مات فيها دابّة : هذا هو المشهور بين الأصحاب ولم أقف له على مستند ، والذي وقفت عليه في ذلك صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد الله وأبي جعفر (عليهما السلام) في البئر يقع فيها الفأرة والدابّة والكلب والطير فيموت ؟ قال : (يخرج ، ثمّ ينزح من البئر دلاء ، ثمّ اشرب وتوضّأ) . ويندرج في الدابّة البغل والفرس وغيرهما ، وقرّب المصنّف رحمه الله في المعتبر إلحاق الفرس بما لا نصّ فيه ، وهو مشكل للقطع بدخولها في مفهوم الدابّة سواء قلنا : إنّها ما يدبُّ على الأرض ، أو ذات الحوافر ، أو ما يُركب . . . .»(1) .
ونستفيد من قوله :
1 ـ إنّ المشهور بين الفقهاء هو نزح كرٍّ إذا وقع في البئر دابّة وماتت فيه استناداً إلى صحيحة زرارة .
2 ـ إنّ السؤال المطروح حول الرواية هو : ما هي طبيعة الدابّة ؟ وقد قرّب العلاّمة الحلّي في المعتبر إلحاق الفرس بالدّابّة ، ولكن صاحب المدارك ردّه وقال : إنّه لا نصّ فيه ، وهو مشكل للقطع بدخولها في مفهوم الدّابّة ، فهل هي ما يدبُّ على الأرض ؟ أو أنّها من ذوات الحوافر ؟ أو أنّها ما يُركب من الحيوانات ؟ وطالما كان الجواب غامضاً بقي الاستدلال ناقصاً .
6 ـ منهج مستند الشيعة :
كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة للشيخ محمّد مهدي النراقي (ت 1245 هـ) في عشرين مجلّداً ، من كتب الفقه الاستدلالي ، امتاز بكثرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مدارك الأحكام 1 / 69 .
صفحه 44
التفريعات وإيراد آراء الفقهاء ، يقوم المصنّف في الغالب وبعد أن يعرّف موضوع البحث بالاتكاء على وسادة فتاوى بقية الفقهاء عن طريق إجماعهم على ذلك أو عن طريق تسمية آرائهم في كتبهم المعروفة ، وغالباً ما يستدلّ المصنّف بالآيات والروايات الصحيحة المسندة عنده ، وتلك قضية اجتهادية محضة ، ولو كان هناك ضعف في سند الرواية فإنّه قد يأخذ بها لأنّها منجبرة بعمل الأصحاب ، وعندها يكون ملزمَاً بالتصريح بمنهجه ذلك بالخصوص ، وعندما يتهيّأ له ثبوت الدليل وقوّته يقوم عندئذ بنسف حجِّية الدليل الأضعف عبر دحضه من مختلف الجهات العلمية ، كحمله على التقية ، أو منافاته للإجماع المتّفق عليه ، أو القصور في فهم الأخبار العلاجية ، أو فقدان المرجّحات المنصوصة . وربّما استدلّ بالقرائن الموضوعية أو الشرعية والقواعد الأصولية كالاستصحاب .
نماذج من منهجه :
ويمكننا عرض منهج مستند الشيعة عبر النماذج التالية :
النموذج الأوّل : حرمة الفقاع : الفقاع هو الشراب المستخلص من ماء الشعير ، وقد اختلف الفقهاء في نجاسته ، فمنهم من قال بنجاسته ، ومنهم من قال بطهارته . والفقاع على قسمين : مسكر وغير مسكر ، فإذا كان مسكراً فهو نجس بالإجماع بدليل قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوْهُ)(1) . ومن أجل الإلمام بأطراف المسألة قام المصنّف أوّلاً بعرض الرأي الأوّل القائل بنجاسة الفقاع ، ثمّ قام ثانياً بعرض الرأي الثاني القائل بطهارة الفقاع ومناقشته ، ثمّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة 5 : 92 .

صفحه 45
ثالثاً بعرض الرأي الراجح عنده من الناحية الشرعية ومستنداً على الأخبار العلاجية وموافقة الكتاب والشهرة القوية التي تكاد تبلغ حدّ الإجماع .
أوّلاً : الإستدلال على نجاسة الفقاع . يقول في الفقاع :
« . . . وهو ـ ما سمّي عرفاً ، أو ما يؤخذ من ماء الشعير فقط ، أو مع غيره ـ نجس بالإجماع المحقِّق والمحكي عن المبسوط والخلاف والانتصار والغنية والمنتهى والتذكرة والنهاية للفاضل وغيرها ، سواء أسكر أم لا . وتدلّ عليه روايتا أبي جميلة والقلانسي المنجبرتان بالعمل .
وأمّا الأوّل : فهو أيضاً نجس عند السواد الأعظم من الفريقين ، وعليها الإجماع عن الخلاف والمبسوط والنزهة والسيّد والحلّي وابن زهرة والفاضل وولده وغيرهم ، بل الخامس نسب إلى المخالف خلاف إجماع المسلمين ، وهو الحجّة فيه .
مضافاً إلى قوله سبحانه : (فَاجْتَنِبُوْه) فإنّ الاجتناب الإمتناع عمّا يوجب القرب منه مطلقاً ، ولا معنى للنَّجس إلاّ ذلك . وحمل الاجتناب المطلق على بعض أفراده تحكّم . وعدم وجوب الاجتناب عن النجس في جميع الأحوال أو عن ملاقاة الأنصاب والأزلام بدليل لا يوجب خروج باقي الأفراد . وإخراج ملاقاة النجس عن الأفراد المتعارفة مكابرة .
والأخبار المستفيضة بل المتواترة معنىً الواردة في موارد متعدِّدة المتضمِّنة للأمر بغسل الثوب منها ، أو إعادة الصّلاة مع الثوب الذي أصابته ، أو غسل إنائها ثلاثاً أو سبعاً ، أو إهراق حُبّ أو قدر فيه لحم ومرق كثير قطرت فيه قطرة منها مع كونها مستهلكة فيه . وللنّهي عن الأكل في آنية أهل الذمّة التي يشربون فيها الخمر ، وعن الصّلاة في ثوب أصابته ، معلِّلاً بأنّها
صفحه 46
رجس»(1) .
وهنا استدل المصنِّف بنجاسة الفقاع عن طريق :
1 ـ الإجماع المحقَّق .
2 ـ روايتي أبي جميلة والقلانسي .
3 ـ الدليل القرآني بالاجتناب .
4 ـ الأخبار الواردة في غسل الثوب منه . . . الخ
5 ـ النهي عن آنية أهل الذمّة الملوثة بالخمر .
لكنّه في نفس الوقت ناقش موضوع الإجتناب في قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوْه) وحصره بموضوع الإمتناع لا النجاسة ، ثمّ احتجّ على أنّ الإجتناب المطلق لا يمكن أن يحمل على جميع أفراد الفقاع ، ففيه الطاهر وفيه النجس .
ثانياً : مناقشة الأدلّة القائلة بطهارة الفقّاع وتفنيدها ، وذكر من حكم بطهارة الفقّاع قائلا :
« . . . خلافاً للمحكي عن الصدوق والعماني والجعفي فقالوا بطهارتها ، ويظهر من جماعة من المتأخِّرين كالأردبيلي وصاحبي المدارك والذخيرة والمحقِّق الخوانساري الميل إليها لأخبار متكثِّرة أيضاً ، أصرحها دلالةً ما يدلّ على جواز الصّلاة في الثوب الذي أصابته قبل غسله ، وفي بعضها : (إنّ الله حرّم شربها دون لبسها والصّلاة فيها) ، بترجيح هذه الأخبار بموافقة الأصل والاستصحاب ، وكونها قرينةً لحمل الأخبار المتقدّمة على التقية أو الاستحباب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستند الشيعة 1 / 190 .

صفحه 47
وفيه ـ مع عدم صلاحية كثير منها للتقية ، حيث يتضمّن حرمة الجري أو النبيذ أو نجاسة أهل الكتاب ، ولا للحمل على الاستحباب ، للأمر بإعادة الصّلاة المنفي استحبابها بعد صحّتها بالإجماع ـ أنّ الحمل على أحدهما أو الرجوع إلى الأصل إنّما يكون فيما لم يكن هناك دليل على علاج آخر ، وأمّا معه فكيف يمكن طرحه ؟ !
والعجب من هؤلاء المائلين إلى طهارتها أنّ رجوعهم إلى أحد هذه الأمور في مقام التعارض لا يكون إلاّ بعد اليأس عن العلاجات الواردة في الأخبار العلاجية العامّة .
مع أنّ الخبر العلاجي في خصوص اختلاف الأخبار في المقام وارد ، وهي صحيحة عليّ بن مهزيار ، قال : قرأت في كتاب عبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن (عليه السلام) : جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل أنّهما قالا : (لا بأس أن يصلّي فيها ، إنّما حرّم شربها) . وروى غير زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال : (إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ ـ يعني المسكر ـ فاغسله إن عرفت موضعه ، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلَّه ، وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك) فأعلمني ما آخذ به ؟ فوقّع بخطِّه (عليه السلام) : (خذ بقول أبي عبد الله (عليه السلام)) . وظاهر أنّ المراد قوله منفرداً .
وخبر خيران الخادم من أصحاب أبي الحسن الثالث صلوات الله عليه : كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلّى فيه أم لا ؟ فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : صلِّ فيه فإنّ الله إنّما حرّم شربها ، وقال بعضهم : لا تصلّ فيه ; فكتب (عليه السلام) : (لا تصلّ فيه

صفحه 48
فإنّه رجس)»(1) .
واستدلّ المصنِّف بضعف الرأي القائل بطهارة الفقاع عبر الموارد التالية :
1 ـ الأخذ بالروايات الواردة بجواز الصّلاة في ثوب أصابته قبل غسله ، لا لقوّتها سنداً بل لحمل الأخبار المتقدّمة عليها على التقية .
2 ـ عدم الالتفات إلى الأخبار العلاجية في المقام .
3 ـ عدم الالتفات إلى موارد التقية .
ثالثاً : الترجيح الشرعي : وبعد أن أوصل المصنّف البحث إلى هذا المستوى قدَّم لنا ترجيحه الشرعي فقال :
«هذا ، مع أنّه لو قطع النظر عن ذلك وانحصر الأمر بالمرجّحات العامّة لكان الترجيح مع أخبار النجاسة أيضاً ; لموافقة الكتاب التي هي أقوى المرجّحات المنصوصة ، والمخالفة لمذهب أكثر العامّة ـ كما هي عن الاستبصار محكية وإن كان الظاهر من كلام جماعة خلافه ـ ولما هو أميل إليه حكّام أهل الجور وذوو الشوكة منهم من طهارة الخمر ، حيث إنّ ولوعهم بشربها وتلوّثهم غالباً بها مع نجاستها يورث مهانةً لهم في أنظار العوامِّ والحكم ببطلان صلاتهم وصلاة من كان يقتدي بهم والإزدراء والاستخفاف بهم ، فالحكم بالنجاسة مخالف للتقية ، بخلاف الحرمة حيث كانت ضرورية من الدين منسوباً مخالفه إلى الإلحاد ، فلم تكن بهذه المثابة . واعتضادها بالشهرة القوية التي كادت أن تبلغ حدّ الإجماع ، مع أنّ من المرجّحات المنصوصة التي عمل بها جماعة من الأصحاب الأخذ بالأخير ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستند الشيعة 1 / 192 .
صفحه 49
ولا ريب أنّ صحيحة ابن مهزيار وخبر خيران قد تضمّنا ذلك ; فالمسألة بحمد الله واضحة غاية الوضوح»(1) .
النموذج الثاني : نجاسة النبيذ : والنبيذ كالفقاع مثال آخر على ثبوت نجاسته عند المصنِّف وكونه خمراً بالنصوص المتعاضدة ، فاستند المصنِّف على قواعد فقهية أو أصولية كالإجماع والاستصحاب وانجبار الرواية بعمل الأصحاب وقاعدة الصواب ما خالف رأي مذاهب العامّة ونحوها .
قال المصنّف في النبيذ هو : «كلُّ ما يعمل من الأشربة كما صرّح به الجوهري والطريحي . ولو قيل باختصاصه بنوع خاصٍّ منه ـ كما استعمل في بعض الأخبار ـ يتمّ المطلوب بعدم الفصل . مع أنّ الآية تعمّ الجميع بضميمة ما ورد في تفسيره ـ المنجبر بالعمل بل بإجماع المفسرين ـ كالمروي في تفسير القمّي في بيان قوله تعالى : (إنّما الْخَمْرُ . . .) إلى آخره : (أمّا الخمر فكلُّ مسكر من الشراب إذا خُمِّر فهو خمر)(2) .
ويدلّ عليه أيضاً تصريح الأخبار بأنّ كلَّ مسكر خمر(3) بالتقريب المتقدِّم في الميتة ، لا كونه خمراً لوجود علّة التسمية أو للاستعمال فيه مطلقاً أو بدون القرينة ; لضعف الجميع . وأمّا نفي البأس في بعض الأخبار عن إصابة المسكر والنبيذ الثوب فغير دالٍّ على الطهارة . وتجويز الصّلاة في ثوب أصابه مطلق النبيذ أو الشرب من حبّ قطرت فيه قطرة منه محمول على النبيذ الحلال .
نعم ، في قرب الإسناد للحميري : عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستند الشيعة 1 / 191 ـ 193 .
(2) الوسائل 25 / 280 أبواب الأشربة المحرّمة ب 1 ح5 .
(3) الوسائل 25 / 326 أبواب الأشربة المحرّمة ب 15 ح 5 .

صفحه 50
ثوبي أغسله أو اُصلّي فيه ؟ قال : (صلّ فيه إلاّ أن تقذِّره فتغسل منه موضع الأثر)(1) .
وهو مع ضعفه وموافقته لمذهب أبي حنيفة في المائعات المسكرة الذي هو المتداول في زمانهم ـ بل لكلِّ العامّة في خصوص النبيذ ـ معارض لما تقدّم مرجوح منه بما ذكر .
وإنّما خصّصنا بالمائعة بالأصالة ; لطهارة غيرها من المائعة عرضاً ، أو غير المائعة ، بالأصل السالم عن المعارض ; لأنّ ما يدلّ من الأخبار على النجاسة مخصوص بالنبيذ الصريح في المائع بالأصالة ، وما ليس بمخصوص غير صالح لإثبات النجاسة ، لخلوّه عن دالّ على وجوب الغسل .
نعم ، نقل شيخنا البهائي ـ وتبعه جمع ممّن تأخّر عنه ـ عن التهذيب موثقة الساباطي : (لا تصلّ في ثوب أصابه خمر أو مسكر ، واغسله إن عرفت موضعه ، فإن لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كلّه ، فإن صلّيت فيه فأعد صلاتك) . ولكنّي لم أعثر عليها لا في التهذيب ولا في غيره من كتب الأخبار .
وأمّا الجامد بالعرض فهو نجس للاستصحاب»(2) .
ونستفيد ممّا عرضه المصنّف :
1 ـ إنّ عموم آية (إنّما الْخَمْرُ . . .) يشمل النبيذ لأنّه مسكر ، وكلُّ مسكر يعدُّ خمراً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 / 472 أبواب النجاسات ب 38 ح 14 .
(2) مستند الشيعة 1 / 194 ـ 195 .

صفحه 51
2 ـ إنّ الروايات الواردة في طهارة النبيذ ضعيفة ، بل هي موافقة لمذاهب العامّة .
3 ـ إنّ النجاسة تعمّ مطلق النبيذ مائعاً كان أو جامداً ، سائلاً كان أو صلباً .
الاستنتاج :
وبالإجمال : فإنّ المنهج الاستدلالي الموسوعي في المدرسة الإمامية تميّز بالشمولية والسعة في فهم المسألة الفقهية والاستدلال عليها بالطريق المعهود بين الفقهاء عن طريق تطبيق الأصول على الفروع ، وقد ربط جميع أهل العلم والمعرفة قدماء الفقهاء بمتأخِّريهم ولم يشذّ عن تلك القاعدة أحد ، فالفاضل الهندي ينقل ما قاله ابن أبي عقيل وابن الجنيد والصدوقان ، والشّيخ صاحب الجواهر ينقل ما قاله الشّيخ المفيد والسيّد المرتضى والشّيخ الطّوسي ، والسيّد العاملي ينقل ما قاله المحقّق الحلّي والعلاّمة والشّهيد الأوّل والثاني . وهكذا نجد المدرسة الفقهية الاستدلالية الإمامية مترابطة ومتماسكة تماسكاً محكماً في الفتوى ونقل الأحكام وتسلسل الأفكار ونقد الآراء وتحكيم الأصول .
وللبحث صلة . . .